← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

تفسير قوله تعالى: (تدعونني لأكفر بالله وأشرك به) ثم قال تعالى: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر:٤٢]. فسر هذا المؤمن النار التي دعاه إليها قومه فقال: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ [غافر:٤٢] أي: تدعونني يا فرعون ويا هامان ويا قارون ويا هؤلاء المشركون من القبط، أتدعونني إلى الكفر بالله، والجحود برسوله، وتكذيب الكتاب المنزل عليه؟ وأنا أدعوكم إلى الله الواحد، وأنتم تدعونني إلى آلهة مزيفة لا حقيقة لها ولا واقع، وتدعونني لأن يعبد فرعون، وتعبد الأوثان والأصنام، وهذا ما حرمه الله! وقد ذكروا عن فرعون أنه كان دينه في الأول أن يعبد البقر، فكان يعبد البقرة الشابة ويدعو لعبادتها كما يفعل المشركون البراهمة، أي: مشركوا الهند في عبادتهم البقرة، ولكنه يعبدها ما دامت صغيرة حتى إذا كبرت ذبحها، ثم عبد أخرى أصغر منها، ثم بدا له أن يصنع أصناماً فيعبدها، ثم بدا له أن يدعو لعبادة نفسه وتأليهها. ومن رأى آثار الشرك والوثنية في أرض مصر وفي متاحفها، وما احتفظوا به ودعوا إليه، وجمعوا من خلفه مالاً، فإنه يؤكد هذا، فهناك صور من البقر التي كانت تعبد، وهناك أوثان من الأصنام التي تعبد، وهناك صور الفراعنة وهي تعبد. والحاصل: أن كل ذلك سواء، أي: كله شرك وكفر بالله، وجحود بوحدانيته. فمؤمن آل فرعون يقول لقومه: أتدعونني للشرك وللجهالة بما لا يعلمه الناس والموحدون! وتدعونني للشرك والباطل، وما لم ينزل الله به من سلطان ولا علم لا من عقل أو نقل من كتاب أو رسالة، وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار. وشتان بين مؤمن وكافر، وبين داعية لله وداعية للشيطان، فأنا أدعوكم إلى النجاة وإلى العزيز الذي من اعتز به عز، ومن اعتز بغيره ذل، أدعوكم إلى العزيز على عزته، والغفار الذي يغفر ذنوب من تاب إليه، ويغفر ذنوب من استغفره، والإسلام يجب ما قبله، ومؤمن آل فرعون يدعو قومه بهذا. وقد حاولوا قتل نبي الله موسى عند أن جاءهم بالبينات من ربه، يقول لهم: يا قوم! كل ما تدعون إليه باطل ما أنزل الله به من سلطان، فدعوني أهدكم وأوصلكم إلى طريق السلامة والرشاد والصواب، فأدعوكم إلى النجاة من عذاب الله والنار، وإلى عبادة الواحد العزيز الذي لا ينال الغفار الذي يغفر ذنوب عباده.

стр. 1927

تفسير قوله تعالى: (لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة) ثم قال تعالى: ﴿لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر:٤٣]. (لا جرم) أي: حقاً، والمعنى: حقاً أن ما تدعونني إليه لا تقبل له دعوة، ولا يستجاب لقوله، ولا هو يستطيع ذلك؛ لأنه جماد وصنم، ولا يستطيع دعاء، وإن استطاع ولم يكن جماداً كأن يكون من نوع المعبودات الملائكية أو الجنية أو البشرية، فلا يجاب له لا في دنيا ولا في آخرة. والمعنى: أن ما تدعون إليه كافة من عبادة فرعون -أي: من عبادة نفسه- أو من عبادة الأصنام والبقر أو أي شيء دون الله، دعوته تلك لم يستجب لها لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنها كلام باطل، وهراء وشرك ما أنزل الله بها من سلطان. وفسر ابن عباس ﵄: (لا جرم) فسرها بمعنى: الحق، وبمعنى: يقيناً أقول لكم، والمؤدى والمعنى والتفسير واحد، أي: أحدثكم بما لا يكون كذباً، وإنما أحدثكم بالحق المبين، وبقول الصدق، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ﴾ [غافر:٤٣] أي: لا إجابة له لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا ينفع أحداً في دنياه ولا في أخراه. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر:٤٣] أي: يا هؤلاء فكروا هل خلد لكم أب أو أم؟ وهل خلد لكم ملك؟ وهذا الذي تدعونه إلهاً هل سيخلد؟ وهل يموت الإله؟ إن الإله لا تليق به إلا الحياة الدائمة الأبدية، فلا تأخذه سنة ولا نوم، وهو الحي الدائم ﷻ وعز مقامه، وإنما تدعون إليه من عبادة الأوثان والأصنام هو باطل لا حقيقة له، ولا جواب عليه لا في دنيا ولا في آخرة. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر:٤٣] يخبر هنا مؤمن آل فرعون، بعد أن كتم إيمانه دهراً، وبعد أن رأى أنه لابد من الجهر أمام فرعون وقبيله، أعلن إسلامه ودعوته، وهو غير خائف من فرعون وبطشه وظلمه وإذايته، فقدم حياته رخيصة في سبيل الله، ولكن الذي قدم له حياته ودعا إليه، سيحميه من فرعون وبطشه، كما يحمي الدعاة إلى الله، وأن المسرفين على أنفسهم بالذنوب، واتبعوا الشهوات والنزوات، فادعوا ما لله العلي العظيم الكبير لأنفسهم، فهؤلاء أصحاب النار، هي جزاء كل من تجرأ على مقام ربه، فادعى له الصاحبة والولد، أو يقول: إن الله لا يقدر وحده إنما اتخذ أعواناًَ وشركاء، تعالى الله عن كل ما يقول المبطلون والمشركون علواً كبيراً.

стр. 1928

تفسير قوله تعالى: (فستذكرون ما أقول لكم) ثم قال تعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤]. قال مؤمن آل فرعون ما قال لفرعون وقومه، وجاهدهم بلسانه، وأعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، فبعد أن قال ما قال وأطال في الكلام قال لهم: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ [غافر:٤٤] أي: ستذكرون يوم القيامة وأنتم في جهنم أو في النار والعذاب، أو وأنتم في الجنة إن تبتم ستذكرون قولي، فمن انتفع به فسيتذكر قولي ويفرح باتباعه؛ فقد ساقه إلى الرحمة والرضا، وإن أصر على الكفر فسيذكر قولي ويزداد حسرة وندماً على إعراضه عنه، ويقول: إن قبطياً من أقباط فرعون وأقاربه قد نهانا ووعظنا ودلنا، ولكن هيهات أن ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت في دار الدنيا، أو كسبت في إيمانها خيراً، فالإيمان لا ينفع صاحبه إلا إذا كان قبل الغرغرة، وأما إذا آمن والروح في الحلقوم فلا ينفعه دين ولا توبة ولا استغفار، ومن باب أولى يوم القيامة، فلو حاول التوبة والتوحيد هيهات أن ينفعه شيء من ذلك؛ لأن الآخرة ليست دار عمل، وإنما هي دار رحمة أو عذاب، والرحمة لمن آمن بالله في الحياة الدنيا، والعذاب لمن كفر بالله في الدنيا، فما هي إلا نتيجة عمل الدنيا، إن خيراً فالجنة، وإن شراً فالنار. وقوله تعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ [غافر:٤٤] أي: يوم القيامة عند بعثتكم وعرضكم على الله، ((فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ))، وقوله: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر:٤٤] أي: قد توكلت عليه واستسلمت له غير خائف من عذابكم وقتلكم واضطهادكم، وحياتي أفوضها لله فإن شاء القتل فهي الشهادة، وإن شاء النجاة فهي حكمة الله ورحمته في الدنيا والآخرة. وقد قال أرباب الرقائق والآداب: هناك التفويض، وهناك التوكيل، والتفويض أوسع من التوكيل، وما التوكيل إلا شعبة منه، والتوكيل يكون بعد الأسباب، وأما التفويض فيكون قبل الأسباب. ومعنى التفويض: الاستسلام ظاهراً وباطناً لله الخالق ﷻ ، والاعتماد عليه بأن يصنع ما شاء، ولكن حرم ربك الظلم على نفسه وعلى عباده، فمن فوض أمره إلى الله وهو مؤمن فله من الله الرضا والجنة. وهكذا فعل مؤمن آل فرعون، وما ذكر الله قصته للمسلمين من أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا لتكون موعظة للمؤمنين، وذكرى للكافرين، وعبرة وموضع أسوة لكل مؤمن وجد بين كفار ظلمة. وهكذا مؤمن آل فرعون الذي كتم إيمانه، فعندما أعلنه دعا أقواماً إليه؛ فآمن من آمن وضل من ضل، ولكن الله مع ذلك حفظ له ذلك وسجله في كتبه، وسيجازيه عليه خيراً، بدليل ما قص الله علينا من قصته، وما أكرمه الله به من تفويضه أمره إليه، كما قال الله عنه: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤] أي: الله بصير بعباده، وأما أنا فلست إلا معلماً داعياً ومبلغاً عن الله وعن رسوله ﷺ ، ولكن الله هو البصير بعباده الناظر إليهم، فيعذب من يشاء ويغفر لمن شاء، يعذب الكافر ويغفر للمؤمن، وهذا إلى الجنة وذاك إلى النار جزاء أعمالهم. فهكذا يقول مؤمن آل فرعون، وانتهى حواره، وجعل نهاية قوله هذا هو قوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤].

стр. 1929

تفسير قوله تعالى: (فوقاه الله سيئات ما مكروا) ثم قال الله تعالى بعد ذلك: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥]. كأن الله تعالى يقول: هذا الرجل الداعية إلى الله، الذي قال كلمة حق عند سلطان جائر كافر ظالم، قد وقاه الله وحفظه من المكر الذي أرادوا به، فقد أرادوا عذابه وقتله وحرقه، وأرادوا أن يجعلوه عبرة لكل من أراد الإيمان والإسلام واتباع موسى وهارون. ولكن الله قد قال: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر:٤٥] (سيئات) جمع سيئة، و (مكروا) أي: تحايلوا على البطش به، ولقد كانت سيئات لا سيئة واحدة، فقد فكروا في قتله، وفي حرقه، وفي تقطيع أوصاله، وفي أنواع من البلاء والعذاب إلى القضاء عليه، كما سبق أن فعل فرعون مع السحرة الذين آمنوا بموسى، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وصلبهم على جذوع النخل، ولكنهم بقوا مصرين على الإيمان، وقالوا له كما حكى الله عنهم: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢] أي: ليست الدنيا دائمة لك، وليست إلا متاع، والسعيد من صبر على لأوائها وبلائها، والشقي من لم يصبر على لأوائها ولا بلائها؛ فكفر بالله وأشرك به ما لا علم له به. وقوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥] أي: أحاط بآل فرعون، وآله من أسرته وأتباعه ونصرائه: المؤمنون به والعابدون له، فكلهم آله وأتباعه وأنصاره، وهؤلاء هم الذين كانوا ضد هذا المؤمن، وكانوا حرباًً عليه، والذين استجابوا لفرعون ولرغبته في قتل موسى ﵇؛ لدعوته إلى أن يعبد الله وحده، فكأن الله قال: الحفرة التي حفرها فرعون لهذا المؤمن وقع فيها فرعون. فمعنى: ﴿حَاقَ﴾ [غافر:٤٥] أي: نزل وأحاط بهم إحاطة السوار بالمعصم، فأصبحوا محاطين به من كل جانب، سواء أكان بالعذاب الذي في الدنيا، والذي ذكره الله في كتابه، أم بعذابه في الآخرة، وهو الخلود في النار.

стр. 1930

تفسير قوله تعالى: (النار يعرضون عليها غدواً وعشياً) ثم قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]. بعد أن قال الله: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥] ورد السؤال ما هو سوء العذاب؟ فبينه الله تعالى بقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦] أي: وهم في مقابرهم يعرضون على النار صباحاً وعشياً، وهذه الآية تشير إلى عذاب القبر، والإيمان به عقيدة من عقائد أهل السنة والجماعة. وعذاب القبر حق، ففي صحيحي البخاري ومسلم والكتب الستة ومسند أحمد وغيرها مرفوعاً: (عذاب القبر حق، استعيذوا بالله من عذاب القبر) وورد ذلك عن عائشة وابن عباس ﵄، وعن جماعة من الصحابة، وعذاب القبر حق وردت به الأحاديث المتواترة، وقبل ذلك الآيات الواضحة. وقوله تعالى: ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦] أي: صباحاً ومساءً، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] معناه: أنهم يعرضون في دار الدنيا على العذاب، فيعرضون عليه في قبورهم. وقد بين النبي ﷺ ذلك فقال: (إن الميت عندما يموت إما أن يكون من أهل الجنة وإما أن يكون من أهل النار، فيرى مقعده وهو على ذلك إلى يوم القيامة) وذلك عذابه، فيعذب الكافر وهو في القبر فيعرض عليه مقعده من النار، وعندما يعرض عليها يشوي وجهه وجلده، ويعذب نفسياً وروحياً. وهو يوم القيامة عند عرضه على الله يقول الله لملائكته: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] أي: أدخلوهم في النار وإلى أشد عذاب النار، ومعنى ذلك: أن النار دركات، فالمنافقون في الدرك الأسفل منها، والبعض يكون أخف حالاً من الآخر، وقد ورد أن من أحسن من الكفار في الدنيا فإنه يخفف عنه العذاب. وقد جاء في صحيح البخاري: أن أبا لهب -وهو عم النبي ﵊، وكان من ألد أعداء الإسلام- لما قام النبي ﵊ يدعو إلى الله بالأسواق والقرى والمدائن أو المدن كان يلحقه ويقول للناس: لا تصدقوه إنه كذاب وأنا أعلم به، فينصرفون عن النبي ﵊، فهلك -أي: أبو لهب - إلى النار، وأنزلت فيه آيات بقيت فيه لعنة وفي زوجته إلى يوم القيامة، وهي قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]. ومع ذلك ورد في صحيح البخاري: أن العباس أخاه -عم النبي ﷺ رآه في المنام فقال له: يا أبا لهب ما حالك؟ كيف أنت بعدنا؟ قال: ما لقيت إلا شراً، إلا ما كان من يوم الإثنين فإني أسقى في هذه النقرة -يعني: نقرة إبهامية- لعتقي ثويبة، وذلك عندما بشرته بولادة محمد ابن أخيه عبد الله. فـ أبو لهب يخبر أخاه وهو في دار الآخرة حيث لا كذب ولا مين ولا نفاق، أنه كل يوم إثنين يسقى في هذه النقرة؛ لأنه أعتق ثويبة، وهي جارية جاءت إليه وقالت: يا سيدي! إن أخاك عبد الله ولد له ولد فسماه محمداً، فقال: اذهبي فأنت حرة. فحفظ الله له ذلك، فكان العذاب وهو في النار يخفف عنه يوم الإثنين، في ذلك الوقت التي جاءته ثويبة تبشره بولادة محمد ﷺ وأعتقها فيه، رغم كونه كفر به، وحض الناس على الكفر به. وورد عن غيره من أقارب النبي ﵊ أنه قال للنبي ﷺ : إن فلاناً كان ينافح عنك وكان وكان، أنافعه ذلك يوم القيامة؟ قال: (نعم، لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار، وهو الآن في ضحضاح من النار، له نعلان من النار يغلي منهما دماغه). وعلى ذلك فالعذاب لآل فرعون لكونه لم يكفر فقط، بل زاد على الكفر أن ادعى شيئاً عظيماً فقال: أنا ربكم الأعلى، وكان بذلك أخرق أرعن أحمق، وبذلك استحق هذا العذاب. والنار بدل من سوء، في الآية الأولى. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] أي: يقول تعالى لملائكة النار ولزبانيتها: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] أي: أدخلوهم إلى أشد عذاب يوجد في جهنم؛ جزاء شركهم وظلمهم وطغيانهم، وكفرهم بنبييه إليهم، وإعطاءهم مهلة طويلة لعلهم يتوبون ويسلمون، فلم يتوبوا.

стр. 1931

تفسير سورة غافر [٤٧ - ٥٥] في هذه الآيات يتحاج الكفار في النار، فيطلب الضعفاء من سادتهم أن يغنوا عنهم نصيباً من العذاب، ولكن هيهات هيهات، فقد رد عليهم السادة بأنهم جميعاً فيها ماكثون. ثم ينادون خزنة جهنم أن يدعوا لهم ربهم بالتخفيف يوماً من العذاب، فكان الجواب أنهم قد جاءهم رسل الله وأنبياؤه فلم يستجيبوا لهم، فلن يقبل دعاؤهم ولا استغاثتهم.

стр. 1932

تفسير قوله تعالى: (وإذ يتحاجون في النار) قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ [غافر:٤٧]. يخبرنا الله عن تحاور أهل النار وتجادلهم، وتحدث أهل النار الضعاف الأتباع عن حسرتهم لتقليد الكبراء والسادة أئمة الكفر، وكأن المعنى: ذكرهم يا محمد وأخبرهم وعظهم أنه سيأتي وقت -مهما طال الزمن فإن الصبح لناظره قريب- يتحاجون في النار، أي: هؤلاء الكفار يتحاجون، فيحاول أن يحتج بعضهم على بعض، وأن يجادل ويحاور بعضهم بعضاً، كما قال الله: ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ [غافر:٤٧]. أي: يقول الأتباع: كنا تبعاً لكم أيها الكبراء، وكلمة (تبع) تدل على المفرد والمثنى والجمع، وإذا أردت الإفراد قلت: تابع، وجمع التابع أتباع، تقول: فلان تبعني، وتقول: فلان تبع لقول فلان أو لفلان، فإذا أردت الإفراد فقل: فلان تابع لفلان، وإذا أردت ذكر الجماعة دون أن يقع لك قلت: أتباع. وقوله تعالى: ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [غافر:٤٧] أي: ضعاف الرأي والقدرة والمال والجاه والإدراك والفهم، فيقولون للذين استكبروا وتكبروا وتعاظموا من قادة الكفر وسادة الفجور، الذين دعاهم الأنبياء وأتباعهم فأبوا إلا عدم الإيمان بالله، فيقول لهم الضعفاء حينئذٍ: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ [غافر:٤٧] أي: كنا أتباعاً لكم في دار الدنيا، فاتبعناكم على الشرك، وقبلنا قولكم في الضلال. ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ [غافر:٤٧] أي: هل أنتم تغنون أو تتحملون عنا جزءاً من العذاب مقابل أنكم أئمة لنا في الكفر والعصيان؟ وهل تقومون عنا بنصيب من العذاب تخففون به عنا وأنتم أصحاب هذه الدعوة وكبرائها وقادتها؟

стр. 1933

تفسير قوله تعالى: (قال الذين استكبروا إنا كل فيها) ثم قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٨]. أي: قال هؤلاء المستكبرون القادة من الكافرين: إنا كل فيها، فكيف نغني عنكم؟ الكبار والصغار في النار، الأئمة فيها والأتباع، وأيضاً قد حكم الله يوم عرضنا عليه بأن الكل في جهنم وبئس المصير، أيرد حكم الله راد؟ أيحاول أحد أن يغير حكمه؟ هيهات هيهات لا سبيل إلى ذلك، ولكنهم مع ذلك لم يصبروا، واشتد عذابهم وزاد بلاءهم، فما عاد يطلب كبير من صغير ولا صغير من كبير، فأخذوا جميعهم -الكبار والصغار- يغيرون الطلب والدعوة.

стр. 1934

تفسير قوله تعالى: (وقال الذين في النار لخزنة جهنم) فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٩]. فالكبراء والصغراء ذهبوا للملائكة خزنة جهنم وطلبوا منهم بأن يدعوا ربهم بتخفيف العذاب عنهم، وخزنة جهنم هم الذين يشرفون على عذاب هؤلاء كي لا يفروا منها. وقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٩] أي: قالوا لهؤلاء الخزنة: ادعوا الله بلسانكم أن يخفف عنا يوماً، أي: أن يعطيهم يوماً من الأيام يكون العذاب فيه خفيفاً، فلم يطمعوا في زوالة؛ لأنهم مشركون وماتوا عليه، فالذي طلبوه هو أن يخفف الله عنهم عذاب يوم من الأيام، لكن اليوم في الآخرة عظيم بالنسبة لأيام الدنيا، اليوم في الآخرة كألف سنة مما يعد من أيام الدنيا، فهم طلبوا تخفيف عذاب يوم من أيام النار.

стр. 1935

تفسير قوله تعالى: (قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات) وإذا بهؤلاء الخزنة يجيبونهم كما قال الله عنهم: ﴿قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٥٠]. أي: سألهم هؤلاء الخزنة من الملائكة من خزان النار وبوابيها: أنتم يا من تطلبون منا أن ندعو ربكم ليخفف عنكم، هل أُرسلتْ لكم رسل بالبينات وبالآيات الواضحات عندما كنتم في الدنيا؟ هل أتتكم بالأحكام عن الله وبالتوحيد ونبذ الشرك والوثنية؟ وقوله: ﴿أَوَ لَمْ تَكُ﴾ [غافر:٥٠] (تك) من الأفعال الخمسة، وجزمت بـ (لم) فحذفت النون، ويصح أن تقول: أولم تكن في غير القرآن. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر:٥٠] قوله: (رسلكم) جمع رسول، وقد أرسلهم الله إلى أمم مختلفة، فمنهم من صدق بهم ومنهم من كذب. فأكدوا أن الرسل قد جاءت بالبينات الواضحات، وبما يدل على صدقهم، ولكنهم مع ذلك غلبتهم شياطينهم ونزواتهم؛ فكفروا به، فأقروا قائلين: بلى، قالوا: فادعوا إن كان الأمر كذلك، أي: ادعوا أنتم أما نحن فلا نفعل؛ لأن الكافر لا مغفرة ولا رحمة له، وفي الآخرة لا ينتهي عذابه. وحتى إذا دعوا فالأمر كما قال الله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد:١٤] أي: وما دعاء الكافرين إلا في ذهاب وخسارة، فلا ينفع ولن تكون له نتيجة، وأنهم سوف يكونون مع دعائهم خاسرين، ولو دعوا هذا الدعاء وهم في دار الدنيا فقال أحدهم: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، وآمنوا بالله ووحدوه، وكفروا بالشرك وأهله، لكان ذلك نافعهم ومفيدهم، ولكن هيهات بعد أن أنكروا البعث والنشور والدار الآخرة وأصبحوا فيها، هيهات هيهات فالوقت سيف إن لم تقطعه قطعك.

стр. 1936

تفسير قوله تعالى: (إننا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]. يخبرنا ربنا ﷻ بأنه ينصر رسله والمؤمنين من أتباعهم في الدار الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، أي: يوم يقوم الملائكة يشهدون على كل حي بالخير والشر، فهم يشهدون على الرسل بالتبليغ، ويشهدون على الكفار بالتكذيب، فقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] أي: يوم القيامة يوم يقف الملائكة صفاً يشهدون على الرسل بأنهم بلغوا رسالات ربهم، ويشهدون على المؤمنين أنهم آمنوا برسالات ربهم، وعلى الكافرين أنهم كذبوا برسالات ربهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٥١] يعد الله ﷻ الرسل بأنه ناصرهم في الدنيا وفي الآخرة، فكيف هذا النصر في الدنيا؟ قد علمنا أن بعض الأنبياء قتلهم اليهود، فقتلوا زكريا، وقتلوا يحيى، وقتلوا غيرهما، كما ذكر الله، فحاولوا قتل عيسى، وأخرج إبراهيم من أرضه، وأخرج محمد ﷺ من أرضه، وهناك شعوب مسلمة، وعلماء صالحون، ودعاة إلى الله قد قتلوا، أو شردوا أو سجنوا أو عذبوا، فكيف هذا النصر؟ الجواب عن ذلك: أن النصر إما أن يكون نصراً في الحياة ونصراً بمحق الأعداء، وإما أن يكون بالانتقام من هؤلاء الأعداء، فيكونون من قتلوا من الأنبياء والمؤمنين قد حازوا الشهادة، وذهبوا إلى أرفع الدرجات، وكذلك من عذب فلهم درجات عاليه على قدر بلائهم، ولكن هؤلاء الذين فعلوا ذلك ينتقم الله منهم بعد ذلك أشد الانتقام، فقد يكون ذلك في حياة الأنبياء والمؤمنين، وقد يكون بعدهم. فاليهود مثلاً قتلوا أنبياء الله، وكانت النتيجة عقب قتل هؤلاء مكر الله بهم، فشتتهم وشردهم وقطعهم، وسلط عليهم بختنصر فهدم هيكلهم، وقتل منهم مئات الآلاف، واستعبد منهم كذلك مئات الآلاف، وتركهم في الأرض قطعاً مبعثرة، كما قال سبحانه: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف:١٦٨]، ثم سجل الله عليهم عذاباً مقته وغضبه إلى يوم القيامة، فقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف:١٦٧]، ولا يغرنك ما ترى اليوم؛ فهو تسليط للكافرين على منافقين، وتسليط للمجرمين على عصاة مخالفين، ولم يحدث هذا في العصور الماضية، ولكن عندما خرج المسلمون عن دين الله ورسوله وكتابه، وجعلوه وراءهم ظهرياً، وأخذوا يدعون إلى مذاهب يهودية تسمى تارة ماسونية، وتارة شيوعية، وتارة اشتراكية، وتارة وجودية، وتارة بهائية، وتارة قاديانية إلى أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، فعاقبهم الله وسلط عليهم هؤلاء، فكانت عقوبة لأقوام هم إلى الكفر أقرب منهم للإيمان، بدليل ما حدث بعد ذلك، أي: أسلموا لمللهم، وخضعوا لهم، وتحالفوا وإياهم للفتك بالمسلمين الصالحين، وشتيمة المؤمنين والتواطؤ عليهم، وما تزيدهم الأيام إلا عتواً وفساداً في الأرض، ولكن هيهات، فلينتظروا عذابهم وسخط الله عليهم. وهذا إبراهيم عندما أخرجه النمرود من أرض العراق هاجر إلى أرض الشام، ولكن النتيجة أن كشف الله كيد النمرود وقومه، وعذبهم وأهلكهم وشرد بهم، وهؤلاء كفار مكة كفار الجزيرة كيف كان حالهم مع نبينا ﵊؟ فقد أخرجوه من أرضه، وهموا بقتله، والنتيجة نصره الله نصراً عزيزاً مؤزراً، فعاد إلى مكة فاتحاً منصوراً، وكان الطرد وكان الإبعاد لهم، وقبل ذلك شردوا وقتلوا، وبعد دخوله مكة فاتحاً كانت النتيجة أنهم طردوا طرداً أبدياً، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨]. وأما اليوم بعد ذلك بألف وأربعمائة عام فلا يحرم المسافر الكافر أن يدخل مكة والمدينة! وقد قال الله عنه: ﴿نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨] والنَجَس: عين النجاسة، لم يقل: نَجِس، من المتنجس الذي يطهر بالماء، وإنما النَجَس، فهو كالماء العكرة التي تطهر بالماء، فهم عكرة عين النجاسة، مطرودين إلى يوم القيامة، إلى أن يشاء ربي. وأيضاً: بعد ذلك المؤمنون ابتلوا، فقد أوذي آل البيت في الصدر الأول من الإسلام، وقتل مسلمون وصحابة أخيار، فقتل عمر، وقتل عثمان، وقتل علي، فماذا كانت النتائج بعد ذلك؟ سلط الله على هؤلاء ولو أنهم صحابة تابعون لكن كما قال الله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥] فأصابهم من البلاء من العذاب نصرة لأولئك الخلفاء الراشدين الصالحين، عمر وعثمان وعلي. وقل مثل ذلك عن الحسين ﵁، الذي قتل من أجل الظالمين الفاجرين أعداء الله وأعداء رسوله وآل البيت، وسلط الله عليهم من سلط، فأباح أرضهم، واستباح دماءهم، واقتلعهم من جذورهم من الأرض إلى حيث لعنة الله وغضبه، وفي العصر الأخير قتل المسلمون والعلماء والدعاة إلى الله، فماذا كانت النتيجة؟ النتيجة أن سلط الله اليهود على الجميع، فأما عذاب الله في الآخرة فهو أشد وأنكى، وهكذا قول الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فنصرهم الله بأن قهروا وغلبوا، ووضعوا أقدامهم حيث كانت أقدام أولئك الأعداء الكافرين الجاحدين، وأكرمهم الله بالشهادة، ثم ينتقم من أولئك بعد ذلك، فيقتل منهم الآلاف، بل مئات الآلاف، حيث يضيعون ويشردون وينتهون ويدمرون، ولعذاب الله بعد ذلك في الآخرة أشد وأنكى. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] أي: ويوم القيامة عندما تقف الملائكة بالشهادة على الأنبياء بأنهم قد بلغوا ما أمرهم الله بتبليغه، وعلى المؤمنين أنهم آمنوا برسالات أنبيائهم، وعلى الكافرين بأنهم كذبوا أنبياءهم وأشركوا بربهم.

стр. 1937

تفسير قوله تعالى: (يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم) قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥٢]. الظالمون هنا هم المشركون والكافرون، فيكون النصر في الدنيا، ويكون في اليوم الذي لا ينفع المشركين معذرتهم، أي: عندما يقومون للاعتذار: فيقولون نحن كنا ضعافاً، وكبراؤنا هم الذين أمرونا، ونحن لا نفكر جيداً، فيقولون هراءً لا يقبله الله منهم. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر:٥٢] أي: يلعنهم الله، ويطردهم من رحمته ومن جنته. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥٢] أي: ولهم الدار السيئة، وهي جهنم وبئس المصير، سيكونون عندما يطردون من الرحمة ليس لهم إلا العذاب والنار، ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥٢]. هؤلاء الذين قاتلوا الأنبياء وكذبوهم، وقاتلوا المؤمنين، وهجموا على دورهم، فاستباحوا أعراضهم وأموالهم، وتحالفوا مع اليهود من القردة والخنازير وعبدة الطاغوت على المؤمنين والصالحين، فكان ما ذكره الله هو عاقبتهم، ونهايتهم. وأما الرسل والمؤمنون فهم منصورون، ويكون نصرهم إما بإبقائهم وهزيمة أعدائهم، وإما بأن يموت من مات فينال الشهادة والكرامة، فيذهب إلى ربه مسرعاً بشهادته، ويبقى ختم أولئك: المحنة واللعنة والغضب، وهذا التاريخ بيننا، فالتاريخ الحديث والقديم يؤكد كل هذا، ودعنا مع تاريخنا الإسلامي وما حصل في بدايته وفي وسطه وفي عصرنا، فجميع من كفروا بالله وقاتلوا رسالات رسل الله، وقاتلوا المؤمنين الصالحين، قاتلوهم في اليمن، وفي العراق، وفي مختلف بلاد المسلمين، كانت النهاية للمجرمين اللعنة والخزي والدمار في الدنيا، ولعذاب الله في الآخرة أشد وأنكى. وسنسمع يوم القيامة ونحن في الجنة بفضل الله وكرمه، أنهم مع فرعون وهامان ينادون يا ويلنا وبلاءنا ومصيبتنا، ويأتي الأتباع الذين ساندوهم وبايعوهم وأيدوهم ومشوا خلفهم وتعصبوا لهم -ونحن نرى هذا حيث ذهبنا- يتخاصمون مع كبرائهم تخاصم الجياد في الماء، يقول المستضعفون للكبراء كما حكاه الله عنهم: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ [غافر:٤٧]، فيرد عليهم الكبراء بأن الله قد حكم بين العباد، فيدعون الملائكة، فلا يجدون عندهم إلا الخزي واللعن، ويتساءل الملائكة: ﴿قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر:٥٠]؟ فلا يستطيعون إلا الإجابة بقولهم: ﴿قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٥٠]، وما قاله الله حق وواقع لا محالة، ومن تشكك في كلامه فليس بمسلم.

стр. 1938

تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الهدى) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ [غافر:٥٣]. يذكر ربنا ﷻ بأنه آتى موسى الذي كان يريد قتله، وهذا الذي قام مؤمن آل فرعون ينافح ويدافع عنه في كثير من المواقف، بشجاعة وقوة بالله، وأراد الظالم المتأله الكذاب فرعون أن يقتله لكن كما قال الله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر:٤٥] وكان العكس ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ [غافر:٥٣] أي: هدى الله موسى إذ جعله نبياً ورسولاً، وأنزل عليه كتابه التوراة ليهدى به، ويهدي غيره من القبط وبني إسرائيل. وقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ [غافر:٥٣] أي: وأورثنا قومه من سلالته من بني إسرائيل أورثهم الكتاب الذي هو التوراة، أورثهم إياه ليعملوا بما فيه، وليتقبلوا التوحيد الذي جاء به، ويحترموا أنبياء الله ورسله، وليكونوا على غاية ما يكونون من الأدب مع الله وشعائر دينه.

стр. 1939

تفسير قوله تعالى: (هدى وذكرى لأولي الألباب) ثم قال الله تعالى: ﴿هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [غافر:٥٤]. أي: جعل الله الكتاب إرثاً لهم، فورثوه ليكون هدى لهم يهديهم من الظلام إلى النور. وقوله تعالى: ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [غافر:٥٤] أي: تذكيراً لهم بالله وبأحكامه، وبعذابه ورحمته، وهو كله لذوي الألباب، أي: لذوي العقول المؤمنة السليمة. وماذا كان من بني إسرائيل بعد أن أورثهم الله الكتاب؟ كان منهم أن قتلوا الأنبياء بعد موسى، فقتلوا زكريا ويحيى وشعياً، وسفكوا الدماء، وحرفوا كتاب الله وبدلوه، وشتموا الأنبياء وقذفوهم بالكبائر، وبإتيان المحارم، وتجرءوا على مقام الله فقالوا عنه تزييفاً ما يقوله اليهودي عن ربه ونبيه، فكان الجزاء أن سلط الله عليهم الأمم في الأرض كلها، فشتتوهم وشردوهم وقتلوهم وعذبوهم، واستباحوا أولادهم ونساءهم، واستباحوا كل ما لا يستباح للمؤمن المعصوم الدم. وإذا رأيتم ما حدث اليوم فهو من باب قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم:٨٣]، وما ظالم إلا وسلط عليه أظلم، ثم يقذف بالكل إلى النار، ومع ذلك فليس هناك مستقبل لهم، إنما هو زمن قصير، وسحابة صيف سرعان ما تنقشع، وعلامة الله معنا في القضاء عليهم وإنهائهم: أن يدخلوا المسجد الأقصى بعد أن دخلوه أيام سليمان عندما كانوا مؤمنين بأنبيائهم، وهم قد دخلوا، فانتظروا بعد ذلك تدميراً وبواراً، وإن رأيتم من استعان بهم فهو على دينهم، فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه، وتهود يهوديتهم، وعندما سيأتي البلاء سيعم الكل، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]، فهذا حكم الله الذي حكم به عباده. فمن جعل ولاءه لصليبي أو لنصراني فهو مثله، ومن جعل ولاءه ليهودي فهو مثله، فكيف بمن جعل ولاءه صباحه ومساءه نهاره وليله بين يهود ونصارى، وأبعد المسلمين والقرآن والدعاة إلى الله، ولكن وهيهات هيهات ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر:٥١] أولاً ثم ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]. فبنو إسرائيل أورثهم الله التوراة التي أنزلها على موسى، ومن غريب أمرهم أنه في الوقت الذي أنقذهم الله بموسى، وأغرق فرعون وقومه، وخرجوا من الغرق والماء بمعجزة، فقد شق البحر فصار كل شق كالجبل العظيم، وتجاوزوه بعد أن ذهب موسى لميعاد ربه، فجاء ووجدهم قد كفروا وارتدوا وعبدوا العجل، وقالوا لبعضهم: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه:٨٨] أي: هذا إله موسى الذي ذهب لميعاد ربه، فتركه هنا وذهب لإله غيره، فعاقبهم الله، وهكذا دواليك كانوا مع أنبيائهم، فما بالك بمن بعدهم، فشتتوا وشردوا وكأن لم يكونوا. وإذا حدث ما ترونه اليوم فذلك لأن المسلمين فعلوا فعلهم وعصوا عصيانهم، وخالفوا مخالفتهم، وكما قال من قال: ردة ولا أبا بكر لها، فيعيش الناس اليوم في رحلة جديدة كرحلة من يرتد يوم أن توفي المصطفى ﵊، ولكن في الصدر الأول وجدوا أبا بكر فردعهم وأجبرهم على العودة بين قتيل وأسير وجريح، واليوم ما وجدوا أبا بكر الثاني، ولكنه آت لا محالة، ذاك وعد الله في كتابه، وذاك وعد رسوله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.

стр. 1940

تفسير قوله تعالى: (فاصبر إن وعد الله حق) ثم قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [غافر:٥٥]. عاد الله إلى خطاب نبيه ﷺ ، والسورة مكية، وقد نزلت عليه والمؤمنون مضطهدون في مكة ومعذبون: بين قتيل، وبين مضطهد لا أمان على حياته وإيمانه ورزقه، والله قد ابتلى الأنبياء وأتباعهم قبل نبينا بأقوامهم، وما كانت النتيجة؟ أن نصر الله أولياءه، وعاقب وسحق أعداءه. وقوله تعالى: (فاصبر) يدعو الله نبيه ﷺ إلى الصبر، فصبر ما شاء الله له أن يصبر، ثم هاجر إلى المدينة، ثم أذن له بالقتال والانتصار، وهذه كانت قبل الإذن بذلك؛ ولذلك تعتبر منسوخة، فقد نسخت بالقتال، أي: بقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩].

стр. 1941

تفسير سورة غافر [٥٥ - ٥٦] لقد أمر الله تعالى رسوله والمؤمنين بالصبر في غير ما موضع، فإن الصبر مفتاح الفرج، وهو نور للصدور وضياء في القلوب، ثم تأتي العاقبة الحميدة، والنهاية السعيدة. وقد صبر الرسول ﷺ وصحابته الصبر الطويل، فكان في قلة يشتم ويسب، ويضرب أصحابه وينكل بهم ويمر بهم وهم كذلك فلا يزيدهم على الأمر بالصبر، ثم بعد ذلك عندما هاجروا إلى المدينة أمروا برد العدوان وبالقتال والجهاد.

стр. 1942

تفسير قوله تعالى: (فاصبر إن وعد الله حق) قال ربنا ﷻ : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [غافر:٥٥]. قوله: (فاصبر) توجيه من الله ﷻ لنبينا ﵊ وقد عصاه وتمرد عليه الكثيرون ممن دعاهم إلى الله، وكذبه من كذبه، وقيل عنه ما قيل، سواء في جزيرة العرب أو في خارجها، فيأمر الله ﷻ نبيه ﵊ بالصبر عليهم، فإن العاقبة له، وإن النصر لرسل الله، وأعداؤهم سوف يعاقبون على مخالفتهم أشد عقاب، إلا من اهتدى وآمن وأسلم واستسلم. والصبر قد دعا الله في غير ما آية من الآيات رسله والمؤمنين إليه، وخص ذلك في سورة فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٢ - ٣]. وانتظار الفرج بالصبر عبادة، وكان مما أمر به ﵊ أن يصبر على قومه، فصبر عليهم في مكة المكرمة اثنا عشر عاماً، وقد كذبوا وحاربوا وقاتلوا وألبوا وتآمروا عليه، ولكن النهاية كانت بنصره وبفوزه، وبسحق أعدائه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومع ذلك قالوا: إن آية الصبر وما ورد في الصبر كل ذلك كان قبل الأمر بالجهاد، فقبل الأمر بالجهاد أمر الله نبيه وأتباعه بالصبر، ثم نزلت أول آية في القتال وهي قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩]، فكان القتال الذي أذن الله به لنبيه ﷺ وللمؤمنين بعدما كانوا مظلومين، ويراد إخراجهم من أرضهم، وإرجاعهم عن دينهم، والاعتداء عليهم، وكان كثيراً ما يأتي أصحابه ويطلبون منه القتال، فيقول: لم نؤمر بذلك، وكان يمر على أصحابه وهم يقاتلون ويعذبون، ويمر على الأسرة كلها أحياناً وهي كذلك، كما مر على عمار وعلى أبيه ياسر وعلى أمه سمية فيقول لهم: (صبراً آل ياسر إن موعدكم الجنة). ولم يكن يملك غير ذلك، وكان صبوراً متأنياً منتظراً ﷺ إلى أن نصره الله النصر العزيز المؤزر، وأذن له في القتال والكفاح والحرب عندما انتقل مهاجراً إلى الله إلى المدينة المنورة، فهاجمه أعداؤه فقاومهم وحاربهم فكانت العاقبة له، فخاطبه الله بقوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر:٥٥] أي: ما وعدك به ربك من النصر ومن الفوز، ومن سحق الأعداء، ومن ظهور دينك وانتشاره في مشارق الأرض ومغاربها، كل ذلك حق فلا تستعجل، وانتظر واصبر فالعاقبة لك. كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، أي: وفي الآخرة. وكان وعد الله حقاً، والله لا يخلف الميعاد، فهكذا كان، أي: صبر ﷺ دهراً، ثم بعد ذلك حقق الله وعده، فنصره وأخرج عدوه، وملك جزيرة العرب، وعاد لمكة التي أخرجه أهلها ظلماً وعدواناً مرفوع الراية منصوراً مظفراً حكم في أعدائه، ومع ذلك غلبت رحمته نقمته وعداءه ﵊، واجتمع إليه كفار قريش بعد أن نصره الله وفتح مكة، وقال لهم: (ماذا ترون يا معاشر قريش! أني فاعل بكم؟) وإذا بهم أخذوا يتمسحون، وحاولوا أن ينسوه ما صنعوه معه: من إخراجه من أرضه، وتعذيب أصحابه، وشتمهم له من قولهم عنه: ساحر ونحوه. ومع ذلك فالنبي ﵊ تفضل عليهم وقال لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، فأطلقهم من عقوبته ونقمته، فهدى الله من هدى فآمن وأسلم، وشرد من شرد وفر من فر، فعل هذا فيهم جميعاً إلا أربعة عشر منهم قال فيهم: (اقتلوهم ولو وجدتموهم معلقين بأستار الكعبة)، وكان منهم ثمانية رجال وست نسوة. وهؤلاء تجاوزوا حدهم في الكفر، وفي الصد عن بيت الله وعن دينه. وقد كان وعد الله لنبيه كما أخبر، فملك جزيرة العرب، وأصبحت كلها مسلمة، وأخذ في قتال الروم في غزوة تبوك على حدود أرض الشام، وهي إذ ذاك أرض رومية، فلم يكن قتال ولم يحضروا له. وقبل ذلك أرسل سرية بثلاثة من قواده، أولهم جعفر بن أبي طالب، ثم زيد بن حارثة، ثم عبد الله بن رواحة، فاستشهد الثلاثة قائداً بعد قائد وأميراً بعد أمير، إلى أن ولي خالد. ولم يكن في تبوك قتال إلا بما لا يكاد يذكر، وأوصى بالقتال ما بعد ذلك، وعين أسامة بن زيد أميراً، وهو ابن القائد الثاني الشهيد في غزوة مؤتة، فجهزه للخروج وكان النبي ﷺ عندما حان الحين وآن الأوان لإنقاذ الجيش قد ذهب إلى الرفيق الأعلى. فأرسل أبو بكر أسامة بن زيد لقتال الروم في مؤتة، ولكنهم كذلك لم يأتوا، وظنوا أن الإسلام قد انتهى بموت النبي ﵊، ولكن هيهات فالأمر كما قال أبو بكر: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وهو قد جاء لعبادة الله لا لعبادة نفسه، قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤]. وبعد الموت النبوي وذهاب النبي للرفيق الأعلى، قام أصحابه وخلفاؤه أبو بكر أولاً ثم عمر بنشر الإسلام في أرض الروم وفارس، وإلى أرض البربر، وما كادت تتم خمسون سنة على ظهور الإسلام والنبي ﵊ حتى أصبح الإسلام شرقاً في الصين والهند والسند، وغرباً إل عمق أرض فرنسا وما بينهما. فكان ما وعد الله حقاً، كما قال ربنا ﷻ : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر:٥٥]، أي: اصبر صبر من هو متيقن بأن الله ناصره ومذل عدوه، وكان الأمر كما قال ربنا ﷻ . وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر:٥٥] يقول الله لنبيه ﷺ : استغفر يا محمد! لذنبك، واطلب المغفرة والتوبة من ربك. وقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [غافر:٥٥]، وأكثر التسبيح والشكر لله على ما وعدك من نصر، وما سيحقق لك من نصر، على ما أكرمك به الرسالة ومن نبوءة جعلها عامة حين لم إلى الأبيض والأسود والأحمر، بين المشرق والمغرب، والعرب والعجم، إلى يوم القيامة، فلا نبي ولا رسول بعدك، فأنت نبي من عاصرك ونبي من يأتي بعدك إلى يوم القيامة.

стр. 1943

الذنب الذي أمر الرسول بالاستغفار منه وفي قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر:٥٥]، ما هو ذنب رسول الله الذي سيستغفر منه صلى الله عليه وعلى آله، ونحن نرى ونسمع أن الله يقول له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، فيثني عليه وعلى خُلقه، ويشيد وينوه به، فكيف يكون من كان كذلك مذنباً؟ ونحن نرى أن الله ﷻ يقول له بالنسبة للخلق كلهم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. وكأنه يقول: محمد ﷺ أسوتكم وقدوتكم وإمامكم، فتخلقوا بأخلاقه، ودينوا بدينه، واتبعوا سيرته، واسلكوا أعماله، فذلك يوصلكم إلى رضا ربكم ودخول الجنان، ونرى ربنا ونسمعه يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، فهو قد أمرنا ﷻ بالائتساء برسولنا ونبينا محمد ﷺ ، وأن نمتثل أمره وننتهي عن نهيه، وكيف يكون كذلك من له ذنوب؟ ونرى الله تعالى يقول لنا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، فطاعة الرسول ﷺ هي طاعة لله، في كل أعماله وسلوكه وأقواله. ونرى الله ﷻ يقول عند نزاعنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]، فالله جعل كتابه ونبيه في حياته أو سنته بعد مماته هي المخلص من النزاع، والمخرج من الشقاق، فأمر بالعودة إليه والنتيجة: إن تنازعتم فمن كان منكم معه دليل من قوله تعالى أو من قول نبيه ﷺ فذلك الفيصل الذي يفصل بين الحق والباطل، والذي لا نزاع فيه قط بعد ذلك، ولن يكون النزاع إلا عندما لا تكون هناك أدلة ولا براهين تؤكد قول القائل. ونحن نرى الله تعالى عندما أكرم نبيه بالنصر المؤزر، ووعده به بعد معاهدة الحديبية يقول له: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١ - ٢]، فما هو الذنب المتقدم؟ وما هو الذنب المتأخر؟ هذه الأشياء لا يكاد يتقنها ويتكلم عنها إلا من يسمون بأهل الآداب والرقائق والمعرفة بالله.

стр. 1944

أقسام الذنوب فالذنب ذنبان: ذنب مخالفة وعصيان، وهذا لم يكن من رسول الله قط. وهناك الذنب الذي هو خلاف الأولى، وهو من باب ما يقول أصحاب الرقائق والآداب: حسنات الأبرار سيئات المقربين، أي: أن من كان ذا قرب من الله ﷻ فنجد الشيء الذي يعتبر خلاف الأولى في حقه هو حسنة في نفس الأمر للأبرار، والأبرار أعلى درجة من الأتقياء، ونجد المقربين من الله وهم رسله وأنبياؤه وملائكته قد يكون ما هو مباحاً وحسنة ومنزلة في حق هؤلاء يكون في حق أولئك كالأنبياء يكون خلاف الأولى، أي: غيره أحسن منه، ولنبحث فيما يقوله ربنا في كتابه، وفيه بيان لكل هذا، فنجد الله ﷻ عاتب نبيه وعبده في كثير من السور والقضايا في كتابه.

стр. 1945

معاتبة الله لنبيه في عفوه عن أسرى بدر فعاتبه عقب غزوة بدر عندما أخذ الجزية من الأسرى وأطلق سراحهم، فقال له: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧]، وكأنه قال له: ما كان ينبغي لك يا بني يا محمد ﷺ أن تأخذ الجزية من الأسرى وأنت تعجز أن تهزم عدوك، فلم تسحقه ولم تقض على قادته، ولم تقض على المخططين له، ويوشك إن فعلت ذلك أن تكون العاقبة عليك لا لك؛ لأن الذي حدث في هذه المعركة أن النبي ﵊ أسر اثنين وسبعين قائداً من قواد قريش، وكان فيهم قادتهم المقاتلون، وضباطهم المسيرون المخططون للحرب والقتال. ويوشك بعد أن أطلق سراح هؤلاء واكتفى بما أخذه من الجزية، مع أنه لم يأخذها إلا بعد استشارة أصحابه كما أمره الله تعالى، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، فهو قد امتثل أمر الله وشاور أصحابه، وكان رأي أصحابه مختلفاً فقال عمر بعد ما قال له النبي ﷺ والذين معه: (ما ترون أصنع بهؤلاء الأسرى؟)، فقال عمر: اقتلهم يا رسول الله! ولا تنس ما صنعوا معك، ومع أصحابك، أي: أخرجوك من بلدك وتآمروا على قتلك وسجنك، بل سجنوك سنوات في الشعب حتى لجأت لأكل أوراق الشجر، وقتلوا أصحابك، وصدوا الناس عنك، وقالوا: إنك ساحر ومجنون، ويريد النساء، ويريد الملك والسلطان، ويريد الدنيا والجاه، وهو نبي الله المعصوم صلى الله عليه وعلى آله. وقال له عبد الله بن رواحة: يا رسول الله! اجمع الحطب من هذا الوادي وأوقده، ثم خذهم بجسومهم وارمهم في هذه النار، فقال له العباس وهو يسمع: قطع الله رحمك. وكان ﵊ إذا استشار أصحابه يكون مع أبي بكر؛ لعقله الواسع، ولحسن رأيه وتأنيه، ولمكانه من رسول الله ﵊، وذلك ما أهله لأن ينتخبه المسلمون خليفة بعد رسول الله ﵊. وكان الخير كل الخير بعد رسول الله للمسلمين على يد أبي بكر الصديق ﵁، ولو عينوا مكانه حتى عمر لذهب الإسلام. فالحاصل: أن الصديق قال: يا رسول الله! هؤلاء قومك ولعلهم يتوبون، ولعل الله أن يخرج من أصلابهم مؤمنين مسلمين يوحدون ربهم، فخذ منهم الجزية ودعهم، فدخل النبي ﷺ الخيمة ثم عاد صباحاً وقال: الرأي رأي أبي بكر، فأخذ برأيه، وكان الأمر مبني على الشورى كما أمره ربه أن يفعل، ولكن الله كان يرى غير ذلك، وهذا غيب ولا يعلم الغيب إلا الله ومن يعلمه ذلك. والله لم يعلم نبيه بهذا قبل، ولكنه أعطاه به درساً له ولمن يأتي بعده في معاركه الآتية، ولذلك قال الله له كلام كثيراً ثم قال: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨]، وما العذاب وما الكتاب السابق؟ الكتاب السابق هو ما يقوله الله في هذه الآية: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ [غافر:٥٥]، فوعده الله بنشر دينه، وتحكمه في البحار وفي الجبال وفي القارات وفي أقاصي الأرض، وكان كتاب الله السابق أن ينصر عبده ونبيه محمداً ﷺ النصر العزيز المؤزر الساحق لأعدائه، وكأن الله يقول: لولا أنه سبق أن وعد نبيه بالوعد الحق لكان فيما أخذتم عذاب عظيماً. وما العذاب؟ كان يمكن هؤلاء الذين تركهم وأطلق سراحهم أن يقولوا كما تقول اليوم لغة الحرب والقتال: هي معركة خسرناها وليست الحرب، فيعودون لمكة ويجددون الحرب والقتال، وينظرون في ماذا أخطأوا في المعركة، فيتداركون ذلك ثم يأتون، والناس على غاية من الحقد، ومن العداوة والشراسة، فينتقمون لرجالهم ولمن قتل منهم. ولذلك كانت هذه موعظة من الله وإرشاد منه لما في المستقبل، أما هذه فقد عفا الله عنها، وكأنه قال للمسلمين ولرسول الله ﷺ : إذا دخلت معركة بعد اليوم فإياك أن تقتصر على أخذ الأسرى، وتطلق أعداء الله الذين يمكن أن يعيدوها حرباً جذعة مشتعلة النار أكثر مما كانت عليه في المعركة الأولى. ولذلك فلغة الحروب دائماً تقول: لتهزم عدوك اصرفه عن وطنه وعن دينه، إذا أنت دخلت حرباً فابتدئ بقتل الأئمة والعلماء والأبطال والقادة؛ ليبقوا كقطيع من الأغنام الذين لا يهمك أمرهم، فلابد من القضاء على الرءوس الذين يمكن أن يعودوا برأيهم إلى معركة أشد، فإياك أن تتركهم. هذا الذي عاتب الله فيه نبيه هل كان أمراً من الله له خالفه فيه النبي ﷺ أم لم يكن هذا؟ أي: لم يقل له الله: يا محمد! إذا دخلت حرباً وأسرت عدواً فإياك أن تطلق صراحه، وأن تأخذ منه جزية، بل عليك بقتله والقضاء على جيشه، هذا لم يكن، وبما أنه لم يكن فقد فعل النبي ﷺ باجتهاد ما يعلم أنه الأصلح والأنفع للمسلمين. ولم يستبد النبي ﷺ برأي لنبوته وجلالته، بل جمع أصحابه واستشارهم؛ تنفيذاً لقول الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]. فالحاصل: أن هذا ذنب من الذنوب، ولكنه لا يعتبر ذنباً في صحابي ولا لولي ولا لعالم؛ لأن أصل الذنب المخالفة والعصيان، والنبي ﷺ لم يخالف أمراً أمر به من ربه، فحاشاه ومعاذ الله، ولم يعص ربه في أمر أمره به حاشاه. ولكنه فعل فعلاً كان الأولى ألا يكون، وكان ذلك اجتهاداً منه وهو لا يعلم مراد الله فيه، وأعلمه ربه بعد ذلك به معاتباً؛ ليكون ذلك درساً لأمته ولأصحابه.

стр. 1946

معاتبة الله لنبيه على عبوسه في وجه الأعمى ومن الأمثلة على فعل النبي خلاف الأولى: أنه ﷺ بينما هو في مكة المقدسة، وهو يدعو إلى الله تحت الكثير من الشدة والاضطهاد والعداء من أهلها، رأى مرة في عقبة بن أبي معيط تقرباً للإسلام وبشاشة في شكله، فدعاه لبيته فاستجاب، وجاء صناديد كفار قريش، فأخذ يدعوهم إلى الله وإلى الإسلام على عادته ﷺ ، لا يترك فرصة يجتمع فيها مع كفرة صناديد من أئمة الكفر وأعداء الإسلام إلا وأخذ يدعوهم إلى الله، فهنا أخذ يدعوهم إلى الله على عادته، وإذا بصاحبه المسلم عبد الله بن أم مكتوم الضرير الأعمى يدخل في تلك الساعة على رسول الله ﷺ ، والمجلس حافل بأمر رسول الله ﷺ ودعوته صناديد قريش إلى الله. فيصافحه عبد الله بن أم مكتوم ويسأله أسئلة سطحية لا تتعلق بعقيدة ولا بأصول الإسلام، وإنما تتعلق بنحو صلاة أو صيام أو زكاة، وأخذ يقول له: يا رسول الله! يا رسول الله! فأعرض النبي ﷺ عنه ولم يجبه. وكان فهم رسول الله ﷺ واجتهاده أن هذا قد أسلم، وليس هذا وقت سؤال، فهو يكون معه صبحاً ومساء وفي أي وقت شاء، وأما هؤلاء فلا يراهم إلا بعد جمع وعناء، وكأنه يقول: ليس الآن يا ابن أم مكتوم! الوقت المناسب لأن تسأل هذه الأسئلة، وتقطعني عن الحديث مع هؤلاء، فأعرض عنه وعبس في وجهه، فعاتب الله نبيه وقال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس:١]، ومعنى: عبس، أي: أعرض، ﴿أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس:٢ - ٤]. وكان مراد الله شيء آخر، ولكن النبي في عمله ﷺ ما كان يريد إلا مصلحة الإسلام، وذلك بدخول صناديد قريش فيه، ولو أسلموا لأسلم بإسلامهم أهل مكة جميعها، ولن يبقى كافر فيها، فهو لم يرد إلا الخير وعبادة ربه والدعوة إليه، ولكن الله كان يرى غير ذلك، فكان يرى أن هؤلاء إن أسلموا فلأنفسهم، وإن كفروا فإلى جهنم وبئس المصير، فالله غني عنهم وعن إسلامهم، فإن أسلموا فقد اهتدوا لأنفسهم، وإن ضلوا فما الله بحاجة إليهم، ولكنه أراد سبحانه أن هذا المسكين الضرير الفقير عندما جاءك كان ينبغي أن ترفع شأنه، وتعلم أولئك بمقامه؛ لأن أولئك مشركون وهو مؤمن، فتلتفت إليه بكليتك، ولا تعبس في وجهه، فعاتبه الله على ذلك، ولكن هل الله أمر نبيه من قبل وقال له: في أي وقت جاءك ابن أم مكتوم فاترك عملك وتوجه إليه؟ لم يكن هذا، ولا لأحد من الناس. إذاً: فهذا هو ما يقال له في عرف أهل المعرفة والآداب والرقائق: خلاف الأولى. وحاصل الأمرين: أنه في الثاني كان الأولى عند الله جل وعلا أن يعتنى نبيه في مثل ذلك الموقف بـ ابن أم مكتوم، وأما أولئك فسبق في علم الله -ولا يعلم هذا إلا الله- أن أكثرهم سيموت كافراً، ومنهم عقبة بن أبي معيط فقد خرج مقاتلاً لرسول الله ﷺ في غزوة بدر، وأسره رسول الله ﷺ ، وبعد ذلك قتله من بين الأسرى هو والنضر الذي هجاه وهجا الإسلام، وأخذ يقول له: عذراً يا محمد! -لا يؤمن برسول الله ﷺ لم خصصتني بالقتل دون هؤلاء؟ والنبي ﷺ قتله لمواقفه، وكانت على غاية الحقد على الله ورسوله والإسلام، ثم قال للنبي ﷺ : لمن نترك الصبية؟ قال: للنار. ولذلك كان منه ولد كبر وزعم الإسلام في أيام عثمان، وولي أميراً، وإذا به في يوم وهو يصلي إماماً في الركعة الثانية التفت قبل السلام وقال للمؤتمين: أأزيدكم؟ أأزيدكم على ركعتين؟ أي: إلى ثلاث وأربع، وإذا به يتبين أنه كان سكران طافحاً، فهذا الذي قال النبي ﷺ عنه وعن أمثاله لما أجاب عن والدهم: للنار. إذاً: فهكذا كانت نهاية هؤلاء الصناديد، لكن هذا أمر الله، ولا يعترض ﷻ ، ولكنه لم يأمر نبينا ﷺ من قبل بأنه إذا جاءك ابن أم مكتوم افعل كذا! أو كذا! فهذه لا تعتبر مخالفة ولا عصيان، بل هو ذنب مما يقال فيه: خلاف الأولى، أو من لغة: حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولو فعل هذا رجل عادي لم يعاتب، وفي الحديث: (إنما الأعمال بالنيات).

стр. 1947

مقتضى الأمر بطاعة الرسول الحاصل: أن هذا الذنب المتقدم وأمثاله مما ذكر مثالاً من كتاب الله هو الذي قال الله عنه: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر:٥٥]، وأكثر هذا من خلاف الأولى؛ لأن النبي أعلى مقاماً وشأناً، فالإنسان العالم للبشرية كلها، من عاصره ومن سيأتي بعده، ومن هنا كان حكم الله عاماً عند أن قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. وكان حكم الله بعد أن أخبرنا ﷺ أن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى افترقت على اثنتين وسبعين فرقة، وأن المسلمين سيفترقون على ثلاث وسبعين فرقة، ثم قال النبي ﵊: (كلها في النار إلا واحدة، قالوا له: يا رسول الله! ومن هذه الواحدة؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي)، وهو تأكيد لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، وتأكيد لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. وقد كان عبد الله بن عمرو بن العاص يكتب عنه كل ما يسمع في صحيفة سماها الصادقة، فتأخر يوماً من أجل رجل من قريش قال له: أتكتب عن رسول الله ﷺ كل شيء وهو بشر يتكلم بالرضا والغضب؟ فلما انتبه له نبي الله ﷺ يوماً ولم يكتب قال له: ما بالك لم تكتب؟ قال: قال لي فلان من قريش كذا وكذا، فقال: (اكتب والله! لا يخرج من هذا إلا حق في الغضب والرضا)، فصلى الله عليه وسلم. وبإجماع كل مسلم مؤمن منذ عصر الخلفاء الراشدين وعصر النبوءة إلى عصرنا وإلى قيام الساعة بأن السنة النبوية: هي القول أو الفعل أو الإقرار النبوي، ويعتبر شرعاً يجب طاعته والعمل بمقتضاه، وكل عمل فعله رسول الله ﷺ يعتبر شرعاً، وكذا كل شيء وقع في محضر الرسول ﵊ فأقره يعتبر أيضاً شرعاً وديناً. ومن هنا كان النبي ﵊ مشرعاً لدين الله نائماً ومستيقظاً، مسافراً وحاضراً، غاضباً وراضياً، مسالماً ومقاتلاً، وفي كل أحواله؛ لأنه لا يقول ولا ينطق إلا بالحق، ومن هنا نعلم أن قول الله له: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٣] أنه كان عظيماً بحق، فأعانه وحفظه وعصمه من كل الذنوب والآثام كبائرها وصغائرها، حتى في الجاهلية وقبل النبوءة. وقيل للنبي ﵊ يوماً: هل حضرت في شيء مما كان يفعله قومك؟ يريدون من سجود لصنم، ونحوه، أو حضر محفلاً من محافل أوثانهم، قال: لا، إلا ما كان من مرتين -وهو دون العشرين- بلغت أن حفلة زواج عند آل فلان! فذهبت لأحضرها، ويكون فيها لفساد العصر رقص وغناء، وذكر الوثنية والصنمية، قال: لا أدري إلا أني قد دخلت ولم يبتدئوا بشيء بعد، فلم أفق إلا وحرارة الشمس على ظهري، أي: أنامه الله، فلم ير شيئاً ولم يحضر شيئاً، وصانه الله وحفظه. وكرر هذا مرة ثانية فجرى عليه ما جرى، أي: ما كاد يدخل إلا وغلبه النوم، فلم يشعر إلا وحر الشمس على ظهره، ولما أفاق لم يلق أحداً، أي: تفرقوا وتشتتوا وذهب كل لحال سبيله، وما سوى ذلك لم يحضره، وهذا الذي حضره صانه الله منه. ولقد قالوا كما في الحديث الذي في الصحيحين: إن النبي ﵊ (نزل عليه الوحي في غار حراء)، وهو في الأبطح كما كان يسمى في عصر النبوءة: الأبطح والبطحاء، فالنبي ﵊ نزل عليه جبريل وهو في غار حراء يتعبد ويتحنث الليالي ذوات العدد، وكانت عبادته ﷺ الفكر، أي: كان يفكر ليلاً ونهاراً في الأيام التي اختلى فيها في الغار في خلق السماء والأرض، وفي خلق نفسه، والليل والنهار والصيف والشتاء، ونحوها، وهذه الأصنام لا تدرك ولا تعقل ولا تضر ولا تنفع، إذاً فمن؟ الله هو الذي ألهمه أن يفكر، حتى إذا جاءت النبوءة والرسالة يكون في استعداد عقلي ونفسي، وهذا التفكير نفسه يعتبر عبادة وإلى عصرنا، ولذلك ورد أن تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين عاماً، فعلى الإنسان أن يتفكر، فمثلاً: منذ سنة كذا وكذا! لم أكن في الأرض فمن أوجدني؟ ومن خلقني ورعاني؟ ومن جعلني في رحم أمي؟ ومن كلف والدي بأن يعطفا علي ويشرفا على تربيتي؟ ومن أعطاني هذا العقل الذي أفكر به؟ ومن أعطاني هذه الروح التي بها أتحرك وأتصرف؟ وكثيرون كانوا قبلي كذلك ثم ماتوا وذهبوا فما الموت؟ ولماذا جئنا؟ وإلى أين سنذهب؟ وما الحياة؟ فالإنسان الذي لا يفكر في هذا هو حيوان أقرب منه للإنسان، ونحن نرى في كل لحظة أناساً تذهب وأناساً تجيء، وتسمع في كل حين أن فلاناً ولد له ولد، ولد لك حفيد أو حفيدة، وفلاناً مات ﵀، فيتفكر لم جاء هذا وذهب ذاك؟ ويجد مظهر ذلك في قول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فما هذه العبادة؟ وكيف هي؟ فتأتي إلى القرآن المنزل على النبي ﵊ فيقول لك: العبادة أن تنهض بالعقيدة لله؛ لأنه الواحد لا شريك له، وهو الخالق الرزاق المحيي المميت القادر على كل شيء. ثم بعد ذلك ثمتثل أمر الله وأمر رسوله، فأمر أن يصلي الخمس الصلوات في اليوم والليلة، وأن يصوم شهراً من كل سنة وهو رمضان، ويزكي عن ماله إذا بلغ النصاب ومضى عليه الحول، ويحج مرة في العمر، فيأتي إلى هذه الديار المقدسة فيطوف بالكعبة الشريفة، ويسعى بين الصفا والمروة، ويقف يوماً في عرفات، ويقيم ليالي في منى، ومن لم يفعل ذلك فيكون قد أخل بالإسلام وأضاع أركانه، بل ويوشك أن يفقده، فمن لم يفكر في هذا ويعمل به ويسعى فيه يكون إسلامه غير كامل، وقد يصل إلى الكفر والردة نعوذ بالله من الخذلان، ومن السلب بعد العطاء.

стр. 1948

أمر الله نبيه بشكره صباح مساء قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [غافر:٥٥]، العشي: هو المساء، والإبكار: الصباح الباكر، والمعنى: اشكر الله بقولك: سبحان الله، لا إله إلا الله، الله أكبر، وهناك صلاة الإبكار وهي صلاة الصبح، وصلاة العشي وهي صلاة العصر، كما قال الحسن البصري، وقال ابن عباس ﵁: دخلت في هذه الصلوات الخمس كلها. فصلوات العشي ابتداء من الظهر إلى العصر إلى المغرب إلى العشاء، وتبقى صلاة الإبكار وهي الصبح، ولماذا صلاة الظهر في المساء؟ لأن صلاة الظهر تكون عندما تميل وتزول عن كبد السماء كما هو المعلوم؛ لأن الشمس عندما تصل إلى وسط السماء في هذه الحالة لا يبقى للشخص أو للشجرة أو للعود ظل عندما تنصبه؛ لأن الشمس قد وقفت، ثم تميل إلى العشي وذلك الميلان معناه: أن الشمس قد انحازت وقد زالت عن كبد السماء، ودخلت في وقت المساء ووقت العشي. ومن هناك يستمر العشي إلى غروب الشمس، ويبقى إلى دخول جزء من الليل، ويشتمل ما بعد المغرب إلى العشاء، ونقول: ائتني غداً مبكراً، فيكون معناه: وقت صلاة الصبح. يقول ابن عباس: الصلوات الخمس قد نص الله عليها في كتابه إشارة وتلميحاً وتصريحاً، والأمر هنا كذلك. وقال سبحانه في مكان آخر: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨]، فكأن الصلوات هي الستار لهذه الصلاة الوسطى، واختلفوا فيها، وهي صلاة العصر كما نص رسول الله ﷺ عليها في صحيح مسلم. وهكذا اشتمل القرآن على الصلوات في أوقاتها الخمسة، وعلى الحج والصيام، والزكاة، والشهادتين في الدرجة الأولى. وقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [غافر:٥٥] أي: احمد ربك واشكره، وصل صلاة الشكر، والنبي ﵊ كان يقوم الليل متهجداً حتى تفطرت قدماه وتشققت من كثرة القيام والسجود والركوع، فقالت أم المؤمنين عائشة مشفقة عليه من طول القيام: (أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟)، فالله أمر بالشكر عموم المؤمنين، فكيف بسيد المؤمنين صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولذلك قالوا: في هذه الفقرة من الآية الكريمة الأمر بصلاة الشكر. وكأن الله يقول لنبيه: اصبر فالصبر ضياء، ووعد الله لك بالنصر وبهزيمة عدوك وسحقه حق. وكأن معنى الآية: لقد غفر ذنبك فاستغفر لذنبك، وقد فعل واستغفر، فقد كان يقول ﵊: (إنني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة)، وفي رواية: (مائة مرة)، ومع ذلك إذا كان هذا حال المعصوم ﵊ فكيف بالمذنبين الخطائين أمثالنا؟ فهو أمر لرسول الله ﷺ ، وهو أمر لنا من باب أولى، أي: إن كان معصوماً يحتاج إلى الاستغفار فكيف يكون حال الخطائين أمثالنا؟! وإذا كان رسول الله ﵊ يستغفر ربه سبعين أو مائة مرة في اليوم فكم يجب أن نستغفر نحن ليغفر الله لنا؟! وكل ذلك قبله الله من نبيه، وغفر له ونصره وشجعه فقال له: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [غافر:٥٥] أي: اسجد وصل صلاة الشكر، وما هي صلاة الشكر في الإسلام؟ هي الصلوات الخمس وما يتبعها من سنن قبلية وبعدية، وكذلك الصلوات الأخرى كالعيدين، وصلاة الجنازة.

стр. 1949

نسبة الفضل كله لله وهناك سجود الشكر وسجود التلاوة، وأين صلاة الشكر؟ قالوا: -وهذا مختلف فيه، ونعتبره صحيحاً في كلا الخلافين- لما دخل النبي ﷺ مكة فاتحاً عزيزاً مظفراً، وهو على غاية ما يكون من الأدب مع ربه مطأطئاً رأسه، تكاد لحيته الشريفة تمس غضروف الناقة، أدباً مع الله وخضوعاً لجلاله، لا كهيئة الملوك والأباطرة والفاتحين، فعندما يدخلون مدينة فاتحين منتصرين على عدوهم يركب أحدهم فرساً أو جواداً يتراقص به، وقد يعلم الفرس الرقص، فيدخل به الفرس وهو يرقص، ثم يخطبون مهددين وموعدين ومنتقمين. وأما النبي ﷺ فدخل على ناقة مطأطئاً رأسه، جاء وهي تقفز به، ليس فيها رقص ولا تيه ولا تعاظم، دخل ﵊ وهو ينشد نشيد الشكر والوحدانية لله سبحانه، متجرداً عن كل عمل له، بل نسب الفضل لله، فقال ﵊: (الحمد لله الذي نصر عبده، وأعز جنده، وأنجز وعده، وهزم الأحزاب وحده). جاء هذا النصر بعد لغب وبعد ثمان عشرة سنة من تحملات النبي ﵊ لعداوة أعدائه ومكائدهم، وإيذاء أعدائه، وهيأ لهم وأعد وحاربهم حروباً بعد أن هاجموه في المدينة المنورة. ثم عندما دخل مكة فاتحاً لم ينسب لنفسه شيئاً، بل الكل جعله لله، وجعل نفسه في يد الله يصرفها كيف شاء، وذلك من باب قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، ومن باب قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، وكان النبي ﷺ هو الذي يمد يده للبيعة، وكان هو الذي يرمي، ولكن بما أن الأمر من الله، وهو تنفيذ لإرادته سبحانه، نسب الأمر كله إلى ربه سبحانه. فالحاصل: أن النبي ﷺ أدباً مع ربه دخل مكة ولم ينسب لنفسه شيئاً: لا قتالاً ولا جهاداً ولا نصراً ولا عملاً، ونسي كل ما جرى عليه من قطيعة، وهجوم وحرب، وإخراج من بلده، وإجاعة وشتيمة، ورجع يحمد الله على أن كانت النهاية النصر والعزة والظفر، وهكذا ﵊ لم ينسب لنفسه شيئاً، ومن هنا قال الحكيم العارف بالله: إذا أراد أن يظهر فضله عليك خلق ونسب إليك. فنحن نصلي ونصوم ونحمد الله على ذلك، ونرجوه الثبات حتى لقائه، ومع ذلك ألهمنا ووفقنا وهدانا لذلك، ثم سيجازينا عليه كرماً وفضلاً منه. وهكذا كانت حال رسول الله ﵊ عندما دخل مكة فاتحاً، وبعد الفتح خطب خطبة وهو مستند على ظهر الكعبة، فجاءه أبو شاه وهو عربي فقال: يا رسول الله! مر لي بأن تكتب لي خطبة الفتح هذه، فأمر بكتابتها له، ودخل بيت أم هانئ وصلى ثمان ركعات، فذهب الذين رأوا الصلاة أو بلغتهم عن أم هانئ وقالوا: هي صلاة الضحى، وهناك من قال: هي صلاة الشكر، حيث نصر الله نبيه ﷺ ، وأنجز وعده، ونصر جنده، وهزم عدوه، وحيث حقق جميع ما وعد به نبيه ﵊. ومن قال: هي صلاة الضحى حجته أنها كانت في وقت الضحى، أي: بعد الإبكار وقبل الزوال والظهر، وهي صلاة الشكر لأنها كانت عقب الفتح. وعلى ذلك فصلاة الضحى عندما تصلى يوماً في هذا الوقت فهي صلاة في وقت الضحى، وهي شكر لله الذي أكرمه بالنصر والفتح، وهزيمة عدوه. ولذلك أخذوا من هذه صلاة الشكر، وقد سنها النبي ﵊ بفعله وعمله عندما صلى في بيت أم هانئ ثمان ركعات. وكانت صلاة الشكر في هذه الفترة متمثلة بقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [غافر:٥٥] أي: احمد ربك واشكره على ما أعطاك وأكرمك به، وأنجز وعده وحقق مراده فيما كنت ترجوه وترغب إليه، كما سبق أن بشره الله تعالى وهو مسافر مهاجر إلى ربه بالمدينة، وقد وصل للجحفة -وهي رابغ كما نقول لها اليوم- فأنزل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص:٨٥]. فكان وعداً من الله له بأنه قد أعاده إلى معاد، فلما خرج من مكة عاد إليها فاتحاً ولها مالكاً، مكسراً أصنامها مذلاً كفارها.

стр. 1950

نجاسة المشركين ثم بعد ذلك أمره الله بطرد جميع المشركين والكفار، وألا يعودوا يوماً إلى دخول المدينة؛ لأنهم أنجاس، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨]، وإن من الناس اليوم من لا يؤمن بهذا، مع أنه لا يباح لكافر أو لمشرك أو لنصراني أو يهودي ونحوهم أن يدخل مكة والمدينة؛ لأنه نجس، فلو دخل متحايلاً أو زاعماً أنه مسلم ثم هلك ودفن فيجب على من علم بدفنه أن يخرج جثته وجيفته ويبعدها خارج الحرم؛ لأنها نجسة، فهو في الحياة نجس فكيف بعد موته فقد ازداد نجاسة على نجاسة. ولذلك طهر الله تعالى هذه الديار التي شرفها على جميع قارات الأرض، وهي ممر الأنبياء ومقامهم، ومكان البيت المحرم ومكان الكعبة المشرفة، وهي التي لا تنقطع العبادة فيها ليلاً ولا نهاراً، وقد أمر النبي ﵊ من عنده مفاتيح الكعبة فقال: (يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً يطوف بهذا البيت من ليل أو نهار) وأمرهم ألا يغلقوا أبوابها، وهكذا الأمر، فجميع بيوت الله تغلق أبوابها؛ لأن الصلوات لها أوقات معروفة وما بين الصلوات وخاصة في الليل لا حاجة لفتح أبوابها. وأما بيت الله الحرام فالطواف لا وقت له، والعمرة كذلك لا وقت لها، وعلى ذلك فجميع الأوقات الصباح والمساء بعد صلاة الصبح وبعد العصر، وفي جميع الأوقات والأزمان يعبد الله في الحرم: بالإحرام، وبالطواف، وبالسعي، وبالصلاة، وبالذكر، وبالتلاوة، بل وبمجرد الجلوس في بيت الله الحرام والنظر إليه دون قول ولا ذكر ولا تلاوة. ولذلك ملكه الله هذه الديار المقدسة، وطرد عنها عدوه، وأمره بالشكر بقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [غافر:٥٥]، قوله: (في العشي) أي: بالعشي، وحروف الجر ينوب بعضها عن بعض، والعشي هو المساء، والإبكار: الصباح، وقد قال النبي ﵊: (بورك لأمتي في بكورها)، وجعلت البركة في البكور.

стр. 1951

تفسير قوله تعالى: (إن الذين يجادلون في آيات الله) ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر:٥٦]. يوجد قوم من وقت نزول الآية الكريمة وإلى عصرنا كفرة بالله منافقون، ويحاولون أن يخاصموك ويجادلوك بالكلام على آيات الله، وبالكلام على أحاديث رسول الله ﷺ ، وبالكلام في الحلال والحرام، وأحدهم أجهل من الحمار، وأبعد من أن يميز بين اليد والقلم، وهؤلاء عندما يأتون فإنهم يحرفون كلام الله، وكثيراً ما يصنعون ذلك في كتب التفاسير في عصرنا، فأخذوا يقولون كلمة من الدجل والشعوذة: والتفسير العلمي لكتاب الله في هذا العصر! فهذا شيوعي زعم أنه تاب وعاد إلى الإسلام، وكتب ما يسمى بهذا الاسم، وصار يسمع صوته في الإذاعة وفي التلفزة، وقد يكتب في الجرائد، وقد يكتب كتباً، وهو دجال كذاب فاحذروه وانتبهوا له، في رسائله وفيما يقوله من شتم للنبي ﵊، وكفر بالله، وتحريف لكتابه، وتفسير لآياته بخرافته، وكثيرون كذلك، وأكثر ما كتب في هذا العصر في التفسير على هذه الطريقة. فهؤلاء يريدون أن يجادلوا ويخاصموا ويزعموا إبداؤهم الحجج والبراهين في تحريف كلام الله وتأويله على غير وجهة، وهؤلاء يقول الله عنهم: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر:٥٦] (إن) بمعنى: ما النافية، أي: ما هو إلا كبر في صدورهم، أي: في قلوبهم الكبرياء والكفران، فلا يطيعون ربهم أو نبيهم أو خلفاء نبيهم من العلماء والدعاة إلى الله، فيذهبون ويقولون: لماذا نطيعهم فكلنا نفهم؟ ولماذا لا تفهمون إلا أنتم؟ فنقول لهم: نعم نفهم نحن وأنتم، ولكننا درسنا، فأنتم ينبغي أن تدرسوا ما الله جعله واضحاً وبيناً، فأنت يا أيها الذي لا تميز بين سطر في جريدة وسطر في كتاب الله أتريد أن تفسر كلام الله؟! فيقول لك: ولماذا لا أفعل؟ وهكذا هؤلاء لعنهم الله تعالى وأضاع عقولهم ومسخهم، وأتوا من القول بكلام ما أنزل الله به من سلطان. وأحد كبرائهم في هذا العصر -وهو رئيس دولة، وهو كافر بالله؛ لإنكاره السنة- قال: لا أؤمن إلا بما في القرآن! فرجع إلى القرآن فقال: القرآن ليست فيه الصلوات خمس، ولا صيام ثلاثين يوماً، وليس فيه تفاصيل الزكاة، والقرآن أكثر ما أنزل فيه المجاز، ومعاني الكثير من الكلمات إنما هي مجازات وإشارات لأشياء أخرى. وهذا هو فعل كل الفرق الضالة المضلة التي أخبرنا عنها نبي الله ﷺ في حديث الافتراق، فقال عنها: (كلها في النار)، فهي تزعم الإسلام وهي أكذب خلق الله على الإطلاق، وأقبح من اليهود والنصارى، فالنصراني لا يقدر أن يأتي إليك ويقول: تعال أعلمك كتاب دينك وسنة نبيك، فأنت تعلم أنه لا دخل ليهودي ولا لنصراني في الإسلام، وأما هذا فيزعم أنه مسلم، ويأتي ويحرف. يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ [غافر:٥٦] فيجادلون ويخاصمون وينازعون ويحاولون الحجاج كذباً وزوراً، ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ [غافر:٥٦] أي: بغير دليل وبرهان، وبغير حجة من قرآن أو حديث أو إجماع أو لغة، إن كلامهم إلا الهراء والعواء كعواء الكلاب والذئاب. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ [غافر:٥٦] أي: في كتابه وفي قدرته، وفي معجزات أنبيائه، وفي دينه بغير دليل ولا برهان، وكأن الله يقول: ما هؤلاء يريدون حقيقة إلا كبرياء في صدورهم وقلوبهم.

стр. 1952

الكبر في قلوب الأعداء وقوله تعالى: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر:٥٦] أي: إن في صدورهم إلا تكبر على الحق، واستعلاء على الإسلام وعلى رسوله وكتابه. فكأن الله يقول: هؤلاء الذي يضمرون في قلوبهم وصدورهم الكبر ما هم ببالغيه، أي: لم يصلوا إليه يوماً قط. ومن هم هؤلاء؟ الآية تدل على العموم، وأن كل كافر من كل جنس يفعل هذا ويصنعه، وصدق الله العظيم، فهم يظنون أن الإسلام يجب أن ينقلب وينتهي، وهم طالما زعموا ذلك وسعوا إليه منذ الوفاة النبوية وإلى يومنا هذا.

стр. 1953

نصر الله لأوليائه وحفظه لدينه عندما توفي النبي ﵊ زعموا أنهم قضوا على الإسلام، وعندما ارتد من ارتد، وادعى النبوءة من ادعى، وحرف في الأركان من حرف، فرحوا للكبر الذي في نفوسهم، وإذا بالله الكريم يسلط عليهم خليفة نبيه، الخليفة الأول: أبا بكر رضوان الله عليه، ففي خلال سنتين لم يبق من هؤلاء نفس يتحرك، وصاروا بين قتيل وشريد وطريد خارج جزيرة العرب، وعاد الإسلام لقوته ولسلطانه، وعاد لانتشاره في بقاع الأرض. ثم جاء عمر فأخذ ينشره أيضاً في البقاع والأصقاع، ثم جاء بعد ذلك قتال في عصر بني أمية وعصر بني العباس وعصر بني عثمان، فكان الصليبيون والتتار، وكان أخذ الكثير من بلاد الإسلام كغرب الأندلس، وما وراء البحار من أرض في الصين، ومن أراض في روسيا وما إلى ذلك، وكل مرة يظنون أن الإسلام انتهى، وإذا بهم هم الذين ينتهون، فقد كانوا في هذه الأرض التي دنست ونجست باليهود وحلفائهم وأنصارهم أعني: بيت المقدس، فأقاموا نحو مائة عام، وبعد ذلك جاء أمير صغير ما هو بعربي ولا قرشي، وإنما هو كردي، فنصره الله النصر العزيز المؤزر، فطرد كل هؤلاء إلى البحار وإلى بلدانهم، وعاد للأقصى مقامه، وعادت فيه الصلاة والإسلام، وذهبوا -أي: اليهود وأذنابهم- في أمس الغابرين، والتاريخ يعيد نفسه. وجاء التتار فمزقوا وخربوا وقتلوا الملايين، فأين هم؟ من بقي أسلم، ومن ذهب فإلى جهنم، ومن مات من المسلمين فقد مات بأجله، وإن صحت شهادته فهو شهيد، وإن لم تصح فهو على ما هو عليه. وهكذا بعد ذلك عاد الإسلام أقوى مما كان في العصر الثامن وبداية السابع ووسطه، فقد جاء محمد الفاتح وفتح الله على يده القسطنطينية التي طالما طمع الصحابة في فتحها عندما قال لهم النبي ﵊: (ستفتحون مدينة نصفها على البر ونصفها على البحر، يقال لها: القسطنطينية، فنعم الأمير أميرها، ونعم الجيش جيشها)، فكانوا يطمعون أن يفعلوا ذلك، فابتدأ ذلك بقيادة أبي أيوب الأنصاري مضيف رسول الله ﵊ فاستشهد عند الباب، وبقي هناك، وبعد قرون اشتغل المسلمون في حروب مع بعضهم، إلى أن جاء بنو عثمان فجاء منهم محمد الفاتح، ففتح القسطنطينية وجعلها دار إسلام. ولذلك فاسمها: إسلام بول لا إسطنبول، وإنما تحرف الاسم، وبول: معناها (مدينة)، فسماها مدينة الإسلام، وهي إلى اليوم ولله الحمد مشاعة فيها المساجد، دائمة الصلاة والعبادة، وقد جاء من حاول أن يفسد أهلها ويعيدهم للكفر والردة، فما أعاد إلا نفسه ومن أغواه الله وأضله، وعادت البلاد إلى دين الله وعبادته، والأمر يزداد حسناً والإسلام انتشاراً، والناس عودة لدين الله أكثر مما مضى، ويوشك الأمر أن يتم بالتحالف وبالتآخي مع الدول والشعوب الإسلامية عرباً وعجماً، ليتم هذا مع فاتح القرن في نصرة الإسلام، وسحق اليهود والنصارى وحلفائهم المستسلمين لهم من المنافقين المرتدين، أعداء الله والإسلام. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر:٥٦]، قالوا: إن الآية نزلت من أجل اليهود، أي: هم السبب في نزولها، والقاعدة الأصولية تقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فنزلت من أجل هؤلاء إن صح، فهؤلاء اليهود قد تكبروا على رسول الله ﷺ ، وطمعوا فيما لا مطمع فيه، طمعوا أن يغلبوه ويخرجوه من المدينة، فألبوا عليه العرب حال كفرهم، فجاءت غطفان، وجاء بنو تميم، وجاءت قريش من أرض الحجاز، وجاء آخرون من أرض نجد ومن بقية الجزيرة العربية، فكانت غزوة الأحزاب أو غزوة الخندق، وهم يظنون أنهم سيغلبون رسول الله ﷺ ويقضون على إسلامه، وأن النبي الآخر الذي يكون في آخر الزمان سيكون يهودياً؛ لأنهم لم يؤمنوا بعيسى المسيح، وهم ينتظرون الآن الدجال ويقولون عنه: هو المسيح المنتظر، وهذا من فساد عقائدهم، وغضب الله عليهم، ولعنته الشاملة لهم منذ كانوا وإلى يوم القيامة. فعندما بدلوا وغيروا وأذنبوا وحاربوا الأنبياء وقتلوهم وقاتلوهم قال الله عنهم: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ﴾ [غافر:٥٦]، والمراد بالصدر: القلب، أي: إن في قلوبهم وضمائرهم ﴿إِلَّا كِبْرٌ﴾ [غافر:٥٦]، أي: تكبر وتعاظم، بأنهم سينتصرون على الإسلام، ويقضون على محمد رسول الله ﷺ .

стр. 1954

تفسير سورة غافر [٥٦ - ٥٩] لقد ذم الله تعالى الذين يجادلون في الله تعالى بغير علم؛ ليدحضوا الحق، ويحقوا الباطل، فكثير من هؤلاء في نفوسهم كبر عن الخضوع للحق والانقياد له، ولن ينالوا ما في نفوسهم ولو فعلوا ما فعلوا، ولا يستوي من كان بصيراً بدينه وبحقائق الحياة ومن هو أعمى يتخبط في دياجير الظلمة والشك والاضطراب.

стр. 1955

تفسير قوله تعالى: (إن الذين يجادلون في آيات الله) قال الله ﷻ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر:٥٦]. يوبخ ربنا ﷻ ويذم من يجادل في كتاب الله، وفي معجزات الأنبياء، وفي قدرة الله وانفراده بالوحدانية، يجادل بالباطل ليبطل الحق ويحق الباطل بغير علم ولا فهم ولا إدراك ولا سلطان ولا دليل ولا برهان، وإنما يفتحون أفواههم زعماً منهم أنهم يفهمون الكلام والدليل والبرهان، وما هم إلا يهلكون فيما لا يعرفون، فكأن الله يقول: هؤلاء عندما يفعلون ذلك يقصدون شيئاً آخر: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر:٥٦] أي: ما في صدورهم إلا كبر واستعلاء وتعاظم على الحق، وقيل: إن هذه الآية نزلت لأجل اليهود الذين كانوا يمنون أنفسهم بالغلبة على الإسلام وعلى الرسول ﷺ ، متمنين أن يكون آخر الأنبياء هو من بني إسرائيل، وكان ذلك منهم مجرد توهم وظن. فعندما جاء نبي الله من غير بني إسرائيل تعاظموا وتكبروا واستعلوا على الحق، وهم في ذلك يجادلون بالباطل، وكذلك كانوا منذ هاجر النبي ﵊ إلى المدينة المنورة، فقد أخذوا يتواردون عليه صباحاً ومساء يحاولون جداله وحواره بالباطل الذي لا دليل عليه. وقد قررنا أن هذه السورة مكية إلا بضع آيات، فإن صح هذا السبب في النزول فتكون هذه الآية نزلت في المدينة المنورة؛ لأجل هؤلاء، على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فهذه الآية كانت بسبب اليهود، ولكنها بعد ذلك عمت كل متكبر عن الحق، مستعل عليه، متمن للقضاء على الحق وظهور الباطل ونصرته، فالآية تعمه وتشمله، ويدخل في ويلاتها وعذابها. والمعنى: أن كل من يجادل في شيء ويخاصم في الحق بلا علم ولا فهم ولا إدراك يكون متعالياً على الحق، ويكون غير مقبول القول والكلام، ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر:٥٦]، فالخبر عن الأولين واللاحقين، فما عملهم ذلك إلا لكبر في صدورهم، والصدر: موضع القلب، فكأن المعنى: ما ذلك إلا بسبب ما في قلوبهم وضمائرهم من تعال على الحق. ولكن هذه الأماني التي في أنفسهم وفي قلوبهم ما هم ببالغيها أبداً، وهكذا كان، فما كاد النبي ﷺ يرتفع إلى الرفيق الأعلى حتى كان اليهود مطرودين مقتولين مشردين، وحتى أوصى بالبقية الباقية منهم خلفاءه من بعده، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو على فراش الموت: (ألا فأخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب)، (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب). وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [غافر:٥٦] أي: فاستعذ بالله من هؤلاء، ومن مثل أعمالهم وأشكالهم وأضرابهم، هؤلاء الذين يحاولون القتال والجدال، وأن يظهروا الباطل ليدحضوا به الحق، ويحقوا الباطل كذباً وزوراً وجهلاً ووثنية، فاستعذ بالله منهم ومن عقائدهم، ومن أمثالهم. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر:٥٦] أي: هو الذي يسمعكم ويسمع تحاوركم، ويسمع المحق منكم من المبطل، وهو البصير ﷻ ، والناظر للصادق منكم والكاذب، وفي هذا تهديد ووعيد لكل من يحاول أن يبتعد عن الحق بالكلام الباطل، والدليل المزيف، والقول بلا دليل ولا برهان.

стр. 1956

تفسير قوله تعالى: (لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس) ثم قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧]. يقول ربنا للمنكرين للبعث: أنتم تعلمون وتشهدون وتعترفون وترون بالأعين وتسمعون بالأصوات أن السموات والأرض خالقها الله وبانيها، فهل هذا الذي قدر على خلق السموات والأرض عجز عن أن يخلق إنساناً ويكونه مرة ثانية وقد أوجده من قبل من العدم؟! كما قال تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]. فالذي خلق السموات والأرض أكبر جرماً وأكثر امتداداً، يعجز عن خلق هذا الإنسان الضعيف الخلقة مرة أخرى؟ وهذا كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف:٣٣]. أي: ألم ير هؤلاء المشركون المنكرون للبعث وللحياة بعد الموت، وللذهاب للآخرة، كيف خلق السموات والأرض في ستة أيام، ولم يجد صعوبة ولم يعي بخلقها، خلافاً للنصارى والوثنيين المشركين عبدت الصليب؛ لأنه خلقها في ستة أيام ثم تعب فاستراح، وصعد على العرش حاشا الله! ومعاذ الله! وسبحان الله! بل لم يعيى في خلقهم سبحانه وهو القائل: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، فلم يتعب عليها ولا يسلكه ذلك، وإنما ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٤٧]. فخلق السموات والأرض على كبرهما وعظمة أجرامهما، ولم يكلفه ذلك أكبر من أن تمسكا. وقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:٥٧]، أي: أعظم في صدورهم، وإلا فالكل على الله هين، فهو يخلق القليل والكثير، هو الذي خلق السموات وخلق الذبابة والناموسة، والبشر والخلق كلهم يعجزون أن يخلقوا ذبابة على حقارتها وضآلتها. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧] أي: ولكن أكثر الناس لا يعلمون توحيداً ولا حقيقة ولا قدرة ولا إيماناً، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]، وكقوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٣ - ١٤]. ولم ينجو من عذاب الله، ولم يكرم بالتوحيد وبالإيمان إلا قليل من السابقين والآخرين، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧].

стр. 1957

تفسير قوله تعالى: (وما يستوي الأعمى والبصير) ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر:٥٨]. يضرب الله الأمثال للجن والإنس ليفهموا المعاني ويعوها، فهل يستوي أعمى وبصير؟ هيهات هيهات أن يستوي بصير ينظر ويرى النور والضياء والخلق والناس مع الأعمى الذي لا يرى قريباً ولا بعيداً، ثم ضرب الله مثلاً آخر: وهو هل يستوي الذين آمنوا وعملوا الصالحات مع الذين كفروا وفعلوا المنكرات؟ هيهات أن يستويان، فذاك مؤمن موحد من أهل الرضا والإيمان، والآخر من أهل الغضب والسخط الإلهي من الخالدين في جهنم والنيران. وقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر:٥٨] أي: تتذكرون قليلاً، أو لا تتذكرون وتعلمون وتعون وتدركون إلا قليلاً، أي: قليلاً من الناس المتذكرون، وقليلاً في أنفسكم الذكرى، حتى المؤمن تجده يغفل ويسهو أكثر أوقاته وأزمانه، فإذا هو تذكر ففي القليل من الزمن. فتجد الناس القليل منهم من يتذكر ويقول: من خلق هذا العالم؟ من الذي خلق الحياة والممات؟ من الذي دبر الكون؟ التفكير في هذا عبادة، ومن فكر كذلك فلا يكاد يصل إلا إلى الحقيقة، وهذه الحقيقة هي أن الله الخالق الرزاق المحيي المميت ﷻ وعز مقامه.

стр. 1958

تفسير قوله تعالى: (إن الساعة لآتية لا ريب فيها) قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر:٥٩]. يشيب هؤلاء المجرمون من بعد ما تعاظموا، ثم يكون أحدهم جيفة وجثة هامدة، ثم يعود تراباً كما كان، ثم تتجمع بعد ذلك خلايا بدنه وعظامه وعصبه ولحمه فيستوي إنساناً سوياً كما كان في دار الدنيا، وشك المجرمون في هذا، وشكهم جاء من نقص عقولهم وضعفها، ومن جهلهم وعدم علمهم، فعندما قالوا ما حكاه الله عنهم: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] رد عليهم بقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩]. وكل ذي بصيرة قبل أن يكون ذا بصر يعلم أننا موجودون ولم نكن قبل، لنقل: لم نكن قبل خمسين أو سبعين أو مائة سنة، فأين كنا؟ وأين من كان على الأرض؟ وأين أولئك الآلاف بل الملايين الذين كانوا يدخلون البيت الحرام صباحاً ومساء، وفي مواسم الحج؟ جاءوا وذهبوا، وجئنا نحن ولم نتأمل من الذي أتى بنا؟ ومن الذي خلقنا ومم خلقنا؟ إن قلت: خلقنا من تراب فهو خالق التراب، وإن قلت: من نطفة فهو خالق النطفة. فالله خلقنا ولمن نكن نعد شيئاً في الوجود، ثم بعد ذلك أماتنا، وهو الذي يحيينا بعد موتنا وهو أقدر على عودتنا للحياة وأهون عليه، فالذي أوجدنا من عدم وهو الله سيعيدنا بعد أن كنا إلى ما كنا عليه. فيحيينا ربنا على الحالة التي نموت عليها، ثم من دخل الجنة فإنه يدخلها ابن ثلاثة وثلاثين عاماً، على طول أبيهم آدم، وعلى جمال يوسف، فتلك أطوار ومراتب في الخلق، فالله وحده هو القادر عليها لا يقدر عليها أحد سواه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ [غافر:٥٩] هذه اللام للتأكيد، يؤتى بها بعد دخول (إن) على الاسم ليؤكد بها ثبوت الخبر بالنسبة للاسم، فـ (إن) التي تطلب الاسم لتنصبه والخبر لترفعه فيها معنى التأكيد، واللام إذا دخلت على الخبر يكون تأكيداً بعد تأكيد، فالساعة ستأتي يوماً ولا بد منها، وإن الصبح لناظره قريب، ففي الآية تأكيد بعد تأكيد، ويقين بعد يقين، فهي آتية لا شك فيها ولا ريب. ولذلك من العقائد الأساسية في جميع الأديان: الإيمان بالبعث وبالحياة الثانية، وهو جزء من أصول الإيمان، فمن أنكره يعتبر كافراً لا تبقى له صلاة ولا إيمان، ومن هنا كان حديث جبريل عندما دخل على النبي ﵊ في صورة إنسان جميل الشكل عطر الحالة، شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، وأخذ يسأل ما الإيمان؟ فكان الجواب النبوي: (أن تؤمن بالله، وبالقدر خيره وشره، وأن تؤمن باليوم الآخر) أي: بالحياة بعد الموت. والقرآن مبني كله على هذه العقائد، وما الأحكام إلا أشياء جاءت بعد، وهانحن نرى أن جميع السور المكية تخلو من الأحكام، وإنما هي في قصص الأنبياء، وفي الكلام عن التوحيد، وفي حال الأمم الكافرة المشركة المكذبة، وما آل إليها أمرها، وفيها كذلك إظهار بديع خلق الله وقدرته، كخلقه للسماوات والأرض وما فيهن وما بينهن: من خلق الإنسان ذي الجرم الصغير، الذي حوى العالم الكبير ببصيرته، وبإدراكه للأمر والنهي، فخلقه الله وسواه وصوره فأحسن تصويره، فسبحان من هو على كل شيء قدير. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر:٥٩] أي: لا يؤمنون بالساعة ولا بيوم القيامة. والنصارى يزعمون أنهم على دين، وقد كان ذلك قبل ظهور نبينا ﵊، وبعد ظهوره كانت خيانتهم، فأيديهم حرفت وبدلت وعبثت بالإنجيل، وانتقل الانتساب للنصرانية إلى انتساب للوثنية والشرك، ويذكرون أن عيسى رباً، وأن مريم كذلك، وصاحبة أيضاً، أو أنهم جميعاً أبناء الله، تعالى الله وتنزه سبحانه عن كل ذلك. ثم جاء الإسلام ونسخ النصرانية لو كانت صحيحة، فكيف وقد غيرت وبدلت ونسخت؟! فهؤلاء كانوا يعتقدون من التغيير الذي غيروه أن الحياة الثانية تكون في الأرواح فقط، وأن ما ذكر في الكتب السماوية من نعيم وعذاب إنما هو أشياء روحية ونفسية لا تتعلق بالذوات, وذاك كفر وشرك، ومن اعتقد ذلك ودعا إليه من المسلمين فليس له من الإسلام إلا الاسم، والفرق الداعية لذلك من الفرق التي أخبر النبي ﵊ أنها كلها في النار، والتي في الجنة ليست إلا التي عاشت واعتقدت واهتدت بما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وما سوى ذلك فكلهم كفرة كذبة على الله، مؤولون ومتلاعبون بكتاب ربهم وسنة نبيهم. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر:٥٩] أي: أكثر الناس على الشرك والكفر. هذا نوح ﵇ لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً وهو يدعوهم إلى لا إله إلا الله، فأنكروها عليه، ولم يكلفهم بأكثر من ذلك، ومع ذلك أخبره الله تعالى بعد هذه القرون الطويلة أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، وما آمن معه إلا قليل، المقل من المفسرين قال: اثنا عشر، والمكثر قال: سبعون شخصاً، فهذه المجموعات أنقذها الله من آلاف الخلق الذين عاقبهم الله بالطوفان وأغرقهم، فلم يبق صغيرهم ولا كبيرهم، ولم يترك إنسهم ولا جنهم، ولا إنسانهم ولا حيوانهم، إلا ما ركب السفينة أو أمر نوح بإركابه.

стр. 1959

تفسير سورة غافر [٦٠ - ٦٥] لقد حثنا الله تعالى على دعائه ووعدنا بالاستجابة، ثم توعد الذين يستكبرون عن دعائه وعبادته بدخول النار وبئس المصير، ثم عدّد الله تعالى نعمه على عباده، فهو الذي جعل الليل سكناً، وجعل النهار مبصراً، فالليل لباس والنهار معاش، وهو أيضاً الذي جعل الأرض لنا قراراً، وصورنا فأحسن صورنا، ورزقنا من الطيبات، فإذا كان الأمر كذلك فهو المستحق للعبادة وحده سبحانه.

стр. 1960

تفسير قوله تعالى: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم) قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]. يقول الله لعبده ونبيه: قل يا محمد للجن والإنس ومن أرسلت إليه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، (ادعوني) أي: اعبدوني بندائي في الدعاء يا الله، واطلبوني في كل ما تريدون. والله ﷻ انفرد بأنه الذي يحب أن يدعى ويطلب منه، فحتى ملح طعامك إذا لم تجده فادع الله، وحتى شسع نعلك إذا انقطع فادع الله، والناس عادة يملون من كثرة السؤال، لكن الله ﷻ يحب العبد السائل الداعي، يحبه عندما يدعو ويضرع قائلاً: يا رب! لا باب إلا بابك، ولا رب لي إلا أنت، ولا معطي ولا مانع إلا أنت، ولا هادي إلا أنت، فإذا طردتني فأي باب أطرق؟ ومن أدعو وأطلب؟ وكما في الحديث القدسي: (عليكم الدعاء وعلي الإجابة)، أوجب الله ذلك على نفسه بعد أن أوجب الدعاء علينا، وفي حديث نبوي آخر: (الدعاء هو العبادة)، وهو في صحيح ابن حبان، وصحيح الحاكم، وفي السنن الأربع لـ أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وهو في الكثير من أمهات السنة المطهرة. وكذلك في الحديث الآخر الذي في الصحاح والسنن: (من لم يدع الله يغضب عليه)، فالدعاء هو جزء من أجزاء العبادة، وشعبة من شعبها؛ لأن معنى قول الداعي: أعطني يا الله، أي: أنك أكدت واعتقدت على أنه لا قادر على العطاء والمنع إلا هو. فمجرد هذا الاعتقاد في نفسك عبادة، فإذا أنت نصبت به وأعلنته تكون عالماً بخالقك وبعقيدتك، ولذلك أيضاً في الصحيح وفي السنن: (من لم يسأل الله يغضب عليه)، ولا يدخل هذا المدخل -أي: نزل سؤال الله- إلا مخذول، يدعوك الله للدعاء ليستجيب لك دعاءك، ومع ذلك تتأخر عنه وهو القادر على كل شيء. ومما يدل على أن الدعاء عبادة قوله تعالى هنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠]، أي: عن دعائي وسؤالي ورجائي. لذلك قال الله في أول الآية: ((ادْعُونِي)) وفي آخرها: ((عبادتي)) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠] أي: يتعاظمون عن ربهم، عن عبادته، وعن اتباع أنبيائه، فهؤلاء يشركون بالله؛ لأنهم لا يعبدون الله، وقد جعلوا له شركاء عبدوهم معه، أوثاناً وأصناماً وأوهاماً ما أنزل الله بها من سلطان، المتكبرون المتعاظمون عن دعوات الرسل، جزاؤهم ما قال الله في آخر الآية: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]، أي: أذلاء صاغرين، فسيدخلون جهنم بشركهم وكفرهم وبعدهم عن الله، ولتعاظمهم عن أمر الله وطاعة رسله. إذاً: فمن تكبروا عن دعاء ربهم يهددهم الله ويتوعدهم وينذرهم بأنهم سيدخلون جهنم أذلاء صاغرين، أحبوا أم كرهوا. ولذلك الدعاء له مقام كبير في الإسلام، فالدعاء نفسه عبادة من عبادات الله، ولذلك النبي ﵊ كانت له أذكار ودعوات صباحية ومسائية ونهارية، وعند النوم وعند الصحو، وعند الخروج من الدار وعند الدخول إليها، وعند السفر وفي الحضر، ودخول المساجد والخروج منها، وفي جميع الأحوال، وقد اعتنى بذلك العلماء من سلفنا الصالح، فكتبوا من الأوراد والأذكار التي التزمها النبي ﵊، والتي علمها أتباعه المؤمنين، أوسع وأكثر هذه المراجع الأذكار للنووي، وقد شرح في عدة مجلدات، وأقربها للمعنى أذكار ابن القيم، وأذكار الشوكاني، وأذكار السيوطي، وهذه الكتب على اتصالها بالموضوع تتحدث عن صحتها وعن ضعفها، وعن أسباب ورودها في الكثير من الأحيان. فينبغي للمؤمن أن يلتزم بذلك؛ ليكون في حصن حصين؛ لأن الذكر والدعاء من الله يتحصن به الإنسان من شر ذوي الشر من الجن والإنس.

стр. 1961

تفسير قوله تعالى: (الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه) ثم قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر:٦١]. فالله ﷻ هو الذي أكرم خلقه وعباده بأن جعل لهم الليل للهدوء والراحة والاستقرار من تعب النهار، من خدمة الزوجة والولد والمجتمع، والعمل بما يكرم به وجهه عن الحاجة إلى الناس، فلا يكاد يأتي المساء إلا وقد وجد جهداً وتعباً وإعياء، فجعل الله الليل كله للخلق كلهم سكناً للراحة، فقال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [غافر:٦١] أي: لنسكن فيه ونستريح، ولتسكن أعضاؤنا وتستريح نفوسنا، وليهدأ عقلنا من كثرة التفكير والدوران، ومعلوم أن الإحساس الذي تحس به النفس فيه مشقة وتعب، وأما عند النوم فلا تحس بشيء. فينام الإنسان وهو كليل متعب مجهد، فإذا نام من غير تعب ومن غير رؤى مزعجة ومن غير فكر ومن غير سهر وضياع وقت فإنه يصبح الصباح وهو على غاية ما يكون من راحة بدنية واستقرار نفسي، وإن شغله مرض أو أو شاغل أياً كان فإنه يصبح ذلك اليوم مريضاً أو كالمريض. فالحاصل: أن الله جعل الليل للسكون والراحة، ومن هنا كره ﷺ العمل والسهر بعد العشاء، وكره النوم قبله. وللنوم مبكراً فوائد منها: أن يصحو الإنسان قبل الأذان بساعة أو أكثر، فيتهجد لله ركعات، وتعد من أخلص الركعات، وأنواع العبادات للإنسان في ذلك الوقت أخبرنا عنها نبينا ﵊، فعند أن ينزل ربنا إلى سماء الدنيا فإنه يقول: (هل من داعي فاستجيب له؟ هل من شاكٍ فاستجيب له؟ هل من جائع فأشبعه؟ هل من عار فأكسوه؟ هل من مظلوم فأنصره؟)، إلى آخر ما ورد، والحديث صحيح متواتر، ولـ ابن تيمية فيه كتاب مفيد في مخارجه ومعانيه، ومفيد في تقصي ما ورد فيه من ألفاظ ومعاني. وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [غافر:٦١] أي: مضيئاً، وأضاء النهار لنرى أعمالنا وأشغالنا ونتفرغ لها، فلا نوم في النهار ولا صحو في الليل، إلا ما كان من القيلولة التي لا تتجاوز دقائق امتثالاً لحديث: (قيلوا فإن الشياطين لا تقيل). والله هو الذي جعل النهار مبصراً مضيئاً منيراً للعمل، وجعل الليل للراحة، وجعله مظلماً ليستريح الإنسان وينام، وعم بذلك الخلق. وأما النهار فجعله الله مضيئاً منيراً لعمل الناس، ولخدمة العيال والقيام عليهم، وهو في حد ذاته عبادة، حتى لا تحوجهم الحاجة إلى السؤال، وطلب ما في أيدي الناس من أوساخ، ومما لا يليق بأن يكون ذلك لإنسان قادر على العمل ولم يعمل، وفي قصة سعد بن أبي وقاص لما مرض في مكة وظن أنه سيموت ولم تكن له إلا بنت واحدة، فأراد أن يخرج عن أكثر ماله، فمنعه النبي ﵊ وقال: (إن كان ولا بد فالثلث والثلث كثير)، ومع ذلك أخبره بأنه لن يموت من هذا المرض، ولم يمت، بل عاش إلى أن أصبح له أولاد وبنات. فعندما قال له النبي ﵊: (إنك إن تترك أولادك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس)، كان يتصور هذه الكلمة وهو لا أولاد له إلا بنتاً واحدة لعلها ستتزوج وينفق عليها زوجها، ولكن هذه كانت بشرى له من رسول الله ﷺ بأنه لن يموت في هذا المرض، ولن يموت حتى يكون له أولاد، فيترك لهم إرثاً خلفاً يستغنون به عما في أيدي الناس.

стр. 1962

تفسير قوله تعالى: (إن الله لذو فضل على الناس) قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر:٦١]. أي: إن الله ﷻ ذو فضل على الناس بأن خلقهم ورزقهم وأراحهم، ونظم أوقاتهم: الليل للراحة والنهار للعمل، وهداهم واصطفاهم، وذاك من فضل الله. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر:٦١]. أي: هم مع غير العالمين، ومع المشركين المرتدين، مع المنحرفين الضالين، ولكن الخير دائماً قليل كالملح في الطعام، وإنما وظيفة الرسل وخلفائهم من العلماء أن يبلغوا دين الله كتاباً وسنة، وما عدا ذلك فلا يكلفون به، ولكن على الحاكم أن يجبرهم على الحق بحد السيف، وذلك بإقامة الحدود، وبنشر الأمان والعدل، ومن حدثته نفسه بالإخلال الأمني وبالفساد في الأرض فإنه يفعل به ما أمر الله به ورسوله، فمن قتل وقطع وصلب، فجلد فنفيهم من الأرض، كل على حسب جريمته وذنبه ومصيبته.

стр. 1963

تفسير قوله تعالى: (ذلكم الله ربكم خالق كل شيء) ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر:٦٢]. قوله: (ذلكم) الإشارة بـ (ذا)، و (كم) إذا أضيف لاسم الإشارة يكون المضاف إليه حسب المخاطبين، ففي المفرد يكون مفرداً، وفي الأنثى أنثى، وإن مثنى فمثنى، وإن كان لجماعة الذكور فمذكراً، أو للإناث فمؤنثاً. فهنا يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ [غافر:٦٢] أي يقول الله لخلقه وعباده ذكور وإناث: ذلكم الذي قدر البعثة وقدر الحياة الثانية، وخلق الجنة والنار، وعرض الخلق عليه يوم القيامة إما إلى جنة وإما إلى نار، وذاك الذي جعل الليل سكناً والنهار معاشاً: هو الله الذي خلق الإنسان من عدم، ثم أماته ثم أحياه بعد ذلك. ثم مضى الله في الآية من هذه السورة الشريفة المكرمة، وكل فاعل ذلك هو الله الذي لا إله إلا هو، فلا ثاني له ولا شريك لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. وقوله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام:٩٥] أي: أنى تصرفون عن الحق وهو بين واضح، تراه عينك وتدركه بصيرتك وتسمعه أذنك؟ ومع ذلك ذكركم الله ونبهكم، وأرسل لكم رسلاً مبشرين ومنذرين؛ ليعينكم على عبادته وطاعته، ومع كل هذا فكيف تركتم ذلك وأشركتم بالله؟ وكيف تركتم الاستدلال بدليل العقل والوعي والفهم؟ وأنى صرفتم عن التوحيد للشرك، وعن الحق للباطل؟

стр. 1964

تفسير قوله تعالى: (كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون) ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر:٦٣]. أي: كذلك يؤفك من الأمم السابقة الكفار الذين تمردوا على أنبيائهم، وكذلك حصل لهم أن صرفوا عن الحق، وكفروا بآيات الله وبقدرته، وبكتبه وبمعجزات أنبيائهم، وكذلك صرفوا عن الحق إجمالاً وأوقفوا عنه. كما عمت الآية الحاضرين، أي: التي نزلت الآية بسببهم من عرب الجزيرة ونحوهم، وكذلك عمت كل من خرج من الناس عرباً وعجماً عن الحق، وكفر بآيات الله، وبكتبه ورسله، وبالعقل والدليل والبرهان، الذين صرفوا عن الحق وابتعدوا عنه، وأغرقوا في الضلالة والشرك والوثنية.

стр. 1965

تفسير قوله تعالى: (الله الذي جعل لكم الأرض قراراً) ثم قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر:٦٤]. عاد الله ﷻ فأظهر لنا وبين لنا ولفت أنظارنا ونبه عقولنا إلى أشياء صنعها رحمة بنا ومن أجلنا، فقد نكون غفلنا عنها أو لم نفكر فيها؛ لنعود إلى ربنا، ليعود الكافر للإيمان، والغافل من المؤمنين لتزول غفلته، ويعود ليقينه وقوة إيمانه. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا﴾ [غافر:٦٤] أي: الله ﷻ هو الذي خلق لنا الأرض وجعلها قراراً، أي: في قرار وموضع اطمئنان وإقامة، ولو جعلها جبالاً لا يصعد إليها، أو بحاراً كلها، أو أرضاً صحراء لا نبت فيها ولا رعي، ولا ما يعود بالحياة على الإنسان والدابة، فكيف نعيش؟! وإنما خلق الله بعض ذلك، ومع ذلك فقد خلق الله من يعيشون في ذلك على غاية ما يكونون من الضنك والآلام والأوجاع، ولسنوات مضت فقد كانت هذه البلاد المقدسة صحاري أو قريباً منها، وكان البدوي أو الأعرابي الساكن في الصحراء يبحث عن التمرة والتمرتين الأيام فلا يجدها، ويبحث عن شربة ماء ليملئ فيها قلته ويبلل فيها حلقه فلا يجدها، فيضطر للبحث عن ذلك الأيام ذوات العدد، وقد يكون راجلاً أو على جمل، وقد يكون على دابة ضعيفة، ثم قد يجد وقد لا يجد، فيهلك عطشاً وجوعاً. والكثيرون ممن يسكنون جبالاً هي عشرات الآلاف ارتفاعاً إلى السماء كجبال الهملايا مثلاً، وهي مشهورة، أو جبال أطلس في المغرب، أو كشيء من جبال الدنيا العالية علواً كبيراً جداً، فإنهم لا يستطيعون المقام فيها بسهولة، ولا يكادون يستطيعون النفَس أو أخذ هواء يريح عصبهم وحياتهم، فهؤلاء يعيشون في غاية من الضنك، بحثاً عن شربة ماء، وعن لقمة من الطعام، ولكن هذا نوع من هذه الأرض وليس القاعدة، وإنما القاعدة: أن الله جعل الأرض قراراً يستطيع الإنسان فيها القيام والقعود، ويستطيع فيها التمدد والبناء، أي: بناء المدن والقرى والمتاجر، وشق الشوارع الرابطة بين المدن، فمن فعل وخلق ذلك؟ هو الله ﷻ . ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [غافر:٦٤] فجعل السماء قبة تستر ما في الأرض مما فوقنا من خلقه سبحانه، ولو بقينا بدونها فكم نائم تحت الثلج؟ وكم نائم تحت الصواعق وتحت الزعازع والرياح الهوجاء؟ فكيف يكون نومه؟ وكيف ستكون راحته؟ ولكن الله تعالى جعل لنا هذه السماء كمظلة القبة على من تحتها، ويستريح من تحتها من الهوام والحشرات ونحوها من الخلق في الأرض. وما معنى السماء؟ الناس كلهم تحت السماء، ولكن هذه السماء قد يزول عنها هذا المعنى، فتأتيك بعض الأيام لظروف ما تكون فيها الزعازع والعواصف التي تمنع الطائرات أن تهبط أو أن تطير لمدة ساعات، ولو بقي ذلك باستمرار فلا طائرة تطير، ولا مسافر يسافر، وحتى السيارات تغلبها هذه العواصف، فقد تطير بها وقد تصدمها مع بعضها، وقد تضربها في جبل أو نحوه، ولكن الله ﷻ تكرم علينا وتمنن لنذكره ولنعبده، ولنشكره على آلائه، فقال لنا سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [غافر:٦٤] أي: جعل هذا البناء سقفاً محفوظاً كما سماه النبي ﵊، وكما ورد أولاً في القرآن الكريم، وهو كالقبة خلقه الله على هذه الطريقة حفاظاً علينا ما دمنا أحياء.
следующие страницы →