← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

تفسير قوله تعالى: (قد قالها الذين من قبلهم) قال تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر:٥٠]. أي: قالها قارون كما قص الله في كتابه عندما أعطاه من كنوز الدنيا ما تعجز العصبة أولو القوة على حمل مفاتيحها، فعندما قيل له: اشكر الله واحمد الله، وآمن بموسى -وهو من قومه من بني إسرائيل-: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]، فكانت النتيجة أن خسف الله به الأرض هو وعرشه وماله وكنوزه ومفاتيحه ذهب في الأمس الدابر ودفن بجميع ما يملك؛ كنوزاً وقصرواً ودوراً وأولاداً وخشباً وحشماً وخدماً، فكأن ذلك لم يكن يوماً، ودعك ما يدبر لهم الله في الآخرة. فقوله: ((قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)) أي: قد قال ذلك أقوام من قبل، وإنما قارون مثال منهم، فهؤلاء أصيبوا في أبدانهم وأموالهم، فدعوا الله وضرعوا إليه، حتى إذا كشف عنهم الضر وعافاهم وشفاهم، وقيل لهم: اشكروا الله، قالوا: إنما أوتينا الذي أوتينا على علم منا ومعرفة ودهاء وبراعة وعلى علم منا أننا أهل لذلك، وأن سيؤهلنا للجنة يوم القيامة، هذا مع شركهم وكفرهم وجحدهم للأنبياء ورسالات الله وكتبه. فقال الله لهؤلاء المشركين في عصر النبي ﵊ ومن يجيء بعدهم إلى يوم القيامة: ((فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)) أي: لم يغنهم، ولم يفدهم، ولم يدفعهم عن بلاء ولا مصيبة، ولم تشكر لهم نعمة، إذ هم كفروا بالنعمة، فجميع ما كسبوا من ملك وحطام ومال وجاه وشباب وأولاد وأتباع كل ذلك كان وبالاً عليهم ونقمة، وكان زيادة في العذاب والابتلاء والفتنة، فهكذا يضرب الله الأمثال ويعلم الحاضرين ويعطيهم الدروس والعبر من السابقين، إن وجدت آذان سامعة أو قلب يسمع الحق وهو شهيد.

стр. 1857

تفسير قوله تعالى: (فأصابهم سيئات ما كسبوا) قال تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر:٥١] أي: وأصابهم سيئات أكلهم للحرام، وفسادهم في الأرض، وشركهم بالله واتخاذهم الناس عبيداً وخوراً وجحودهم للأنبياء ولكتب الله، وبعدهم عن الحقائق، وعيشهم في الأباطيل والسفاسف. ((فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا)) أي: أهينوا وأصيبوا بذنوبهم وبسيئات ما كسبوه وارتكبوه وعملوا به. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر:٥١]. يقول الله عن هؤلاء الذين عاصروا النبي ﵊ من كفار جزيرة العرب، ومن كفار الفرس والروم، وكفار الدنيا جميعها: هؤلاء الذين لم يؤمنوا، والذين أبوا إلا الكفر والجحود والعصيان، إذا عاثوا في الأرض فساداً وزادوا كفراناً وجحوداً؛ فـ (سيصيبهم سيئات ما كسبوا)، أي: يصابون بمصائب نتيجة ما اكتسبوا وارتكبوا من شرك وظلم وباطل وأكل أموال الناس بالباطل ومن فساد في الأرض. قال تعالى: ((وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ)) أي: ليسوا بفائزين ولا يعجزوننا. فالله القادر على كل شيء، وهم أقل من أن يعجزوا الله، فمن مضى قبلهم كانوا أعظم كفراناً وأكثر أقواماً وأموالاً وجنداً وحضارة ومع ذلك عاقبهم الله في الدنيا قبل الآخرة نتيجة شركهم، بين خسف وصعق وغرق وتشريد وبلاء، ولم يفلت منهم أحد. فما قص الله علينا عن قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم فرعون، وقوم لوط وأقوام من بني إسرائيل، إلا ليكونوا عبرة لقوم محمد ﷺ وللمؤمنين من أمته، حتى إذا أشبهوا النصارى عوقبوا عقابهم، وإذا قلدوا اليهود عوقبوا عقوبتهم، وإذا قلدوا قوم لوط عوقبوا عقوبتهم. فما ذكر الله ذلك إلا للعبرة والحكمة وأخذ الدرس منهم، لا لنعلم قصة، ولا لنطلع على حكاية، ولا لنمضي وقتاً في قصة لا نعلم ما بها ولا نسعى إلى معرفة حكمها وفوائدها. فقوله: ((وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا)) أي: ينذرهم الله ويتوعدهم أنه سيصيبهم كذلك سيئات اكتسابهم وارتكابهم كما حصل للأمم السابقة. قوله: ((وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ)) أي: لن يعجزونا، فهم لا يعجزون الله، وهيهات هيهات! ما أعجزوا محمداً ﷺ وهو بشر مثلهم، فقد قتل منهم من قتل، وشرد من شرد، وأسر من أسر، وصادر من صادر، وطرد من طرد، وهكذا في حكومات الخلفاء الراشدين، في مشارق الأرض ومغاربها، ومن أتى بعدهم من الملوك الصالحين، ومن الفاتحين العادلين.

стр. 1858

تفسير قوله تعالى: (أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق) فهؤلاء الذين قالوا إنما ملكنا وتقوينا وكان لنا من الكنوز ما كان هو بعلمنا، وبمقدرتنا وبما جعل الله فينا من أهلية هو أعلم بها، ولن يزيدنا يوم القيامة إلا أحسن من ذلك وأكرم، فهؤلاء لا يزالون على الشرك؛ لذلك قال الله: قل يا محمد لهم: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر:٥٢]. استفهام تقريعي توبيخي، أي: ألم يعلم هؤلاء أن الله يرزق من يرزق ويمنع الرزق عمن يشاء؟ فقوله: ((أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ)) أي: يوسعه يكثره. قوله: ((وَيَقْدِرُ)) يقدره ويقلله، أي: هو الذي يفقر من شاء ويغنى من شاء له الحكمة البالغة، وكل يعامله بما هو خير له مآلاً وخير له حالاً. أولم يعلموا أن الغنى والفقر ليس بمحبوبية ولا بكراهية، ولكنه ابتلاء من الله لخلقه منذ خلق آدم وحواء إلى يوم القيامة، وليس لسعة متكبر ولا لذلة ذليل، ولو كان كذلك لكان الأنبياء أغنى خلق الله على الإطلاق. وقد عرض على نبينا ﵊ جبال مكة والمدينة ذهباً وفضة فأبى ذلك، وقال: (أعيش نبياً عبداً، أشبع يوماً فأشكر، وأجوع يوماً فأصبر)، وهو مع ذلك سيد الملوك الأباطرة، الشريف من الخلق والكبير من وضع رأسه عند نعله وبين قدميه. ودعك ممن لا يعلم قدر النبي ﵊؛ فقد كان لا يهاب الملوك والأغنياء ﷺ ، بل هم الذين كانوا إذا رأوه هابوه وارتعدوا منه، كان يجيئه الرجل فيضطرب ويرتعد فيقول له: (هون عليك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة). ولولا رحمة الله بأمته وأتباعه لما استطاعوا الجلوس بين يديه، أما رفع البصر بين يديه فما كانوا يستطيعونه، إذ كانوا يجالسونه وكأنما على رءوسهم الطير هيبةً وحباً واحتراماً، أما أن يهابوه كالملوك، فهذا كلام من لم يعرف من هو نبي الله، ولم يتأدب بعد بأدب رسول الله، ولم يعلم المقامات ليعطيها منازلها، وليعطيها حقوقها، وكثير من الناس، وممن يزعم العلم يظن أنه يعطي الحق عندما يقول مثل ذلك، وإذا به يضيع الحق ويقل من الأدب مع المصطفى ﵊. فقوله تعالى: ((أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ)). أي: ألم يعلموا أن الغنى والفقر ليس بإكرام ولا إذلال، ولكن لله في ذلك الحكمة، والصالحون من الأنبياء فمن دونهم كانوا يستعيذون من الدنيا وغناها، ويبعدون عنها بعدهم عن المجذوم، فقد قال ﵊ -ولله في ذلك حكمة-: (إن لله عباداً لا يصلحهم إلا الفقر، ولو أغناهم لأفسدهم، وإن لله عباداً لا يصلحهم إلا الغنى، ولو أفقرهم لأفسدهم)! ومن هم هؤلاء؟ الله يعلم، ولكن نحن نعلم بتعليم الله لنا، فقد كان لنا زملاء على مقاعد الدرس، كانوا فقراء مدقعين وقلما يجدون قوت يومهم، وكانوا على غاية من الصلاح والدين والأخلاق، وإذا بنا نكبر ويكبرون، ويتولون المناصب فيتخولون الأموال والجاه والسلطان والخدم والحشم، وينسون الله ألبتة؛ فلا صلاة ولا صيام ولا ذكر لله، ولا خوف منه، ألم يكن من صالحهم أن يبقوا فقراء، أليس من الخير أن ينزع عنهم مالهم ليعودوا إلى الله؟ وما أرى إلا أن الران قد صعد على قلوبهم ونسوا الله فأنساهم أنفسهم وتركهم، والله لا ينسى، ولكن نسيان الله لهم هو تركهم وعدم المبالاة بهم. وهذا شيء متعلق بإرادة الله وقدرته وحكمته لا بعلم عند هؤلاء، ولكن إذلال لأولئك، كم من فقير لا يجد قوت يومه هو عند الله أكرم وأشرف من جماهير ممن يملكون الملايين.

стр. 1859

تفسير سورة الزمر [٥٣ - ٥٩] يدعو الله تعالى عباده الذين أسرفوا على أنفسهم إلى التوبة، وألا يقنطوا من رحمة الله، فإنه يغفر جميع الذنوب، فعليهم المبادرة إلى التوبة في الدنيا قبل التحسر والندم يوم القيامة.

стр. 1860

تفسير قوله تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم) قال الله ﷻ : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. هذه الآية الكريمة هي أرجى آية في كتاب الله، هي آية تدع الإنسان يرجو رحمة ربه ولا يقنط منها مهما صدر عنه من ذنب وجريمة. فبعد أن قص الله علينا حال المؤمنين ثم حال الكافرين ذكر في هذه الآية الكريمة رحمته الشاملة، فذكر أنه يغفر الذنوب جميعاً ولو كانت ملء السموات والأرض لمن جاءه تائباً مستغفراً. فقوله: ((قل))، أي: قل يا رسول الله! ونادِ عبادي، يا عباد الله! لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً. والمعنى: يا محمد، ناد الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم، ناد الذين أسرفوا على أنفسهم وتجاوزوا الحد في الذنوب، وقتلوا النفس التي حرم الله، وكفروا بالله وجعلوا له شريكاً، وظلموا الناس، قل لهؤلاء الذين أسرفوا على أنفسهم: ((لا تقنطوا)) أي: لا تملوا ولا تيأسوا ((من رحمة الله))، ومن عفوه ومغفرته، ((إن الله يغفر الذنوب جميعاً))، سواء كانت من كافر أو كانت من مؤمن أو كانت من عاص، فجميع تلك الذنوب يغفرها الله؛ لأنه هو الغفور الرحيم. والغفور: صيغة مبالغة، أي: كثير المغفرة والستر لذنوب عباده. والرحيم: الذي يرحم عباده التائبين المستغفرين؛ ولذلك يقول بعد: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤] أي: توبوا إلى الله وارجعوا إليه تائبين مستغفرين نادمين على ما صدر منكم. وهذه الآية قال عنها عبد الله بن مسعود: هي آية الفرج للناس كلهم كافرهم ومؤمنهم. وقال علي كرم الله وجهه: هي أعظم آية وأرجى آية في كتاب الله أي: أكثر الآي رجاءً وطمعاً في رحمة الله للمذنبين العصاة المخالفين. ذات مرة خطب ﵊ على المنبر، وذكر هذه الآية حتى اهتز فرحاً وارتج المنبر، حتى قال ابن مسعود: لقد ظننت أن المنبر سيخر برسول الله ﷺ وهو يتلو هذه الآية: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]، ثم قال ﵊: (ما أود أن لي الدنيا بحذافيرها وألا تكون نزلت هذه الآية علي). جاء عن أنس بن مالك وعن أبي أيوب الأنصاري وعن عبد الله بن عباس ﵃ فيما رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن: أن النبي ﵊ قال: (لو أن أحدكم أتى بذنوب ومعاص ملء السماوات والأرض ثم تاب إلى الله وندم لغفر الله له). ثم قال: (ولو لم تذنبوا ثم تتوبوا وتستغفروا لأتى الله بأقوام يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم، ثم تلا هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر:٥٣]) الآية. فالله ﷻ هو التواب الغفور الرحيم، أخبرنا بهذه الآية ونحن ما زلنا أحياء، فهو ينصحنا ويوجهنا ويدخلنا في رحمته، ويدلنا على الطريق التي نتبعها ليغفر لنا خطايانا. جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! لقد غدرت غدرات، وفجرت فجرات في الجاهلية، فهل لي من مغفرة؟ قال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، وأشهد أنك رسول الله، قال: لقد غفر لك على ما كان منك). وجاء أقوام وذكروا لرسول الله أنهم زنوا وقتلوا وكفروا وأشركوا؛ هل لهم من مغفرة إذا تابوا، فأنزلت هذه الآية: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣]. والقنوط: اليأس، و ﴿لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]. وقف عبد الله بن مسعود ﵁ على واعظ يعظ ويعلم، فوجده يتكلم عن النار وسلاسلها وعذابها وما فيها من مقت وغضب، فقال: يا مذكر! لا تقنط الناس من رحمة الله، وقد قال ﵊: (الإسلام يجب ما قبله)، وقد وعد الله ﷻ المستغفرين التائبين أن يغفر لهم وأن يتوب عليهم، وذلك معنى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. فالله لن يغفر الشرك إلا لمن كان حياً ثم تاب من شركه وأناب وعاد للإيمان والتوحيد، أما من مات على الشرك وعلى الكفر فلا مغفرة له البتة، ولو أتى بملء الأرض ذهباً وبمثله معه فداءً فلن يغفر الله له. فقوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣] أي: يا أيها الذين أذنبوا وعصوا وأفرطوا في المعصية، يا من ارتكبت من الكبائر أكبرها وأفظعها وأعظمها، لا تقنطوا ولا تيأسوا من رحمة الله؛ إن الله يغفر الذنوب جميعاً كبائرها وصغائرها، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] أي: يغفر الذنب ويرحم المذنب بالمغفرة.

стр. 1861

تفسير قوله تعالى: (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له) قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر:٥٤]. (أنيبوا) أي: ارجعوا فتوبوا واستغفروا ربكم. والمعنى: يا أيها الذين أسرفوا على أنفسهم وارتكبوا من الكبائر أفظعها وأعظمها؛ إنكم إذا رجعتم إلى الله مستغفرين تائبين فالله يغفر الذنوب جميعاً، وإذا استسلمتم لله ولوجهه فأطعتم أوامره، واجتنبتم نواهيه، واتخذتم رسول الله موضع الأسوة، وائتمرتم بما أمركم به، واجتنبتم ما نهاكم عنه، يوشك أن يغفر الله لكم ذنوباً ماضية وحاضرة، ويتوب الله على من تاب. قوله: (أنيبوا): من الإنابة، أي: ارجعوا إلى الله تائبين مستغفرين. وقوله: (وأسلموا له) أي: استسلموا لقضائه ولرسله ولكتبه، وأسلموا وجوهكم لله مطيعين الأوامر، مجتنبين النواهي. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر:٥٤]، من قبل أن تموتوا ومن قبل ألا تستغفروا فيفجأكم العذاب ولن ينصركم من عذاب الله أحد؛ لأنكم على الشرك وعلى الذنب. ثبت في صحيحي البخاري ومسلم: أن رجلاً من بني إسرائيل قتل تسعاً وتسعين نفساً ثم جاء إلى راهب وقال له: إني قتلت تسعاً وتسعين نفساً فهل لي من توبة؟ قال: لا، فقتله وأتم به المائة. ثم ذهب فوجد آخر فقال له: هل لي من توبة؟ قال: ومن يحول بينك وبينها؟! إن الله يغفر لمن استغفر، ويتوب على من تاب، اذهب إلى قرية كذا ففيها قوم يعبدون الله ويستغفرونه، وكن معهم واستعن بأعمالهم وعبادتهم، فذهب وإذا به يموت في الطريق، فجاءته ملائكة العذاب وملائكة الرحمة يتنازعون فيه، تقول ملائكة العذاب: هذا قد فعل كذا وكذا من عظائم الأمور، وإزهاق الأرواح، نحن نتولاه ونحن الذين نقوم بعذابه. فقالت ملائكة الرحمة: الرجل قد تاب وأناب وندم على ما كان منه وهو آت إلى القرية ليتعبد الله مع العابدين الصالحين، فظهر بينهم ملك في شكل رجل، فحكم بينهم فقال: انظروا إلى الطريق، فإن كانت أقرب لقرية العابدين فهو من أهل الصلاح والتقى، ولتأخذه ملائكة الرحمة، وإن كان لا يزال قريباً من القرية التي عصى الله فيها فهو من أهل العذاب، فقاسوا الطريق ووجدوه إلى قرية العابدين الصالحين أقرب، فأخذته ملائكة الرحمة وغفر الله له ذنوبه. وكذلك أبواب الرحمة مفتوحة ولا يتركها إلا مخذول، وقد قال نبينا ﵊: (المؤمن واهٍ راقع، وخيركم من مات على رقعه). واهٍ: يوهي الثوب إلى أن يتمزق، ثم يعود فيرقعه ويلبسه وهو مرقع، وهكذا الذنب إذا أخذ دينه تمزق الدين، فإذا تاب وأناب أخذ يرقعه ويعيد لدينه سلامته، فيكون كالثوب الذي يهي ثم يصلحه ويرقعه، ومن مات على رقع ثوبه من الذنوب والآثام فهو المؤمن الصالح. ومن الإنابة الاستسلام لأمر الله واجتناب نواهيه، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. وقد فهم بعض الفقهاء من هذه الآية: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٤]، إعادة الصلوات الفوائت، فمن فاتته صلوات يرجع إليها ويعيدها ويستغفر الله على ما مضى من فعله وذنبه. جاء رجل إلى النبي ﷺ يقول: يا رسول الله! إن أبي يريد الحج وهو شيخ كبير فان، متى يركب الراحلة يقع ولا يستطيع التماسك عليها، أأحج عنه؟ وجاءه رجل فقال: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها حج فلم تحج، أأحج عنها؟ ما كان الجواب لهما؟ (أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فأدوا الله، فدين الله أحق بالوفاء)، فجعل الله ذلك الركن من الإسلام ديناً على صاحبه إذا مات ولم يؤده، فلا بد أن يؤديه كما يؤدي المدين ما عليه من ديون. فقوله ﵊: (أدوا الله فدين الله أحق بالوفاء)، فيه أنه جعل ترك الفرائض كالصلاة والحج ديناً في ذمة من مات وقد ترك ذلك، أو مرض مرضاً عضالاً وعجز عن أداء ذلك، فالصلاة لا بد أن يؤديها على كل حال، فإن فاتته فليعوضها وليؤدها قضاءً، والحج إذا عجز عنه حج عنه غيره من ولد أو قريب أو تلميذ، وهو مفهوم قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤]. فارجعوا إلى الله بالقيام بفرائضه واستغفاره من الذنوب وأسلموا وجوهكم له؛ ليغفر الله لكم ما مضى من ذنوبكم، فهؤلاء الذين أسرفوا على أنفسهم تعهد الله لهم بأن يغفر ذنوبهم جميعاً إن هم استغفروا وأنابوا وأسلموا وجوههم لله. وأكد هذا نبينا ﵊ حين قال: (أدوا الله فدين الله أحق بالوفاء)، فجعل النبي ﷺ ذلك ديناً إلهياً، ولا بد من أداء الديون، فدين الله أحق بالوفاء، وأحق بالتقدمة، وهذا منها. قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر:٥٤]، أي: فبادروا في الحياة قبل الممات، بادروا بالتوبة والاستغفار والندم على ما صنعتم من ذنوب وآثام من قبل أن يأتيكم العذاب، ومن قبل أن تموتوا وأنتم على الشرك والعصيان، ولن تجدوا ناصراً ولا مؤازراً، ولن تجدوا من يخرجكم من عذاب الله وعقابه. ولذلك فإن الله ينبهنا ويوجهنا ونحن لا نزال أحياء إلى أن نبادر بالطاعات والاستغفار والتوبة من ذنوبنا الماضية، وأن نئوب إلى الله راجعين، من قبل أن يحدث الموت والعقاب ثم لا نجد نصيراً ولا مؤزراً ولا مدافعاً.

стр. 1862

تفسير قوله تعالى: (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم) قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر:٥٥]. يقول ربنا ﷻ : ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٥]، وأحسن ما أنزل إلينا كتاب الله القرآن الكريم، وقد نزلت كتب سابقة: نزل الزبور على داود، ونزلت التوراة على موسى، ونزل الإنجيل على عيسى، عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، وأحسن تلك الكتب، وأكملها، وأجمعها وأنفعها لصلاح الناس كلهم في دنياهم وآخرتهم؛ كتاب الله الأخير القرآن المنزل على قلب نبينا ﵊. فالقرآن أحسن ما أنزل إلينا من ربنا وأكمله وأجمعه وأجمله، وهو الذي ما تمسك به أحد إلا نصره الله، ولا تركه من ظالم إلا وقصمه الله، هو الذي فيه خبر من قبلكم، ونبأ من بعدكم، هو الفصل ليس بالهزل. هو الكتاب الجامع لمنافع الناس ولمصالحهم في دنياهم وأخراهم، يعز الله من آمن به، ويذل من كفر به. هو الذي من تمسك به هدي إلى صراط مستقيم، وهو الكتاب المعجز، وهو الكتاب الذي ضرب الله فيه أمثال كل شيء، هو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. هذا الكتاب الذي فيه نبأ كل شيء، وهو أقدم كتب الله وأجمعها للحلال والحرام، وأصلحها للبشر كلهم منذ ظهور محمد صلى الله عليه وعلى آله في هذه البقاع المقدسة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]، فكتابه المنزل عليه كتاب هداية الناس جميعهم، في مشارق الأرض ومغاربها منذ عصره وإلى يوم النفخ في الصور. فقوله: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً﴾ [الزمر:٥٥] أي: فبادروا إلى العمل به وامتثال أمره والانتهاء عن نواهيه، وإلى الإيمان بحلاله وحرامه، من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة، وعذاب الله بعد الموت لمن مات ولم يستغفر ربه ولم يعد إليه، خاصة إذا مات مشركاً فلا أمل في رحمته، ولا أمل في أن يعفو الله عنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]. قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً﴾ [الزمر:٥٥] أي: فجأة، فالموت آت لا محالة، فعجباً للإنسان الذي يعيش بالأماني والأحلام وينتظر ربه بعد ذلك، فيقال: لا يزال شاباً، ويقال: لا يزال صغيراً أمامه سنون وسنون، فنقول: وما أدراه أن أمامه سنين؟ هذا تأله على الله ورجم بالغيب، الموت أجل من آجال الله، يأتي الصغير والكبير، وقد يأتي الصحيح ويدع المريض سنوات. قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر:٥٥] أي: لا تشعرون بتلك البغتة.

стр. 1863

تفسير قوله تعالى: (أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله) قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٥٦ - ٥٨]. بعد أن قال ربنا لنا: أنيبوا إلى الله وأسلموا له واستغفروه، ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [الزمر:٥٥] أي: اتبعوا القرآن الكريم وأطيعوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، وأطيعوا الرسول الذي أمركم الله بطاعته إذْ قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]؛ قال لنا: بادروا بذلك ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٥ - ٥٦]. فقوله: (أن تقول): أي: كي لا تقول، والمعنى: بادروا بالتوبة لكي لا تضطروا أن تقولوا يوم القيامة: (يا حسرتا) ولات حين مندم، ولات حين حسرة، ولات حين عودة. قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦]، كي لا تقول نفس مذنبة مسيئة: يا حسرتا. والتحسر: الندم وشدة الحزن والآلام والتفجع يقال: يا أسفا، ويقال: يا أسفي، ويقال: ((يَا حَسْرَتَا))، ويقال: يا حسرتي. فقوله: (يا حسرتا) الألف للندبة والاستغاثة، فهو يندب نفسه ويندب حظه، ويستعين ولا معين؛ لأنه أشرك بالله والشرك لا يغفره الله. قوله: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦]، أي: على ما ظهر مني من تقصير وإخلال في جنب الله، وفي أوامر ربي ونواهيه، وهيهات هيهات ولات حين مندم. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر:٥٦]، أي: ويقول: وكنت مع تفريطي في حق الله وفي جانب الله من الساخرين المستهزئين. فلقد كان من الساخرين بالمؤمنين والعابدين المتقين، لم يكن فقط مقصراً، ولم يكن فقط مشركاً، ولم يكن فقط مغالطاً، بل كان يسخر ويهزأ بالمؤمنين الصالحين، ويسخر بالدعاة إلى الله؛ ويزداد بذلك حسرة وألماً وندماً، وهيهات هيهات أن تنفع الحسرات، فإنما الحسرة تزيده ألماً وفجيعة وندماً. قال تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٧]، فيا من لا يزال على الحرام، اغتنم حياتك قبل موتك، وأسرع إلى عبادة ربك، واستغفره من ذنوبك، وتب إليه مما ارتكبت من كبائر، دع الشرك وعد إلى الإيمان والتوحيد، وأنب إلى ربك وأسلم له وجهك قبل أن يأتيك العذاب، أو يأتيك الموت فتتحسر وتبكي وتندم، تارة تقول: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦]، وتارة تقول: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٧]، وتقول أخرى حين ترى العذاب: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٥٨]: وكل ذلك يدل على الندم والحسرة والتوجع ولكن لن ينفع ذلك، فبعد الموت يعذب في النار، فقد أوعده الله به وأوعده أنبياؤه، حين أمروه فلم يأتمر، ونهوه فلم ينته، وهو فوق ذلك في حسرة وتندم، تارة يقول: يا حسرتا على ما صدر مني من تقصير، وأخرى يقول: لو أن الله هداني لكنت من المتقين، أي: لو أن الله هداه وعلمه وأرسل له رسلاً وأنزل له كتباً فيكون من المتقين، أو يقول حين يرى العذاب: لو أن لي كرة -أي: عودة إلى دار الدنيا- ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٥٨]، أي: لو أن الله يعيده للدنيا فيتوب ويكون من الموحدين المطيعين. وهذه أمانٍ وتحسرات يقولها المشركون ولكن الله كذب كل هؤلاء فقال: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ [الزمر:٥٩]، فقوله: ﴿بَلَى﴾ [الزمر:٥٩]، يبين الله أن قولهم السابق كان كلاماً باطلاً، وليس بصحيح.

стр. 1864

تفسير قوله تعالى: (بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها) قال تعالى: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٥٩]. يقول لهؤلاء الذين ماتوا على الكفر والشرك وهم في العذاب يتمنون لو أتاهم هادٍ أو كتاب هداية ليكونوا من المتقين، ويتمنون لو أنهم عادوا للدنيا وأحسنوا وأطاعوا وعبدوا، فقال الله لهم جميعاً: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ [الزمر:٥٩]، أي: جاءتك علامات قدرتي، وأرسلت لكم رسلاً يبشرون وينذرون فعلموكم وأرشدوكم وهدوكم وأبيتم هدايتهم؛ وأخذتم تكذبونهم وتكفرون بهم، وأخذتم تهزئون بهم وبأتباعهم. فقوله: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ [الزمر:٥٩]، أي: علامات ودلائل ومعجزات صدق الأنبياء. قوله: ﴿فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ [الزمر:٥٩] أي: لم تصدقها. قوله: ﴿وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٥٩]، كما قال تعالى: ﴿إنهم كانوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥] أي: استكبروا عن الإيمان والإسلام بكلامهم وبجهدهم الباطل، فتكبروا على رسل الله، وعلى ورثتهم من العلماء والدعاة والهادين إلى الله؛ قال تعالى: ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٥٩]. فيا أيها المتحذلق المتألي، هأنت تتمنى الهداية وقد جاءتك، تتمنى أن تعود للدنيا لتعمل وقد كنت فيها ولم تعمل، ولو عدت إلى الدنيا لرجعت إلى ما نهيت عنه، ولعدت للكبر، فالنفس الخبيثة تأبى إلا أن تفعل الشر، والنفس الكافرة تأبى إلا الدوام على الكفر. فما دام الكافر لم يؤمن في دار الدنيا فهو في الآخرة لن ينفعه الإيمان، لأن نفسه لم تكسب في إيمانها خيراً، قد سبقه الزمن والوقت، والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك. فقوله: (وكنت من الكافرين)، أي: كنت من الكافرين بالرسل وبالكتب وبالأوامر والنواهي، وفي الصحيح عن رسول الله ﷺ يقول: (يأتي المتكبرون يوم القيامة كالذر في صور بني آدم يدوسهم الناس بأقدامهم)، قد جمعوا كالذر الصغار، نتيجة تعاليهم على الحق وعلى أهله، فيكونون كالذر حقارةً وصغاراً.

стр. 1865

تفسير سورة الزمر [٦٠ - ٦٧] يوم القيامة هو اليوم الفاصل الذي يتبين فيه فلاح المؤمنين وفوزهم، وبوار الكافرين وبؤسهم وخيبتهم حين يأتون ووجوههم مسودة، وذلك أن الله قد أعلمنا عن طريق رسله أن من أشرك حبط عمله، ولكن الكافرين ما قدروا الله حق قدره.

стр. 1866

تفسير قوله تعالى: (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة) قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٦٠]. يقول ربنا ﷻ : إن هؤلاء الذين تكبروا على رسل الله، وعلى الإيمان بكتب الله، وعلى الالتزام بأوامر الله ورسله، يأتون يوم القيامة ووجوههم مسودة، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر:٦٠] أي: هؤلاء الذين كذبوا على الله ونسبوا إليه ولداً وصاحبة وبنات، وقالوا: هو ثالث ثلاثة وغير ذلك، ترى وجوههم مسودة يوم القيامة نتيجة الكذب، فهو سواد الكذب وسواد الكبر واللعنة والحقارة. قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٦٠]، استفهام تقريعي توبيخي، والمعنى: ذلك مقامهم، فقوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾ [الزمر:٦٠] أي: مقام ومنزل، ﴿لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٦٠]. هؤلاء الذين كفروا في دار الدنيا وتكبروا وظلموا وعصوا وخالفوا؛ أليس في جهنم مثوىً ومقام لهم؟ فيجاب: بلى، خلقت النار للمتكبر ولأمثاله، فهي تتلذذ بإحراقهم، وتقول: هل من مزيد؟ إلى أن يضع الرحمن ﷻ قدمه عليها فتقول: يكفيني يكفيني! فقوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٦٠] الجواب بلى! وهو مفهوم من سياق الآية، أي: بلى، خلقت مثوىً ومقاماً لهؤلاء المتكبرين المتعجرفين الكافرين بالحق حين جاءهم، الرافضين له عندما دعوا إلى الله، وأرسلت إليهم رسل الله، وأنزلت عليهم كتب الله.

стр. 1867

تفسير قوله تعالى: (وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم) قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر:٦١]. يقول الله تعالى: إن جهنم هي جزاء الكافرين المتكبرين المشركين الذين هلكوا وماتوا ولم يتوبوا إلى الله، أما أولئك الذين ماتوا وهم مؤمنون مستغفرون تائبون فإن الله تعالى يقول: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر:٦١] أي: ينجيهم وينقذهم من عذاب الله وغضبه، فيرحمهم ويرضى عليهم ويغفر ذنوبهم. فقوله تعالى: ((بِمَفَازَتِهِمْ)) أي: بما فازوا فيه في حال الدنيا، وفازوا برضا الرحمن وبغفران ذنوبهم، وفازوا بالسكنى في الجنان خالدين فيها أبداً. قال تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ [الزمر:٦١] أي: لا يؤذيهم سوء ولا عذاب ولا لعنة، أو سكنى في جهنم. قال تعالى: ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر:٦١] أي: لا يحزنون أبداً؛ لأن الله قد أكرمهم وأفرحهم وتاب عليهم وغفر لهم ذنوبهم وأسكنهم في الجنان؛ بتوبتهم وبمغفرة الصغائر من الذنوب، وبسبب ثباتهم على التوحيد، وقد طردوا الشرك عن عقائدهم وإيمانهم، فأنجاهم الله من العذاب ودفع عنهم سوء العذاب، وجعلهم لا يحزنون؛ لأنهم لا يساء إليهم ولا يعذبون نتيجة إيمانهم واستغفارهم.

стр. 1868

تفسير قوله تعالى: (الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل) قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢]. إن الله يعلم المؤمنين ليزدادوا إيماناً، وينذر الكافرين ليتركوا شركهم وكفرهم؛ وذلك لأنه سبحانه هو الخالق لكل شيء، خالق السماوات والأرض وما بينهما، وخالق الملائكة والجن والإنس والحيوان والجماد، ليس له شريك ولا مؤازر ولا ند في خلق شيء أو ملك شيء أو مؤازرة في عمل أي شيء، فالله هو المنفرد وحده لا حاجة له إلى شريك ولا مؤازر ولا مصاحب، وهو القادر على كل شيء. قال تعالى: ((وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ)). أي: فهو الوكيل والقائم والمدبر على كل شيء في الأرض، وهو الذي توكل في خلق السماوات والأرض، ودبر شئونها ورزق أحياءها، وأمات حياتها، ورزق المحتاجين منها خيراتٍ وطعاماً وشراباً، وأصح أجسامهم مدة حياتهم، حتى إذا قضى قضاءه مرض من مرض، ومات من مات بلا مرض، فهو القيوم والمدبر لكل شيء في الكون؛ لأنه الخالق والرازق وهو على كل شيء قدير، لا شريك له ولا ند.

стр. 1869

تفسير قوله تعالى: (له مقاليد السماوات والأرض) قال تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر:٦٣]. المقاليد: المفاتيح، أي: له مفاتيح خزائن السماوات والأرض، فله مخازن الخير من السماء بالأمطار والغيث، وله مخازن الأرض ومفاتيحها بالنبات والإنبات، كما أن في طيها كنوزاً وخيرات، فالله بيده المفاتيح وله المخازن وهو خالقها، يعطي من يشاء مقدراً، ويعطي من يشاء بغير حساب ويرزق من يشاء ويبسط له. ويقول بعض المفسرين: إن كلمة (مقاليد) أصلها فارسي، وهذا قول صدر منه دون تفكر ولا تمعن، لأنه ليس في القرآن إلا الكلام العربي مفرداتٍ وجملاً، فهو كلام عربي أنزله الله على نبي عربي، وهذا المعنى طالما تصدى له الإمام الشافعي في كتابه الرسالة بأدلة وقوارع لا تقبل جدلاً، ولا نقضاً. وكون الكلمة توجد في القرآن ولها ما يشبهها في لغات أخرى ليس ذلك دليلاً، ولم لا نقول: تلك اللغات أخذت عن لغة العرب؟ أو أن هذه الكلمات تشابهت في لغات مختلفة، وهذا كثير في اللغات، وأصلها من لغة واحدة، ثم خلق منها زوجها، ثم بث منهما رجالاً كثيراً ونساء، ثم تبدلت اللغات وتكاثرت حسب الحاجة والمصلحة للناس. أما أن تكون لغة القرآن فيها فارسي وحبشي وفيها كلمات من لغات مختلفة فلا، وإنما هي أقوال يقول بها مفسر فارسي، ومفسر حبشي، ومفسر رومي وليس لذلك أصل، وعلامة ذلك الاتفاق في أصل الكلمة، فمقاليد هي من مادة: قلد يقلد تقليداً، يقال: قلدت غلاماً، ويقال: قلدت لي غلاماً ووضعت في عنقه قلادة، والقلادة والتقليد هو من الفعل: قلد يقلد تقليداً، والاسم منها: قلادة، وقلده بها في عنقه، فهذه الاشتقاقات من فاعل ومفعول وفعل ومصدر تدل الدلالة القاطعة على أن الكلمة عربية بمشتقاتها وبأصلها وبما يتفرع منها. وإذا كان مثل هذا يوجد في اللغة الفارسية فلم لا نقول: إنهم أخذوها عن العربية، ولم لا نقول: إن بين اللغتين في بعض الكلمات اشتراكاً، وهذا يعلمه علماء اللغات، فلغات الأرض في أصلها لغة واحدة تشعبت وتبلبلت وتثاقلت ثم تناثرت، وبقي من أفعلها كلمات يشبه بعضها البعض، ككلمة أم وأب مثلاً، هذه الكلمة في جميع لغات الأرض كلمة واحدة. ولبعض علماء مصر كتاب في هذا مطبوع، وقد ذكر الكلمات المتشابهة في كثير من لغات أهل الأرض، وأن لها أصلاً في العربية، وكونهم أخذوها عن العربية فهو الأرجح، وهو الأكثر قبولاً. فمثلاً: أمريكا تم اكتشافها منذ ستمائة عامة، وقد وجدوا في الحفريات -والحفريات أصدق دليل في التاريخ- آثاراً، ووجدوا كتابة في حجارة وفي بيوت بلغة العرب، فذاك دليل على أن العرب وصلوا إلى هناك قبل أن تكتشف هذه الأرض وقبل أن تعرف، وبه نعلم يقيناً أن عرب الأندلس هم الذين اكتشفوها. أما كولومبوس فلم يكن إلا إنساناً اطلع على مخططات المسلمين ورحلاتهم وأين وصلوا فيها، واستغل هذه المعلومات بعدهم بزمن بعد أن ضاعت الأندلس، وقد نقلت بعض الآثار التاريخية أنه كان هناك جماعة من الشباب الجغرافيين، اقترحوا على ملوك طوائفهم أن يبحروا في المحيط ليكتشفوا ما وراءه، فقيل لهم: إن البحر محيط بالأرض، فقال هؤلاء الشباب: ليس هذا البحر محيطاً، بل وراءه عمار آخر، فذهبوا، ذهبت مائتا سفينة ولم تعد إلا سفينة واحدة، والقصة طويلة ذكرت في بعض المناسبات، وعادوا بهم بعد أن قال لهم أمير تلك البلدة التي وصلوا إليها -بلاد أمريكا-: إنكم لشباب مغرورون، فأعادوهم في السفن إلى أن وصلوا إلى شاطئ، ففتحوا أعينهم هناك فانتبهوا ورأوا ناساً، فقالوا: أين نحن؟ قالوا: أنتم على شاطئ أرض المغرب الأقصى. اللغة العربية انتشرت في الأرض قبل الإسلام وكانت أوسع اللغات على الإطلاق، دليل ذلك: سعتها في القرآن الكريم، فإن كلام الله العظيم بما اشتملت عليه من معانٍ عامة وخاصة، دنيوية وأخروية، وفيما يتعلق بذات الله وبصفاته، وبأمور الآخرة وأمور الدنيا. فكلمة ((مَقَالِيدُ)) كلمة عربية أصيلة وليس في القرآن كلمة واحدة ليست بعربية. قوله: ((لَهُ مَقَالِيدُ)) أي: مفاتيح السماوات والأرض، ومقادير السماوات والأرض. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر:٦٣]. أي: والذين كفروا بعلامات قدرة الله وبمعجزات وحدانية الله، والذين أعموا بصائرهم قبل أن يعموا أبصارهم عن رؤية الأدلة الواضحة البينة، أولئك الذين كذبوا والذين لم يؤمنوا و ((أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ))، أي: الذين خسروا دنياهم ثم خسروا آخرتهم، ثم خسروا أنفسهم وأصبحوا من أهل النار.

стр. 1870

تفسير قوله تعالى: (قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون) قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر:٦٤]. قل يا محمد لهؤلاء الذين قالوا لك: اعبد آلهة آبائنا، فإن فعلت عبدنا إلهك، وكانوا قد طلبوا ذلك من أبي طالب ليأمر ابن أخيه محمداً ﷺ ، فقال الله له: ((قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ)). أي: أتامروني أن أعبد غير الله، أيخطر في بال إنسان عاقل أن نبياً جاء يأمركم بالتوحيد وبالقضاء على الأوثان والأصنام، يعبد آلهتكم التي نهاكم عن عبادتها، ألهذه الدرجة ضاعت عقولكم وجننتم؟ فقوله: (تأمروني) مخففة النون، وقرئت بالتشديد عوضاً عن النون، وأصلها: تأمرونني، وكل ذلك فصيح في لغة العرب التي بها نزل القرآن. فقوله تعالى: ((قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ))، أي: أتنتظرون مني أن أعبد غير الله كيف ذلك؟! أضاعت عقولكم أجننتم؟

стр. 1871

تفسير قوله تعالى: (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥]. أي: لقد أوحينا إليك وإلى من سبقك: لئن اتخذتم مع الله شريكاً ليحبطن أعمالكم، فيحبط عملك يا محمد كما حبط عمل غيرك ممن أشركوا بالله. قال تعالى: ((وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ))، الذين خسروا حياتهم ودنياهم وأخراهم ورسالتهم، قال هذا خطاباً لنبي الله، ولكن الأنبياء معصومون عن الكبائر فضلاً عن الشرك، فهذا القول إخبار لنا بأن الشرك يحبط الأعمال؛ لأن الله أمرنا بالتوحيد وجميع الأنبياء السابقين، فأنذرهم إن هم أشركوا مع الله أن تحبط أعمالهم وتترك وتكون كلها ضائعة ويكونوا من الخاسرين. وإحباط الأعمال بالشرك هو ما عليه جماهير الفقهاء، ومن يرتد من المسلمين يحبط عمله؛ وإذا كان متزوجاً فسخ عقد زواجه، وأصبحت المرأة محرمة عليه، وتعتبر طلقةً بائنة لا تعود إليه ولو أسلم إلا بعقد جديد، فإن كان قد حقق هدى الإسلام ورجع وتاب جاز له أن يعيدها، هكذا تكون أعماله في الدنيا، وأعماله في الآخرة أكثر وأشد، وكذلك لا توارث بينه وبين ورثته، فلا توارث بين دينين. قوله: (ليحبطن عملك) اللام للتوكيد موطئة للقسم، أما التوكيد فالمعنى: إن أشركت حبط عملك وذهب، وهذا أمر لرسول الله ﷺ وأمر لأتباعه؛ لأن الرسل معصومون لا يشركون بالله سبحانه.

стр. 1872

تفسير قوله تعالى: (بل الله فاعبد وكن من الشاكرين) قال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٦]. يقول الله لنبيه جواباً عن أولئك الذين قالوا: لن نعبد الله وحده، قال الله: بل، أي: فاضرب عن قول أولئك وأهمله، ولا تلتفت إليه. وفي قوله: ((بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ))، قُدِّم المعمول على العامل، وهذا يفيد الحصر، أي: لا تعبد إلا الله، ولا تخلص إلا لله، واحصر عبادتك لله الواحد بإخلاص لا رياء فيه ولا سمعة، وهو أمر لرسول الله وأمر لجميع المؤمنين. قال تعالى: ((وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ)) أي: اشكر الله على ما وفقك إليه من إجابته وعبادته وحده والإيمان به وبرسله وبالكتب المنزلة عليه.

стр. 1873

تفسير قوله تعالى: (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة) قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]. يقول ﷻ عن هؤلاء الكافرين الذين أشركوا مع الله غيره وعبدوا سواه: إنهم ما قدروا الله حق قدره، أي: ما عظموه ولا سبحوه ولا بجلوه ولا نزهوه حق قدره. وحق قدره من التبجيل ومن التعظيم أن يفرد بالألوهية وبالعبودية، وأن يفرد بالخلق والأمر، فهو سبحانه القادر على كل شيء، وهو الله الواحد لا شريك له في ذات ولا في صفات ولا أفعال، هو الله الذي يخلق ولا يُخلق، يرزق ولا يُرزق، ولا يحتاج إلى مساعد ولا معين، أما هؤلاء الذين أشركوا به ما قدروه قدره وما عظموه عظمته وما بجلوه تبجيله. قال تعالى: ((وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، فالأرض جميعاً من سبع أرضين وما فيها وما عليها هي بيد الله يوم القيامة، هو الذي يحييها ويفنيها، وتكون باليد، أي في منتهى تصرفه ومنتهى إرادته وقدرته فيها فيفنيها، قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦]، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]. فلا يبقى إلا الله وحده ﷻ والدنيا ستفنى، ويوم القيامة يأمر الله الأرضين السبع والسماوات السبع أن تتصدع فيجعلها هباءً منبثاً، وكلها تكون في يمينه، وهي كلمات متشابهة، نقول: لله يمين ولله عين، ولله قدم، ولله وجه، ولكن كل ذلك ليس كما هي للخلق، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، بل ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، فكل ما يخطر على بالك فالله بخلاف ذلك، لا نؤول ولا نفسر بظاهر القول، والظاهر من السياق أن السماوات والأرضين التي في قبضة الله وفي قدرته وإرادته يفنيها ويدمرها ويهلكها، ويعيد الحياة من جديد يوم القيامة في الدار الآخرة التي لا تفنى ولا تزول.

стр. 1874

تفسير سورة الزمر [٧١ - ٧٥] يجمع الله يوم القيامة جميع الخلائق للحساب، فحينئذ يظهر جزاء كل فريق بما قدم، فالذين كفروا يساقون إلى النار زمراً، والذين اتقوا يساقون إلى الجنة زمراً، والملائكة يكونون حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم، وقضي بين الناس بالحق.

стр. 1875

تفسير قوله تعالى: (حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها) يقول تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١] أي: بوابوها المكلفون بها، يقولون لهؤلاء الكفار الذي جاءوها: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر:٧١]، أي: كيف حصل لكم هذا؟ ألم يأتكم رسل منكم أيام حياتكم ليكونوا أبلغ في الإدراك، وأدرى في التفهيم، وحتى لا يكونوا بعداء عن لغتهم وعن جنسهم، فلو كانت الأنبياء ملائكة لما استطعنا أن نأخذ عنهم ولا أن يعلمونا، ولو كانت الأنبياء جناً لفزعنا منهم ولما استطعنا أن نأخذ عنهم رسالاتهم، ولكن الله أرسل الأنبياء منا ومن جنسنا وعلى شاكلتنا. فقوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٧١]، أي: ألم يأتكم الرسل يتلون عليكم الآيات والعلامات والمعجزات والأحكام والرسالات. ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر:٧١] أي: ألم يخوفوكم بمثل هذا اليوم الذي أصبحتم في واقعه؟ ألم يقولوا لكم: من أتى الآخرة كافراً مشركاً مكذباً لكتاب ربه ولرسله فإنه سيحصل له كذا وكذا؟ ﴿قَالُوا بَلَى﴾ [الزمر:٧١]، اعترفوا بالواقع ولا يسعهم إلا ذلك، إذا قد قبلوه ورضوه؛ لأنهم أعلم بجرائم أنفسهم وبكفرهم. قال تعالى: ﴿قَالُوا بَلَى حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١] أي: ولكن وجبت كلمة العذاب، قال تعالى: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩]، تلك كلمة العذاب وقد قالها الله في كتابه، أنذرهم وهم لا يزالون أحياء في دنياهم، فلم يبادروا بالتوبة قبل الموت، وهكذا إلى أن داهمهم الموت وهم مشركون بالله. ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ﴾ [الزمر:٧١]، أضربوا عن القول الثابت الذي قالوه، فهم يقولون: قد أتانا الرسل وأنذرونا وبينوا لنا وعلمونا، ولكن الله سبحانه قد وجبت كلمة عذابه علينا فلا مبدل لها ولا مغير. قوله: (على الكافرين) أي: على الذين كفروا بالله رباً، وبمحمد نبياً ورسولاً، وبالقرآن كتاباً، وكفرو بيوم البعث والنشور ويوم العرض على الله، وهيهات هيهات أن ينكروا ما تراه الأعين، وتسمعه الآذان، وتحسه البشرة.

стр. 1876

تفسير قوله تعالى: (قيل ادخلوا أبواب جهنم) قال تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٧٢]. تقول لهم الخزنة بعد أن اعترفوا بكفرهم، واعترفوا بأنهم ليسوا بمظلومين، واعترفوا بعدل قضاء الله فيهم ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٧٢]. فما أقبح وما أبأس مقام جهنم ومنزله، فقد أصبحت اليوم جهنم مثواكم، أي: داركم ومكان إقامتكم.

стр. 1877

تفسير قوله تعالى: (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً) ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣]. الله ﷻ عودنا في كتابه أن يجمع باستمرار بين الخوف والرجاء، وبين حال الكافرين وحال المؤمنين، وهكذا بعد أن وصف حال الكافرين، وصف حال المؤمنين وقد قضي لهم بالحق وجاء وقت التنفيذ، فقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر:٧٣]، اللهم اجعلنا منهم. فهؤلاء كما قال المصطفى ﷺ : (يأتون الجنة على نوق لها أجنحة وتأتي الملائكة تأخذ بلجم هذه النوق يسوقون بهم سوقاً رفيقاً) يساقون بود ومحبة، يساقون سوق الغبطة إلى الجنة، فالكافرون سيقوا سحباً على وجوههم، والمؤمنون يساقون بنوق لها أجنحة، وفيها كذا وكذا مما وصف النبي ﵊. فقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر:٧٣] أي: جماعات بعد جماعات، يقال: جاء القوم زمراً أي: جماعات متفرقة، ومعناه: كل رفقة أتت مع أمثالها، فتبدأ زمر أهل الجنة بزمرة الأنبياء، ثم بزمرة الصحابة، ثم بزمرة الأولياء، ثم بزمرة العلماء، ثم بزمرة المؤمنين، وكلٌ على حسب مقامه وطاعته وعبادته. قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣]. أي: حتى إذا جيء بهؤلاء إلى الجنة وفتحت لهم أبوابها. قال الله عن أهل النار: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر:٧١]، يعني: كانت مغلقة وفتحت بعد مجيئهم، وقال عن أهل الجنة: ﴿إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر:٧٣] فذكر واو الحال، أي: جاءوها والأبواب مفتحة لهم مستعجلة قدومهم مرحبة بمجيئهم، وفي الأحاديث النبوية الصحيحة: (يؤتى بالمؤمنين يريدون دخول الجنة، فيكون أول داخل نبينا ﵊، فيستأذن في الدخول ويطرق الباب فيقول له الخازن وهو رضوان: من أنت؟ يقول: محمد، فيقول له: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك). فرضوان كبير بوابي الجنة يقول: أمرت من قبل الحق أن لا أفتح باب الجنة لأحد يدخلها حتى تدخلها أنت يا محمد! فقد أخبر المصطفى ﵊ بأنه يكون أول من يدخلها، وما ذاك إلا بما أعطاه الله حيث قال له: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥]. فمقام المصطفى ﷺ أكثر أجراً وثواباً وأكثر رفعة، ولذلك فإن الله يعطيه إلى أن يرضيه، ومن ذلك أن يكون أول شافع، وأول طارق لأبواب الجنة، وأول داخل للجنة، وهذا من تمام إكرام الله له، كذلك يعطيه المقام المحمود الذي نص الله عليه، وأنه يشفع في الخلائق كلها، وقد مضى هذا مفصلاً في كثير من الآيات الماضيات. قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الزمر:٧٣]. فخزنة جهنم استقبلوا أهل النار بالعنف والشدة، وهؤلاء المؤمنون استقبلهم خزنة الجنة ضاحكين مستبشرين مسلّمين مؤمّنين، قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الزمر:٧٣]، أي: سلموا عليهم وأمنوهم بسلام الله وبأمانه، وأنهم لن يروا بعد اليوم عذاباً، ولا مشقة ولا تعباً، فهم في راحة أبدية وسلام أبدي، وفي أمان من عذاب الله أبدي، لا يجوعون ولا يظمئون ولا يملون، ولا يتمخطون ولا يتبولون، ولا يتغوطون. يقول علي كرم الله وجهه: قبل أن يصلوا إلى الجنة يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار عند أصل الشجرة، فيجدون عينين نابعتين، فيغتسلون بعين تطهرهم وتزيل جميع أمراضهم وجميع أدرانهم الظاهرة، ثم يشربون من العين الثانية فتطهر كل ما في بواطنهم وأمعائهم من أمراض وعلل، فيدخلون الجنة على غاية ما يكونون صحة وصفاءً ونوراً وراحةً وإشراقاً. فأهل الجنة يحدث لهم ما قصه الله علينا في أيوب ﵇ الذي طال به العذاب والمحنة إلى أن دعا الله تعالى أن يرفع ما به من ضر، فقال له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص:٤٢]، فركض برجله فنبعت عين عند رجله اغتسل منها فأزالت كل أمراضه ثم ركض برجله فنبعت عين فشرب منها فطهرت جميع باطنه، وهكذا أصبح أحسن الخلق جمالاً وكأنه عاد إلى شبابه الأول، بل أحسن وأكمل وأصح. قولهم: ﴿طِبْتُمْ﴾ [الزمر:٧٣]، دعوا لهم بالطيب وبالراحة والسعادة والسلام، وأخبروهم أن أيامهم ستكون في الجنة سعيدة لا عذاب فيها ولا شقاء ولا ألم. قال تعالى: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣]، فالجنة مثوى المؤمنين، ويستقبل المسلم داخل الجنة زوجتاه الإنسيتان وسبعون من الحور العين فيقلن له: نحن الخالدات فلا نموت، نحن المنعمات فلا نمل، نحن المقصورات عليك.

стр. 1878

تفسير قوله تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده) جعلنا الله ممن يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر:٧٤]، فهم يحمدون الله أن الله صدقهم ما كان وعدهم من الجنان والحور العين، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر:٧٤]. فيقول سكان الجنة: نحمد الله ونشكره على ما أكرمنا به من كونه صدقنا وعده، وجازانا بالجنة وبوأنا من أرضها، أي: جعلها لنا منزلاً ووطناً ومتبوءاً نختار فيها ما نشاء من القصور ومن الحور العين، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. قال تعالى: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر:٧٤]، تقول لهم الملائكة: نعم عملكم وما أحسنه! فهذا نعيم العاملين الذين عملوا بالتوحيد وبالطاعات وتركوا المعاصي، فكانوا بربهم مؤمنين، ولأوامر نبيهم ممتثلين.

стр. 1879

تفسير قوله تعالى: (وترى الملائكة حافين من حول العرش) قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧٥]. يخبر الله نبيه محمداً ﷺ أن أهل الجنة يتنعمون بنعيمها، وأعظم نعيمها رؤية الحق ﷻ ، ثم قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر:٧٥]. أي: وترى -يا محمد- ملائكة الرحمن حافين، أي: يحيطون بعرش الرحمن ينتظرون أمراً، وينتظرون عذاب من يأمر الله بعذابه، ورحمة من يأمر الله برحمته، كما سيقت زمر النار إلى النار، وسيق زمر الجنة إلى الجنة. قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر:٧٥]، أي: يقولون: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، ويقولون: سبحان ربنا ما أعظم جلال ربنا! ويقولون: لا إله إلا الله، وهي الكلمة التي أخبر عنها المصطفى ﵊ أنها أعظم كلمة قالها الأنبياء من قبل، ويقولها الناس بعدهم. فقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر:٧٥] أي: يعظمونه ويبجلونه ويقدسونه ويسجدون ويركعون ويذكرون ويهللون ويكبرون، فكل ذلك داخل في التسبيح تنزيهاً وتعظيماً وإجلالاً وإكباراً. قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر:٧٥]، أي: قضي بين العباد بالعدل، فزمر النار إلى النار، وزمر الجنة إلى الجنة، وهكذا قضى الله ونفذ أحكامه، وأصبح من في الجنة خالداً فيها أبد الآبدين، ومن في جهنم خالداً فيها أبد الآبدين، وطويت الصحف، وحفت الملائكة بعرش ربها. ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧٥]، معناه: أن كل الكون ملائكة وجناً وإنساً، ومن في الجنة، ومن في النار كلهم يقولون: الحمد لله رب العالمين، أي: الحمد لله على قضائه العادل، والحمد لله على قضائه بالحق، والحمد لله الذي أرانا الحق حقاً في صدق أنبيائه وصدق كتبه، ذلك ما يقوله المؤمن رضاءً، ويقوله الكافر مرغماً. وهكذا بدأ الله القول بالحمد وختمه بالحمد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأنعام:١]، فالسموات والأرض خلقت بحمد الله وشكره، ولما كان يوم العرض على الله فدخل من دخل في العذاب، ودخل من دخل للرحمة، قال الكون كله: الحمد لله رب العالمين. ومن هنا نعلم عظمته وجلاله سبحانه، فنحن نقرأ (الحمد لله) في كل ركعة في الصلوات الواجبات والنوافل، فنقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٢ - ٣]. ومن هنا أخذ المغاربة والأندلسيون البدء في الرسائل بالحمد، والانتهاء بالحمد، ومن المغاربة من يبتدئون بالبسملة وينتهون بالحمد، فالمغاربة والأندلسيون كانوا ولا يزالون يبتدئون الرسائل بالحمد لله رب العالمين، وينتهون بالحمد لله رب العالمين.

стр. 1880

تفسير سورة غافر [١ - ٤] سورة غافر تسمى بسورة المؤمن وهي لب القرآن، وهي أول الحواميم، وهي روضة من رياض القرآن، وجنة من جناته، وهي ديباجة القرآن؛ لما اشتملت عليه هذه السورة من ذكر لصفات الله الحسنى، وما أعده الله تعالى للمؤمنين، وما توعد به الكافرين.

стр. 1881

تفسير قوله تعالى: (حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم) قال الله ﷻ : ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر:١ - ٣]. هذه سورة مكية تشتمل على خمس وثمانين آية كلها نزلت على قلب نبينا ﵊ من الروح الأمين جبريل ﵇ عن الله ﷻ ، ومنها بضع آيات -اثنتان أو ثلاث- هن مدنيات. وتسمى سورة المؤمن، وتسمى سورة غافر، وسميت سورة المؤمن لما فيها من ذكر المؤمن ومقامه ومكانته، وسميت سورة غافر باسم الله الغافر المذكور في بداية السورة، وهو من باب تسمية الكل باسم الجزء، والسور التي مضت معنا كلها كذلك، وعلى هذه الطريقة وهذا المنوال تسمى الآية ببعض ما فيها. قال عنها ابن مسعود وابن عباس وجماعة من التابعين ﵃: لكل شيء لب ولباب القرآن سورة المؤمن، وقالوا عن سور (حم): الحواميم عرائس القرآن الكريم، وقالوا عنها: هي روضات وجنات القرآن، وقالوا عنها: هي ديباجة القرآن، وذلك لما اشتملت عليه هذه السور الكريمة من ذكر لصفات الله ﷻ ، وما أعد الله للمؤمنين، وما أوعد به الكافرين، ولما فيها كذلك من نعوت وصفات لذات الله ﷻ العلي الكريم، وفي سنن أبي داود ومسند البزار وجامع الترمذي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ آية الكرسي وأول سورة حم يعصمه الله في ذلك اليوم من كل سوء)، آية الكرسي معروفة، وبداية هذه السورة غافر قوله: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر:١ - ٣]، من قرأها في يومه وقرأ معها آية الكرسي صانه الله وحفظه، وجنبه كل سوء في ذلك اليوم. ﴿حم﴾ [غافر:١] حاء وميم من الحروف المقطعة في أوائل السور، وقد مضى تفسيرها وشرحها وبيانها ابتداءً من سورة البقرة إلى هذه السورة المباركة، وقد قالوا: هي أسماء من أسماء الله ذي الجلال والإكرام. وقالوا: هي رموز لمعان، وأتينا بتفسير الزمخشري ومن كان له من معاصرين، وحققنا قولهم في أن الحاء والميم وهذه الحروف المقطعة التي افتتحت بها السور أو كثير من السور هي من حروف الهجاء العربية، وكأنها جواب لمن يسأل: لمَ الإعجاز في القرآن؟! فالقرآن نزل بلغة العرب، ولغة العرب يتقنها الكثير من العرب وغيرهم، منذ كان العرب في الدنيا، فما الإعجاز؟ وكأن الجواب القرآن الكريم -وهو كلام الله ذي الجلال والإكرام- ركب ونظم من هذه الحروف؛ حروف التهجي العربية، ومع ذلك فإن هذه الحروف التي ركب منها القرآن تعرفونها وما استطاع أحد منكم أن يعارض القرآن ويتكلم بمثل فصاحته وبلاغته وإعجازه، فليصنع إن شاء، ولو شاء لما استطاع ولرجع بخفي حنين ذليلاً خاسئاً؛ لأن كلام الله ﷻ بينه وبين كلام غيره من المخلوقين ما بين الخالق والمخلوق، ولو أن ذلك بلغة العرب التي يتقنها أهلها ومتكلموها، ومع ذلك فالنظم ذلك وبلاغة ذلك، وإعجاز ذلك في اللفظ والمعنى ما يعجز عنه كل فرد ملائكة وجناً وإنساً، وقد تحدى الله وقت نزول القرآن على أن يأتي الناس والجن بمثل هذا القرآن ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، وقد جئنا نحن بعد نزوله بـ (١٤٠٠) عام، فكان هذا الإعجاز المعجزة الأولى والدائمة السرمدية إلى يوم القيامة من معجزات القرآن، وأن الأمر كما تحدى الله وبلغ رسول الله ﷺ ، وقد مضت كل هذه القرون والتعجيز لا يزال قائماً، والبشر والخلق كلهم لا يزالون عاجزين، وقد حاول مجانين ضائعي العقل قبل أن يكونوا ضائعي الدين أن يقولوا مثل ذلك، لقد حاول ذلك الكذاب المتنبئ مسيلمة الكذاب فأتى بالقول المضحك الذي يضحك الثكالى، وجاء بمثل ذلك فيما زعموا المعري، ومع ذلك فقد جاء بالقول المضحك الذي لا يكاد يقبله عاقل فضلاً عن الاعتراف بفصاحته وبلاغته فكيف بإعجازه. هذه الحروف منها ترتب القرآن، وهو مشتمل على هذه الحروف، ولم يأت بسواها ولم ينطق إلا بها، فمن استطاع فليفعل، وهيهات هيهات لقد أعجزه الله ﷻ ، وعجزت كل هذه القرون أن تأتي بسورة مثله. ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر:٢] الكتاب إذا أطلق فلا ينصرف إلا إلى القرآن الكريم، هذا الذي نتشرف بمدارسته وببيانه وبتفسيره في هذا المكان المقدس في بيت الله الحرام باتجاه الكعبة المشرفة، وهذا القرآن الكريم هو تنزيل من الله العزيز العليم، فالله هو الذي نزله، وهو الذي قاله، وهو الذي تكلم به، وهو الذي أوحى به إلى محمد سيد الأنبياء وخاتم المرسلين ﷺ ، نزل به إليه الروح الأمين عن الله ﷻ ، فهو كلام الله الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكل من شك في ذلك -فضلاً على الإنكار- يكون كافراً حلال الدم، إن كان مسلماً فقد ارتد، وإن كان كافراً من الأصل فهو كافر على كل اعتبار، ولا يزيده ذلك إلا كفراً وبعداً عن الله، وإصراراً على الجحود والكفر. ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ﴾ [غافر:٢] أي: تنزيل القرآن ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر:٢]، وهو منزل من الله على قلب نبينا محمد ﷺ . ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر:٢] العزيز الذي لا يغالب، والعزيز الذي لا يظلم أحد في جنابه، والعزيز الذي من اعتز به عز، ومن اعتز بغيره ذل كما أخبر نبينا صلى الله عليه وعلى آله، (العليم) بكل شيء، ما خفي وما أعلن، ما بقي في الضمائر والنفوس ولم يتحدث به لسان، وما نطق به، وما أعلن، وهو العليم ﷻ بما كان وما يكون، وما لو كان كيف يكون، هذا العليم ﷻ هو الذي أنزل من علمه على قلب نبيه وعقله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا المعنى مما يكرر ومما يؤكد ومما يذكر بعد بضع آيات وفي كثير من السور وفي كثير من الآي، وهو ما وصف به كتاب الله، وأنه متشابه مثاني، أي: يثنى ويكرر؛ تبعاً للقاعدة العربية: ما تكرر تقرر، فالشيء إذا تكرر أصبح قراراً ثابتاً، ويصبح قاعدة لا تقبل نزاعاً ولا جدالاً، وهذا من ذاك. فالقرآن الكريم هو كلام الله ﷻ بجميع آيه وحركاته ووقفاته وسوره، والكل أنزل من الله على نبيه ﷺ ، كما أنزل كتباً قبله على رسل آخرين، كالزبور والتوراة والإنجيل على داود وموسى وعيسى عليهم وعلى نبينا أفضل الضلاة وأزكى السلام.

стр. 1882

تفسير قوله تعالى: (غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب) ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر:٣]. قوله: (غافر الذنب) أي: الذي يغفر ذنب المذنب إذا استغفر، والذي يغفر الذنوب جميعاً إذا جاء المذنب وهو موحد غير كافر، والذي يغفر لمن استغفره حتى من ذنوب الشرك ومن الكفر بالله إذا تاب وأناب، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]، فهو غافر الذنب الذي مضى، قابل التوب بما يستقبل من أيام، فمن تاب إليه تاب عليه، فهو يقبل توبة من كانت توبته توبة نصوحاً، وكان صادق التوبة، وعلامة صدق التوبة: أن يندم الإنسان على ما صدر عنه من ذلك، وأن يعزم في نفسه على ألا يعود، وأن يصلح ما أفسده، وأن يحسن مكان كل شيء، وليستبدل سيئاته حسنات، فهذا عسى الله أن يتوب عليه، وقد وعد ربنا بالمغفرة والتوبة ولا يخلف الله الميعاد، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١]. ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر:٣] أي: يقبل توبة من تاب، ويغفر الذنب من المذنب إذا استغفره، وهو مع ذلك شديد العقاب، وكثيراً ما يقرن الله في آيه وسور كتابه بين الرحمة وبين العذاب، وبين العقاب وبين المغفرة؛ ليبقى المؤمن طوال مدة حياته يحيا بين الرجاء والأمل، يأمل إذا أحسن وتاب واستغفر، ويخاف ويهاب إذا أذنب فلم يستغفر ولم يتب. ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر:٣] لمن مات ولم يستغفر، ولمن مات على الشرك والكفر، على أن الله قد يغفر الذنوب حتى لمن لم يستغفر إذا لم يكن فيها شرك، والمغفرة بيد الله إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، وهو قد خلق النار والجنة لتمتلئ هذه وتمتلئ هذه، ومن العقائد المقطوع بها: أن النار ستمتلئ بالمذنبين من المسلمين ومن الكافرين المشركين، ولكن مآل المسلم على أي حال هو الخروج من النار، ومآل الكافر الذي مات على الكفر البقاء في جهنم خالداً فيها أبداً، وهؤلاء الذين يخرجون من النار ويدخلون الجنة سيعيشون زمناً في الجنة وأثر حريق النار على جباههم، ويعرفون بين سكان الجنة الذين سبقوهم: بالجهنميين، وهم سيتألمون من ذلك، وسيدعون ربهم، ويكثرون الدعاء والضراعة أن يزيل عنهم تلك العلامة التي ميزتهم عن المؤمنين الذين دخلوا الجنة من أول مرة، فيستجيب الله دعاءهم ويزيل عنهم تلك الصفة المؤذية لهم جزئياً، ويصبحون وغيرهم على شاكلة واحدة، فيغفر الله لكل مذنب استغفره، ولكل عائد عاد إليه. وهو شديد العقاب وشديد الانتقام، وشديد العذاب لمن مات على كفره، ولمن مات ولم يستغفر من ذنبه. ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر:٣] الطول: الغنى والسعة، وربنا واسع الغنى، واسع المغفرة، والطول: هو المنُّ والإنعام، فهو واسع المن وواسع الإكرام والإنعام، والكل بمعنىً واحد، فربنا ﷻ عندما يغفر الذنوب ويعلي الدرجات يوسع الرحمة، ويوسع الإنعام، ويوسع التفضل على من تفضل عليه من المؤمنين التائبين المستغفرين من سكان أهل الجنة. (ذي الطول) الطول: الغنى، فهو الغني عن عباده؛ كفر من كفر وآمن من آمن، فلا كفر الكافر يضره ولا إيمان المؤمن ينفعه، قال تعالى في الحديث القدسي: (إن هي إلا أعمالكم أوفيها إليكم) فمن جاء بالخير فله الخير، ومن جاء بسوى ذلك فله الضر، وإن رأى الإنسان أن يندم على ما فات فنفسه أحسن إليها، وإلا فنفسه التي أضرها وأساء إليها. قال تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وجنكم وإنسكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي! إن هي إلا أعمالكم أوفيها إليكم فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد شراً فلا يلومن إلا نفسه). يقول أحد العارفين: كنت يوماً في الطريق وإذا برجل يأتيني راكباً فيتدارك مشيتي، وسمعني أتلو القرآن وأقرأ هذه الآية، فقال لي: يا عبد الله! إذا قرأت: (غافر الذنب) فقل: يا رب! اغفر ذنبي، وإذا قرأت: (قابل التوب) فقل: يا رب! اقبل توبتي، وإذا تلوت: (شديد العقاب) قل: يا رب! جنبني عقوبتك، وإن قرأت: (ذي الطول) قل: يا رب! تطول علي بنعمتك وبإنعامك وبسعة رزقك. قال وإذا بي ألتفت فلم أره، فسألت الغادي والرائح: هل رأيتم راكباً؟ فقالوا: لا، فقالوا: لعله إياه -هذا الذي ذكرت الآثار أنه هو الخضر - فإنه سيعيش زمناً الله أعلم بمدته قبل أن يموت؛ لأنه شرب من ماء الحياة الذي من شرب منه طال عمره آلاف السنين. ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [غافر:٣] (لا إله) أي: معبود بحق إلا هو، ولا رزاق سواه، ولا مميت ولا محيي غيره، ولا مدبر لأمر الخلق غيره، ولا رب ولا خالق ولا رازق إلا الله ﷻ وعز مقامه. ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر:٣] إلى الله مصيرنا ومعادنا وعودتنا، فنحن قد أحيانا الله ثم يميتنا ثم يحيينا فيكون مصيرنا إليه، والحساب والعرض عليه: إما إلى جنة وإما إلى نار، وما يقوله المشركون، وما يقوله عباد الأصنام: من أحياء أو أموات فكل ذلك ضلال في ضلال، وباطل في باطل، ما أنزل الله به من سلطان، إن هو إلا الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.

стр. 1883

تفسير قوله تعالى: (ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا) قال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [غافر:٤]. يقول ربنا لهؤلاء المشركين: ألا يجادلوا ولا ينازعوا ولا يتلاعبوا بالقول بلا دليل ولا برهان، بمثل ما يقوله المشركون للأنبياء: هل يكون النبي بشراً؟ لِمَ لم يكن النبي ملكاً؟ ولِمَ يأكل النبي الطعام ويمشي في الأسواق؟ ولِمَ النبي لم تكن معه ملائكة تصدقه؟ ولِمَ لا تفجر له أنهار وأرزاق تكون له؟ فيجادلون بمثل هذا الجدال والكلام الباطل، وبمثل هذا الغث من القول الذي لا يعود على صاحبه إلا بالكفر، وبتشتيت العقل، وبالإصرار على الوثنية والشرك بالله، فهذا هو الجدال المحرم. وفي مثله يقول النبي ﵊: (المراء في القرآن كفر)، فالذي يحاول أن يجادل ويقول: لِمَ أنزل القرآن على زيد ولم ينزل على عمرو؟ ولِمَ نزل بلغة العرب ولم يكن بلغة فارس؟ ولماذا نزل منجماً على ثلاث وعشرين سنة ولم ينزل في سنة واحدة؟ فهذا كلام لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا يوجد له دليل عقل أو دليل برهان، فهذا الذي قاله الكافرون الماضون، ويقوله الكافرون الحاضرون هو جدال وغث من القول، يضحك الناس على قائله، ويدل على سخافة عقله وفهمه وإدراكه، ولكن المحاورة والاستجابة والاستنزال على الحق هي التي أتى بها القرآن، كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، ولعلا بعضهم على بعض، فلو كان للأرض عدة آلهة لحاول بعضهم أن يعلو على بعض، كما تعلو الدول والملوك المتجاورة على بعضها، وكما يعلو القوي على الضعيف، وهذا كلام حق، ولطلب هذا الموت ولأمر هذا بالحياة، فإن تم ذلك لزعزعت الأرض، ولهلك الكون، ولحار الناس ما يصنعون، فالحوار يكون بالعقل وبالدليل والبرهان بميزان كتاب الله وعلى أساسه. وقد دعا النبي ﷺ الخلائق إلى الإيمان بالله، كأن نقول: زعموا أن النبي ﵊ كاذب -وحاشاه من ذلك- مع اعترافهم أنه عاش بينهم أربعين عاماً ولم يكذب كذبة على الناس، أيكذب بعد أن بلغ الأربعين على الله؟ بل كانوا يلقبونه بالأمين والصادق، وهو رجل عاش بينهم أمياً لا يقرأ ولا يكتب مدة أربعين عاماً، وإذا به في يوم من الأيام يصبح يعلم من العلوم من أولها وآخرها: علوم الأولين والآخرين، فمن أين ذلك؟ ومن الذي علمه؟ ومن أفهمه؟ فهذا دليل عقلي على أنه رسول من الله خاصة، وقد جاءهم. وقال ﷺ : (وأنا في غار حراء أتحنث إذا بملك جاءني فقال لي: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فكررها ثلاثاً، ثم ضمني إليه حتى كادت ضلوعي تتداخل بعضها في بعض، فقال لي: اقرأ، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق:١ - ٢]). هذا الذي أتى به القرآن بدليل العقول هو ما يؤكده العقل والبيان والفهم والعلم، وأما الجدال: لم أتى محمد بالنبوة ولم يأت بها أبو لهب؟ وقولهم: لِمَ لم ينزل القرآن على عظيم من القريتين: وهما مكة والطائف؟ فأجاب عليهم الله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف:٣٢]، ومن قال لهم: إن أبا لهب عظيم؟! ومن قال: إن أبا جهل عظيم؟! فالعظمة يجعلها الله فيمن يشاء من عباده، قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، فلستم أنتم من تقسمون رحمة الله، فالاستدلال بالدليل والبرهان هو ما جاء به القرآن، وأتى به الرسول ﵊. وأما الجدال فهو من الجدل، وهو الكلام المبني على غير دليل ولا منطق ولا عقل. ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر:٤] فهم الذين يجادلون بالغث من القول، وبالباطل من الاستدلال، وهم الذين يقولون مثل هذا الكلام: لم لم يُزل جبال مكة؟ ويقولون: لِمَ لم يفجر أرضها أنهاراً؟ ولِمَ كان محمد وهو من البشر ولم يكن النبي ملكاً؟ ولِمَ لم تنزل الرسالة على عظيم من القريتين؟ وهذا كله غث من القول، وجدل باطل، وقد دل على عقول هؤلاء الضعفاء، وهو الجدال الذي كرهه الله، وزيفه الله، ومنعه، وهو الذي قال عنه النبي ﵊: (جدال في القرآن كفر)، فلا جدال في آيات الله، قال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر:٤]، فلا يجادل بمثل هذا الغث من القول، وبمثل هذا الباطل من الكلام إلا الكافرون. يقول ربنا: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [غافر:٤]، وكأن إنساناً يسأل ويقول: إن كان أمثال هؤلاء كافرين فلِمَ أغناهم وخصهم الله؟ ولِمَ ملكهم وغلبهم الله؟ قال الله لنا في مثل هذا: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [غافر:٤] أي: لا تغتر بهذا، إن هو إلا ذكرى واستدراج لزيادة العذاب، فتنقلهم وسياحتهم وسفرياتهم للتجارة وللزراعة، وللضرب في الأرض، وللتحكم والظلم والقهر ما ذلك إلا استدراج يستدرجهم الله ﷻ ؛ ليزدادوا عذاباً ويزدادوا عقوبة، وتكون الحجة البالغة لله، وقد أمهلهم ولم يهملهم، فقد أعطاهم سنوات مهلة لعل الكافر أن يؤمن، وإذا بالسنوات لم تزدهم إلا كفراً، ولم تزدهم إلا إصراراً على الكفر، وهو ما يسمى الاستدراج، وهي فتنة فتنهم الله وابتلاهم واختبرهم بها، فمن سبقت له العناية من الله تنبه وتاب وأناب وعاد إلى الله، ومن اغتر بذلك وقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] وبمعرفتي، وبعقلي، وبدهائي، وقد أعطاني الله ما أعطانيه في الدنيا، وهو سيعطيني يوم القيامة أكثر مما أعطاني في الدنيا، فذلك من تلاعب الشيطان به، ومن ضياع عقله، ومن ذهاب إيمانه.

стр. 1884

تفسير سورة غافر [٥ - ٧] يحذر الله تعالى المشركين من أن يصيبهم ما أصاب الأمم السابقة التي كذبت رسلها وعصتهم، فكان عقابها الهلاك والدمار، فهذه العاقبة ستكون لكل من عمل عملهم وفعل فعلهم، فليس بين الله تعالى وبين أحد من خلقه نسب حتى يعامله معاملة خاصة.

стр. 1885

تفسير قوله تعالى: (كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم) قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر:٥]. يقول الله ﷻ معزياً للنبي ﵊ ومسلياً ومصبراً: يا محمد! لا تبتئس ولا تحزن لكفر قومك بك، ولا تحزن من شرك هؤلاء من قومك ومن غيرهم من كفار المشرق والمغرب، ممن أرسلت إليهم، وكلفت بتبليغهم، فمنهم من كذبوك، ومنهم من لم يؤمنوا بك، فقد سبق أن كان ذلك منذ أول الرسل نوح ﵇. فآدم كان نبياً، ثم أرسل بعد ذلك إلى أولاده، وأولاده ابتدأوا بولدين، وانتهوا بمجموعة، وأما نوح لما أرسل فقد كان القوم قد تكاثروا، وزعموا أنه مضى من أيام نوح إلى آدم ألف عام، وهذا كافٍ لأن يصبح الناس عشرات الآلاف، فأرسل إليهم نوح ﵇ فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى عبادة الله الواحد، وكانوا قد أشركوا بالله، وأخذوا يعبدون أوثاناً وأصناماً، يعكفون عليها صباحاً ومساءً، وطوال هذه المدة ما آمن به إلا قليل، ثم أخبره الله وقال: ﴿إنَّه لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود:٣٦]، ولم يؤمن به أكثر من سبعين شخصاً، والكثير من العلماء قالوا: إنه لم يؤمن به إلا اثنا عشر رجلاً وامرأة فقط، بل حتى بعض أهله كفروا به كولده، فالله يخبر نبيه ﷺ بأنه إن كُذِّب فقد كذبت أمم من قبله، فكذب نوح في قومه، ثم كذبت الأحزاب من بعده، والأحزاب هي الفئات والشعوب والأمم، كقوم عاد وثمود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم موسى وهارون، وأقوام إبراهيم إلى عيسى، فالنبي يعزى ﷺ من قبل ربه الكريم بأنك إن كُذبْت فقد كُذِبَت أمم من قبلك، فعوقب الذين كذبوا على تكذيبهم، ولقوا عذاب الله، واستحقوا العذاب الأليم الخالد في جهنم؛ جزاء شركهم وكفرهم بالله. ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [غافر:٥] أي: قبل قوم النبي ﷺ ، وذكرت كذبت بالتأنيث لاختلاف اللفظ. والله يقول لنبيه في آية أخرى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦] أي: لعلك مهلكها على أنهم لم يؤمنوا، فلا تفعل ذلك، فإن تلك هي سنة الأقوام والشعوب قبلك، ولكن النهاية أن النصر حليفك كما نصر الأنبياء قبلك، وعقوبة أولئك كما عوقبت الملل والشعوب قبلك، فالله ناصركم، والعاقبة للمتقين. ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ [غافر:٥] الهم: شبه العزم، وقد يصل إلى حد العزم، وهموا أي: حاولت كل أمة أن تقتل نبيها، وقد فعل بعض بني إسرائيل ذلك، وقد حاولوا ذلك بنبينا ﵊، فقد حاول قومه من قريش وقتله، وقد تآمروا عليه في دار الندوة، ومكانها كان جوار الصفا والمروة، وأخذوا يتآمرون عليه ليقتلوه، واتفقوا على القتل، وأن يقتله شباب من قبائل مختلفة؛ ليهدر دمه ويتوزع في القبائل، وبنو هاشم أقل من أن يعلنوا القبض على جميع القبائل، ولكن الله نصره عليهم، وخرج من بينهم وذهب مهاجراً إلى الله ورسوله إلى المدينة المنورة، وفي المدينة همت اليهود أن ترمي عليه يوماً رحى، وذهب وصعد السطح من حاول أن يرميها على رأسه، ولكن النبي ﷺ انتبه أو نُبه من قبل جبريل، فعاد إلى المدينة وقد كان خارجها، وسممته يهودية اسمها زينب وسألت: أي نوع من اللحم يعجب محمداً؟ فقالوا لها: الذارع، فأخذت ذراع ضأن وسممته، فأكل منه لقمة، وأكل من كان معه لقمتين فمات شخصان من توهم، والنبي لفظ اللقمة وقال: إن هذا اللحم يحدثني بأنه مسموم، وكان هذا عام خيبر قبل موته ﵊ بثلاث سنوات، وكان يقول: (لا تزال أكلة خيبر تعاودني حتى قطعت نياط قلبي)، بمعنى أن السم بقي في دم النبي ﷺ وفي عروقه يكبر ويكبر مضعفاً له، وبذلك وصفت عائشة النبي ﷺ في آخر آيامه أنه كان كثير الأحزان، كثير الأمراض. وسئلت مرة: يا أم المؤمنين! قلنا: خطيبة تعلمت من بيت النبوة وهي أم المؤمنين، قلنا: نسابة، فإنها بنت أبي بكر، وكان أبو بكر نسابة العرب، فعنه تعلمت، وقلنا: عالمة، فلِمَ العجب؟ فقد نشأت وتربت في بيت النبوة، حيث ذكْر الله والحكمة، ولكن الطب من أين لك؟ فقد كانت عائشة على درجة من الطب حتى وصفت بالطبيبة، فقالت: كان رسول الله ﷺ دائم الأمراض، فكان يأتيه الأطباء ويصفون الدواء له، وكنت أشرف على تمريضه وعلى علاجه من هناك تعلمت الأمراض وتعلمت أدويتها، تعلمت الأدواء والأدوية، وكان ذلك إثر هذه الأكلة، فالنبي لم يكن بدعاً من الرسل قبله. ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ [غافر:٥] أي: ليقتلوه، وليأخذوا نفسه وروحه، وقد فعل هذا حتى بنبينا ﵊. قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ﴾ [غافر:٥] أي: ليذهبوا ويبطلوا به الحق، فكانوا يجادلون في الغث من القول، وبالكلام الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، والذي يتضاحك منه الأطفال. (وجادلوا بالباطل) أي: أدخلوا الباطل في الجدال، فحصلوا القول الذي لا يعتمد عليه، وجعلوه أداة للجدال وللسؤال. (ليدحظوا) من الدحض وهو الزوال، أي: يضيعوا به الحق، وهيهات هيهات فعلى الحق نور لن يزول منه قط، كما فعل نبينا لما دخل مكة فاتحاً، وجاء إلى الأصنام إليها فأخذت تتهاوى وتسقط إلى الأرض، وهو يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، فالباطل في طبيعته زهوق ضائع؛ لأنه لا يقبله عقل عاقل، ولا فكر مفكر، ولا اعتبار معتبر، فهو يتهاوى في نفسه، فحتى الأطفال وعجائز النساء الذين لم يدرسوا ولم يتدربوا على الجدال لا يقبلون الباطل بحال قط. ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر:٥] أي: أهلكهم ودمرهم وأغرق قوم نوح، ثم عاقب هذه الأمم بين صعق وبلاء وزلازل من الأرض، وصواعق من السماء، وقلبت أرض أهل السوء عاليها سافلها، وهكذا ما من أمة من الأمم المشركة إلا وعاقبها وبالغ في عقوبتها، وأما أمة محمد ﷺ -تكرمة من الله لمحمد ﷺ فإنه لم يفعل بها ما فعله بالأمم من قبلهم، ولكنه عاقبهم بأن جعل بأسهم بينهم شديد، ومثال ذلك: أن يقوم شخص من بينهم ويستسلم لليهود، فيتهود في نفسه ثم يلتفت إلى قومه فيسبهم ويلعنهم ويشكك بهم، فيكون هذا العقاب هو الذي جعله الله عقوبة للمؤمنين عندما يخرجون عن أمر الله، يسلط الله بعضهم على بعض. وأما ما أصاب الأمم السابقة من غرق تام، ومن صعق تام، ومن جعل الأرض عاليها سافلها، فإن هذا لن يصيب أمة محمد؛ رحمة من الله، وتكرمة لرسول الله ﷺ ، فالله يمهل ولا يهمل، ويفعل هذا لعل المجرمين يتوبون، ولعلهم يتقون. ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر:٥]. يسأل الله نبيه وكل من تلا هذه الآية سؤال تقرير: كيف رأيت عقابي لهؤلاء؟ والجواب بالتصريح: كان عقاباً بالغاً مدمراً، وكان عقاباً مميتاً، وكان عبرة للمعتبر، وكان درساً للدارسين، وتاريخاً للمؤرخين. وقد مضت على هذه الشعوب قرون وآلاف من السنين، ولا يزالون يذكرون بذنوبهم وآثامهم وعقوباتهم؛ ليكونوا عبرة للمعتبر، وليأخذ منهم المؤمن ومن أدرك رسالة محمد ﷺ العبرة والدرس، حتى إذا حاول أحد من أمة محمد أن يشرك ويكفر ويخالف ويعصي تذكر -إن كان من أهل الذكر وممن سبقت له العناية- أن من حاول فعل ذلك وأمثاله عوقب بالدمار، وعوقب بالغرق فلا يفعل مثل ذلك، وهذه حكمة هذه القصص. فعندما يقصها الله علينا في القرآن ليس المراد منها أن يسلينا بالقصص والحكايات، ولم ينزل القرآن لمثل هذا. ولذلك لم يسمِّ ربنا ﷻ ، ولا نبينا ﷺ بعض الشخصيات أو تحديد تواريخ القصص؛ لأنه ليس المقصود من ذلك القصة، ولكن المقصود الحكمة العبرة من القصة، والدرس من كفر هؤلاء وذكرهم.

стр. 1886

تفسير قوله تعالى: (وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار) قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر:٦]. (حقت) أي: وجبت، وحقت من الحق، ومغزى ذكر الحكاية: أن من فعل مثل قوم نوح، أو مثل عمل الأحزاب من بعدهم، فكفر كفرهم، وأشرك شركهم، وعصى بنيه كعصيانهم، فكذلك نفعل به. ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [غافر:٦]. أي: كلمة العذاب، والكلمة التي يقولها عندما يريد شيئاً هي: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة:١١٧]. وهكذا كان في المعاقبين من المشركين من الأمم الماضية، التي كذبت رسولها، والتي عبدت مع الله غيره، وأشركت به أصناماً وأوثانا. وكذلك الذين كفروا بسنة محمد، وكل الخلق بعد ظهور النبي ﷺ في هذه الديار المقدسة كلهم أمة محمدية، فمن آمن به من الأمم سميت أمة مستجيبة، ومن كفر سميت أمة متمردة عاصية، وأما رسالة موسى فقد انتهت، وكذلك رسالة عيسى، وكلاهما قد مسخ ونسخ، وانتقل اليهود من ديانة التوحيد إلى عبادة العزير، واعتقدوا أنهم أبناء الله. وانتقلت ديانة النصارى من عبادة الله الواحد إلى زعمهم بأن عيسى هو الله، وأنه ابن الله، وأنه ثالث ثلاثة، وأنهم جميعاً أبناء الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. فقد نسخت هذه الديانات في حد ذاتها، ثم بعد ذلك جاء الإسلام ونسخها جميعها، فلذلك يقول نبينا ﵊: (والله! لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي)، فلا بد على كل أحد أن يؤمن بنبينا، فمن لم يؤمن به كان كافراً، و (لو) حرف شرط، ولا يلزم من الشرط الوقوع، وعيسى سينزل في آخر الزمان، وسينزل على دين محمد، ولذلك عد من الأصحاب، وترجم في كتب الأصحاب أنه من أصحاب النبي عليه الصلاة السلام. ومن هنا قال ربنا ﷻ : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]. فلا دين كل ما فيه حق إلا دين الإسلام، فمن جاء بغيره فقد جاء بأباطيل وأكاذيب وضلالات ما أنزل الله بها من سلطان، ولن يقبل الله سوى الإسلام، فالإسلام ليس كما يحاول أن يفهمه كل إنسان، لقد قال نبينا ﵊: (اختلفت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، واختلفت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستختلف أمتي على ثلاث وسبعين فرقه، كلها في النار إلا واحدة، قيل: يا رسول الله! ومن هي هذه الواحدة؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) أي: السابقون الأولون كما وصفهم الله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]. فحتى الصحابة ليسوا جميعهم، بل السابقون الأول من المهاجرين الذين هجروا دار الكفر إلى دار الإسلام، والذين سبقوا إلى الإسلام وتحملوا في سبيله الشدائد والعذاب، ومن الأنصار الذين أسلموا في الأيام الأولى والإسلام لا يزال ضعيفاً ومضطهداً، فهؤلاء هم الصحابة الذين أمرنا بإتباعهم. ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر:٦]، أي: بأنهم أصحاب النار، وهكذا من جاء قبل هؤلاء من الأقوام السابقين، من أقوام نوح وهود وصالح ولوط، وأقوام إبراهيم، وأقوام أنبياء بني إسرائيل من الذين لم يؤمنوا بأنبيائهم، فضلوا وأضلوا. كذلك أي فرقة من أمة محمد ﷺ كفرت ولم تؤمن به، فهي من أصحاب النار، ومآلها جهنم مع أولئك، ونهايتها النار مع أولئك.

стр. 1887

تفسير قوله تعالى: (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم) قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧]. يقول ربنا ﷻ : ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر:٧] الملائكة عباد الله المكرَمين الذين يطيعونه ويمتثلون أمره، ويكونون عند أمره ونهيه ﷻ ، والملائكة الذين يحملون العرش هم ثمانية، فالذين من حول العرش ومن يحمل العرش على عواتقهم هم ثمانية، فهؤلاء ليسوا كالكفار، أي: اقتدوا بهؤلاء: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]. ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر:٧] أي: يعظمون ويجلون ربهم، ويسبحون بحمده، وينزهونه ويعظمونه ويقدسونه، يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، ويقولون هذا وهم يطوفون ويدورون كما نطوف بالكعبة، فهم يطوفون بعرش ربهم، ويحمله ثمانية. والثمانية وصفوا من الهيبة والكِبَر والعظم أن ما بين كل أذني واحد كما بين السماء والأرض. والثمانية وهم يحملون عرش ربهم، لا يرفعون أبصارهم عن الأرض قط؛ هيبة وجلالا وخوفاً من الله وجلاله، واسمهم الكروبيون وتجدهم بين طائفتين: فالذين يحملون العرش على رءوسهم يضعون أيديهم على عواتقهم، والذين يطوفون حول العرش يجعلون أيمانهم على شمائلهم، كما نفعل في الصلاة. وهم يسبحون ربهم بهذه الصيغ السابقة وغيرها من الصيغ، يقولون: لا إله إلا الله، ويقولون: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، وغيرها من أنواع الذكر لله، ما نعلم وما لا نعلمه، وكله تقديس، وكله تعظيم، وكله إكبار وإجلال لله ﷻ . والعرش له كرسي، فقد قال نبينا عليه الصلاة السلام في هذا الكرسي أنه أمام العرش كحلقة ملقاة في الأرض، والدنيا بالنسبة للكرسي هي هذا الخاتم فكبر الكرسي أمام كبر الكون ككبر الأرض على الخاتم، فالعرش أعظم من الكرسي الذي الكون بالنسبة إليه كخاتم ألقي في فلاة. والكرسي هو خلق من خلق الله، وما بين كل سماء وسماء مسافة خمسمائة عام، ما بين الأرض والسماء الدنيا مسافة خمسمائة عام، فلو ذهب الإنسان طائراً فلا يصل إلا بعد خمسمائة عام، والعام هل هو من أعوام الدنيا أو غيره، الله أعلم بذلك، فعام الدنيا اثنا عشر شهراً، والشهر فيه ثلاثون يوماً، واليوم فيها أربع وعشرون ساعة، ويوم الآخرة ألف سنة مما تعدون. فلا ندري هل الخمسمائة سنة من سني أهل الأرض، أم من أعوام الآخرة أو أعظم من ذلك. وما بين كل سماء وسماء كما بين الأرض والسماء، وفوق السماء السابعة العرش، علو من السماء الأولى إلى السماء السابعة، وحين أسري بنبينا ﷺ ووصل إلى سدرة المنتهى وقف جبريل، وقال: أنا لا أزيد أكثر من ذلك، فزاد نبينا عليه الصلاة السلام حيث لم يزغ: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧]. وقد تخطى ذلك بكل ثبات وصمود، فموسى وهو من الخمسة أولي العزم من الرسل عندما طلب رؤية ربه قال الله له: ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣]. ما استطاع موسى أن يصبر لتجلي الله للجبل، ولكن النبي ﵊ رأى من آيات ربه ما رأى، ومع ذلك لم يزغ بصره، ولم تضطرب نفسه أو أعضاؤه، وبقي ثابتاً. وجبريل قال: أنا لا استطيع أن أزيد أكثر من ذلك، فوصل النبي إلى حيث سمع صريف الأقلام في اللوح المحفوظ، حتى أمره ربه مكالمة بلا ملك، فأمره بالصلاة خمسين صلاة في اليوم والليلة، إلى آخر القصة، حيث رجع إلى السماء السادسة ولقي موسى فقال له: ارجع إلى ربك؛ فقد عاشرت الناس قبلك فقومك لا يستطيعون، وبقي يذهب ويصعد ويمضي إلى أن وقفت إلى خمس صلوات، فقال: (هي خمس في العدد وهي خمسون في الآخرة، لا يبدل القول لدي) فهي خمس في العمل، وهي خمسون من حيث الأجر والثواب؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها. وقد سبق أن قلت في أكثر من مناسبة: اللوح لوحان: لوح من قبل الملائكة يتلقون منه الأمر والنهي، ولوح من قبل الله، وهذا الذي من قبل الملائكة يقول الله عنه: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد:٣٩]، ويقول عن اللوح الثاني: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]. ويقول عن أم الكتاب: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق:٢٩]، وهذا الأخير لا يختلف زيادة ولا نقصاناً، واللوح الذي من قبل الملائكة فيه الزيادة والنقصان، ومن هذا ما فيه من الأحاديث مثل: (الصدقة تدفع غضب الرب)، وقوله: (صلة الأرحام تطيل الأعمار)، (والصدقة تطيل العمر والدعاء لأخيك في ظهر الغيب مستجاب، ودعاء الوالد لولده في ظهر الغيب كذلك)، هذه الزيادة في العمر أو النقص تكون في اللوح الذي من قبل الملائكة، وأما الذي من قبل الله الذي يقول عنه: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق:٢٩] فلا يزيد ولا ينقص. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ [غافر:٧] فهم يطوفون ويدورون بالعرش، هؤلاء جميعهم: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر:٧]. قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧]. قال العلماء المفسرون: أنصح خلق الله للإنسان المؤمن الملائكة، وأكثرهم غشاً للإنسان الشياطين، فالشيطان عدو أبينا الأول وأمنا الأولى؛ آدم وحواء، وهو عدونا وعدو ذرياتنا من بعدنا، والملائكة أنصح الخلق لنا، فهم يستغفرون الله لنا، وبيننا ويبنهم ملايين من الأميال. فهم يحملون عرش ربهم، ويطوفون بعرشه، ويستغفرون للذين آمنوا قائلين: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧]. وهذا النص يقال له نص تفسير، والمعنى: ربنا وسع علمك كل شيء، ووسعت رحمتك كل شيء، وسبقت رحمته غضبه ﷻ ، العالم بكل شيء ما ظهر وما بطن، وما أعلن وما أخفي، فمع حلمه وسعة رحمته كل شيء: المؤمن والكافر، للإنسان وللحيوان والهوام وكل شيء، ومن رحمته بالكافر أنه أمد له في حياته، ورزقه وأعطاه؛ لعله يوماً يتذكر ويقول: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧]. إذاً فالمرجع مبني على التوبة، فهم يدعون للمؤمنين الذين تابوا من الشرك، ولا مغفرة من الشرك إلا بالرجوع عنه. ﴿لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر:٧] أي: واتبعوا دينك الذي أرسلت به رسلك وأنبياءك، أي: المؤمنين الموحدين. ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧] أي: عذاب النار، وعذاب جهنم، وعذاب الحريق، فأي دعوة أعظم من هذه: أن تُطلب المغفرة من الله، وأن يصلنا الله ويحفظنا، ويجعل لنا وقاية بيننا وبين عذاب النار. واسترسل الملائكة في الدعاء فقالوا: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [غافر:٨]. يدعون لنا فيقولون: (ربنا أدخلهم جنات عدن التي وعدتهم) أدخل عبادك الموحدين التائبين المستغفرين أدخلهم الجنة التي وعدتهم بدخولها وهم في دار الدنيا عندما آمنوا بك وأسلموا. ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [غافر:٨] فهي جنات وليس جنة واحدة؛ لأن الجنة مراتب ودرجات ومنازل. ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [غافر:٨] أي: جنات إقامة، فعدن بمعنى إقامة، أي: إقامة دائمة خالدة باقين فيها أبداً سرمداً. ﴿الَّتِي وَعَدْتَهُم﴾ [غافر:٨] فقد وعدتهم بها، وأنت لا تخلف الميعاد. ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [غافر:٨] أي: من قال: لا إله إلا الله، ومن آمن وخرج عن الكفر، ومن صلح بعد شرك وكفر من آبائهم ومن أزواجهم. و (من): اسم موصل يطلق على المذكر والمؤنث، وعلى المفرد والمثنى والجمع. ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾ [غافر:٨] أي: من آباء المؤمنين التائبين المستغفرين، ومن صلح من أزواجهم، ومن صلح من ذرياتهم وأبنائهم كذلك. وقد ذكر النبي ﵊: أن المؤمنين في الدار الآخرة قد تتفاوت درجاتهم في الجنة، فيفرق بين الزوج وزوجته والأب والولد، وبين الابن وأبيه في درجات من الجنة كما بين الأرض والسماء، فيبحث الولد عن والدة فيجده أقل منه بدرجة، فيقول: يا رب! أكرمتني بالجنة وبالمغفرة، فلتكن زوجتي معي -وهي في الجنة كذلك ولكنها في درجة أدنى-، وكذلك أريد ولدي معي، فيقال له: لم يفعلوا فعلك، ولم يعبدوا عبادتك، فيقول: يا رب! إني عبدتك ووحدتك لتغفر لي، وتلحق بي أولادي، وتلحق بي أهلي، فيستجيب الله له دعاءه، فيرفع الولد للوالد، والزوجة للزوج، والوالد للولد، والحفيد للجد وهكذا دواليك. وقالوا: إن العرش هو في سمت الكعبة، فكما أن الكعبة يطوف بها المسلمون ليلاً ونهاراً، صيفاً وشتاء، ربيعاً وخريفاً، لا تكاد تفرغ لحظة من زمن، فكذلك العرش، فالملائكة الذين حوله يطوفون يسبحون ويوحدون ويعظمون ويمجدون ربهم.

стр. 1888

تفسير سورة غافر [٨ - ١٤] في هذه الآيات ذكر الله تعالى دعاء الملائكة للمؤمنين بأن يدخلهم جنات عدن التي وعدهم، ويدخل أيضاً من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، وذكر فيها أيضاً مناداة ملائكة النار للكافرين وتبشيرهم بأن مقت الله تعالى لهم وهم في الدنيا معرضون عن الله وعن دينه ورسله، بأن هذا المقت أكبر من مقتهم لأنفسهم عندما شاهدوا النار وويلاتها.

стр. 1889

تفسير قوله تعالى: (ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم) قال الله ﷻ : ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [غافر:٨]. يقص الله علينا ما تقوله الملائكة حملة العرش من الكروبيين سادات الملائكة، وأشراف الملائكة، وقد مضى تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧] أي: يقولون: ربنا وسع علمك ورحمتك كل شيء في خلقك. ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧] أي: يقولون ذلك، ولا يزال السياق فيما يقوله الملائكة، فيقولون: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [غافر:٨] أي: يقول الملائكة الكرام ذلك ويدعون للمستغفرين وللتائبين وللموحدين المؤمنين، ويستغفرون الله لهم من ذنوبهم، ويدعون الله لهم أن يدخلهم جنات عدن. قوله: ﴿الَّتِي وَعَدْتَهُم﴾ [غافر:٨] أي: الجنة التي وعد الله عباده المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران:١٩٤]، والوعد الذي أتت به الرسل هو دخول الموحدين للجنان، ودخول الكافرين للنيران، وملائكة الله الكرام حملة العرش ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر:٧٥] فيقولون: سبحانك ربنا، ويقولون: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، ويستغفرون للمؤمنين وللذين تابوا، ويدعون ربهم: ((رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ)) أي: أدخل الموحدين المؤمنين ((جَنَّاتِ عَدْنٍ))، والعدن هي الإقامة، أي: أدخلهم جناتك الخالدة، فيقيمون فيها أبداً سرمداً. ((جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم)) أي: وعدتهم بها وهم لا يزالون أحياء، وذاك مما زادهم إيماناً وتشجيعاً وإغراء، فالملائكة -سلام الله عليهم- يدعون للمؤمنين الموحدين بهذه الدعوات الصالحات. قوله: ((وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ))، من صلح أي: من وحد وآمن وأسلم، فهم يدعون للمؤمنين، وكذلك لآباء المؤمنين من المؤمنين، ولأزواجهم وذرياتهم. ولذلك يقول سلفنا الصالح: أنصح الخلق للبشر هم ملائكة الله، وأغش الناس للبشر هم الشياطين. فسادات الملائكة وأشرافهم الملائكة من حملة عرش ربنا وهم ثمانية، وممن يطوفون بالعرش وهم سبعون ألف صف، خلف كل صف سبعون ألف صف لا يحصي عدد ذلك إلا الله خالقهم، يطوفون بالعرش مسبحين معظمين مبجلين ذاكرين، وهم على هذه الحالة يدعون للمؤمنين بالمغفرة وبالتوبة وبدخول الجنان، مجتمعين مع آبائهم ومع أزواجهم، ومع ذرياتهم وأولادهم إلى آخر ذرية منهم. ويوم القيامة كما يحدثنا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم شارحاً لكتاب الله، مبلغاً عن الله: بأن المؤمن يدخل الجنة فيقول: أين أبي؟ وأين زوجي؟ وأين ولدي؟ فيقال له: إنهم في درجات أدنى من درجاتك، إنهم عملوا أقل من عملك، فيقول: وهل عملنا إلا لنا ولهم، اجمعنا اللهم بهم، فيستجيب الله له، فيرفع من كانوا أقل درجة إلى أعلى درجة بمن فيها من والد وولد وزوج، ولا ينزل الأعلى درجة إلى الأقل درجة، بل يكرمهم بأن يرفع من هو دون درجة أولئك إلى درجاتهم العلى. ((رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ))، وأدخل كذلك الصالحين المؤمنين من آباء المؤمنين، وأزواجهم المؤمنين، وذرياتهم المؤمنين. وأما من مات على الشرك فلا يرجى له رحمة، ولا يفيد معه استغفار، وقد حرم الله الجنة على الكافرين. ((إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) تقول ملائكة الله لله ﷻ وهم يدعون للمؤمنين: إنك يا ربنا أنت العزيز الذي لا ينال مقامه؛ ولا ينال جنابه، وأنت الذي من اعتز بك عز، ومن اعتز بغيرك ذل، وأنت الحكيم في أقوالك وفي أعمالك وفي قدرك، فبفضل منك يا ربنا! اغفر للمؤمنين واجمعهم جميعاً: الآباء والأجداد والذريات والأزواج في مكان واحد، وفي درجات العلو من الجنان، فأنت العزيز وأنت الحكيم. قال تعالى: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ [غافر:٩] هذا مما يقوله الملائكة كذلك، (قِ) فعل أمر، من الوقاية، أي: يا ربنا احفظهم وصنهم وادفع عنهم السيئات، فإما أن تدفعها عنهم بألا يفعلوها، وإذا فعلوها أن تحفظهم من وبالها ومن آثامها. ((وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ)) أي: وبال الذنوب والمعاصي، إما أنهم لا يرتكبونها، وإذا ارتكبوها فصنهم واحفظهم، وادفع عنهم سوءها ووبالها وعذابها. ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ [غافر:٩] من تقه السيئات ومن تدافع عنه، ومن تحفظه من السيئات، وتجعل بينه وبينها وقاية من فعلها أو من وبال فعلها. ((يَوْمَئِذٍ)) أي: يوم القيامة. ((فَقَدْ رَحِمْتَهُ)) أي: من وقيته وحفظته من ارتكاب السيئات وآثامها ووبالها، فقد أكرمته وقد رحمته برحمتك، وقد غفرت ذنبه فضلاً وجوداً منك. قال تعالى: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٩] أي: من وقي العذاب، ومن وقي ارتكاب السيئات، ومن حفظ من وبال السيئات وأعمالها فقد أكرمه الله، وقد غفر ذنوبه، وقد كفر سيئاته، وقد رفع درجاته. ((وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) أي: هو النجاح والنصر والفلاح، فلا فوز أعظم من ذلك، ولا رتبة أعلى من ذلك؛ وذلك هو الفوز الدائم، والفلاح السرمدي.

стр. 1890

تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم) قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إلى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر:١٠]. يخبر ربنا ﷻ بأن الكفار يوم القيامة ينادون من قبل ملائكة النار وملائكة العذاب عن أمر الله: ((يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ))، ومعنى الكلام: أنه عندما يصل الكفار إلى النار، ويتذكرون ما مضى من حياتهم في دار الدنيا، وأنهم كانوا يؤمرون فيخالفون، فكان الناس يوحدون ويؤمنون، وهم يشركون ويكفرون فهناك يمقتون أنفسهم، ويحقرونها، ويجرمونها، وتصبح أنفسهم لديهم من المقت ومن التحقير ومن الإذلال بالدرجة العليا، وهم في غاية ما يكونون من الحسرة والندم والألم النفسي والروحي مضافاً إلى الألم الجسدي، وهم يعذبون في نار جهنم، وهم في هذه الحال ينادون: يا ويلهم! يا بلاءهم! يا خسارة دينهم ودنياهم! فتقول لهم الملائكة: إن مقت الله لكم في الدنيا وأنتم تدعون إلى كتاب الله، وإلى الإيمان بالله، والرسل ينادونكم صباحاً ومساء، سفراً وحضراً، وفي جميع الأوقات وأنتم في دار الدنيا، فأرسل لكم رسلاً مبشرين ومنذرين، وأنزل عليكم كتباً معلمة موجهة، ومنذرة ومبشرة، وأنتم تأبون إلا الكفر والعقوق، وتأبون إلا الخروج عن أمر الله، لقد كان مقت الله لكم وأنتم في دنياكم أكبر من مقتكم لأنفسكم، وماذا عسى يفيدكم هذا بعد أن جئتم الآخرة وأنتم مشركون بربكم، كافرون بأنبيائكم، تكذبون بالكتب المنزلة على أنبيائكم! فلا خلاص ولا خروج ولا عودة لدار الدنيا، فقد فنيت وذهبت وانتهت ولم يبق لها وجود. ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ)) أي: تناديهم الملائكة، ((يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ)) أي: غضب الله وتحقيره لكم. ((أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ)) أي: مقت الله وغضبه وتحقيره لكم وأنتم في دار الدنيا أكبر من هذا المقت الذي مقتم به أنفسكم وحقرتموها بعد أن أصبحتم في النيران وبين جدران جهنم. ((إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ)) أي: إذ كنتم في دار الدنيا تدعون من قبل أنبيائكم وعلمائكم الذين هم ورثة الأنبياء يدعونكم إلى أن تقولوا: لا إله إلا الله، وكنتم تنكصون عن قولها، وتبتعدون عن الإيمان بها، إذ ذاك كنتم في غاية المقت، وفي غاية الغضب، وكان مقت الله لكم وبغضه لكم، وتحقيره إياكم أكبر بكثير من مقتكم الآن لأنفسكم.

стр. 1891

تفسير قوله تعالى: (قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين) قال تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر:١١]. أخذوا يتوددون ويتمنون أن تعاد لهم حياتهم في الدنيا؛ ليطيعوا ويعبدوا، ولكن هيهات هيهات، فقالوا: يا ربنا! أنت الحاكم العدل، والحجة البالغة لك، فنعترف بذلك، ((أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ)) أي: الموت الأول هو العدم قبل الخروج إلى دار الدنيا، حيث كنا في العدم، وحيث كان لا وجود لنا، حيث كنا ذراً في أصلاب آبائنا، وفي صلب أبينا الأول آدم ﵇، فكان ذلك عدماً وموتاً، فتلك الموتة الأولى. وكانت الموتة الثانية عندما خرجوا للوجود ودعوا للإيمان بالله، وبرسله وبكتبه ثم ماتوا الموتة الثانية، فهم قد اعترفوا إن الله هو القادر على كل شيء، وأنه أخردهم من العدم للوجود، ثم أماتهم الموتة الثانية بعد الوجود. قالوا: ((فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا)) يا ربنا قد اعترفنا أنك القادر على كل شيء، فلا شريك لك ولا ند، وأنت وحدك الذي أحييتنا بعد عدم، ثم أحييتنا بعد وجود، فهي حياتان، ثم أنت -جل جلالك- أمتنا يوم لم نكن، ثم أمتنا بعد أن كنا، فنحن قد اعترفنا بوحدانيتك وبربوبيتك، واعترفنا بذنوبنا ومعاصينا. ((فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ)). تلك كانت مقدمة يرجون بها ربهم؛ فهل يمكن بعد ذلك الإيمان والاعتراف وقد فات زمنه، هل يمكن أن يرجعوا مرة ثانية إلى دار الدنيا؛ ليعبدوا وليوحدوا وليطيعوا؟ هيهات هيهات، وإلى أين يرجعون؟ فالدنيا انتهت وفنيت، والأنبياء فد أدوا مهماتهم وقاموا بوظائفهم، فمن الذي سيدعوهم من جديد، فهم إذاً يتمنون الأماني الباطلة، ويتمنون ما لا يكون. (فهل إلى خروج من سبيل) أي: فهل إلى مرد ورجوع وخروج من النار، والعودة إلى الدنيا سبيل؟ فهم يستفهمون، و الجواب لا عودة ولا رجعة أبداً إلى الدنيا.

стр. 1892

تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم) قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢] أي: سبب عدم العودة والخروج من النار، وسبب عدم الرجوع إلى دار الدنيا، ((ذَلِكُمْ)) (ذا) اسم إشارة، (كم) للمخاطبين الجماعة وهم سكان النار. ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢]. ومعنى ذلك أنكم كنتم -وهذا ناتج من فساد قلوبكم- إذا دعي وعبد الله، وإذا ذكر الله وحده كفرتم بذلك، وكفرتم بالله الواحد الخالق الرازق المحيي المميت. ((وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا)) وإن سمعتم من يقول: إن الله ثالث ثلاثة، وإذا سمعتم من يقول: عزير ابن الله، وإذا سمعتم من يقول: نحن أبناء الله أعجبكم ذلك وسركم، وآمنتم به، فأشركتم مع المشركين، وكفرتم مع الكافرين. فإذا ذكر اسم الله، وإذا وحد الله نفرت قلوبهم واشمأزت، وكفرت وتعالت على الله. ((وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ)) أي: دعي الذين من دونه من المشركين ((إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ))، وهذا يقال لهم يوم القيامة، وقد قيل في الدنيا. ((ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ))، فهو الحاكم الأبدي، وهو الحاكم العادل، فلا حاكم معه، ولا شريك له، فهو العلي الكبير، العلي الذي لا أعلى منه، والكبير الذي لا أكبر منه، وشعار المؤمن في كل حال: الله أكبر، فالله أكبر من كل كبير، وهو يقولها سواء مصلياً قائماً أو ساجداً وجالساً، وهو على كل اعتبار ينادى في الأذان: الله أكبر، وفي الإقامة: الله أكبر، وفي الصلاة في جميع حركتها.

стр. 1893

تفسير قوله تعالى: (هو الذي يريكم آياته) قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ [غافر:١٣]. فالله ﷻ هو الذي يرينا آياته، وعلامات قدرته ووحدانيته، ومعجزات أنبيائه، وكتبه، فقد أراناها في زمن الحياة النبوية وبعدها؛ وقرأناها في السماء وفي الأرض، وفي كل عصر من العصور، ومن المعجزات التي نعيشها: القرآن الكريم الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وقد نزلت هذه والصحابة متوافرون، وبعد أكثر من ١٤٠٠ عام إذا بكتاب الله كما يخبر الله عنه لم يبدل، ولم يؤول، ولم تبدل ولم تنقص منه كلمة، ولم تنقص منه حركة، وكأنه نزل ساعة نهاره غضاً طرياً كما أنزل، فنحن نتلوه ونقرؤه كما كان يتلوه المصطفى ﷺ في محاريب البيت الحرام ومسجده النبوي. وهذه أكبر المعجزات وأكبر الدلالات التي شاهدناها وعشناها، ولقد أخبر النبي ﵊ أنه معجزته الخالدة الثابتة السرمدية. وقد يقول قائل: لم لم يحفظ الزبور وهو كلام الله والتوراة والإنجيل كذلك، فقد بدلت جميعها وغيرت وحرفت عن مواضعها؟ و الجواب أن من أنزل عليهم من بني إسرائيل استحفظوا على كتاب الله، فطولبوا بحفظه وبصيانته وبالقوام عليه فتعززوا عن ذلك، ولكن القرآن الكريم لم يكل الله حفظه إلى أحد من الخلق، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]. والذكر يشمل القرآن والسنة والفقه، ولغة العرب؛ لأن في ذلك كله من القرآن، فالقرآن نزل بلغة العرب، والسنة مبينة شارحة، والفقه خلاصة ذلك، واللغة الأداة للفهم وللدرس والمدارسة، فحفظ الله كل ذلك، وسيبقى قائماً على دين الله، وعلى كتاب الله، وعلى سنة نبيه ﵊ من يحفظها من التحريف إلى يوم القيامة، كما يخبر المصطفى ﵊ في الحديث المتواتر: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم وهم على ذلك إلى يوم القيامة)، فمهما كفر الكافرون، ونافق المنافقون، فلابد وأن تبقى حجج الله في الأرض؛ لتخبر بصدق وببيان القرآن، وسلامته من النقصان. ((هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا)) أي: يغذي عقولكم بالعلم والمعرفة، ويغذي أجسادكم بالطعام والشراب. ونزول الرزق من السماء: هو نزول المطر والغيث، ونزول الرحمة من ربنا، فهو أنزل ذلك غذاء لقلوبنا وأجسامنا، وأرانا آياته في الأرض غذاء لعقولنا، وغذاء لأرواحنا ﷻ ، فهو الكريم الجواد المتعال. قال تعالى: ((وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ)) أي: لا يتذكر هذه المعاني، ولا يدركها ويعيها ولا يعطيها فكره وعقله ووعيه إلا من ينيب إلى الله ويعود ويرجع إليه، ومن تطهر من الشرك ومن درنه وأوساخه ومن المعاصي وقاذوراتها، ومن نظف ظاهره ونظف باطنه لتلقي الحقائق والعلوم والمعارف، ولتلقي وحي الله في كتابه الكريم، ومن بيان نبيه في سنته، عليه أزكى الصلاة والسلام. ((وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ)) أي: إلا من أناب وعاد إلى الله، واستغفر من شركه، وأما وهو مادام على شركه فنيته قذرة وسخة لا تقبل النور، وكما تقول الحكمة: التخلية قبل التحلية. والعروس عندما نريد زفافها لعريسها ندخلها الحمام أولاً، فتطهر بدنها، وتنظف جسدها، وتلبس جديداً من الثياب، وتلبس الحلي والحلل، أما وهي على أوساخ المطبخ وأوساخ الدار وروائح البصل والثوم ونقوم نلبسها الحرير والديباج! فليس هذا عمل العقلاء. فالمؤمن إذا أراد الفهم والوعي والإدراك وإنارة بصيرته فعليه أن يتخلى عن أوساخ ذنوبه، وقاذورات المعاصي، فيستغفر الله ويتوب إليه، ويندم على ما فات منه، ويقرع قلبه وصدره ووعيه وفهمه لتلقي فهم كتاب الله وفهم رسوله. وأما إذا أراد أن يتذكر وهو على المعاصي، وهو على فساده وقاذوراته وأوساخه فهيهات هيهات، فلابد أولاً من التخلي عن القاذورات والأوساخ؛ ليتحلى بالطاعات، وليتحلى بالرضا والعلم ومدارسته.

стр. 1894

تفسير قوله تعالى: (فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون) قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:١٤]. يدعونا ربنا إلى طاعته، وإلى الإنابة إليه، وإلى العودة إليه من ذنوبنا ومن معاصينا، وأن نستغفره ونتوب إليه؛ لنكون محل دعوات الملائكة عندما يستغفرون الله لنا، وعندما يدعون الله لنا، بأن نكون في اجتماع آبائنا أولادنا وأزواجنا، ليرفع الوضيع إلى حيث الرفيع في أعلى الدرجات، ولن يكون هذا إلا إذا دعونا الله مخلصين له الدين. ((فَادْعُوا اللَّهَ)) أي: فاعبدوا واشكروا ووحدوا الله. ((مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)) مخلصين طاعتكم وعبادتكم له، بلا رياء ولا سمعة ولا شريك ولا ند ولا مثيل، فالله وحده هو القادر الخالق الرازق المحيي المميت، فيجب أن تنحصر عبادتنا له وحده، فلا نشوبها برياء ولا بتسميع فضلاً عن أنواع الشرك الأخرى. ((فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)) أي: تفرغوا لعبادة الله وحده، على أن يكون الدين الخالص لله لا لأحد معه لا لثناء ولا لجزاء من غيره، فالله وحده هو الذي يجزي، والله وحده هو المثيب. ((وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ))، يقول تعالى هذا للمؤمنين عندما يكفر الكفرة بدعوتهم، وعندما يبقون ثابتين ثبوت الجبال، وراسخين رسوخ الراسيات على دينهم، فلا يهتمون بكفر كافر، ولا بنفاق منافق. ولذلك نجد الكثيرين في عصرنا ممن يخجل من إظهار صلاته، ويجامل الكافرين، فيخفي صلاته وعبادته، فهو لا يملك القوة القلبية ولا الجرأة النفسية ليعلن دينه حيث كان. والمسلمون مطالبون إذا كانوا مارين في بلاد الكفر بإعلان الأذان جهاراً، ثم تقام الصلاة جهاراً، ثم يقوم المسلمون فيصلون ولا يلتفتون إلى غيرهم من الكافرين. وذاك مما يحزن الكافرين والمنافقين، ونحن عندنا من الإخلاص لله أن نعلن عبادتنا. ومن أشد ما يؤلمهم ويسيء نفوسهم أن تأتي في مجتمعاتهم وتعلن طاعتك وتعلن عبادته، وتعلن شعار إيمانك: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهكذا يدعونا الله فيقول: (فادعوا الله مخلصين له الدين)، فتمحضون دينكم له بلا رياء ولا سمعة، ولا ند ولا شريك. ((وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)) أي: لا عليكم في كراهيتهم إن كرهوكم، فالله يحب ذلك منكم، ويجازيكم عليه، ويدخلكم جناته، ويخلفكم بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وعن عبد الله بن الزبير -كما في صحيح مسلم وبقية الصحاح والسنن- أن النبي ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة -أي: عقب كل فريضة ينتهي منها-: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، له المجد وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرين). ((وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)) وإلى جهنم وبئس المصير. ومن بركات الأذان للصلاة: أن المسلم عندما يعلن صلاته يكون ساعة إعلانه لها داعية إلى الله بعمله قبل قوله، ففي أرض سويسرا نزلت طائرة حجاج آتية من أرض السنغال، فنزل هناك الركاب وعليهم الثياب البيض وهم محرمون، فبادروا إلى الماء فتوضئوا وتقدمهم أحدهم فأذن أعلن الأذان، ثم تقدم إمام وأخذ يصلي، فكان النصارى ينظرون إلى ما لم تره أعينهم من قبل، إلى أن انتهوا من الصلاة، فجاء واحد منهم وكان طبيباً، وسأل هذا الإمام: ماذا تصنعون؟ وشعب سويسرا يتكلمون بالفرنسية، فقال: نصلي، قال: ما الصلاة؟ قال: ما رأيتم، قال: لم هذا الترتيب العسكري؟ فهناك واحد يصلون بصلاته، ويركعون بركوعه، ويسجدون بسجوده، قال: هكذا أمرنا الله، فصلاتنا وعبادتنا وديننا نظامي لا يقبل الفوضى في شيء من الأشياء، قال: ولم صليتم في هذه الجهة ولم تصلوا في الأخرى؟ قالوا: نستقبل الكعبة، فهي مكان اتجاه المسلمين في الأرض كلها. فواصلت الطائرة رحلتها، وبعد ذلك أسلم هذا الطبيب وبحث عن كتب إسلامية وأسلم على يديه آلاف من أهل بلده، والآن في سويسرا مساجد ومعابد ومدارس ومؤمنون موحدون، وكان سبب إسلامهم وإيمانهم هذه الصلاة المعلنة من هؤلاء السود وقد جاءوا من السنغال، ولم يكن يخطر لهم ببال يوماً أن يكونوا دعاة إلى الله.

стр. 1895

تفسير سورة غافر [١٥ - ١٩] إن الله تعالى هو رفيع الدرجات وذو العرش، وهو الذي يرفع من يشاء من عباده درجات، فجعل بعضهم درجات ومراتب. والملك في الدنيا والآخرة هو لله تعالى لا شريك له، فإذا حشر الخلق وجمعهم يوم القيامة قال لهم: لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد، فيقول: لله الواحد القهار، وهو سبحانه من عظمته يعلم خائنة الأعين وما تخفيه الصدور والنفوس.
следующие страницы →