Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم)
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [غافر:٨٣].
وتجد المفسرين يتكلمون على القرآن وكأن الله ما أنزله إلا على قرن أو على العرب، وتجدهم يقولون: كانت قريش وكان العرب، بل رأيت مجنوناً يجلس في باب الحرم ويقول: كان العرب فيهم وفيهم ونحن لم يكن فينا شيء، والكفرة اليوم فيهم كل ما كان في كفار الأمس، فمثلاً: الموءودة لا تزال إلى اليوم، ويومياً نقرأ في الصحف والمجلات أن هناك في أمريكاً وأوروبا والهند واليابان من يقتلون أطفالهم بعد ولادتهم، وذلك بعشرات الآلاف من الملايين كل سنة، والعرب لم يعد يفعل أحد منهم هذا، فنسبة هذا للعرب أو للعجم فقط جهل.
والقرآن كان الكثير من آياته سبب ورودها فلان وفلان، ولكن ذلك السبب لم يكن هو المقصود فقط، بل كان سبباً ومثالاً ونموذجاً لكل كافر موجود الآن، ومن سيكون بعد، ومن سيأتي إلى يوم القيامة، ومثل هذه الآية: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر:٨٣] أي: جاءت رسل الله عباد الله بالبينات الواضحات والأدلة القاطعة على صدق نبوتهم ورسالتهم وحق ما جاءوا به، ففرحوا بعلمهم، وقالوا: نحن العلماء الذين نعرف ولا يعرف المسلمون، وماذا يعرف الذي يعتمد على كتاب سماوي وكتاب ديني؟! فهذه الأشياء دينية لا نتكلم عنها، فهم فرحوا بما عندهم من العلم، وماذا عندهم من العلم؟ تتكلم مع إنسان فيقول لك: أنا فيلسوف، وأنا أستاذ في الجامعة، وماذا يعرف؟ يعرف حشرة، أو طائرة طارت في الجو، أو أن هناك ما يسمى بالهيدروجين والأكسجين، ويورد من هذه الأسماء، ولم يعلم ذلك إلا عندما رأى الطائرة بالجو ولم يعلمها من قبل، وأخذ ذلك من فعل الله وصفاته، وهو ما قاله الله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧] أي: يعلمون ظواهر أشياء ولا يعلمون شيئاً عن بواطنها.
ولنتفكر في هذا الجو وما فيه مما يسمونه الأثير أو الهيدروجين أو الأكسجين: من خلق ذلك فيه؟ ومن الذي جعله كذلك لتطير الطائرة؟ وهم يقولون: إن الأرض محاطة بغلاف من تجاوزه يبقى لا وزن له، ويستطيع أن يطير في الجو، وفي العالم الآن ما يسمى بالأقمار الصناعية، يستخبرون بها، ويجعلون فيها الكثير من الأشياء المدنية والعسكرية، وإذا وصلت إلى هذا المكان ودفعت فيه فإنها تبقى عائمة كعوم الأرض والسماء في الجو، فمن حملها غير الله؟ وهم لا يفكرون في هذا الحال، وإنما يفكرون في تلك الأشياء التي خلقها الخالق، فيفكرون في الأسباب ولا يفكرون في المسبب ﷻ وعز مقامه.
قال تعالى: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر:٨٣] أي قالوا: نحن الذين نعلم وندرك وأما أنتم فماذا تعلمون؟ وقد سمعنا من يدعي أنه أعلم من فلان، وأنه من أبناء العلماء، ويقول: ماذا في الفقه والشريعة: كيف أتوضأ وأستنجي وأستجمر؟! وهذا كلام لا يقوله إلا مرتد كافر.
والقرآن هو كلام الله، وفيه علوم الإسلام، يقول تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]، ففيه علم السماء، وعلم الأرض، وعلم جميع العلوم، وعلم الأولين والآخرين، والعلم الذي جهلوه ولا يعلمونه كعلم الخلق والأمر والآخرة، وعلم ما كان وما يكون وما سيكون.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر:٨٣] فقالوا ويقولون: ألا ينبغي أن نغير التفاسير بما يناسب العصر، ويقصدون بالعصر الكفر، وهل اليهودية والنصرانية هي العصر أم نحن؟ والعصر لا يتغير، وإنما نحن الذين نتغير، فالسماء هي السماء منذ كان آدم، والأرض هي الأرض، والشمس هي الشمس، والقمر هو القمر، ولكن الإنسان هو الذي يتغير، أنحن عبيد لهذا الإنسان فإذا كفر كفرنا، وإذا تهود تهودنا؟! فما فائدة الرسل إذاً إذا كنا سنتبع كل كافر في عصرنا ونكون إمعة، فإن أصابوا أصبنا، وإن أخطأوا أخطأنا؟ وهذا لا يفعله إنسان له مسكة من العقل والفهم والإدراك.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [غافر:٨٣] أي: نزل بهم وأحاط بهم ما كانوا به يستهزئون، وهزؤهم تكذيبهم بالرسل وبعلوم الإسلام والحق والمعارف، فحاق بهم وأحاط، وأذلهم ودمرهم، وكان سبب هلاكهم وضلال عقولهم وقلوبهم وظلمهم.
стр. 1997
تفسير قوله تعالى: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده)
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر:٨٤].
لما جاء البأس والبلاء والغرغرة بالموت والعذاب ورأوا واقعاً مشهوداً ما كان غيباً أرادوا الإيمان، وقالوا: أمنا بالله وحده، وكفروا بالشركاء؛ كفروا بالثاني والثالث وما كانوا يعبدونه في دار الدنيا، وكفروا بما كانوا يشركون به، فكفروا بعيسى وبـ مريم وبالعزير وبالأصنام، ولكن هيهات هيهات، فالآن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل حال حياتها، أو كسبت في إيمانها خيراً، والإيمان عند الغرغرة قال عنه النبي ﵊: (لا ينفع نفساً لم تكن آمنت قبل أن تغرغر).
فإذا وصلت الروح إلى الحلقوم وأخذ يغرغر ويحشرج بالروح، فهيهات هيهات؛ لأنه في ذلك الوقت يكون قد رأى الملك، ورأى الجنة والنار، وما كان إيماناً بالغيب أصبح يراه شهوداً، وهو أمر أن يؤمن بما أنزله الله في كتابه وفي سنة رسوله، فإن كذب ذلك كان كافراً مشركاً.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر:٨٤] أي: عذابنا ونقمتنا وموتنا وقد وصلت الروح إلى الغرغرة والحلقوم، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر:٨٤].
стр. 1998
تفسير قوله تعالى: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا)
قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:٨٥].
يقول تعالى ﷻ : ﴿لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر:٨٥] أي: لما رأوا البأس والعقاب والدمار لم يكن ينفعهم إيمانهم ولا يقبل منهم، فلا توبة ولا إيمان ولا عمل صالح، ولهذا ليس هناك بعد الموت عمل ولا تكليف ولا طاعة، فالطاعة يجب أن تكون قبل الموت، وكذلك الإيمان والعمل الصالح، وأما بعد وقوع العذاب ووصول الروح إلى الغرغرة فلا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل.
قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ [غافر:٨٥] وسنته: عادته ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر:٤٣].
وعادة الله في خلقه أنه لم يكن يقبل من الأمم السابقة أن تؤمن بعد الموت، ولا أن تؤمن وقد وصلت الروح إلى الحلقوم، ولم يفعل ذلك، والله قص علينا قصة فرعون فقال: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠]، فقال الله له: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩١ - ٩٢]، فلم يقبل الله إيمانه ولا إسلامه، وقال له: هل آمنت الآن وقد أصبح الإيمان شهوداً عياناً، وقد كنت من قبل مفسداً طاغياً متألهاً جباراً؟ وهكذا سنة الله في الأمم السابقة قبل فرعون وبعده، وإلى اليوم وإلى قيام الساعة، فلابد من الإيمان والإنسان حي، ولذلك فالنبي ﵊ كثيراً ما يحضنا ويحثنا بأن نتدارك حياتنا قبل موتنا، وشبابنا قبل شيخوختنا، وقوتنا قبل ضعفنا، وفراغنا قبل شغلنا، وأما إذا فات الوقت فهيهات، وكما يقول أصحاب الرقائق والآداب والحقائق: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.
قال تعالى: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:٨٥] (هنالك) أي: يوم القيامة والعرض على الله، وهو يوم ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام:١٥٨]، ويوم يحاول الكفار أن يؤمنوا ويسلموا وأن يكفروا بشركهم، وبما كانوا يفعلونه في دار الدنيا، وهيهاتَ هيهات أن يقبل ذلك، وهنالك يوم العرض على الله ويوم القيامة ويوم الساعة يخسر الكافرون الذين كفروا بالله رباً واحداً، وكفروا بنبيه عبداً ورسولاً وخاتماً للأنبياء، وكفروا بكتب الله، فلم تنفعهم الدنيا وما عليها ليفتدوا بها، وماذا يصنع الناس بالذهب وبالفضة يوم القيامة؟ فمن هو في الجنة فهو في غنى عنهما، ومن هو في النار لو أخذه لذاب واحترق به، ولأصبح عذاباً من عذابهم، وبهذا نكون -ولله الحمد- قد ختمنا سورة غافر، سورة المؤمن، وهي أول سورة في الحواميم.
стр. 1999
تفسير سورة فصلت [١ - ٦]
القرآن الكريم كتاب الله المحكم، فصلت آياته ووضحت عباراته باللغة العربية، ولكن الجاحدين يعرضون عن الإذعان له وكأنهم لا يسمعون، بل يجاهرون بأن على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقر، فالله يتكفل بجزائهم وعقوبتهم.
стр. 2000
سبب نزول سورة فصلت
قال ربنا ﷻ : ﴿حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:١ - ٤].
هذه السورة سورة مكية، نزلت في مكة المكرمة، وهي مشتملة على ٥٤ آية.
وأول ما سمعت من رسول الله ﷺ -ولعل ذلك كان سبب نزولها- أنه اجتمع كفار قريش في ناديهم حول الكعبة المشرفة فقال قائل منهم -قيل هو أبو جهل -: لقد التبس علينا أمر محمد، فهذا الذي أتى به ودعا إليه ما هو؟ هل هو سحر أم كهانة أم شعر؟ وكان عتبة بن ربيعة أعلمهم بالشعر وبالكهانة وبالسحر وكان سيداً من ساداتهم وكبيراً من كبرائهم، فقالوا له: يا أبا الوليد اجتمع بمحمد واسمع خبره وكلمه لعله يكف عما هو قائم به نحونا.
وكان ذلك منهم عندما أسلم حمزة وعمر معاً وأخذ أتباع النبي ﵊ يكثرون يوماً بعد يوم.
فجاء إليه عتبة وقال: يا محمد! يا أبا القاسم! لم تر العرب رجلاً مثلك شتت قومه وعاب آباءه، وشتم دينهم وذكر أبناءهم وآباءهم بسوء، فما هذا الذي أتيت به؟ هل أنت خير أم أبوك عبد الله أم جدك عبد المطلب أم جدك هاشم أم جدك قصي؟ والنبي ﵊ ساكت لا يجيبه.
فأخذ يزيد ويقول له: إن كان هذا الذي بك مرض جمعنا لك من أموالنا، حتى نأتيك بأطباء يعالجون مرضك، وإن كنت تريد الملك ملكناك علينا ورفعنا راياتك على رءوسنا، وإن كانت بك الباءة زوجناك عشراً من عقائل قريش، وإن كان بك المال جمعنا لك من المال حتى تكون أغنى رجل في قريش أنت وعقبك! فقال له النبي ﵊: (أفرغت يا أبا الوليد؟! قال: نعم.
قال: فاسمع مني، قال: كلي لك سمع! فقرأ عليه النبي ﵊: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:١ - ٤]، إلى أن تلا إلى قوله تعالى ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣])، وإذا بـ عتبة عندما وصل رسول الله ﵊ إلى هذه الآية يضع يده على فمه ويقول: نشدتك الله والرحم التي بينك وبيننا، فأتم السورة إلى أن وصل إلى السجدة فسجد وعتبة يرى ذلك في ذهول، ثم تركه وذهب إلى قريش فقالوا قبل أن يصل: والله لقد عاد إليكم عتبة بغير الوجه الذي ذهب به إلى محمد! فجاء فقالوا له: ما وراءك؟ فقال لهم: اجعلوها علي ودعوا محمداً وما يدعو إليه واعتزلوه واتركوه للعرب، فإنهم إن غلبوه كفيتموه وإن انتصر عليهم فملكه ملككم وعزّه عزّكم وشرفه شرفكم، فوالله لقد قلت الشعر وسمعته فما قوله بالشعر، ورأيت الكهانة واستعملتها فما قوله بالكهانة ولا هو بالكاهن، ورأيت السحر واستعملته وما هو بالساحر ولا قوله بالسحر.
فصاح فيه أبو جهل وقال له: يا أبا الوليد! لقد صبأت إلى محمد وأعجبك طعامه، فغضب عتبة وقال: والله لا كلمت محمداً بعد اليوم، وإنكم لتعلمون أني أكثركم مالاً وأرفعكم نسباً.
فكانت هذه السورة وهي إحدى الحواميم التي قال عنها ابن مسعود وابن عباس: الحواميم لباب القرآن، وقالوا عنها: هي عرائس القرآن.
وكان شعار النبي ﷺ وكلمة السر في بعض غزواته: حم لا ينصرون.
стр. 2001
الكلام على الحروف المقطعة وبيان خلود معجزة القرآن
قال تعالى: ﴿حم﴾.
هذه الحروف المقطّعة في تفسيرها، هل هي كلمات ورموز لمعان؟ وهل هي أسماء للسور التي يبتدأ بها؟ حكي في ذلك الكثير من الأقوال، وقد تكلمنا على ذلك في بداية سورة البقرة وقلنا: إن معناها: أن هذه الحروف المقطّعة هي أجزاء من حروف الهجاء العربية التي ينشأ منها كلام العرب، فبها نطق القرآن وبها تكلم الله، فيا أيها السامعون من العرب ومتقني لغة العرب! القرآن نزل معجزاً في اللفظ وفي المعنى، فإن استطعتم أن تأتوا بمثله فأتوا، ولن تستطيعوا ولو كان بعضكم لبعض ظهيراً، ولو تواطأ الجن والإنس على ذلك لعجزوا ولما استطاعوا.
وتفسير ذلك كأن يقول مثلاً الطبيب الكيميائي: الإنسان عبارة عن عناصر ماء وفحم وكربون وملح وسكر وما إلى ذلك من العناصر الأخرى، ويقول لك: هذه المواد أمامك فاصنع منها إنساناً كما صنعه الله ﷻ ، فإن الله تعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [غافر:٦٧]، إلى بقية الأطوار، وها هو التراب أمامكم فخذوا منه وزن رجل واصنعوا منه إنساناً، أو اصنعوا من النطفة إنساناً! أيستطيع أحد ذلك؟ ذلك هو الإعجاز، وذلك هو كلام الله المعجز في لفظه ومعناه.
وقد يأتي إنسان إلى بناء عظيم الطول والعرض، شاهق في عنان السماء، فيعجبه شكله وهندسته ومكانته ويبني مثله، أما أن يأتي بكتاب في البلاغة والفصاحة والإعجاز كالقرآن فما كان ذلك ولن يكون يوماً من الأيام.
وقد حاول المتنبئون الكذبة منذ مسيلمة الكذاب الدجّال إلى المعري -فيما ذكروه- أن يُعارضوا القرآن ويأتوا بمثله، فأتوا باللفظ المضحك الذي يضحك الثكلى وتنسى موت ولدها وحزنها وبأسها وما ابتليت به.
وكتاب الله هو المعجزة الدائمة المسترسلة المستمرة التي آمن بها من سبقنا في عصر الصحابة والنبوة، ونحن جئنا بعدهم بأربعة عشر قرناً والأمر كما قاله كتاب الله، لم يستطع أحد خلال هذه القرون المتطاولة أن يأتي بمثله أو بسورة منه، فقد بقي معجزاً في لفظه ومعناه، وتلك معجزة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم الدائمة كما أخبر عنها الله، وجميع المعجزات الماضية أدت مهمتها وقامت بوظائفها فآمن بها من آمن وانتهت بموت من أتى بها.
وأما القرآن فهو المعجزة الدائمة المستمرة الذي يرى كل جيل معجزته، سواء جاء في عصر القرآن أو من بعده إلى يوم القيامة، فهذا الكتاب العظيم هو كلام الله وخاتم كتبه بما فيه من إعجاز لفظي ومعنوي.
стр. 2002
تفسير قوله تعالى: (تنزيل من الرحمن الرحيم)
﴿تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢].
أي: هذا الكتاب المنطوق به المكون من مثل حروفكم هو تنزيل من الرحمن الرحيم، أنزله الله على قلب محمد ﷺ ، نزل به الروح الأمين على قلبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو تنزيل من الرحمن الرحيم، أي: من الله الكريم، وليس هو قول محمد ﷺ ولا قول أحد من الخلق، فهو ﷺ لبث فيهم عمراً من دهره ومن حياته، وكان أميّاً لا يقرأ ولا يكتب، فمن أين له هذه العلوم والمعارف التي تجاوز بها علوم الأولين والآخرين؟ وكما قال العارف: كفاك بالعلم في الأميّ معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم فقد عاش أربعين سنة بين قومه وكلهم أميون، وكلهم لا يحسبون ولا يكتبون وهو منهم، ثم جاءه جبريل روح الله في غار حراء وقال له: اقرأ، فقال: (ما أنا بقارئ؟)، فأخذه وضمه إليه أولاً وثانياً وثالثاً وهو يقول: (ما أنا بقارئ؟)، أي: أنا أمي، فقال: اقرأ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] ومن يومئذ ألهم الله تعالى نبيه وخاتم أنبيائه ﷺ ، وأوحى إليه من العلوم والمعارف ما لم يسبقه فيها أحد منذ آدم أبي البشر إلى عصره، وما أعلم منه إلا الله ﷻ ، فلقد أحاط بعلوم الأولين والآخرين.
وقد خطب ﷺ يوماً في مسجده النبوي في المدينة المنورة خطبة ابتدأها عقب صلاة الصبح ولم ينهها إلا عند صلاة المغرب، فلما أذّن الظهر نزل فصلى ثم صعد المنبر، ولما أذّن العصر نزل فصلى ثم صعد المنبر، وبقي إلى أذان المغرب، وقد ذكر في هذه الخطبة التي استمرت أكثر من عشر ساعات ما كان وما يكون من بدء الخلق من يوم خلق السماوات والأرض، وتكلّم على خلق الدنيا وخلق بني آدم والخلائق وما كان من الأنبياء وأممهم إلى حياته، وتكلم على ما بعده إلى يوم القيامة والحشر والنشر، وتكلم على الجنة ومن يدخلها وعلى النار ومن يدخلها.
وقد قال الرواة الذين حضروا هذه الخطبة وهم العشرات من الصحابة منهم عمر وعلي وحذيفة بن اليمان وأبو هريرة وغيرهم: (حدثنا رسول الله ﷺ بكل ما كان وما يكون إلى قيام الساعة، ما من قائد فتنة ومعه رجل أو رجلان إلا وحدثنا باسمه واسم أبيه ونسبه والوقت الذي سيظهر فيه، ما من طائر يطير في السماء إلا وذكر لنا منه علماً، ولكن أعلمنا أحفظنا).
وقال حذيفة: إني أنسى الشيء زمناً ثم أراه كما أخبر به النبي ﵊، فأتذكّر قوله وكلامه، فأذكر أن النبي ﵊ كان قد حدّثنا عن ذلك يوماً.
قوله: ﴿تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢]، أي: هذا القرآن تنزيل من الله الرحمن الرحيم، وليس كما زعم الكفرة الفجرة غير البررة بأن هذا القرآن من صنع بشر، وقد تمالأ عليه أقوام آخرون، بل هو وحي الله وكلامه أرسل به جبريل روح الله إلى قلب خاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 2003
تفسير قوله تعالى: (كتاب فصلت آياته)
стр. 2004
معنى قوله تعالى: (فصلت آياته)
قال تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت:٣] وهذه كلمة من مبتدأ وخبر، ومعناها: أنه كامل، فهو كتاب بيّنت آياته ووضّحت، وقد تكلم هذا الكتاب بتفاصيل الحلال والحرام والعقائد والآداب، وتكلم عن الأنبياء وعن شعوبهم وعمن آمن من هذه الشعوب ومن كفر، وكيف خلق الله السماوات والأرض، وكيف خلق الملك والجن والإنس، فقد احتوى هذا الكتاب على كل شيء، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] ففيه خبر من قبلكم ونبأ من بعدكم وما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، وما حكم به مؤمن إلا وأعزّه الله وشرّفه.
قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت:٣] أي: فصّلت وبيّنت ووضّحت وتكلمت بتفاصيل الأحكام وما ينفع البشر في دنياهم وما ينفعهم في أخراهم وما ينفعهم فيما بينهم وبين أسرهم ومجتمعهم وحكّامهم وأعدائهم وإخوانهم.
ففيه كل ما يفيد البشر والجن، وفيه ما لو تمسكوا به لسعدوا به سعادة الدنيا والآخرة، وفيه كل شيء تقر به عين المؤمن وتذل به نفس الكافر، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت:٣].
أي: ومع هذا أنزله الله تعالى قرآناً عربياً، أي: أنه نزل بلغة العرب وبقواعدهم نحواً ولغة ومعاني وبديعاً، ولذلك يُفهم القرآن كما تُفهم لغة العرب الفصحى بقواعدها من مرفوع ومنصوب ومجرور، وبقواعدها من الاستعارة والصراحة والمجاز والكلام البيّن بلا مجاز، ومن هنا فسّره علماؤنا تبعاً لتفسير الصحابة له.
والعرب كانوا يتكلمون بعربيتهم الفصحى سليقة وفطرة، ولم يكونوا يحتاجون لـ سيبويه الفارسي ولا للأصمعي ولا للكسائي؛ لأن القرآن نزل بلغتهم جملاً ومفرداً، فكانوا يفهمونه مباشرة، ولكنهم مع ذلك كانوا بشراً، وكان لكل قوم لهجتهم، ولذلك كان هناك من يفهم القرآن فهماً بيّنا واضحاً ومن يفهمه فهماً خاطئاً، ومن هنا نزل القرآن الكريم بلغة قريش، ونزل على أفضلهم أكرمهم وأنبلهم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، سيد العرب لغة وفصاحة ونسباً وحسباً، وقد كلفه الله بفهمه وشرحه وبيانه، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤].
وقد تنازع العلماء والصحابة في بيان وتفسير النبي ﵊ لبعض الآيات؛ لأنه وإن نزل بلغة قريش فقد كان يكثر أن يتكلم النبي ﵊ فيسأله سائل من العرب من أهل قريش: ما معنى هذه الكلمة يا رسول الله؟! كقوله ﵊: (لا تقوم الساعة حتى يُكذّب الصادق ويُصدّق الكاذب، ويؤتمن الخائن ويخوّن الأمين، وينطق فيكم الرويبضة، فقال قائل: ما الرويبضة يا رسول الله؟! قال: المرء التافه يشتغل بأمر العامة).
وهذا كزعماء عصرنا ورؤساء أحزابهم ونواب برلماناتهم المتكلمين في شئون العامة من الجهلة أشباه الأميين الذين قد يعرفون اللغة الفرنسية والإنجليزية ولا يعلمون عن الشريعة وعن دين الله وعن لغة كتابه ونبيه ﷺ قليلاً ولا كثيراً، فهم كالأعجام في ذلك أو أكثر.
стр. 2005
أهمية لغة القرآن
قال تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت:٣] فقد نزل هذا الكتاب على قوم يعلمون لغة العرب ويفهمونها ويعلمون دقائقها وظواهرها كما يعلمون بواطنها، ولذلك لا يعذرون في الكفر بها، وكانوا هم الذين نشروا لغتهم بعد ذلك بعد الوفاة النبوية وعند زحف عرب الجزيرة بقيادة قريش بعد أن هداها الله للإسلام في عهد الخلفاء الراشدين وخاصة أبا بكر وعمر.
فخرجوا بالإسلام عن حدود الجزيرة وضموا إليه أقاليم وشعوباً كأرض الشام والعراق وفارس ومصر والمغرب، ونشروا دينهم الذي هو دين الله بلغة الإسلام ولغة العرب، وما كاد ينتهي الجيل الأول حتى جاء الجيل الثاني وكان يتكلم العربية كأهلها، بل إن بعضهم كان أعلم بها من أهلها، ولم تتبلبل ألسنتهم وتختلط بلهجات فارسية أو حبشية أو رومانية، فقد تعلموها منذ الصغر فنطقوا بها بلهجاتها كما كان ينطق بها عبد المطلب وكما كان ينطق بها الأصحاب في الحياة النبوية.
وعندما ننظر إلى علوم الإسلام على اختلاف فنونها وأنواعها نجد أن أئمتها غير عرب، فمثلاً نجد إمام النحو العربي هو رجل فارسي، ولا يزال اسماً فارسياً، وهو سيبويه، والذي قاد المحدثين إلى جمع الصحيح وكان كتابه أعظم كتاب بعد كتاب الله هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بردزبه الجعفي البخاري، فهو جعفي ولاءً وبخاري حسباً ونسباً، وقل مثل ذلك على أكثر أئمة علوم وفنون الإسلام لغة وبياناً وقرآناً وحديثاً وجميع علوم الإسلام.
والعلم بالتعلم، وقد تعلم أبناؤنا ومعاصرونا لغة الأوروبيين والأمريكيين على اختلاف لهجاتهم وما تجاوزوا به الحد، وكان ذلك على حساب لغتهم العربية لغة الإسلام، ويا ليتهم عندما تعلموا ذلك تعلموا العربية بقواعدها وفنونها؛ حتى يستطيعوا فهم كتاب الله وحديث رسوله ﷺ .
وقد تجد بعضهم أساتذة كباراً في جامعات كبرى وأساتذة لدراسات عليا إذا نطق أحدهم بلغة العرب خطيباً أو متكلماً أو كاتباً تجده يلحن ويحرف الكلام عن مواضعه، وهذا الذي يكون كذلك إذا فهم آية أو حديثاً فإن فهمه لهما يكون محرفاً، ومن هنا تضاءل العلم ورجع إلى الوراء.
стр. 2006
بدعة ترجمة القرآن
قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [فصلت:٣] هذا المعنى ذكر في غير ما سورة وآية؛ ليؤكد به عربية القرآن، ومعنى ذلك: أن من يحاول ترجمته أو نقل معانيه أو ألفاظه فمهما صنع فلن يصل إلى الحقيقة البتة.
ويوجد اليوم بين الناس من يزعمون أنهم ينشرون الإسلام ويترجمون كتاب الله إلى مختلف لغات الأرض، وتلك بدعة في هذا العصر ومصيبة لم تكن في عصر الصحابة ﵃، ولم تكن في عصر التابعين، بل ولم تكن من قبل مائة سنة؛ لأن لغة القرآن يجب تعلمها كتعلم القرآن فرضاً لازماً على كل مسلم، وطلب العلم فريضة على كل مسلم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
والقرآن عربي ونبي الإسلام عربي والسنة عربية، ولا يتم فهم القرآن وحديث رسول الله ﷺ إلا بتعلم لغة العرب وإلا ضل الناس وأضلوا كما حدث في عصرنا.
ونحن نعلم أشخاصاً أئمة في الدعوة إلى الإسلام ولا يعرفون العربية فأخطؤا وزلوا بما يعتبر خروجاً عن الإسلام؛ نتيجة جهلهم بلغة الإسلام وبلغة القرآن، وبلغة النبي ﵊ التي هي لغة السنة المحمدية ولغة الحديث الشريف، في حين أن عمر ﵁ عندما خرج فاتحاً بجحافل المسلمين وقبله أبو بكر ﵁ ومن جاء بعدهما ممن وصل إلى الصين وإلى عمق أوروبا وما بينهما، كانوا يعلمون العربية مع لا إله إلا الله؛ لأنه بدون تعلمها لا يُعرف كتاب ولا سنة ولا إسلام.
ولم يكن هناك مترجمون ولم يكلفوا أحداً بالترجمة لا من أنفسهم ولا من الشعوب المفتوحة، وإنما كانوا يعلمون اللغة العربية للأجيال الصغيرة، وكانت تكفيهم سنتان أو ثلاث سنين ليتعلموها، كما هو حاصل اليوم عندما نرسل أطفالنا إلى المدارس الابتدائية أو الثانوية، فإنه لا يكاد يمر على ذلك سنتان أو ثلاث سنوات إلا ويتحدثون الإنجليزية والفرنسية أحياناً أكثر من أهلها فهماً وبلاغة وكلاماً، ويكون على حساب لغتهم العربية، فقد أصبحوا يجهلونها، وإذا علموا منها شيئاً علموا سطحها مما لا يكادون يفهمون به حكماً من أحكام الله في كتابه أو حكماً من أحكامه في سنة نبيه ﷺ .
وعلى ذلك فالترجمة لا تجوز بحال إلا عند البيان.
стр. 2007
نشر اللغة العربية مع الإسلام
وكما يجب نشر الإسلام يجب نشر لغته، ولقد كان الأمر كذلك منذ القرن الأول إلى بعد القرن الثاني الهجري بقرنين أو ثلاثة قرون إلى مدة مائتي سنة، حتى جاءت وثنية الوطنية والقومية فتعصب لذلك؛ نتيجة نفاق المنافقين وكفر الكافرين وصد الصادين عن الله ورسوله ﷺ .
وابن تيمية في كتابه (الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم) والذي ينبغي أن يسمى: الدولة العربية الإسلامية قال: لقد كان المسلمون في عصرهم الثاني في جميع شعوبهم عرباً وعجماً وفرساً وروماً وأحباشاً وهنوداً وعلوجاً يتكلمون العربية كأهلها.
وفي عصره جاء الرحالة المغربي ابن بطوطة من أرض طنجة من المغرب ورحل لمدة ثلاثين عاماً في ديار المسلمين في المشارق والمغارب والشمال والجنوب، ولم يكن يعرف إلا اللغة العربية، فكان يتكلم بها مسافراً ومهاجراً ورحالة، وتقلد في أكثر هذه الأقطار مناصب عالية كحاكم وقاض، وما كان يتكلم إلا بلغته العربية فيفهمون عنه ويفهم عنهم، وتزوج زوجات في كل مصر دخله زوجتين أو ثلاثاً أو أربعاً، وكن يمتنعن من السفر معه فيطلقهن ويترك لهن أولاده، فلم يعودوا يتصلون به.
فهو كان عملياً يتكلم اللغة العربية وكانت كل شعوب الإسلام تتكلم بها.
فـ ابن تيمية ذكر هذا علماً، وابن بطوطة المغربي ذكر هذا جلوساً ووقوفاً بنفسه على ذلك، وما تغير هذا إلا منذ قرنين بعد فساد الأزمان وانتشار الجهل وتولي الكافرين مصالح المسلمين وشئونهم، فاخترعوا لهم التعصّب للوطن وللأقوام، وهي عقائد وثنية جاهلية.
والمسلم جميع ديار الإسلام وطنه، وجميع المسلمين إخوانه؛ ولذلك الكفرة من بعض الحكام إذا أرادوا امتحان موظف سألوه: هل المواطن اليهودي أو النصراني أقرب إليك أو المسلم الهندي أو الأندونيسي؟ فإن قال: المسلم أخي حيث كان أسقطوه ولم يعدوه وطنياً أو قومياً، مع أن كتاب الله وعقيدة المسلمين على خلاف ذلك، والله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠].
فالمؤمن أخي حيث كان في أرض الله، في أمريكا أو في أوروبا أو في الهند أو في الصين، فجميع من قال: لا إله إلا الله فهو أخي، وليس أخي من أشرك بالله ولم يؤمن بالإسلام ديناً ولو كان من أقرب الأقربين إليّ، فذاك أخي؛ لأن الله آخى بيني وبينه، وذاك عدوي أو تحت ذمتي وليس أخاً لي بحال من الأحوال.
стр. 2008
معنى قوله تعالى: (لقوم يعلمون)
إذاً: فقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت:٣].
أي: لقوم يدركون ويفهمون لغة العرب، ولا حجة بعد ذلك لهم، فمن لا يعرفها يتعلمها ويدرسها، وإن كان كبيراً ترجم له (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وما يتعلق بالصلوات.
ومن هنا لابد أن يعلم الكل أن الصلاة التي هي في الدرجة الثانية بعد كلمة الشهادتين لا يجوز أن يُقرأ فيها بلغة العجم قط، بل لابد أن تقرأ الفاتحة بالعربية والسورة بالعربية، فمن لم يفعل ذلك عد متلاعباً ولم يصل أبداً.
وكذلك أذكار الحج من التلبية، وغيرها كلها كذلك يجب أن تكون بلغة العرب.
والتلاوة إذا كُتبت بالحروف اللاتينية أو تُرجمت ثم قرئت لا تُعتبر تلاوة ولا أجر عليها ولا ثواب، بل القارئ بذلك يعود بالوزر وبالخزي؛ لأنه حرّف كلام الله العربي ونقله إلى لغة ليست عربية لم ينزل الله الوحي بها.
стр. 2009
تفسير قوله تعالى: (بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون)
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:٤].
قوله تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فصلت:٤]، أي: حال هذا القرآن ونزوله أنه نزل بشيراً لأوليائه المؤمنين، يبشرهم بالجنة وبالطاعة وبالرضا، ونذيراً للكافرين وللمشركين ينذرهم بعذاب الله وبالنار وبخزي الدنيا والآخرة.
قوله تعالى: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:٤]، أي: أعرض أكثر الناس وابتعدوا وأعطوا ظهورهم لدعوة الله وللا إله إلا الله، ولدعوة الرسل ولدعوة خاتمهم ﵌، فأعرضوا عن ذلك، ﴿فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:٤].
أي: لا يريدون سماعاً، فقد أصموا آذانهم وابتعدوا عن الفهم وعن الوعي، فهم كالصم الذين لا يسمعون، وإن سمعوا فهم لا يفقهون ولا يفهمون ولا يعون.
стр. 2010
تفسير قوله تعالى: (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه)
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت:٥].
أي: أنهم لا يسمعون ولا يريدون السماع، ومع ذلك فإنهم وبكل تحد وشرك وكفر يقولون: قلوبنا في أكنة، أي: إن القلوب التي تفهم وتعي وتحفظ وتسمع في أكنة: جمع كنان، أي: في أغطية مغلفة فهي لا تسمع، قد غطاها الران، ولذلك يقولون لأنبيائهم وخلفاء أنبيائهم من العلماء والدعاة إلى الله: لا تسمعونا فنحن قلوبنا مغلّفة لا تسمع ولا تحفظ ولا تعي.
فالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام يدعونهم إلى لا إله إلا الله وإلى الإسلام وإلى التزام الحلال وترك الحرام، وإلى الآداب وترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وإلى مؤاخاة كل مسلم ومعاداة غير المسلم؛ وهم يقولون لهم: دعوتكم إلى التوحيد والحلال والحرام والرقائق والآداب لا تسمعها قلوبنا ولا تفهمها، فهي مغلّفة ومغطّاة، فلا تتعبوا أنفسكم.
((وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ)).
أي: يقولون إن في آذانهم صمماً، والأصم لا يسمع، وآذاننا: جمع أذن، وقر أي: ثقل وصمم، فهم لا تسمع آذانهم ولا تعي قلوبهم.
﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت:٥]، أي: بيننا وبينك يا محمد! حجاب من الكفر ومن الفسق، فقد حجبوا أنفسهم خلف الكفر فكفروا بالله وبكتابه وبرسالة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فحجبوا أنفسهم بالشرك وبالجحود وبالضلال وبارتكاب المعاصي والمخالفات على كل أشكالها وأنواعها.
﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت:٥].
أي: اعمل على دينك وعلى توحيدك واصنع ما تشاء في نفسك.
((إِنَّنَا عَامِلُونَ))، أي: أنهم عاملون بكفرهم وبشركهم، وعلى حسب صممهم والأغلفة التي على قلوبهم والحجب التي حجبوا بها قلوبهم وعقولهم من الشرك والكفر عن سماع كلمة الحق والتوحيد.
وهذا وإن كان وصفاً للكفار المعاصرين فهو وصف لكل كافر قبلهم وبعدهم، وفي عصرنا شاهدنا هذا وعلمناه وعاشرنا أصحابه، فإنك إذا أسمعتهم كلمة الله وشعروا بأن الحاضرين على وشك أن يسمعوا ويفهموا ويتقيدوا به صاحوا: لا نريد أن نسمع، ونحن لا نعقل، وآذاننا لا تقبل هذا، هذا تخريف ورجعية! فالكفر واحد، ولذلك فالكافر يرجع لكفر آبائه وأجداده في الجاهلية.
والمسلم هو الذي يجدد الإسلام في كل حين ويبينه كما بيّنه السلف الصالح من غير تحريف ولا زيادة ولا تأويل.
((فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ))، أي: فليعمل النبي والمؤمنون على دينهم وبمقتضاه فإنهم سيعملون حسب ظنهم وكفرهم وشركهم، وحسب ما هم فيه من غضب ولعنة.
стр. 2011
تفسير قوله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد)
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت:٦].
يقول النبي ﵊: ومع ذلك لست إلا عبداً من عبيد الله وبشراً كبقية البشر، آكل كما تأكلون، وأمشي في الأسواق كما تمشون، وأمرض كما تمرضون، وأجوع كما تجوعون، وأسرّ كما تسرّون، وأتألم كما تألمون، ولكنني أزيد عليكم بأن الله أوحى إلي وجعلني رسوله ونبيه إليكم.
وقد كانوا يتصورون أن النبي لا يكون إلا ملكاً، ولا يمكن التفاهم بين الملك والبشر، ولو حضر الملك على خلقته الأصلية لفجعوا وفروا، ولربما أصابهم الصرع والصمم فعلاً، وربما ذهلوا عن أنفسهم وغابوا عن عقولهم، ولو نزل بشراً -كما كانت الملائكة في بعض الأحيان تنزل على نبي الله ﵊ لقالوا له: أنت بشر ولست ملكاً، ولا يؤمنون، وهم ليس لهم خيار في ذلك وإنما ضلت عقولهم وأخذوا يهرفون بما لا يعرفون.
فقوله تعالى: ((قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ))، أي: قل يا محمد! شكلي شكلكم ونوعي نوعكم، ولي أب وأم وزوجة وأولاد كما أن لكم ذلك.
стр. 2012
تفسير سورة فصلت [٩ - ١٤]
خلق الله السماوات والأرض وما بينهما بقدرته، وقدر فيهما الأقوات والأرزاق والأعمار وما يصلحان به؛ كل ذلك في أيام معدودات، وهو الذي إذا أراد الشيء قال له (كن) فيكون، فحقه أن يعبد وحده لا شريك له، ولا نعرض كما أعرض قبلنا عاد وثمود فأخذتهم الصاعقة.
стр. 2013
تفسير قوله تعالى: (وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها)
قال ربنا ﷻ : ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت:٩ - ١٠].
الله ﷻ خلق السماوات والأرض في ستة أيام؛ فقد خلق الأرض يوم الأحد، وشق الجبال والبحار يوم الإثنين، وجعل فيها أقواتها وأرزاقها وما تحتاجه إليه يوم الثلاثاء، وخلق فيها دوابها وطيورها وأنعامها في يوم الأربعاء، وخلق السماوات يوم الخميس، وأوحى يوم الجمعة في كل سماء أمرها من الملائكة ومن البحار ومن الأقمار ومن الشموس ومن خلق الله الذي في كل سماء مما لا يعلمه إلا هو ﷻ وعزّ مقامه، وذاك معنى قوله في غير آية من الآيات: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ [الأحقاف:٣٣].
وقد جاء اليهود إلى النبي ﵊ سائلين: متى خلقت السماوات والأرض؟ ومن خلق أولاً هل السماء أم الأرض؟ فقال لهم ما قاله ربنا ثم سكت.
فقالوا له: أتمم يا أبا القاسم! خلقها في ستة أيام ثم استراح، فغضب ﷺ منهم، فأنزل الله قوله: ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ [الأحقاف:٣٣] وقوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، أي: لم يحصل له إعياء ولا تعب، وكل ذلك لم يكلف أكثر من أن يقول: كن فيكون، فلم يكن في ذلك لغوب ولا تعب ولا إعياء ولا مشقة.
وفي صحيح مسلم وسنن النسائي عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : (أنه ابتدأ الخلق يوم السبت، فخلق التربة)، ولكن هذا الحديث من أحاديث مسلم المطعون فيها؛ إذ الأحاديث كلها مجمعة على أن بدأ الخلق كان يوم الأحد وانتهى يوم الجمعة، وقد قال البخاري: روي هذا الحديث عن أبي هريرة عن كعب الأحبار، فعده البخاري من الإسرائيليات.
واليوم من هذه الأيام كما قال الإمام مجاهد: هو ألف سنة، وهو من أيام الآخرة التي يقول الله فيها: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧].
فقال مجاهد: خلق الله السماوات والأرض في ستة آلاف عام، وبيان ذلك مفصلاً في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:٩]: فالله خلق الأرض في يومين، فقد خلقها يومي الأحد والإثنين، خلق فيهما الأرض والجبال والبحار والمياه، ثم قال بعد ذلك مفصلاً: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت:١٠]، أي: خلق الأرض في يومين، ثم خلق في اليومين الآخرين -الثلاثاء والأربعاء- الجبال على الأرض وجعلها لا تميد، فعندما خُلقت خُلقت بلا جبال، فأخذت تميد وتتأرجح، فأمر جبريل أن يُقيمها حتى لا تميل، فذهب جبريل لذلك، فقال: يا رب! لقد أعجزتني عن أن أقيم أودها، فخلق عليها فوقها الجبال فأرستها وثبتتها من الميلان ومن الميدان، فلم تتحرك بعد ذلك.
قال تعالى: ((وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا))، أي: جبالاً راسيات تُرسيها وتثبتها.
قوله: ((وَبَارَكَ فِيهَا))، أي: بارك فيها بالمياه وبالأرزاق وبالنباتات وبالفواكه وبالطير وبما عليها مما خلقه للإنسان، فقد خلق شيئاً في قطر وآخر في قطر آخر؛ ليذهب الناس بعضهم إلى بعض ويتجّر بعضهم من بعض ويضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ويأتون بما ليس عندهم؛ وهكذا يتبادل الخلق المنافع.
قال تعالى: ((وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ)) فقد كان خلق الأرض والجبال والأقوات وكل ما ينفع الإنسان على هذه الأرض في أربعة أيام، فهذه مع قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:١٢] ستة أيام كما قال ربنا ﷻ .
وإذا علمنا بأن اليوم في الآخرة كألف سنة مما تعدون كان خلق ذلك من أعداد الأرض وأيامها ستة آلاف عام، وهذا يزيل إشكال الكافر والمتشكك والذي لا يؤمن إلا بالمحسوسات وخاصة ممن يسمون أنفسهم علماء الأرض والجيولوجيا وطبقات الأرض، فهم يقولون: إننا عند حفر الأرض والبحث في أغمارها وأعماقها وجدنا أن هذه الأرض تكونت طبقاتها في آلاف السنين.
نقول: وهكذا قال الله، فهي قد خُلقت في ستة أيام من أيام الآخرة، أي: في ستة آلاف عام من أعوام الأرض وأعدادها وقد اتفق الناس على ذلك، كما خلق الله السنة اثني عشر شهراً، وخلق الشهر تسعة وعشرين يوماً أو ثلاثين، وخلق اليوم أربعة وعشرين ساعة، فهذه الأعداد في الأرض في مجملها وفي عمومها، وإن كان في بعض الأرض شذوذ كالأرض المتجمدة في أراضي الصين وتايلاند، ففيها ستة أشهر ليل متصل وستة أشهر نهار متصل، وفيها دول متحضّرة لها جيوش وإدارات يعيشون بالتوقيت، فهم يوقتون العمل ثمان ساعات والنوم ثمان ساعات الأكل والشراب وما إليهما ثمان ساعات، فهي أربع وعشرون ساعة في اليوم، حسب ما يوجد في مجموع الأرض.
ثم قال تعالى: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت:١٠]، أي: خلق الأرض في أربعة أيام سواء أي: أيام تامة بلياليها ونهارها.
للسائلين أي: هذا جواب من يسأل إن سأل، وإن لم يسأل فقد أُجيب، والكثيرون قد سألوا قبل وبعد، ولا يزالون يتساءلون كيف خلق كوكبنا الذي نقيم عليه؟ وكيف خُلقت السماء التي تظلنا؟ وكيف خُلق ما على الأرض وما في باطنها؟ وكيف خُلقت السماوات وما بينها؟ ومتى خُلق ذلك؟ وما الحكمة في خلق ذلك؟ ومن خلق ذلك؟ والمؤمن الذي وفّقه الله للهداية والمعرفة في كل ذلك يقول: الله الخالق المدبّر، ومنه الأمر والتدبير ﷻ ، وله الأمر والخلق ﷻ ، ثم بعد ذلك استوى إلى السماء.
стр. 2014
تفسير قوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]، أي: عمد إليها وقصد لخلقها بعد أن كانت دخاناً ومياهاً وسحباً من بخار البحار ومن أبخرة مياه الأرض، كما نرى السحب الآن، نرى منها الداكنة البيضاء ومنها السوداء ومنها ما بين الأبيض والأسود، فقد كانت من سُحب الأرض ومياهها التي تفور وتتجمع وتصعد إلى الأعالي، فكانت السماء كأنها العهن المنفوش وكأنها دخان في بياض مكبوب في جبال فوقها جبال.
وهذا المنظر نراه من الأرض ونحس به أكثر ونحن في أعلى أجواء الفضاء بالطائرات الضخمة الكبيرة، ويستمر هذا أحياناً ساعات متواصلة، فقد نقطع الست الساعات والسبع وليس فوقنا إلا هذا النوع في السماء، وندخل فيها وهي عن أيماننا وشمائلنا وكأننا نعيش ونطير ونحلق في الدخان، وليست إلا السحب الداكنة المكثفة والماء وبخاره المتصاعد من البحار ومن الأنهار وخاصة عند القيظ وشدة الحر وفي الصحاري.
قال تعالى: ((ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا))، أي: للسماء، ((وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)) أمر الله السماء فقال لها: أظهري أقمارك وشموسك ونجومكِ وكواكبكِ، وأظهري خلقكِ في كل سماء من بحار ومما خلق الله مما لا يعلمه إلا الله.
وقد قال النبي ﵊: (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما من موضع قدم إلا وعليه ملك ساجد أو قائم) ومعنى ذلك: أن السماء بكل بقاعها وزواياها وأركانها فيها ملك ساجد أو قائم يعبد الله، فلم يبق بعد ذلك مكان لخلق آخرين، وما قاله الرسول ﷺ حق، وما ينطق عن الهوى، ولكنه قال هذا عن السماء الدنيا التي فوقنا، وهذه فوقها كذلك سماء ثانية وثالثة ورابعة إلى السابعة، وما بين كل سماء وسماء خمسمائة عام، ولا ندري هل هي من أعوام الأرض أو من أعوام الآخرة، والسماء لا يُصعد إليها ولا يوصل لها.
وفي الأحاديث المتواترة المستفيضة في ليلة إسراء النبي ﵊ أنه لما عرج إلى السماوات على البراق ومعه جبريل وقف جبريل في باب السماء يطرق باب السماء كما يطرق أحدنا باب دار صديقه وأخيه، فقيل: من؟ -أي: أجابه الحرس من ملائكة السماء- قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُذن له؟ قال: نعم.
ففتحت له الأبواب ودخل.
فإذاً: السماء ليست فضاء وفراغاً كما يزعم الملاحدة والجهلة والمرتدون، وما نراه فوقنا من الفضاء هو الذي يقول الله عنه: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [فصلت:١٢] والسقف هو: ما فوق المصابيح، والمصابيح هي هذه النجوم المنيرة المضيئة.
فالسماء هي السقف، وهذه المصابيح هي النجوم، وليست النجوم هي السماء، كما أنه ليست المصابيح هي السقف، وما بين النجم والسماء مئات السنين، ولا ندري هل هي من سنوات الآخرة أو الدنيا، ويكفي أن تكون من أعداد الأرض؛ فإن الخمسمائة السنة ليست بالشيء القليل، فإذا قال زيد أو عمر: وصلنا إلى القمر أو الفلك الفلاني فليس معنى ذلك أنهم وصلوا إلى السماء، هيهات هيهات! فما هذه الكواكب التي نرى إلا ككوكب الأرض، وهي جزء منها، والوصول إليها -إن صح التعبير- ليس إلا كالوصول إلى قارة من القارات.
ومما يدل على أن ما قاله هؤلاء حقيقة: أنهم أنزلوا معهم أحجاراً وتراباً وحللوه، فوجدوا أن عناصر تراب الأرض وصخورها ورمالها وجبالها هي نفس العناصر التي تكون منها القمر.
وهذا من معجزات القرآن التي شاهدناها وعاصرناها وعشنا في واقعها، فقد قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠]، أي: ألم ير هؤلاء الكفار؟ ولم يقل: المؤمنين؛ لأن المؤمنين يعلمون ذلك؛ تصديقاً لربهم ولكتابه ولحديث نبيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والذي ينكر الحقائق ويتنكر لها ويجحدها هم الكافرون بالله وبكتبه وبرسله.
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأنبياء:٣٠]، أي: ما بينهما من هذه الكواكب والمصابيح، ﴿كَانَتَا رَتْقًا﴾ [الأنبياء:٣٠] أي: كانت متصلة قطعة واحدة ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء:٣٠]، ففتق الله تلك الكواكب التي نراها عن الأرض، وهي جزء منها ومن عناصرها ومن طبائعها ففتتت وبعثرت كما نرى، وقد كان هذا في بداية الخلق.
فالله الخالق القادر وحده على كل ما يشاء، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت:١١] والسماء هنا هي العلو والفضاء؛ لأنه لم يكن هناك إلا ماء؛ نتيجة بخار مياه الأرض، فقال للأرض وللسماء: ائتيا طوعاً أو كرهاً، فأمرهما بالإتيان فاستجابتا لما أراد الله منهما وقالتا: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١] فأخرجت الأرض بحارها وأنهارها وجبالها وبركاتها وكنوزها وأرزاقها وما يحتاج إليه الإنسان الذي سيُخلق بعد، وهو هذا الإنسان الذي خلقه الله بيده وأخبر بخلقه ملائكته، ثم نفخ فيه من روحه، فكان أبانا الأول آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فوجد الأرض قد خلقت له بما عليها وبما في باطنها؛ ليشكر الله ﷻ في صباحه ومساه.
وقد سئل الحسن البصري وقيل له: إن الله قال: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت:١١]، فإن لم يأتيا طوعاً فماذا يفعل بهن ربنا؟ قال: يسلط عليهن صاعقة تحرقهن أو وحشاً يفترسهن، قيل: أو يكون ذلك؟ قال: ولم لا يكون وقد خلق السماوات والأرض؟ فإذا عصتا عوقبتا كما يعاقب كل عاص، ولكنهما استجابتا، وهذه الاستجابة كانت إما بالقول ثم بالفعل، وإما بالقول فقط، وقوله: (ائتيا طوعاً) إما أن يكون بقول الله أو يكون بوحيه، فهو إذا أراد أمراً لا يحتاج أن يقول أكثر من: كن فيكون، وتكون كن إرادية، أي: كن التي يريد الله بها خلق شيء أو موته والقضاء عليه.
فهما قد استجابتا لكل ما أمرهما الله به، وهما خلق من خلق الله وعبيد من عبيده، وهما تحت تدبيره وأمره، والذي أنطق هذا الإنسان أنطق ذاك الجماد، كما ينطق الجلود واللحوم وما لا ينطق يوم القيامة، والذي جعل النطق في اللسان قادر على أن يجعله في اليد والرجل، ونحن نرى اليوم من المستنبطات ومن المخترعات ما يزيد المؤمن إيماناً وهدى لو سبق في علم الله تعالى هدايته.
стр. 2015
تفسير قوله تعالى: (فقضاهن سبع سماوات في يومين)
قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت:١٢].
قضى ﷻ ، أي: أمر وأتم وأكمل وأوحى وجعل، فكان قضاء الله وأمره أن جعل السماوات سبعاً كما جعل الأرضين سبعاً، قال تعالى: ﴿وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:١٢] وهذا ينكره من لا يؤمن بالقرآن، ولا يؤمن إلا بما يقوله اليهود والنصارى ومن ارتد عن دينه وكذب بالرسالات وبما أتت به كتب الله.
وإذا قلنا: إن الأرض وما فيها وما عليها خُلقت في أربعة أيام والسماوات السبع خُلقت في يومين أصبحت ستة أيام خلق الله فيها السماوات والأرض.
﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [فصلت:١٢] أي: أتمهن وسواهن وأكملهن.
﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت:١٢] أي: أمر وأوحى إليها، والمقصود هنا: إرادته.
وأمر السماء: ملائكتها وحرسها وبحورها وثلوجها ومياهها والخلق الذي فيها والذي لا يعلمه إلا الله.
وفي كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والذي فيه كل شيء كما قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] ما يؤكد هذه المعاني، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٢٩]، أي: ومن دلائل قدرة الله ﴿خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا﴾ [الشورى:٢٩]، أي: في السماوات وفي الأرض وفي الأفلاك العلوية التي سماها مصابيح، فقد خلق فيها ما يدب عليها، والذي يدب عليها ليس الملائكة، فالملك خلقه الله ذا أجنحة مثنى وثلاث ورباع، والذي يدب على الأرض هو من يمشي على رجلين أو على أربع أو يمشي زحفاً، وهو الذي تمس بشرته الأرض، والذي يطير في الآفاق وفي الفضاء والأجواء لا يقال له: يدب، وإنما يقال له: يطير، والملائكة ذوو أجنحة مثنى وثلاث ورباع، فبعضهم ذو جناحين، وبعضهم ذو ثلاثة، وبعضهم ذو أربعة، وهكذا.
وقد رأى النبي ﵊ جبريل على صورته التي خلقه الله عليها مرتين قد غطى الأفق بأجنحته وبذاته، فعندما ظهر في الفضاء لم يبق ظاهراً غيره، فقد غطى الكواكب والسماء والأرض، أي: صورة مفزعة مُرعبة، فهؤلاء الذين يطلبون أن تكون الملائكة رسلاً إليهم لو جاءهم الملك بهذه الحالة لرعبوا وفزعوا وما استطاعوا نظراً ولا سمعاً ولا استفادة منه.
فقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت:١٢]، أي: حاجتها من الحرس ومن الملائكة، ومن جند الله ومما فيها من بحار ومن خلق لا يعلمه إلا الله؛ قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ [فصلت:١٢] وهي السماء الأولى الدانية الأقرب إلينا، وهي سماؤنا هذه، زينها وجمّلها بمصابيح.
ومعنى ذلك: أن ما نراه من هذه النجوم والكواكب النيرات ليست هي السماء، ولكنها هذه المصابيح المنيرة المشرقة المضيئة، التي زيّن الله بها السماء الدنيا القريبة من الأرض والقريبة من الخلق والبشر.
والمصابيح: جمع مصباح، وهي الزجاجة.
﴿وَحِفْظًا﴾ [فصلت:١٢]، أي: زيّنها بذلك حال كونها منيرة، وحال كونها حفظاً يحفظ بها السماء من تجسس الشياطين عندما يركب بعضهم على بعض؛ ليسترقوا السمع من الملائكة، وينزلوا إلى الدجّالين والكهنة والسحرة، وقد يصدقون في كلمة ويزيدون عليها تسعاً وتسعين كذبة، والكلمة التي يقولها لا يعلم صدقها من كذبها، ولكنه يتلقفها تلقفاً، ولا يكاد يركب بعضهم على بعض إلا ويأتيه شهاب فيحرقه ويحرق ما يحمله، وقد يفلت منهم واحد أو اثنان فيأتي إلى الكهنة والسحرة ويوحي إليه بكلمة لا يعلم صدقها من كذبها، ومن صدّق كاهناً وهو مسلم لا يقبل الله له صلاة مدة أربعين يوماً.
فقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ [فصلت:١٢]، أي: زيّنها بمصابيح وجعلها حفظاً تحفظ أسرار الملائكة ووحي الله لهم، فهم جند الله الذين لا يعصون الله ويفعلون ما يؤمرون، وسينزل هذا للنبات، وهذا للأرواح، وهذا للأرحام، وهذا للدواب، وهذا للمياه، وكل واحد وفئة منهم لها عملها ووظيفتها، ولا يحصي عددهم ونوعهم إلا الله ﷻ ، فهم أشكال وألوان ورتب ومنازل، وأعظمهم الكروبيون الثمانية الذين يحملون عرش ربك، والملائكة الآخرون يطوفون بالعرش كما نطوف نحن بالكعبة المشرفة.
وقد خلق سبحانه السماء في يومين وخلق الأرض في أربعة أيام، وخلق النجوم والكواكب مصابيح، وهي في الوقت نفسه؛ حرساً وحصناً من الشياطين المتجسسين على الملائكة؛ علّهم يسمعون كلمة، فيكون ذلك سبب رميهم بالشهب التي نراها بين حين وآخر، فيحترقون وكأنهم لم يكونوا.
قوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت:١٢]، أي: ذلك خلقه مقدراً بعصر وبوقت وبخلق لا يزيد ولا ينقص، أي: يحصل وقت كذا وسينتهي وقت كذا، و ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦].
و ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ﴾ [القصص:٨٨].
فتهلك السماوات والأرض ويفنى الملائكة والجن والإنس، ويبقى الله ملك الملوك، فيقول: أين ملوك الأرض؟ أنا الملك، أنا الجبار، أين الملوك؟ فلا يجيبه أحد، فيقول ﷻ : أنا ملك الملوك، وأنا الجبار، ﷻ وعزّ مقامه.
ثم بعد ذلك تعود الحياة يوم البعث والنشور إلى الملائكة جند الله الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وإلى الجن والإنس في الآخرة؛ للحساب وللعرض على الله؛ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
стр. 2016
تفسير قوله تعالى: (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم)
قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣].
قص الله علينا وهدانا وعلّمنا وعرّفنا كيف كان هذا الكون، وكيف خُلق هذا العالم فضلاً منه وكرماً، ثم قال لرسول الله ﷺ : قل لأولئك المعرضين عن الإيمان بالله وبكتبه وبرسله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ [فصلت:١٣].
أي: أعرضوا عن طاعتي وعن طاعة الكتاب المنزل عليك وأدبروا عن الإيمان بالله ورسل الله.
﴿فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣].
أي: قل لهم: أنذرتكم وتهددتكم وتوعدتكم وخوفتكم صاعقة ومصيبة وبلاء سينزل بكم ويدمركم ويهلككم ويزلزل الأرض تحت أقدامكم كالصواعق والبلاء والمصائب التي نزلت على عاد وثمود عندما كفروا ربهم وكذّبوا نبيهم وأعرضوا عن كتبهم وعن رسالاتهم.
وعندما جاء عتبة بن ربيعة إلى النبي ﷺ وهو يطمع بأن يسكته عن تزييف آلهتهم وعيب آبائهم ودعوتهم إلى الله وإلى طاعة رسول الله ﷺ وبعد أن أنهى كلامه وهو يقول له: أأنت خير أم أبوك عبد الله؟ أنت خير أم جدك عبد المطلب؟ وما فعل عبد الله أو عبد المطلب حتى يكونا خيراً من رسول الله ﷺ ؟ فهما لم يكونا نبيين ولا يفعل هذا إلا نبي، ولذلك النبي ﷺ قال لهم: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [فصلت:٦] أي: لا أزيد عليكم إلا بالوحي وبالرسالة ولو لم يوح الله إلي بشيء لما سمعتم مني كلمة، ولقد عشت فيكم عمراً ودهراً وزمناً فما الذي سمعتموه مني؟ فلما انتهى كلام عتبة قال له رسول الله ﵊: (أفرغت يا أبا الوليد! قال: نعم، قال: اسمع، قال: كلي سمع، فابتدأ وقال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت:١ - ٣] إلى أن وصل إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣]) وإذا بـ عتبة يضع يده على فم رسول الله ﷺ ويقول: يا أبا القاسم! حسبك نحن رحمك وأقرباؤك، وقطع الحديث وذهب.
وعندما اجتمعت عليه قريش قالوا: ما الذي أجابك به محمد؟ وقد لاحظوا من ملامحه وتقاطيعه أنه تغيّر عن الحالة التي ذهب إليه فيها، فقال لهم: اسمعوا مني وأطيعوه، فلقد هددكم وأنذركم، وأنتم تعلمون أن محمداً إذا قال صدق ولم يكذب في حياته قط، فهو إذا أنذركم بالصاعقة نزلت بكم لا محالة، فتضاحكوا عليه، وقالوا له: سحرك محمد بلسانه وأعجبك طعامه.
فإذا به من جهالته ووثنيته يقسم أن لا يجتمع بمحمد مرة ثانية بدلاً عن أن يتحداهم ويقول لهم: سأفعل ما فعل عمر وحمزة، بل ازداد كفراً وعناداً وأقسم لهم بما يريدون بأن لا يعود إلى الاجتماع بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ومن بلاغة القرآن وفصاحته وإعجاز نظمه وترتيبه أنه لفت الأنظار -كالديباجة- لما فعلت عاد وثمود، فلفت الأنظار ونبه الآذان، وكأن الناس تتساءل ما بال عاد وثمود؟ وما جريمتهم وصنعهم؟
стр. 2017
تفسير قوله تعالى: (إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم)
قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [فصلت:١٤].
أي: أجابوا رسلهم وقالوا: فإنا بما أرسلتم به كافرون.
فهنا يقص الله علينا خبر عاد وثمود، فقال عنهم: إنهم نزلت بهم الصواعق والبلاء المدمّر والمهلك؛ لأنهم لما جاءتهم الرسل -هود صالح- بقولهم: لا إله إلا الله، وجاءوهم من بين أيديهم وقد سمعوا خبرهم من قبل، فقد كان قبل هود وصالح نوح وشيث وإدريس وآدم ﵈، ثم جاء من بعدهم رسل آخرون، فكان جوابهم عندما دعوهم إلى الله الواحد الأحد أن قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥].
ثم عادوا فقالوا: لستم رسلاً، وأنتم تكذبون، ﴿قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت:١٤]، أي: لو شاء ربنا الرسالة وشاء هدايتنا لأنزل إلينا ملائكة لا بشراً مثلنا! أفتريدون أن نخضع لكم ونطيعكم ونجعلكم أئمة وقادة، هيهات هيهات! لن يكون ذلك، ولو كان هذا حقيقة لما أرسلكم وأنتم بشر مثلنا، بل لأنزل علينا ملائكة من السماء.
ثم عادوا فتحدوا وقالوا: ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [فصلت:١٤].
فكفروا قولاً وعملاً برسالة هود وبرسالة صالح ﵉، وبقوا على وثنيتهم وعلى طغيانهم وعلى جرائمهم.
стр. 2018
تفسير سورة فصلت [١٥ - ٢٠]
لقد أرسل الله الرسل لإقامة الحجة وبيان المحجة للناس، ولكن الناس كانوا يقابلونهم بالاستهزاء والتحدي والتهم الباطلة، وذلك كقوم صالح وقوم هود الذين اعتمدوا على قوتهم واستكبروا على رسلهم فأخذتهم الصواعق والصيحات، وهكذا جزاء من لا يؤمن برسل الله بعد أن يرى الآيات والمعجزات.
стр. 2019
تفسير قوله تعالى: (فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق)
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت:١٥].
يقول الله عن عاد إنها قالت عندما جاءتهم رسلهم يدعونهم إلى عبادة الله وحده وإلى الكفر بالأوثان وبالشركاء: لن يكون رسول إلا إذا كان ملكاً.
وعندما جاءهم الوعيد والإنذار من رسلهم تحدوا وقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥].
واستكبروا في الأرض بغير الحق وتعاظموا وتعالوا، وجعلوا أنفسهم كبراء وسادة وعظماء، فتكبروا على الخلق وعلى الرسل وعلى عبادة ربهم.
ثم زادوا فقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥]، فطغوا بأجسامهم، وكانوا في أجسامهم يسمون بالعمالقة، وكان طول أحدهم مائة ذراع وأقلهم كان طوله ستين ذراعاً وما يناسب ذلك من العرض، وكان الواحد منهم يتناول ما لا يتناوله الجماعات أولو العدد من بعدهم.
فاستكبروا بأجسامهم وقوتهم وقالوا: مهما ينزل من بلاء ومن صواعق فنحن قادرون على القضاء عليها وقوتنا تدمرها وتقضي عليها.
فقال الله لنبيهم أن يقول لهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥]، أي: أولم يروا رؤية القلب ويتدبروا ببصائرهم وبعقولهم ويفكروا ويتبصروا، أن الذي خلقهم على هذه القوة وعلى هذا الطول وعلى هذه الأجسام هو الله الذي هو أشد منهم قوة، وهم لم يحسبوا حساباً لقوة الله وقدرته وبطشه خاصة، وهو الذي أرسل رسله بشراً يدعونهم إلى الطاعة وإلى التوحيد وإلى ترك الأصنام وإلى ترك الأوثان أي: ألم يعلموا ويدركوا ويفهموا، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يفلتون من عقاب الله وعذابه.
﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت:١٥] فلم يزدادوا بذلك إلا عتواً وفساداً واستكباراً في الأرض.
стр. 2020
تفسير قوله تعالى: (فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحسات)
قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٦].
قال تعالى: إنهم بعد أن أنذرناهم وتوعدناهم وأمهلناهم وأرسلنا لهم رسلاً من بين أيديهم ومن خلفهم يدعونهم إلى عبادة الله وحده وترك الأصنام، أخذوا يتعاظمون بأجسامهم وبقوتهم ويقولون: نحن أقوياء وبدناء ونحن ونحن، فقال لهم الله: هل أنتم أشد قوة من خالقكم الذي قواكم وجعل لكم هذه الجسوم؟ فكانوا مع هذا جاحدين كافرين بآيات الله وقدرته وما أرسل به رسله، والله يمهل ولا يهمل، ثم حلت عليهم كلمة الله وعذابه قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت:١٦].
وقد كانت سبعة أيام حسوماً، ابتدأت في الأربعاء وانتهت في الأربعاء، وكانت في آخر شهر شوال وكان ابتداؤها قبل ذلك، فقد كانت تأتيهم الرياح والعواصف وليس معها مطر، وإذا أراد الله بقوم خيراً أمطرهم وأغاثهم وأقل رياحهم، وإذا أراد بهم بلاء أكثر رياحهم وعواصفهم وأقل غيثهم وأمطارهم، فجاءتهم الريح العقيم، وهي الريح التي ليست فيها أمطار ولا غيث فيها ولا كسب منها، فهي عقيم لا تلد ولا توجد ماء ولا تنتج غيثاً، فانتشرت الحرائق والجدب والموت والجوع إلى الأيام النحسات المشئومات السبع التي كانت حاسمة بالقضاء عليهم.
ثم جاءتهم رياح عاصفة، كما قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [فصلت:١٦]، أي: ذات صوت كالرعد وذات برد شديد.
وهو من الصر وهو: البرد الشديد، ومن الصرصر وهو: الصوت المرعب المزعج الذي تكاد طبلة الأذن أن تنفجر منه، وكل هذا قد حصل فسلط الله عليهم خلال أسبوع وثمانية أيام ريحاً عقيماً ذات برد وحر شديدين وصوت كالرعد زلزلتهم من تحت أرجلهم ومن فوق رءوسهم حتى أصبحوا صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية، كما وصفهم ربنا في آية أخرى.
ولم تمض هذه الأيام الثمانية إلا وقد أصبحوا كجذوع الأشجار عندما يأتيها الجدب والقحط والنار، أي: لم يبق فيها ورق ولا فاكهة ولا ثمر، وإنما هي جذوع وغصون محترقة لا تنفع في فاكهة ولا في حطب، قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ﴾ [الحاقة:٧]، أي: كعجز النخل الخاوي الذي ليس فيه جمار ولا فائدة يستفاد منها.
وقوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت:١٦] جمع نحس، أي: أيام ذات بلاء مشئوم ومصائب وذل وهوان، فلم تفدهم هذه الأجسام الطويلة والقوة التي تاهوا بها واستكبروا فيها بغير حق في الأرض.
وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت:١٦]، قرئ: نحِسات، ونحْسات.
قوله: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [فصلت:١٦].
أي: ليصيبهم ويعذبهم بالعذاب الذي أخزاهم، وذلك شأن المتعاظم المتكبر على الله الذي يرى لنفسه ميزة وشأناً، فإنه عندما يذل ويتصاغر ويحتقر ويضيع جاهه وسلطانه ودعواه في القوم، يشعر بالهون وبالذل وبالخزي، وهم قد أخزاهم الله وأذلهم أمام البشر والأمم من جيرانهم من سكان الأرض، وأمام المؤمنين -على قلتهم- الذين آمنوا بهود وانتفعوا بنبوته ورسالته وهدايته.
وقوله تعالى: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٦]، أي: هذا خزي وعذاب الدنيا، أما خزي وعذاب الآخرة فهو أشد خزياً ونكالاً وعذاباً.
وخطاب الله هذا هو خطاب لكل إنسان سمع هذه الدعوة الإلهية من رسول الله محمد ﷺ ، سواء كانت في عصره أو بعده إلى عصرنا وإلى من بعدنا إلى يوم القيامة، فكل من لم يؤمن بالله وبرسالة القرآن وبرسالة نبيه ﵊، بل يُعرض إعراض عاد وثمود؛ فله من الخزي ومن الذل ومن الهوان ما قصه الله علينا في هذه الآيات وغيرها.
وهو ما ذكر ذلك إلا للعظة وللعبرة وللتأديب وللتربية؛ ومن الخزي الذي أصابنا -نحن المسلمين- في عصرنا عندما تركنا كتاب الله ورسالة نبينا ﵊ وجرينا خلف اليهود والنصارى والمنافقين نعترف بعلومهم وبحضارتهم وتركنا الإسلام والقرآن والقيادة المحمدية؛ أن سلّط الله علينا أذل خلقه وأحقرهم وألعنهم، وهم اليهود إخوة القردة والخنازير وعبدة الطاغوت، ولن يرفع الله عنا هذا الخزي إلا بعد أن نعود إليه تائبين ضارعين مستغفرين، وهذا مما وعظنا به ولم نتعظ.
وقد سبقنا إلى هذا أجيال من قبلنا، فهم الذين مهدوا لهذا وما بعده، ونحن لسنا إلا اتباعاً لحاقاً بهم، وفي العادة أن اللاحق يزيد على من سبقه، هكذا يقع التباري بالكفر بالله وبرسل الله، فيقع عليهم عذاب الله المخزي كما وقع للأولين عندما خالفوه وعصوه كخلافنا ومعصيتنا؛ قال تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٦]، أي: أشد خزياً وعذاباً، ولن ينصرهم أحد كما لم ينصروا في دار الدنيا، فإذا كانوا في دار الدنيا لم ينصروا ولم يجدوا من ينصرهم ولا يفزع لهم ولا يهتم بهم، فكيف في الآخرة؟ فإنهم في الآخرة سيشتد عذابهم وخزيهم، ولن يجدوا لهم نصيراً كما لم يجدوه في دار الدنيا.
стр. 2021
تفسير قوله تعالى: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى)
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت:١٧].
قصة عاد وثمود هنا هما شرح وبيان لمجمل الآية -الديباجة- التي ذُكرت في أول قصص هؤلاء، عندما قال ربنا: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣] وقد قص الله علينا قصة عاد في الآية السابقة.
وأما ثمود فيقول عنها: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧]، أي: هديناهم ودعوناهم للهداية وأرسلنا لهم نبيهم صالحاً ﵇ فدعاهم إلى عبادة الله صباحاً ومساء، وأنذرهم وتوعدهم أنهم إذا بقوا على شركهم سيصيبهم مثل ما أصاب قوم عاد قبلهم.
وقد طلبوا منه معجزة عجيبة غريبة ومع ذلك استجاب الله لهم، فما زادهم ذلك إلا كفراً وخزياً وإصراراً على الشرك، فقد جاءوا إلى صخرة وقالوا: لن نؤمن بك يا صالح! ما لم تخرج لنا من هذه الصخرة ناقة طولها كذا وعرضها كذا وكذا وهي عشار أي: حامل في شهرها العاشر، وإذا أنت لم تفعل لا نصدّقك.
فقال: يا قوم! إذا جاءت المعجزة والآية وكفرتم بها حل عليكم عذاب الله سريعاً، قالوا: لن نؤمن إلا بذاك، فقال: أرجئوني أياماً، فدعا الله فاستجاب له، وبعد أن قال لهم: إنهم إذا جاءتهم هذه الآية كما طلبوها وأعرضوا عن الإيمان وأصروا على الكفر فسيكون ذلك سبب القضاء عليهم جاءت الناقة فلم يؤمنوا كذلك.
وقد كان هود ﵇ في جزيرة العرب، وكذلك كان صالح ﵇ في جزيرة العرب في الحجر بين الحجاز والشام الأردن، ولما كانت المياه شحيحة والأرض حارة وصحراوية وكانت الناقة تحتاج إلى الماء الكثير ولم يكن لهم إلا عين ماء يشربون منها رتب صالح لهم يوماً لشرب الناقة ويوماً لشربهم؛ لأنها تشرب ما يشربون جميعهم، فأخذوا يعطشونها ويجيعونها، وولدت بعد شهر من خلقها.
ثم إذا بتسعة رهط مفسدين يذهبون ويقتلون فصيلها فأخذت تصيح وتجأر بصوت يزلزل الأرض، فقلتوها بعد يوم أو يومين، فجمع صالح القوم وقال لهم: انتظروا بلاء ودماراً وخراباً بعد ثلاثة أيام، وهكذا كان، ففي اليوم الأول اسودت وجوههم، وفي اليوم الثاني أخذت أجسامهم وعروقهم تضعف ولا يكادون يستطيعون حركة، وفي اليوم الثالث أرسل الله عليهم زلزلة وصيحة، حيث صاح بهم جبريل ومن معه من الملائكة صيحة أخرجت قلوبهم من صدورهم وعيونهم من مآقيها وأمخاخهم من رءوسهم، وصرعوا فأصبحوا جاثمين كأن لم يغنوا فيها.
وهكذا عاقب الله ثمود بالصيحة والزلزلة بما أهلكهم وقضى عليهم.
قوله تعالى: ((وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ))، أي: أرسلنا لهم هادياً نبياً يدعوهم إلى الهداية وإلى الإيمان والإسلام.
((فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى))، أي: ففضّلوا الضلال وعمى القلوب والظلام على النور، وأحبوا العمى والكفر والجهالة والظلمات والضلالة على النور وعلى الهدى.
قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ [فصلت:١٧]، أي: ما كادوا يفعلون ذلك ويقتلون الناقة ويتجرءون على نبيهم ويزدادون كفراً بربهم، حتى أخذهم عزيز مقتدر، فأتتهم صاعقة ومصيبة أرسل بها جبريل، فزلزلت أرضهم وأصمت آذانهم وأخرجت عيونهم وقلوبهم وفجّرت أمخاخهم، فانتهوا وكأنهم لم يغنوا بالأمس، فأصبحوا كأعجاز نخل خاوية، وكأنهم لم يكونوا ولم يوجدوا يوماً.
والنبي ﵊ كما في الصحاح عندما ذهب إلى غزوة تبوك وجد قوماً دخلوا إلى أرض صالح وفيها آثارهم وآبارهم وما هم فيه من بلاء، ووجدهم قد أخذوا من هذا الماء فطبخوا به وخبزوا، فأمرهم ﷺ بإلقاء تلك الأطعمة التي طبخوها من مياه بئر قوم صالح وبإلقاء ذلك العجين لرواحلهم ولنوقهم وقال لهم: (إذا مررتم بأرض عذاب فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا)، أي: كي لا يقع بهم ما وقع بمن سبقهم ولا يبتلوا ببلائهم وبمصيبتهم.
وقد ضرب الله هذا مثلاً لكفار هذا العصر من أمة محمد ﷺ أنهم إن أعرضوا عن ربهم وعن طاعة نبيهم ﷺ والقرآن الكريم فإن الله سيدمرهم وينزل عليهم الصواعق والبلاء والمصائب، وقد فعل ولا يزال يفعل، وما تسليط النصارى ثم اليهود ثم المنافقين على الشعوب الإسلامية إلا عذاب وعقوبة لتركنا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وترك الإسلام الذي بذل سلفنا الصالح في سبيل قيامه وإعزازه ونشره أرواحهم رخيصة في سبيل الله، فجئنا نحن فاستهزأنا بكل ذلك ونبذناه وأصبح كتاب الله وراءنا ظهرياً.
﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت:١٧]، أي: أخذتهم الصاعقة والمصيبة والبلاء المدمر.
وعذاب الهون: عذاب الهوان، وهو العذاب المؤلم للأجساد المهين للأرواح المذل للأنفس؛ بسبب ما كانوا يكسبون ويرتكبون من كفر بالله وشرك به وتكذيب لرسله وإعراض عن كتابه.
стр. 2022
تفسير قوله تعالى: (ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون)
قال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت:١٨].
أي: فعل الله هذا بكفار ثمود، وكان أكثرهم كفاراً، ونجّى من بينهم صالحاً نبيهم ومن آمن معه من قومه، وما آمن معه إلا قلة، وهكذا الأمم السابقة لم يؤمن منهم إلا ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين.
قال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت:١٨]، أي: الذين آمنوا قولاً وآمنوا جناناً، وكانوا يتقون في العمل، أي: ويجعلون بينهم وبين الذنوب والمعاصي ومخالفة الله ورسله وأنبيائه وقاية.
стр. 2023
تفسير قوله تعالى: (ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون)
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [فصلت:١٩].
جعل الله كل كافر به وبرسله عدو له، وهذا الأرعن الأحمق الذي فقد عقله قبل أن يفقد دينه وأراد إزالة الحواجز بيننا وبين هؤلاء الذين لعنهم الله من إخوان القردة والخنازير لم يدر أن هؤلاء ليسوا أعداءنا نحن فقط، بل هم أعداء الله أولاً، وهم الذين لعنهم الله إلى أبد الآباد، كما قال تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٦١].
وقد لُعنوا على لسان الأنبياء السابقين واللاحقين، وقد أذلّهم الله ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ﵉، ولعنهم أيضاً على لسان محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال تعالى فيهم: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف:١٦٧].
فهم أعداء الله قبل أن يكونوا أعداءنا، فهم الذين تكبروا على الله وتجبروا عليه وقتلوا أنبياءه، واستباحوا الدم الحرام وأتوا المنكر وقذفوا أنبياءهم المعصومين عن المحارم، وقتلوا العلماء وشرّدوا الصالحين، فدمّرهم الله وقطّعهم في الأرض أمماً.
والذي نراه اليوم ليس هو إلا من باب ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم:٨٣]، ثم يجمع الله الشياطين والكفار واليهود ومن سُلطوا عليهم في جهنم، جزاء خذلانهم وكفرهم بالله، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [فصلت:١٩]، أي: يُحشر يوم القيامة أعداء الله من الكفار يهوداً ونصارى ومنافقين.
قوله: ((إلى النَّار فَهُمْ يُوزَعُونَ))، أي: يُساقون إلى النار ويجرون إليها، فيجمع أولهم مع آخرهم ويساقون إليها سوق الدواب، ويسحبون على وجوههم وجباههم؛ جزاء كفرهم بالله وشركهم به.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾ [فصلت:١٩]، وقرئت: (ويوم نحشر أعداءَ الله إلى النار فهم يوزعون) أي: فهم يُسحبون على وجوههم ويساقون إليها سوق الدواب على وجوههم ورءوسهم.
стр. 2024
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم)
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:٢٠].
أي: حتى إذا جاءوا النار ووصلوا إليها وهم يُسبحون على وجوههم.
و (ما) في القرآن صلة، وهي في اللغة زائدة، ولكنها زائدة أو صلة من حيث الأعراب والنحو، أي: ليس لها مكان ولا أثر في رفع أو نصب أو جر، ولكنها في المعنى للتأكيد، ولها المعنى الكامل في تأكيد المعنى الداخلة عليه.
فقوله تعالى: ((حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا))، أي: حتى إذا تأكد مجيئهم ووصل أعداء الله إلى النار، ((شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ))، أي: إذا وصلوا إلى النار فسينكرون ويقولون: نحن ما أذنبنا وما عصينا وقد عشنا موحدين.
стр. 2025
تفسير سورة فصلت [١٩ - ٢٥]
يجمع الله أعداءه يوم القيامة فيسألهم عن كفرهم وفواحشهم فينكرون، فتشهد عليهم أسماعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون، فيقولون لهن: بعداً لكن وسحقاً فعنكن كنا نجادل، ثم يقذفون في النار.
стр. 2026
تفسير قوله تعالى: (ويوم يحشر أعداء الله إلى النار)
قال الله ﷻ : ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:١٩ - ٢٠].
يقول ربنا ﷻ : هؤلاء المرتدون المشركون الكافرون بالله وبكتبه وبرسله وبيوم القيامة سيحشرون إلى النار ويُجمعون فيها ويكتلون ويجرون ويسحبون.
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ [فصلت:١٩]، وأعداء الله هم الكافرون واليهود والنصارى وأتباعهم والمستخدمون لهم والمنافقون الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر.
قال تعالى: ((حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا))، أي: هؤلاء الكفار عندما يحشرون إلى النار ويجيئون إليها ويقدمون عليها سيشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون، فإنهم عندما يحشرون ويصبحون مع النار وجهاً لوجه يرون المسلمين يقولون: نحن موحدون مؤمنون، فيؤمر بهم ويدخلون الجنة، فيقولون هم: ما دام هؤلاء قد قالوا ذلك ولم يكذَّبوا فنحن إذا قلنا ذلك فسنصدق ولا نكذّب.
فيقولون: إنهم مؤمنون ويكذّبون الملائكة والكتب التي جاءت بها الكتبة الكرام من ملك اليمين وملك الشمال، وفي هذه الحالة عندما يفعلون ذلك يطبق الله تعالى أفواههم وتكبر ألسنتهم وتملأ حلوقهم وتكبر الحلوق فلا يستطيعون نطقاً ولا كلاماً، وعند ذلك تشهد عليهم أرجلهم وجلودهم بذنوبهم ومعاصيهم وما كانوا يعملون في الدنيا من كفر بالله وشرك به وأفعال سيئة وجرائم بيّنة.
стр. 2027
تفسير قوله تعالى: (وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا)
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت:٢١].
أي: بعد ذلك ينطق الله ألسنتهم فيلتفتون إلى الجلود والأيدي والأرجل فيقولون لجلودهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا﴾ [فصلت:٢١]، أي: قالت الجلود: ﴿أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت:٢١]، أي: يقولون لهذا الكافر: الله هو الذي أنطقنا وأكسبنا قوة النطق.
(وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) فكما أنطقكم أنطقنا، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت:٢١]، أي: رجوعنا ورجوعكم وخلقنا وخلقكم وقوة نطقنا وقوة نطقكم كانت من الله، فكما أعطاكم القوة للكلام باللسان وخلقكم أول مرة فقد خلقنا وأعطانا قوة الكلام والحديث والشهادة.
وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥]، أي: يختم الله على أفواه هؤلاء الكافرين، وتشهد عليهم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون.
وفي صحيح مسلم والسنن الأربع أن النبي ﵊ تبسّم فقال لأصحابه: (لا تسألوني لم تبسّمت؟ فقالوا له: يا رسول الله! لم تبسمت؟ قال: عجبت لمجادلة العبد ربه، يؤتى بالمشرك يوم القيامة فيقول لربه: يا رب! ألم تعدني بأن لا تظلمني؟ قال: نعم، ألم يكفك أن أكون عليك شهيداً والملائكة الكاتبون؟ قال: يا رب! لا أجيز علي شهادة إلا من نفسي، فيسكت الله فاه ويخرس لسانه، ثم يقول لجوارحه: انطقي، فتقول اليد: صنع بي يوم كذا كذا وكذا -أي: ضرب بي وقتل، وتناول ما لا يحل له، وتشهد الرجل بأنه ذهب إلى مكان كذا وصنع كذا، ويشهد الفرج بزناه وفساده، وتشهد اليد بالسرقة، ويشهد الجلد بالسكر وبالعربدة وبالعصيان والمخالفة، ثم ينطق الله لسانه فيقول لجوارحه: سحقاً لكن فعنكن كنت أجادل، فيقلن له: ﴿أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت:٢١]).
فلا مفر من الشهادة بالحق، وأما النطق فليس في قدرتنا، ولكن الله الذي أنطق ألسنتكم وشفاهكم رزقنا القوة على النطق فشهدنا، هذا قاله ربنا وأكده نبينا ﷺ شرحاً وبياناً وتفسيراً لأولئك الذين يشركون بالله ويظنون أنهم يوماً سيكذبون على ربهم ويخفون جرائمهم، وهيهات هيهات، فإنهم يشهد عليهم كُتّاب الله المكرمون من ملائكة الشمال واليمين، بل وتشهد عليهم جلودهم وأيديهم وأرجلهم وفروجهم وأفخاذهم وكل عضو من أعضائهم بما كانوا يعملون ويكسبون.
стр. 2028
تفسير قوله تعالى: (وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم)
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:٢٢].
أي: تقول لهم هذه الجلود والأيدي والأرجل بعدما ينطق اللسان ويسألهن: لم شهدتم علينا؟ فيقلن لهم: وهل كنتم تستترون من فعل الفاحشة وإعلان الكفر؟ فلسنا وحدنا الذين رأينا ذلك وشاهدناه، بل كنتم تعلنون ذلك في المجالس والمحافل وتشهرونه مع الناس، بل كنتم من الكفر والإصرار عليه وعلى الباطل بحيث لا تخافون الخالق ولا تستحيون من المخلوق وتجهرون بفعل الفواحش والسيئات وارتكاب الشرك وما يتعلق به.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ كما في السنن قال: كنت أطوف بالبيت -وكان هذا قبل فتح مكة- وإذا بي أسمع ثلاثة يتحدثون عن الله وعن القيامة، وقد عظمت بطونهم وكثرت شحومهم وصغر عقلهم وقل دينهم، فقالوا كلاماً لم أسمع منه إلا كلمات، وأحدهم كان ثقفياً واثنان قرشيان، فقال أحدهم: هل الله يسمع قولنا الآن وكلامنا وما نصنع؟ فقال الثاني: إن رفعنا أصواتنا وجهرنا بها سمعها وإن أخفيناها لا يسمعها! فقال الثالث: إن سمع ما جهرنا به سمع ما أخفيناه.
فنزل قوله تعالى ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:٢٢].
فهم كانوا يظنون، والظن قد يكون بمعنى اليقين، فقد كانوا يتيقنون وربما شكوا وارتابوا بأن الله يعلم شيئاً ويخفى عليه شيء! ذلك نتيجة كفرهم وشركهم وبعدهم عن الله.
стр. 2029
تفسير قوله تعالى: (وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم)
قال تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٣].
يجيب الله أولئك الذين يظنون أن الله يعلم شيئاً ولا يعلم آخر، أو أنه يعلم ما يعلنون ولا يعلم ما يخفون، فقال لهم: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت:٢٣]، أي: أهلككم ودمّركم وساقكم إلى النار.
﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٣]، أي: من الذين خسروا دنياهم وآخرتهم وجهلوا دينهم فأشركوا بربهم.
وربنا ﷻ يعلم ما كان وما يكون، وما أعلنا وما أسررنا وما أخفينا في الضمائر ولم ننطق به، فكيف لو قلناه؟ وهذا كما تقول جوارح الكافر له عندما يجادلها: إنكم لم تكونوا تختبئون وتستترون عن جرائمكم وشرككم وكفركم، فكيف تستغربون شهادتنا والكل يعلم أن كل هذا كنتم تفعلونه وتعلنونه وتجهرون به ولا تخشون الله ولا تخافون خلقه؟ ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت:٢٣]، أي: وذلك هو الظن الخاطئ الذي خطر ببالكم واعتقدتم يقيناً أن الله يعلم شيئاً ويخفى عليه شيء، وذلك هو ظن الكفرة، فهذا هو الذي أهلككم وجعلكم كفاراً مشركين، فأصبحتم بهذا الظن الخاطئ وبهذا الكفر المعلن من الخاسرين، فخسرتم الدين والدنيا وخسرتم الدنيا والآخرة.
وقد قال رسول الله ﷺ في الحديث القدسي: (إن الله تعالى يقول: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن عبدي بي ما شاء).
وقال الحسن البصري: من ظن بالله خيراً عمل صالحاً، ومن ظن بالله سوءاً عمل سوءاً، فالظن يكون مع العمل سواء كان خيراً أو كان شراً، فمن ظن خيراً عمل بمقتضاه وهو ظن المؤمنين، ومن ظن سوءاً عمل بمقتضاه وهو ظن الكافرين فالذين يظنون أنهم سيخفون أعمالهم عن الله ولن يعلمها ويقولون: قد غررنا الملائكة أو يظنون أكثر من ذلك، وهو أن يدخلوا الجنة فنقول لهم: هيهات هيهات! وما ذاك إلا من سخافة عقولهم وضياع دينهم، والله خير الماكرين، كما قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] فالله هو الذي خلقهم ويعلم سرهم ونجواهم.
стр. 2030
تفسير قوله تعالى: (فإن يصبروا فالنار مثوى لهم)
قال تعالى: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:٢٤].
يقول تعالى لهؤلاء الذين شهدت عليهم أسماعهم وأبصارهم وجلودهم وأفخاذهم وفروجهم: يا هؤلاء الذين أخذتم في النزاع والشقاق مع بعض أعضائكم! لا تتعبوا أنفسكم، فالنار مثواكم أبداً، فهي منزلكم ومقامكم، فاصبروا أو لا تصبروا؛ ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت:٢٤].
من الثواء والمقام، أي: دار مقامكم ومنزلتكم سواء صبرتم أو لم تصبروا، ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت:٢٤]، أي: مقام ودار خالدة لهم.
﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:٢٤] يستعتبوا السين والتاء للطلب، أي: يكتبوا العتب ويعتذروا عن أعمالهم؛ ليرضوا ربهم، وهيهات هيهات، فلا مجال للعذر.
وهذا كما قال أصحابهم السابقون للملائكة وهم يسحبونهم إلى النار سحباً ويجرونهم إليها على وجوههم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٩]، فتجيبهم الملائكة: ﴿قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٥٠].
وهنا كذلك يأخذون في الاستعتاب إلى ملائكة النار ويقولون: إنما أضلنا فلان وجهلنا وقلنا: نعزم على التوبة وسبقنا الموت، فهل تقبلون عذرنا؟ وهل تعيدوننا إلى دار الدنيا كما كنا؟ فيطلبون من الملائكة أن يتضرعوا إلى ربهم ويسألونه لهم، فتقول الملائكة لهم: هل هذا جديد عليكم أو تعلمونه من قبل؟ أولم تأتكم رسلكم بالبينات؟ فيقولون: بلى، ويعترفون.
ومع ذلك تمردوا وضلوا وأضلوا وأصروا على الكفر إلى أن وجدوا أنفسهم في واقع ما كانوا ينكرونه، ويشركون بالله فيه، فيحاولون إذ ذاك أن يطالبوا بالعودة إلى الدنيا، وهيهات هيهات، ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:٢٤].
أي: وإن يعتذروا ويطلقوا العتبى فما هم من المعتبين المعذورين، ولا يقبل لهم عذر ولا عتاب ولا رجاء، ولا تقبل منهم دعوة، فهم في النار خالدين أبداً، والدنيا قد انتهت وفنيت ولم يبق لها وجود بعد أن أدت مهمتها، فلا وجود الآن إلا للدار الآخرة، فإما في جنة دائمة خالدة أو في نار دائمة خالدة، فلا منجى للكافرين منها، ومقام المؤمنين في الجنة خالدين أبداً ما دامت السماوات والأرض عطاء غير مجذوذ، وذلك فضل الله وعطاؤه للمؤمنين.
стр. 2031
تفسير قوله تعالى: (وقيضنا لهم قرناء)
قال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٥].
يذكر الله تعالى أنه هيأ وأعد لهؤلاء الكافرين قرناء سوء وباطل قارنوهم وصاحبوهم وعاشروهم.
((فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم)) فزينوا لهم ما بين أيديهم من شئون الدنيا وجعلوها زينة بين أعينهم، وجعلوها مآلهم وعزّهم ومكان نجاتهم.
وزينوا لهم ما خلفهم وما سيأتي بعد موتهم، فزينوا لهم الكفر والضلال والبعد عن الإيمان وأنه لا جنة ولا نار، وما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وما يهلكهم إلا الدهر، وزعموا ذلك وأعلنوه وكانوا الأئمة والقادة فيه، مثل ملاحدة العصر الذين يصفون أنفسهم بالتقدمية والتجددية وما هم إلا إخوان الشياطين، فقد عادوا للكفر والإلحاد والشرك السابق، ونبشوا على الأولين التراب وبعثوهم من قبورهم ومن جثثهم البالية النتنة، واستمسكوا بدينهم وبأخلاقهم وبأديانهم، ورضوا بالذل والهوان وعقوبة الدنيا والآخرة.
ومن هنا كان من سعادة الإنسان أن يكون قرينه صالحاً، ومن شقاوته أن يقارن فاسداً، وقديماً قال الحكيم العربي: قل لي من تصاحب أقل لك من أنت.
فإن هو صاحب شريرين وكفاراً ومنافقين كان منهم، ومن أحب قوماً ذُكر معهم، وإن صاحب صالحين ومؤمنين وأتقياء كان منهم، وحب الصالحين يدعك أن تكون معهم، وحب الكافرين يدعك أن تكون معهم.
وقد ورد في الآثار وفي الحكم العربية شعراً ونثراً الحث على مقارنة الأفاضل وأهل التقوى والعلم والصلاح ممن يدلك على الله حاله، ويهديك إليه مقاله، وتكون أقواله لك هداية ودلالة على الخير، وحاله لك أسوة طيبة وقدوة صالحة؛ حتى تقارن أمثاله.
ولكن هؤلاء رأوا الصالح والطالح فمالوا إلى الطالح؛ لأنهم وجدوا مشابهة بين أنفسهم وأنفس أولئك، وقديماً قالت الأمثال العربية: إن الطيور على أمثالها تقع.
فالصالح إذا جالس كافراً أو منافقاً تجد نفسه في غاية ما تكون من الضيق، والكافر بالعكس إذا جالس صالحاً تضيق نفسه وتكاد تخرج من جوانحه، ولذلك يقول النبي ﵊: (الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف).
والله عند نثره لذرية آدم من ظهره في الأزل قال لهم: ألست بربكم؟ فأجاب الكل مطيعين وكارهين: بلى أنت ربنا، فمن قالها مطيعاً غير مكره كان من أصحاب الجنة، ومن المؤمنين عندما يخرج جسده وذاته إلى الدنيا، ومن قالها مكرهاً كان من أهل الكفر والفساد، وعندما يخرج جسده إلى الدنيا سيكون مع الكافرين.
والأرواح الصالحة يحن بعضها إلى بعض في دار الدنيا، والأرواح الخبيثة يحن بعضها إلى بعض في دار الدنيا أيضاً، ومن هنا إذا أردت أن تبحث عن منزلة إنسان وما مقامه إذا استشارك إنسان في مصاهرته أو معاملته أو في أي صلة من صلات الدنيا فعوضاً عن أن تأتي وتسأله: أأنت صالح أو فاسد؟ -وهذا لا يسأله إنسان؛ لأنه لا يقول: أنا فاسد- اسأله: من أصدقاؤك؟ ومن أصهارك؟ ومن الذي تجلس إليه؟ وممن تستفيد؟ وماذا تقرأ من الكتب إن كان قارئاً؟ وما الذي درست؟ فإذا قال لك: إنه درس على اليهودي الفلاني أو النصراني الفلاني، وأنه يحب ماركس ولينين وهذه الأسماء القذرة الوسخة، ويعجبه ما يسميه بالتقدمية من أنواع الفسق والدعارة والضلال فستجده يجري خلف اليهود ويشيد بهم ويعتز بهم ويذكر شأنهم ويعليهم حتى على مقام الصالحين من المؤمنين والمسلمين.
وإذا اجتمعت بآخر وقلت له: من جلّاسك؟ ومن قرناؤك؟ ومن تخالط وتعاشر؟ فإذا قال لك: أحضر درس التفسير والحديث، وألازم الصلوات في المساجد، وإذا خرجت من بلدي أُلازم تلاوة الكتاب الذي كنت أتلوه في بيتي وفي مقامي، ويُعجبني في التاريخ ذاك العالم والصائم والعارف بالله، فإنك تعلم أنه من أهل الخير.
والمربي سواء كان أباً أو معلماً أو وصياً على أيتام أو محجور عليهم إن كان رجلاً صالحاً يبعد هؤلاء عن معاشرة أهل الفساد، ويراقب أولاده وتلاميذه ويدعوهم إلى الله، وينصحهم: لا تعاشروا فلاناً ولا تجالسوا فلاناً، واذهبوا إلى فلان، واقبلوا الحكمة من فلان، والزموا عمل كذا واقرءوا الكتاب الفلاني، ولا تنظروا إلى الجرائد والمجلات إلا لجريدة أو المجلة الفلانية التي فيها صالحون، فيميلهم إلى الصالحين، وهكذا يحثهم على قرناء الخير ويبعدهم عن قرناء الشر؛ لأن هؤلاء القرناء هم الذين سيقودونه إلى الخير أو الشر.
ومن هنا لما كان العرب في الجاهلية قرناء لـ أبي جهل وأبي لهب وعتبة وعتيبة ابنا ربيعة وأمثالهم كان إمامهم الشيطان ومآلهم إلى النيران.
وعندما برز سيد البشر وخاتم الأنبياء ﵊ فمن انضم إليه وكان من جلّاسه ومن أصحابه الذين أخذوا عنه الحكمة والإسلام ودانوا بدينه وتخلقوا بأخلاقه وتبعوا طريقته كان من حزب الرحمن، وأصبح أولئك الأولون حزب الشيطان.
وعندما ذكر النبي ﵊ فرق الكفر من اليهود والنصارى وأدعياء الإسلام قال عن فرقة واحدة: هي من أهل الجنة، فقيل: (يا رسول الله! وما هي؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي).
ومن هنا قال ربنا ﷻ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].
وقال ربنا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥].
وقال ربنا ﷻ : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وما سوى ذلك هراء في هراء وسخط في سخط وباطل في باطل، وسواء ورثته عن أبيك أو حميمك أو أستاذك أو قرينك فكل هؤلاء الذين يدعون إلى الشيطان وإلى الباطل فابتعد عنهم إن أردت لنفسك خيراً وجنة ونجاحاً بعد موتك، وأما من يريد الشر والبلاء فسيتبع الشيطان وحزبه.
قال تعالى: ((وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ)) وقرناء: جمع قرين، يقال في الجمع: قرناء وأقران، قرينك هو الذي يقرن وجوده وشبحه وروحه وعمله وسلوكه معك، فيفعل فعلك وتفعل فعله، فيكون قريناً لك في العقيدة والأخلاق والسلوك والمعاملة؛ فإن كان القرين رجلاً صالحاً فأنت من أهل الصلاح، وإن كان رجلاً سيئاً فأنت من رجال السوء.
ومن هنا كان الحب في الله والبغض في الله من الإيمان، وقال ﵊: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظله وذكر من السبعة: رجلان تحابا في الله اجتمعا عليها وتفرقا عليه).
وقال ﷺ : (إن الجنة درجات ما بين كل درجة ودرجة ما بين كل سماء وسماء، وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وأعلى درجات الجنة الفردوس الأعلى، وهو مساكن الأنبياء والمرسلين) وكان في المجلس رجل من الصحابة مسكيناً لا يكاد يُعرف ولا يُهتم به، فغاب عن المجلس أياماً ثم حضر، فسأله النبي ﷺ وقد رأى عليه آثار الحزن والبؤس عن سبب غيابه، فبكى وقال: يا رسول الله! سمعتك تقول: (إن أعلى منازل الجنة الفردوس، وهي منازل الأنبياء والمرسلين ولو دخلت الجنة فكيف لي أن أكون في الفردوس؟ وجنة أدخلها ولا أراك فيها ولا أجلس إليك فيها لا حاجة لي بها.
فقال له النبي ﵊: أنت مع من أحببت).
وقال ﷺ : (المرء مع من أحب) فقال الصحابة إذ ذاك: بقينا سنوات وزمناً طويلاً ما سمعنا كلمة طربت لها نفوسنا وأرواحنا وكانت علينا بمثابة دخول الجنة كهذه المقولة الكريمة من النبي ﵊.
فقصير العمل يرفعه حبّه إلى منازل الصالحين بحيث يكون معهم، ومن هنا فإن النبي ﵊ علّمنا في الدعوات النبوية أن نقول: (اللهم ارزقني حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك).
والحب في الله درجة عالية في الإسلام، وقد كتب إمامان بل ثلاثة عن الحب، وهم: ابن القيم كتب (روضة المحبين) وكتب قبله ابن حزم (طوق الحمامة) وكتب قبلهما أبو بكر بن أبي داود كتاب (الزهرة)، تحدثوا فيها عن الحب البشري والحب الإلهي، وانتقلوا من الحب البشري إلى الحب الإلهي، فكان الحب الإلهي هو الحب الدائم الذي يدخل الجنان ويغسل الأدران عن الأجساد، وهو الذي إذا أشربته أعضاء الإنسان وجوارحه وحواسه كان للمحبوب سميعاً مطيعاً، فإذا أحببنا الله فلابد أن نكون سميعين مطيعين لأوامره، مجتنبين تاركين لنواهيه، وإذا أحببنا رسول الله ﷺ فلابد أن نكون سميعين مطيعين لأوامره ومجتنبين تاركين لنواهيه.
وقد قال اليهود والنصارى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، فزعموا أنفسهم أحباء لله، فقال الله لنبيه ﷺ أن يقول لهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة:١٨].
وقال النبي ﵊: (الحبيب لا يعذّب حبيبه) فلو كانوا أحباء الله لما عذّبهم، وهم معذّبون خالدون في العذاب؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
وهؤلاء الكفرة اليهود يعبدون العزير ويعبدون العجل ويعبدون مريم وعيسى ويعبدون ويعبدون، ومن كان مشركاً لا أمل له ولا رجاء يوماً من الأيام بالعفو أو بالمغفرة أو بالرحمة، فهم أهل النار خالدون فيها أبد الآباد ودهر الداهرين.
قال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت:٢٥] فأخذوا يضلونهم ويحكمون لهم كفرهم القائم الذي بين أيديهم والذي عايشهم وعاصرهم من فساد دنياهم ومن اتباع الشهوات والنزوات وفعل المنكرات والبعد عن الله وعن أ
стр. 2032
تفسير سورة فصلت [٢٦ - ٣٠]
الكفار لا يكتفون بالإعراض عن القرآن وتعاليمه، بل يصدون عنه غيرهم، وإذا سمعوا الذكر أخذوا في اللغو واللهو حتى يشوشوا عليه، ولذلك يكون جزاؤهم يوم القيامة النار، وحينئذ ترى الأتباع يريدون الانتقام من المتبوعين.
стр. 2033
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن)
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦].
هذه علامة الكافر دائماً، وهي الإعراض عن القرآن وسماعه وعن هدايته وعما جاء في القرآن.
وعندما تولى الكفار تطوير برامج وأنظمة التعليم في العالم الإسلامي من المرحلة الابتدائية حتى الجامعية والتخصصات أبعدوا الإسلام عن الحياة العامة، وأول ما حاربوا القرآن ودين الإسلام، فأبعدوا تعليمه من الجامعات التي يعتبرون خريجيها هم رجال المستقبل وقادة الأمم والشعوب، وأبعدوا من تعلمها عن الحياة العامة وعن قيادة الأمم والشعوب وسموهم رجال الدين وشبهوهم بالرهبان وبالحاخامات، مع أن الإسلام لم يجئ بالدين فقط، وإنما جاء بالدين والدنيا.
فالإسلام عقيدة ونظام ودولة؛ ومن أنكر جزءاً من هذه الثلاثة دخل في عموم قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:٨٥].
فالإسلام عقيدة جاء بلا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ ، وبالإيمان باليوم الآخر وبالقرآن كتاباً من الله وبالسنة المطهّرة الشريفة إلى بقية العقائد، ومن لم يؤمن بجميع هذه العقائد أو تشكك في بعضها فليس بمؤمن.
والإسلام نظام، فقد جاء بنظام اقتصادي، فحرم الربا والرشا والغدر وأكل أموال الناس بالباطل، وقدر الفروض في التركات من الثمن والربع والثلث والنصف، فمن غيّر شيئاً من هذا فقد غيّر نظام الإسلام.
والإسلام نظم الأسرة، فقد فرض البر والطاعة والإكرام للأبوين، وحسن صلة الأرحام للإخوة والأخوات وعموم الأقربين.
والإسلام نظام جعل المسلم أخاك حيث ما كان في أرض الله سواء كان أبيض أو أسود، أو فقيراً أو غنياً، أو رجلاً أو امرأة، وأخوك له من الحقوق ما لأخيك في الرحم، ومن سواه إذا لم يكن مسلماً فليس أخاً لك ولو كان أخاك لأبيك وأمك.
وابن نوح لما لم يؤمن بدينه أغرقه الله فيمن أغرق من الكافرين، وعندما قال نوح كما حكى تعالى عنه: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود:٤٥] قال الله له: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦]، أو ((عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ))، كما في بعض القراءات.
فالإسلام هو الحاجب الفاصل، فمن كان مسلماً فهو أخي في الدنيا والآخرة ولو كان أبعد الأبعدين نسباً، وأنا أحس بهذا وأشعر به، وما تركت قارة ولا جزءاً في الأرض إلا ووجدت ذلك، وكنت وأنا في أقصى آسيا وفي أقصى أفريقيا وفي أقصى الدنيا عندما أجتمع بمسلم أو مسلمين لا أشعر بغربة أبداً، وإذا اجتمعت بكافر أو منافق أو شيوعي أو ماسوني في بلدي ووطني فأشعر أنني غريب.
فالمسلم هو أخوك، ومن سواه فليس أخاً لك، فإن كان كافراً وكان بيننا وبينه عقد فهو ذمي، وإذا لم يكن بيننا وبينه عقد فهو حربي، فلك قتله وأخذ ماله، ولك طرده وإبعاده، ولا حق له في المقام بين المسلمين في الأرض، ولا يجوز لمسلم أن يساكنهم.
يقول نبينا ﵊: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لا تتراءى نارهما) فيجب أن يكون من البعد بينك وبين جوار هذا الكافر ما بين النور والنور، والنور يرى من بُعد، فإذا رأى نورك ورأيت نوره فأنتما متساكنان وجاران قريبان.
قال تعالى: ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ)) وقد كان الكافر إذا رأى ولده أو قريبه أو زوجته يسمع النبي ﵊ أو أحد أصحابه وهو يتلو القرآن قال له: لا تسمع، وضع يديك في أذنيك، فإن لم يتم لهم ذلك قالوا: ((وَالْغَوْا فِيهِ))، أي: خذوا في اللغو وفي الضوضاء وفي الصياح، فكانوا يصفقون ويصيحون ويقولون من القول ما يشغلون به السامعين عن سماع كتاب الله وسماع رسول الله ﷺ ، وهذه صفة كل كافر قديماً وحديثاً.
وأنا أذكر أني عندما كنت طالباً بمصر وأنا شاب دون العشرين كان هناك مقرئ مشهور اسمه الشيخ رفعت، لا يزال صوته يسمع في الأشرطة، وكان له صوت مؤثر، وكان عندما يقرأ سوراً أو آيات فيها ذكر مريم أو عيسى تجد شباب ونساء الأقباط النصارى يسمعون ذلك بتأثر، ويكون لقراءته مفعول في نفوسهم، فيسلمون، فلما علم الآباء والكنيسة والرهبان بذلك أخذوا يمنعونهم من سماع صوته وتلاوته للقرآن الكريم.
وهذا يقع عندما تجلس في مجلس فيه غير مؤمن أو فيه مؤمن في الظاهر وفي الاسم فعندما يقرأ أحد من الناس يضج ويحتج ويصيح، وقد يقوم ويشغل المجلس بغناء باطل وفاسد؛ لكي لا يسمع كلام الله؛ لأن لكلام الله مفعولاً وأثراً في النفس، ويجلب الراحة إليها فتؤمن بالله وتدين بدينه.
وقوله تعالى: ((وَالْغَوْا فِيهِ)) من اللغو، وهو قول الباطل، والاشتغال بالتصفيق وبالكلام الفارغ الذي لا معنى له.
وأما أدب المسلم فهو غير ذلك، فقد علمنا الله أن نكون حال قراءة القرآن كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤].
وتجد قوماً من بعض الأقطار الإسلامية عندما يتلو القارئ يتصايحون وكأنه مغنٍ يغني وليس قرآناً، وهو نوع من أنواع اللغو والباطل والتصفيق والإفساد الذي يفعله المشركون عندما يسمعون القرآن، وذاك من وحي الشيطان وإفساده لهم، فعوضاً عن أن يمتثلوا أمر الله فينصتوا للقرآن ويتفكروا في معانيه لا يفكرون إلا في طربه وفي قافيته الغنائية، وأن هذا نغم رومي وهذا عجم وهذا وهذا، وتجدهم يتصايحون عند الأنغام، وقد تكون تلك الآيات في العذاب وفي النار وفي البلاء وفي المصائب التي سيصاب بها الناس يوم العرض على الله يوم القيامة، وتجد هذه المعاني لا يفكرون فيها ولا تخطر لهم على بال وهم يصيحون، وهذه صفة المنافقين والكذبة على الله، وهي صفات أشبهوا بها إمامهم الشيطان، وقد حرم الله ذلك وأمرنا عند سماع القرآن أن ننصت ونخشع ونتروى ونتمعن فيه، والناس تختلف في المدارك والوعي والفهم.
والكفار دائماً لا منطق لهم ولا دليل، وعندما يذهب الدين يذهب معه العقل، فهم يظنون لسخافة عقولهم أنهم إذا لم يسمعوا القرآن غلبوا محمداً وتغلبوا على القرآن وعلى الإسلام! وهيهات هيهات! فهم إنما تغلبوا على أنفسهم وأبعدوها عن الله وعن رسوله ﷺ وعن الإيمان والإسلام فكانوا عبدة للشيطان وأتباعاً له وعلى دينه، فكانوا هم المغلوبين والمقهورين والأذلاء، ولذلك تجدهم عند تلاوة القرآن يتصايح المتصايحون منهم ويهدر الهادرون ويشتغل المبطلون، وهذه صفة من صفات الكافرين بالله، فيجب على من في المجلس أن يُسكته، فإن لم يسكت فليطرده من المجلس؛ لأنه رسول الشيطان إلى المؤمنين الحاضرين.
стр. 2034
تفسير قوله تعالى: (فلنذيقن الذين كفروا عذاباً شديداً)
قال تعالى: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:٢٧].
بعد أن عرض الله أعمالهم وأبان فسادها وتلفها وخسارتها لكي يعلم المؤمنون والصالح من الطالح فيهتدون بالصالح ويبتعدون عن الطالح أخبر ربنا وأشعر بعذابه وعقابه للكافرين، فقال: ((فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا)).
أي: هؤلاء الكافرون الذين يقولون لا تسمعوا لهذا القرآن وأمروا باللغو فيه وأخذوا في التصفيق والتغني والضوضاء والصياح عند تلاوته سيعذبهم الله عذاباً شديداً، والعذاب الشديد هو الذي لا راحة معه ليلاً أو نهاراً، وهو الذي لا راحة فيه لعضو من أعضاء المعذب ولا لخلية من خلايا بدنه، فهو يعذب بكل أعضائه تفصيلاً وجملة، فإذا نضجت جلودهم بدلهم الله جلوداً غيرها؛ ليذوقوا العذاب وليزدادوا فيه عذاباً وشدة.
قال تعالى: ((وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ)).
أي: وليكافئهم ويعاقبهم ويجازيهم بأسوأ أعمالهم وأقبحها، وبأقبح ما كانوا يكسبون، ولا أقبح من الكفر، وليس بعد الكفر ذنب، فسيعذبون بالكفر ويهانون ويخلدون في النار بسببه، وينالهم من أنواع العذاب ما يبقوا معه خالدين فيه دهر الداهرين وأبد الآبدين.
стр. 2035
تفسير قوله تعالى: (ذلك جزاء أعداء الله النار)
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت:٢٨].
يقول الله عن هؤلاء: ((ذَلِكَ))، أي: هذا العذاب الشديد ((ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ))، وأعداء الله هم الكافرون بكل فرقهم وأجناسهم وألوانهم وأديانهم، فهؤلاء أعداء الله جزاؤهم وعقوبتهم النار ومحنتهم بالنار.
((لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ))، أي: لهم في النار دار المتبوأ، أي: يتخذونها داراً ومقاماً ومثوى ومنزلاً خالدين فيها أبداً.
ثم ذكر تعالى أن هذا سيكون جزاء وعقوبة ومكافئة لهم ((بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ))، أي: بسبب جحودهم وكفرهم بآيات الله وبكتابه وبالإسلام وبمحمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسنته.
فالله وصف هؤلاء بأنهم كافرون وبأنهم أعداء الله، وأن جزاءهم سيكون بأسوأ أعمالهم، وهو الشرك، خالدين في النار أبداً، فهي دارهم ومثواهم ومنزلتهم؛ بسبب كفرهم وجحودهم بالله وبكتابه وبنبيه ﷺ ، وذاك جزاء كل من يصنع مثل ذلك، وما قص الله علينا قصص السابقين إلا ليكونوا لنا عبرة وعظة؛ لكي لا نعمل أعمالهم ولا نتبع سيرهم وسبيلهم، ومن يفعل يجز جزاءهم بالعقاب وبالعذاب وبالخلود في النار.
следующие страницы →