Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
تفسير قوله تعالى: (الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه)
ثم قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر:٦١].
فالله ﷻ هو الذي أكرم خلقه وعباده بأن جعل لهم الليل للهدوء والراحة والاستقرار من تعب النهار، من خدمة الزوجة والولد والمجتمع، والعمل بما يكرم به وجهه عن الحاجة إلى الناس، فلا يكاد يأتي المساء إلا وقد وجد جهداً وتعباً وإعياء، فجعل الله الليل كله للخلق كلهم سكناً للراحة، فقال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [غافر:٦١] أي: لنسكن فيه ونستريح، ولتسكن أعضاؤنا وتستريح نفوسنا، وليهدأ عقلنا من كثرة التفكير والدوران، ومعلوم أن الإحساس الذي تحس به النفس فيه مشقة وتعب، وأما عند النوم فلا تحس بشيء.
فينام الإنسان وهو كليل متعب مجهد، فإذا نام من غير تعب ومن غير رؤى مزعجة ومن غير فكر ومن غير سهر وضياع وقت فإنه يصبح الصباح وهو على غاية ما يكون من راحة بدنية واستقرار نفسي، وإن شغله مرض أو أو شاغل أياً كان فإنه يصبح ذلك اليوم مريضاً أو كالمريض.
فالحاصل: أن الله جعل الليل للسكون والراحة، ومن هنا كره ﷺ العمل والسهر بعد العشاء، وكره النوم قبله.
وللنوم مبكراً فوائد منها: أن يصحو الإنسان قبل الأذان بساعة أو أكثر، فيتهجد لله ركعات، وتعد من أخلص الركعات، وأنواع العبادات للإنسان في ذلك الوقت أخبرنا عنها نبينا ﵊، فعند أن ينزل ربنا إلى سماء الدنيا فإنه يقول: (هل من داعي فاستجيب له؟ هل من شاكٍ فاستجيب له؟ هل من جائع فأشبعه؟ هل من عار فأكسوه؟ هل من مظلوم فأنصره؟)، إلى آخر ما ورد، والحديث صحيح متواتر، ولـ ابن تيمية فيه كتاب مفيد في مخارجه ومعانيه، ومفيد في تقصي ما ورد فيه من ألفاظ ومعاني.
وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [غافر:٦١] أي: مضيئاً، وأضاء النهار لنرى أعمالنا وأشغالنا ونتفرغ لها، فلا نوم في النهار ولا صحو في الليل، إلا ما كان من القيلولة التي لا تتجاوز دقائق امتثالاً لحديث: (قيلوا فإن الشياطين لا تقيل).
والله هو الذي جعل النهار مبصراً مضيئاً منيراً للعمل، وجعل الليل للراحة، وجعله مظلماً ليستريح الإنسان وينام، وعم بذلك الخلق.
وأما النهار فجعله الله مضيئاً منيراً لعمل الناس، ولخدمة العيال والقيام عليهم، وهو في حد ذاته عبادة، حتى لا تحوجهم الحاجة إلى السؤال، وطلب ما في أيدي الناس من أوساخ، ومما لا يليق بأن يكون ذلك لإنسان قادر على العمل ولم يعمل، وفي قصة سعد بن أبي وقاص لما مرض في مكة وظن أنه سيموت ولم تكن له إلا بنت واحدة، فأراد أن يخرج عن أكثر ماله، فمنعه النبي ﵊ وقال: (إن كان ولا بد فالثلث والثلث كثير)، ومع ذلك أخبره بأنه لن يموت من هذا المرض، ولم يمت، بل عاش إلى أن أصبح له أولاد وبنات.
فعندما قال له النبي ﵊: (إنك إن تترك أولادك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس)، كان يتصور هذه الكلمة وهو لا أولاد له إلا بنتاً واحدة لعلها ستتزوج وينفق عليها زوجها، ولكن هذه كانت بشرى له من رسول الله ﷺ بأنه لن يموت في هذا المرض، ولن يموت حتى يكون له أولاد، فيترك لهم إرثاً خلفاً يستغنون به عما في أيدي الناس.
стр. 1962
تفسير قوله تعالى: (إن الله لذو فضل على الناس)
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر:٦١].
أي: إن الله ﷻ ذو فضل على الناس بأن خلقهم ورزقهم وأراحهم، ونظم أوقاتهم: الليل للراحة والنهار للعمل، وهداهم واصطفاهم، وذاك من فضل الله.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر:٦١].
أي: هم مع غير العالمين، ومع المشركين المرتدين، مع المنحرفين الضالين، ولكن الخير دائماً قليل كالملح في الطعام، وإنما وظيفة الرسل وخلفائهم من العلماء أن يبلغوا دين الله كتاباً وسنة، وما عدا ذلك فلا يكلفون به، ولكن على الحاكم أن يجبرهم على الحق بحد السيف، وذلك بإقامة الحدود، وبنشر الأمان والعدل، ومن حدثته نفسه بالإخلال الأمني وبالفساد في الأرض فإنه يفعل به ما أمر الله به ورسوله، فمن قتل وقطع وصلب، فجلد فنفيهم من الأرض، كل على حسب جريمته وذنبه ومصيبته.
стр. 1963
تفسير قوله تعالى: (ذلكم الله ربكم خالق كل شيء)
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر:٦٢].
قوله: (ذلكم) الإشارة بـ (ذا)، و (كم) إذا أضيف لاسم الإشارة يكون المضاف إليه حسب المخاطبين، ففي المفرد يكون مفرداً، وفي الأنثى أنثى، وإن مثنى فمثنى، وإن كان لجماعة الذكور فمذكراً، أو للإناث فمؤنثاً.
فهنا يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ [غافر:٦٢] أي يقول الله لخلقه وعباده ذكور وإناث: ذلكم الذي قدر البعثة وقدر الحياة الثانية، وخلق الجنة والنار، وعرض الخلق عليه يوم القيامة إما إلى جنة وإما إلى نار، وذاك الذي جعل الليل سكناً والنهار معاشاً: هو الله الذي خلق الإنسان من عدم، ثم أماته ثم أحياه بعد ذلك.
ثم مضى الله في الآية من هذه السورة الشريفة المكرمة، وكل فاعل ذلك هو الله الذي لا إله إلا هو، فلا ثاني له ولا شريك لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام:٩٥] أي: أنى تصرفون عن الحق وهو بين واضح، تراه عينك وتدركه بصيرتك وتسمعه أذنك؟ ومع ذلك ذكركم الله ونبهكم، وأرسل لكم رسلاً مبشرين ومنذرين؛ ليعينكم على عبادته وطاعته، ومع كل هذا فكيف تركتم ذلك وأشركتم بالله؟ وكيف تركتم الاستدلال بدليل العقل والوعي والفهم؟ وأنى صرفتم عن التوحيد للشرك، وعن الحق للباطل؟
стр. 1964
تفسير قوله تعالى: (كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون)
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر:٦٣].
أي: كذلك يؤفك من الأمم السابقة الكفار الذين تمردوا على أنبيائهم، وكذلك حصل لهم أن صرفوا عن الحق، وكفروا بآيات الله وبقدرته، وبكتبه وبمعجزات أنبيائهم، وكذلك صرفوا عن الحق إجمالاً وأوقفوا عنه.
كما عمت الآية الحاضرين، أي: التي نزلت الآية بسببهم من عرب الجزيرة ونحوهم، وكذلك عمت كل من خرج من الناس عرباً وعجماً عن الحق، وكفر بآيات الله، وبكتبه ورسله، وبالعقل والدليل والبرهان، الذين صرفوا عن الحق وابتعدوا عنه، وأغرقوا في الضلالة والشرك والوثنية.
стр. 1965
تفسير قوله تعالى: (الله الذي جعل لكم الأرض قراراً)
ثم قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر:٦٤].
عاد الله ﷻ فأظهر لنا وبين لنا ولفت أنظارنا ونبه عقولنا إلى أشياء صنعها رحمة بنا ومن أجلنا، فقد نكون غفلنا عنها أو لم نفكر فيها؛ لنعود إلى ربنا، ليعود الكافر للإيمان، والغافل من المؤمنين لتزول غفلته، ويعود ليقينه وقوة إيمانه.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا﴾ [غافر:٦٤] أي: الله ﷻ هو الذي خلق لنا الأرض وجعلها قراراً، أي: في قرار وموضع اطمئنان وإقامة، ولو جعلها جبالاً لا يصعد إليها، أو بحاراً كلها، أو أرضاً صحراء لا نبت فيها ولا رعي، ولا ما يعود بالحياة على الإنسان والدابة، فكيف نعيش؟! وإنما خلق الله بعض ذلك، ومع ذلك فقد خلق الله من يعيشون في ذلك على غاية ما يكونون من الضنك والآلام والأوجاع، ولسنوات مضت فقد كانت هذه البلاد المقدسة صحاري أو قريباً منها، وكان البدوي أو الأعرابي الساكن في الصحراء يبحث عن التمرة والتمرتين الأيام فلا يجدها، ويبحث عن شربة ماء ليملئ فيها قلته ويبلل فيها حلقه فلا يجدها، فيضطر للبحث عن ذلك الأيام ذوات العدد، وقد يكون راجلاً أو على جمل، وقد يكون على دابة ضعيفة، ثم قد يجد وقد لا يجد، فيهلك عطشاً وجوعاً.
والكثيرون ممن يسكنون جبالاً هي عشرات الآلاف ارتفاعاً إلى السماء كجبال الهملايا مثلاً، وهي مشهورة، أو جبال أطلس في المغرب، أو كشيء من جبال الدنيا العالية علواً كبيراً جداً، فإنهم لا يستطيعون المقام فيها بسهولة، ولا يكادون يستطيعون النفَس أو أخذ هواء يريح عصبهم وحياتهم، فهؤلاء يعيشون في غاية من الضنك، بحثاً عن شربة ماء، وعن لقمة من الطعام، ولكن هذا نوع من هذه الأرض وليس القاعدة، وإنما القاعدة: أن الله جعل الأرض قراراً يستطيع الإنسان فيها القيام والقعود، ويستطيع فيها التمدد والبناء، أي: بناء المدن والقرى والمتاجر، وشق الشوارع الرابطة بين المدن، فمن فعل وخلق ذلك؟ هو الله ﷻ .
﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [غافر:٦٤] فجعل السماء قبة تستر ما في الأرض مما فوقنا من خلقه سبحانه، ولو بقينا بدونها فكم نائم تحت الثلج؟ وكم نائم تحت الصواعق وتحت الزعازع والرياح الهوجاء؟ فكيف يكون نومه؟ وكيف ستكون راحته؟ ولكن الله تعالى جعل لنا هذه السماء كمظلة القبة على من تحتها، ويستريح من تحتها من الهوام والحشرات ونحوها من الخلق في الأرض.
وما معنى السماء؟ الناس كلهم تحت السماء، ولكن هذه السماء قد يزول عنها هذا المعنى، فتأتيك بعض الأيام لظروف ما تكون فيها الزعازع والعواصف التي تمنع الطائرات أن تهبط أو أن تطير لمدة ساعات، ولو بقي ذلك باستمرار فلا طائرة تطير، ولا مسافر يسافر، وحتى السيارات تغلبها هذه العواصف، فقد تطير بها وقد تصدمها مع بعضها، وقد تضربها في جبل أو نحوه، ولكن الله ﷻ تكرم علينا وتمنن لنذكره ولنعبده، ولنشكره على آلائه، فقال لنا سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [غافر:٦٤] أي: جعل هذا البناء سقفاً محفوظاً كما سماه النبي ﵊، وكما ورد أولاً في القرآن الكريم، وهو كالقبة خلقه الله على هذه الطريقة حفاظاً علينا ما دمنا أحياء.
стр. 1966
إحسان الله تصوير الإنسان
وقوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر:٦٤].
فهذه الصور الجميلة للإنسان هي أجمل من صور كل المخلوقات، ولو خلقنا الله على أشكال القردة فماذا كنا نستطيع أن نعمل؟ ولم يستشر ربنا سبحانه في خلقنا أحداً، ولكن خلقنا فأحسن خلقتنا، فضلاً منه وكرماً، وكل الدواب تأكل بفيها وأما نحن فخلق لنا يداً نغسلها وننظفها ثم نأكل الطعام، ونرفع بها اللقمة التي نستطيع مضغها، ثم نستطيع بها أن ننظف أجسامنا، ونغتسل ونزيل الوساخة والعرق بها.
وأما الدواب فبماذا تتطهر؟ إنها بألسنتها تسمح أدبارها وأقدامها، وتلد القطة أو الكلب أو غيرهما من الحيوانات وتنظف وليدها من دمه ووساخته بلسانها.
وأما نحن فالله خلقنا وجمل صورنا، وركبنا في أحسن تركيب، وجعلنا على أحسن حال دون جميع خلقه، فمن يشبهنا؟ ونحن عندما نشبه المحبوب نقول: غزال، والغزال حيوان له قرون، وله أربع أرجل يمشي عليها، ولكن الأصل العكس، أي: أن نمدح الغزال بأنه على خلق المرأة، ومن الناس من إذا أراد أن يمدح إنساناً أو امرأة يقول: قمر، وما القمر بجوار الإنسان؟ ونحن إن وصفنا الإنسان بأنه فيه جمال التراب أو الجبال لكان هذا ذماً؛ لأنه قلد المتأخرون المتقدمين في المدح والذم، فقالوا: غزال، مدحاً للمرأة، وتمدحوا أيضاً فقالوا: فلانة كبقر الوحش، وما معنى هذا الكلام؟ معناه: أن البقر لها أعين كبيرة، وهذه البقرة قليلة في الجزيرة، وتوجد في بعض دول الخليج، فتشبه المرأة بها لأجل سعة العيون، فشبهوا المرأة التي خلقها الله في أحسن تقويم وصورة بالبقر، وهل هناك مذمة أو شتيمة أكثر من أن نقول لإنسان: أنت كالبقرة، أو كالحيوان، ولكن هكذا طلبوا أن يقولوا، وأجمل شيء أن يقال ما قاله ربنا: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر:٦٤]، فأحْسن صورنا في أيدينا وفي عيوننا وفي أفواهنا، وأحسن صورنا بالجمال الذي هو أجمل من كل جميل في الأرض.
وقد يقال عن بعض الناس: هذا أبيض، أو أسمر، أو أكثر شعراً، لكن جميعنا خلقنا الله وصورنا فأحسن صورنا، ولو خلق الله ﷻ لنا عيوناً في جباهنا، وخلقنا بيد واحدة -وهو قادر على كل شيء- فكيف الحال حينئذٍ؟ وطالما هددنا الله وأنذرنا في القرآن في آيات كثيرة بأنه قادر على أن يخلق خيراً منا وينهينا، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤].
وهذا المعنى بنى عليه أنه قادر على أن يخلقنا خلقاً آخر على غير الخلق التي نحن عليها، ولذلك كان الأولون يمسخون، فيصبح إنساناً ثم يصير خنزيراً أو قرداً أو كلباً، ولكن الله كرم نبينا وأمته، فقد ألغى المسخ، فلا يمسخ الإنسان من صورة آدمية إلى صورة حيوانية، ولكن مسخ العقول قد أخبرنا النبي ﵊ بأن من الخلق من صورته صورة بني آدم ولسانه من ألسنتهم، وعقله كعقول القردة والخنازير، وهذا نراه كثيراً، فيبيت معك رجل ذا طول وعرض وجمال وهيئة، إذا أخذ في الكلام ترى أن القرد أشرف منه، من عقله من رأيه، كما نرى الآن في كثير من الخطب التي تلقي التعلق باليهود، والتذلل لهم، وشتم للموحدين المؤمنين، وسب لعباد الله الصالحين، فماذا ترى في هذا؟ القرد أشرف منه وكذا الخنزير، وهذا كثير في الأرض.
стр. 1967
نعمة الرزق الطيب للعباد
وقوله تعالى: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [غافر:٦٤].
نرى الكثير من الدواب تعيش على النجاسات والجيف، وعلى ما لا يستطيع الإنسان أن يأكله أو يمسه، فقد يموت جوعاً ولا يمسه، ولكن نحن خلق الله لنا الطيبات، خلق لنا أنواع الطيور والدواب والمواشي: من الماعز والغنم والبقر والجمال، ومن غيرها من ذوات الأربع.
وأباح لنا من الطيور جميعها إلا تلك المفترسة، وخلق لنا الفواكه والحبوب والخضروات، وهي طيبة طاهرة، وعلمنا كيف ننضجها ونطبخها، وندخل عليها بهارات زيادة في لذتها وطيبها، وخلق لنا هذا الحب، وألهمنا إلى طيبه، وإلى طحنه وغربلته، وإلى خبزه إن كان خبزاً أو حلوى، ونحو ذلك.
فهذه الطيبات التي يتبارى المخلوقون الأحياء عليها من الذي طيبها؟ ومن الذي خلقها؟ كان الحجاج بن يوسف لا يأكل طعاماً وحده على ظلمه وجوره، بل خرج للبادية يوماً لعمل من أعماله ووجد نفسه وحده، والحرس يحرسونه من بعيد، ولما جاء وقت الغداء أراد أن يأكلوا معه، فاعتاد ألا يأكل وحده، فأطلق عسكره وجنده فجاءوا ببدوي جلس على المائدة، وأمره بغسل يده، وقال له: من أنا؟ قال: ومن أنت؟ خلق من هذا الخلق، قال: كل، ثم قال له: هل هذا الطعام طيب؟ قال: طيبته العافية، والعافية ليست منك ولا من عملك ولكنها من الله.
قال: ما رأيك بأميركم الحجاج؟ قال: ظالم غشوم، قال: ما رأيك في عبد الملك بن مروان -وكان هو الخليفة- قال: أظلم منه وأغشم منه، أراح الله البلاد والعباد منهما، قال: أتدري من أنا؟ قال: لا قال: أنا الحجاج، قال الأعرابي: أتدري من أنا؟ قال: لا، قال: أنا إنسان مصاب بالجنون مرة في اليوم، وهذا أوان الجنون، فضحك الحجاج وأكرمه وأهاداه وترك سبيله.
فالطعام طيب، ولكن الحقيقة أن الذي طيبه هي العافية، فعندما نكون في عافية فيوضع لنا طعام غير طيب ولا لذيذ فإننا نأكله في لذة وطيب، ولا حاجة أن يوضع لنا من الأطعمة ما نشتهيها عادة، وهي من ألذ ما تكون، وعند المرضى تقول: ما هذا الطعام؟ من الذي أنضجه؟ ما الذي صنعتم فيه؟ لا شيء فيه، ولكن صحة الآكل كانت متعبة، فلم يستطيع إنزاله، ولذلك المريض لا يجد شهوة، وإذا وجدها فمعناه أنه عوفي.
﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [غافر:٦٤] هي طيبات في نفسها، وطيبها ﷻ بالعافية، ومن الذي أكرمنا بها مدة حياتنا؟ ثم من الذي أكرمنا بالطعام الطيب الذي هو ليس نجس ولا جيفة ولا مما تستكرهه النفوس؟ هو الله ﷻ ، ولذا قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [غافر:٦٤].
أي: الذي صنع كل هذا، فجعل الأرض مستقراً ومقاماً، وجعل السماء قبة محفوظة وبناء، وصورنا فأحسن صورنا، ورزقنا من الطيبات مع العافية على أكلها، فاعل ذلك كله هو الخالق المدبر الرازق ﷻ .
وقوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر:٦٤].
أي: تنزه وتعاظم وتقدس ﷻ ، فالذي صنع ذلك ليس ربكم فقط، ولكنه رب العالمين: عوالم السموات والأرض والملائكة والجن والأنس، عوالم من غاب ومن حضر، وهو رب الكل وخالقه، لا كما يزعم اليهود -عليهم لعائن الله- عندما يتكلمون عن ربهم فإنهم يقولون: رب بني إسرائيل، رب إسرائيل، وكأن ربهم إسرائيلي من الإسرائيليين وليس هو الرب المعبود رب السموات والأرض!! وأما الرب الذي يؤمن به المؤمنون فهو ربنا ورب حبيبنا وعدونا، ورب العوالم كلها منذ كانت، فهو خالقها ومدبرها ﷻ ، فتبارك الله وتنزه وتعاظم وتقدس رب العالمين، وليس ربنا فقط، وإنما كانت النسبة إلينا تشريف منه لنا سبحانه، فقال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [غافر:٦٤] أي: المطعم الرازق لكم، الذي هداكم للإيمان ولاتباع محمد خاتم الأنبياء عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.
стр. 1968
تفسير قوله تعالى: (هو الحي لا إله إلا هو)
ثم قال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [غافر:٦٥].
أي: هو الحي لا حي مع حياته، فهو الحي الدائم الحياة، وهو واجب الوجود ﷻ ، وأما حياتنا فحياة مستعارة طارئة لم تكن يوماً وكانت، وهي في حال كونها لا يزول عنها المدد الإلهي، ثم تعود إلى الفناء كما كانت، فحياتنا من إحياء الله وخلقه، وهو الحي المطلق، ولذلك الحي إذا دخلت عليها الألف واللام فتعني: الحي الدائم، أي: الحي القدير الأزلي بلا بداية، الدائم الباقي بلا نهاية، الحي أبداً وسرمداً، ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، أما أصنام وشركاء أولئك فإن كانوا ملائكة فإلى الموت، وإن كانوا جناً أو بشراً فكذلك، وإن كانوا أوثاناً وأحجاراً فلا تضر ولا تنفع.
стр. 1969
تفسير سورة غافر [٦٥ - ٦٨]
لقد أمرنا الله تعالى بأن نعبده وحده لا شريك له، فهو الخالق الرازق المحيي المميت، وما بنا من نعمة فمن الله تعالى، فهو سبحانه وحده المستحق للعبادة والإخلاص فيها، وقد توعد الله تعالى المشركين والكفار الذين يعبدون غيره، أو يعبدونه ويعبدون غيره؛ بالسعير وبئس المصير.
стр. 1970
تفسير قوله تعالى: (هو الحي لا إله إلا هو)
قال الله ﷻ : ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر:٦٥].
يصف الله ﷻ مقامه وذاته وعلاه بأنه الحي الدائم الذي لا يموت، والباقي الذي لا أول ولا آخر له، والظاهر والباطن، وهو على كل شيء قدير، وغيره ميت فانٍ، ولم يكن إلا بقدرة الله وبخلق الله، ثم كان فمات بأمر الله وبقدرته.
والله يقول للذين ينكرون البعث من الملحدين المشركين الكافرين بالله: هل من أحد من أصنامكم وأوثانكم حي دائم؟ فالله: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [غافر:٦٥] أي: لا رب ولا معبود ولا خالق غيره.
﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر:٦٥]، أي: فاعبدوه وقد أخلصتم له الدين دون شريك وصنم، ودون أن تعبدوا معه غيره، وإلا ففاعل ذلك وثني مشرك كافر.
وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر:٦٥] معنى ذلك: أن الله ﷻ يعلمنا بأنه الواحد الأحد الحي الذي لا أول له ولا آخر، وإذا عبدتموه فاعبدوه وحده بإخلاص وصدق، بلا رياء ولا سمعة، وإن فعلتم ذلك -ويجب أن تفعلوه- فاحمدوا الله على أن وفقكم وهداكم لعبادته، وللإخلاص له.
قال عبد الله بن عباس ﵁: إذا قلت: لا إله إلا الله فقل بعدها: الحمد لله رب العالمين، ثم تلا هذه الآية: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر:٦٥] أي: وحدوا ربكم، واعبدوه مخلصين، واحمدوه على أن وفقكم للإيمان وللعبادة الخالصة له.
وكان عبد الله بن الزبير بن العوام إذا أنهى صلاته يختمها بقوله: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لله المجد، ولله الثناء، ولله العظمة، ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر:٦٥]، وكان ﵊ يقول ذلك دبر الصلوات الخمس.
стр. 1971
تفسير قوله تعالى: (قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله)
قال ربنا: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر:٦٦].
لقد دعا كفار قريش محمداً ﵊ للبقاء على دينهم، ولعبادة أصنامهم، ولاتباع ما كانوا يعبدون من دون الله، فقال الله له: قل يا محمد ﴿إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي﴾ [غافر:٦٦] أي: قل لهم: إن الله قد نهاني ومنعني أن أعبد الذي تعبدون من دون الله من وثن وصنم؛ لما جاءتني الدلائل الواضحات والبراهين البينات التي تظهر وتبين لكل ذي عقل سليم لم تفسده الوثنية، ولم يفسده الشرك بالله، فهؤلاء الذين يشركون من دون الله ليس لهم دليل على هذه العبادة الباطلة.
فلا أعبد ما لا يعقل ولا يعي ولا يسمع، ولا يضر ولا ينفع، وإنما أعبد ربي وخالقي ورازقي والمحيي والمميت؛ ولأن ذلك قد جاء بدلائل بينات وببراهين واضحات لا ينكرها ذو عقل وبصيرة، فكيف أعبد ما لا يجوز عبادته، وما لا يضر ولا ينفع؟ ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر:٦٦] أي: أمرت أن أستسلم لرب العالمين، والمراد بالعالمين: عوالم الخلق: العوالم الماضية والحاضرة واللاحقة، ومنها: عوالم الملائكة والجن والإنس أجمعين، فالله خالق كل شيء، ومحييه ومميته، فكيف يعبد ما لا يحيي ولا يميت ولا يخلق؟ فهذا من باطل دينكم وباطل ما ورثتموه عن آبائكم بلا دليل ولا برهان.
стр. 1972
تفسير قوله تعالى: (هو الذي خلقكم من تراب)
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [غافر:٦٧].
يذكر ربنا ﷻ الأطوار التي يمر بها الإنسان، فالذي طورها وجعلها مراحل لهذا الإنسان الضعيف هو الله الذي خلقكم من تراب، وكان أصل خلق أبينا آدم من تراب، ثم نفخ فيه من روحه، ثم أمر ملائكته ليسجدوا له، فكان هذا الأب الأعلى الذي نحن جميعاً أبيضنا وأسودنا وأحمرنا، عربنا وعجمنا، ذكرنا وأنثانا، كلنا من ذريته ومن سلالته، وعلى ذلك فنحن خلقنا أصلاً من تراب، وكيف يتعالى الإنسان ويتعاظم على الله ولا يعبده وأصله التراب؟ أبالتراب يتيه ويتكبر؟! فلا يفعل ذلك إلا فاسد العقل، ضائع الدين.
ثم خلق من آدم زوجته حواء من ضلعه الأيسر، كما قال ربنا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف:١٨٩]، ثم بعد ذلك جعل الخلق كلهم من ذكر وأثنى، فجاءت الذرية، فـ قابيل وهابيل ومن معهما من ذريته ذكوراً وإناثاً، جاءوا من نطفة آدم في رحم حواء، وهكذا تسلسل الأمر وإلى يوم القيامة، ولن يحدث في ذلك خرق للعادة إلا في خلق عيسى، فقد خلق من مريم ولم يكن من نطفة كبقية البشر، ولكن الله أمر جبريل ﵇ فنفخ في مريم فكان حملاً وجنيناً، ثم غلاماً بعد ذلك.
قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩]، فكان آدم من تراب بلا أب ولا أم، وكان عيسى من امرأة بلا أب، وكنا بعد ذلك من أب وأم.
فالطور الأول: خلقنا من تراب.
والطور الثاني: خلقنا من نطفة تكونت في صلب الأب، ثم بعد ذلك دخلت في رحم الأم، ثم تكون منها طفلاً صغيراً ضعيفاً لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً.
والنطفة: القطرة من الماء، ويعنى بها ماء الرجل، أي: منيه.
وبعد أربعين يوماً والنطفة في رحم الأنثى تخلقت وأصبحت علقة، أي: قطعة لحم صغيرة تشبه العلقة، ثم بعد ذلك صارت طفلاً، والطفل جنس ويعنى به الأطفال جميعاً.
فالإنسان يخرج من رحم أمه وهو طفل ضعيف لا يكاد يعي ولا يعقل، ثم انتقل من الطفولة إلى اليفوعة، ثم إلى الشبوبية ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ [غافر:٦٧].
وبلوغ الأشد هو في أصح أقوال: أن يبلغ الإنسان أربعين سنة، ويكون قد استكمل جسماً وعقلاً وفكراً.
ومن هنا فالنبوءات لا تنزل على الأنبياء والرسل إلا بعد أن يبلغهم الأشد، وهو سن الأربعين، ويكون الشباب في هذا السن قد عقل، وتكون القوة الجسدية قد وصلت منتهاها، ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ [غافر:٦٧] ثم بعد ذلك نصل إلى آخر المطاف وهو كبر السن، ولكنها تختلف باختلاف الأصحاب، فقد تجد رجلاً ابن ستين وهو لا يزال في حيوية الشباب ونشاطهم، وقد تجده ابن أربعين وهو في ضعف الشيوخ وفي هدوء حواسه وأعماله، فهو لا يكاد يقوم بعمل إلا ويعجز.
وهناك أرذل العمر، وهي الشيخوخة المزمنة، الشيخوخة التي تصل لمنتهاها، وقد تضعف معها الحواس، من سمع ومن بصر وذاكرة.
ولذلك فإن النبي ﵊ تعوذ بالله من أرذل العمر، وقد سماه الله أرذل العمر، فالإنسان عندما يبلغ هذه السن الفانية، وهذه الشيخوخة العالية يكاد يعجز عن خدمة نفسه، وهنا يصبح بلاءً على نفسه وعلى أهله، ومهما خدموه ومهما بروه فإنهم يملون ويكلون، وقد يتمنون موته: إما شفقة عليه، وإما راحة لأنفسهم ولأبدانهم، وقد يبلغ المائة ويتجاوزها.
وقد اجتمعنا بكثيرين في مشرق الأرض من تجاوز ١٠٠ بـ ١٠ و ٢٠ سنة وهم لا يزالون على ذاكرتهم، وعلى حفظ حواسهم، وعلى خدمتهم لأنفسهم، بل ويهتمون بشئون الناس، والشئون العامة.
وقد التقيت قبل بضع سنوات بشيخ مغربي يسكن أعالي الجبال في جنوب المغرب، وقد تجاوز عمره ١٢٥عاماً، فأخذ يسألني عن السعودية، وعن ملكها وسياستها، وعن فلسطين، واليهود، وعن مصر، وعن البلاد، وكأنه لا يزال شاباً، مما يدل على أنه يتتبع الأحداث مطالعة وسماعاً مع ضعف بصره، ويسأل عن الأشخاص كذلك، وهذا يسعد الله به من شاء من عباده.
ولذلك فالأنبياء وآخرهم نبينا ﵊ لم يوصلهم الله تعالى إلى هذا السن من العمر؛ حتى لا ينتقص من قوتهم وذاكرتهم، وحتى لا ينظر إليهم نظرة الشباب إلى رجل عجوز إذا تكلم كلاماً لا يوافقه، فيقول: فلان خراط، كما يقول الناس اليوم.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾ [غافر:٦٧] أي: منكم من لا يصل إلى آخر هذه الأطوار، فقد يموت طفلاً، أو تسقط أمه به، وقد يموت يافعاً، وقد يموت شاباً، وقد يموت كهلاً.
وقوله: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾ [غافر:٦٧] الأجل المسمى هو الموت، فنهاية حياة الإنسان الموت، فنحن جئنا من العدم، وخلقنا من التراب وتطورنا من التراب إلى نطفة ثم علقة ثم طفل ثم شاب ثم كهل وشيخ ثم الموت، فنحن جئنا من الفناء وسنذهب إلى الفناء، ولكن الموت الثاني تعقبه حياة بعد ذلك، وهو يوم البعث الذي لا موت فيه بعد ذلك.
وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [غافر:٦٧] أي: لعلكم تكون لكم عقول تفهمون بها هذه المعاني، وتدركونها، وتفكرون فيها: كيف انقلب التراب إلى تمثال سوي جميل الصورة، ذكي العقل، مدبر الأمور، يبني البنايات، ويحكم الشعوب، ويصنع ويصنع؟! وكيف انتقل من تراب، إلى نطفة، إلى شيخوخة، إلى موت؟ ومن الذي صنع ذلك؟ هل الأوثان والأصنام والملائكة والجن والإنس؟ هيهات هيهات.
فالكل خلق من خلقه والكل يعجز عن أقل شيء من هذا، ولو اجتمع الإنس والجن والملائكة معهم على أن يخلقوا ذبابة كما تحدى الله الخلق لما استطاعوا؛ لأنهم أعجز من ذلك.
ومن الذي طورنا من حال إلى حال، ومن طور إلى طور؟ ستكون النتيجة للعاقل المفكر، لمن يريد الله هدايته وسيقول بجميع الحواس، وبجميع خلايا بدنه: الله، وهذا هو المقصود.
فالله ﷻ قد أتانا بالأدلة البينة القاطعة والواضحة العقلية قبل النقلية، على وجود الله القادر، وعلى أن الوجود لا يحتاج إلى دليل.
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد ولكن الدليل على كونه: هل له شريك أو لا شريك له؟ وهل هو وحده صنع كل هذا الذي نراه من سماوات عالية، ومن أرضين واسعة ومن أنواع الخلق؟ أما الوجود فلا ينكره إلا من فقد عقله، وهذا لا يوجد، ما وجد هذا البلاء إلا في عصرنا هذا خلال المائة سنة؛ لأن عباد الأوثان عندما يسألون: من خلق السموات والأرض؟ فإنهم يقولون: الله، ومن خلق الإنسان؟ فيقولون: الله، حتى إذا وصلت في النهاية: من خلقك؟ تقول الله، إذاً: لماذا تجعل له شريكاً، فسيجيبك بالتقليد الفردي بإتباع الآباء والأجداد مما لا دليل عليه ولا برهان: بأنه لا يستطيع أن يخلق كل هذا، فلا بد له إذاً من شريك، وهذا تفسير من لا عقل له، وكما يقول النصارى الذين يعبدون الصليب: إن الله هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام، ثم صعد العرش واستراح من تعبه وشقائه، فهم كفار، فالإيمان الصادق والمعقول لم يخالط بشاشة قلوبهم، ومن هنا أيضاً نعلم أن هذه الأطوار هي كما نقول في الأمثال: دوام الحال من المحال، فقد كنا تراباً فحولنا الله إلى إنساناً سوياً ابتداءً من النطفة، ثم صرنا علقة ثم صرنا طفلاً، ثم صرنا شاباً، ثم صرنا شيخاً، وأخيراً كان الموت.
فإذاً: أي حال من الأحوال المعنوية أو المادية فإن دوامها من المحال، فلا فقر يدوم ولا غنى يدوم، ولا قوة تدوم ولا ضعف يدوم، ولا ملك يدوم ولا صعلوك يدوم، ولا امرأة تبقى إلى الأبد ولا رجل، ولذلك نحن دائماً في أطوار، وكل يوم هو في شأن، وشأن الله خلقه وقدرته ونحن مظاهرها، فهو خلقنا جميعاً، وقد كنا يوماً من الأيام أجنة في بطون أمهاتنا، ثم صرنا أطفالاً ثم صرنا شباباً، وصرنا وصرنا، ولينتظر كل واحد منا الموت، وليعمل لذلك: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠].
وقد كنت في المدينة المنورة فوجدت طلابي فيها فقابلوني بدهشة، وبتحيات تجاوزوا الحد فيها، حتى إن أحدهم سجد لله شكراً بعد أن صافحني، ثم قال: بلغنا أنك مت، قلت له: إن لم أمت فسأموت، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، وقد قيل للشافعي يوماً: إن فلاناً يدعو عليك بالموت ويتمنى لك الموت، فقال لهم الشافعي: تمنى أناس أن أموت وإن أمت فتلك طريق لست فيها بأوحد وهؤلاء الذين تمنوا الموت للإمام الشافعي ماتوا ولعلهم سبقوه.
ومن أطرف ما رأيت أن شاباً يظهر عليه العلم ويدعي فهم العقل قال لي: رأيتك في المنام أنك مت، وقد كتبت لك قصيدة أرثيك فيها، وهذا بناءً على أني مت في منامه، والناس عجائب وغرائب.
وعلى كل حال فقد قال ربنا لنبيه وحبيبه وعبده محمد ﷺ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]؛ لأن أعداء النبي تمنوا له الموت، ومن الذي يخلد مهما عاش من أطوار؟ وفي الحديث الصحيح أن موسى جاءه يوماً ملك الموت ليقبض روحه، وجاءه في صورة إنسان، فلم يعرفه موسى، وأراد ملك الموت أن يطرحه في الأرض ليميته، فموسى كان عنيفاً وقوياً فلطمه حتى فقأ عينه، فذهب يشتكيه لربه، قال: يا رب! بعثتني إلى رجل لا يريد الموت، هاهو ذا فقأ عيني، فرد الله له عينه فعادت كما كانت، ثم جاء إلى موسى يقول له: قال لك ربك! ضع يدك على جلد ثور فلك بكل شعرة تحصيها كفك سنة، قال: وماذا بعد ذلك؟ قال: الموت، قال: إن كان كذلك فمن الآن، فقبض روحه.
ونبي الله إدريس رأى مرة ملك الموت وعرفه، فخاف من أن يقبض روحه، وكان يعرف ملكاً آخر، فطلب منه أن يأخذه إلى السماء ال
стр. 1973
تفسير قوله تعالى: (هو الذي يحيي ويميت)
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [غافر:٦٨] إن الله ﷻ بيده الحياة والموت، وليس ذلك بيد الأصنام والأوثان والشركاء الذين يعبدون من دون الله، فإبراهيم عندما حاور النمرود وجادله ودعاه لتوحيد الله وعبادته، قال له: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] فالمجنون فهم أن الحياة والموت بأن يحضر رجلين فيقتل أحدهما ويبقى الآخر، فتصور أنه أمات الأول وأحيا الآخر، فأدرك إبراهيم فهم النمرود لذلك فغير السؤال فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨].
فالظلمة يستطيعون أن يقتلوا بعض الناس ظلماً وعدواناً، وأن يعفوا عن بعض من يريدون قتلهم فلا يقتلونهم، ولكن هذا ليس هو تفسير الإحياء والإماتة.
يحكى في التاريخ الأندلسي عن المنصور بن أبي عامر الفاتحي أنه تمرد عليه أحد رعاياه وأقام عليه ثورة، فأتت به جنوده، ورماه في السجن، وأصدر أمراً بقتله، فأخذ الورقة وكتب فيها: اقتلوه وائتوني برأسه، وسلم ذلك لكاتبه، ورأى الكاتب ذلك فقال له: إنما كتبت: أطلقوا صراحه، فأخذ الورقة ومزقها فأعاد الكتابة مرتين وثلاثاً وأربعاً، وفي كل مرة يريد أن يكتب: اقتلوه وائتوني برأسه، وإذا به يكتب: أطلقوا صراحه، فلما تكرر منه ذلك، وتأكد منه ولم يكن يشك في الكاتب، رمى الورقة وقال: الله لم يردني أن أقتله، فالله هو المحيي والمميت، أطلقوا سراحه.
وحدثت أحداث أخرى، فيذكر أن إنساناً سقط من شاهق عالٍ فلم يمت ولم يجر عليه شيء، فالله هو المحيي والمميت وليس البشر.
وعلقت مشانق لكثير من الرجال، فلما أنزلوا الجثث وإذا بجثة أو جثتين لم تمت، وحسب القانون عندهم إذا صدر الأمر على شخص بالموت شنقاً ثم شنق فلم يمت اعتبروه معدوماً ولا يقتلونه مرة ثانية، فيغير اسمه وحاله؛ لأن فلاناً حسب الأمر قد شنق، فتحدث الغرائب والعجائب في هذا الباب.
﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [غافر:٦٨] فالله المحيي والمميت، فليست الحياة والممات بيد خلق من خلق الله، بل ذلك كله لله، وهو من صنْع الله، ومن خصائص فعل الله، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [غافر:٦٨] أي: إذا سبق في قضاء الله وفي إرادته شيء فلا يحتاج فيه إلى لغوب ولا إلى تعب، وإنما يقول له: كن فيكون، فالله عنده خلق الألف كخلق الواحد فكل ذلك عليه هين، ولا يصعب عليه، ولا يكل منه ولا يمل، فهو القادر على كل شيء، فخلق السموات والأرض في ستة أيام، وهو الذي أراد ذلك، وكان في إمكانه أن يخلق كل ذلك في لحظات وفي ثواني، ولكن الله أراد ذلك.
فالموت تارة يأتي فجأة للإنسان، ويأتي الجسم القوي الذي يمتلك القنطار والقنطارين، وقد يعيش الضعيف الهزيل سنوات على هذه الحالة ولا يموت، ويموت الكثيرون بعد مرض يطول أو يقصر، وتكون النهاية الموت، ولو شاء الله موته لقضى عليه فجأة كما قضى على غيره، ولكن الله لا يسأل عما يفعل، ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [غافر:٦٨].
стр. 1974
تفسير سورة غافر [٦٩ - ٧٧]
يذكر الله تعالى حال المشركين الذين يجادلون في آيات الله بغير بصيرة ولا برهان، فكيف يصرفون عن فهم الحق وإدراكه وقد أوتوا من السمع والأبصار والأفئدة والفهوم؟!
стр. 1975
تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون)
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر:٦٩].
أي: ألم تر يا محمد! ويا أيها التالي والسامع والقارئ لكتاب الله، والمتمعن في قدرة الله وخلق الله، إلى الكثيرين ممن يجادلون في آيات الله، ويحاولون بطلان الحق في خلق الله وفي كتابه وأنبيائه بباطلهم وهرائهم وهذيانهم، ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر:٦٩] أي: كيف يصرفون عن الحق والإيمان والهدى؟ كيف يحصل ذلك مع ما خلق الله لهم من عقول وأبدان سليمة ومع ذلك تضيع عقولهم، وأديانهم وتفكيرهم، فيتصرفون تصرفات الحمقى والمجانين ممن لا عقل لهم ولا تفكير ولا ذكرى ولا إرادة؟! وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾ [غافر:٦٩] هنا استفهام من الله للنبي ﵊ ولكل سامع وقارئ، وهو استفهام توبيخي وتقريعي لهؤلاء، ولفت نظر للنبي ﵊ والمؤمنين.
أي: ألم تر إلى هؤلاء كيف يجادلون بالباطل ليدحضوا الحق ويحقوا الباطل؟ وهذا كان فعل اليهود والنصارى ولا يزال، وفعل كل منافق كافر بالله، فيأتيك فيجادلك عن الدنيا أنها بفطرتها توالدت كالإنسان يلد إنساناً وكالدودة تلد دودة، فنقول له: فمن خلق الأول؟ ألم يكن آدم المخلوق الأول واحداً؟ قالوا: المخلوق الأول هو قرد، ولذلك هم قردة، وفكروا بعقول القردة وبمعارف القردة، فنقول لهم: وهذا القرد من خلقه وأوجده؟ ويقولون: كانت الحياة خلية واحدة ثم تكاثرت، وهو ما يسمونه بمبدأ النشوء والترقي، فهذا وحي من الشيطان، وكلام باطل من الهذيان، لا يقبل به عقل سليم، ولا يكاد يقف على رجليه ولا حتى حبواً عند المنطق والعقل والحوار في معرفة الحقائق والأباطيل.
فقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر:٦٩] أي: كيف يصرفون عن الحق؟! وقد عرفهم الله في آية أخرى أنهم ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٧٠]، فقد كذبوا بالقرآن، وإذا أطلق الكتاب فهو القرآن الكريم، وإذا قيل الكتاب في علوم العربية من نحو وبلاغة ولغة ومعانٍ وبديع فهو كتاب سيبويه إمام النحو.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ [غافر:٧٠] أي: كذبوا كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكذبوا ما أرسل الله به رسله وأنبياءه، كذبوهم في الوحي وفي الرسالة والنبوءة، وكذبوهم في دين الإسلام، وكذبوا محمداً نبي الإسلام ﵊، فهم يجادلون بالباطل، ويحاولون أن يكذبوا كتاب ربهم، وما كذبوا إلا أشخاصهم وكيانهم وعقولهم، وهذه صفة لكل كافر بكتاب الله، وبرسول الله ﷺ .
والذين يقولون عن المسلمين: إنهم رجعيون، هم الرجعيون الذين رجعوا إلى كفر الكافرين قبلهم، وإلى يهودية اليهود ونصرانية النصارى وإلى الجاهلية الأولى، فأنكروا الحقائق، وحاولوا أن يجعلوا للأباطيل قولاً ودليلاً، ولكن هيهات هيهات! فالذين يكذبون بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون، فالله يتهددهم وينذرهم، ويتوعدهم بشديد العذاب، وبالخلود في النار وبئس المصير.
وقوله: (فسوف يعلمون) تقول: سآتيك، وتقول: سوف آتيك، فالسين لتسويف القريب، ولتسويف البعيد تقول: سوف، فهو بعيد بالنسبة للناس، أليس الصبح بقريب؟ بلى هو قريب.
فالله يقول لهؤلاء: إنكم ستموتون يوماً، ومن الذي يكون منكم حياً إلى الأبد، وستعلمون قبل الموت وأنتم في قبوركم، عندما تخرج أرواحكم وتصل إلى حلقومكم، ستعرفون إذ ذاك جزاؤكم.
стр. 1976
تفسير قوله تعالى: (إذ الأغلال في أعناقهم)
قال تعالى: ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:٧١ - ٧٢].
الأغلال جمع غل، وهي الأكبال تكون في أعناق الكافرين يوم القيامة، وتربطهم الملائكة بالسلاسل يداً ورجلاً فيسحبون على وجوههم في الحميم، والحميم قبل جهنم، وهو: الماء الحار الذي وصل منتهاه، والماء الحار في جنهم شراب سكان جهنم، والحميم في الموقف يكون في ذلك اليوم كألف سنة مما تعدون، فيصل العرق إلى الأعناق وقد يغمر الوجوه والأبدان، فيشتد عطشهم، وإذا بهم يسحبون بالسلاسل وبالأغلال إلى الحميم.
هذا الماء الذي سيشربونه قد بلغ من الغليان ومن الحرارة منتهاها، فلا يكادون يشربونه حتى يشوي وجوههم ويلقي أمعاءهم في الأرض، فلا يبقي لحماً ولا جلداً إلا العظم، كما قال الله عنهم: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] أي: جزاءً وفاقاً على شركهم بالله، وكفرهم برسالات الله، وعدم إيمانهم بالكتب المنزلة على أنبياء الله.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر:٧٠ - ٧١] والأعناق جمع عنق، والسلاسل في أبدانهم على أيديهم وأرجلهم وألسنتهم، فيجرون جراً إلى الماء الحار الذي بلغ في الغليان منتهاه، وما من أحد يشرب منه إلا ويلقي بأمعائه في الأرض، فيعيدها زيادة في عذابه وفي النار يسجرون، أي: يحرقون، فيكونون وقود النار وحطب جهنم، فتوقد بأجسامهم وبلحومهم، فيلقى فوج على فوج، والأبدان تعود مرة ثانية بعد أن كانت قد احترقت فيزداد نارها وجحيمها، وهكذا دواليك إلى أبد الآبدين ودهر الداهرين.
стр. 1977
تفسير قوله تعالى: (ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [غافر:٧٣ - ٧٤].
تقول لهم الملائكة: كل هذا الذي جرى عليكم من الأغلال والسلاسل والسحب إلى الحميم في جهنم وأصبحتم وقوداً لها، هو بسبب شرككم في دنياكم، فأين شركاؤكم لينقذوكم وليشفعوا لكم وليحموكم من عذاب الله، فلماذا لم يأتوا إليكم فيحامون عنكم هذا العذاب؟ فهذه الآلهة التي عبدوها من دون الله سواء كانت أخشاباً، أو أحجاراً، أو حدائق، أو بشراً أو ملكاً أو جناً، فهي أمام الله على غاية ما يكون من الهلع والرعب، ويطلبون من الله المغفرة والسلامة والإنقاذ من عذاب الله.
وقوله: ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ [غافر:٧٤] أي: ضاعوا علينا ولم يفيدونا، بل زادوا فقالوا: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر:٧٤] فسره البعض: بأنهم نفوا عبادة المشركين، وليس الأمر كذلك في هذه الآية.
فقوله: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا﴾ [غافر:٧٣ - ٧٤]، ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾ [غافر:٧٤] أي: ابتعدوا، ففقدناهم، لأننا لم نرهم، بل زادوا فقالوا: لم نكن ندعو من قبل شيئاً يذكر، بل كانت عبادتنا في دار الدنيا عبادة لا معنى لها، فهي عبادة باطلة لمن لا يضر ولا ينفع حتى نفسه، ولذلك عشنا بلا عبادة وبلا إله ندين له يضرنا وينفعنا.
أي: أنهم اعترفوا بذنوبهم وبأخطائهم وبجرائمهم، ولكن هيهات هيهات الآن! وقد كانوا قبل من المجرمين، ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر:٧٤].
يذكر الله هؤلاء دائماً مثلاً لأمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ممن كفروا كفر الأولين، ونافقوا نفاق الأولين، على أنهم إن بقوا كذلك فلم يتوبوا ولم يئوبوا فسيعذبون عذابهم، وينكلون نكالهم، ويكونون في جهنم كما كان الأولون، ولذلك يقول: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر:٧٤] أي: كل من كفر بعد هؤلاء سواء ممن دعاهم محمد رسول الله إلى الإيمان فكفروا به وبما أنزل عليه، ولم يكن في قلوبهم خير من إيمان ولا كتاب ولا رسول ولا ألوهية، فهؤلاء قد ضلوا ضلال الأولين نتيجة فساد قلوبهم.
стр. 1978
الأسئلة
стр. 1979
اللام الواقعة في خبر إن
السؤال
ماذا تسمى اللام الواقعة في خبر إن كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ [غافر:٥٩]؟
الجواب
هذه اللام هي لام التوكيد، وكان مكانها أن تتصل بالاسم (اسم إن)، فتقول: إن للساعة آتية لا ريب فيها، وإن للتوكيد واللام للتوكيد ولا يجتمعان معاً في كلمة واحدة، وذلك استقراءً في لغة العرب التي نزل بها القرآن، ولم يجز ذلك أئمة اللغة كـ سيبويه والكسائي وغيرهما، فهذه اللام لام التوكيد وليست لام القسم، فلام القسم تكون في المبتدأ لا في الخبر، وفي هذه الآية اللام متصلة في الخبر، والتوكيد معناه أن الله يؤكد تأكيداً قاطعاً بلفظة الساعة (إن)، وفي الإعراب نقول: إن: حرف نصب وتأكيد، ساعة: اسمها منصوب بإن، لآتية: اللام للتوكيد، وآتية خبر إن مرفوع بها.
وهذه اللام لا يصح دخولها على الساعة، فلا تقل: إن للساعة؛ لأن (إن) للتوكيد و (اللام) للتوكيد، فكان التوكيد للاسم بدخول (إن)، وللخبر بدخول اللام، فصار الاسم مؤكداً، والخبر مؤكداً، فاجتمع مؤكدان فزاد ذلك الأمر تأكيداً وتأكيداً، ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ [غافر:٥٩].
стр. 1980
بيان هل الإنسان مسير أم مخير
السؤال
هل نحن مسيرون أو مخيرون؟
الجواب
الله ﷻ أمر بالإحسان وبالطاعة ولم يأمر بالسوء وبالمعصية، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]، والله نهانا أن نقول عن شيء: إننا فاعلوه غداً، قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]، وهذا زيادة في التوكيد وزيادة في الفهم والبيان.
فعندما أقول لك: غداً سأفعل وأفعل، من الذي ضمن لي الحياة إلى الغد؟ فأنا عندما أقول: غداً سأفعل كذا ولم أستثن بالمشيئة أكون كاذباً؛ لأنني أتصرف فيما لا أملك، فإذا قلت لك: غداً سأفعل كذا إن شاء الله فالأمر معلق بمشيئة الله، وقد يحقق الله هذا الوعد وقد لا يحققه، فهو راجع إلى مشيئته، ومع كل ذلك فنحن مخيرون لا مسيرون، بمعنى: لنا إرادة خلقها الله لنا، وعقل نفكر به خلقه الله لنا، فيمكن أن نفعل الخير أو أن نفعل الشر.
وأما ماذا قدر الله في سابق الأجل؟ فهذا سر من أسرار القدر لا يعمله إلا الله.
وقد سئل النبي ﵊ عن هذا عندما أمرنا أن نؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى، فقال ﵊: (جفت الأقلام ورفعت الصحف بما كان ويكون إلى قيام الساعة، فسأله الصحابة الحاضرون، قالوا: إذا كان الأمر كذلك فلم العمل؟) أي: أن السعيد وهو في بطن أمه سيدخل الجنة عمل أو لم يعمل، والشقي وهو في بطن أمه سيدخل النار عمل أو لم يعمل، فأخطئوا الفهم، فأعادهم رسول الله ﵊ إلى الصواب فقال لهم: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، فالذي قدر الله له أنه من أهل الجنة لن يترك الصلاة إذا صلى الناس، وإذا حجوا ترك الحج، وإذا صاموا أفطر، بل إن الله يلهمه ويوفقه أن يلازم صلواته، وأن يحج بيت الله الحرام، وأن يزكي ماله، وأن يصوم شهر رمضان، وأن يفعل الخير ما استطاع إلى ذلك، وأن يبتعد عن الشر وعن المعاصي، وهذا في الأزل.
أما في دار الدنيا فلا يستطيع أحد أن يقطع أنه من أهل الجنة أو النار، لكننا نعمل ونرجو الله، وندعوه، فما هو كائن في علم الله سيقع ولا أحد يعلمه، فعلينا أن نكثر من العبادة ومن الإخلاص ومن الطاعة، ونكثر من الدعاء كما أمرنا الله ورسوله به، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢].
فمن خلق للجنة يسره الله لعمل أهل الجنة، ومن خلق للنار يسره الله لعمل أهل النار، وفي ما عدا ذلك نشعر أننا مسلمون ونؤمن عن طواعية، ولو فكر أحدنا ألا يصلي أو لا يصوم شهر رمضان، فمن سيمنعه، فنحن نشعر بهذه القدرة وبهذه الإرادة، ولو شاء بعضنا أن يقتل بعضاً من يمنعه، فإذا: نحن نشعر بالقدرة على عمل الخير وبالقدرة على عمل الشر، فبعضنا يعمل الخير رجاء ثواب الله، وبعضنا يترك الشر إما خوف الله أو خوف الموت أو خوف العذاب، وعلى كل اعتبار فله إرادة استطاع أن يفكر بها أنه لو شتم الناس أو سكر أو ارتكب المعاصي أنه سيؤخذ في السجن وقد تقطع يده إن كان سارقاً، وقد يقتل إن كان قاتلاً، فهذا الخوف منعه من الفعل، ولا يكون الخوف إلا من الله.
وهذه المعاني التي هي: خوف أو رجاء أو طمع هي أيضاً من القدرة والإرادة التي خلقها الله فينا، فإذاً: نحن مخيرون، أما ماذا في الأجل؟ هل كتبنا الله في بطون أمهاتنا سعداء أم أشقياء؟ فهذا لا نعرفه ونقول: الله أعلم، ولكن نرجوا أن يكون خيراً، ومع ذلك نحتاج إلى المحافظة على صلواتنا، وعلى صيامنا، وعلى أركان ديننا رجاء ذلك، من شب على شيء شاب عليه، فمن شب على الإسلام، وعلى المحافظة على الصلوات، وعلى القيام بأركان الإسلام أتم الله له نعمة الإسلام والتمسك بها.
أما أننا مسيرون وتكون النتيجة فيما يريده المنافقون والفسقة: أنه لا إرادة لنا ولا اختيار في الحسنات والسيئات فلم الجنة والنار؟ وإنما الأعمال بالنيات، فإذا كان العمل بلا نية صالحة لا يعتبر، وإذا كانت النية صالحة بلا عمل لا تكفي ولا تعتبر.
فإذاً: نحن مخيرون لا مسيرون، وكوننا مسيرين في الأجل هذا لا ارتباط له بإرادتنا، ولا باختيارنا، فهو عمل من أعمال الله، وسر من أسرار القدر، والقدر لا يبحث فيه أحد، ولو حاول الإنسان أن يبحث عنه فإنه سيخرج بلا نتيجة، وقد يخرج ضالاً مضلاً، والأنبياء قد خاطبونا ودعونا لدين الله، وأرشدونا لعبادة الله، والقرآن الكريم على هذا الأساس أنزل.
стр. 1981
تفسير قوله تعالى: (ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون)
قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر:٧٥].
أي: ذلك العذاب، وتلك السلاسل والأغلال، وذلك السحب إلى جهنم، وذلك الشراب من الحميم، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [غافر:٧٥].
فتجد الكافر في أغلب الأحيان إن كان صحيح البدن، مكفياً في عيشه، يضحك وكأن شيئاً لم يكن، وكأنه ليس أمامه نار ولا عذاب ولا قيامة ولا محاسبة، فهو فرحان بكفره، وبشركه، وبأنه لم يكلف نفسه كما يعذب المسلم نفسه بالصلاة والصيام وهذا حلال وهذا حرام، فهم يضحكون علينا، ويستبعدون العذاب، ولسان حالهم: وما يهلكنا إلا الدهر، كما قال الكفرة الذين سبقوهم، فهم رجعيون رجعوا لأولئك السابقين، ففرحوا بالكفر ومرحوا به وسرحوا، وأخذهم البطر والأشر والتكبر والتعالي بأنهم كافرون، وظنوا أنما أتوا به هو خير لهم، وظنوا أنهم يحسنون صنعاً.
فهم قردة لا يملكون عقلاً ولا سمعاً ولا بصراً، فهم غارقون في الضلالة، والفساد، وكأنهم يضحكون على أنفسهم وعلى مستقبلهم وهم لا يشعرون.
أما الفرح بالله، والفرح بالحق، والفرح بدين الإسلام، والفرح بكوننا من أمة محمد ﵊، فذلك فرح بحق، وذاك مما يزيد المؤمن إيماناً، والعابد إخلاصاً، والمطيع طاعة، وإنما عاب الله عن هؤلاء؛ لأنهم يفرحون في دنياهم بالباطل، وبالكفر، وبالشرك، وبالظلم، وبالاعتداء على الخلق.
وقوله: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر:٧٥] المرح: البطر والأشر، وهو الوصول بالفرح إلى درجة خفة العقل بالرقص والحركات؛ لأنهم وجدوا أنفسهم فيما يظنون أنهم غير مكلفين، فينامون متى شاءوا، ويعملون متى شاءوا، فلا صلاة عليهم ولا تثريب عليهم، ولا يقولون: خرجنا لهذا العالم لطاعة الله وأنبيائه، أو عمل شيء، بل ظنوا أنهم خرجوا لهذه الدنيا عبثاً، وهيهات هيهات! أن يخلق الله شيئاً عبثاً، كل شيء خلقه بحكمة وبإرادة، وما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه، فإذا ابتعدوا عن هذه الغاية من خلقهم، وهي عبادتهم لله ضلوا وأضلوا، واستوجبوا لعنة الله وعذابه وخلودهم في النار يوم القيامة.
стр. 1982
تفسير قوله تعالى: (ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين)
قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [غافر:٧٦].
أي: هؤلاء الذين كانوا في دار الدنيا في مرح وفرح بكفرهم ونفاقهم وظلمهم، بأكلهم أموال الناس بالباطل، وبإزهاقهم الأرواح ظلماً وعلواًَ في الأرض وفساداً، فإنهم سيحاسبون حساباً عسيراً، فتقول لهم الملائكة بأمر الله: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [غافر:٧٦].
وأبواب جهنم سبعة، ولكل باب خلق من الخلق، وسيدخلون منها جميعها، وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [غافر:٧٦] أي: خلوداً أبدياً لا موت فيه ولا راحة ولا خروج، وقوله: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [غافر:٧٦] أي: بئس مثواهم ومقامهم، فما أشقه وأكثره عذاباً ومحنة.
فهؤلاء الذين في دنياهم قد فرحوا بكفرهم، ومرحوا بباطلهم، وتكبروا عن الدعاة إلى الله، وعن كتاب الله، وعن رسل الله، وعن المؤمنين الذين يدعونهم إلى الله، وعن علمائهم الذين دعوهم إلى طاعة الله وعبادته، وإفراده بالعبادة والإخلاص، فهؤلاء متكبرون، وكما ورد في صحيح مسلم وبقية السنن أن النبي ﷺ قال: (إن المتكبرين يبعثون يوم القيامة كالذر في صورة بني آدم، ثم يؤمر بهم إلى النار) فهم في أعين الناس كأنهم الذر، والذر هي أولاد النمل، أو هو النمل الصغير الذي لا يكاد يرى بالعين المجردة، وهذا تحقير لهم وإذلال وهوان.
فبئس مثواهم، ومقامهم، وعذابهم، والمنزل الذي ينزلونه، والمأوى الذي يأوون إليه.
стр. 1983
تفسير قوله تعالى: (فاصبر إن وعد الله حق)
قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر:٧٧].
يؤكد الله على نبيه ﵊ بقوله: (فاصبر) أي: اصبر على أذاهم، وشتائمهم وأقوالهم، فالنصر لك، ((فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ)) فما وعدك به من نصر، وفوز، وعذاب لهم، ومهانة لهم، كل ذلك حق لا محالة، والأمر بالصبر كان للنبي ﷺ قبل الأمر بالقتال، ولا ننسى أن السورة التي ندرسها ونشرح آياتها ونفسرها هي سورة مكية، والقتال لم يشرع في مكة، فلم يكن إلا الصبر، فكان يصبر في نفسه ﵊، ويأمر أصحابه بالصبر، وهم يشتمون ويعذبون بل ويقتلون، وكان يمر على الأسرة كاملة أباًَ وأماً وولداً وهم يعذبون إلى أن تقتل الأم، فلا يزيد عن قوله: (صبراً آل ياسر إن موعدكم الجنة)، إلى أن أمر بالهجرة إلى المدينة المنورة، وإذ ذاك شرع القتال، قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩]، وقد قاتلوا فسحقوا أعداءهم سحقاً، ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر:٧٧]، يقول الله له: يا محمد! اصبر، وما وعدناك به كائن لا محالة.
стр. 1984
تفسير سورة غافر [٧٧ - ٨١]
لقد نصر الله تعالى رسوله والمؤمنين على مخالفيهم من الكفار والمشركين، فرأى رسول الله ﷺ بعض تلك الانتصارات في حياته، وبعضها حصلت بعد مماته كالقضاء على فارس والروم والبربر، ثم أخذ الله تعالى يعدد نعمه على عباده في هذه الأنعام العجماء التي سخرها لهم، فمنها ركوبهم ومنها يأكلون.
стр. 1985
تفسير قوله تعالى: (فاصبر إن وعد الله حق)
قال ربنا ﷻ : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر:٧٧].
الله ﷻ فيما سبق من الآيات أخبر عن تمرد الكفار والمرتدين وعبدة الأوثان والأصنام، وتكذيبهم للحياة ثانية، وتكذيبهم لنبيهم، فأنذرهم وتوعدهم، ثم قال لنبيه ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ﴾ [غافر:٧٧] أي: اصبر على تكذيب هؤلاء ولأوائهم، فالعاقبة لك كما كانت للأنبياء قبلك، ونهاية الأمر نصرك وذلهم وهزيمتهم وهوانهم، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر:٧٧].
وما وعدك الله به من نصر مؤزر ونشر لدينه وهزيمة لعدوه وقضاء عليهم في حياتك وبعد مماتك كل ذلك حق سيتحقق، فما وعدك الله به هو وعد حق وصدق، كما وعد إخوانك وآباءك من الأنبياء والمرسلين الذين جاءوا بعدك، وهي تسلية وتعزية للنبي ﵊ وقد لقي منهم الشغب، وكان ذلك في مكة قبل فرض الجهاد، والسورة مكية، والجهاد لم يشرع إلا بالمدينة المنورة، فكلمات الصبر ودعوة النبي ﵊ للعفو نجدها في الآي المكية، ولا نجدها في الآي المدنية؛ لأن الله أذن لرسوله وخاتم أنبيائه ﷺ أن يقاتل أعداء الله وأعداء رسوله وكتابه، فلا حاجة للصبر بعد ذلك، وإن كان الصبر في حد ذاته يؤمر به كل مؤمن قبل وبعد، في الحياة النبوية وبعدها، وأمر به الناس كافة، فلابد من الصبر لبلوغ الدرجات العلى، ولابد من الصبر على اللأواء وبلاء الدنيا وكراهية الأعداء وبغضائهم، ومن صبر نال وظفر.
قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر:٧٧].
يقول الله لنبيه ﷺ إن هذا الذي وعدناك إما أن تراه في حياتك، وتعيش إلى أن يصبح تحت يدك، وترى النصر وتسمعه، ويعزك الله على عدوك وأنت لا تزال حياً، فإما أن يحدث بعض ذلك في حياتك، والبعض الآخر يكون بعد وفاتك، كما قال تعالى: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ [غافر:٧٧] و (إن) شرط، و (ما) ويقولون عنها: زائدة، وهي ليست زائدة حتى في غير القرآن، ولا يليق أن يقال عن القرآن: بأن فيه شيئاً زائداً، وإنما هي لمعنى التأكيد، فيؤكد الله ﷻ مع الشرط بأنه سيرى نبينا ﵊ بعض ما يعده، فيقول: إما أن نرينك بعض ما نعدك أو نتوفينك فإلينا يرجعون، أي: إن نصرناك عليهم وأنت لا تزال حياً، أو نصرنا أتباعك عليهم وأنت قد مت فمرجعهم إلينا، فنحن الذين سنؤدبهم وننتقم منهم في حياتك وبعد مماتك كذلك.
стр. 1986
نصر الله لرسوله ﷺ يتحقق في حياته وبعد مماته
وأكد الكلام بنون التوكيد الثقيلة، أي: إن نرينك بعض الذي نعدك من النصر عليهم، والنشر لدينك في بقاع الأرض، وهزيمة عدوك، فسنريك بعض ذلك وأنت لا تزال حياً، (وإما نتوفينك) أي: وإن نحن توفيناك وأمتناك فإلينا مرجعهم وعودتهم، وسيرون ذلك لا محالة ولا مفر لهم، فسيعاقبون وسيهزمون إما على يدك وأنت لا تزال حياً، وإما بعد مماتك على يدي خلفائك، وقد كان الأمر كذلك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] ففي حياة النبي ﵊ نصره الله نصراً عزيزاً مؤزراً، وحقق له وعده في نصره على أعدائه خاصة قومه قريشاً، الذين أخرجوه من بلده، وألبوا عليه الأعداء، وتعاونوا مع يهود المدينة ونصارى نجران ومشركي نجد وبقية القبائل الكافرة من جزيرة العرب، وهاجموه وأخرجوه من بلده، ثم هاجموه في المدينة بعد أن خرج مهاجراً، ووقعت هناك معارك طاحنة في غزوة أحد وخيبر وغزوات اليهود والخندق والأحزاب وبدر، وقد تألبوا عليه مع كفار الجزيرة كلها، وكانت النهاية نصر نبيه ﷺ ، فقد عاد إلى مكة مظفراً منتصراً حاكماً في أعدائه، وعرضوا عليه عرض الأسرى والمستعبدين، فقال لهم: (ماذا ترون يا معاشر قريش! أني فاعل بكم؟)، ثم أطلق سراحهم وعفا عنهم بعد القدرة عليهم، وعاقب يهود المدينة بأن طرد من طرد وقتل من قتل وصادر من صادر، وأوصى -خلفاءه من بعده- بإخراج الجميع من جزيرة العرب، أي: من العالم الإسلامي.
وما مات النبي ﵊ حتى دانت له جزيرة العرب كلها، وأصبحوا على دينه ومن أتباعه وجنده، ومن الدعاة إلى دينه، وأصبحوا جميعاً يعتقدون رسالته التي كانوا ينكرونها زمناً، وبعد وفاته ﵊ خرج الإسلام عن جزيرة العرب في عهد أبي بكر وعمر ﵄، وكانت البداية في عهد أبي بكر ﵁، وانتشرت انتشاراً شاملاً عاماً في مشارق الأرض ومغاربها أيام الفاروق عمر ﵁، فدخل في أرض المسلمين الشام والعراق وفارس ومصر والمغرب، وما بقي بعد ذلك إلا القليل، ثم دخل ذلك القليل فأصبحت رقعة العالم الإسلامي من أرض الصين شرقاً إلى أرض فرنسا قرب العاصمة باريس بنحو مائة ميل فقط غرباً وما بينهما جنوباً وشمالاً.
فالله وعد نبيه ﷺ وحقق وعده، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ [غافر:٧٧] أي: إما أن ترى ذلك رؤيا العين، وإما سيكون ذلك بعد موتك، وإلينا مرجعهم.
وقد فعل الله كل ذلك، فقد وقع بعض ذلك في حياة النبي ﷺ ورآه وقرت عينه وعين المؤمنين به، ووقع أكثره بعده، ففرحت روحه وهو في الرفيق الأعلى، وسرت بنشر التوحيد والإسلام، حيث قام الذين آمنوا على يده من قريش نفسها وبقية قبائل العرب فتعاونوا واتفقوا على نشر دين الله حتى عم الأرض كلها، وأصبح الإسلام وحده هو الظاهر والغالب والمعمول به إلى قرون وقرون بعد ذلك.
стр. 1987
تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [غافر:٧٨].
يقول تعالى لنبيه معلماً ومسلياً ليعلم أتباعه والمؤمنين: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾ [غافر:٧٨] فلم تكن في هذا فريداً، ولا شاذاً وفذاً، فقد سبقك أنبياء كثيرون، ولست أنت إلا آخرهم والخاتم لهم، فقد جاء قبلك أنبياء كثيرونَ أرسلناهم لأممهم ولشعوبهم مبشرين ومنذرين، مبشرين أولياءه بالجنة والرضا، ومنذرين أعداءه بالغضب والسحق ودخول النيران.
قال تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:٧٨] أي: ليس الرسل الذين أرسلناهم هم من سميناهم لك فقط، بل هناك الكثير ممن لم نذكر لك أسماءهم، ولم نقص عليك قصصهم، لا في أشخاصهم ولا في شعوبهم ولا في أممهم، وإنما قصصنا عليك سير القليل منهم، الذين اتخذناهم عبرة لك وللمؤمنين معك؛ ليكونوا درساً وعبرة وأسوة، وليكون المؤمن أسوة للمؤمن، والكافر نذيراً وعبرة لمن بقي على الكفر، ولم يذكر الله في كتابه إلا أسماء خمسة وعشرين من الأنبياء فقط، أولهم: أبونا آدم، وآخرهم نبينا محمد عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأزكى التسليم، والذين أرسلوا أكثر من ذلك بكثير، فقد قال لنا ربنا: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤]، فليس هناك أمة من أمم الخلق والبشر إلا وأرسل الله لها نبياً، ولم يذكر منهم إلا خمسة وعشرين فقط ممن اتخذ من سيرهم وسير أممهم وشعوبهم عظات وعبراً ودروساً لنبيه وخاتم أنبيائه ﷺ وللمؤمنين من أتباعه.
وهم: آدم وشيت وإدريس ونوح وإبراهيم وولداه إسماعيل وإسحاق وسلالة إسحاق إلى خاتمهم عيسى، وسلالة إسماعيل وهو نبينا ﵊.
стр. 1988
عدد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام
وأما بقية الأنبياء: فقد وردت أحاديث في حصرهم وأعدادهم، فعن أبي ذر الغفاري وأنس بن مالك وأبي أمامة وأبي سعيد الخدري وآخرين، ورويت في التفاسير وفي السنن وفي المسانيد وفي المعاجم، والكثير منها لم يصح، وأصحها حديث أبي ذر، وقد ورد عن كعب: إن الأنبياء السابقين ألفا ألف نبي، أي: مليونان من الأنبياء.
وورد عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ : أنهم ثمانية آلاف، وعن أبي سعيد: أنهم ألف ألف، أي: مليون من الأنبياء.
وورد عن أنس بن مالك أنهم ألف.
وأصح هذه الأحاديث هو ما أخرجه ابن حبان في صحيحه والآجري وعبد بن حميد في مسنده وآخرين عن أبي ذر الغفاري ﵁ أنه قال: (يا رسول الله! كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي، قال: كم منهم رسل؟ قال: هم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً، جماً غفيراً، كثيراً طيباً).
وهذا الحديث صححه ابن حبان، وذكره في صحيحه، وصححه غيره كـ الآجري وعبد بن حميد والبزار في مسنده.
وهذا الحديث هو أصح ما ورد في أعدادهم، وقد اعتبره ابن الجوزي موضوعاً، وصححه غيره وأكده، وهو أصح الموجود، وكونهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً مع قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤] يؤكد العدد والزيادة.
والأمم كثيرة من مضى منهم ومن بقي، ونبينا ﷺ هو آخر الأنبياء على الإطلاق، فقد كان نبياً لجميع الأمم التي عاصرته والتي ستأتي، وهو خاتم رسل الله في مشارق الأرض ومغاربها، وقد أرسل للعرب والعجم، فلا نبي ولا رسول بعده إلى قيام الساعة.
стр. 1989
عموم رسالة الإسلام
لقد كان الأنبياء قبله ﷺ يرسلون إلى أقوامهم خاصة، ومن هنا يقال: أنبياء بني إسرائيل، فهم أنبياء مخصوصون ببني إسرائيل وهو إسحاق، والنبي: هو من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، والرسول هو كل نبي أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، وكان عدد الكل: مائة ألف وأربعة وعشرين ألفاً، ولكن ديانتهم لم يؤمروا بها إلا في أنفسهم، ولم يؤمر منهم بإعلامها وتبليغها للناس إلا ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً، وهؤلاء هم الذين أرسلوا بالرسالات، وكلهم كانوا رسلاً قوميين، وقد قال النبي ﵊: (خصصت بخمس) والخصائص النبوية تتجاوز المائتين، وقد جمعها السيوطي في كتابه (الخصائص الكبرى)، وطبع أكثر من مرة في مجلدين، قال ﷺ : (خصصت بخمس)، ومن الخمس: (كان الأنبياء قبلي يبعثون ويرسلون إلى أقوامهم خاصة وأرسلت إلى الناس عامة).
فليس هناك دين عالمي إلا دين الإسلام؛ دين محمد ﵊، فمن يزعم بأن اليهودية أو النصرانية دين العالمين فقد جهل، وقال الباطل وغير الحق، فهذا عيسى يقول في الإنجيل: (أرسلت إلى بني إسرائيل خاصة)، والقرآن المهيمن على الإنجيل يؤكد هذا المعنى فيقول: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف:٦]، فهو لم يرسل إلا إليهم، وهو خاتم أنبيائهم، ولذلك فالنصرانية واليهودية لم تكونا يوماً ديناً إلا لبني إسرائيل، وعيسى من بني إسرائيل، ولم يرسل إلا إلى بني إسرائيل، ومن آمن باليهودية وبالنصرانية حتى في عصرها ولم يكن يهودياً فهو قد آمن بدين لم يطلب منه، وآمن برسالة لم يكلف بها، ولذلك من آمن اليوم من غير اليهود بإحدى الديانتين فقد آمن -لو كان الدين لا يزال صحيحاً- بدين لم يكلف به، فكيف والدين قد غير وبدل وانتقل من دين توحيد إلى دين عبادة أوثان!! فاليهود عبدوا العجل، وعبدوا العزير، وعبد النصارى مريم وعيسى والصليب، وقالوا جميعاً: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، فجعلوا لله ولداً، وجعلوا جميع الخلق أولاداً، وذاك منتهى الشرك والوثنية والكفر بالله، على أن ذلك قد نسخ، وما برز محمد ﷺ في هذه الديار المقدسة إلا وقد نسخت جميع تلك الأديان، عندما أعلن للناس ما أمره ربه به، قال تعالى: ﴿قُل يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨] فلم تبقَ رسالة ولم يبقَ رسول ونبي تجب طاعته والإيمان به والعمل برسالته إلا محمداً ﷺ ورسالة الإسلام، ومن هنا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] فالدين الحق المقبول الذي أمر به البشر هو الإسلام لا سواه، ومن هنا يقول سيد البشر صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (والله لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي).
وعيسى سينزل في آخر الزمان على دين محمد دين الإسلام عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:٧٨]، أي: قصصنا عليك قصص بعضهم وسيرة بعضهم، (ومنهم من لم نقصص عليك) فأكثرهم لم يقصوا ولم تذكر أسماؤهم وسيرهم ولا سير أتباعهم وأممهم وشعوبهم.
стр. 1990
المعجزات لا تكون إلا بإذن الله
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرعد:٣٨].
أي: ما ينبغي ولن يكون أن يأتي رسول وهو رسول حقاً بمعجزة أو بآية أو بدليل أو برهان إلا بإذن الله، فهو رسول الله، والرسول لا يفعل ولا يليق به أن يفعل إلا ما أمره به مرسله ﷻ وعز مقامه.
ومعنى هذا: أن كل ما صح عن الأنبياء من الآيات البينات، والمعجزات الواضحات، والكتب التي أتوا بها هي جميعاً كانت بأمر الله وبإذنه، ثم بدل وحرف وغير ذلك أتباع أولئك الأنبياء، فلم يبقَ من كتبهم ولا من معجزاتهم شيء صحيح البتة إلا ما ذكر في كتابنا القرآن الكريم المهيمن على الكتب السابقة، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [غافر:٧٨].
فإذا جاء أمر الله بقيام الساعة والقيامة والبعث والنشور بعد الموت قضى الله بالحق بين أمم هؤلاء الأنبياء والرسل، وهو الحق ﷻ ، ولا يصدر عنه إلا الحق، فإما إلى جنة وإما إلى نار.
قال تعالى: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ﴾ [غافر:٧٨] أي: يوم القيامة والعرض على الله ويوم البعث والنشور والحساب يخسر هناك المبطلون، الذين أبطلوا دينهم في الحياة الدنيا وجاءوا بالباطل، وكذبوا الحق وافتروا عليه عندما جاءهم، وأتوا بالباطل وما لم ينزل الله، فهؤلاء هم المبطلون الذين أتوا بالباطل وابتعدوا عن الحق وكذبوا به، والذين سيخسرون إذ ذاك يوم القضاء وإعلان الحق والفصل بين الخلائق، فسيكسب ويفوز الكل إلا الذين أتوا بباطل، والباطل الشرك بالله والكفر به وعصيانه، وهم يعتقدون أن الله ﷻ وعلا مقامه له ثان وثالث من ولد وبنت وصاحبة وصاحب، تعالى الله وجل عن كل ذلك، فهو الأول والآخر، وهو الفرد الصمد الواحد الأحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله.
стр. 1991
تفسير قوله تعالى: (الله الذي جعل لكم الأنعام)
قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [غافر:٧٩].
أي: يا هؤلاء الذين تنكرون القدرة وأنتم ترونها بأعينكم وتسمعونها بأذانكم وتحسونها بأجسامكم: وفي كل شيء له آية يدل على أنه الواحد فكما أن الله أرسل المرسلين والأنبياء فهو ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [غافر:٧٩]، والأنعام: جمع نعم، وهو جمع الجمع، والنعم جمع لا مفرد له من لفظه، وهي الإبل والغنم والبقر، فيذكر الله عن هذه الأشياء الثلاثة: أنه جعلها لنا للأكل والركوب، فالإبل للأكل وللركوب، والغنم والبقر للأكل.
وقد رأينا في الهند من يعبدون البقرة، ويعذبون الثور، فيركبون عليه ويحملونه الأثقال التي لا تحملها الجمال، وفي الحديث الصحيح: (أن بقرة شكت إلى رسول الله ﷺ أن صاحبها يشغلها فيما لم تخلق له) فيركبها ويحملها الأثقال وهي لم تخلق لذلك.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ﴾ [غافر:٧٩] جعلها: خلقها وصيرها لذلك.
﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [غافر:٧٩] أي: لتأكلوا من بعضها، والأنعام كلها تؤكل إبلاً وبقراً وغنماً، وأما الركوب فالذي نركبه منها هي: الإبل فقط، النوق والجمال، ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا﴾ [غافر:٧٩] و (من) بعضية، أي من بعضها، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [غافر:٧٩] أي: وأكلكم منها، فنأكل من جميعها: من الإبل والبقر والغنم، وكل ذلك حلال جائز في هذه الآية.
قالوا: وفي الآية الأخرى ما يدل على تحريم أكل الخيل والبغال والحمير، إذ قال الله هنا: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [غافر:٧٩]، وقال عن الدواب: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل:٨] ولم يقل: لتركبوها ولتأكلوا منها، فهي لا تصلح إلا لذلك، فلا تؤكل خيل ولا حمير ولا بغال على ما للفقهاء من نزاع في بعض ذلك.
стр. 1992
تفسير قوله تعالى: (ولكم فيها منافع)
قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر:٨٠].
أي: ولكم مع ذلك منافع في الأنعام، ومن هذه المنافع: أشعارها وأوبارها وصوفها وحليبها وجبنها وما يخرج من بطونها، ومع هذا الركوب والأكل، فكلها منافع، ولذلك الكثيرُ الكثير ممن في الأرض يعيش من الأنعام ويتاجر بها، فأوبارها تصلح للباس وللأثاث، وللخيام ولكل ما يصنع من الصوف ومن الشعر ومن الوبر، وبعضها أثمن وأغلى من بعض كأوداج الإبل مثلاً فهي أقرب نعومة إلى الحرير منها إلى الصوف والشعر.
قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ [غافر:٨٠] أي: ولتصلوا بها إلى البلاد التي تريدون لحاجة في صدوركم، من التجارة والسياحة والمعاملة والقتال والحرب على الإبل وما إليها.
قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ [غافر:٨٠]، ومن المنافع: لتبلغوا بالإبل مثلاً حاجة في الصدور من تجارة وتنمية وقتال وجهاد وسياحة، وإلى ما يشغل بال الإنسان ما دام حياً.
قال تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر:٨٠] تحملون على الإبل بأنفسكم وبأثقالكم في رحلاتكم في البر، كما تحملون بحراً على الفلك، والفلك جمع سفينة على غير لفظها، فالله ﷻ هو الذي جعل لنا طرقاً ومفاوز ودروباً في البراري وفي البحار وفي الوهاد وفي الجبال، وحملنا في البر على الإبل والدواب، وفي البحر على السفن.
стр. 1993
تفسير قوله تعالى: (ويريكم آياته)
قال تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ﴾ [غافر:٨١].
أي: يريكم آياته في الآية التي مضت في قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨].
وقد قال حبر القرآن ابن عم رسول الله ﷺ عبد الله بن عباس: ما عطف الله قوله: (ويخلق ما لا تعلمون) على أنواع المركوبات إلا وهو من جنسها.
فقال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل:٨] وهي زينة كذلك، أي: جمال في الدور وعلى أبواب الدور، وقال: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] من أنواع المراكب، ونحن قد أدركنا هذا من السيارات والبواخر والقطارات والطائرات والصواريخ، وصدق فهم ابن عباس الذي دعا له رسول الله ﵊ بالعلم والفهم، فقد فهم من قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] أنها معطوفة على أنواع المراكب من الدواب إبلاً وخيلاً وبغالاً وحميراً فتكون من أشكالها.
وهنا يقول تعالى ما يشبه ذلك، فيقول: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ [غافر:٨١] أي: يرينا في مستقبل الأيام عند نزول الآية من آياته ومن بديع قدرته وإرادته ما لا يستطيعه ويقدر عليه أحد، فأخبر بالشيء الذي سيكون وألهم به خلقه وبشره قبل ذلك بألف وأربعمائة عام.
قال تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ [غافر:٨١] أي: يريكم أنواع المراكب زيادة على الخيل وعلى ما ذكر في الآية السابقة من الدواب، كالسيارات والقطارات والطائرات والصواريخ والبوارج والبواخر والغواصات في البر والبحر والجو، وذاك من قدرة الله وبديع صنعه، ومعجزات القرآن التي أخبر بها الله ﷻ وبلغها عنه رسوله ﷺ قبل أن تكون بألف وأربعمائة عام أو ما يقرب من ذلك.
وقد جاء حديث يشرح هذا ويبينه ويزيده بياناً وتفسيراً ومعرفة، فقال ﵊: (إن عيسى عندما ينزل من السماء سيحج بيت الله الحرام على غير القلص) والقلص: جمع قلوص، وهي: الراحلة والناقة والجمل التي تركب في السفر، فعيسى سوف يحج على غير القلص، أي: يحج على الطائرات، وما كان الناس يعرفون قبلُ أدواتٍ للركوب إلا الإبل، ولذلك كانوا يقولون: هي سفن الصحراء، والمفسرون فسروا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير:٤] وإذا النوق الحوامل عطلت فمعناه قامت القيامة، والحكم على الشيء فرع عن تصوره، فنحن نعيش الآن وقد عطلت الإبل في أرضها في الصحراء في جزيرة العرب، ولا نعرف الركوب عليها قط، فقد أصبحت كالمتاحف أو في المتاحف، وهكذا العناق في صحاري المغرب وصحاري الدنيا، فلم تعد الإبل أداة للسفر ولا للعمل ولا للرحلة، حتى الأكل قليل من يأكلها، ولكن يستفاد من أوبارها وأشعارها، فهي قد عطلت، وهذا علامة من علامات الساعة، وليست الساعة نفسها، فقد بدلت بأنواع أخرى من الأدوات المصنوعة من الحديد براً وبحراً وجواً، وهذا ما لم يكن يخطر ببال إنسان مضى وقضى.
ومثل هذه الآية والأحاديث كان أسلافنا يعجزون عن تفسيرها وشرحها؛ لأن الحكم عن الشيء فرع عن تصوره، ومن كان يخطر بباله أن يوماً من الأيام سيطير الناس على الحديد؟! وأن هذا الحديد سيحلق في الأجواء ويقطع ما بين المشرق والمغرب في بضع ساعات بعد أن كان يقطعها من قبل في سنة أو أكثر أو أقل! وهذا أيضاً يدل عليه ويؤكده بالمعنى قول النبي ﵊: (لن تقوم الساعة حتى تصبح السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كساعة، والساعة كاحتراق السعفة)، فأخذوا يفسرون هذا الحديث أن البركة تفيض، وأن الوقت لن يسعَ العمل وغير ذلك، ولكن المعنى واللفظ كما قاله النبي ﵊، فما كان آباؤنا الأقربون يحجون من المغرب إلى المشرق ومن أقصى ديار الغرب إلى أقصى ديار الشرق -وقد كان الواحد منهم يحتاج إلى سنة ذهاباً وإياباً- إلا ويكتبون وصيتهم قبل أن يغادروا دورهم وبلدتهم إن ماتوا فكذا وكذا، ونحن اليوم نفطر ونتغدى بالرباط ثم نسافر بالطائرة فلا تمضي أربع ساعات إلا وقد وصلنا، والطيران نفسه يزداد قوة وسرعة يوماً بعد يوم، فمن قبل كان الحمار والفرس والجواد، وأما الآن فالطيران نفسه، وأين الطيران الأول بمحركاته الصغيرة الذي كان أشبه بالجرادة مع طيران اليوم؟! فاليوم نركب الطائرة وكأننا دخلنا إلى مدينة من المدن، ففيها المئات من الأشخاص، وفيها الأفلام والسينما، وفيها المأكل والمشرب، وفيها مكان الوضوء ومكان الاستراحة، وهي تمشي به كما تمشي بنا الأرض.
وإذا لم تكن هناك رياح فلا يكاد يشعر بها الإنسان حتى يهبط في الأرض مرة ثانية، وهل كان يخطر هذا في عقول آبائنا الأولين؟ لم يكن يخطر هذا ببال، وقد أخبر النبي ﵊ بكل ذلك تفصيلاً وإجمالاً.
قال تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ﴾ [غافر:٨١] أي: يا هؤلاء الذين أنكروا معجزات الله وقدرته وإرادته القادرة على كل شيء: أي آيات الله القديمة أو التي عاصرتموها أو كانت قبلكم أو جاءت بعدكم تستطيعون نكرانها؟ لا يفعل ذلك إلا أحمق أو أرعن قبل أن يكون كافراً جاهلاً، وهل نعيش إلا في المعجزات؟! وكل واحد يفكر في نفسه أولاً، كما قال تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]، فيفكر من أنا؟ ولم جئت إلى هذا العالم؟ وما الذي يراد مني؟ ومن الذي أعطاني قوة البصر والسمع وهذه الحركة التي أتحرك بها؟ وما الروح؟ قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، ومهما ادعى المدعون وكذب الأفاكون وأنهم علموا من العلوم والمعارف ما سبقوا به الأولين، فسلهم اليوم عن الروح، فسيرجعون رءوسهم ويرجعون بالجهل وبعدم الفهم، وهكذا في جميع العلوم الدنيوية والأخروية لا يعلمون منها إلا كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] أي: قالوا عن جهل بالله وبقدرته وبإرادته وبرسله وبكتبه، والذي يجهلها أيوصف بعلم أو بمعرفة؟! فهم كالأنعام كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩].
стр. 1994
تفسير سورة غافر [٨٢ - ٨٥]
لقد دعا الله تعالى المشركين وغيرهم إلى التفكر في الأرض وفي المخلوقات، والنظر في عاقبة الأمم السابقة، والاتعاظ بما جرى لهم، فقد كان المشركون يمرون على ديار بعض الأمم المعذبة فلم يتعظوا ولم يعتبروا، وذلك يدل على غفلة عقولهم، وقسوة قلوبهم، وغلبة الهوى عليهم.
стр. 1995
تفسير قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم)
قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر:٨٢].
هؤلاء الذين ينكرون قدرة الله وإرادته ووحدانيته من قبل ومن بعد وفي عصرنا سلهم: (أفلم يسيروا في الأرض) ألم يتنقلوا بين القارات والمدائن والقرى فيرون آثار الماضين وقدرتهم في الحضارة، وفي البناء، وفي المال، وفي قوة الأجسام؟ كل ذلك نرى أثره في الأرض، وطالما شاهدنا صخوراً ضخمة فنتساءل: كيف قطعت؟ وكيف نقلت من أماكنها وهي بعيدة في أرض ما؟ وكيف وضعت حجراً على حجر؟ وكيف بقيت وعاشت على القرون؟ وتلك الموميات بأي شيء حفظت حتى بقيت كل هذه القرون؟ وأحد هذه الموميات هو فرعون موسى الذي أبقاه الله لمن بعده آية، فقد ادعى الألوهية، وقالوا: لن يموت الإله، فأبقاه الله بجسده؛ لكي يكون لمن خلفه آية، وبقيت موميات الفراعنة المتألهين عظة وعبرة لكل طاغ متجبر متكبر على الله ممن هلك وممن لم يهلك وهو على سيرة فرعون كذلك.
وهذه الحفريات والآثار يجدون فيها ما بين كل مرة وأخرى جثثاً وهياكل عظمية في الطول والعرض، كما وصف الله قوة أجسام عاد وأمم سابقة، أفلا نأخذ العظة والعبرة والدروس من آثارهم التي نراها في حفريات الأرض ونحن نقطع المشارق والمغارب، ونتنقل بين القارات؟ ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا﴾ [غافر:٨٢] نظر العين والبصيرة، ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [غافر:٨٢] أي: كيف كانت عاقبتهم؟ فقد كانت دماراً وهلاكاً ووبالاً.
﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾ [غافر:٨٢] أي: كانوا أكثر عدداً، وأكثر شعوباً، وإذا عددنا اليوم: فالهند نجدهم سبعمائة أو ثمانمائة مليون، فهم كانوا ملياراً، فلم تفدهم تلك الكثرة، ولم تمنعهم من عقاب الله وانتقامه ومن صواعق الله من السماء وزلازله من الأرض.
فالذين كانوا من قبلهم كانوا أشد قوة في سلطانهم وفي سلاحهم وفي حضارتهم، وفي قصورهم وفي آثارهم، وقد قالوا: إن أمريكا اكتشفت منذ خمسمائة عام، وقد اكتشفها العرب الأندلسيون، وقد وجدوا فيها آثاراً للعرب بحروف العرب وكلام العرب، ووجدوا آثاراً لحضارة العرب، وهم كانوا يظنون أن أمريكا كانت قارة مجهولة قبل، ولم يكونوا يعرفون تاريخ البشرية منذ عشرة آلاف عام إلا عن طرق الكتب السماوية، والإنجيل قد بدل وغير وكذلك الزبور والتوراة، ولم يبقَ إلا كتاب الله الذي تعهد الله بحفظه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومع ذلك فالآثار التي تكتشف والحفريات التي تعرف وترى تؤكد كل ما قاله القرآن حرفاً حرفا وآية آية، وسورةً سورة.
وقبل سنتين أو ثلاث كتب فرنسي نصراني كتاباً قارن فيه بين الكتب السماوية: القرآن والتوراة والإنجيل، وقال: كل ما نص عليه القرآن من علوم فلكية وجغرافية وتاريخية وبشرية وإنسانية أكده العلم الواقع، فلم يوجد فيه شيء مخالف للحقائق، وأما تلك الكتب فقد خالفت الحقائق وأتت بالأوهام وبالأكاذيب وبالخرافات، ولقد أتى ذلك ممن زادوا فيها وحرفوها وبدلوها وإلا فهي أيضاً كتب سماوية، ولكن بدلت وغيرت، فقد الله استحفظ عليها رهبانهم وعلماءهم فعجزوا عن ذلك وضلوا وأضلوا.
فهذا الذي قاله الله تعالى ولفت أنظارنا إلى أن نراه بأعيننا، ونبحث في مختلف بقاع الأرض وقاراتها؛ لنزداد إيماناً برؤيته وبقراءته وسماعه، هو حق لا شك فيه ولا مرية، وقد قال عن النصارى عندما جعلوا الله ثلاثة: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة:٣٠] أي: في كذبهم أن الله ثالث ثلاثة، والنصارى لم يخترعوا ذلك، فهم كفروا وأصبحوا وثنيين تقليداً، فهم قلدوا من سبقهم، فقال الله: ﴿يُضَاهِئُونَ﴾ [التوبة:٣٠] أي: يشبهون من سبقهم.
وقد كنت مرة في متحف من متاحف النصارى في لبنان فقال لي ذاك المشرف على تلك الآثار والمتاحف: أرأيت هذا الصليب، قلت: رأيت، فقال: مضى عليه آلاف السنين، قلت: كيف؟ أليست النصرانية لم يمضِ عليها أكثر من ألف وتسعمائة سنة وعشرات السنين، قال: لا، قد كان الصليب قبل ذلك بآلاف السنين، قلت: صدق الله: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة:٣٠]، فهم في كفرهم مقلدون، وفي وثنيتهم ببغاويون، فدهش من هذا الكلام وكأنه ما سمعه قط، فقال: أصحيح هذا في القرآن؟! قلت: نعم، أنا أقصه عليك وأتلو عليك ما قاله الله في كتابه، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ﴾ [غافر:٨٢] أكثر قوة وآثاراً وحضارة وبناء وعمارة ودراسة وكتاباً، ومع ذلك كانت النتيجة ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر:٨٢]، فلم يفلتوا مع ذلك من عقاب الله، فدمروا وأهلكوا، وجاءتهم صواعق من السماء، وزلازل من الأرض وصيحات أسكتتهم في ساعتها، كما قص الله علينا عن قوم نوح وعاد وثمود ولوط، الذين عاقبهم الله بما عاقبهم، فأرسل عليهم الصواعق من السماء ورجفت الأرض بمدائنهم، وأزيلت من مكان البحر الميت ورفعت إلى أن صار يسمع نباح كلابها ونهيق حميرها ملائكة السماء، ثم قلبها الملائكة بأمر الله رأساً على عقب، فذهبوا كأمس الدابر وكأن لم يكونوا، ثم جاء الملاحدة من روسيا وحفروا حفريات هناك وقالوا: القنبلة الذرية كانت معروفة قديماً، نعم الله خالق الذرة والقنبلة وخالق من صنعها، وهم ينكرون هذا فرأوا آثارهم ونسبوها لمن سبقهم، والأرض الميتة هناك تسمى الآن بالبحر الميت، فهو لا ينبت فيه شجر ولا يعيش فيه سمك، وماؤه لو شرب لا يروي، ولا يطبخ به الطعام، وهذا الماء كان أثراً من آثار قوم لوط عندما عاقبهم الله بفعلتهم الشنعاء التي فعلوها ولم يسبقهم إليها أحد من الخلق قبلهم.
قال تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر:٨٢] فحضارتهم وقوتهم وشدتهم وكثرتهم لم تغنِ عنهم من عقاب الله شيئاً.
وهكذا يا قريش ويا عرب ويا عجم ويا روم ويا فرس، ويا من كلفوا وأمروا بدين الإسلام وبطاعة نبيه ﵊! إن كفرتم وكذبتم وأشركتم فستكون عاقبتكم لعاقبة أولئك، وأين أنتم من أولئك قوة وبطشاً وحضارة!
стр. 1996
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم)
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [غافر:٨٣].
وتجد المفسرين يتكلمون على القرآن وكأن الله ما أنزله إلا على قرن أو على العرب، وتجدهم يقولون: كانت قريش وكان العرب، بل رأيت مجنوناً يجلس في باب الحرم ويقول: كان العرب فيهم وفيهم ونحن لم يكن فينا شيء، والكفرة اليوم فيهم كل ما كان في كفار الأمس، فمثلاً: الموءودة لا تزال إلى اليوم، ويومياً نقرأ في الصحف والمجلات أن هناك في أمريكاً وأوروبا والهند واليابان من يقتلون أطفالهم بعد ولادتهم، وذلك بعشرات الآلاف من الملايين كل سنة، والعرب لم يعد يفعل أحد منهم هذا، فنسبة هذا للعرب أو للعجم فقط جهل.
والقرآن كان الكثير من آياته سبب ورودها فلان وفلان، ولكن ذلك السبب لم يكن هو المقصود فقط، بل كان سبباً ومثالاً ونموذجاً لكل كافر موجود الآن، ومن سيكون بعد، ومن سيأتي إلى يوم القيامة، ومثل هذه الآية: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر:٨٣] أي: جاءت رسل الله عباد الله بالبينات الواضحات والأدلة القاطعة على صدق نبوتهم ورسالتهم وحق ما جاءوا به، ففرحوا بعلمهم، وقالوا: نحن العلماء الذين نعرف ولا يعرف المسلمون، وماذا يعرف الذي يعتمد على كتاب سماوي وكتاب ديني؟! فهذه الأشياء دينية لا نتكلم عنها، فهم فرحوا بما عندهم من العلم، وماذا عندهم من العلم؟ تتكلم مع إنسان فيقول لك: أنا فيلسوف، وأنا أستاذ في الجامعة، وماذا يعرف؟ يعرف حشرة، أو طائرة طارت في الجو، أو أن هناك ما يسمى بالهيدروجين والأكسجين، ويورد من هذه الأسماء، ولم يعلم ذلك إلا عندما رأى الطائرة بالجو ولم يعلمها من قبل، وأخذ ذلك من فعل الله وصفاته، وهو ما قاله الله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧] أي: يعلمون ظواهر أشياء ولا يعلمون شيئاً عن بواطنها.
ولنتفكر في هذا الجو وما فيه مما يسمونه الأثير أو الهيدروجين أو الأكسجين: من خلق ذلك فيه؟ ومن الذي جعله كذلك لتطير الطائرة؟ وهم يقولون: إن الأرض محاطة بغلاف من تجاوزه يبقى لا وزن له، ويستطيع أن يطير في الجو، وفي العالم الآن ما يسمى بالأقمار الصناعية، يستخبرون بها، ويجعلون فيها الكثير من الأشياء المدنية والعسكرية، وإذا وصلت إلى هذا المكان ودفعت فيه فإنها تبقى عائمة كعوم الأرض والسماء في الجو، فمن حملها غير الله؟ وهم لا يفكرون في هذا الحال، وإنما يفكرون في تلك الأشياء التي خلقها الخالق، فيفكرون في الأسباب ولا يفكرون في المسبب ﷻ وعز مقامه.
قال تعالى: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر:٨٣] أي قالوا: نحن الذين نعلم وندرك وأما أنتم فماذا تعلمون؟ وقد سمعنا من يدعي أنه أعلم من فلان، وأنه من أبناء العلماء، ويقول: ماذا في الفقه والشريعة: كيف أتوضأ وأستنجي وأستجمر؟! وهذا كلام لا يقوله إلا مرتد كافر.
والقرآن هو كلام الله، وفيه علوم الإسلام، يقول تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]، ففيه علم السماء، وعلم الأرض، وعلم جميع العلوم، وعلم الأولين والآخرين، والعلم الذي جهلوه ولا يعلمونه كعلم الخلق والأمر والآخرة، وعلم ما كان وما يكون وما سيكون.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر:٨٣] فقالوا ويقولون: ألا ينبغي أن نغير التفاسير بما يناسب العصر، ويقصدون بالعصر الكفر، وهل اليهودية والنصرانية هي العصر أم نحن؟ والعصر لا يتغير، وإنما نحن الذين نتغير، فالسماء هي السماء منذ كان آدم، والأرض هي الأرض، والشمس هي الشمس، والقمر هو القمر، ولكن الإنسان هو الذي يتغير، أنحن عبيد لهذا الإنسان فإذا كفر كفرنا، وإذا تهود تهودنا؟! فما فائدة الرسل إذاً إذا كنا سنتبع كل كافر في عصرنا ونكون إمعة، فإن أصابوا أصبنا، وإن أخطأوا أخطأنا؟ وهذا لا يفعله إنسان له مسكة من العقل والفهم والإدراك.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [غافر:٨٣] أي: نزل بهم وأحاط بهم ما كانوا به يستهزئون، وهزؤهم تكذيبهم بالرسل وبعلوم الإسلام والحق والمعارف، فحاق بهم وأحاط، وأذلهم ودمرهم، وكان سبب هلاكهم وضلال عقولهم وقلوبهم وظلمهم.
стр. 1997
تفسير قوله تعالى: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده)
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر:٨٤].
لما جاء البأس والبلاء والغرغرة بالموت والعذاب ورأوا واقعاً مشهوداً ما كان غيباً أرادوا الإيمان، وقالوا: أمنا بالله وحده، وكفروا بالشركاء؛ كفروا بالثاني والثالث وما كانوا يعبدونه في دار الدنيا، وكفروا بما كانوا يشركون به، فكفروا بعيسى وبـ مريم وبالعزير وبالأصنام، ولكن هيهات هيهات، فالآن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل حال حياتها، أو كسبت في إيمانها خيراً، والإيمان عند الغرغرة قال عنه النبي ﵊: (لا ينفع نفساً لم تكن آمنت قبل أن تغرغر).
فإذا وصلت الروح إلى الحلقوم وأخذ يغرغر ويحشرج بالروح، فهيهات هيهات؛ لأنه في ذلك الوقت يكون قد رأى الملك، ورأى الجنة والنار، وما كان إيماناً بالغيب أصبح يراه شهوداً، وهو أمر أن يؤمن بما أنزله الله في كتابه وفي سنة رسوله، فإن كذب ذلك كان كافراً مشركاً.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر:٨٤] أي: عذابنا ونقمتنا وموتنا وقد وصلت الروح إلى الغرغرة والحلقوم، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر:٨٤].
стр. 1998
تفسير قوله تعالى: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا)
قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:٨٥].
يقول تعالى ﷻ : ﴿لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر:٨٥] أي: لما رأوا البأس والعقاب والدمار لم يكن ينفعهم إيمانهم ولا يقبل منهم، فلا توبة ولا إيمان ولا عمل صالح، ولهذا ليس هناك بعد الموت عمل ولا تكليف ولا طاعة، فالطاعة يجب أن تكون قبل الموت، وكذلك الإيمان والعمل الصالح، وأما بعد وقوع العذاب ووصول الروح إلى الغرغرة فلا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل.
قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ [غافر:٨٥] وسنته: عادته ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر:٤٣].
وعادة الله في خلقه أنه لم يكن يقبل من الأمم السابقة أن تؤمن بعد الموت، ولا أن تؤمن وقد وصلت الروح إلى الحلقوم، ولم يفعل ذلك، والله قص علينا قصة فرعون فقال: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠]، فقال الله له: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩١ - ٩٢]، فلم يقبل الله إيمانه ولا إسلامه، وقال له: هل آمنت الآن وقد أصبح الإيمان شهوداً عياناً، وقد كنت من قبل مفسداً طاغياً متألهاً جباراً؟ وهكذا سنة الله في الأمم السابقة قبل فرعون وبعده، وإلى اليوم وإلى قيام الساعة، فلابد من الإيمان والإنسان حي، ولذلك فالنبي ﵊ كثيراً ما يحضنا ويحثنا بأن نتدارك حياتنا قبل موتنا، وشبابنا قبل شيخوختنا، وقوتنا قبل ضعفنا، وفراغنا قبل شغلنا، وأما إذا فات الوقت فهيهات، وكما يقول أصحاب الرقائق والآداب والحقائق: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.
قال تعالى: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:٨٥] (هنالك) أي: يوم القيامة والعرض على الله، وهو يوم ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام:١٥٨]، ويوم يحاول الكفار أن يؤمنوا ويسلموا وأن يكفروا بشركهم، وبما كانوا يفعلونه في دار الدنيا، وهيهاتَ هيهات أن يقبل ذلك، وهنالك يوم العرض على الله ويوم القيامة ويوم الساعة يخسر الكافرون الذين كفروا بالله رباً واحداً، وكفروا بنبيه عبداً ورسولاً وخاتماً للأنبياء، وكفروا بكتب الله، فلم تنفعهم الدنيا وما عليها ليفتدوا بها، وماذا يصنع الناس بالذهب وبالفضة يوم القيامة؟ فمن هو في الجنة فهو في غنى عنهما، ومن هو في النار لو أخذه لذاب واحترق به، ولأصبح عذاباً من عذابهم، وبهذا نكون -ولله الحمد- قد ختمنا سورة غافر، سورة المؤمن، وهي أول سورة في الحواميم.
стр. 1999
تفسير سورة فصلت [١ - ٦]
القرآن الكريم كتاب الله المحكم، فصلت آياته ووضحت عباراته باللغة العربية، ولكن الجاحدين يعرضون عن الإذعان له وكأنهم لا يسمعون، بل يجاهرون بأن على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقر، فالله يتكفل بجزائهم وعقوبتهم.
стр. 2000
سبب نزول سورة فصلت
قال ربنا ﷻ : ﴿حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:١ - ٤].
هذه السورة سورة مكية، نزلت في مكة المكرمة، وهي مشتملة على ٥٤ آية.
وأول ما سمعت من رسول الله ﷺ -ولعل ذلك كان سبب نزولها- أنه اجتمع كفار قريش في ناديهم حول الكعبة المشرفة فقال قائل منهم -قيل هو أبو جهل -: لقد التبس علينا أمر محمد، فهذا الذي أتى به ودعا إليه ما هو؟ هل هو سحر أم كهانة أم شعر؟ وكان عتبة بن ربيعة أعلمهم بالشعر وبالكهانة وبالسحر وكان سيداً من ساداتهم وكبيراً من كبرائهم، فقالوا له: يا أبا الوليد اجتمع بمحمد واسمع خبره وكلمه لعله يكف عما هو قائم به نحونا.
وكان ذلك منهم عندما أسلم حمزة وعمر معاً وأخذ أتباع النبي ﵊ يكثرون يوماً بعد يوم.
فجاء إليه عتبة وقال: يا محمد! يا أبا القاسم! لم تر العرب رجلاً مثلك شتت قومه وعاب آباءه، وشتم دينهم وذكر أبناءهم وآباءهم بسوء، فما هذا الذي أتيت به؟ هل أنت خير أم أبوك عبد الله أم جدك عبد المطلب أم جدك هاشم أم جدك قصي؟ والنبي ﵊ ساكت لا يجيبه.
فأخذ يزيد ويقول له: إن كان هذا الذي بك مرض جمعنا لك من أموالنا، حتى نأتيك بأطباء يعالجون مرضك، وإن كنت تريد الملك ملكناك علينا ورفعنا راياتك على رءوسنا، وإن كانت بك الباءة زوجناك عشراً من عقائل قريش، وإن كان بك المال جمعنا لك من المال حتى تكون أغنى رجل في قريش أنت وعقبك! فقال له النبي ﵊: (أفرغت يا أبا الوليد؟! قال: نعم.
قال: فاسمع مني، قال: كلي لك سمع! فقرأ عليه النبي ﵊: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:١ - ٤]، إلى أن تلا إلى قوله تعالى ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣])، وإذا بـ عتبة عندما وصل رسول الله ﵊ إلى هذه الآية يضع يده على فمه ويقول: نشدتك الله والرحم التي بينك وبيننا، فأتم السورة إلى أن وصل إلى السجدة فسجد وعتبة يرى ذلك في ذهول، ثم تركه وذهب إلى قريش فقالوا قبل أن يصل: والله لقد عاد إليكم عتبة بغير الوجه الذي ذهب به إلى محمد! فجاء فقالوا له: ما وراءك؟ فقال لهم: اجعلوها علي ودعوا محمداً وما يدعو إليه واعتزلوه واتركوه للعرب، فإنهم إن غلبوه كفيتموه وإن انتصر عليهم فملكه ملككم وعزّه عزّكم وشرفه شرفكم، فوالله لقد قلت الشعر وسمعته فما قوله بالشعر، ورأيت الكهانة واستعملتها فما قوله بالكهانة ولا هو بالكاهن، ورأيت السحر واستعملته وما هو بالساحر ولا قوله بالسحر.
فصاح فيه أبو جهل وقال له: يا أبا الوليد! لقد صبأت إلى محمد وأعجبك طعامه، فغضب عتبة وقال: والله لا كلمت محمداً بعد اليوم، وإنكم لتعلمون أني أكثركم مالاً وأرفعكم نسباً.
فكانت هذه السورة وهي إحدى الحواميم التي قال عنها ابن مسعود وابن عباس: الحواميم لباب القرآن، وقالوا عنها: هي عرائس القرآن.
وكان شعار النبي ﷺ وكلمة السر في بعض غزواته: حم لا ينصرون.
следующие страницы →