Полный текст (2 442 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
تفسير قوله تعالى: (كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً)
قال تعالى: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه:٣٣ - ٣٤].
نسبحك أي: كي نصلي لك، ونعظمك ونمجدك وننزهك، ونعلي اسمك ونفخر به، ونبقى ذاكرين حامدين شاكرين عابدين، فأستعين به على عبادتك وذكرك وشكرك.
قوله: ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه:٣٤].
أي: في أوقات الصلاة وفي غير أوقات الصلاة، وفي غير أوقات العبادات الراتبة، فنذكرك على كل أحوالنا: نذكرك عند النوم، وعند الصحو، وفي الحضر وفي السفر، وبين الملأ وعلى خلوة، أي: كما كان نبينا ﵊ يذكر الله في جميع أحواله، وقد أشاد ربنا في كتابه بالذاكرين الذين يذكرونه قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم وعلى كل الحالات، فلا يستغنون عن ذكر ربهم في حالة من الأحوال.
وقوله: ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ [طه:٣٥].
أي: إنك يا ربنا كنت بنا البصير العالم المدرك، فأنت عندما اخترتنا لنبوءتك أعلم بنا وبما يمكن أن نعمله، فأعنا وألهمنا الثناء عليك، وألهمنا دوام عبادتك، وأعنا على أن ننصر في الدعوة إليه.
стр. 212
تفسير قوله تعالى: (قال قد أوتيت سؤلك يا موسى)
قال الله ﷻ : ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٣٦].
أي: أجاب دعاءه فأزال العقدة التي على لسانه ليبين ويفصح، وأكرمه بنبوءة أخيه وألهمهما الشكر والذكر، وشد أزره وظهره بأخيه.
فقوله: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ﴾ [طه:٣٦] أي: قد أعطاك ربك وأكرمك ووهب لك ما سألته، فاذهب أنت وهارون نبيين رسولين حبيبين قريبين إلى فرعون؛ لكن ذلك لم يفد فيه شيئاً وبقي على طغيانه.
стр. 213
تفسير سورة طه [٣٧ - ٤٧]
يذكر الله تعالى مننه على عبده موسى ﵇ إذ حفظه سبحانه منذ ولادته وقذفه في اليم إلى أن نجاه من فرعون بعد قتل القبطي، ثم بعودته رسولاً إلى فرعون وقومه.
стр. 214
تفسير قوله تعالى: (ولقد مننا عليك مرة أخرى)
قال الله جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ [طه:٣٧ - ٣٩].
يذكر الله ﷻ مننه على نبيه ورسوله موسى ﵇، فكما أنه كلمه وشرفه واستجاب دعوته وحقق رغبته في جعل أخيه هارون نبياً معه ووزيراً، يقول الله له: ولقد فعلنا بك ذلك قبل أن تخرج لهذا الوجود، وقبل أن تلدك أمك، وبعدما ولدتك أمك وكنت رضيعاً، وعندما صرت غلاماً يافعاً، وعندما تركت مصر خائفاً، وعندما ذهبت إلى أرض مدين، فابتدأ الله بقوله: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ [طه:٣٧].
وهذه المرأة الأخرى كانت قبل سنين، وكانت هي الأصل من حيث العدد لا من حيث الترتيب الزمني.
فقوله: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾ [طه:٣٧ - ٣٨].
كان المن والإكرام، وكان الحفاظ والرعاية والعناية وهو لا يزال في بطن أمه، ثم عند ولادته، وكيف كان ذلك؟ قيل لفرعون الطاغية: إن بني إسرائيل يعتقدون أن منقذاً سيولد لهم، وقد كانوا يظنونه يوسف، وإذا بهم ينتظرونه هذه الأيام ويقولون: سيكون هلاك ملكك وإزالة سلطانك على يده.
فإذا بفرعون يقرر أن يقتل كل وليد يولد لبني إسرائيل منذ اليوم الأول، وإذا بقوم فرعون لا يقبلون ذلك منه، وردوه عليه وقالوا: إذاً يهلك بنو إسرائيل وهم عبيدنا وخدمنا، فمن يتولى خدمتنا بعد فنائهم؟ فاتفق معهم على أن يقتلهم عاماً ويتركهم عاماً، فولد قبل موسى هارون في العام الذي لا يقتل فيه الأطفال من بني إسرائيل، وإذا بموسى يولد في العام الذي يقتل فيه أطفال بني إسرائيل، فمنذ حملت أمه به واسمها مريم، وكانت من فضليات المؤمنات العابدات من بيت النبوءة من بني إسرائيل، فعندما حملته وتوقعته ولداً ركبها من الغم والهم ما الله به عليم.
وإذا بالخوف الذي كانت تخافه أم موسى قد تحقق، فولدت ولداً، وكان الذباحون يتنقلون بين الأزقة والدروب لقتل كل من يبلغهم أنه ولد لبني إسرائيل.
قوله: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾ [طه:٣٨].
قال جمع من المفسرين: المعنى: إذ ألهمنا أم موسى ما ألهمناها، ووفقناها لما وفقناها.
ولا حاجة لهذا التكلف، فنقول: أوحى الله لها وهي نبية وليست برسول، والعمل الذي عملته لا يكفي فيه الإلهام، فلو جاءنا إنسان وقال: سألقي هذا الولد في البحر، فلو مات الطفل لقتلناه به ولو ادعى أنه ألهم.
إذاً الإلهام لا يصل إلى أن يهلك بسببه ويمات بسببه ويدمر بسببه، والذي منع الله منه أن تكون المرأة رسولاً، فإن الله ﷻ لم يوح لامرأة أن تكون رسولاً إلى الناس، وأما النبوءة والوحي الذي لا رسالة فيه ولا تكليف معه فلا مانع يمنعه، وقال بذلك جمهور من علماء العقائد وعلماء الكلام وعلماء التفسير في شريعة الإسلام.
стр. 215
تفسير قوله تعالى: (أن اقذفيه في التابوت)
قال تعالى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي﴾ [طه:٣٩].
أوحي إليها أن تأخذ طفلها ووليدها وأن تجعله في تابوت، وأن تغلق سداده وشقوقه بإحكام حتى لا يتسرب له الماء، وهو لا يطول بقاؤه في الماء.
فأخذت الوليد وصنعت له تابوتاً وقذفته في بحر النيل، وما كادت تفعل حتى لم يبق لها فؤاد، وأصبح فؤادها فارغاً، حتى لقد كادت تبدي به وتظهر سرها من ولهها على وليدها، وأن تعلن أنها قتلت الوليد وقذفته في البحر، فألهمها الله الصبر، وأوحى إليها بأن تقذفه في التابوت وأن تقذف التابوت في اليم.
قوله: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ [طه:٣٩].
هذا إخبار من الله أنه عندما أوحى إلى أم موسى أن تقذفه في التابوت وأن تقذف التابوت في البحر أنه سيقذفه بعد ذلك اليم في ساحل البحر، وكان قصر فرعون على ساحل بحر النيل، وإذا به على الشاطئ ومعه زوجه آسية بنت مزاحم وجوار من القصر، وإذا به يرى الماء آتياً بتابوت متجهاً إلى شاطئ قصره فأمر بفتحه، وإذا به يجد طفلاً جميلاً أحبه من أول نظرة إليه، وقد قال الله له: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه:٣٩].
قوله: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ [طه:٣٩].
وكان العدو الذي أخذه هو فرعون، فهو عدو لله بكفره، وعدو لموسى بظلمه واعتدائه على قومه، قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي.
﴾ [طه:٣٩].
لولا هذه المحبة لقتله فرعون عندما وصل إليه، لأنه يجد أنه من أطفال بني إسرائيل قذفوه لعله يقع في يد من يعتني به ويصونه عن القتل فيقتله، ولكن الحب الذي ألقي على موسى وهو لا يزال طفلاً كان سبباً في كف يد فرعون عن قتله وذبحه وإيذائه وظلمه وهو لا يزال طفلاً لا يستطيع الكفاح ولا الدفاع عن نفسه.
﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩].
أي: ولتنشأ ولتكبر ولتربى ولتعيش طفلاً ورضيعاً وحابياً ويافعاً وشاباً وكهلاً وشيخاً على علم الله وعنايته ورعايته وحفظه، فكان من تمام رعاية الله أن ربي هذا الوليد وغذي في بيت عدوه الذي يخاف من قدومه، والذي أمر بذبح الأطفال بسببه، ولكن الله ساقه حيث سيحفظه عدوه بنفسه.
стр. 216
تفسير قوله تعالى: (إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله)
стр. 217
معنى قوله تعالى: (إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله)
قال تعالى: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ [طه:٤٠].
وكيف كان ذلك؟ فموسى عندما تركه فرعون ولم يذبحه ألقيت محبته في نفس آسية بما يزيد أضعافاً على حب فرعون له، وكانت آسية عقيماً لا تلد، فاستلمت الولد وتبنته ورعته وأخدمته وبعثت له المرضعات وإذا به لم يقبل ثدي واحدة منهن حتى خافت هلاكه وموته، وإذا بالأم الحنون التي فرغ فؤادها من الصبر أرسلت أخته وقالت لها: تتبعي آثاره وانظري أين سيصل به النيل، وهكذا فعلت وأدركت أنه وصل إلى شاطئ الفرع الذي يكون باتجاه قصر فرعون، فأخذت تنتظر من بعيد ماذا ستكون النتيجة؟ وإذا بها تسمع الناس يدخلون ويخرجون والمرضعات يدخلن ويخرجن، وكل واحدة تخرج متأسفة متألمة لعدم قبولها في رعاية ابن فرعون التي كانت تنتظر خدمته، وإذا بأخت موسى تتقدم إليهم وتقول لهم: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص:١٢].
قالوا: وما أدراك بنصحهم؟ قالت: أليس الوليد رضيع فرعون؟ أليس كل الناس ترجو رعايته؟ فهؤلاء كذلك، فذهبوا معها إلى البيت وجاءوا بالأم فدخلت على آسية زوج فرعون فمدت إليه بثديها وإذا به يبادر لامتصاصه وأخذه بكلتا يديه، فقرت عين الأم، وسرت آسية كما سر فرعون، وبهذه الفرحة نسوا أن يتساءلوا: هذه التي ترضع ألها وليد ترضعه، وأين هو، ومن هي؟ فنسوا ذلك وأغفلوه ليحفظ الله موسى من بطشهم.
стр. 218
معنى قوله تعالى: (فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها)
قال تعالى: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ﴾ [طه:٤٠].
والحذف في القرآن يكون فيما يدل عليه السياق كما يقول إمام النحاة ابن مالك في الألفية: وحذف ما يعلم جائز.
ومعنى ذلك: أنها عرضت عليهم من ترضع فوصلت فأرضعته فاكتفوا، وكان بذلك قد رجع الولد إلى أمه فزال حزنها وزال غمها، وجمع الله الشمل في أسرع وقت.
قوله: ﴿وَلا تَحْزَنَ﴾ [طه:٤٠].
أي: لا تحزن عليك، ولا تحزن كيف ستحفظك وتصونك وترضعك، ولو لم يكن الذي تم قد تم فستبقى خائفة من جواسيس فرعون أن يبلغوا عنها، فيرسل من يذبح الوليد.
وقد رزق الله أم موسى فأعاد إليها ولدها وأعطاها أجرتها على إرضاع ولدها فهي التي ترضعه وتأخذ أجرة على إرضاعها له.
قال تعالى: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ [طه:٤٠].
يذكر الله منَّه وإفضاله على موسى ليزداد شكراً لله، ويزداد عبادة لله، ويزداد طاعة لله، وهو يعدد عليه مننه وأياديه وإحسانه من مكالمته ونبوءته واستجابة دعوته في نبوءة أخيه وإنجائه من ذبح فرعون وعودته إلى أمه لترضعه، ثم قتل نفساً فاهتم وحزن وخاف من فرعون أن يقتله به، فقال: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ [طه:٤٠].
بأن فررت بنفسك وذهبت إلى أرض مدين فقابلك شعيب وقال: لقد أمنت فلا حكم لفرعون هنا، وأزال خوفك وهلعك، وعدت من الفقر إلى الغنى، ومن الانفراد إلى الزواج، ومن كونك لا ولد لك إلى الولادة والذرية؛ كل ذلك قد أكرمك الله به.
стр. 219
تفسير ابن عباس لقوله تعالى: (وفتناك فتوناً)
جاء سعيد بن جبير قبل المغرب فطرق باب حبر القرآن عبد الله بن عباس يسأله: ما معنى قوله تعالى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه:٤٠].
قال: استقبل اليوم يا ابن جبير، فإن حديثها طويل، ولا تكفي فيها هذه الفترة من العشي.
ومع الصباح الباكر جاءه سعيد وقال: أنجز وعدك، والقصة رواها النسائي في سننه وحكم عليها بالغرابة وأن أكثرها إسرائيليات مروية عن كعب الأحبار، والمرفوع منها قليل وهو مذكور بنص القرآن.
قال ابن عباس: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه:٤٠] جمع فتنة، والفتنة الابتلاء والاختبار وكما تكون الفتنة بالشر تكون الفتنة بالخير، كما قال ربنا ﷻ : ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥].
فكل ذلك فتنة، وقد فتن أحمد بن حنبل رضوان الله عليه بالمحنة وفتن بالضرب والسجن فتقبل ذلك راضياً، وبعد ذلك فتن بالمال وبالجاه، وفتن بتقرب الخلفاء، فوجد في نفسه ألماً، ومال بعض أولاده للخلفاء فهجرهم وقاطعهم.
والفتنة هنا كانت لموسى مجموعة من البلايا والمحن، فلا تكاد تنتهي فتنة حتى تأتي فتنة أخرى، وفي كل تلك الفتن ينجيه الله ﷻ ويبعده عنها وينقذه منها.
يقول ابن عباس: وكان أول ذلك عندما قيل لفرعون: إن بني إسرائيل ينتظرون منقذاً ينقذهم من طغيان فرعون فأمر فرعون بقتل كل من يولد لهم، وبعد ذلك اصطلح معه قومه على أن يقتلهم عاماً ويستحييهم عاماً، فولد موسى في العام الذي يقتلون فيه، وكانت فتنة للوليد وهو لما يخرج للدنيا بعد، فأنقذه الله وأزال فتنته، وأوحى إلى أمه أن تقذفه في التابوت وأن تقذف التابوت في البحر، وأن البحر سيقذف به إلى ساحل فرعون، وهكذا بقي عند فرعون زمناً.
وذات يوم أراد فرعون أن يداعب الوليد فأجلسه على حضنه، فأخذ بلحيته وجره إليه حتى آلمه، وإذا بفرعون يقول: لاشك أن هذا من أعدائي بني إسرائيل، أين الذباحون؟ فنودي بهم وكادوا يذبحونه لولا تدخل زوجته آسية، وانتهت القصة بأن يمتحن على طفولته، فأتي بجمرة ولؤلؤة، فأخذ الجمرة فوضعها على رأس لسانه فأحرقت لسانه وجعلت فيه عقدة تدعه بذلك ذا عاهة دائمة، ولذا عندما كلمه ربه وأرسله إلى فرعون وهامان وقارون وقومه من بني إسرائيل: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٨].
وكان قد وجد إسرائيلياً وقبطياً في خصومة ومضاربة، وإذا بالإسرائيلي يستنصره على القبطي فوكزه موسى فقضى عليه، أي: ضربه موسى ضربة كانت سبباً في موته والقضاء عليه.
فجاء من بلغه أن القوم يأتمرون به ليقتلوه، ونصحو بأن يفر ويترك البلد، فذهب وهو خائف يترقب ويتحسس هل هناك من يتبعه أو يلحقه؟ إلى أن وجد نفسه في بئر يستقي الناس عليها في أرض مدين، ووجد امرأتين تذودان تريدان أن تسقيا غنمهما، فسقى لهما ثم أوى إلى الظل، ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤].
وبعد برهة جاءت إحدى البنتين اللتين سقى لهما: ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص:٢٥].
وذهب موسى إلى شعيب وتعرف إليه فقال له: ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٢٥]، فهذه الأرض ليست تحت حكم فرعون.
ثم فاوضه على أن يكون أجيراً له لمدة ثمان سنوات يرعى له غنمه مقابل تزويجه بإحدى البنتين، وقال له: إن أتممت عشراً فمن عندك، فزاد العشر وأتمها، ثم خرج بزوجته، وضل الطريق وكان البرد شديداً، وكانت المرأة حاملاً، وإذا به يرى ناراً من بعيد في جبل الطور، فجاءها يريد جذوة يستدفئ بها وزوجته لتذهب عنهما شدة البرد، وإذا به ينادى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه:١٢].
يقول ابن عباس: وهكذا كانت المحن والفتن آخذ بعضها برقاب بعض.
وبعد ذلك فر من فرعون بقومه، وأوتي العلامات التسع والآيات التسع ودخول البحر وغرق فرعون، وامتناع أتباعه من أن يعملوا عملاً، ثم بعد ذلك ردة من ارتد من السامريين ومن أكثر قومه عندما ذهب لميقات ربه أربعين يوماً، وكانت في الأرض ثلاثين، فقالوا إن موسى أخلف وعده، وهكذا كانت أيام موسى كلها فتن آخذ بعضها برقاب بعض، ولكن العاقبة للمتقين والنصر لموسى.
стр. 220
معنى قوله تعالى: (فلبثت سنين في أهل مدين)
بعد كل ذلك قال تعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٠].
أي: فلبثت بعد ذلك يا موسى سنين في أهل مدين، أي: أقمت إلى أن بلغت سن الأربعين، والنبوءة عادة تأتي الأنبياء وهم على رأس الأربعين.
﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٠]، جئت على موعد بيني وبينك قدرته في الأزل، ولم يكن لموسى علم، ولكن القدر الذي قدره الله في تنبيء موسى وإرساله إلى فرعون كان موافقاً لخروجه من عند شعيب.
قال تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١].
أي: اخترتك لتبلغ عني رسالتي وأوامري ونواهي، وأنشأتك وربيتك كما أريد أدباً وحسن سلوك وأخلاق ورسالة ونبوءة وعبادة وطاعة ودعوة إلى الله.
فهيأه الله ﷻ ليكون المبلغ عنه كما صنع بجميع الأنبياء، فكانوا رسلاً إلى الناس كل منهم إلى قومه، إلا نبينا ﷺ فإنه أرسل إلى الناس كافة، ولا نبي بعده.
стр. 221
تفسير قوله تعالى: (اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري)
قال تعالى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه:٤٢].
أي: وبما أني اصطنعتك لنفسي فاذهب أنت وأخوك لتبليغ رسالتي.
وكانت آياتهما من آيات الله ودلائله وقدرته في العصا وفي اليد، وفي الضفادع والقمل والدم، وفيما سلط الله على فرعون وقومه منذ أرسل لهم موسى وهارون إلى أن غرق في النيل هو وقومه.
فقوله: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي﴾ [طه:٤٢].
أي: بدلائلي ومعجزاتي على صدقكما.
﴿وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه:٤٢].
أي: ولا تضعفا ولا تملا ولا تعجزا ولا تتراخيا عن ذكري.
стр. 222
تفسير قوله تعالى: (اذهبا إلى فرعون إنه طغى)
قال تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٣ - ٤٤].
أي: قولا لفرعون قولاً ليناً لطيفاً ولا تعنفا عليه ولا تقولا له قولاً جارحاً مؤلماً، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥].
وقد قال يحيى بن معاذ: هذه رحمة الله لمن قال: أنا إله، فكيف برحمته لمن قال: أنت الإله وأنا العبد! أرسلهما نبيين كريمين إلى الطاغية المتأله، ومع ذلك وجههما أن يقولا له كلاماً ليناً مهذباً بأن يكنياه مثلاً: يا أبا فلان وأن يقولا له أنت لم تقصد سوءاً ولكنك جهلت الحق، فنحن رسولا ربك إليك جئنا لخيرك وجئنا لسعادتك وجئنا لتعليمك، فاقبل منا تسعد في الدنيا والآخرة.
وقد قال المفسرون: وعد موسى فرعون بأن يحفظ الله عليه شبابه ما دام حياً، وأن يبقى ملكاً ما دام حياً، وأن يمتع بلذة الطعام ولذة الشراب ولذة المنكح، ومع ذلك أبى وتمرد وطغى ففقد دنياه وآخرته.
قوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤].
أي: لعله يفكر ويعود إلى نفسه فيراجعها في ادعاء الألوهية، فيخشى الله ويخشى العواقب، ويخشى النار التي أنذره بها موسى وهارون.
стр. 223
تفسير قوله تعالى: (قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا)
قال تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥].
كان لا يزال خوف فرعون متمكناً من نفس موسى وهارون، ﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥].
أي: أن يفرط بأن يبادرهما بالعقوبة وبالبطش وأن يبادرهما بالقضاء عليهما بالقتل، أو أن يطغى بتجاوز الحد في عقوبتهما والتمثيل بهما بعد ذلك.
فكان جواب الله لهما: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦].
أي: لا تخف يا موسى، ولا تخف يا هارون؛ إنني معكما بسمعي، إنني معكما بتسديدي لكما عندما تتكلمان وتسألان أو تجيبان، أو ترغبان أو تهددان، فأنا معكما بالتسديد ومعكما بالتوفيق ومعكما بالحفظ، فأنا أراكما وأرى الذين معكما فأحفظكما من طغيان وجبروت وإفراط وظلم وفرعون.
قال تعالى: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه:٤٧].
قال الله لهما: اذهبا إليه وادعواه إلى الله وعبادته وقولا له: ﴿إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [طه:٤٧].
أي: جئناك رسولين عن ربك نبلغك أمره ونهيه، ونبلغك تهديدك بالبطش بك إن بقيت على عنادك وطغيانك.
стр. 224
تفسير سورة طه [٤٩ - ٥٥]
عندما وصل موسى وهارون ﵉ إلى فرعون ودعواه إلى الله، إذا به يستنكر فيسألهما: من ربهما، فأجاباه إجابة مسددة وبينا له أن الذي خلق كل شيء وهداه وصوره وأنه الذي جعل الأرض مهاداً وأنبت فيها من كل زوج، وهذا ما لا يقدر فرعون على شيء منه لأنه عبد مخلوق.
стр. 225
تفسير قوله تعالى: (قال فمن ربكما يا موسى)
قال الله ﷻ : ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٤٩ - ٥٠].
ما زلنا في قصة موسى وهارون مع فرعون وملئه، فقال تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٩].
وهذا سؤال من فرعون، أي: قال فرعون لموسى وهارون: من ربكما؟ فكانا قد أرسلا من الله فما كان من فرعون إلا أن أخذ يتساءل، وكان المتكلم موسى وكان أخوه ومعززه ووزيره وشريكه في النبوءة والرسالة حاضراً، وهكذا الوفد إذا حضر يتكلم أحدهم ويسكت الآخرون، فيكونون جميعاً قد قالوا بقوله، ودعوا بدعوته.
وخص موسى بالنداء؛ لأنه المتكلم عن نفسه وعن أخيه بالهداية والرسالة.
وهذا السؤال من فرعون لأنه كان يعتبر نفسه رباً، ويقول لقومه: لا أعلم لكم من إله غيري، فعندما جاء موسى وهارون يكذبانه ويدعوانه عبداً لله الخالق الرازق أخذ يتساءل متعجباً متعاظماً: من هو هذا الرب الذي تدعواني إليه؟ ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠].
موسى لم يسم ربه، أراد أن يعرف فرعون وقومه به بنعوته وصفاته وأسمائه العليا التي يعجز عنها فرعون وقوم فرعون وكل متكبر جبار.
﴿قَالَ﴾ [طه:٥٠] أي: موسى.
﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] ربنا الذي أعطى ما خلق صورهم وأشكالهم وصنوفهم، أعطى الإنسان والحيوان والطير، وما يمشي على رجليه، وما يمشي على أربع، وما يزحف على بطنه، أعطى من يعيش على الأرض واليابس ومن يطير في الأجواء محلقاً، وأعطى من يعيش داخل البحار عائماً وسابحاً.
أعطى للإنسان صورته من يد ورجل وعين وفم وأذن، أعطاهم خلقهم وصورهم، ثم هداهم للتصرف فيها.
أعطى اللسان للنطق، وألهمهم أن ينطقوا بلسانهم، ويفصحوا به عن ما في نفوسهم، أعطى الأذن للسمع، والعين للبصر، واليد للبطش، والرجل للمشي، والعقل للفكر والتذكر والاعتبار، كما أعطى لكل ذكر أنثى، ولكل أنثى ذكراً، وهداهما كيف يعيشان وكيف يتزاوجان، وكيف تحمل الأنثى فترضع وتحضن، وكيف يربي الأب فيهذب ويعلم.
وقال موسى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ [طه:٥٠] وقرئ: (كل شيء خَلَقَه ثم هدى) أي: أعطى الإنسان كل ما خلق، وجعله خليفته في الأرض يتصرف فيها كما يشاء بإذنه، وأعطى كل مخلوق صفته وصورته، ثم هداه وألهمه إلى ما يصنع بصورته وبحواسه.
أي: يا فرعون، هذا هو الرب الذي ندعوك إليه، أتستطيع أن تأتي بمثل ذلك؟
стр. 226
تفسير قوله تعالى: (قال فما بال القرون الأولى)
وإذا بفرعون المصر على الشرك وعلى الكفر أخذ يتساءل تساؤل الجاهلين قديماً وحديثاً، وما أشبه اليوم بالأمس: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه:٥١].
أي: ما هو حال القرون الأولى من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح، ما بالهم عاشوا كفرة منكرين للبعث وللقدرة وللنبوءات ومشركين مع الله غيره، ما بالهم لم يأتهم أنبياء ولم تأتهم رسل؟ وهذا الذي تساءل عنه فرعون من جهله ومن ضلاله، فكان جواب الله له فيما نطق به موسى وحياً عن ربه: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ [طه:٥٢].
أي: علم القرون الأولى، وعلم العصور الهالكة السابقة، ﴿عِنْدَ رَبِّي﴾ [طه:٥٢]، فلم يرد موسى مجادلته، ولا الخروج عن القصد، بل جاء لدعوته للتوحيد، وإشعاره بأنه عبد وليس برب، وأن الرب واحد وهو الخالق القادر الرازق.
والمعنى: علم تلك القرون عند ربي في اللوح المحفوظ، وفي كتاب الأعمال، أكانوا حقاً مشركين أو موحدين؟ قوله: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢] أي: لا يخطئ ربنا ﷻ ، ولا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يغفل عن الشيء، فهو القادر المتصف بكل كمال، فليس الأمر كما زعم فرعون.
وقد أرسل الله لقوم نوح نوحاً، وبقي بينهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الإسلام، وآمن معه قوم وإن كانوا قلة، ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠].
وأرسل للأمم الأخرى هوداً، وأرسل صالحاً، وأرسل لوطاً، فلم يغفلهم ولم ينسهم، ولم يضيع العناية بهم والسعي في هدايتهم، لا كما زعم الضال المضل الذي حاول أن يحاجج موسى وهو أحد الخمسة أولي العزم من الرسل.
ففرعون كانت حجته بعدما رأى الآيات البينات التي أتى بها موسى تقليد السابقين من مشركي قوم نوح، وكفرة قوم هود وقوم صالح.
وهكذا اليوم أيضاً تجد أقواماً صفتهم كما قال النبي ﵊: (لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه.
قيل: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن)؟ وهكذا اليوم تجد من ضل من المسلمين ومن أشرك ممن كان مؤمناً يوماً يقول: أفعل ما فعله المتحضرون المتقدمون، فهم يسعون ويجرون وراء كل ناعق من اليهود والنصارى وأضرابهم وأشباههم.
﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه:٥١] يتساءل فرعون ويسأل موسى ﵇: فما حال القرون الأولى؟ كيف عاشوا مشركين ملحدين، زنادقة كافرين، لم لم ترسل إليهم رسل وأنبياء؟ فكان هذا الذي زعمه فرعون دالاً على جهله وإصراره في ضلاله، وإلا فالله ﷻ كما يقول له موسى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢].
стр. 227
تفسير قوله تعالى: (الذي جعل لكم الأرض مهداً)
قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [طه:٥٣].
أي: ربنا وربك يا فرعون ورب الخلق كلهم هو الذي جعل لنا من الأرض مهداً وفراشاً.
مهداً: إما أن نعتبره مفرداً لمهاد، أو مصدراً بمعنى الفرش، والكل بمعنىً واحد.
أي: جعل لنا الأرض نفترشها لأعمالنا ولراحتنا ولأشغالنا، ولحياتنا كلها، فمن الذي خلق الأرض، أأنت أم الله؟ ثم قال: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ [طه:٥٣] يقال: سلك أي: أدخل شيئاً في شيء، ومنه السلك للخرزات تسلك فيه.
فجعل في الأرض مسالك وطرقاً يميزون بها بين مشرق ومغرب، بين وهاد وجبال، بين تهامة وتلال، أي: لتميزوا بها مناكب الأرض للتجارة ولطلب العلم وللسياحة، فالذي خلق ذلك الله ربي وربك يا فرعون.
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ [طه:٥٣] أي: طرقاً، فالسبل: جمع سبيل.
﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [طه:٥٣].
الكلام إلى هنا من قول موسى لفرعون، وما يأتي فهو من كلام الله: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ [طه:٥٣].
يقول الله ﷻ : وهذا الماء الذي أخبر موسى فرعون بأنه الذي أنزله من علو، الذي أنزله مطراً وغيثاً مغيثاً فأنبت الأصناف والأشكال من النبات، أحمر وأخضر وأصفر، حلواً وحامضاً ومراً، والطعوم مختلفة، والألوان مختلفة، والأزهار مختلفة، والماء واحد، والخالق واحد ﷻ ، فما أعظم قدرته وأعلى مكانه، وأقدره على كل ما يريد ﷻ ! قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ [طه:٥٣] أي: بماء السماء.
﴿أَزْوَاجًا﴾ [طه:٥٣] أي: أصنافاً، جمع زوج، وكل صنف فيه ذكر وأنثى، من الإنسان والحيوان والنبات والجن، إلا الملائكة فهم لا يتزاوجون ولا يتناكحون.
قوله: ﴿شَتَّى﴾ [طه:٥٣] أي: متفرقاً ومتنوعاً ومن كل صنف وشكل.
وهذه الآية هي كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠] أي: هذا الماء الذي ينزل من السماء جعل الله النبات به وجعل به الإنسان وغيره من الأحياء، وبه خلق كل شيء.
﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه:٥٤] أي: خلق الله ذلك لنا وللدواب ولمن يأكل على وجه الأرض.
فقوله: ﴿كُلُوا﴾ [طه:٥٤] أي: أيها الناس.
﴿وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه:٥٤] الأنعام جمع جمع، ويشمل كل الدواب إبلاً وبقراً وأغناماً وماعزاً، وما يشبه ذلك.
أي: كلوا ما ينفعكم ويصلح لكم من ذلك، وارعوا أنعامكم غيره، يقال: (رعى) لازم ومتعد، رعى نعمه ورعت نعمه، والكل بمعنى واحد، فرعت أي: أكلت وتعيشت بما على الأرض من نبات شتى، مما خلقه الله من الماء الذي ينزله من السماء.
стр. 228
تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآيات لأولي النهى)
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى﴾ [طه:٥٤]: أي: إن في هذه الصفات والنعوت وأسماء الله الحسنى من أن الرب جلاله هو الذي أعطى كل شيء خلقه وصورته، وألهمه كيف يتصرف بها وبحواسه، وهو الذي أنزل من السماء ماءً وخلق أزواجاً من نبات شتى، وهو الذي جعل من الأرض مهاداً وفراشاً لكل من عليها وما عليها، وهو الذي جعل في الأرض سبلاً وطرائق يهتدى بها للذهاب والإياب والتجارة وطلب العلم والسياحة وكل ما يحتاج إليه إنسان على وجه الأرض؛ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى﴾ [طه:٥٤] أي: لذوي العقول.
النهى: جمع نهية، وسميت العقول نهى لأن العقل ينهى الإنسان عن الشرور وعن المعاصي وعن الظلم وعن الإيذاء، وعن الجهالة والضلالة.
والمعنى: يعلم ذلك أصحاب العقول الناهية عن الشر والمعاصي، ويدرك ذلك ذو العقل السليم الذي ينهاه عن الشرك والكفر والذهاب طرائق قدداً في الكفر بالله.
стр. 229
تفسير قوله تعالى: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم)
قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه:٥٥]: هذه الأرض التي وصفها ربنا بأنها جعلت فراشاً لكل خلقه، وجعل فيها سبلاً ليذهب فيها ويسافر عليها؛ هذه الأرض منها كان خلق الإنسان، وإليها عودته بعد موته، ومنها خروجه للبعث والجزاء.
وقوله: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه:٥٥] فقد خلق الله أبانا الأول بيديه من تراب، ثم نفخ فيه من روحه وقال له: كن بشراً سوياً فكان، وأسجد له ملائكته.
ثم خلق زوجه من ضلع من أضلاعه، ثم تسلسل الخلق بعد ذلك من نطفة إذا تمنى، فكان الخلق الأول وكان الأب الأول أبو البشر آدم من تراب، وبما أن الأصل من تراب والفرع من الأصل فكلنا من تراب.
وكما قال النبي ﵊ وهو يمنع الناس أن تتفاخر بالأحساب والأنساب: (كلكم من آدم وآدم من تراب).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
فالتراب أصلنا ومنه خلقنا، ولا تفاضل في التراب إلا بخصب وإنبات ومعادن توجد هنا ولا توجد هناك، وذاك معنى قوله ﷺ : (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيركم في الجاهلية خيركم في الإسلام).
وكذلك الإنسان أفضليته في تقواه، وفي عبادته، وفي طاعته، وفيما يقدمه لأخيه المسلم من خير وهداية وابتعاد عن الضلال والجهالة.
وقوله: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه:٥٥] الخلق إيجاد الشيء على غير مثال سابق، وليس ثم رب آخر ليكون لخلقه شبيه ومثال، فهو الأول بلا بداية، والآخر بلا نهاية، وهو في السماء إله وفي الأرض إله، هو الخالق للأولين والخالق للآخرين، لا شريك له ولا ثاني في صفة ولا فعل ولا قدرة ولا في ذات من باب أولى.
﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه:٥٥] وذرأناكم وأنشأناكم.
﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه:٥٥] وهذا نراه رأي العين لا ينكره إلا فاقد العقل، فلو أن موتانا منذ آدم إلى الآن على كر العصور والقرون جعلت على أديم الأرض وظاهرها لامتلأت الأرض من الأموات ولا يبقى مكان للأحياء، ولكن الله خلقنا من تراب وأعادنا إلى التراب.
فالميت منا عندما يموت مهما كان عزيزاً على قومه، ومهما كان حبيباً لقومه، تجد قومه وأحبابه وأقرب الناس إليه يحفرون له في الأرض ويدسونه في التراب، وإذا به بعد أيام، أو أشهر، أو سنين طالت أو قصرت يصبح تراباً، فترجع تلك الجثة كلها لأصلها الأول، حيث كانت تراباً فعادت تراباً.
﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه:٥٥] فعند البعث بعد الموت سنخرج من التراب، وسيبقى في التراب جزء من جسدنا يسمى عجب الذنب كقدر العدسة في آخر سلسلة الظهر، فننبت بأمطار يرسلها الله ﷻ ، وإذا بنا قيام ننظر.
فالله ﷻ يصف قدرته ويصف خلقه، وأنهم خلقوا من تراب، ثم أماتهم فأعادهم إلى التراب، ثم سيحييهم مرة ثانية فيعودون بشراً سوياً خالدين مخلدين بعد العرض على الله وبعد الحساب، ثم إلى جنة أو نار، هؤلاء لأبد الآباد، وهؤلاء لأبد الآباد.
стр. 230
تفسير سورة طه [٥٦ - ٦٣]
واجه موسى فرعون بالآيات البينات فاتهمه بالسحر والشعوذة وأنه يريد أن يفسد في مصر ويخرج منها أهلها، ثم تواعدا على أن يجمع فرعون سحرته ليناظروا موسى، وكان الموعد يوم الزينة، فحضرت الجموع وبدأت المناظرة.
стр. 231
تفسير قوله تعالى: (ولقد أريناه آياتنا كلها)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾ [طه:٥٦].
يقول الله عن عناد فرعون: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ﴾ [طه:٥٦] أي: فرعون.
(آيَاتِنَا كُلَّهَا) الآيات: المعجزات والعلامات على وحدانية الله وقدرته، وقد أتى بها موسى، والتي منها العصا تنقلب حية، واليد تدخل إلى الجيب فتخرج وكأنها الكوكب الدري، والدم والضفادع إلى آخر الآيات التسع.
فكل ذلك لم يزد فرعون إلا كفراً وعناداً واستكباراً في الأرض ومكر السيئ، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.
﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ﴾ [طه:٥٦] رآها رأي العين وعاش في واقعها من أول آية، إلى آخر آية وهي شق البحر فرقين وجبلين عظيمين.
﴿فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾ [طه:٥٦] كذب كل ذلك، وأبى إلا تكذيب موسى في رسالته وفي نبوءته وفي وحيه.
قال: ﴿فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾ [طه:٥٦] ولم يذكر المكذَّب، وأخذ من عموم اللفظ، أي: كذب الآيات التسع وكذب موسى وهارون في كل ما أتيا به من دعوة إلى الله، والأمر بطاعته، واتباع وحيه، والإيمان بالله الخالق، وبالبعث والنشور وبالجنة والنار.
وتلك قضية جميع الرسل منذ آدم إلى خاتمهم نبينا عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، فقد أتوا بها مبشرين المؤمن بالجنة، ومنذرين الجاحد بالنار.
﴿فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾ [طه:٥٦] أبى الإيمان والتصديق وامتنع عنه.
стр. 232
تفسير قوله تعالى: (قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى)
قال تعالى: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا﴾ [طه:٥٧].
وهذه عادة الكفرة عندما يعجزون عن البرهان والدليل، فموسى يجادل فرعون ويعلمه ويرشده بالمنطق ورؤيا العين وسماع الأذن وواقع الحال، وإذا بفرعون عندما يعجز عن الأخذ والعطاء والاستدلال بقضايا العقول، إذا به يبهت ويقول له: ما جئت إلا وأنت ساحر تريد الملك والسلطان وإخراجنا من أرضنا والتسلط عليها، واعتبار نفسك ملكاً ورئيساً وعظيماً.
قال فرعون: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٥٧].
يتساءل سؤال المستنكر الجاحد الكافر: يا موسى! هل مجيئك إلينا تريد منه إخراجنا من أرض مصر؟ وكان قد اتخذ نفسه فيها إلهاً من دون الله، وهو قد استغفل قومه، واستخف عقولهم، وما أشبه اليوم بالأمس.
فعندما قال لهم: لا أعلم لكم إلهاً غيري كانت حجته أن قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] وكأن مصر هي العالم كله، فلكونه جعل عليها سلطاناً وحاكماً فترة من الزمن تبعاً لمن سبقه من أب وجد اتخذ ذلك دليلاً على ربوبيته وعلى ألوهيته، وكان سخيف العقل، سخيف الفهم، معرقاً في الكفر والضلال.
﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٥٧].
أي: نحن علمنا وأدركنا ذلك، فما جئتنا إلا لتخرجنا من الأرض بالسحر، واعتبر كل ما جاء به موسى من عصاً وغيرها سحراً، ولم ذلك؟ لأن مصر اشتهرت منذ القدم بالسحرة، وخاصة في عصر الفراعنة، فقد كانوا يعدون بالآلاف، ولضلاله وذهاب عقله، ولإصراره على الكفر، والجحود عد المعجزات والنبوءات والرسالات الإلهية ضرباً من ضروب السحر والشعوذة.
стр. 233
تفسير قوله تعالى: (فلنأتينك بسحر مثله)
قوله: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ [طه:٥٨].
اللام هنا لام القسم، ثم أكد القسم بنون التوكيد الثقيلة، فيحلف فرعون بما يحلف به، ولعله يحلف بنفسه.
﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ [طه:٥٨] أي: سنأتي نحن كذلك بسحرنا ونرى من الغالب ومن المغلوب، وهل كل هؤلاء السحرة رسل وأنبياء؟! فما أنت إلا ساحر منهم، ولعلك كنت كبيرهم وشيخهم! أي: فالسحر مثل ما أتيت به من معجزات ورسالات ونبوءات، فشبه النور بالظلمة، والهداية بالضلالة، والكفر بالإيمان، وهذا شأن الكافرين قديماً وحديثاً.
ثم عاد فطلب منه: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾ [طه:٥٨].
أي: نحن نعلم أنك ساحر ماهر، وبالسحر تريد أن تخرجنا من أرضنا وتمتلكها، وها نحن سنأتيك بسحر كسحرك، فاضرب معنا موعداً لذلك لتراه بعينك.
وذاك ليخزيه الله ويكسفه على رءوس الخلائق، وليميز قبل غيره بين السحر والوحي، وبين المعجزات والخزعبلات.
والموعد مصدر واسم مكان الوعد والاجتماع الذي يتواعد فيه، وبكل ذلك يصح التفسير.
﴿لا نُخْلِفُهُ﴾ [طه:٥٨] أي: لا نتجاوزه، ولا نخرج عنه.
﴿مَكَانًا سُوًى﴾ [طه:٥٨] أي: حال كون الموعد مكاناً سواء، بيناً مستوياً لا تلال فيه ولا كدى، مبسوطاً مسطحاً قريباً منا ومنك بحيث إذا حضرته الخلائق يرون جميعاً ما سيحصل من فعلك وفعل السحرة، ليحكموا عن رؤية لا يحجبهم عنها جبل ولا شجر ولا حائط.
يقال: سُوى وسِوى وسواء، والمعنى واحد، مثل: طُوى وطِوى بكسر السين وضمها مقصوراً، فإذا فتحت السين فلا بد من المد، يقال: سواء، أي: المكان الذي للموعد يكون أرضاً مستوية قريبة منا ومنك لا تبعد عنا ولا تبعد عنك، وتكون ظاهرة وواضحة يستطيع أن يرى فيها الرائي والحاضر كل ما يحدث فيها من سحرك وسحرنا.
هكذا يريد فرعون، وإذا بموسى يجيبه لذلك، وقد طلب مهلة أربعين يوماً ليجمع مكره وحيله وسحرته، فوافقه موسى على الموعد والزمن.
стр. 234
تفسير قوله تعالى: (قال موعدكم يوم الزينة)
قال تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه:٥٩].
أراد موسى أن يكون اليوم يوم السحر في نظرهم، ويوم المعجزات في نظر نبي الله موسى ونبي الله هارون.
ويوم الزينة هو يوم عيدهم الذي يتزينون فيه ويكونون عاطلين عن العمل ليحضر جميعهم، ولا يتأخر أحد عن حضور ذلك اليوم ليرى من سيفلح غالباً ومن سيخزى مغلوباً.
وقد قال ابن عباس: كان اليوم يوم عاشوراء، أي: اليوم العاشر من محرم.
وقد ثبت في الصحيح: أن يوم الغلبة كان هذا اليوم، وثبت في الصحيحين أن النبي ﵊ عندما ذهب للمدينة مهاجراً وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم: لم ذلك؟ قالوا: ذاك يوم نصر الله فيه موسى على فرعون.
قال نبينا ﷺ : (أنا أحق منكم بموسى)، فصامه وندب الناس إلى صيامه.
وفي السنة التي سيموت فيها ﵊ أراد مخالفة اليهود الذين يصومون اليوم العاشر فقال: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر) فأصبحت السنة صيام يوم عاشوراء مع صوم اليوم التاسع قبله مخالفة بذلك لليهود في ذلك العصر، وأما بعد ذلك فلا يعرف لليهود صوم في يوم عاشوراء.
وانفرد المسلمون بصيام هذا اليوم، إذ هو يوم أعز الله فيه الحق وهزم الباطل وخذله، فكان صيامه رمزاً لنصرة الحق ورمزاً لهزيمة الباطل.
قوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه:٥٩].
أي: وأن يحشر الناس ويجمعوا، بأن يجمعهم فرعون ويحشدهم ويكتلهم ضحىً، أي: عند طلوع النهار وبعد إشراق الشمس بزمن لتصح الرؤية، ولا يكون ليلاً، ولا تكون عتمة ولا ظلمة فتضيع على الناس الرؤية ويتيهون فلا يدرون هل انتصر نبيا الله الأكرمان موسى وهارون أم السحرة المشعوذون مع ساحرهم الأكبر المشعوذ فرعون؟
стр. 235
تفسير قوله تعالى: (فتولى فرعون فجمع كيده)
قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾ [طه:٦٠].
ذهب فرعون فشرع في جمع كيده، فجمع سحرته وجمع ضلاله، وجمع الأفاكين، وجمع المشعوذين والضالين ليحضروا في اليوم الذي عينه موسى، وليكون نصره -كما توهم- على رءوس الخلائق ليعلموا أنه هو الصادق، هكذا توهم وهكذا أوحى له شيطانه.
فتولى فرعون فجمع كيده الذي ظن أنه سيكيد به موسى وهارون وأتباعهما.
قوله: ﴿ثُمَّ أَتَى﴾ [طه:٦٠].
أي: أتى الموعد، فأتى فرعون ليحضر يوم الموعد، ونُصب له كرسي عال وجاءه سحرته يتمنون عليه الأماني إذا هم انتصروا ماذا سيكون جزاؤهم ومكافأتهم، ووعدهم بأنهم سيكونون من المقربين مع ما سيأخذونه من مال وجاه ومناصب.
فتولى: ذهب، والفاء للتفريع وللعطف المتقارب نسبياً، كان قد تم له جمع كيده وسحره وشعوذته، قيل: جمع اثنين وسبعين ساحراً مع كل ساحر عصي وحبال.
وقيل: بل أربعمائة.
وقال كعب الأحبار: اثنا عشر ألفاً.
وقيل: آلاف لا تكاد تعد ولا تحصى.
جاء كل واحد ومعه عصي وليست عصا واحدة، وحبال وليس حبلاً واحداً؛ ليقذفوها أمام موسى ليرهبوه وليرعبوه وليوهموه أن ما أتى به من آيات ومعجزات هم أيضاً يفعلون مثل ذلك.
أتى فرعون يرأس حفله ومواكب شعوذته وسحره، ونصب له كرسي بحيث يرى الناس كلهم ويرونه، فعندما جاء وإذا بموسى نبي الله قد حضر فلم يخلف الموعد، وحضرت خلائق مصر إذ ذاك كلها بحيث ضاقت بهم الأرض، فلا يكاد يرى الناس على مد البصر إلا خلقاً، وبينهم السحرة المشعوذون، واصطفوا صفاً واحداً.
وفي الجانب المقابل رسول الله موسى وأخوه هارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وإذا بموسى وهو نبي الله، وهو الداعية إلى الله، ولا يليق بنبي أن يحضر محضراً كهذا كله ظلمة وضلال وكفر إلا ويبتدئه بكلمة يدعو فيها إلى الله، ويحذر هؤلاء من الكذب والضلال ويحضهم على الصدق والإيمان.
стр. 236
تفسير قوله تعالى: (قال لهم موسى ويلكم)
سكت موسى أولاً وقد تم الجمع، فلا تسمع بينهم إلا همساً، فكل كلمة تقال تسمعها الآذان وتسجلها القلوب والأفئدة، وترى الحواس كلها مشرئبة لترى من المنتصر ومن المنهزم.
وإذا بموسى في مثل هذا الوقت يقول لهم: ﴿وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [طه:٦١] دعا عليهم بالويل، والويل هو النهر من قيح وصديد في جهنم.
أي: يا ويلكم يا هؤلاء السحرة ويا مصيبتكم إذا بقيتم على الكذب على أنفسكم وعلى الناس، فالويل في جهنم ينتظركم.
والخطاب للسحرة ولمن جاء، وهو فرعون وهامان.
قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه:٦١].
﴿لا تَفْتَرُوا﴾ [طه:٦١] لا تكذبوا، ولا تخترعوا القول عن غير وجود ثابت.
﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [طه:٦١] لا تسحروا الناس وتوهموهم باطلاً حقيقة، وتزعموا الحق باطلاً والباطل حقاً.
﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه:٦١] فيسحقكم بعذابه ويستأصلكم، فيذهب فرعون وقومه في الأمم البائدة المنتهية كما حدث من بعد.
وقيل: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه:٦١] أي: يمكن منكم أعداءكم فيقتلون ويشردون ويصادرون ويستعبدون، ثم يمحقكم في النار كلما نضجت جلودكم بدلناها جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب.
﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه:٦١] ليس للمفتري وللكاذب إلا الخيبة والرجوع بخفي حنين، أي: بالهزيمة الساحقة، وبالذل والهوان على رءوس الملأ ورءوس الخلائق.
فموسى نبي الله ما أراد أن يبدأ عمله ويلقي عصاه إلا بعد أن ينصحهم ويدعوهم إلى الله، فإن أبوا فيكون ذلك عن علم، فيسحتون ويسحقون بالعذاب.
وقرئ في السبع: (يسحتكم) ثلاثي ورباعي، والمعنى واحد، والسحت السحق والاستئصال.
أي: يأتي عليهم من أصولهم بحيث لا يبقى أصل ولا فرع، فإذا ذهب من الشجرة أصلها واجتث ماتت فروعها وذبلت، وهكذا إذا قتل الرجال وقتل النساء واستعبد الأولاد فالنهاية الاستئصال والإبادة الكاملة، فهذا الذي حدث لهم بعد ذلك.
стр. 237
تفسير قوله تعالى: (فتنازعوا أمرهم بينهم)
قال تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [طه:٦٢].
بعد أن قال لهم موسى هذا الكلام تنازعوا فيها بينهم وتشاجروا وتخاصموا، وأسروا النجوى لكيلا يسمعها فرعون خوفاً منه، ولكيلا يسمعها الناس فيفرون، فقالوا في ما قالوه في النزاع: ليس هذا الذي قاله موسى بكلام ساحر، وما السحر إلا الكذب والشعوذة، فما باله يتكلم عن الكذب والافتراء على الله، ما هذه إلا نبرة نبي ودعوة نبي وليس ذلك بكلام مشعوذ ولا ساحر.
والنجوى اسم للمنجاة أو مصدر، والمعنى واحد، أي: تناجوا فيما بينهم سراً بحيث لا يسمعهم الناس وهم يتشاجرون ويتنازعون ويتخاصمون، يقول البعض: إن انتصر موسى كنا أتباعه وآمنا بدعوته.
وبعضهم يقول: لن ينتصر، ما هو إلا ساحر مثلنا، وكيف يمكن ذلك؟ فيقول آخرون: ليس الأمر كما تقولون، فليس من شأن الساحر أن يدعو إلى الله وينفر من الكذب عليه ويخوفكم من عذاب الله وسوء العاقبة.
وقد قيل: إن المناجاة التي كانت بينهم هي ما يقول الله في هذه الآية: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه:٦٣] وكأن الله قد كشف نجواهم.
стр. 238
تفسير قوله تعالى: (قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم)
فقولهم: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه:٦٣].
قالوا: وليس هذان -أي: موسى وهارون- إلا ساحران، أي: هما مثلنا في الشعوذة يرون الناس ما لم يروه ويسترهبونهم بما يأتون.
فقولهم: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ [طه:٦٣] تأكيد لما قال فرعون، والناس على دين ملوكهم.
﴿مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ [طه:٦٣] أي: من مصر، أي: أن يطردا من كان على دين فرعون وعبادة فرعون وتأليه فرعون.
﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه:٦٣].
أي: ويذهبا بدينكم الأمثل، وأنث (المثلى) مراعاة للطريق، وهي مؤنثة من حيث اللفظ والمعنى، يقال: عمل أمثل، وطريقة مثلى، أي: أن يذهبوا بدينكم الأفضل من دينهم، وطريقتكم الأمثل والأفضل من طريقتهم.
هكذا أوحى لهم شيطانهم، وهكذا أكدت لهم وثنيتهم، فهؤلاء تناجوا بذلك ليأخذوا به قوة وليردعوا من تردد وضعف.
وقد قرئ في السبع، بل وهو المشهور في القراءة: (إنَّ هذان لساحران)، فإن: تنصب الاسم وترفع الخبر، ولكن هنا في الآية الكريمة لم تنصب المثنى, ولو نصبته لقيل فيه: إن هذين لساحران.
وقد خرج بعضهم الآية على أن (إنّ) هنا ليست (إنّ) المؤكدة، بل معناها هنا: نعم.
ومن عادة العرب في جاهليتها وإسلامها، وروي ذلك عن رسول الله ﷺ أنه إذا ابتدأ في الكلام يقول: نعم.
ثم يتحدث.
وفي زوائد عبد الله بن أحمد على مسند أبيه: (أن النبي ﷺ في رواية الكثيرين من الصحابة كان يخطب ويقول: إن الحمدُ لله) أي: نعم، الحمد لله.
وجاء رجل إلى عبد الله بن الزبير وهو خليفة على الحجاز وأرض الإسلام كلها إلا الشام، فطلبه شيئاً فمنعه منه، فقال له هذا الشاعر: لعن الله راحلة نقلتني إليك، فأجابه ابن الزبير: إنّ وصاحبها.
أي: نعم وصاحبها؛ لأنك جئت تطلب ما ليس لك وليس لي، حيث جئت تطلب مال غيرك من بيت مال المسلمين.
وقد روي في الشعر العربي الفصيح: بكر العواذل في الصبا ح يلمنني وألومهنّهْ ويقلن شيئاً قد علا ك وقد كبرت فقلت إنّهْ والعواذل: من يتغزل بهن، فأخذ يلومهن ويلمنه، فهو يقول: لا زالت في بقية، وهن يقلن له: لا، لقد كبرت وأصبحت ذا شيب ولا يطلب مثل ذلك الغواني.
قوله: (فقلت إنه) أي: نعم، ولم ينكر ذلك.
فهذه رواية، ويصح المعنى بها.
فتكلم هؤلاء السحرة وهم يتناجون ويقولون عن موسى: ما به إلا أن يخرجنا من أرضنا ويذهب بديننا، فنعم هذان لساحران، أي: كما يقول فرعون سيدهم ومربوبهم المزيف الباطل.
وقيل: (إنَّ) إذا دخلت على المثنى تعطل عن العمل ويبقى المثنى مرفوعاً حالة النصب وحالة الرفع وحالة الجر، وهي لغة فصيحة عند الكثير من قبائل العرب، ورووا في ذلك قولهم: إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها وكان ينبغي أن يقال: إن أباها وأبا أبيها.
стр. 239
تفسير سورة طه [٦٣ - ٧٠]
اجتمع سحرة فرعون وعزموا على الكيد بموسى وهزيمته، ثم ألقوا حبالهم وعصيهم فخيل إلى الناس أنها حيات تسعى، حتى أوجف في نفسه خيفة موسى، لكن الله ثبته وجعل عصاه تلقف ما يأفكون فألقي السحرة ساجدين.
стр. 240
تفسير قوله تعالى: (قالوا إن هذان لساحران)
قال الله ﷻ : ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه:٦٣].
لا نزال مع موسى وهارون في دعوتهما فرعون وملئه إلى الله وهم يصرون ويعاندون، ويأبى الله إلا أن ينصر الحق ويزهق الباطل.
فجمع فرعون سحرته في يوم اتفق فيه موسى وفرعون، وحضر السحرة ونظروا إلى رسولي الله ونبييه: موسى وهارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام.
فأخذوا يتناجون خفية بعد أن وعظهم موسى بألا يفتروا على الله الكذب، وأن المفتري الكذب على الله له الدمار والبوار، وله الخسارة في الدنيا والآخرة.
وإذا بهم يسرون النجوى قائلين: ما هذا الكلام من موسى بكلام ساحر مشعوذ، إن هو إلا كلام داعية لله، ولا يبعد أن يكون نبياً كما يقول.
أسروا ذلك عن فرعون وملئه.
ثم عادوا فقالوا ما قاله فرعون: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه:٦٣] أي: ما هذان الشخصان موسى وهارون إلا ساحران، أرادا بسحرهما أن يخرجا هؤلاء السحرة عما لهم من رزق وما لهم من مقام، وأن يخرجا فرعون وملأه عن ملكهم وسلطانهم وأرضهم، هكذا سول لهم الشيطان، وهكذا قص الله علينا مناجاتهم.
﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾ [طه:٦٣] فطريقة الإخراج تكون بالسحر والغلبة فيه.
﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه:٦٣] أي: الطريقة الفضلى، والدين الوثني الفاضل كما يتوهمون ويزعمون.
وقد قلنا إنه قرئ في أكثر القراءات السبع: (إنَّ هذان لساحران) على خلاف المعروف من قواعد النحو والعربية في أن (إنَّ) تنصب الاسم وترفع الخبر.
وقد زعم قوم من الصحابة وغيرهم أن هذا لحن كتبه الكتاب ونقلوه باطناً عن عثمان، وأن ذلك كان كذلك، ولكنه وقد طلب في أن يلغيه فقال: لا يحلل حراماً، ولا يحرم حلالاً، فاتركوه كما هو.
وما أظن ذلك صحيحاً عن عثمان وعائشة كما نقل عنها هذا، وما أعتقد ذلك إلا خطأً تسرب ممن قال ذلك.
القرآن عليه تتخذ القواعد، ومن قواعد قبائل كثيرة من العرب قبائل خثعم وغيرها كانت تعطل عمل إن، وإنما تدخل للتأكيد فلا ترفع ولا تنصب.
وقد ورد بذلك النطق الفصيح لسيد العرب وفصيحهم نبينا صلوات الله وسلامه عليه، ففي زوائد مسند أحمد عن ولده الإمام ابن الإمام عبد الله بن أحمد: أن النبي ﷺ كثيراً ما كان يبتدئ خطبه بقوله: إن الحمدُ لله.
وفسروا ذلك بأن إن معناها: نعم، ليست للتأكيد، وبالتالي لا تعمل فيما تدخل عليه من الكلم لا نصباً ولا رفعاً.
وقد ورد أعرابي على عبد الله بن الزبير وهو إذ ذاك أمير المؤمنين في جميع بلاد المسلمين إلا الشام فطلب رفده وقد مدحه كما يفعل الشعراء، فلم يعطه ما كان يؤمله فقال له: لعن الله ناقة نقلتني إليك، قال له ابن الزبير: إن وصاحبها.
أي: نعم ولعن صاحب الناقة وراكبها كذلك.
قيل: إن هنا بمعنى نعم.
وفي ما قالوه هي بمعنى التأكيد لا نعم، وجاءت على لغة ولهجة الكثير من القبائل، ورووا في ذلك قول النجم: إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها قواعد النحو في غير هذه اللغة كان ينبغي أن تكون: إن أباها وأبا أبيها قد بلغا في المجد غايتيها ولكن إن والقائل بالحال، والقائل نطق بلغة فصيحة أكدها القرآن عندما نزلت به.
وفي معنى نعم أيضاً ورد قول الشاعر: بكرا العواذل بالحديـ ـث يلمنني وألومهن ويقلن لي شيب علا ك وقد كبرت فقلت إنه العواذل من عذله ولامه من الشابات لمنه لم يتغزل ويشبب بهن وقد شاب شعره وعلاه البياض وكبرت سنه، ولا يليق بمن كان هكذا أن يفعل مثل هذا، فأقر عندما قلن له هذا القول فقال: إنه أي: نعم.
وسواء فسرنا إن هنا بمعنى نعم أو بإن المؤكدة ولكنها لا تعمل، فالقرآن قد تواتر نزوله بإن في هذا المكان غير عاملة نصباً في اسم، ولا رفعاً في خبر، والقرآن هو الإمام المحتذى للغة العرب، وعلى أساس ما فيه نطق سيبويه وغير سيبويه من أئمة النحو.
ولا مجال لقائل أن يقول: أخطأ كاتب في الكتابة، فالله قد تعهد بحفظ القرآن نحواً ولغة ولفظاً ومعنى.
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] وحافظون عامة في نحوه وبلاغته ولغته ولفظه ومعناه.
﴿قَالُوا﴾ [طه:٦٣] أي: السحرة.
﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه:٦٣].
أي: يتخذا السحر والبراعة فيه طريقاً للاستيلاء على مصر وإخراج أهلها منها وترك دينهم الوثني وإحلال دين التوحيد، دين الحق إذ ذاك من موسى وهارون.
وكما تقول العرب في أمثالها: وتلك شكاة ظاهر عنك عارها.
ثم أخذوا يتعاونون ويقولون: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه:٦٤] بعد أن قرروا مع أنفسهم وتناجوا في أنفسهم بالكيد، بالكذب، بالخزعبلات، بالسحر والشعوذة وقالوا لبعضهم: أجمعوا أي: اعزموا واحتموا أمركم، لا تترددوا ولا تتشككوا، ولا يصرفنكم ما سمعتم عن فرعون ودينه.
﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه:٦٤] ائتوا صفاً واحداً، رأياً واحداً، يداً واحدة، لا تختلفوا ففي الاختلاف الهزيمة والخسارة.
﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ [طه:٦٤] وقالوا لبعضهم: قد أفلح وفاز وانتصر اليوم من استعلى، أي: من انتصر ونجح وغلب وقهر موسى وهارون، هكذا تناجوا، وهكذا تحدثوا، وهكذا سول لهم الشيطان.
ثم عادوا فقالوا: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ [طه:٦٥] أخذوا يشرعون في السحر وعمله وعرضوا على موسى متأدبين أو متحدين، ولا يظهر إلا أنهم يتحدون، أما الأدب فلم يأت وقته ولا مجاله بعد.
﴿قَالُوا﴾ [طه:٦٥] أي: السحرة، ﴿يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ [طه:٦٥] أي: يلقون ما أتوا به من حبال وعصي وأعواد وآلات للسحر، ويلقي هو عصاه التي كانت المعجزة الأولى التي أتى بها فرعون فأفزعه وأرعبه ثم انتكس على عقبه وقال: هذا سحر، وبلادي عامرة بالسحرة.
﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ [طه:٦٦] أي: فقال لهم موسى: بل كونوا الأول فيمن يلقي ويشرع في سحره وشعوذته وكيده.
﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ﴾ [طه:٦٦].
هنا حذف دل على السياق، وهو من الفصاحة في القرآن، ويأتي في لغة العرب كذلك، وقد قال ابن مالك في أرجوزته: وحذف ما يعلم جائز والتقدير: فألقوا الحبال والعصي فإذا بها تتحرك.
﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦].
الحبال: جمع حبل، وهو معروف.
والعصي: جمع عصاً، وهي كذلك معروفة.
فكانوا قد أتوا بأحمال من الحبال وأحمال من العصي وهي أدوات سحرهم في يوم الزينة هذا، يوم نصر الله للحق في شخص موسى وهارون، وخذلانه الباطل في شخص فرعون وسحرته.
فألقوا وهم على مستوىً من الأرض وكان اليوم يوم عيد، وأتوا متزينين.
стр. 241
تفسير قوله تعالى: (قال بل ألقوا فإذا حبالهم)
قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦].
فألقى السحرة أولاً كما قال لهم موسى، ألقوا في هذه الصحاري حبالهم وعصيهم وإذا بها أفاعي فيما تظن العين ويتراءى لها.
﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾ [طه:٦٦] أي: إلى موسى، ﴿مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦] فكان هناك من الكيد ومن الشعوذة ما صنعوه في الحبال والعصي، فبدت وكأنها تتحرك وترتمي على بعضها، وأنها تزحف يمنة ويسرة حتى كأنها أفاعي حقاً.
فأخذت تتحرك وتسعى وتجري وما كان إلا الزئبق قد لطخت به الحبال ولطخت به العصي، فحمي هذا الزئبق عند حر الشمس ضحى، والزئبق بطبيعته متحرك غير ثابت ولا مستقر، وبكثرة ما صنعوه بدت الحبال والعصي في عين الناظر تتحرك وتمشي وتسرع.
﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦]، خيل: أي هي خيالات خادعة، وأوهام كاذبة لا حقيقة لها في نفس الأمر، فلو وضع شخص يده على أفعى منها لما وجدها إلا عصاً أو حبلاً.
والسحر أقل وأحقر من أن يغير ذات الشيء إلى ذات أخرى، ولا يفعل ذلك إلا الله ﷻ ، ولكنها الخزعبلات والألاعيب والخفة في اليد توهم الإنسان، وهو متشكك النفس في أن هؤلاء يريدون مخادعته، ويريدون اللعب على إدراكه وفهمه.
وقد كاد يحصل بعض ذلك لموسى، وهو بشر بعيد عن السحر، فلم يسبق له أن رآه فضلاً عن أن يقوم به، وهو نبي معصوم، يقول الله عنه: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه:٦٧].
أي: أن موسى أضمر الخوف، وقال: معي عصاً واحدة وهؤلاء أتوا بالآلاف، فما تصنع هذه العصا مع هذه العصي والحبال التي انقلبت حيات وأفاعي؟ وهذا من ضعف البشرية، ولكن الوحي يساند ويؤيد ويقوي.
وقيل: لم يخف موسى في نفسه وهو مؤيد بالوحي، ولكنه خاف على الحاضرين أن يغرهم ذلك فيبعدهم عن الحق وعن الهدى، فيعتبروا هذا نصراً وفوزاً فيفروا عنه ويتركوه وحده، ولا يؤمنوا به.
стр. 242
تفسير قوله تعالى: (قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى)
كان هذا رسول الله ومعه الوحي يشد أزره، ومعه الله يسنده ويعززه فلم يتركه وحده، قال تعالى: ﴿قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى﴾ [طه:٦٨].
أي: أنت الفائز، وأنت المظفر، وأنت المنتصر.
﴿قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى﴾ [طه:٦٨] أنت الذي ستعلوهم وتنتصر عليهم، وهم المهزومون على ملأ من الخلق بمحضر فرعون إلههم الكاذب.
﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩].
أمر الله عبده ونبيه موسى بعد أن طمأنه وأزال خوفه وتردده بأن يلقي ما بيمينه وكانت العصا التي كانت المعجزة الأولى لموسى مع فرعون.
﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ﴾ [طه:٦٩] وقرئ: (تلقَّف) أي: تتلقف، أي: تزدرد وتبتلع وتأكل، فعصاك تفعل ما يعجز عنه كل هؤلاء السحرة.
﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه:٦٩] الذي فعلوه ليس إلا كيداً وشعوذة وخزعبلات وسحراً، ولا وجود لها في نفس الواقع، وإنما هي تخيلات وتوهمات، فصنعهم ليس إلا صنع ساحر.
﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩] لم ينجح الساحر حيث حضر متحدياً أو منفرداً، وكيف يفلح والذي يتحداه نبيان ورسولان كريمان: موسى وهارون.
стр. 243
تفسير قوله تعالى: (فألقي السحرة سجداً)
قال تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ [طه:٧٠].
أيضاً حذفت كلمة دل عليها السياق، أي: فاستجاب موسى لربه وألقى ما في يمينه وهي عصاه، وكان هذا المنظر قد رأته عينا كل حاضر من فرعون وهامان وقارون وأتباعهم.
وإذا بعصا موسى أفعى فاغرة فاها كأعظم ما تكون عرضاً وطولاً، ناباً وسماً يقطر، وإذا بها تجري وتسعى خلف هذه الحبال والعصي فازدردتها وابتلعتها وقضمتها حتى لم يبق في الساحة عصاً واحدة أو حية واحدة فيما يزعم السحرة.
وإذا بالذين أصبحوا سحرة قد انقلبوا وأمسوا شهداء، أصبحوا وثنيين وأمسوا موحدين، أصبحوا من أهل النار وأمسوا من أهل الجنة، ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ [طه:٧٠].
والساحر هو الذي يعرف ما كان سحراً حقاً وما لم يكن كذلك، فهم أول من يعلم أن الحبال والعصي التي ألقوها لم يكن من شأنها أن تزدرد أو تبتلع لأنه لا حقيقة لها، فالحبل لا يزال حبلاً، والعصا لا تزال عصاً، فكيف ازدردت عصا موسى كل ذلك؟ هذا هو الدليل القاطع على أن موسى ليس ساحراً، وأن عصاه ليست من أنواع عصينا، ثم أين ذهب كل هذا في جوفها وهي لا تزال على حالها طولاً وعرضاً، وقد كانت هذه العصي والحبال جبالاً متراكمة؟ فتأكدوا وقطعوا في أنفسهم أن موسى نبي صادق، وأن هارون نبي صادق، فارتموا ساجدين لله، تائبين من ذنوبهم السابقة ومن السحر، متحدين في ذلك فرعون وملأه، متعرضين للابتلاء وللعذاب، ولكن الله قواهم وثبت أقدامهم ليتحملوا من فرعون ما يتحملون رضاً لله وإيماناً بالحق، ولينصر الله الحق في هذا اليوم العظيم، وفي هذا المشهد الشامل.
وانتصر الحق في شخص موسى وهارون، وزهق الباطل المتمثل في شخص فرعون وسحرته، وقد تخلى عنه سحرته وآمنوا بالله الذي أرسل موسى وهارون.
وقوله: ﴿سُجَّدًا﴾ [طه:٧٠] جمع ساجد.
وإذا بفرعون كعادة الظلمة الجبابرة الطغاة عاد للوعيد والتهديد بسلطانه وبطغيانه، مع أنه هو الذي جمعهم، وهو الذي طلب من موسى أن يعين له ميقاتاً ليعلم الكاذب من الصادق، لكنه أبى أن يعترف على عادته، وظل في الإصرار على الباطل والكفر.
стр. 244
تفسير سورة طه [٧١ - ٧٦]
لما آمن السحرة لموسى وما جاء به من الحق عاد فرعون لطغيانه وجبروته وكفره، فاتهم السحرة مهددهم بالقتل والصلب؛ لكنهم كانوا قد عرفوا الحق وخالطت قلوبهم بشاشة الإيمان ففضلوا القتل على الردة.
стр. 245
تفسير قوله تعالى: (قل آمنتم له قبل أن آذن لكم)
قال تعالى: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه:٧١].
جاء فرعون للتهديد والوعيد والإنذار بالهلاك والتقتيل والتعذيب، ومع كل ما صنع تحداه هؤلاء الصالحون التائبون.
قال لهم فرعون: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [طه:٧١] يستفهم في استنكار: كيف آمنتم به وصدقتموه: ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [طه:٧١]، وكأن الإيمان بالله ينتظر إذناً من أحد، عظيماً كان أو حقيراً، كبيراً أو صغيراً، ذكراً أو أنثى.
ولكن كان قد فصل بينهم وبينه الحق والنور فلم يعد له مكان في قلوبهم وليصنع ما يصنع.
ثم عاد فأنذر وهدد: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ﴾ [طه:٧١] وكان يكفي أن يقول: فلأقطع؛ لكنه يؤكد ويقسم بنفسه وبوثنيته، واللام هي التي تدل على القسم، فيؤكد ذلك بنون التوكيد الثقيلة، ويقسم بأنه سيقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أي: يقطع يداً يمنى ورجلاً يسرى، أو يداً يسرى ورجلاً يمنى.
﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١].
أي: وبعد أن يفعل ذلك بهم ودماؤهم تنزف لا يوقفها، بل يصلبهم أحياءً على جذوع النخل، أي: على سيقانها وأعوادها ودمهم ينزف حتى الموت.
والجذوع جمع جذع، وهو أصل النخلة وعودها التي تقوم عليه.
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه:٧١] أيضاً يقسم لهم ليعلمن من أشد عذاباً وأبقى، أي: من شديد العذاب أنا أو رب موسى؟ فهو يتحدى الله، وقد لقي جزاءه.
قوله: (وأبقى) أي: أدوم، أي: هذا العذاب يبقى في التاريخ، ولقد علم هؤلاء الشهداء كما علمنا نحن ومن سبقنا ومن يأتي بعدنا أن الله أشد عذاباً، وأبقى وأخلد.
وقد مات فرعون غريقاً كافراً وشرد وأخرج من أرضه ذليلاً حقيراً، وانتصر الحق وخذل الباطل.
قالوا: ولم يسبق أن عذب أحد إنساناً بهذا بأن قطع منه رجلاً ويداً من خلاف.
стр. 246
تفسير قوله تعالى: (قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا)
وإذا بهؤلاء الشهداء وقد أنذرهم وتوعدهم وتهددهم فرعون يتحدونه بكل صلابة وإيمان، فكانوا القدوة والأئمة لكل مظلوم يكره على الكفر وقد بان له الحق وأتته البينات، فيثبت متحدياً الأباطرة والظلمة والجبابرة.
وإذا بهؤلاء السادة الموحدين التائبين العابدين يجيبون فرعون ويقولون: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢].
أجابوا فرعون محتقرين له أمام هذه الجموع الحاشدة من أهل البلد.
وقولهم: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ [طه:٧٢]: أي: لن نختارك، ولن نقدمك، ولن نعبدك بعد اليوم، ولن نرتكب سحراً حتى ولو عشنا.
﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [طه:٧٢]: أي: ما كان لنا أن نختارك ونقدمك بعد اليوم، وقد رأينا هذه البينات الفاضحات، والمعجزات الواضحات، وما أتى دليلاً على صدق موسى وهارون من أنهما نبيان رسولان جاءا ليبلغا الحق والهدى عن الله تعالى.
وكانت البينات بالنسبة لهم هذه العصا التي ازدردت كل العصي والحبال التي جاءوا بها، وهم أعلم بالسحر من فرعون؛ فعرفوا أن هذا لم يكن سحراً أبداً، وأنه دلالة أكيدة صادعة من الله الخالق المحيي المميت، وليس ذلك سحراً، وليس ذلك شعوذة.
وكانوا من قبل عندما حضهم موسى قبل الشروع في السحر ودعاهم إلى الله قائلاً: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه:٦١]؛ أخذوا يترددون ويقولون: ليس هذا بقول ساحر، ليس هذا بقول مشعوذ، بل هذا الكلام لا يخرج إلا من في نبي، وخاصة في مثل هذه المواقف.
قال هؤلاء التائبون لفرعون الكاذب: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ [طه:٧٢]: أي: لن نختارك ولن نقدمك على هذه البينات وعلى الله الذي خلقنا وأنشأنا، والذي أرسل لنا موسى وهارون لنعلم الحق من الباطل ونخرج من الوثنية إلى عبادة الله الواحد، ونترك الأصنام حية كانت أو ميتة، ونترك هذا الباطل الذي تعيشون فيه.
وقد يكون قولهم: ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ [طه:٧٢] قسماً؛ أي: ونقسم على ذلك بالله الذي أنشأنا على غير مثال سابق، وأوجدنا بلا مواد سابقة، وأوجد المواد التي كوننا منها كالتراب.
أو: لن نؤثرك ولن نختارك على البينات الهاديات والمعجزات الواضحات، وربنا الذي فطرنا وخلقنا، فربنا هو المختار لنا والمعبود وحده بعد اليوم.
قولهم: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢]: أي: اصنع ما أنت صانعه، وافعل ما أنت فاعله، فاقتل واصلب وقطع.
﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢]: أي: لن يكون لك ذلك إلا في هذه الحياة غير الدائمة، هذه الحياة التي لم تكن ثم كانت، وهي إلى عدم بعد ذلك ويبقى الله الواحد القهار.
فلن نؤثر الفاني على الدائم، ولن نؤثر الباطل على الحق، ولن نؤثر الإله الكاذب على الإله الحق فاطرنا وخالقنا ﷻ .
وقولهم: ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢]: أي: لن تستطيع أن تفعل شيئاً إلا في هذه الأيام القليلة التي ابتلي بك قومك، وابتلينا نحن كذلك بك ليختبر الله صدقنا بعد أن أرسل لنا نبيين كريمين، وبعد أن بدت لنا العلامات والبينات على صدقه.
стр. 247
تفسير قوله تعالى: (إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا)
ثم عادوا فقالوا بكل شجاعة وبكل يقين وإيمان بما بقوا به أئمة ورموزاً للحق والدعاة للحق مهما لقوا في سبيل الله من الجبابرة والطغاة، وما أكثرهم قبل وبعد، قالوا له بعد ذلك: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٣].
فقالوا له: لن نخضع لموسى على أنه رب أو إله فيما تريد أن تزعم وتظن، فما جاء موسى إلا عبداً رسولاً لربه، وما جاء هارون إلا عبداً رسولاً مبلغاً عن ربه، وعندما آمنا لم نؤمن إلا بالله الفاطر الخالق وحده، المرسل لنا عبديه ونبييه موسى وهارون، فقد آمنا بهما رسولين وآمنا بالمرسل الحق خالقاً ورازقاً ومعبوداً وحده لا شريك له.
وكان هذا على الملأ، فأذل الله فرعون وأحقره أمام أتباعه وملئه من الناس، ولم يجد هنا ما يفعله مع هؤلاء المؤمنين التائبين إلا الطغيان والظلم، وإلا التهديد وتقطيع الأيدي والأرجل والصلب، ولكن بقي الحق حقاً ولو صنع ما صنع، وهكذا يأبى الله إلا أن ينصر الحق ويبطل الباطل ولو كره المشركون، فللباطل جولة ثم يضمحل ولا يدوم إلا الحق.
﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾ [طه:٧٣]: أي: ولا تملك أنت ذلك، آمنا بالله رباً، وبموسى وهارون نبيين رسولين؛ عسى الله أن يغفر ذنوبنا وسيئاتنا الماضية في الشرك وعبادتك واتباعك في الباطل والوثنية.
﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [طه:٧٣]: أي: معنى هذا: أن هؤلاء أكرهوا على أن يكونوا سحرة، فقد أتى بهم صغاراً وأجبرهم على تعلم السحر تحت الحديد والنار، فمن عارض قتله، ومن وافق قبله، ولكنه مع ذلك ما وافقه إلا مكره خائف على نفسه وحياته.
فيقولون: آمنا ليغفر الله ذنوبنا ويغفر لنا هذا السحر وهذه الشعوذة الباطلة التي لم تكن من ذواتنا، ولم نكن نعرفها قبل لولا أنك أكرهتنا عليها بالحديد والنار ظلماً وعتواً واستعلاءً في الأرض.
قولهم: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٣]: هذا جواب على قوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه:٧١] فقالوا له: ربنا هو الأشد عذاباً لمن عصاه، وربنا هو الأبقى نعمة وجزاء وخلوداً في الجنة لمن أطاعه.
كنت تغرينا بقربى منك وهي مضمحلة وفانية، ثم تهددنا بالتقطيع والصليب والتعذيب، وزعمت أن عذابك أشد من عذاب الله، وزعمت أن ثوابك أبقى من ثواب الله، ولكن هيهات، فعذاب الله في ناره أشد وأنكى وأخلد، وجزاء الله بالحسنى وبالجنان أدوم وأخلد وأبقى على مدى الدهور والأزمان.
стр. 248
تفسير قوله تعالى: (إنه من يأت ربه مجرماً)
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [طه:٧٤].
انقلبوا من وثنهم وعبادتهم لفرعون، إلى مؤمنين دعاة إلى الله يتحدون فرعون في طغيانه وألوهيته الكاذبة، ثم يدعونه ويدعون الملأ كله إلى الله وقد حشدوا جميعاً على رءوس الخلائق ضحىً بحيث يسمع الكل ويرى.
قولهم: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [طه:٧٤]: أي: يا فرعون! إذا أتيت ربك مجرماً مشركاً فإن لك جهنم.
وأشد أنواع الإجرام الشرك بالله.
﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾ [طه:٧٤]: أي: جزاؤه هذه النار الخالدة التي من دخل فيها من المشركين يخلد أبد الآباد ودهر الداهرين، ولكنه مع خلوده لا يحيا حياة يستريح فيها، ولا يموت موتاً يستريح فيه من عذابها، فهو لا حي فيرتجى، ولا ميت فيستريح، بل هو أبداً في عذاب: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦].
وقد يخرج من النار من مات على التوحيد ولو بقوله عن يقين: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أو الإيمان بأنبياء عصره.
أما من مات مشركاً كافراً فقد حرم الله عليه الجنة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
وجهنم درجات أيضاً كالجنة، ففي الدرجة العليا الضحلة من لا تمس النار إلا قدميه، ولكن يغلي من هذه النار دماغه، وهناك من هو في قاع النار: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥].
والبعض يهوون فيها سبعين خريفاً، هكذا عمق النار وعذابها لمن يستحق ذلك ممن استكبر على ربه وأبى إلا الإشراك والظلم والطغيان والاعتداء على الأرواح والأعراض والأموات، ذاك جزاء فرعون وجزاء كل من صار على دينه وعلى طريقته.
стр. 249
تفسير قوله تعالى: (ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات)
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى﴾ [طه:٧٥]: أي: الذي يأتي ربه مؤمناً أنه الله الواحد لا شريك له، وأنه أرسل عبيداً من عبيده اختارهم أنبياء ورسلاً مبلغين عنه دعوته لعبادته وتوحيده وطاعته فله الدرجات العلى في الجنة.
قوله: ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ [طه:٧٥] أي: لا يكفي أن يؤمن باللسان، ولا بد أن يؤكد ذلك بالأعمال.
وعمل الصالحات من طاعة الله ورسوله حسب ما طلب الله وأمر، ولا اجتهاد في الطاعة.
وقد قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر:١ - ٣] كل خلق الله في الأرض من الجن والإنس خاسرون ضائعون، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر:٣] أي: إلا من آمن بالله رباً.
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر:٣] تأتي الدرجة الثانية وهي العمل الصالح.
وهكذا لا يذكر الإيمان إلا ويذكر معه العمل الصالح.
والرتبة الثالثة هي ما يفعله الآن هؤلاء التائبون من سحرة فرعون، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] أخذ يأمر بعضهم بعضاً بالحق، وما الحق إلا الإيمان، وما الحق إلا التوحيد، وما الحق إلا الإلهيات والنبوات، طاعة لله وطاعة لرسوله في كل ما أمرا به.
والمؤمن يقول بعد الرسالة المحمدية: آمنت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن إماماً، وبمحمد نبياًً، وبالمؤمنين إخوة، وبالكعبة قبلة.
هذا هو الإيمان.
ويأتي العمل الصالح من ترك المنكرات جميعها، وفعل الصالحات حسب القدرة والطاقة؛ (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن أمر فانتهوا).
فالباطل والزيف والمنكر أعمال سلبية لا تحتاج إلا إلى إيقان وقوة إرادة في تركها.
أما الفعل فحسب القدرة، فالقوي يفعل ما لا يستطيعه الضعيف، والضعيف يستطيع أن يفعل ما لا يفعله الأضعف، وكل حسب قدرته وطاقته.
وأما الإيمان فلا هوداة فيه ولا تسامح، ومن آمن ببعض وكفر ببعض فذلك أيضاً كافر، الإيمان كل لا يقبل التجزئة.
ومن يأت ربه مؤمناً قد عمل الصالحات فله الجنة، وما عمل الصالحات إلا القيام بالأركان الخمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، وحج بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلاً، وإيتاء الزكاة على من عنده نصابها، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولم يجعل علينا في الدين من حرج.
قوله: ﴿لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى﴾ [طه:٧٥]: العلى: جمع علياء، وهي مؤنث أعلى، والدرجات في الجنة، ويقال عن درجات النار دركات؛ لأنه ينزل إليها نزولاً إلى أسفل السافلين.
وأما الجنة ففي العلو، وما يفعل بالعلو يقال عنه درج، فللجنة مقامات ودرجات.
وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (إن للجنة مائة درجة، ما بين درجة ودرجة كما بين السماء والأرض، ومن في الدرجة الثانية يتراءون من فوقهم كما تتراءون النجم الدري في أعلى السماء، وإن عمر لمنهم).
فهذه الدرجات العلى أعلاها الفردوس، وبين كل درجة ودرجة مثل ما بين السماء والأرض.
ويبشر ﷺ الخليفتين الراشدين أبا بكر وعمر أنهما من هؤلاء الذي لهم الدرجات العلى، وأنعم بهما ما أكرمهما.
وقد قال ﵊: (الجنة درجات وأعلاها الفردوس الأعلى وهي للمؤمنين، فقال بعض الحاضرين: تلك منازل الأنبياء يا رسول الله! قال: بلى، هي لمن آمن بالله وعمل صالحاً، وإن أبا بكر وعمر لمنهم، وأكرما وأنعما).
﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى﴾ [طه:٧٥] أي: أعلى الدرجات في الجنة وليس الدرجة السفلى منها، وليس في الجنان أسفل، إنما درجة أعلى من درجة، ومقام أعلى من مقام، وإلا فكلهم مرضي عنهم مرحومون، يمتعون برضا الله والنعيم الخالد الدائم.
стр. 250
تفسير قوله تعالى: (جنات عدن تجري من تحتها الأنهار)
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى﴾ [طه:٧٥] ثم فسرها الله، فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه:٧٦].
فهذه الدرجات عُلى، ثم شرحها الله تعالى وبين أنها جنان: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [طه:٧٦] أي: جنات إقامة دائمة، ومنه المعدن، أي: النوع المقيم في الأرض قبل أن يستخلص ويؤخذ ويستفاد منه.
فقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [طه:٧٦] أي: جنات دائمة، جنات مقيمة، جنات جعلت للدوام والبقاء الخالد.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [طه:٧٦]: أي: ومع كونها مقيمة خالدة أبداً سرمداً إلى يوم القيامة فإن الأنهار تجري من تحتها.
وكما أن أهل النار كلما نضجت جلودهم أبدلهم الله غيرها، فالجنة تتجدد خلايا ساكنيها وشبيبتهم وحيويتهم وشهواتهم ورغباتهم وكأنهم لم يكونوا يوماً شيوخاً ولا مرضى ولا أمواتاً.
وهم شباب في سن ثلاث وثلاثين على أجمل ما يكونون شكلاً وقوة ونفساً وراحة.
هكذا يقول هؤلاء الشهداء قبل أن يستشهدوا، فيتحدون الباطل في شخص فرعون، ويتحدون الظلم في شخص قوم فرعون، ويأبون إلا أن يؤمنوا تائبين، عابدين دعاة إلى الله مذكرين.
وكانوا يتحدون فرعون وهامان وموسى ينظر إلى ذلك وهارون وهما قريرا العين، بل في لذة النصر ولذة الاتباع في الإيمان، وأن فرعون الطاغية الظالم قد أخزاه الله وأذله على ملأ من قومه.
وهؤلاء الذين أكرههم على السحر قد تحدوه، وقد حقروه، وقد ازدروه، بل وانقلبوا يقولون عنه فاجر ظالم كاذب.
ثم أخذوا يدعونه إلى الله، وأن الله يقبل التوابين ويغفر للمذنبين إن استغفروا وتابوا وأنابوا، وأن من بقي على كفره إلى الموت لا مكان له في الجنة، بل مكانه جهنم خالداً فيها أبد الآبدين، ومن أتى ربه تائباً مستغفراً فمكانه الجنان والدرجات العلى منها منعماً، مكرماً.
следующие страницы →