Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
تفسير قوله تعالى: (قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين)
قال تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر:١١].
أخذوا يتوددون ويتمنون أن تعاد لهم حياتهم في الدنيا؛ ليطيعوا ويعبدوا، ولكن هيهات هيهات، فقالوا: يا ربنا! أنت الحاكم العدل، والحجة البالغة لك، فنعترف بذلك، ((أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ)) أي: الموت الأول هو العدم قبل الخروج إلى دار الدنيا، حيث كنا في العدم، وحيث كان لا وجود لنا، حيث كنا ذراً في أصلاب آبائنا، وفي صلب أبينا الأول آدم ﵇، فكان ذلك عدماً وموتاً، فتلك الموتة الأولى.
وكانت الموتة الثانية عندما خرجوا للوجود ودعوا للإيمان بالله، وبرسله وبكتبه ثم ماتوا الموتة الثانية، فهم قد اعترفوا إن الله هو القادر على كل شيء، وأنه أخردهم من العدم للوجود، ثم أماتهم الموتة الثانية بعد الوجود.
قالوا: ((فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا)) يا ربنا قد اعترفنا أنك القادر على كل شيء، فلا شريك لك ولا ند، وأنت وحدك الذي أحييتنا بعد عدم، ثم أحييتنا بعد وجود، فهي حياتان، ثم أنت -جل جلالك- أمتنا يوم لم نكن، ثم أمتنا بعد أن كنا، فنحن قد اعترفنا بوحدانيتك وبربوبيتك، واعترفنا بذنوبنا ومعاصينا.
((فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ)).
تلك كانت مقدمة يرجون بها ربهم؛ فهل يمكن بعد ذلك الإيمان والاعتراف وقد فات زمنه، هل يمكن أن يرجعوا مرة ثانية إلى دار الدنيا؛ ليعبدوا وليوحدوا وليطيعوا؟ هيهات هيهات، وإلى أين يرجعون؟ فالدنيا انتهت وفنيت، والأنبياء فد أدوا مهماتهم وقاموا بوظائفهم، فمن الذي سيدعوهم من جديد، فهم إذاً يتمنون الأماني الباطلة، ويتمنون ما لا يكون.
(فهل إلى خروج من سبيل) أي: فهل إلى مرد ورجوع وخروج من النار، والعودة إلى الدنيا سبيل؟ فهم يستفهمون،
و
الجواب
لا عودة ولا رجعة أبداً إلى الدنيا.
стр. 1892
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم)
قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢] أي: سبب عدم العودة والخروج من النار، وسبب عدم الرجوع إلى دار الدنيا، ((ذَلِكُمْ)) (ذا) اسم إشارة، (كم) للمخاطبين الجماعة وهم سكان النار.
﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢].
ومعنى ذلك أنكم كنتم -وهذا ناتج من فساد قلوبكم- إذا دعي وعبد الله، وإذا ذكر الله وحده كفرتم بذلك، وكفرتم بالله الواحد الخالق الرازق المحيي المميت.
((وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا)) وإن سمعتم من يقول: إن الله ثالث ثلاثة، وإذا سمعتم من يقول: عزير ابن الله، وإذا سمعتم من يقول: نحن أبناء الله أعجبكم ذلك وسركم، وآمنتم به، فأشركتم مع المشركين، وكفرتم مع الكافرين.
فإذا ذكر اسم الله، وإذا وحد الله نفرت قلوبهم واشمأزت، وكفرت وتعالت على الله.
((وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ)) أي: دعي الذين من دونه من المشركين ((إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ))، وهذا يقال لهم يوم القيامة، وقد قيل في الدنيا.
((ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ))، فهو الحاكم الأبدي، وهو الحاكم العادل، فلا حاكم معه، ولا شريك له، فهو العلي الكبير، العلي الذي لا أعلى منه، والكبير الذي لا أكبر منه، وشعار المؤمن في كل حال: الله أكبر، فالله أكبر من كل كبير، وهو يقولها سواء مصلياً قائماً أو ساجداً وجالساً، وهو على كل اعتبار ينادى في الأذان: الله أكبر، وفي الإقامة: الله أكبر، وفي الصلاة في جميع حركتها.
стр. 1893
تفسير قوله تعالى: (هو الذي يريكم آياته)
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ [غافر:١٣].
فالله ﷻ هو الذي يرينا آياته، وعلامات قدرته ووحدانيته، ومعجزات أنبيائه، وكتبه، فقد أراناها في زمن الحياة النبوية وبعدها؛ وقرأناها في السماء وفي الأرض، وفي كل عصر من العصور، ومن المعجزات التي نعيشها: القرآن الكريم الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وقد نزلت هذه والصحابة متوافرون، وبعد أكثر من ١٤٠٠ عام إذا بكتاب الله كما يخبر الله عنه لم يبدل، ولم يؤول، ولم تبدل ولم تنقص منه كلمة، ولم تنقص منه حركة، وكأنه نزل ساعة نهاره غضاً طرياً كما أنزل، فنحن نتلوه ونقرؤه كما كان يتلوه المصطفى ﷺ في محاريب البيت الحرام ومسجده النبوي.
وهذه أكبر المعجزات وأكبر الدلالات التي شاهدناها وعشناها، ولقد أخبر النبي ﵊ أنه معجزته الخالدة الثابتة السرمدية.
وقد يقول قائل: لم لم يحفظ الزبور وهو كلام الله والتوراة والإنجيل كذلك، فقد بدلت جميعها وغيرت وحرفت عن مواضعها؟
و
الجواب
أن من أنزل عليهم من بني إسرائيل استحفظوا على كتاب الله، فطولبوا بحفظه وبصيانته وبالقوام عليه فتعززوا عن ذلك، ولكن القرآن الكريم لم يكل الله حفظه إلى أحد من الخلق، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
والذكر يشمل القرآن والسنة والفقه، ولغة العرب؛ لأن في ذلك كله من القرآن، فالقرآن نزل بلغة العرب، والسنة مبينة شارحة، والفقه خلاصة ذلك، واللغة الأداة للفهم وللدرس والمدارسة، فحفظ الله كل ذلك، وسيبقى قائماً على دين الله، وعلى كتاب الله، وعلى سنة نبيه ﵊ من يحفظها من التحريف إلى يوم القيامة، كما يخبر المصطفى ﵊ في الحديث المتواتر: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم وهم على ذلك إلى يوم القيامة)، فمهما كفر الكافرون، ونافق المنافقون، فلابد وأن تبقى حجج الله في الأرض؛ لتخبر بصدق وببيان القرآن، وسلامته من النقصان.
((هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا)) أي: يغذي عقولكم بالعلم والمعرفة، ويغذي أجسادكم بالطعام والشراب.
ونزول الرزق من السماء: هو نزول المطر والغيث، ونزول الرحمة من ربنا، فهو أنزل ذلك غذاء لقلوبنا وأجسامنا، وأرانا آياته في الأرض غذاء لعقولنا، وغذاء لأرواحنا ﷻ ، فهو الكريم الجواد المتعال.
قال تعالى: ((وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ)) أي: لا يتذكر هذه المعاني، ولا يدركها ويعيها ولا يعطيها فكره وعقله ووعيه إلا من ينيب إلى الله ويعود ويرجع إليه، ومن تطهر من الشرك ومن درنه وأوساخه ومن المعاصي وقاذوراتها، ومن نظف ظاهره ونظف باطنه لتلقي الحقائق والعلوم والمعارف، ولتلقي وحي الله في كتابه الكريم، ومن بيان نبيه في سنته، عليه أزكى الصلاة والسلام.
((وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ)) أي: إلا من أناب وعاد إلى الله، واستغفر من شركه، وأما وهو مادام على شركه فنيته قذرة وسخة لا تقبل النور، وكما تقول الحكمة: التخلية قبل التحلية.
والعروس عندما نريد زفافها لعريسها ندخلها الحمام أولاً، فتطهر بدنها، وتنظف جسدها، وتلبس جديداً من الثياب، وتلبس الحلي والحلل، أما وهي على أوساخ المطبخ وأوساخ الدار وروائح البصل والثوم ونقوم نلبسها الحرير والديباج! فليس هذا عمل العقلاء.
فالمؤمن إذا أراد الفهم والوعي والإدراك وإنارة بصيرته فعليه أن يتخلى عن أوساخ ذنوبه، وقاذورات المعاصي، فيستغفر الله ويتوب إليه، ويندم على ما فات منه، ويقرع قلبه وصدره ووعيه وفهمه لتلقي فهم كتاب الله وفهم رسوله.
وأما إذا أراد أن يتذكر وهو على المعاصي، وهو على فساده وقاذوراته وأوساخه فهيهات هيهات، فلابد أولاً من التخلي عن القاذورات والأوساخ؛ ليتحلى بالطاعات، وليتحلى بالرضا والعلم ومدارسته.
стр. 1894
تفسير قوله تعالى: (فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون)
قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:١٤].
يدعونا ربنا إلى طاعته، وإلى الإنابة إليه، وإلى العودة إليه من ذنوبنا ومن معاصينا، وأن نستغفره ونتوب إليه؛ لنكون محل دعوات الملائكة عندما يستغفرون الله لنا، وعندما يدعون الله لنا، بأن نكون في اجتماع آبائنا أولادنا وأزواجنا، ليرفع الوضيع إلى حيث الرفيع في أعلى الدرجات، ولن يكون هذا إلا إذا دعونا الله مخلصين له الدين.
((فَادْعُوا اللَّهَ)) أي: فاعبدوا واشكروا ووحدوا الله.
((مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)) مخلصين طاعتكم وعبادتكم له، بلا رياء ولا سمعة ولا شريك ولا ند ولا مثيل، فالله وحده هو القادر الخالق الرازق المحيي المميت، فيجب أن تنحصر عبادتنا له وحده، فلا نشوبها برياء ولا بتسميع فضلاً عن أنواع الشرك الأخرى.
((فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)) أي: تفرغوا لعبادة الله وحده، على أن يكون الدين الخالص لله لا لأحد معه لا لثناء ولا لجزاء من غيره، فالله وحده هو الذي يجزي، والله وحده هو المثيب.
((وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ))، يقول تعالى هذا للمؤمنين عندما يكفر الكفرة بدعوتهم، وعندما يبقون ثابتين ثبوت الجبال، وراسخين رسوخ الراسيات على دينهم، فلا يهتمون بكفر كافر، ولا بنفاق منافق.
ولذلك نجد الكثيرين في عصرنا ممن يخجل من إظهار صلاته، ويجامل الكافرين، فيخفي صلاته وعبادته، فهو لا يملك القوة القلبية ولا الجرأة النفسية ليعلن دينه حيث كان.
والمسلمون مطالبون إذا كانوا مارين في بلاد الكفر بإعلان الأذان جهاراً، ثم تقام الصلاة جهاراً، ثم يقوم المسلمون فيصلون ولا يلتفتون إلى غيرهم من الكافرين.
وذاك مما يحزن الكافرين والمنافقين، ونحن عندنا من الإخلاص لله أن نعلن عبادتنا.
ومن أشد ما يؤلمهم ويسيء نفوسهم أن تأتي في مجتمعاتهم وتعلن طاعتك وتعلن عبادته، وتعلن شعار إيمانك: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهكذا يدعونا الله فيقول: (فادعوا الله مخلصين له الدين)، فتمحضون دينكم له بلا رياء ولا سمعة، ولا ند ولا شريك.
((وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)) أي: لا عليكم في كراهيتهم إن كرهوكم، فالله يحب ذلك منكم، ويجازيكم عليه، ويدخلكم جناته، ويخلفكم بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وعن عبد الله بن الزبير -كما في صحيح مسلم وبقية الصحاح والسنن- أن النبي ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة -أي: عقب كل فريضة ينتهي منها-: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، له المجد وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرين).
((وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)) وإلى جهنم وبئس المصير.
ومن بركات الأذان للصلاة: أن المسلم عندما يعلن صلاته يكون ساعة إعلانه لها داعية إلى الله بعمله قبل قوله، ففي أرض سويسرا نزلت طائرة حجاج آتية من أرض السنغال، فنزل هناك الركاب وعليهم الثياب البيض وهم محرمون، فبادروا إلى الماء فتوضئوا وتقدمهم أحدهم فأذن أعلن الأذان، ثم تقدم إمام وأخذ يصلي، فكان النصارى ينظرون إلى ما لم تره أعينهم من قبل، إلى أن انتهوا من الصلاة، فجاء واحد منهم وكان طبيباً، وسأل هذا الإمام: ماذا تصنعون؟ وشعب سويسرا يتكلمون بالفرنسية، فقال: نصلي، قال: ما الصلاة؟ قال: ما رأيتم، قال: لم هذا الترتيب العسكري؟ فهناك واحد يصلون بصلاته، ويركعون بركوعه، ويسجدون بسجوده، قال: هكذا أمرنا الله، فصلاتنا وعبادتنا وديننا نظامي لا يقبل الفوضى في شيء من الأشياء، قال: ولم صليتم في هذه الجهة ولم تصلوا في الأخرى؟ قالوا: نستقبل الكعبة، فهي مكان اتجاه المسلمين في الأرض كلها.
فواصلت الطائرة رحلتها، وبعد ذلك أسلم هذا الطبيب وبحث عن كتب إسلامية وأسلم على يديه آلاف من أهل بلده، والآن في سويسرا مساجد ومعابد ومدارس ومؤمنون موحدون، وكان سبب إسلامهم وإيمانهم هذه الصلاة المعلنة من هؤلاء السود وقد جاءوا من السنغال، ولم يكن يخطر لهم ببال يوماً أن يكونوا دعاة إلى الله.
стр. 1895
تفسير سورة غافر [١٥ - ١٩]
إن الله تعالى هو رفيع الدرجات وذو العرش، وهو الذي يرفع من يشاء من عباده درجات، فجعل بعضهم درجات ومراتب.
والملك في الدنيا والآخرة هو لله تعالى لا شريك له، فإذا حشر الخلق وجمعهم يوم القيامة قال لهم: لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد، فيقول: لله الواحد القهار، وهو سبحانه من عظمته يعلم خائنة الأعين وما تخفيه الصدور والنفوس.
стр. 1896
تفسير قوله تعالى: (رفيع الدرجات ذو العرش)
قال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر:١٥].
يصف نفسه ﷻ وعلا مقامه بأنه رفيع الدرجات، وعرشه أعلى شيء في هذا الكون، فإن بيننا وبين سماء الدنيا خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وبعد السماء السابعة سدرة المنتهى، وفوق ذلك العرش ولا أعلى منه، ويخبرنا تعالى عن المسافة إليه: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]، تعرج الملائكة أي: أنها تطير ولا تمشي على رجلين، وإنما تطير إليه في يوم مقداره من سنوات الأرض وتوقيتها: خمسون ألف سنة.
(ذو العرش) أي: صاحب العرش، ومن عظمة الله أن العرش عظيم، وما قدر السماوات والأرض إليه إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وهذا يدل على عظم وكبر العرش، وبهذا فسر قوله: (رفيع الدرجات) وبعضهم فسرها: رافع الدرجات، فيكون فعيل بمعنى فاعل، أي: يرفع درجات عباده من الدرجة الأولى في الجنة إلى ما هو أعلى منها، إلى الفردوس الأعلى، قال نبينا ﵊: (الجنة درجات، وما بين كل درجة ودرجة كما بين السماء والأرض، وأعلى درجات الجنان الفردوس، وهي منازل الأنبياء والمرسلين).
وقال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة:٢٥٣] وصاحب أعلى الدرجات هو نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، والأنبياء درجات: فأفضلهم الخمسة أولو العزم، ومنهم من هم دونهم، وهكذا الناس منهم الصالح التقي العارف بالله، ومنهم العاصي المقصر، وكذلك الصحابة، والذي يفعل ذلك فيرفع الدرجات هو ربنا.
ومن الناس من ليس له أكثر من لا إله إلا الله، ولذا نكون على خير إن متنا على كلمة التوحيد، ولكن مع ذلك شتان بين من هو مؤمن ومن هو عاص مذنب.
﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ [غافر:١٥] أي: رافع عباده وخلقه درجات، فهناك الملائكة المخلوقون من نور، وهناك الشياطين المخلوقون من نار، وشتان بين النور والنار، وهناك البشر المخلوق من طين، ومع ذلك حكم الله البشر وهم المخلوقين من الطين فمنه يخرج النبت ومنه رزق الأرض، فكان صالح المؤمنين أفضل من الملائكة، وكان البشر أفضل من الجن، وكان الملائكة أفضل من الخلق إلا من الصالحين العارفين بالله الكبار، وأعلاهم الأنبياء والمرسلون، فهذا المعنى أيضاً تحتمله الآية وكل ذلك حق.
﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر:١٥] أي: خالقه ومكونه ومدبره، هذا الذي يحمله من الملائكة ثمانية، والذي يطوف حوله سبعون ألف صف، وخلف كل صف سبعون ألف صف آخر من الملائكة، كلهم يذكرون ويعبدون الله ويوحدون الله ويؤمنون بالله، ويستغفرون للمؤمنين من أهل الأرض.
﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر:١٥] معنى الروح: إما الوحي وإما جبريل، والمؤدى واحد، فإنه ينزل جبريل بالوحي إلى من يشاء من عباده، فيجعلهم رسلاً ينقلون رسائل الله ورسالته إلى البشر وإلى الجن.
والوحي كذلك، فالوحي ينزل على من يشاء من عباده من الأنبياء والمرسلين، بداية للخلق، بداية للجن والإنس.
(يلقي الروح من أمره) أي: بأمره، فيكون ذلك عن أمر الله، وعن إرادة الله، وبما يريد الله ﷻ .
(يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده) ومن ألقي إليه الوحي وجاءه جبريل بالرسالة كان نبياً أو رسولاً، إما نبي أمر بالعمل في نفسه، ولم يؤمر بنشر ذلك لغيره، وإما أمر بالعمل بنفسه وأن ينشر لغيره وهو الرسول، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً.
﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر:١٥] أي: لينذر هذا الذي أنزل إليه الروح، وبعث إليه رسالته فيوعد ويهدد وينذر (يوم التلاق)، وهذا اسم من أسماء يوم القيامة، ومعناه اليوم الذي يلتقي فيه الخالق بخلقه، ويلتقي فيه آدم مع جميع أبنائه وإلى آخر ولد منهم، ويلتقي المؤمنون والكافرون، ويلتقي كل الخلق ملائكة وجن وإنس، منذ أمة آدم وإلى أمة نبينا وإلى آخر واحد منهم.
﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر:١٥] يوم قضاء الله بين العباد، يوم يؤخذ من الظالم للمظلوم، ومن القوي للضعيف، يوم يحاسب الكافر على كفره، والمسلم على إسلامه، هذا إلى جنة وذاك إلى نار.
﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر:١٥] لينذر الناس يوم القيامة، يقول للناس: اتقوا يوم القيامة، اتقوا اليوم الآخر، اتقوا الآخرة فإننا لم نُخلق عبثاً، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فاتقوا الله في مثل هذا اليوم الذي يعرض فيه الخلق على الله فيحاكم الإنسان على النقير والقطمير، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
والله جعل الكفر بالآخرة شعاراً للفكر فقال: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الزمر:٤٥]، فصفة الكافرين أنهم يكفرون بيوم القيامة؛ فإنهم يقولون: لا حياة بعد الموت، ولا مرجع ولا نشر ولا بعث ولا حساب ولا عقاب، وقد وجدت طائفة من ضالي المؤمنين ومن كفرتهم ممن يزعمون الإسلام وهم من اليهود والنصارى في النار كما أخبر المصطفى ﷺ ، وهم الذين يقولون: البعث بالأرواح لا بالأجسام، وهم كفرة منكرون لما جاء في كتاب الله واضحاً بيناً، ولما جاء عن رسول الله ﷺ .
стр. 1897
تفسير قوله تعالى: (يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء)
﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦].
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ [غافر:١٦] أي: اليوم الذي يبرز الخلق فيه أمام الله، فلا يسترهم جبل ولا تلة ولا يحجبهم شيء، فيبرزون لله ويظهرون عراة حفاة غرلاً، في يوم كان مقداره كألف سنة مما تعدون، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٥]، يوم يأتون وكل يقول نفسي نفسي، فلا يسأل الأب عن الولد، ولا يسأل الولد عن الوالد، يوم يأتي الناس وجميع الأمم إلى آدم وهم يقولون: يا أبانا يا آدم! انظر لما نحن عليه من كرب وغم، فيقول: نفسي نفسي.
وهكذا يقول نوح وإبراهيم وبقية الأنبياء بما فيهم عيسى، كل واحد يقول: نفسي نفسي، إلى أن يرشدوا ويقال لهم: (اذهبوا إلى محمد، فيأتون إليه فيقول: أنا لها، أنا لها) فيقع ساجداً تحت العرش وعند ساق العرش، فيدعو الله بمحامد لا يعلمها إلا ذلك الوقت، كما أخبر عن نفسه ﵊، ويبقى ما شاء الله أن يبقى، فقد يبقى سنة أو سنتين أو أكثر، فالله أعلم بهذا الزمن خصوصاً، إذا علمنا أن اليوم هناك بألف سنة، فيقال له بعد ذلك: (ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع)، صلى الله عليه وعلى آله.
اللهم اجعلنا من أهل شفاعته وكرامته.
﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ [غافر:١٦] أي: في يوم التلاق، يوم الاالتقاء والاجتماع.
﴿لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ [غافر:١٦] فهو يعلم ظاهرهم وباطنهم، ويعلم ما تحدث به نفوسهم، وما يهمسون به مع بعضهم، وما يعلنون وما يكتمون، وهو العالم بالأسرار وبالضمائر، وبما تحدث به النفس وما تخفيه.
﴿لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦].
لقد انتهت ملوك الأرض، وانتهت الأساطيل والجاه والبيوت والأموال، وأصبحوا عبيداً، وفي هذه الساعة يقول الله ﷻ : (أنا الملك، أنا الجبار، أنا المتكبر، أين المتكبرون؟ أين الجبابرة؟ أين ملوك الأرض؟) فعندما لا يجيبه أحد يقول: (أنا الملك، أنا الملك، أنا الملك)، يقول هذا عن نفسه ﷻ ، ولا يجيبه أحد، لأنه لا ملك ولا ملوك.
﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦] أي: يسأل الله فيقول ذلك، فعندما لا يجيبه أحد يجيب نفسه بنفسه فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] أي: لله الواحد الذي لا ثاني له، لا في الوجود، ولا في الملك ولا في شيء من الأشياء، وهو الذي قهر العباد فخلقهم من عدم، وأعادهم إلى العدم، وأحياهم مرة ثانية، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، فقهرهم بالموت وبالحاجة وبالحساب، ولذلك فالله وحده هو القاهر والجبار، ولم ينازعه أحد من خلقه في ذلك إلا وقصمه الله، ومن يتأله على الله يهلكه؛ لأننا نحن لا نملك أنفسنا، ولم نخلقها ولم نرزقها، فالكل من الله والكل إليه، فهو الذي خلقنا فيتصرف فينا كيف شاء، وهو سيدنا والحكم له، والقضاء له، ولا أحد معه، وكل ما يسع المؤمن أن يستجيب لدعوات الرسل فيقول: لا إله إلا الله مع الموحدين من البشر، فيرجو رحمة ربه، وأن ينال رضا الله وجنة الله يوم القيامة، ومن حصل على ذلك فذلك هو الفوز العظيم.
стр. 1898
تفسير قوله تعالى: (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت)
قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧].
(اليوم) أي: يوم الآزفة، ويوم التلاق، أي: اليوم الذي هم بارزون فيه أمام الله لا يسترهم شيء، ففي هذا اليوم ﴿تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر:١٧]، يوم يحاسب الخلق وتجازى كل نفس بالذي كسبته، وبما تخولته وصنعته وفعلته وأصبح كسباً لها من خير أو شر، فأما الذي كتب الخير فله الخير، وله الرحمة والجنان، والذي اكتسب الشر وارتكب الشر فله الإثم والغضب والنيران.
﴿ْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر:١٧] كل نفس كانت لذكر أو أنثى، أو كانت لجن أو إنس، تحاسب كل نفس على حدة، فقد خرجنا وحداناً إلى العالم من بطون أمهاتنا، وسنعود وحداناً، وسنحاسب وحداناً، فمن أتى بالخيرات والطاعات والعبادات فيا فوزه ويا سعادته! فمن نجا فإنه لا يذل ولا يخزى ولا يُلعن، ومن خسر فقد خسر الدنيا والآخرة، خسر أهله وولده ووجوده.
﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧] يقول الله ﷻ : لن نظلم أحداً، وبيان هذا جاء في حديث قدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم) إلى آخر الحديث، ثم قال: (إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) فالله لن يظلم أحداً وحاشاه ذلك، فقد حرم الظلم على نفسه كما حرمه على خلقه.
﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧]، فحساب هذه الخلائق بما فيها من عشرات ومئات وملايين كحساب شخص واحد، قال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨]، فقد خلقنا ونحن بهذه الأعداد، وأماتنا ونحن في هذه الأعداد، وذلك كما لو بعث نفساً واحدة أو خلق نفساً واحدة، وهو لا يعرف كللاً ولا سأماً، لا كما يقول الكفار من النصارى عليهم لعنات الله: إنه خلق الدنيا في ستة أيام ثم استراح اليوم السابع.
وهذا قول العقول السخيفة الكافرة التي تتطاول على عظمة الله، تعالى الله عما يقول الكافرون علواً كبيراً.
﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨] فإذا أراد أمراً فإنما يقول له: كن، فيكون، ولن يحتاج الأمر إلى أكثر ذلك.
(إن الله سريع الحساب)، قد يتساءل المتسائل: هؤلاء الخلائق من عصر آدم إلى عصرنا كم يحتاجون لوقت لإنهاء حسابهم؟
و
الجواب
أن الله سريع الحساب ينهي ذلك في لحظات، فهو قادر على ذلك في لحظات، ومثال ذلك: أننا نرى في المنام أننا تزوجنا وولدنا وحاربنا وقاتلنا، وسافرنا وعدنا، فتصحوا وتنظر إلى الساعة فإذا بكل ذلك قد تم خلال خمس دقائق، وفي المنام تظن أنك عشت سنوات، ومن ذلك يمكن للإنسان أن يتصور سرعة الحساب بقدرة الله.
стр. 1899
تفسير قوله تعالى: (وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين)
﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨].
قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ﴾ [غافر:١٨] يقول ﷻ لمن اختارهم للوحي، ولمن اختارهم للرسالة، ويقول لنبينا ﵊ ويقص الله عليه عمله مع الأنبياء والمرسلين من قبله، بأن ينذروا يوم التلاق، وقال هنا: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر:١٨] والآزفة كذلك اسم من أسماء يوم القيامة، والآزفة من أزف يأزف إذا قرب، قال تعالى: ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم:٥٧ - ٥٨].
فأنذر الناس وهددهم وخوفهم وأوعدهم وتوعدهم يوم القيامة، وانصحهم بذلك؛ لعلهم يتوبون ويئوبون ويوحدون.
﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر:١٨] وذلك من شدة الفزع، فمن الهول ومن الكرب فالقلوب تصعد إلى الحناجر، وتكاد تخرج للفم، ولكنها لا تخرج ولا ترجع لمكانها، فتبقى على هذه الحال، والإنسان لا يموت، فلا القلب رجع لمكانه من الصدر، ولا خرج من فمات واستراح، فيظل القلب باقياً للوجع وللرعب والهلع؛ نتيجة هذا اليوم العظيم.
﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨] والظالمون هم الكافرون.
وأما المؤمنون فيجدون الأنبياء يشفعون لهم، والصالحين من الآباء ومن الشيوخ ومن الأقارب ومن الأصدقاء يشفعون للمؤمن الموحد، وأما الظالم المشرك الكافر بالله فيقول الله فيه: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾ [غافر:١٨] أي: من قريب، كابن عم أو أخ.
﴿وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨] ليس له قريب يطاع في شأنه ويتلطف له، ويشفع له، ولا شفيع من غير الأقارب يشفع للظالم؛ لأنه لا شفاعة إلا للمؤمن، ولا شفاعة إلا بإذن الله، وإلا لمن ارتضى الله.
وأما غير المؤمن فلن يشفع، ولن تقبل له شفاعة، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ولن يشفع إلا من ارتضى، ومن سوى المؤمن لا يشفع ولا تقبل له شفاعة، وهو لا يستطيع أن يشفع لنفسه فينقذها من عذاب النار قبل أن يشفع لغيره.
стр. 1900
تفسير قوله تعالى: (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور)
قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩].
ربنا ﷻ يعلم العين الخائنة، العين التي تنظر إلى الحرام خلسة، أو بالنظر والغمز واللمز، حتى تلك العين يعرفها ويراها ويحاسب عليها.
стр. 1901
تفسير سورة غافر [١٩ - ٢٢]
إن الله ﵎ له العلم المطلق والإحاطة التامة بكل شيء، فهو يعلم خائنة الأعين وما تخفيه الصدور، ويعلم السر وأخفى.
وقد أمر الله تعالى العباد في هذه الآيات أن يسيروا في الأرض؛ كي يروا عاقبة الأمم المكذبة السابقة، وما حل بهم لما عصوا أمر ربهم.
стр. 1902
تفسير قوله تعالى: (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور)
قال الله ﷻ : ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩].
إن ربنا ﷻ لا يخفى عنه شيء، ويعلم ما تسر الأنفس وما تعلن، وهو ﷻ يذكر هنا أنه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ﴾ أي: يعلم الأعين الخائنة، وهي التي تسارق النظر فيما حرم الله، كأن تمر امرأة فيحاول أن ينظر إليها حراماً، فإذا انتبه له غض بصره، وإذا غض الناس عنه رفع بصره يتتبع عورات النساء.
فالعين الخائنة هي التي تنظر إلى ما حرم الله من عورات الرجال والنساء، ومن الإشراف على ما لا يحل له أن ينظر إليه، والنبي ﵊ طرق بابه أحد يوماً في المدينة المنورة فجعل ينظر من خلل الباب، فكان النبي ﷺ يبحث عن شيء ليفقأ به عينه، ثم خرج إليه وقال: (لو وجدتك تنظر لفقأت عينك) ولذلك يقول الأئمة: إن جزاء من ينظر إلى ما حرم الله أو إلى عورات ما يكون عادة مخفياً في البيت -وما جعلت الأبواب إلا لستر ذلك- أن تفقأ عينه من صاحب البيت أو صاحب الشأن، فيكون قد عاقبه بما أمر به الشرع.
والنبي ﵊ عند فتح مكة أهدر دم أربعة عشر إنساناً: ثمانية رجال وست نساء وقال: (اقتلوهم ولو وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة) فقتل من قتل، وفر من فر، وإذا بـ عثمان بن عفان ﵁ يأتي بواحد -وهو قريب له نسباً- ممن أهدر النبي ﵊ دمه واسمه عبد الله بن سعد بن أبي سرح فقال: (يا رسول الله! اقبل من ابن أخيك توبته وإيمانه، فسكت عنه النبي ﵊ ولم يلتفت إليه زمناً من الوقت، وبعد إلحاح عثمان قبل توبته)، وكان النبي ﵊ يحترم عثمان ويستحيي منه؛ إذ كان قد خرج عن قومه بني أمية وقد ظاهروا النبي ﵊ بالعداوة والحرب على وتيرة واحدة، كما هو شأنهم في الجاهلية، وتولى حرب رسول الله والمسلمين كبيرهم أبو سفيان بن حرب، فخرج عثمان عنهم وآمن برسول الله وكان من السابقين الأولين صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فعندما جاء شفيعاً لـ عبد الله بن أبي سرح سكت عنه النبي زمناً، وبعد ذلك الزمن قبل منه ﵊، ومد يده إليه فجدد توبته وإيمانه، ثم التفت للحاضرين فقال لهم: (ألم يكن منكم أحد يقوم إليه فيقتله؟ قالوا: يا رسول الله! ألا أشرت إلينا بعينك لنقتله؟! قال: ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين) أي: ما يجوز وما ينبغي من نبي معصوم أن يقابل الناس بوجه وأن يكتم عنهم وجهاً، ففي هذه الحالة يكون ذلك تغرير لا يليق برسول الله، بل ولا يليق بالمؤمن الفاضل، فإما أن يقتل علناً ويجدد الأمر بقتله، أو يتركه كما قد فعل، أما أن يوهمه بأنه سيتركه ثم يغمز بعينه ليقتل فهي خائنة الأعين.
والعين الخائنة: هي التي أظهرت شيئاً وأبطنت شيئاً آخر، وهو ما يقول الله تعالى عنه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ﴾ [غافر:١٩].
وعبد الله بن أبي سرح كان قد أسلم قبل وكتب الوحي، ثم ارتد عن الإسلام، فأهدر النبي دمه، ولكن الله أراد شيئاً وأراد النبي غيره، وما يريده الله هو الأصلح والأكمل؛ لأنه خالق العباد، وهو أدرى بمصالحهم، فـ ابن أبي سرح هذا أخذ يكذب عندما ارتد، وقال: كان يأمرني أن أكتب (شديد العقاب)، فأكتب (غفور رحيم)، فيبدل ويغير، فلو قتل لقال أعداء الإسلام: ها هو رجل كان يكتب الوحي، فلما كشف السر قتله النبي ﵊، ولكن الله أبقى ابن أبي سرح إلى أن أسلم، فلما حسن إسلامه جعل يكذب نفسه في المجالس ويقول: لا والله، ما غيرت كلمة مما أمرني رسول الله ﷺ في كتابتها، ولكن الشيطان تلاعب به وأغراه، فأخذ يكذب على الله ورسوله، فهو تائب إلى الله ولن يعود، وهو الذي كان قائد الجيش في فتح طرابلس وبرقة التي أصبحت تسمى أخيراً باسم: ليبيا.
قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ أي: يخبر ﷻ بأنه العالم بكل شيء، حتى بغمزة العين، وما يريد صاحبها أن يقول، كما يعلم ما تسره الضمائر، وما تبطنه النفوس مما لا يتكلم ولا ينطق به؛ ولذلك فالله ﷻ لا تخفى عليه خافية، فمن حاول أن يكتم شروره وآثامه فإن لم يعلمها البشر فالله ﷻ يعلمها، وهو لا تخفى عليه خافية، حتى إذا جاء يوم القيامة وجده معروضاً على الله للحساب: كل ما كان يعمله في الحياة الدنيا من جرائم وذنوب وآثام، فإما أن يغفر الله له وقد جاء موحداً مؤمناً، وإما أن يأتي مشركاً فلا توبة ولا رحمة لمشرك إن مات على شركه.
стр. 1903
تفسير قوله تعالى: (والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء)
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر:٢٠].
يخبر ربنا ﷻ أنه هو الذي يقضي بالحق، فالله قضاؤه حق، وأمره حق، وهو الحق ﷻ ولا يقضي ولا يحكم إلا بالحق، ولا يحكم إلا بالعدل، ولا يحكم بين الناس إلا لنصرة المظلوم وأخذ حقه من الظالم، والله يقضي بالحق، أي: بالعدل والإنصاف، فيحكم بين عباده يوم عرضهم عليه بالحق.
قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ)) الأصنام والأوثان هي التي يدعونها ويعبدونها ويشركون بها، فلا تقضي لهم بشيء؛ إذ هي أعجز من القضاء، وأعجز من أن تحكم، وأعجز من أن تصنع لنفسها شيئاً، فكيف بغيرها.
فهؤلاء الذين يتعلقون بالأوثان، أو بالشركاء من دون الله لا يتعلقون إلا بالسراب، ولا يرتبطون إلا بمن لا يضرهم ولا ينفعهم، وهو أعجز من أن ينفع نفسه أو يضرها فضلاً عن أن يخدم غيره ضراً أو نفعاً، إن هي إلا أباطيل وأضاليل وأسماء ما أنزل الله بها من سلطان.
قوله تعالى: ((وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ)) أي: من عبدهم المشركون ممن هم دون الله من الأوثان والأصنام لا يقضون بشيء، لا حقاً ولا ظلماً، لا باطلاً ولا صواباً، فهم عجزة، فهم مخلوقون أذلة لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، فكيف يملكونه لسواهم.
قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)) أي: إن الله سميع لمن قال خيراً أو شراً، بصير بمن فعل خيراً أو شراً، لا تخفى عليه ﷻ خافية، فهو البصير والعليم، وهو ﷻ مهما حاول مشرك أو عاص أو مذنب أن يخفي شيئاً مما في ضميره ونفسه عن الله لن يكون ذلك أبداً، فالله لا تخفى عليه خافية لا في الأرض ولا في السماء، فهو السميع لأقوالنا، والبصير بأفعالنا، فمن فعل خيراً وجده، ومن قال خيراً وجده، ومن قال سوءاً وجده، ومن فعل سوءاً كذلك.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
стр. 1904
تفسير قوله تعالى: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم)
قال الله تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [غافر:٢١].
يقول الله لهؤلاء وهم أهل بداوى وحقارة، وهم أضعف سلطاناً وجنداً وعلماً، وهم أقل الأمم إذ ذاك من حيث الحول والحكم، ومن حيث الملك والسلطان، هؤلاء الذين تعاظموا على ربهم، وتكبروا على قول: لا إله إلا الله، فعلام اعتمدوا؟ وأين قوتهم؟ أين سلطانهم؟ أين من ينجيهم من عذاب الله؟ قال تعالى: ((أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ)) وهذا استفهام تقريري توبيخي تقريعي، يقول الله لهؤلاء: ألم ينتقلوا في الأرض ويضربوا في أركانها: في مشارقها ومغاربها، وينظروا إلى الذين كانوا قبلهم من الشعوب والأمم؟ كيف كان مآلهم عندما كفروا بالله وأشركوا به غيره؟ ولقد كانوا أشد قوة وملكاً وجنداً، وأغنى مالاً، وأوسع جاهاً ورقعة، وكانوا كذلك أكثر آثاراً في الأرض، وتركوا من الآثار وأنواع الحضارات والبنايات والمدائن والقرى والزراعة وما إلى ذلك الشيء العظيم، هؤلاء على كونهم كانوا أشد قوة وأكثر آثاراً في الأرض -جمع أثر، وهو ما تركوه من آثارهم، ومن علامة حضارتهم، ومن شدة قوتهم وسلطانهم- كيف كان مآلهم وقد كفروا بالله؟ لقد أخذهم الله إليه أخذ عزيز مقتدر، ولم يجدوا واقياً من الله، ولا مدافعاً عنهم، فالله الخالق للقوي والضعيف، وهو القادر على الكل ﷻ ، ولن يجد المخالف ولا المشرك من يدفع عنه ويقيه من عذاب الله، هيهات هيهات! فيقول الله للمشركين الذين عاصروا نبي الله ﵊ وأبوا الإيمان والإسلام والإيقان: كيف تكفرون وأنتم تتجولون في الأرض وترون آثار من سبقوكم؟ حيث إنهم على قوتهم في الأرض عندما كفروا بربهم وبأنبيائهم أخذهم الله إليه أخذ عزيز مقتدر، وهذا الذي يقوله الله ﷻ قد تكرر في غير ما آية، وفي غير ما مناسبة، وقاله الله منذ ألف وأربعمائة عام، وأنزله على نبيه ﷺ ، وسمعه من عاصروه من المهاجرين والأنصار والبشر مؤمنهم وكافرهم.
ولا يزال هذا واقعاً لنا ونخاطب به نحن، فنحن نرى آثار الأولين في أهرامات مصر، وفي موميات مصر، وفي قصور بابل في العراق، وفي الآثار والحفريات التي نراها هنا في بلدنا، ونراها في أرض الشام، ونراها في أرض المغرب، ونراها في مختلف قارات الأرض، فهذه الأهرامات الصخرة الواحدة فيها تكاد تسع ركناً من هذه الأركان، فقطعت وجرت ثم رفعت واحدة على أخرى بشكل ذكر وأنثى، من الذي اقتطعها من جبال سيناء؟ كيف قطعت؟ بأي آلة؟ ومن الذي نجرها على هذا الشكل؟ ثم كيف جرت؟ ومن حملها؟ وكيف وصلوا بها من سيناء إلى أرض القاهرة؟ وكيف حملت بعد ذلك ووضعت صخرة على صخرة إلى الآن؟ لا يتذكر الناس في ذلك رغم قولهم إنهم وصلوا للحضارة، ووصلوا في الاختراعات والاكتشافات -في زعمهم- ما لم يصل إليه أحد من الشعوب السابقة، وهذا كذب وهراء، وهذا ادعاء لا دليل عليه، وقد مضى على الأهرامات آلاف من السنين وهي هي كأنها نبتت شجرة في مكانها، ما هي الآلة التي قطعتها من الجبال؟ ما هي الآلة التي صنعتها على الشكل الذي يريدون؟ هل حملها الإنسان وهو أعجز من ذلك وأضعف؟ أم الدواب وهي أعجز من ذلك وأضعف؟ إذاً: فهناك آلات كانت تتجاوز الآلات المعروفة اليوم، وقل كذلك على الموميات.
وهذه الجثث لفراعنتهم وقد مضى عليها الآلاف من السنين، ومنها فرعون موسى الذي سنتكلم عنه كذلك، لا تزال جثته قد حفظها الله لمن جاء خلفه؛ ليكون عبرة للمعتبرين، وذكرى للمتذكرين، هذا الذي ادعى الألوهية يوماً نجد جثته لا تزال كما هي وكأنها حجر متصل أو جلد متصل، رغم العواصف والأمطار ورغم الطقوس فهي لا تزال هي هي! فلم تتفتت ولم تنحل ولم تنقص، فما هي المواد التي أدخلوها فيها لإبقائها زمناً؟ أكثر ما يصنعون اليوم لا يبقى مائة سنة أو مائتين، ويبقونه في قوالب من زجاج، وصناديق من بلور، ولكن لا تكاد هذه الصناديق تنكسر لسبب ما إلا وتهوي تلك الجثة وكأنها رماد، وكأنها لم تكن يوماً.
وقصور بابل لا تزال آثارها في العراق في بغداد إلى اليوم، وقد حاول هارون الرشيد يوماً وقد اقترح على وزرائه من البرامكة أن يبنوا له قصراً في مكانها، وأن يهدموا تلك الأطلال فقالوا له: يا أمير المؤمنين! لو مضت سنوات على أن نهدم ونزيل هذا البناء لعجزنا، فسخر منهم وأمرهم، فأخذوا يهدمون، فمضت سنة وسنتان وثلاث ولم يزل منه إلا ما يزيد على ذراع أو ذراعين، وكأن ذلك قطعة من فولاذ واحد، فلما رأى ذلك وتأكد تركه وبنى في جهات، فما هي المواد التي دخلت على هذا التراب وعلى هذه الرمال حتى أصبحت قطعة واحدة كأنها الفولاذ الحديدي؟! وحتى الفولاذ والحديد فمياه البحار ورياح البحار تؤثر فيه حتى يتفكك، وهذا لم يتفكك، فنمر على آثار في البحر الميت في أرض الأردن، ونمر على آثار في تبوك، وفي ثمود، والقبائل والأمم الماضية نرى آثارها بما لم يستطع أحد أن يعمل مثل ذلك في يومنا، ونرى قصوراً منحوتة في المغرب في الجبال وفي كهوف الأرض على غاية ما يكون من الزهاء ومن حسن الهندسة مما لا يصنع اليوم مثله، ما هي هذه الحضارة التي صنعت ذلك؟ وكيف كان أولئك؟ والقرآن مليء بهذه المعاني يقول للإنسان: لا تغتر بنفسك وتظن أنه لم يمض نظير في التاريخ السحيق، بل قد مضى الكثير والكثير من الأمم القوية ذات الحضارة ممن كانوا أقوى أبداناً وسلطاناً، وأكثر جنداً، مع ما كانوا يعيشونه من القرون المائة والمائتين والخمسمائة سنة والألف سنة، وقد حدثنا الله ﷻ أن نوحاً لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، فكم كان سنه يوم أخذ يدعوهم إلى الله؟ والتوراة والإنجيل مليئة كذلك بأنبياء بني إسرائيل، وأنهم عاشوا مئات من السنين الثلاثمائة والأربعمائة، يقول الله لأولئك وقد ذهبوا إليه ليحكم بينهم بما شاء، ويقال هذا لنا ونحن نسمع وننصت ونتدارس قول الله وكلام الله، وسيعرفه من يأتي بعدنا وإلى يوم القيامة، وكل يوم نجد في كتاب الله جديداً، ونجد معنى من المعاني لم يكن يخطر ببالنا ولا في بال من سبقنا.
يقول تعالى لهؤلاء المشركين الذين كفروا بالله؛ كفروا به واحداً، وكفروا به قادراً، وكفروا به خالقاً، وكفروا بأنبيائه المرسلة إليهم، يقول لهم: علام اعتمدتم في طغيانكم وكبريائكم؟ قوله تعالى: ((أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ)) أي: أو لم يتنقلوا ويضربوا في الأرض متنقلين وسائحين وطالبي علم وتجارة؟ قوله تعالى: ((أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا)) أي: نظر العين والبصيرة.
قوله تعالى: ((فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ)) أي: كيف كان المآل والنهاية للأمم التي سبقتهم؟ لقد كفرت كفرهم، وأشركت شركهم، وكيف أنهم دمروا! وكيف أنهم أصبحوا في الأمس الدابر! يزيد الله فيقول: ((كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ)) أي: كانت تلك الأمم أشد من الأمم المعاصرة على شركهم وكفرهم، فتركوا من الآثار والقصور والأبنية والمدائن والمخترعات، وكل ما نصنعه اليوم من أهم شيء في الوجود كان من مخترعاتهم؛ فالكتابة مثلاً من اخترعها لكل لغات الأرض: هل هو نحن أم آباؤنا وأجدادنا؟ وكان هذا في العصور السحيقة، فهم الذين اخترعوا هذه الأحرف؛ لتبقى من بعد علامة على فهم المعاني التي مضت عليها قرون من كتاب الله، وكلام أنبيائه، وحكم حكمائه، وعلم العلماء.
واختراع الحرف شيء يعتبر من أعظم ما وجد في الأرض من حضارة، وكيف استطعنا أن نكتب كتاب الله، وحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمن اخترع الحرف؟ والورق الذي نكتب عليه كذلك وجد قديماً، وكتب به قديماً، فمن الذي اخترعه؟ ومن الذي اكتشفه؟ وهكذا قل: هذه الثياب التي نلبسها: من حرير وقطن وصوف من الذي اخترع آلاتها ومصانعها إلى أن لبسناها ثياباً جميلة تناسب جسد كل إنسان من ثياب خشنة إلى ثياب حريرية، إلى ثياب قطنية؟! كل هذا كان قبلنا في الوجود نحن وآباؤنا، ومن قبل آلاف السنين قد كان هذا موجوداً، وهؤلاء الذين اخترعوا هذه الحضارات: من مدائن وقرى ومن حروف كتابة وأوراق ولباس قد سبقنا في ذلك المتحضرين، فنعيش بين الناس لا كما تعيش البهائم، وإن كان لا يزال الكثير فينا مع هذا يعيش كالبهيمة: لا قراءة ولا دراسة، ولا إيمان ولا صلاح ولا ستر، ولا شيء يعود على نفسه وعلى المسلمين بخير في الأرض.
قال تعالى: ((أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ)).
هؤلاء الذين كانوا أعظم من مشركي الجزيرة وفارس والروم، كانوا أكثر منهم سلطاناً وقوة وحضارة، ومع ذلك حين كفروا بالله، وأشركوا في دين الله أخذهم الله إليه أخذ عزيز مقتدر، ودمرهم، وأهلكهم، وأبادهم، وكأنهم لم يكونوا يوماً، وكأنهم لم يشربوا ماء ولم يأكلوا طعاماً، ولم يكن ذلك يكلف الله تعالى إلا قول: (كن)، فكيف بهؤلاء الضعاف الذين هم أقل سلطاناً، وأقل حضارة، وأضعف جنداً، وأضعف جوارح؛ كيف خطر ببالهم أن يتألهوا ويتعاظموا على الله، ويتيهوا على ضعفهم؟ هؤلاء إذاً لم يفقدوا العقل فقط، ولكنهم فقدوا مع العقول دينهم.
قال تعالى: ((وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ)) أي: أخذهم الله بذنوبهم ولم يجدوا من يقيهم عذابه، ولا من يقيهم دمار ولا هلاك، ولا من يحفظهم ويدافع عنهم ويصونهم ويحميهم هيهات هيهات! فإنه يجير ولا يجار عليه، ويقدر ولا يقدر عليه، ويفعل ما يشاء وهو القادر على كل شيء ﷻ وعز مقامه وعلا شأنه ﷻ .
стр. 1905
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا)
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [غافر:٢٢].
((ذَلِكَ)) أي: أخذهم وعذابهم ودمارهم وهلاكهم؛ لأنهم أرسل الله إليهم رسلاً كما أرسل نبينا إلى الخلق كلهم، وجاءهم رسلهم بالبينات وبعلامات واضحات، وبأدلة كاشفات، وبالمعجزات الملزمات على قدرة الله ووحدانيته، وعلى صدق كتبه ورسله، ومع ذلك كفروا بكل ذلك، وجحدوا الإيمان بكل ذلك: ((فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ)) أي: أهلكهم ودمرهم من أجل هذا.
قوله تعالى: ((إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ)) أي: القوي الذي لا أقوى منه، والقادر على كل شيء.
قوله تعالى: ((شَدِيدُ الْعِقَابِ)) أي: مؤلم وموجع عقابه، فمن عاقبه لن يستريح يوماً، ويكون قد خسر دينه ودنياه، وخسر نفسه وأهله وولده، إما أن يكونوا في الجنة وقد خسرهم، وإما أن يكونوا في النار، فلا يفيد أحد أحداً، ولن يجد حميماً ولا شفيعاً يطاع يشفع له عند ربه، هيهات هيهات بعد الكفر وبعد الشرك أن تكون هناك رحمة أو توبة!
стр. 1906
تفسير سورة غافر [٢٣ - ٢٨]
لقد أرسل الله تعالى نبيه موسى ﵇ إلى فرعون وملئه ليدعوهم إلى الله تعالى، فإذا بفرعون يتوعده بقتله، وأنه ما جاء إلا ليفسد الناس ويضلهم عن سواء السبيل، فما كان من موسى ﵇ إلا أن استعاذ بالله تعالى والتجأ إليه من شر فرعون وقومه، فكفاه الله تعالى شرهم، ونصره عليهم.
стр. 1907
تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر:٢٣].
نعود مرة أخرى إلى قصة موسى وقد مضت غير مرة في سور سابقات، والحكمة من تكرار قصة موسى وبني إسرائيل -وإن كانت عند كل مرة تكرر بمعنى جديد، وبمغزى جديد، وبعبرة جديدة، وبحكمة جديدة- ليرسخ ذلك في الأذهان، وكما أقول باستمرار: الشيء إذا تكرر تقرر، والشيء عندما يكرر يصبح قراراً ثابتاً ممكناً، ولأن أقرب الأنبياء إلينا هم أنبياء بني إسرائيل ومنهم موسى، وهو من أولي العزم من الرسل، ومنهم خاتمهم عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فالله عندما يقص علينا قصص بني إسرائيل يهوداً ونصارى ذلك لنتعظ بما جرى لهم، حتى لا نعمل عملهم، ولا نفعل فعلهم، ولا نرتكب جرائمهم، فإن نحن فعلنا فعلهم عاقبنا الله بما عاقبهم به، وهذا سر تسلط اليهود أحقر الأمم والشعوب وأذلها وألعنها وأبغضها على مسلمي هذا العصر؛ لأنهم تركوا الله فتركهم، ونسوا الله فنسيهم، وعوضوا الإمامة المحمدية بالإمامة اليهودية، وتركوا محمداً وصحبه إلى ماركس اليهودي الشيوعي الملحد وإلى أصحابه، فتركوا الإسلام، وتركوا مذاهب الخلفاء الراشدين وطرائقهم السديدة إلى المذاهب اليهودية: من شيوعية، واشتراكية، ووجودية، وماسونية، وقاديانية، وبهائية وما إلى ذلك، كل هذه الأسماء القذرة الوسخة التي لا تحمل إلا قذارة وضلالاً أصبح العرب والمسلمون يتبارون ويتسابقون من يكون يهودياً أكثر من الآخر؟! ومن يكون شيوعياً؟! ومن يكون ماسونياً؟! ومن يكون وجودياً؟! وهل هذه المذاهب جميعها إلا مذاهب يهودية، وهكذا إلى أن خضعوا وتهيئوا لخلافة اليهود عملاً، والركون في ذلهم والاستسلام لهم، ورفع راياتهم في بلاد المسلمين، والاهتمام بهم، وفرض التحيات لهم، واستقبالهم استقبال المسلمين الصالحين، وهل هناك غضب وذل أكثر من هذا؟ ومن يصنع ذلك يجد من قومه وعشيرته من يصفق له ويسانده ويقويه، وقديماً قال ربنا عن فرعون: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف:٥٤].
وهكذا دواليك عندما يلعن الله متهوداً ذليلاً حقيراً لم يهود حتى يجد من عشيرته وأتباعه من يسانده ويقويه، هذا الذي حذرنا الله منه في كتابه، فعندما يذكر قصة موسى وما جرى بينه وبين فرعون وهامان وقارون من محنة ومن عذاب لنبتعد عن ذلك، فعندما لم نفعل يعاملنا الله معاملة اليهود ذلاً وهواناً، وقد سلط الله اليهود على هؤلاء الذين تركوا دين الله، وأخذوا يحاربون الإسلام ويتبعونه لليهودية، ويحاربون القرآن ويتبعونه بالتوراة والإنجيل المحرفة، ويحاربون العلماء ويقتلونهم وينذرونهم بالوبال الشديد، ويأتون إلى علماء اليهود من حاخامات وأحبار فيجلونهم ويجعلونهم شركاء من دون الله، فما زادهم الله بذلك إلا ذلاً وهواناً في الدنيا، ولعذاب الله أشد وأنكى، هذا الذي يحذرنا الله منه منذ أنزل الله كتابه الكريم على خاتم رسله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 1908
تفسير قوله تعالى: (إلى فرعون وهامان وقارون)
قال تعالى: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٤].
أرسل الله تعالى موسى إلى هؤلاء القادة من فراعنة وأقباط مصر في جاهلية مصر، أرسله بالآيات البينات وبالدلائل الواضحات، بالمقبول من المعقول ومما لا يدفعه عقل سليم، وبالمعجزات التي كانت من القمل والضفادع والدم والطوفان، فما زادهم ذلك إلا إصراراً على الكفر وتكذيباً لنبييهم موسى وهارون.
قوله تعالى: ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ)) السلطان: الحجة والدليل القاطع مع الحجة الواضحة البينة التي لا ينكرها إلا أعمى والبصيرة قبل أن يكون أعمى البصر، لمن أرسله؟ إلى فرعون الذي قال يوماً: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وإلى هامان وزيره الذي كان له حظ في ذلك، وآمن به رباً وخالقاً رازقاً، وإلى قارون الذي كان أغنى إنسان في حياته وعصره؛ حيث كانت مفاتيح خزائن أمواله تنوء بها العصبة أولو القوة، أي: أن الجماعة القوية كانت تعجز عن حملها مجتمعة في وقت واحد، أرسل لهم موسى وإذا به عندما جاءهم ببيناته ومعجزاته يكذبونه، وأول معجزة له ما قيل لفرعون: إن رجلاً من بني إسرائيل سيكون سبب القضاء على ملكك ودولتك وقوتك، فأمر بقتل جميع الولدان التي تولد من الإسرائيليات، ثم بعد ذلك وقعت الشكوى من قومه بأن قتلك لهؤلاء فساد للعبيد والإماء والخدم، ولكن اقتلهم سنة وأبقهم سنة، ففعل ذلك، فولد موسى في السنة التي يقتل فيها الأولاد، فأوحى إلى الله أمه أن تضعه في صندوق وأن تنبذه في البحر، وإذا به يسري إلى شواطئ قصر فرعون، فتلتقطه الجواري، فتذهب به إلى امرأة فرعون، فتتخذه ولداً، وكانت عقيماً لا تلد، ولم يكن لفرعون ولد لا منها ولا من غيرها، فسرت به المرأة، وعندما جاء فرعون أرته إياه، فرجته بأن يبقيه على حياته وهي لا تعلم أنه إسرائيلي، وهكذا نشأ في داره وفي حصنه، ويأكل من طعامه، وهو من سيدمره ويقضي عليه، ويكون القضاء المبرم الأبدي إلى حد الغرق هو وقومه ودولته وألوهيته الزائفة على يديه، وهل هناك معجزة أكثر من هذه! مع حرصه على أن يستأصل شباب بني إسرائيل جميعهم.
قوله: ((إِلَى فِرْعَوْنَ)) أي: أرسل الله موسى ((إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا)) أي: جمعيهم، أما فرعون فكان ملك الأقباط، وهامان منهم، وأما قارون فكان يهودياً.
قوله: ((إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا)) أي: كلهم قالوا ذلك، وقال ذلك معهم أقوامهم.
قوله: ((فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ)) أي: المعجزات التي أتى بها موسى قالوا: هي سحر وشعوذة، وقصة السحر وإتيان السحرة مضت، وعلمت بدقائقها ودلائلها، وبظواهرها وبواطنها، وقالوا: كذاب كذب في دعوى الرسالة والنبوءة.
стр. 1909
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه)
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٢٥].
بعد أن عجزوا عن البرهان والدليل، وعن مقارعة الحجة بالحجة، ومحاجة ما جاءهم به موسى من البينات من عند الله، لم يعتمدوا إلا على سلطانهم وقوتهم وأسلحتهم، فاتفق فرعون وهامان وقارون وعشائرهم التي ضحكوا عليها وسخروا بها، وقالوا: اقتلوا أولاد وأبناء وذكور كل من يؤمن بموسى، وهذا القتل الثاني، فالقتل الأول كان عندما قيل لفرعون: ولد من بني إسرائيل سيكون سبب القضاء عليك ودمارك وقتلك، فأخذ يقتل كل من ولد في تلك السنوات إلى نشأ موسى في داره فأوقف القتل، وبكي الفراعنة الأقباط وقالوا: إلى متى تقتلون هؤلاء؛ فهم عبيدنا وإماؤنا وخدمنا؟ فعندما أرسل موسى وهو في دار فرعون وقتل القبطي الذي قتله وفر بنفسه وخرج إلى أرض مدين، عاد فقال فرعون وهامان وقارون: عاقبوا هؤلاء الذين قبلوا بموسى نبياً وآمنوا برسالته ونبوءته، فاقتلوا ذكورهم وأطفالهم منذ الولادة.
قوله: ((وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ)) أي: اتركوا البنات أحياء لا تقتلوهن، ولكن اقتلوا الطفل، ولم ذلك؟ أولاً: لتقليل وتضعيف النسل اليهودي، وتركوا البنات ليكن خدماً لهم وجواري لهم، وموضع شهواتهم ونزواتهم.
والمرأة امرأة على كل حال، فما هي قادرة على شيء، فذهب ليقلل نسلهم ويضعفه إلى قتل الذكور من الأطفال.
قوله تعالى: ((اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ)) قال الله ﷻ عن رأيهم وعملهم وما نظموه واطرحوا: ((وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ))، فأراد بذلك الأقباط أن يضعفوا النسل اليهودي؛ ليكون ذليلاً بالنسبة لهم إذاك، فلا يقاومونهم ولا يقدرون على دولتهم وألوهيتهم المزيفة الباطلة، ولكن هذه الحيل وهذا الكيد؛ كيد هؤلاء الذين ظنوا بأنهم عندما يقتلون عشرة أو ألفاً أو ألفين سيقضون على نسل موسى وهارون، فيبقى فرعون متألهاً يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، و ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، ومن عجائب صنع الله الذي أنذرنا به منذ (١٤٠٠) عام، حيث أنزل الإنذار لنبينا، وأوحى به إلينا بواسطة نبينا، فاليوم نعيش في مصر التي كانت مستعبدة لليهود، حيث كانت تقتل شبابهم، وتضعف نسلهم لكي لا يكون لهم شأن، فاليوم اليهود يذهبون نفس المذهب في تقليل نسل المسلمين في أرض مصر، فقد جاءوا بيهود خبراء من أرض فلسطين -التي تسمى بإسرائيل- ليضعفوا النسل المسلم في أرض مصر، وهم الآن في طريق ذلك.
ولقد كان هؤلاء يوماً ما هم عبيد مصر، وإذا بالوضع ينقلب فتصبح أهل مصر عبيداً وخدماً لليهود عن رضا منهم وطواعية، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
стр. 1910
تفسير قوله تعالى: (وقال فرعون ذروني أقتل موسى)
قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦].
على عادة الحاكم الظالم عندما يعجز عن الدليل والبرهان يرجع إلى سلطته وقوته، فيحاول أن ينتقم من الضعاف، ولكنهم وإن كانوا ضعافاً في الأبدان والمال إلا أنهم أقوياء وأعزاء بالله، ويأبى الله إلا أن يعز من اعتز به، وأن يذل من انتصر بغيره، فمن اعتز بالله عز، ومن انتصر بغيره ذل.
قال فرعون: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ [غافر:٢٦] معناه: أنه قد كان آمن بعضهم وكتم إيمانه، وهذا ما سيقوله الله لنا، فعندما أراد فرعون أن يقتل موسى وهو يعتبره ولده، حيث نشأ في بيته وقد عقه وقام في وجهه، فقال رجل مؤمن: يا فرعون! أتقتل هذا وهو يدعي النبوة؟! قد يدعو عليك وعلى دولتك وسلطانك، فلا يبعد أن يستجيب الله له، فقال لهم فرعون: (ذروني) أي: دعوني واتركوني ولا تخالفوني ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ [غافر:٢٦] أي: من عسى أن يدعوه؟ ومن هو هذا الرب؟ ألست أنا ربكم الأعلى؟ قال ذلك هذا الضال المضل الأخرق المجنون! واستدل بقوله: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] وهي جزء من ألف جزء من آلاف الأرض التي يحكمها الله، وهذه الأرض حكمها فرعون لحكمة أرادها الله، فأراد أن يستعلى بها إلى مقام الألوهية.
وأحد خلفاء بني العباس وهو يتلو كتاب الله وصل إلى هذه الآية فقال: أنا أملك الدنيا، فأرى السحاب في السماء فأقول لها: أمطري حيث شئت فإن خراجك سيأتيني، ومع ذلك أبيت الليل أبكي وأمرغ وجهي في التراب، وأقول: رب اغفر لي ذنبي، رب لا تأخذ علي، سامحني واغفر ذنبي، ولا تأخذني بذنوبي، وما يخطر على بالي يوماً أن أتعالى على الله في شيء، وما مصر إلا جزء من بلدي، والله لأولينها أفقر العباد، فولى عليها كافوراً الإخشيدي، فكان حكم كافور في غاية ما يكون من العدل والنظام والأمن والإنصاف بما لم يحكمه فرعون ولا من جاء على طريقة فرعون من بعد.
﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر:٢٦] أصبح فرعون يعد ويهدد؛ لأنه خاف على دينه، وهو كونه إلهاً وكون البشر عبيداً له، ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر:٢٦] أي: أن ينهي الوثنية والصنمية ويحول الشرك إلى التوحيد، والإيمان بالله.
﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦] وما أشبه اليوم بالأمس! اعتبر فرعون الفساد هو دين الله، واتباع الأنبياء، والإيمان بكتب الله، وهكذا اليوم أصبحنا نسمع فيمن أصبحوا عبيداً لليهود يجتمعون على حرب الإسلام والمسلمين، ويقولون: لا دين في الدولة، والقرآن يبقى في المسجد، ومن حاول أن يتكلم عن دولة إسلامية أو جمهورية إسلامية أو أن يتكلم عن الدين في الجامعات أو في المؤسسات فيجعله عبرة، وقد كان من قبله أعظم منه سلطاناً وشأناً، ثم أصبح عبرة للمعتبر، وأضحوكة للناس يتسلون به في السمر، فكيف بهذا الحقير الذي دأبه الليل والنهار حرب المسلمين ولعنهم؛ والإشادة باليهود، فقد انعكست الآية، فقد كان اليهود عبيداً لمصر، فيحاول هذا المجرم أن يجعل مصر عبيدة لليهود، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦] خافوا من النبيين الكريمين الجليلين موسى وهارون أن يظهرا الفساد في أرضهم، والفساد في نظره هو: الإسلام والإيمان وعبادة الله الواحد.
والإيمان في نظره: هو الشرك والوثنية، والفسق، وسفك الدماء، والظلم والبغي، وأكل أموال الناس بالباطل، وهكذا اليوم أصبح الإسلام يحارب بهذا الاسم: أنه فساد وإرهاب، وأما الشيوعية فعلى زعمهم وكذبهم أنهم يحاربونها وهم لا يحاربون إلا الإسلام، وتسمع بين الزمن والزمن أن بعض مسلمين يعلقون في المشانق، ويضربون بالرصاص، ويخلدون في السجون، والكل يسمع ماذا حصل للجماعات وفئات من المسلمين؟ فذهب فرعون الأول وجاء فرعون الحقير الثاني، فجعل الناس في عذاب وهلاك وهوان، ولكن يأبى الله إلا أن ينصر دينه ولو كره الكافرون ولو كره المشركون، وكم قد ضمت هذه الأرض من كفرة ومن أدعياء ومن فراعنة ومن هامانات وقارونات! وماذا كانت النتائج؟! دمروا جميعاً ولم يبقوا إلا خبراً من الأخبار، وهم بين يدي الله في لعنة دائمة وعذاب دائم، وأصبحوا لعنة اللعانين وسخرية الساخرين.
стр. 1911
تفسير قوله تعالى: (وقال موسى إني عذت بربي وربكم)
قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر:٢٧].
عندما بغى فرعون الحقير الذليل المتألي على الله لم يزد موسى على أن قال هذه الكلمة: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٧] أي: يتعوذ ويتحصن بالله، فجعل الله معاذاً وموئلاً ومرجعاً؛ ليصونه ويحفظه وقد فعل، ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ [غافر:٢٧] أي: أجعل الله معاذي وموئلي ومرجعي وحصني.
﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٧] يقول لأولئك الوثنيين: على أي حال آمنتم أو كفرتم فإنني أتعوذ بربي من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب، من فرعون المتأله على الله، ومن هامان المتكبر المتعالي على الله، ومن قارون الذي اغتر بماله، وقال: إنما أوتيته على علم، فأولئك غرقوا، وأما قارون فقد ساخت به الأرض وخسفت به، والله أعلم إلى أي مدى من القرون والسنين سيبقى كذلك، فقد ذهب بأمواله وعياله وجاهه وسلطانه وهو في أعز ما يكون من زينة، وهو خارج على القوم يمشي على الأرض وكأنه سيطير بغير جناحين، وإذا به تلك الساعة -وقد نسي الله فنسيه وأذله- يأمر الله الأرض أن تخسف به، وقد فعلت.
وكان يقول نبينا ﵊ عندما يتعوذ من الأعداء: (اللهم إني أجعلك في نحورهم، وأعوذ بك من شرورهم)، وكما كان يقول: (اللهم اجعلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً) وهكذا أنبياء الله مرجعهم واحد، وإلههم واحد، ودعوتهم واحدة، فكانوا إذا اشتد بهم الكرب عادوا إلى الله متعوذين به، متحصنين بقدرته، متعوذين بجلاله، والله ينصرهم، وتكون العاقبة لهم.
وما يقص الله علينا هذا إلا لنأخذ منه العبر والدروس، فإذا فعلنا فعل أولئك الفراعنة كان عقاب الله لنا عقابه لهم، وإذا فعلنا فعل أنبياء الله المؤمنين الموحدين كان كرم الله لنا كرمه للمؤمنين الموحدين إن كنا منهم.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر:٢٧] أي: لا يؤمن بالبعث والنشور، وهو إنذار له أنه سيخرج مرة ثانية من قبره، ويعرض على الله للقضاء وسيحاسب حساباً شديداً، وتجره الزبانية على وجهه وتلقي به في قعر جنهم وهو يدعو: يا ويلاه يا ثبوراه.
стр. 1912
تفسير قوله تعالى: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون)
قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر:٢٨].
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٨] كان في قوم فرعون رجل مؤمن، وكان كاتماً لإيمانه خوفاً من فرعون وبطشه وعذابه، وكان هذا الرجل الكاتم لإيمانه ابن عم فرعون، وقيل: ابن أخي فرعون، وقيل: هو من بني إسرائيل، وهذا يعارض القرآن مع صراحته في القول، حيث يقول الله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر:٢٨]، فهو قد آمن بموسى وبرسالته، وآمن بالتوراة المنزلة عليه، ولكنه خاف من فرعون وبطشه، فبقي يكتم إيمانه ويسره ولا يعلنه، فلما رأى بأن نبي الله سيقتل وأخذوا يتآمرون عليه: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ [غافر:٢٦]، فقد خاف فرعون من تكذيبه لدينه، ومن إسلام أهل الأرض، فكاد للقضاء عليه وعلى دولته، فجعل موسى يتعوذ بالله ويتحصن من شر هذا المتكبر على الله، المتعالي على خلق الله وإذا بهذا الكافر يعلن الإسلام ويعلن إيمانه وليكون ما يكون، وهو يرى أن نبيه سيقتل، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٨] يا هؤلاء! أليس لكم عقول تفكرون بها؟ كيف تقتلون هذا الرجل؟ ما هي جريمته؟ أجريمته أن قال: ربي الله الخالق الرازق؟! وقال: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٨] أي: جاءكم بالأدلة الواضحة، وبالعلامات البينة وبالبراهين الفاضحة، فكيف تكذبون بلا دليل ولا برهان لا من عقل ولا من نقل؟! قوله: ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ﴾ [غافر:٢٨] يعني: موسى ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر:٢٨] لأنه قال: ربي الله ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر:٢٨] حال كونه جاءكم بالبينات، ودلل عليه وأكد عليه بأدلة واضحة من المعجزات التي جاءت على يده: من الدم والقمل والضفادع والطوفان، ومع ذلك كيف تحاولون قتله؟ ثم عاد فقال: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ [غافر:٢٨] أي: إن كان كاذباً ولم تصدقوه ولم تؤمنوا به، فكذبه يضره ويذله، وسوف يعرض على ربه هو، وكذبه لا يضركم، ولم يحمل سيفاً في وجوهكم، ولم يأخذ أموالكم ولا عبيدكم.
وأما إن كان صادقاً: ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر:٢٨] أي: إن كان صادقاً في رسالته ونبوته ودعواه ففي هذه الحالة سيصيبكم بعض ما أنذركم وهددكم به، وقد هددهم بالدمار والهلاك والخسران في الدنيا، وبالعذاب الدائم يوم القيامة، فقال لهم: لو يصيبكم بعض ما أنذركم وهددكم به لانتهيتم، ولما بقيتم يوماً في الأرض، وبذلك يفعلون فعل المجانين ومن لا يعقل.
سأل عروة بن الزبير عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: يا صاحب رسول الله! ما أشد شيء نال رسول الله ﷺ من أذى قريش؟ قال عبد الله بن عمرو: جاء يوماً رسول الله للكعبة وقومه ينظرون إليه فسألوه وقالوا: يا محمد! أنت الذي تسفه آلهتنا، وتريد منا أن نجعل الآلهة إلهاً واحداً؟ قال: نعم، فيقوم إليه اللعين -من قتله الله بسيف الإسلام ذليلاً حقيراً- عقبة بن أبي معيط ويقبض على منكبه، وجاء إلى ثوبه وضمه وأخذ يخنقه حتى كاد يموت خنقاً ﷺ ، وإذا بـ أبي بكر ﵁ يأتي صائحاً باكياً ويدفع عن رسول الله عقبة ويقول: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٨]، وكان يقول عبد الله بن عمرو بن العاص: هذا أشد ما أوذي به رسول الله ﵊ من مشركي قومه.
وهكذا استشهد أبو بكر بهذه الآية؛ بما قال مؤمن آل فرعون عندما حاول أعداء الله قتل موسى، وأخذ فرعون يقول لهم: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ [غافر:٢٦].
يقول الفقهاء: هل إذا كتم المؤمن إيمانه يفيده ذلك؟ هل يكون مؤمناً إذا هو لم ينطق بالشهادتين؟ الإسلام جاء بالوقاية قبل أن يأتي بالعلاج والطب، فهذا الذي يكتم إيمانه لا يتصور إلا إذا عاش بين قوم كافرين أو قوم مرتدين، وهم أيضاً كافرون.
لم يبقى بين الكفار؟! النبي ﵊ يقول: (أنا بريء من كل مسلم أقام مع المشركين، لا تتراءى نارهما) فحرم على المسلم أن يجاور كافراً ويسكن في أرضه، وحرم بأن يرى هذا نار هذا، وهذا نار هذا، فهو إن فعل ذلك فإنه يكون غير معدود من المسلمين إلا إن كان أسيراً في معركة أو حرب، فإذا منعوه من عبادة ربه فالإيمان عمل بالقلب، وإذا كان في سجن أو في خدمة فليصل على الطريقة التي يستطيعها.
مؤمن آل فرعون هذا لم يعلن إيمانه بموسى إلى الآن وما انكشف إيمانه إلا الآن، ولو لم يكن قريباً قرابة ماسة من فرعون
стр. 1913
تفسير سورة غافر [٢٨ - ٣٤]
في هذه الآيات المباركات يذكر الله ما قام به مؤمن آل فرعون من نصح ومن كلمة حق في وجه فرعون وأتباعه عندما أراد قتل موسى وأخاه هارون ومن معهما من المؤمنين، فنصحهم وحذرهم أن يصيبهم ما أصاب الأمم السابقة من الهلال والدمار.
стр. 1914
تفسير قوله تعالى: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون)
قال ربنا ﷻ : ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٨].
عندما قال فرعون: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ [غافر:٢٦] كان هناك مؤمن من قومه من القبط يكتم إيمانه ولم يكن فرعون يدري به، فأخذته الغيرة على دينه وإخلاصه لنبيه موسى أن يخرج إيمانه الذي كان يكتمه، أو يقول كلمة الحق عند سلطان جائر، فإذا به يجيب فرعون، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر:٢٨]، قال بعض المفسرين: إن هذا الرجل لم يكن قبطياً وإنما كان يهودياً، ومن الغريب أن يقولوا ذلك، فإن الله يقول: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر:٢٨]، وهم يقولون: من آل موسى وإسرائيل، ويقول هذا الرجل في غير ما آية: يا قوم، أي: يدعو فرعون والقبط ويناديهم بيا قوم، فهو لا يخاطب بذلك بني إسرائيل، إنما يخاطب القبط وآل فرعون.
فهذا المؤمن نادى بدعوة الحق والدفاع عن نبي الله موسى، فقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٨] أي: أليس لكم عقول تميزون بها بين الحق والباطل، أتقتلون رجلاً جريمته أن ينادي ويدعو ويعتقد أن الله ربه، ومع ذلك قد جاءكم بالبينات والدلائل القاطعة على صدق نبوته ورسالته، فكيف تكذبونه ثم تحاولون قتله؟! ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ [غافر:٢٨] يقول لهم مناصرة لموسى: إن كان كاذباً فعليه كذبه، فهو الذي يسأل من أجله ويعاقب عليه، فما بالكم أنتم كيف تقتلون رجلاً قال: إني رسول الله إليكم، وقد جاءكم بالأدلة والبراهين على صدق قوله؟ قال: ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر:٢٨]، فهو إن يك صادقاً فقد أوعدكم وتهددكم وأنذركم بالفناء، وأنذركم بالهوان والذل في الدنيا والخزي يوم القيامة، وهو قد أوعدكم إن يك صادقاً يكن ذلك حقاً، فإن كنتم تفكرون تفكير العاقل فدعوا الرجل ودعوته ولا تمسوه بسوء، وآمنوا إن شئتم أو اكفروا، أما أن تمسوه بسوء وتؤذوه فلن يكون ذلك أدباً، وليس ذلك من لغة العقول والإيمان، دعوا الرجل وما نسب إلى نفسه.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ﴾ [غافر:٢٨] أي: تصابون وتبتلون وتعذبون، قال: ﴿بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر:٢٨] أي: بعضه ولا تتحملونه، فكيف إذا أصابكم كل ما وعدكم به من عذاب في الدنيا، ومن خزي وخلود في النار يوم القيامة؟! قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٨] إن كان الرجل كاذباً فالله لا يهديه ولا ينصره، وإن كنتم أنتم الكذبة المسرفون على أنفسكم؛ كذبتم بالحق عندما جاءكم، وكذبتم على الله بما ليس فيه، ثم أنتم هؤلاء تصدون عن سبيل الله، وعن دعوة نبي الله عندما جاءكم بالهدى والنور، وقد قال نبينا ﵊: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)، فهذا المؤمن الذي كان يكتم إيمانه أعلن كلمة الحق، وأعلن الجهاد ضد هذا المتأله الكذاب المسرف على نفسه، الذي أضل قومه وما هدى، قال هذا وليكن ما يكون، ولكن الله سيحفظه ويصونه.
قوله: ﴿مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٨] المسرف: من تجاوز الحد بالاعتداء والباطل، والكذاب: صيغة مبالغة على وزن فعال.
стр. 1915
تفسير قوله تعالى: (يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين)
ثم عاد فقال: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر:٢٩].
يقول هذا المؤمن: يا قوم! دعوا عنكم موسى وقتله، يا فرعون! كفاك ما أنت فيه من تأله وظلم واعتداء وكفر بالله، فأنتم اليوم لكم الظهور والنصر، ولكم الملك خالدين في أرض مصر ﴿فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر:٢٩] إن جاءكم بأس الله وعقوبته كما تهددكم موسى فمن ينصركم من الله؟ ومن ينقذكم من بلائه ولعنته؟ فكروا في أنفسكم واتركوا موسى لا تؤذوه.
هذه كانت دعوة الأنبياء من قبل أنهم يدعون قومهم للإيمان، فإذا لم يؤمنوا طلبوهم أن يكونوا على الحياد ويعتزلوهم، وأن يدعوهم ودعوتهم فلا يمنعوهم من الدعوة إلى الله، ولا يقفوا حائلاً بينهم وبين الناس كي يعلموهم التوحيد، ويدعوهم إلى الله، وهكذا نبينا ﵊، قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣] نادى كفار مكة نادى قومه قريشاً فقال لهم: أنا لا أسألكم عن دعوتي مالاً ولا جاهاً ولا سلطاناً، ولكن الذي ينبغي أن تعملوه أن تدعوني؛ صلة لما بيني وبينكم من الأرحام والقرابة، فلا تقفوا دوني ودون الدعوة.
وفي معاهدة الحديبية كان من موادها: أن يترك على دعوته يدعو من شاء إلى عبادة الله وإلى توحيده، ولا تتعرض له قريش بمعارضة ولا صد، ويدعهم النبي ﵊ ما لم يؤذوا مسلماً أو يتعرضوا، فالنبي ﷺ وفى بالعهد وهم لم يوفوا بالعهد، فقد غدروا وقتلوا حليفاً من أحلافهم، وكان ذلك سبباً لفتح مكة.
قال هذا المؤمن: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر:٢٩]، وإذا بفرعون يجيبه، ولو كان هذا الداعي الكاتم للإسلام إسرائيلياً أو يهودياً لما رد عليه فرعون في مجلس حكمه ومناظرته ومشاورته ووقال الذي قال، ولبادر إلى البطش به، ولكنه أنصت إليه، وأعاره أذنه وأخذ يحاوره في الكلام، وكلام هذا المؤمن أكثر حجة، وأدل برهاناً، وأطول نفساً في القول.
قال تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩] أجاب فرعون هذا المؤمن فقال: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ [غافر:٢٩] أي: لا أقول لكم إلا ما أرى وأنصح به نفسي: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦]، ففرعون عدّ فساده صلاحاً، وكفره إيماناً، وهكذا الدعاة إلى الباطل دائماً يدعون إلى عملهم وإلى قولهم، فيسمونه تارة حقاً، وتارة تقدمية، وتارة تجددية، وهم في ذلك كفرعون، بل هم عيون لفرعون الكافر بالله المدعي ما ليس له.
يقول فرعون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ [غافر:٢٩] أي: ما أنصحكم إلا بالرأي الذي رأيت وفكرت فيه وتدبرت، ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩]، أي: ما أدلكم إلا على الهداية والطريق السوي والمذهب الحق والدين الصواب، هكذا قال فرعون وهو يكذب على نفسه، ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه:٧٩]، ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف:٥٤] فلم يأتهم بدليل يقبله عقل سليم، لم يأتهم إلا بالباطل والضلال والإفك الذي لا يقبله أحد.
стр. 1916
تفسير قوله تعالى: (وقال الذي آمن يا قوم)
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر:٣٠ - ٣١].
ثم عاد هذا المؤمن يتصدى لفرعون ويرد قوله يكذب فهمه ويتحداه مواجهة، فلم يحسب له حساباً ولم يخف من بطشه ولا من ظلمه، وقد تقدم مجاهداً بالكلمة الحقة وليكن ما كان، وهو يرى أن فرعون يريد قتل موسى، ويريد قتل أخيه هارون ظلماً وعدواناً وعلواً في الأرض، ولكن هيهات هيهات: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٥١].
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ﴾ [غافر:٣٠] نادى فرعون وقومه من الأقباط المشركين: يا قوم! لصلتي وإشفاقي ولقرابتي لكم أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب، أخاف أن يجري عليكم كما جرى على الأحزاب السابقة التي كفرت بأنبيائها وتآمروا عليهم، قال: ﴿مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ﴾ [غافر:٣٠] أي: يوماً كيومهم ينتقم الله فيه منكم، ويقضي عليكم، ويزلزل الأرض تحت أقدامكم، ثم يبين الله معنى يوم الأحزاب، قال: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر:٣١] أي: هذا اليوم الذي أخاف عليكم فيه وأخشاه هو كما حصل لأحزاب الكفر وأممهم وشعوبهم، ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [غافر:٣١] عندما كفروا بالله وأبوا الإيمان به، فعاقبهم الله وأطاف عليهم المياه فأغرقهم ولم ينج منهم إلا من آمن، ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]، ﴿وَعَادٍ﴾ [غافر:٣١]، عندما جاء نبيهم هود يدعوهم إلى الله، ويأمرهم بالتوحيد، فكفروا وأشركوا وتعدوا حدود الله وأسرفوا في الظلم والباطل، واعتدوا على نبيهم، فدعا عليهم فزلزلت الأرض من تحت أرجلهم، وأصابهم البلاء من حيث لا يشعرون، فأصبحوا كالحجارة لا تتحرك، وكأنهم لم يعيشوا يوماً، فدمرهم الله وقضى عليهم، على قوتهم وسلطانهم وبأسهم وطول أعمارهم وقوة أقدامهم.
وكذلك ثمود قوم صالح عندما جاءهم بالناقة، فقد قال للصخرة: كوني بأمر الله وبإذنه وإرادته ناقة كما طلبوا، فكانت ناقة عشراء حامل، ورأوا البينات بأعينهم فكذبوا بها وكفروا بها وقتلوا الناقة، فأصابتهم صيحة زلزلتهم فطارت قلوبهم من صدورهم، ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [غافر:٣١] وقرون وشعوب وأمم جاءت من بعدهم: كقوم لوط وقوم نمرود وقوم إبراهيم وقوم فرعون، والكلام معه.
فالله تعالى نصر رسله ونصر المؤمنين، ودمر أولئك الكافرين الكاذبين، فهذا المؤمن يقول لفرعون ولمن حضر مجلسه: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر:٣٠ - ٣١]، وما أصاب هؤلاء من تدمير وخراب وزلزال وفيضان وعقوبة إلهية لم يكن ذلك ظلماً من الله، فالله لا يظلم أحداً ولا يريد الظلم، ولقد حرم الظلم على نفسه كما حرمه على عباده، يا قوم! إني لكم ناصح مبين، دعوا عنكم موسى وليؤمن به من شاء، وليكفر به من شاء، وأما أن تعترضوا سبيله وتقتلوه فذاك البلاء الذي يمكن أن يصيبكم جميعاً كما أصاب من كان قبلكم.
стр. 1917
تفسير قوله تعالى: (ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد)
ثم عاد فقال: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر:٣٢ - ٣٣].
أنذرهم وخوفهم عذاب الدنيا وخزي عذابها، وأوعدهم بضرب الأمثال فيمن قبلهم من الأحزاب والأقوام الكافرة: قوم نوح وعاد وثمود ولوط، ثم الآن يخوفهم عذاب الآخرة، ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر:٣٢].
وما يوم التناد؟ يوم التناد: من المناداة والتنادي، وهو يوم ينادي الناس بعضهم بعضاً، فينادي أصحاب الأعراف أقواماً يعرفونهم بسيماهم، ويستعطفونهم ويرجونهم أن يخففوا عنهم يوماً من العذاب، وينادي أهل الجنة أهل النار: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً، قالوا: نعم، لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، وقال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠]، وتنادي الملائكة عند الحساب والميزان: ألا لقد سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وتقول الملائكة لمن كان ميزانه إلى الكفر والسيئات أقرب: ألا قد شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبداً، وعندما يدعو أهل النار الملائكة بأن يدعوا ربهم ليخفف عنهم يوماً من العذاب، فتقول الملائكة: ﴿قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٥٠] فيدعو هذا هذا، وينادي هذا هذا، وقد قرئ في السبع ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر:٣٢] بالتشديد على الدال، و (التنادّ) يوم أن يند بعضهم من بعض، أي: يفرون ويهربون من عذاب الله، وهذا المعنى سيفهم من الآية بعد.
وقال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا﴾ [الرحمن:٣٣]، وعلى أرجائها وأقطارها الملائكة، فعندما يرى أحدهم العذاب يحاول أن يفر، وإلى أين يفر؟! فالملائكة محيطة بهم، وهل ينفذون ويخرجون من أقطار السموات والأرض؟! هيهات هيهات لا مفر من الله إلا إليه، ولا منجى منه إلا إليه.
وهكذا معنى يوم التناد: يوم المناداة ينادي بعضهم بعضاً، أو يوم التنادِّ: يوم الفرار، ويبين ذلك الآية التالية: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر:٣٣] أي: يوم تعرضون فارين هاربين، وذلك عندما يرون عذاب الله قد أحاط بهم، وعندما يرون زبانية النار وقد أحاطت بهم كالسوار بالمعصم، والملك على أرجائها، فيحاول أن يفر من يفر فيرفعونه ويجرونه إلى النار.
قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر:٣٣] أي: لا يعصمكم أحد من الله ولا يجيركم، فكل فرد يقول: نفسي نفسي، وذلك إن استطاع أن ينقذها ويبعدها عن عذاب الله، وهيهات هيهات فلا تكون الشفاعة إلا لمن أذن له ورضي له قولاً، ومن قال صواباً.
ولذلك فهؤلاء مهما فروا وتنادوا واستغاثوا فلن تكون استغاثتهم إلا وبالاً عليهم، وهذا المؤمن الصادق المجاهد بالقول الحق عند هذا الدعي الكذاب على الله قد قدم نفسه للموت على يد هذا الجبار، وأعلن ما كان كاتماً له وهو يدعو فرعون وهامان وقارون وقادة الكفر ومن معهم، فهو أخذ يدعوهم إلى الطاعة ويحذرهم غضب الله ومقته، ويخوفهم إذا زادوا في الكفر فقتلوا نبي الله موسى، قال تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر:٣٢ - ٣٣] أي: ليس لكم عاصم ولا حافظ ولا كالئ ولا منجي من الله، ومن جاء كافراً فلا ينتظر الشفاعة؛ لأنه في النار خالداً فيها أبد الآبدين، ومن النداء والدعاء: ألا لقد مات الموت، فيقال لأهل الجنة: خلود فلا موت، ويقال لأهل النار: خلود فلا موت.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر:٣٣] أي: من أضله الله وفات الوقت للهداية وارتضى الكفر قلباً ولم يكن في قلبه ما ينجيه من عذاب الله، فإنه لا يستطيع مخلوق ملكاً كان أو جناً أو إنساً أن يهديه بعد ضلاله، ومن يضله الله فقد يأتي يوم القيامة وهو مشرك بالله، ولا يغفر الله لمن أتاه مشركاً على حال من الأحوال، فلا شفاعة ولا إنقاذ ولا هداية يوم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً.
стр. 1918
تفسير قوله تعالى: (ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر:٣٤].
يقول ربنا ﷻ لهؤلاء: كان آباؤكم وأجدادكم قد تركوا اتباع الأنبياء وكذبوهم، وأنتم الآن تكذبون موسى وقد سبق أن كذبتم قبله يوسف، فيوسف عندما جاء إلى مصر رقيقاً تبناه عزيز مصر، فكان ما كان إلى أن أرسله الله إلى الأقباط الذين يعيش بينهم، فدعاهم إلى الله فآمن معه كثير منهم بالله، ولم يؤمنوا إيماناً بدينه أو بما أتاهم به من معجزات، ولكن كان ملكاً ذا جاه، وكان أميناً على خزائن مصر، وكان عزيز مصر قد رأى رؤيا فأغمته وأهمته، ففسرها وهو لا يزال في السجن، فجاءهم بالبينات من ربه وهداهم الله إليه، فكان إيمانهم به إيمان الشاك المرتاب كما يقول ربنا: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر:٣٤]، وهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، النبي ابن النبي ابن النبي ابن النبي، وقد سأل رسول الله ﷺ يوماً: من الكريم؟ فأخذوا يجولون ويقولون: فلان وفلان وفلان، والرسول ﷺ يقول: لا، إلى أن قال: (الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم).
فهو نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي.
يقول الله لهؤلاء القبط: قد سبق أن كذبتم الأنبياء قبلكم، فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ [غافر:٣٤] أي: جاءكم يوسف بالدلائل الواضحات والمعجزات المعززات لنبوءته المؤكدات لرسالته، قال تعالى: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ [غافر:٣٤] أي: آمنتم به مع الشك، حتى ولو آمنتم به فلم يكن إلا إيمان الفقير بالغني وإيمان الضعيف بالقوي، آمنتم به وأنتم لا تزالون في شك لم يكن إيماناً يقيناً، بل كان إيماناً مذبذباً مضطرباً، ومعنى هذا: أن يوسف كان نبياً رسولاً، وأكثر أنبياء بني إسرائيل كانوا أنبياء فقط ولم يكونوا رسلاً، والرسل منهم قليل.
فإن قيل: من النبي ومن الرسول؟ ف
الجواب
أن النبي هو من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، وإنما أنزل عليه ليؤمن به هو ولم يكلف ببلاغ، كما كان الجد الأعلى لبني إسرائيل وهو من يسمى بإسرائيل، فإبراهيم رسول الله وخليل الله، وله ولدان: إسماعيل نبي رسول، وإسحاق كان نبياً ولم يكن رسولاً، ومن هنا كانت أفضلية إسماعيل ﵊، ويوسف حسب هذه الآية قد أرسل إلى الأقباط فكان نبياً ورسولاً، وذاك قليل عند أنبياء بني إسرائيل.
فقوله: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ [غافر:٣٤] أي: لا تزالون بين المصدق والمكذب وبين الموقن والشاك.
قوله: ﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر:٣٤] أي: حتى إذا مات قلتم: لن يبعث الله من بعد يوسف صديقاً رسولاً، وكنتم تتمنون الباطل، وقد جاء من بعد يوسف إليكم رسول صادق أمين من أولي العزم من الرسل.
قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر:٣٤].
أي: يا من أرسل إليهم محمد! كذلك من آمن إيمان الشاك أو صد عن الإيمان برسوله محمد ﷺ ، فإن الله تعالى يفعل بكل مرتاب شاك كما فعل بهؤلاء الذين أرسل إليهم موسى وهارون من أهل القبط.
стр. 1919
تفسير سورة غافر [٣٥ - ٣٩]
ذكر الله في هذه الآيات محاورة ومجادلة مؤمن آل فرعون لفرعون وملئه، فقد جادلهم بالحجة الظاهرة الواضحة البينة، وأقامها عليهم، ودلهم على الخير، وهداهم الصراط المستقيم، وأما هم فكانوا يجادلون بالهوى والضلال، فلم يؤمنوا لهذا الرجل المؤمن الصالح، فكان عاقبتهم أنهم في النار يعرضون عليها غدواً وعشياً، ويوم القيامة لهم أشد العذاب.
стр. 1920
تفسير قوله تعالى: (الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم)
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر:٣٥].
هذه الآية بدل من الآية السابقة: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر:٣٤]، ومن أضله الله فلا هادي له، وكانت الضلالة نتيجة فساد قلوبهم، ونتيجة ما يظهرون في القلوب من كفر وشرك بالله، ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر:٣٤]، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ [غافر:٣٥]، وكثير ما هم، ففي عصرنا يجادلونك في كتاب الله، وفي حديث رسول الله ﷺ ، وفي الإسلام وأحكامه، فهو يجادل جدال ومذاكرة من لم يعلم شيئاً، فلم يتل من كتاب الله شيئاً، ولم يدرس من حديث نبيه ﷺ حديثاً، بل يقبلون ويرفضون ويواصلون بالباطل والكذب والبهتان.
فقوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ [غافر:٣٥] من الجدل، والجدل في الدين لا يليق وهو محرم، أما المحاورة والمذاكرة والمدارسة فهي مطلوبة دوماً إلى أن تقوم الساعة، فإن كانت المحاورة والمذاكرة ليست إلا جدالاً ونزاعاً وقولاً بالباطل لا دليل ولا برهان فذاك عمل المسرفين الكافرين الجاهلين الذين يهرفون بما لا يعرفون، ويقولون الباطل ويكذبون على الله ورسله.
قال تعالى: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ [غافر:٣٥] أي: بغير دليل ولا برهان ولا حجة أتتهم عن دراسة أو تعلم في كتاب منزل نطق بها رسول، أو نطق بها حكيم، أو نطق بها عالم، بل هم يقولون ما لا يعلمون كذباً على الله، وصداً عن الصراط المستقيم، وتلك صفة الكافرين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.
قال تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٣٥] أي: كبر الجدال والكلام في هذا الحديث، وذاك نقص كبير وبغض كبير وتحقير كبير عند الله وعند المؤمنين الصادقين، إذ يمقت الله الذي يجادل في الحق بغير برهان ولا دليل، ويمقت المؤمنون من يجادل في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ بلا حق ولا دليل ولا برهان، فالله يمقت ذلك ويبغضه، والمقت: أشد أنواع التحقير والبغضاء، فقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٣٥] أي: كبر جدال هؤلاء في آيات الله بغير دليل ولا برهان.
وهنا يروي ابن مسعود ويقول: ما حسنه المسلمون فهو عند الله حسن، وما قبحه المسلمون فهو عند الله قبيح.
ويعني: الإجماع، فإذا أجمع المؤمنون على فساد شيء فهو فاسد، وإذا أجمعوا على صلاح شيء فهو صالح، وهنا يذكر الله المؤمنين معه فقال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ﴾ [غافر:٣٥]، فإذا أجمع المسلمون على صواب فهو صواب، وإذا أجمعوا على باطل فهو باطل.
ولذلك فإن الأدلة التي يعتمدها المسلمون هي: كتاب الله، وسنة رسوله ﵊، ثم الإجماع، ثم القياس، هذه هي الدلائل الرئيسة الأربعة التي لا يسع مسلماً تركها.
فإذا قال العالم وأفتى بفتوى فينبغي أن يكون له على ذلك دليل من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، فإن لم يكن الدليل آية ولا حديثاً فإجماع المسلمين، فعلى سبيل المثال: أجمع الصحابة والتابعون ومن جاء بعدهم على أن صلاة الصبح ركعتان، وصلاة الظهر أربع ركعات، والعصر أربع ركعات، والمغرب ثلاث ركعات، والعشاء أربع ركعات، فهذا إجماع مؤكد موثوق به، فإذا جاءكم أبله أو جاهل فقال: صلاة الظهر اثنتا عشرة ركعة، وصلاة العصر ثمان ركعات فأعرض عنه، وبعض من يدعون العلم والتأليف يقولون: صلاة الظهر اثنتا عشرة ركعة: ثمان نوافل قبل وبعد، وأربع هي الفريضة، وهذا كلام جاهل، فالنوافل إنما تصلى عند صلاة الظهر وليست من الظهر، كما نقول: ركعتا الصبح، ونافلة العصر ونافلة المغرب والشفع والوتر، ولا نضم النوافل إلى الفرائض، وهناك نوافل نهارية ونوافل ليلية، ونوافل قبل الفرائض ونوافل بعد الفرائض، وما سوى هذا لا يقال بحال.
قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر:٣٥] أي: هذا الكافر المعاند المجادل بالباطل، هذا المقر بالشرك ومخالفة الله ومخالفة أنبيائه: قد طبع الله على قلبه فلا يعي ولا يفهم ولا يدرك، فقد قال المصطفى ﵊: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ [الأنفال:٧٠]، وهذا عائد على الإنسان، فإن أضمر الخير وجد الخير، وإن أضمر الشر فسد قلبه وطبع عليه، ولن يهتدي بعد ذلك أبداً، إذاً: كما أضل الله هؤلاء وطبع على قلوبهم فكل من يفعل كفعلهم ويكفر ككفرهم ويضل كضلالهم يطبع الله على قلبه.
(كذلك يطبع الله على قلب كل متكبر جبار) قرئ (على قلب) مضاف إلى (متكبر)، وقرئ (على كل قلبٍ متكبرٍ) نعت لقلب، والمعنى واحد، فالله طبع على القلوب التي تكبرت عن الإيمان وتكبرت عن رسول الله وعن قبول الحق، وطبع الله على قلب كل جبار، والجبار: هو الذي يجاهر بالكفر والظلم وأخذ الحقوق وسفك الدماء، ولا يخاف الخالق ولا المخلوق، ومن تجبر على الله قصمه الله، وقد طبع على قلبه من قبل.
فالله يضرب بهؤلاء الأمثال، ويقص علينا قصة فرعون ومن معه عندما أخذ يهدد بقتل موسى، فقام هذا الكاتم للإيمان فأخذ يحذره ويحذر أتباعه ويتوعدهم بعذاب الله في الآخرة وبخزيه في الدنيا، ويقول الله مؤكداً لإيمان هذا المؤمن: كذلك من فعل فعل فرعون ممن جاء بعده فإنه يعامل معاملته ويعاقب عقوبته، وهكذا كان، فقد عوقب كفار الجزيرة وكفار الروم وكفار الفرس بالقتل والأسر والتشريد وأخذ الأموال والبلاد والعباد وبالقضاء عليهم وذهاب عزهم ومجدهم ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ:٢٦]، نتيجة كفرهم وكذبهم على الله، فكان كما قال الله قد عوقبوا عقوبة الأولين.
стр. 1921
تفسير قوله تعالى: (وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب)
قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧].
فرعون أرعن أحمق، فقد استدل على ألوهيته بأن له هذا الجزء من الأرض واسمه مصر، وله مياه ليست أنهاراً عذبة جارية، وإنما هي مياه راكدة ينتظرون فيضانها لتسقي زرعهم وأرضهم، ومع ذلك تأله على الله وادعى الألوهية؛ لأن له هذا الجزء البسيط من الأرض وقال دليلاً لألوهيته: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] أي: أملك أرضاً وخلقاً وأرزاقاً ودواباً، والأنهار تجري من تحتي، وهنا يقول لـ هامان وزيره ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر:٣٦] أي: ابن لي بناء شامخاً مرتفعاً ظاهراً مشهوراً، والصرح من الصراحة، وهي التشهير والوضوح، قال: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧] أي: ابن يل صرحاً لأصعد وأعلو أبواب السماء فأنظر إلى هذا الإله الذي يعبده موسى، والذي يقول موسى: إنه أرسله.
وهكذا الكفرة الضالون يقولون كلاماً يدعو للسخرية والضحك عليهم، فهل لـ هامان قدرة في أن يبني له صرحاً مسافة خمسمائة سنة ليصل إلى السماء الأولى ولا تأتيه زعازع ولا عواصف فتضعف ذلك الصرح؟! ثم إذا وصل إلى السماء فهل يظن أنه سيجد السماء مفتحة له ويدخلها: أين رب موسى؟ أين إله موسى؟ ثم لا يجد فيبحث ويصعد الثانية والثالثة والرابعة؟ فهل هناك حمق وجنون ورعونة وضياع عقل أكثر من مثل هذا الكلام لإنسان ملك وادعى الألوهية، وأخذ يحاور ويجابه النبيين الكريمين الصديقين موسى وهارون، وهو يظن أنه يقول قولاً يقبل ويجادل فيه! ولذلك الله سلط الله عليه قريباً له قيل: هو ابن أخيه، وقيل: ابن عمه، فأخذ يسخر منه ومن قوله، وأخذ يتوعده بدين الله الحق، وأنه ليس إلا ذبابة أو حشرة من حشرات الأرض، أما أن يستدل على صدق موسى وكذبه فيصعد إلى السماء ليجده فهذا دليل على رعونته وحماقته! فقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر:٣٦] أي: ابن لي قصراً أو بناء عالياً، ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ﴾ [غافر:٣٦] أي: الطرق، ﴿أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ﴾ [غافر:٣٧] قرئ: (فأطلعَ) وقرئ: (فأطلعُ)، أي: ابن لي صرحاً لكي أصعد عليه وأشرفه منه على إله موسى في السماوات.
أراد بطغيانه أن يطلع إلى الله من نوافذ السماء من شرفاتها، يقول: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٧] أي: مع هذا لم يتيقن، فقد شككه موسى وقريبه في ألوهية نفسه، فهو أخذ يقول: أصحيح، أن موسى نبي؟ وأن إلهاً في السماء أرسله؟ فقال: دعني أبني قصراً لأطلع إلى إله موسى، وقال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ﴾ [غافر:٣٧] ولم يقل: وإني لأتحقق وإني لأوقن، فقد بلغ منه هذا المؤمن القريب أن يشككه في ألوهية نفسه، وهو الذي كان يقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] وكان يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] وكان يقول: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ [غافر:٢٦] خوفاً من أن ينشر في الأرض الفساد، وخوفاً من أن يبدل دينهم، فهو يحرص على كل ذلك وهو موقن بكفره وموقن بزيف ألوهيته الباطلة، وأكثر من ذلك أقوامه السخفاء الذين قال الله عنهم: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف:٥٤]، قبلوا ذلك وآمنوا به ودانوا وصرحوا بأنه إلههم وخالقهم.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [غافر:٣٧] أي: عمله السيئ زين له فرآه زيناً وصلاحاً وعقيدة ورشاداً وصواباً ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [غافر:٣٧] أي: دُفع عن سبيل الحق والطريق المستقيم والإيمان بالله ورسله، ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [غافر:٣٧] فنفسه الخبيثة وعقيدته الفاسدة وعقله الضائع هو الذي صده عن الحق، والإيمان الحق فصد وأبعد وزاد ضلالاً وكفراناً، وقرئ: (وصَدّ عن السبيل) بفتح الصاد، أي: هو الذي صد غيره.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر:٣٧] أي: دعوى فرعون الألوهية، ودعواه أنه سيقتل موسى، ودعواه أنه الخالق الرازق: في تباب وخسارة وضياع وباطل؛ إذ لا أصل ولا وجود لها، إن هي إلا أوهام وأسماء ما أنزل الله بها من سلطان.
стр. 1922
تفسير قوله تعالى: (وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد)
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٣٨].
لزمه هذا المؤمن القريب وأخذ يتحداه ويتتبع عثراته وجنونه وفساد عقله، ويقول إيماناً ويبطل قوله أمام الحاضرين وهم يسمعون، سواءً قبل ذلك فرعون أو لم يقبل، وإن شاء أن يقتله فرعون فليقتله، فقد آن الأوان ليعلن كلمة الحق، ومن هنا قال النبي ﵊: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)، وقال ﵊: (سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله).
ففرعون أراد أن يستدل ويبرهن في مجلس عام جامع على صدق ألوهيته وصواب رأيه، فسلط الله عليه قريباً ظنه أنه معه وأنه متعلق به، وإذا به يظهر أنه يحتقره ويكفر به، وأنه مؤمن بموسى وهارون، وأنه عبد صالح كان أحق منه بالملك وبالحكم وبهداية الناس.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٣٨] أي: أنا الذي سأهديكم سبيل الرشاد لا فرعون الكاذب المتأله على الله عندما قال لكم: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩]، فهذا يقول: اتبعون يا قومي، وآمنوا بما آمنت به، وكذبوا فرعون وقولوا عنه: ضال مضل، وآمنوا بموسى وقولوا عنه: عبد الله ورسوله، وآمنوا بالله الواحد الذي تنزه عن كل نقص واتصف بكل كمال ولا يشبه أحداً من خلقه، لا كما زعم هذا الضال الأرعن أنه سيجد رب موسى في السماوات، وليس بينه وبين ذلك إلا أن يبني له هامان صرحاً يصعد عليه فيبحث عنه فيجده! فقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ﴾ [غافر:٣٨] أي: كونوا أتباع كلامي وانتصحوا بنصيحتي وبهدايتي، قوله: ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَاد﴾ [غافر:٣٨] أي: أهدكم طريق الحق والصواب لا الطريق الذي يزعمه هذا الأفاك المشرك المرتاب المتأله على الله، ولا طريق أتباعه كـ هامان وقارون.
ثم قال: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر:٣٩] أي: يا قوم هذه الحياة لو كان يملكها فرعون فما هي إلا متاع ومتعة في زمن قصير، وتنتهي المتعة وتنتهي الحياة معها وكأنها لم تكن، فهذه الحياة الدنيا الدنية الفائتة هي كلها بمصرها ومشارقها ومغاربها ومؤمنيها وكفارها ومن يدعي الملك والجبروت والطغيان ليست إلا ساعة متعة: إما لذة مع زوجة، أو أكل فاكهة، وبعد ذلك انتهت وكأنها لم تكن، فلا تهتموا بها ولا تلتفتوا إليها، كيف وفرعون إنما ادعى المتعة بقطعة من الأرض ليست إلا جزءاً من آلاف الأجزاء من الأرض ومع ذلك فهو ضال فاجر جبار كافر بالله متأله على الله وعلى رسله، فقد استباح الدماء والأعراض والحقوق، وما يزيده ذلك إلا طغياناً وكفراً.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر:٣٩] أي: الحياة الثانية والأخيرة هي الدار التي يقر الإنسان فيها قراراً أبدياً سواء قر في الجنة أو قر في النار، فالآخرة دار القرار والخلود والأبد، فمن سعد فيها سعد سعادة لم يشق بعدها أبداً، ومن شقي فيها شقي شقاء لا يسعد بعده أبداً، فلذلك اليوم اعملوا، ولا يغرنكم فرعون وكفره وطغيانه وتألهه.
стр. 1923
تفسير سورة غافر [٤٠ - ٤٦]
في هذه الآيات يذكر الله تعالى موعظة ونصيحة مؤمن آل فرعونه لفرعون وقومه، فقد وعظهم موعظة بليغة جليلة أخلص لهم فيها بالنصح، وبذل وسعه وقدرته فيها، فبين فيها عظمة ما يدعوهم إليه في الدنيا والآخرة وآثاره الجميلة، وحذرهم من مغبة ما هم فيه، ومن آثاره المشئومة السيئة عليهم في الدنيا والآخرة، ومع ذلك لم يستجيبوا له وعصوه، فكانت العاقبة أن فرعون وقومه يعرضون على النار غدواً وعشياً، ويوم تقوم الساعة فمآلهم إلى النار خالدين فيها وبئس المصير.
стр. 1924
تفسير قوله تعالى: (من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها)
قال الله ﷻ : ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر:٤٠].
يخبرنا ربنا ﷻ بأن من رحمته ومن كرمه أن المرتكب للسوء أو للذنب تكتب عليه سيئة واحدة، وسيجازى عليها، وأن من عمل صالحاً من الإيمان بالله، والتزام الأركان الخمسة: من صلاة وصيام وزكاة وحج، ذكراً كان أو أنثى، وكان مؤمناً، فهؤلاء يدخلون الجنة ويكون، رزقهم فيها بغير حساب، ويجازون على الحسنة عشراً، إلى سبعمائة ضعف إلى ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
وهذه الآية الكريمة هل هي من قول الله تعالى عقب قول مؤمن آل فرعون؟ أم هي من قول مؤمن آل فرعون قاله لفرعون ومن معه في مجلسهم؟ ذكْرها في المحاورة يدل على أنها من قول هذا المؤمن، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً﴾ [غافر:٣٨ - ٤٠]، فيقول بعدها: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر:٤١] فكون هذه الآية بين سياق هذه الآيات التي هي حكاية عن قول مؤمن آل فرعون يدل على أنها من قول مؤمن آل فرعون.
وهذا المؤمن لا شك أنه تخرج على يد نبيين كريمين هما موسى وهارون ﵉، فكان يعلم عن الله وعن رسله وعن الآخرة وعن الدين ما يعلمه العارفون بالله المؤمنون به.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [غافر:٤٠] أي: من ارتكب سيئة فجزاؤه -إن لم يتب ويستغفر ربه- أن يعاقب في سيئته بعقوبة على قدر ذنبه.
أما من عمل صالحاً فكما قال الله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [غافر:٤٠] أي: من عمل صالحاً حال كونه مؤمناً ذكراً كان أو أنثى، ﴿فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [غافر:٤٠] أي: يجازون بالإيمان، وبالرحمة والرضا، ويكون رزقهم فيها بغير عدد ولا إحصاء، يكون جزافاً بلا حساب ولا متابعة، ذلك من فضل الله وكرمه على العباد.
وكون العمل الصالح لا يقبل إلا ممن كان مؤمناً، هذا من المعلوم من الدين بالضرورة، فالكافر لا ينفع مع كفره عمل صالح، فلا صدقته ولا شفقته ولا نفقته تقبل؛ لأنه لا يعمل ذلك لله، ومن لم يعمل الصالحات زلفى إلى الله وامتثالاً لأمره فإنه يكون متلاعباً، وقد فعل ذلك رياءً أو سمعة أو للشيطان أو من فطرته وطبيعته.
والمؤمن لا يجزى على إحسانه إلا إذا كان قد فعله لله لا لغيره سبحانه؛ ولذلك قيده الله بقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [غافر:٤٠] فالواو واو الحال، أي: عمل ذلك حال كونه مؤمناً، سواء أكان ذكراً أم أنثى، فإن كان مؤمناً فإن الله يدخله الجنة، ويجازيه من أرزاقه ونعيمه بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ويعطيه بغير حساب ولا مطالبة ولا محاسبة.
وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة، وقد مضى في هذا المعنى آيات كريمات في سور شريفات.
стр. 1925
تفسير قوله تعالى: (ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة)
ثم قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر:٤١].
لا يزال مؤمن فرعون يحاور فرعون وهامان وقارون وقومهم، ويزيف كفرهم وشركهم، ويعلمهم بالدين الحق، يعلمهم بالإله الواحد، وينصحهم ويعلن إسلامه ويدعوهم إليه، وهو لا يخاف في ذلك أحداً إلا الله، فقد أعلن كلمة الحق وجهر بها عندما رأى فرعون يحاول قتل النبي الكريم موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقال: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر:٤١] يقول العربي -وهي لغة عربية فصحى- ما لي أراك حزينا، أي: ما بالك وما الذي أصابك؟ أو أخبرني بحالك؟ فقوله: ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ [غافر:٤١] أي: ما لكم؟ وما الذي أصابكم وأضاع فهمكم؟ فأنا أدعوكم إلى النجاة من النار والعذاب، وأنتم تدعونني إلى النار، أنا أدعوكم إلى التوحيد والإيمان، وأنتم تدعونني إلى النار، أي: إلى أسبابها من شرك وكفر، وخروج عن دين الله وكتبه ورسله.
стр. 1926
تفسير قوله تعالى: (تدعونني لأكفر بالله وأشرك به)
ثم قال تعالى: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر:٤٢].
فسر هذا المؤمن النار التي دعاه إليها قومه فقال: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ [غافر:٤٢] أي: تدعونني يا فرعون ويا هامان ويا قارون ويا هؤلاء المشركون من القبط، أتدعونني إلى الكفر بالله، والجحود برسوله، وتكذيب الكتاب المنزل عليه؟ وأنا أدعوكم إلى الله الواحد، وأنتم تدعونني إلى آلهة مزيفة لا حقيقة لها ولا واقع، وتدعونني لأن يعبد فرعون، وتعبد الأوثان والأصنام، وهذا ما حرمه الله! وقد ذكروا عن فرعون أنه كان دينه في الأول أن يعبد البقر، فكان يعبد البقرة الشابة ويدعو لعبادتها كما يفعل المشركون البراهمة، أي: مشركوا الهند في عبادتهم البقرة، ولكنه يعبدها ما دامت صغيرة حتى إذا كبرت ذبحها، ثم عبد أخرى أصغر منها، ثم بدا له أن يصنع أصناماً فيعبدها، ثم بدا له أن يدعو لعبادة نفسه وتأليهها.
ومن رأى آثار الشرك والوثنية في أرض مصر وفي متاحفها، وما احتفظوا به ودعوا إليه، وجمعوا من خلفه مالاً، فإنه يؤكد هذا، فهناك صور من البقر التي كانت تعبد، وهناك أوثان من الأصنام التي تعبد، وهناك صور الفراعنة وهي تعبد.
والحاصل: أن كل ذلك سواء، أي: كله شرك وكفر بالله، وجحود بوحدانيته.
فمؤمن آل فرعون يقول لقومه: أتدعونني للشرك وللجهالة بما لا يعلمه الناس والموحدون! وتدعونني للشرك والباطل، وما لم ينزل الله به من سلطان ولا علم لا من عقل أو نقل من كتاب أو رسالة، وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار.
وشتان بين مؤمن وكافر، وبين داعية لله وداعية للشيطان، فأنا أدعوكم إلى النجاة وإلى العزيز الذي من اعتز به عز، ومن اعتز بغيره ذل، أدعوكم إلى العزيز على عزته، والغفار الذي يغفر ذنوب من تاب إليه، ويغفر ذنوب من استغفره، والإسلام يجب ما قبله، ومؤمن آل فرعون يدعو قومه بهذا.
وقد حاولوا قتل نبي الله موسى عند أن جاءهم بالبينات من ربه، يقول لهم: يا قوم! كل ما تدعون إليه باطل ما أنزل الله به من سلطان، فدعوني أهدكم وأوصلكم إلى طريق السلامة والرشاد والصواب، فأدعوكم إلى النجاة من عذاب الله والنار، وإلى عبادة الواحد العزيز الذي لا ينال الغفار الذي يغفر ذنوب عباده.
стр. 1927
تفسير قوله تعالى: (لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة)
ثم قال تعالى: ﴿لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر:٤٣].
(لا جرم) أي: حقاً، والمعنى: حقاً أن ما تدعونني إليه لا تقبل له دعوة، ولا يستجاب لقوله، ولا هو يستطيع ذلك؛ لأنه جماد وصنم، ولا يستطيع دعاء، وإن استطاع ولم يكن جماداً كأن يكون من نوع المعبودات الملائكية أو الجنية أو البشرية، فلا يجاب له لا في دنيا ولا في آخرة.
والمعنى: أن ما تدعون إليه كافة من عبادة فرعون -أي: من عبادة نفسه- أو من عبادة الأصنام والبقر أو أي شيء دون الله، دعوته تلك لم يستجب لها لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنها كلام باطل، وهراء وشرك ما أنزل الله بها من سلطان.
وفسر ابن عباس ﵄: (لا جرم) فسرها بمعنى: الحق، وبمعنى: يقيناً أقول لكم، والمؤدى والمعنى والتفسير واحد، أي: أحدثكم بما لا يكون كذباً، وإنما أحدثكم بالحق المبين، وبقول الصدق، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ﴾ [غافر:٤٣] أي: لا إجابة له لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا ينفع أحداً في دنياه ولا في أخراه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر:٤٣] أي: يا هؤلاء فكروا هل خلد لكم أب أو أم؟ وهل خلد لكم ملك؟ وهذا الذي تدعونه إلهاً هل سيخلد؟ وهل يموت الإله؟ إن الإله لا تليق به إلا الحياة الدائمة الأبدية، فلا تأخذه سنة ولا نوم، وهو الحي الدائم ﷻ وعز مقامه، وإنما تدعون إليه من عبادة الأوثان والأصنام هو باطل لا حقيقة له، ولا جواب عليه لا في دنيا ولا في آخرة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر:٤٣] يخبر هنا مؤمن آل فرعون، بعد أن كتم إيمانه دهراً، وبعد أن رأى أنه لابد من الجهر أمام فرعون وقبيله، أعلن إسلامه ودعوته، وهو غير خائف من فرعون وبطشه وظلمه وإذايته، فقدم حياته رخيصة في سبيل الله، ولكن الذي قدم له حياته ودعا إليه، سيحميه من فرعون وبطشه، كما يحمي الدعاة إلى الله، وأن المسرفين على أنفسهم بالذنوب، واتبعوا الشهوات والنزوات، فادعوا ما لله العلي العظيم الكبير لأنفسهم، فهؤلاء أصحاب النار، هي جزاء كل من تجرأ على مقام ربه، فادعى له الصاحبة والولد، أو يقول: إن الله لا يقدر وحده إنما اتخذ أعواناًَ وشركاء، تعالى الله عن كل ما يقول المبطلون والمشركون علواً كبيراً.
стр. 1928
تفسير قوله تعالى: (فستذكرون ما أقول لكم)
ثم قال تعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤].
قال مؤمن آل فرعون ما قال لفرعون وقومه، وجاهدهم بلسانه، وأعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، فبعد أن قال ما قال وأطال في الكلام قال لهم: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ [غافر:٤٤] أي: ستذكرون يوم القيامة وأنتم في جهنم أو في النار والعذاب، أو وأنتم في الجنة إن تبتم ستذكرون قولي، فمن انتفع به فسيتذكر قولي ويفرح باتباعه؛ فقد ساقه إلى الرحمة والرضا، وإن أصر على الكفر فسيذكر قولي ويزداد حسرة وندماً على إعراضه عنه، ويقول: إن قبطياً من أقباط فرعون وأقاربه قد نهانا ووعظنا ودلنا، ولكن هيهات أن ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت في دار الدنيا، أو كسبت في إيمانها خيراً، فالإيمان لا ينفع صاحبه إلا إذا كان قبل الغرغرة، وأما إذا آمن والروح في الحلقوم فلا ينفعه دين ولا توبة ولا استغفار، ومن باب أولى يوم القيامة، فلو حاول التوبة والتوحيد هيهات أن ينفعه شيء من ذلك؛ لأن الآخرة ليست دار عمل، وإنما هي دار رحمة أو عذاب، والرحمة لمن آمن بالله في الحياة الدنيا، والعذاب لمن كفر بالله في الدنيا، فما هي إلا نتيجة عمل الدنيا، إن خيراً فالجنة، وإن شراً فالنار.
وقوله تعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ [غافر:٤٤] أي: يوم القيامة عند بعثتكم وعرضكم على الله، ((فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ))، وقوله: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر:٤٤] أي: قد توكلت عليه واستسلمت له غير خائف من عذابكم وقتلكم واضطهادكم، وحياتي أفوضها لله فإن شاء القتل فهي الشهادة، وإن شاء النجاة فهي حكمة الله ورحمته في الدنيا والآخرة.
وقد قال أرباب الرقائق والآداب: هناك التفويض، وهناك التوكيل، والتفويض أوسع من التوكيل، وما التوكيل إلا شعبة منه، والتوكيل يكون بعد الأسباب، وأما التفويض فيكون قبل الأسباب.
ومعنى التفويض: الاستسلام ظاهراً وباطناً لله الخالق ﷻ ، والاعتماد عليه بأن يصنع ما شاء، ولكن حرم ربك الظلم على نفسه وعلى عباده، فمن فوض أمره إلى الله وهو مؤمن فله من الله الرضا والجنة.
وهكذا فعل مؤمن آل فرعون، وما ذكر الله قصته للمسلمين من أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا لتكون موعظة للمؤمنين، وذكرى للكافرين، وعبرة وموضع أسوة لكل مؤمن وجد بين كفار ظلمة.
وهكذا مؤمن آل فرعون الذي كتم إيمانه، فعندما أعلنه دعا أقواماً إليه؛ فآمن من آمن وضل من ضل، ولكن الله مع ذلك حفظ له ذلك وسجله في كتبه، وسيجازيه عليه خيراً، بدليل ما قص الله علينا من قصته، وما أكرمه الله به من تفويضه أمره إليه، كما قال الله عنه: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤] أي: الله بصير بعباده، وأما أنا فلست إلا معلماً داعياً ومبلغاً عن الله وعن رسوله ﷺ ، ولكن الله هو البصير بعباده الناظر إليهم، فيعذب من يشاء ويغفر لمن شاء، يعذب الكافر ويغفر للمؤمن، وهذا إلى الجنة وذاك إلى النار جزاء أعمالهم.
فهكذا يقول مؤمن آل فرعون، وانتهى حواره، وجعل نهاية قوله هذا هو قوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤].
стр. 1929
تفسير قوله تعالى: (فوقاه الله سيئات ما مكروا)
ثم قال الله تعالى بعد ذلك: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥].
كأن الله تعالى يقول: هذا الرجل الداعية إلى الله، الذي قال كلمة حق عند سلطان جائر كافر ظالم، قد وقاه الله وحفظه من المكر الذي أرادوا به، فقد أرادوا عذابه وقتله وحرقه، وأرادوا أن يجعلوه عبرة لكل من أراد الإيمان والإسلام واتباع موسى وهارون.
ولكن الله قد قال: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر:٤٥] (سيئات) جمع سيئة، و (مكروا) أي: تحايلوا على البطش به، ولقد كانت سيئات لا سيئة واحدة، فقد فكروا في قتله، وفي حرقه، وفي تقطيع أوصاله، وفي أنواع من البلاء والعذاب إلى القضاء عليه، كما سبق أن فعل فرعون مع السحرة الذين آمنوا بموسى، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وصلبهم على جذوع النخل، ولكنهم بقوا مصرين على الإيمان، وقالوا له كما حكى الله عنهم: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢] أي: ليست الدنيا دائمة لك، وليست إلا متاع، والسعيد من صبر على لأوائها وبلائها، والشقي من لم يصبر على لأوائها ولا بلائها؛ فكفر بالله وأشرك به ما لا علم له به.
وقوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥] أي: أحاط بآل فرعون، وآله من أسرته وأتباعه ونصرائه: المؤمنون به والعابدون له، فكلهم آله وأتباعه وأنصاره، وهؤلاء هم الذين كانوا ضد هذا المؤمن، وكانوا حرباًً عليه، والذين استجابوا لفرعون ولرغبته في قتل موسى ﵇؛ لدعوته إلى أن يعبد الله وحده، فكأن الله قال: الحفرة التي حفرها فرعون لهذا المؤمن وقع فيها فرعون.
فمعنى: ﴿حَاقَ﴾ [غافر:٤٥] أي: نزل وأحاط بهم إحاطة السوار بالمعصم، فأصبحوا محاطين به من كل جانب، سواء أكان بالعذاب الذي في الدنيا، والذي ذكره الله في كتابه، أم بعذابه في الآخرة، وهو الخلود في النار.
стр. 1930
تفسير قوله تعالى: (النار يعرضون عليها غدواً وعشياً)
ثم قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦].
بعد أن قال الله: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥] ورد
السؤال
ما هو سوء العذاب؟ فبينه الله تعالى بقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦] أي: وهم في مقابرهم يعرضون على النار صباحاً وعشياً، وهذه الآية تشير إلى عذاب القبر، والإيمان به عقيدة من عقائد أهل السنة والجماعة.
وعذاب القبر حق، ففي صحيحي البخاري ومسلم والكتب الستة ومسند أحمد وغيرها مرفوعاً: (عذاب القبر حق، استعيذوا بالله من عذاب القبر) وورد ذلك عن عائشة وابن عباس ﵄، وعن جماعة من الصحابة، وعذاب القبر حق وردت به الأحاديث المتواترة، وقبل ذلك الآيات الواضحة.
وقوله تعالى: ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦] أي: صباحاً ومساءً، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] معناه: أنهم يعرضون في دار الدنيا على العذاب، فيعرضون عليه في قبورهم.
وقد بين النبي ﷺ ذلك فقال: (إن الميت عندما يموت إما أن يكون من أهل الجنة وإما أن يكون من أهل النار، فيرى مقعده وهو على ذلك إلى يوم القيامة) وذلك عذابه، فيعذب الكافر وهو في القبر فيعرض عليه مقعده من النار، وعندما يعرض عليها يشوي وجهه وجلده، ويعذب نفسياً وروحياً.
وهو يوم القيامة عند عرضه على الله يقول الله لملائكته: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] أي: أدخلوهم في النار وإلى أشد عذاب النار، ومعنى ذلك: أن النار دركات، فالمنافقون في الدرك الأسفل منها، والبعض يكون أخف حالاً من الآخر، وقد ورد أن من أحسن من الكفار في الدنيا فإنه يخفف عنه العذاب.
وقد جاء في صحيح البخاري: أن أبا لهب -وهو عم النبي ﵊، وكان من ألد أعداء الإسلام- لما قام النبي ﵊ يدعو إلى الله بالأسواق والقرى والمدائن أو المدن كان يلحقه ويقول للناس: لا تصدقوه إنه كذاب وأنا أعلم به، فينصرفون عن النبي ﵊، فهلك -أي: أبو لهب - إلى النار، وأنزلت فيه آيات بقيت فيه لعنة وفي زوجته إلى يوم القيامة، وهي قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١].
ومع ذلك ورد في صحيح البخاري: أن العباس أخاه -عم النبي ﷺ رآه في المنام فقال له: يا أبا لهب ما حالك؟ كيف أنت بعدنا؟ قال: ما لقيت إلا شراً، إلا ما كان من يوم الإثنين فإني أسقى في هذه النقرة -يعني: نقرة إبهامية- لعتقي ثويبة، وذلك عندما بشرته بولادة محمد ابن أخيه عبد الله.
فـ أبو لهب يخبر أخاه وهو في دار الآخرة حيث لا كذب ولا مين ولا نفاق، أنه كل يوم إثنين يسقى في هذه النقرة؛ لأنه أعتق ثويبة، وهي جارية جاءت إليه وقالت: يا سيدي! إن أخاك عبد الله ولد له ولد فسماه محمداً، فقال: اذهبي فأنت حرة.
فحفظ الله له ذلك، فكان العذاب وهو في النار يخفف عنه يوم الإثنين، في ذلك الوقت التي جاءته ثويبة تبشره بولادة محمد ﷺ وأعتقها فيه، رغم كونه كفر به، وحض الناس على الكفر به.
وورد عن غيره من أقارب النبي ﵊ أنه قال للنبي ﷺ : إن فلاناً كان ينافح عنك وكان وكان، أنافعه ذلك يوم القيامة؟ قال: (نعم، لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار، وهو الآن في ضحضاح من النار، له نعلان من النار يغلي منهما دماغه).
وعلى ذلك فالعذاب لآل فرعون لكونه لم يكفر فقط، بل زاد على الكفر أن ادعى شيئاً عظيماً فقال: أنا ربكم الأعلى، وكان بذلك أخرق أرعن أحمق، وبذلك استحق هذا العذاب.
والنار بدل من سوء، في الآية الأولى.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] أي: يقول تعالى لملائكة النار ولزبانيتها: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] أي: أدخلوهم إلى أشد عذاب يوجد في جهنم؛ جزاء شركهم وظلمهم وطغيانهم، وكفرهم بنبييه إليهم، وإعطاءهم مهلة طويلة لعلهم يتوبون ويسلمون، فلم يتوبوا.
следующие страницы →