Полный текст (2 442 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
تفسير قوله تعالى: (وقيضنا لهم قرناء)
قال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٥].
يذكر الله تعالى أنه هيأ وأعد لهؤلاء الكافرين قرناء سوء وباطل قارنوهم وصاحبوهم وعاشروهم.
((فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم)) فزينوا لهم ما بين أيديهم من شئون الدنيا وجعلوها زينة بين أعينهم، وجعلوها مآلهم وعزّهم ومكان نجاتهم.
وزينوا لهم ما خلفهم وما سيأتي بعد موتهم، فزينوا لهم الكفر والضلال والبعد عن الإيمان وأنه لا جنة ولا نار، وما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وما يهلكهم إلا الدهر، وزعموا ذلك وأعلنوه وكانوا الأئمة والقادة فيه، مثل ملاحدة العصر الذين يصفون أنفسهم بالتقدمية والتجددية وما هم إلا إخوان الشياطين، فقد عادوا للكفر والإلحاد والشرك السابق، ونبشوا على الأولين التراب وبعثوهم من قبورهم ومن جثثهم البالية النتنة، واستمسكوا بدينهم وبأخلاقهم وبأديانهم، ورضوا بالذل والهوان وعقوبة الدنيا والآخرة.
ومن هنا كان من سعادة الإنسان أن يكون قرينه صالحاً، ومن شقاوته أن يقارن فاسداً، وقديماً قال الحكيم العربي: قل لي من تصاحب أقل لك من أنت.
فإن هو صاحب شريرين وكفاراً ومنافقين كان منهم، ومن أحب قوماً ذُكر معهم، وإن صاحب صالحين ومؤمنين وأتقياء كان منهم، وحب الصالحين يدعك أن تكون معهم، وحب الكافرين يدعك أن تكون معهم.
وقد ورد في الآثار وفي الحكم العربية شعراً ونثراً الحث على مقارنة الأفاضل وأهل التقوى والعلم والصلاح ممن يدلك على الله حاله، ويهديك إليه مقاله، وتكون أقواله لك هداية ودلالة على الخير، وحاله لك أسوة طيبة وقدوة صالحة؛ حتى تقارن أمثاله.
ولكن هؤلاء رأوا الصالح والطالح فمالوا إلى الطالح؛ لأنهم وجدوا مشابهة بين أنفسهم وأنفس أولئك، وقديماً قالت الأمثال العربية: إن الطيور على أمثالها تقع.
فالصالح إذا جالس كافراً أو منافقاً تجد نفسه في غاية ما تكون من الضيق، والكافر بالعكس إذا جالس صالحاً تضيق نفسه وتكاد تخرج من جوانحه، ولذلك يقول النبي ﵊: (الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف).
والله عند نثره لذرية آدم من ظهره في الأزل قال لهم: ألست بربكم؟ فأجاب الكل مطيعين وكارهين: بلى أنت ربنا، فمن قالها مطيعاً غير مكره كان من أصحاب الجنة، ومن المؤمنين عندما يخرج جسده وذاته إلى الدنيا، ومن قالها مكرهاً كان من أهل الكفر والفساد، وعندما يخرج جسده إلى الدنيا سيكون مع الكافرين.
والأرواح الصالحة يحن بعضها إلى بعض في دار الدنيا، والأرواح الخبيثة يحن بعضها إلى بعض في دار الدنيا أيضاً، ومن هنا إذا أردت أن تبحث عن منزلة إنسان وما مقامه إذا استشارك إنسان في مصاهرته أو معاملته أو في أي صلة من صلات الدنيا فعوضاً عن أن تأتي وتسأله: أأنت صالح أو فاسد؟ -وهذا لا يسأله إنسان؛ لأنه لا يقول: أنا فاسد- اسأله: من أصدقاؤك؟ ومن أصهارك؟ ومن الذي تجلس إليه؟ وممن تستفيد؟ وماذا تقرأ من الكتب إن كان قارئاً؟ وما الذي درست؟ فإذا قال لك: إنه درس على اليهودي الفلاني أو النصراني الفلاني، وأنه يحب ماركس ولينين وهذه الأسماء القذرة الوسخة، ويعجبه ما يسميه بالتقدمية من أنواع الفسق والدعارة والضلال فستجده يجري خلف اليهود ويشيد بهم ويعتز بهم ويذكر شأنهم ويعليهم حتى على مقام الصالحين من المؤمنين والمسلمين.
وإذا اجتمعت بآخر وقلت له: من جلّاسك؟ ومن قرناؤك؟ ومن تخالط وتعاشر؟ فإذا قال لك: أحضر درس التفسير والحديث، وألازم الصلوات في المساجد، وإذا خرجت من بلدي أُلازم تلاوة الكتاب الذي كنت أتلوه في بيتي وفي مقامي، ويُعجبني في التاريخ ذاك العالم والصائم والعارف بالله، فإنك تعلم أنه من أهل الخير.
والمربي سواء كان أباً أو معلماً أو وصياً على أيتام أو محجور عليهم إن كان رجلاً صالحاً يبعد هؤلاء عن معاشرة أهل الفساد، ويراقب أولاده وتلاميذه ويدعوهم إلى الله، وينصحهم: لا تعاشروا فلاناً ولا تجالسوا فلاناً، واذهبوا إلى فلان، واقبلوا الحكمة من فلان، والزموا عمل كذا واقرءوا الكتاب الفلاني، ولا تنظروا إلى الجرائد والمجلات إلا لجريدة أو المجلة الفلانية التي فيها صالحون، فيميلهم إلى الصالحين، وهكذا يحثهم على قرناء الخير ويبعدهم عن قرناء الشر؛ لأن هؤلاء القرناء هم الذين سيقودونه إلى الخير أو الشر.
ومن هنا لما كان العرب في الجاهلية قرناء لـ أبي جهل وأبي لهب وعتبة وعتيبة ابنا ربيعة وأمثالهم كان إمامهم الشيطان ومآلهم إلى النيران.
وعندما برز سيد البشر وخاتم الأنبياء ﵊ فمن انضم إليه وكان من جلّاسه ومن أصحابه الذين أخذوا عنه الحكمة والإسلام ودانوا بدينه وتخلقوا بأخلاقه وتبعوا طريقته كان من حزب الرحمن، وأصبح أولئك الأولون حزب الشيطان.
وعندما ذكر النبي ﵊ فرق الكفر من اليهود والنصارى وأدعياء الإسلام قال عن فرقة واحدة: هي من أهل الجنة، فقيل: (يا رسول الله! وما هي؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي).
ومن هنا قال ربنا ﷻ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].
وقال ربنا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥].
وقال ربنا ﷻ : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وما سوى ذلك هراء في هراء وسخط في سخط وباطل في باطل، وسواء ورثته عن أبيك أو حميمك أو أستاذك أو قرينك فكل هؤلاء الذين يدعون إلى الشيطان وإلى الباطل فابتعد عنهم إن أردت لنفسك خيراً وجنة ونجاحاً بعد موتك، وأما من يريد الشر والبلاء فسيتبع الشيطان وحزبه.
قال تعالى: ((وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ)) وقرناء: جمع قرين، يقال في الجمع: قرناء وأقران، قرينك هو الذي يقرن وجوده وشبحه وروحه وعمله وسلوكه معك، فيفعل فعلك وتفعل فعله، فيكون قريناً لك في العقيدة والأخلاق والسلوك والمعاملة؛ فإن كان القرين رجلاً صالحاً فأنت من أهل الصلاح، وإن كان رجلاً سيئاً فأنت من رجال السوء.
ومن هنا كان الحب في الله والبغض في الله من الإيمان، وقال ﵊: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظله وذكر من السبعة: رجلان تحابا في الله اجتمعا عليها وتفرقا عليه).
وقال ﷺ : (إن الجنة درجات ما بين كل درجة ودرجة ما بين كل سماء وسماء، وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وأعلى درجات الجنة الفردوس الأعلى، وهو مساكن الأنبياء والمرسلين) وكان في المجلس رجل من الصحابة مسكيناً لا يكاد يُعرف ولا يُهتم به، فغاب عن المجلس أياماً ثم حضر، فسأله النبي ﷺ وقد رأى عليه آثار الحزن والبؤس عن سبب غيابه، فبكى وقال: يا رسول الله! سمعتك تقول: (إن أعلى منازل الجنة الفردوس، وهي منازل الأنبياء والمرسلين ولو دخلت الجنة فكيف لي أن أكون في الفردوس؟ وجنة أدخلها ولا أراك فيها ولا أجلس إليك فيها لا حاجة لي بها.
فقال له النبي ﵊: أنت مع من أحببت).
وقال ﷺ : (المرء مع من أحب) فقال الصحابة إذ ذاك: بقينا سنوات وزمناً طويلاً ما سمعنا كلمة طربت لها نفوسنا وأرواحنا وكانت علينا بمثابة دخول الجنة كهذه المقولة الكريمة من النبي ﵊.
فقصير العمل يرفعه حبّه إلى منازل الصالحين بحيث يكون معهم، ومن هنا فإن النبي ﵊ علّمنا في الدعوات النبوية أن نقول: (اللهم ارزقني حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك).
والحب في الله درجة عالية في الإسلام، وقد كتب إمامان بل ثلاثة عن الحب، وهم: ابن القيم كتب (روضة المحبين) وكتب قبله ابن حزم (طوق الحمامة) وكتب قبلهما أبو بكر بن أبي داود كتاب (الزهرة)، تحدثوا فيها عن الحب البشري والحب الإلهي، وانتقلوا من الحب البشري إلى الحب الإلهي، فكان الحب الإلهي هو الحب الدائم الذي يدخل الجنان ويغسل الأدران عن الأجساد، وهو الذي إذا أشربته أعضاء الإنسان وجوارحه وحواسه كان للمحبوب سميعاً مطيعاً، فإذا أحببنا الله فلابد أن نكون سميعين مطيعين لأوامره، مجتنبين تاركين لنواهيه، وإذا أحببنا رسول الله ﷺ فلابد أن نكون سميعين مطيعين لأوامره ومجتنبين تاركين لنواهيه.
وقد قال اليهود والنصارى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، فزعموا أنفسهم أحباء لله، فقال الله لنبيه ﷺ أن يقول لهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة:١٨].
وقال النبي ﵊: (الحبيب لا يعذّب حبيبه) فلو كانوا أحباء الله لما عذّبهم، وهم معذّبون خالدون في العذاب؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
وهؤلاء الكفرة اليهود يعبدون العزير ويعبدون العجل ويعبدون مريم وعيسى ويعبدون ويعبدون، ومن كان مشركاً لا أمل له ولا رجاء يوماً من الأيام بالعفو أو بالمغفرة أو بالرحمة، فهم أهل النار خالدون فيها أبد الآباد ودهر الداهرين.
قال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت:٢٥] فأخذوا يضلونهم ويحكمون لهم كفرهم القائم الذي بين أيديهم والذي عايشهم وعاصرهم من فساد دنياهم ومن اتباع الشهوات والنزوات وفعل المنكرات والبعد عن الله وعن أ
стр. 2032
تفسير سورة فصلت [٢٦ - ٣٠]
الكفار لا يكتفون بالإعراض عن القرآن وتعاليمه، بل يصدون عنه غيرهم، وإذا سمعوا الذكر أخذوا في اللغو واللهو حتى يشوشوا عليه، ولذلك يكون جزاؤهم يوم القيامة النار، وحينئذ ترى الأتباع يريدون الانتقام من المتبوعين.
стр. 2033
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن)
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦].
هذه علامة الكافر دائماً، وهي الإعراض عن القرآن وسماعه وعن هدايته وعما جاء في القرآن.
وعندما تولى الكفار تطوير برامج وأنظمة التعليم في العالم الإسلامي من المرحلة الابتدائية حتى الجامعية والتخصصات أبعدوا الإسلام عن الحياة العامة، وأول ما حاربوا القرآن ودين الإسلام، فأبعدوا تعليمه من الجامعات التي يعتبرون خريجيها هم رجال المستقبل وقادة الأمم والشعوب، وأبعدوا من تعلمها عن الحياة العامة وعن قيادة الأمم والشعوب وسموهم رجال الدين وشبهوهم بالرهبان وبالحاخامات، مع أن الإسلام لم يجئ بالدين فقط، وإنما جاء بالدين والدنيا.
فالإسلام عقيدة ونظام ودولة؛ ومن أنكر جزءاً من هذه الثلاثة دخل في عموم قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:٨٥].
فالإسلام عقيدة جاء بلا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ ، وبالإيمان باليوم الآخر وبالقرآن كتاباً من الله وبالسنة المطهّرة الشريفة إلى بقية العقائد، ومن لم يؤمن بجميع هذه العقائد أو تشكك في بعضها فليس بمؤمن.
والإسلام نظام، فقد جاء بنظام اقتصادي، فحرم الربا والرشا والغدر وأكل أموال الناس بالباطل، وقدر الفروض في التركات من الثمن والربع والثلث والنصف، فمن غيّر شيئاً من هذا فقد غيّر نظام الإسلام.
والإسلام نظم الأسرة، فقد فرض البر والطاعة والإكرام للأبوين، وحسن صلة الأرحام للإخوة والأخوات وعموم الأقربين.
والإسلام نظام جعل المسلم أخاك حيث ما كان في أرض الله سواء كان أبيض أو أسود، أو فقيراً أو غنياً، أو رجلاً أو امرأة، وأخوك له من الحقوق ما لأخيك في الرحم، ومن سواه إذا لم يكن مسلماً فليس أخاً لك ولو كان أخاك لأبيك وأمك.
وابن نوح لما لم يؤمن بدينه أغرقه الله فيمن أغرق من الكافرين، وعندما قال نوح كما حكى تعالى عنه: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود:٤٥] قال الله له: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦]، أو ((عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ))، كما في بعض القراءات.
فالإسلام هو الحاجب الفاصل، فمن كان مسلماً فهو أخي في الدنيا والآخرة ولو كان أبعد الأبعدين نسباً، وأنا أحس بهذا وأشعر به، وما تركت قارة ولا جزءاً في الأرض إلا ووجدت ذلك، وكنت وأنا في أقصى آسيا وفي أقصى أفريقيا وفي أقصى الدنيا عندما أجتمع بمسلم أو مسلمين لا أشعر بغربة أبداً، وإذا اجتمعت بكافر أو منافق أو شيوعي أو ماسوني في بلدي ووطني فأشعر أنني غريب.
فالمسلم هو أخوك، ومن سواه فليس أخاً لك، فإن كان كافراً وكان بيننا وبينه عقد فهو ذمي، وإذا لم يكن بيننا وبينه عقد فهو حربي، فلك قتله وأخذ ماله، ولك طرده وإبعاده، ولا حق له في المقام بين المسلمين في الأرض، ولا يجوز لمسلم أن يساكنهم.
يقول نبينا ﵊: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لا تتراءى نارهما) فيجب أن يكون من البعد بينك وبين جوار هذا الكافر ما بين النور والنور، والنور يرى من بُعد، فإذا رأى نورك ورأيت نوره فأنتما متساكنان وجاران قريبان.
قال تعالى: ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ)) وقد كان الكافر إذا رأى ولده أو قريبه أو زوجته يسمع النبي ﵊ أو أحد أصحابه وهو يتلو القرآن قال له: لا تسمع، وضع يديك في أذنيك، فإن لم يتم لهم ذلك قالوا: ((وَالْغَوْا فِيهِ))، أي: خذوا في اللغو وفي الضوضاء وفي الصياح، فكانوا يصفقون ويصيحون ويقولون من القول ما يشغلون به السامعين عن سماع كتاب الله وسماع رسول الله ﷺ ، وهذه صفة كل كافر قديماً وحديثاً.
وأنا أذكر أني عندما كنت طالباً بمصر وأنا شاب دون العشرين كان هناك مقرئ مشهور اسمه الشيخ رفعت، لا يزال صوته يسمع في الأشرطة، وكان له صوت مؤثر، وكان عندما يقرأ سوراً أو آيات فيها ذكر مريم أو عيسى تجد شباب ونساء الأقباط النصارى يسمعون ذلك بتأثر، ويكون لقراءته مفعول في نفوسهم، فيسلمون، فلما علم الآباء والكنيسة والرهبان بذلك أخذوا يمنعونهم من سماع صوته وتلاوته للقرآن الكريم.
وهذا يقع عندما تجلس في مجلس فيه غير مؤمن أو فيه مؤمن في الظاهر وفي الاسم فعندما يقرأ أحد من الناس يضج ويحتج ويصيح، وقد يقوم ويشغل المجلس بغناء باطل وفاسد؛ لكي لا يسمع كلام الله؛ لأن لكلام الله مفعولاً وأثراً في النفس، ويجلب الراحة إليها فتؤمن بالله وتدين بدينه.
وقوله تعالى: ((وَالْغَوْا فِيهِ)) من اللغو، وهو قول الباطل، والاشتغال بالتصفيق وبالكلام الفارغ الذي لا معنى له.
وأما أدب المسلم فهو غير ذلك، فقد علمنا الله أن نكون حال قراءة القرآن كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤].
وتجد قوماً من بعض الأقطار الإسلامية عندما يتلو القارئ يتصايحون وكأنه مغنٍ يغني وليس قرآناً، وهو نوع من أنواع اللغو والباطل والتصفيق والإفساد الذي يفعله المشركون عندما يسمعون القرآن، وذاك من وحي الشيطان وإفساده لهم، فعوضاً عن أن يمتثلوا أمر الله فينصتوا للقرآن ويتفكروا في معانيه لا يفكرون إلا في طربه وفي قافيته الغنائية، وأن هذا نغم رومي وهذا عجم وهذا وهذا، وتجدهم يتصايحون عند الأنغام، وقد تكون تلك الآيات في العذاب وفي النار وفي البلاء وفي المصائب التي سيصاب بها الناس يوم العرض على الله يوم القيامة، وتجد هذه المعاني لا يفكرون فيها ولا تخطر لهم على بال وهم يصيحون، وهذه صفة المنافقين والكذبة على الله، وهي صفات أشبهوا بها إمامهم الشيطان، وقد حرم الله ذلك وأمرنا عند سماع القرآن أن ننصت ونخشع ونتروى ونتمعن فيه، والناس تختلف في المدارك والوعي والفهم.
والكفار دائماً لا منطق لهم ولا دليل، وعندما يذهب الدين يذهب معه العقل، فهم يظنون لسخافة عقولهم أنهم إذا لم يسمعوا القرآن غلبوا محمداً وتغلبوا على القرآن وعلى الإسلام! وهيهات هيهات! فهم إنما تغلبوا على أنفسهم وأبعدوها عن الله وعن رسوله ﷺ وعن الإيمان والإسلام فكانوا عبدة للشيطان وأتباعاً له وعلى دينه، فكانوا هم المغلوبين والمقهورين والأذلاء، ولذلك تجدهم عند تلاوة القرآن يتصايح المتصايحون منهم ويهدر الهادرون ويشتغل المبطلون، وهذه صفة من صفات الكافرين بالله، فيجب على من في المجلس أن يُسكته، فإن لم يسكت فليطرده من المجلس؛ لأنه رسول الشيطان إلى المؤمنين الحاضرين.
стр. 2034
تفسير قوله تعالى: (فلنذيقن الذين كفروا عذاباً شديداً)
قال تعالى: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:٢٧].
بعد أن عرض الله أعمالهم وأبان فسادها وتلفها وخسارتها لكي يعلم المؤمنون والصالح من الطالح فيهتدون بالصالح ويبتعدون عن الطالح أخبر ربنا وأشعر بعذابه وعقابه للكافرين، فقال: ((فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا)).
أي: هؤلاء الكافرون الذين يقولون لا تسمعوا لهذا القرآن وأمروا باللغو فيه وأخذوا في التصفيق والتغني والضوضاء والصياح عند تلاوته سيعذبهم الله عذاباً شديداً، والعذاب الشديد هو الذي لا راحة معه ليلاً أو نهاراً، وهو الذي لا راحة فيه لعضو من أعضاء المعذب ولا لخلية من خلايا بدنه، فهو يعذب بكل أعضائه تفصيلاً وجملة، فإذا نضجت جلودهم بدلهم الله جلوداً غيرها؛ ليذوقوا العذاب وليزدادوا فيه عذاباً وشدة.
قال تعالى: ((وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ)).
أي: وليكافئهم ويعاقبهم ويجازيهم بأسوأ أعمالهم وأقبحها، وبأقبح ما كانوا يكسبون، ولا أقبح من الكفر، وليس بعد الكفر ذنب، فسيعذبون بالكفر ويهانون ويخلدون في النار بسببه، وينالهم من أنواع العذاب ما يبقوا معه خالدين فيه دهر الداهرين وأبد الآبدين.
стр. 2035
تفسير قوله تعالى: (ذلك جزاء أعداء الله النار)
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت:٢٨].
يقول الله عن هؤلاء: ((ذَلِكَ))، أي: هذا العذاب الشديد ((ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ))، وأعداء الله هم الكافرون بكل فرقهم وأجناسهم وألوانهم وأديانهم، فهؤلاء أعداء الله جزاؤهم وعقوبتهم النار ومحنتهم بالنار.
((لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ))، أي: لهم في النار دار المتبوأ، أي: يتخذونها داراً ومقاماً ومثوى ومنزلاً خالدين فيها أبداً.
ثم ذكر تعالى أن هذا سيكون جزاء وعقوبة ومكافئة لهم ((بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ))، أي: بسبب جحودهم وكفرهم بآيات الله وبكتابه وبالإسلام وبمحمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسنته.
فالله وصف هؤلاء بأنهم كافرون وبأنهم أعداء الله، وأن جزاءهم سيكون بأسوأ أعمالهم، وهو الشرك، خالدين في النار أبداً، فهي دارهم ومثواهم ومنزلتهم؛ بسبب كفرهم وجحودهم بالله وبكتابه وبنبيه ﷺ ، وذاك جزاء كل من يصنع مثل ذلك، وما قص الله علينا قصص السابقين إلا ليكونوا لنا عبرة وعظة؛ لكي لا نعمل أعمالهم ولا نتبع سيرهم وسبيلهم، ومن يفعل يجز جزاءهم بالعقاب وبالعذاب وبالخلود في النار.
стр. 2036
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا)
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت:٢٩].
أي: سيقولون هذا يوم القيامة وهم في النار خالدين مخلدين فيها، وهيهات أن ينفعهم ذلك، فهم وهم في النار في عذاب الله يصيحون ويريدون أن يقولوا شيئاً نفع أو لم ينفع، فينادون ربهم إذ ذاك ويعترفون به ويقولون: ((رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا)) أي: أطلعنا وعرفنا بوجوههم وبأشكالهم حتى نراهم رؤية العين.
((مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ)) فهؤلاء الذين أطاعوهم في دار الدنيا واتبعوا وساوسهم وسبلهم واهتدوا بهديهم ودانوا بدينهم وكفروا كفرهم يقولون لله وهم في النار: ((أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا))، أي: أبعدنا عن الهدى وعن الإسلام وعن الإيمان بالله وكتابه وعن الإيمان بمحمد ورسالته صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجعلانا من الضالين التائهين، و ((أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا))، أي: نجعلهما في أسفل السافلين في الدرك الأسفل من النار؛ لنكون نحن أعلاهم.
وهذا كما قال الكافرون الذين سبقوهم: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨]، فقال الملائكة المكلفون عن أمر الله: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ [الأعراف:٣٨]، أي: سيعذب الكل التابع والمتبوع، والإمام والمؤتم، والموظف والقائد من الجن والإنس معاً.
((نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا))، أي: ينزلوهما في أسفل سافلين في الدرك الأسفل، ويدوسون عليهم بالأقدام انتقاماً وعداوة وحقداً، وهيهات أن ينفعهم ذلك.
((لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ))، أي: ليكون جنس الإنس وجنس الجن أسفل سافلين في العذاب، ويكونون معذبين أشد من غيرهم؛ لأنهم الأئمة والقادة وكما أن الجنة درجات فكذلك جهنم دركات، فمنهم من هو في الدرك الأسفل من النار، ومنهم من هو فوقها ومنهم من علا فوق سطح النار فلا تمس النار إلا قدمه، وهذا المساس بالقدم يغلي منه دماغه، نسأل الله اللطف والسلامة والبعد عن النيران والغضب في الدنيا والآخرة.
стр. 2037
بشرى أهل الاستقامة
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] جعلنا الله من أهل هذه الآية.
يقول تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا))، أي: شهدوا لله بالربوبية وبالوحدانية وبالألوهية، وبأنه الواحد الذي لا ثاني له لا في ذات ولا في صفة ولا في فعل، ثم بعد الإيمان بالله قلباً وجناناً نطقت جوارحهم بالعمل، ثم استقاموا، والاستقامة تكون بالجوارح وباللسان وبالعين وبالأذن وبالفم وبالشم وباليد وبالرجل وبالجسم كله، فلا يرى ولا يسمع ولا يمس ما يحرم عليه، ولا ينطق بلسانه إلا بخير لا بما يحرم عليه، ولا يشم رائحة إلا حلالاً، ولا يؤذي بيده ويصنع بها ما يحرم عليه، ولا يذهب إلى الأماكن التي تحرم عليه.
ولقد عرف رسول الله ﵊ الاستقامة واشتهر تعريفها عن الخلفاء الراشدين وعن الصحابة الكرام وعن التابعين لهم بإحسان، فقد قرأ النبي ﵊ هذه الآية: ((إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)) ثم قال: (قالوا: لا إله إلا الله ثم استقاموا عليها إلى الموت)، ومعنى ذلك: أن النبي فسّر الاستقامة بالثبوت والدوام والاستمرار على الإسلام.
وأخبر بأنه سيؤمن أقوام ثم سيكفرون بربهم، وقد وقع هذا عند موت النبي ﵊، فقد كفر أكثر أهل جزيرة العرب وارتدوا، فهؤلاء لم يستقيموا، ولو أنهم في أيامهم الأولى قاتل منهم من قاتل وجاهد من جاهد وتصدق من تصدق وحج من حج.
وقد قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] والمشرك يحبط عمله كله ويفسخ عقد زواجه، ويبطل حجه وصلواته وتلغى جميع أعماله الصالحة ولا يبقى أمامه إلا الكفر.
وعرّف أبو بكر الاستقامة فقال: الاستقامة: أن تقول لا إله إلا الله وأن تلتزم بآدابها.
أي: أن تعمل بمقتضاها.
وعرّفها عمر فقال: الاستقامة: أن تأمر بالمعروف وتفعله وأن تنهى عن المنكر وتنتهي عنه، وأن لا تتلاعب ولا تنزو نزو الثعالب.
أي: أن لا تزيد ولا تنقص في دينك بأن تُصبح مسلماً وتُمسي كافراً، مثل: أن تصلي وتجالس النساء التي حرّم الله عليك، أو تصلي وتعامل البنوك الربوية، أو تحج وتخرج النساء عرايا.
فلا تتلاعب تلاعب الثعالب، فإن الثعلب تجده أمامك، فإذا به خلفك وإذا به عن يمينك وعن شمالك، ودين كهذا دين ناقص.
وعرفها عثمان فقال: الاستقامة الطاعة.
وعرّفها علي فقال: الاستقامة هي عمل الفرائض والإتيان بها.
стр. 2038
تفسير سورة فصلت [٣٠ - ٣٢]
أهل الاستقامة الذين استقاموا على منهاج ربهم ففعلوا من الأوامر الشرعية ما قدروا عليه، وتركوا جميع ما نهى الله عنه، تتنزل عليهم الملائكة عند الموت فتبشرهم بالجنة وما سيتبعها من النعيم الذي هو فضل الله على عباده المؤمنين.
стр. 2039
تفسير قوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا)
стр. 2040
معنى قوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله)
قال الله ربنا ﷻ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢].
بعد أن عرض ربنا ﷻ أقاويل الكافرين وجحود الجاحدين ذكر من هم أعلى من ذلك مقاماً، وهم من قد ﵃ والمؤمنون، فذكر هناك أهل النار وهنا أهل الجنة ووصفهم ونعتهم وعرّف بهم ودعا لمثل أعمالهم؛ ليكون من أراد الجنة ورضا الله على علم بالطرق الموصلة إلى ذلك، فقال ربنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠].
فقوله: ((إِنَّ الَّذِينَ)) أي: إن الخلق والقوم والجن والإنس ((الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ))، أي: اعترفوا بالله رباً وإلهاً وخالقاً وواحداً وقادراً على كل شيء، ثم بعد أن آمن لسانهم عملت جوارحهم فاستقاموا على الطريقة المثلى اللائقة بالموحدين والجديرة بمن يقول: ربنا الله، لا كأولئك الذين أشركوا بالله وعملوا على معصيته ومخالفته ومخالفة كتبه ورسله الذي أرسلهم.
والاستقامة هي العمل بالأركان وبالجوارح والقيام بالوظائف الإسلامية من صلاة وصيام وزكاة وحج، وهي التخلق بالأخلاق الكريمة والابتعاد عن الأعمال الذميمة، وهي فعل الخيرات وترك المنكرات وملازمة ذلك في الحياة إلى لقاء الله، فمن كان كذلك تتنزل عليه ملائكة الرحمن مبشرة له وبالفضائل وحسن العاقبة، كما قال تعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا﴾ [فصلت:٣٠].
أي: تنزل عليهم بأن لا يخافوا العاقبة ولا النار ولا الغضب، فهم على طريق مستقيم، ولا يحزنوا على ما يتركون في الدنيا الفانية من ولد وديون وتبعات، فالله ﷻ يبعث إليهم ملائكته؛ لكي لا يخافوا وليطمئنوهم بأن لا يخافوا العاقبة، فهم آمنون بوعد الله وآمنون من عذابه، وأن لا يحزنوا، أي: فلتقر أعينهم بما وعدهم الله به وبما بشّرهم من القيام بأولادهم وإغنائهم والقيام على خدمتهم وإلهامهم عمل الصالحات.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠]، أي: أبشروا بكل خير وبالجنة التي وعدكم الله بها في الدار الدنيا في كتبه وعلى لسان رسله، فلهم الجنة منزل ومثوى ومقام خالدين فيها أبداً، لكم فيها ما تشتهي أنفسكم من أطايب ولذات وكرامات وكل ما لا يخطر في البال وفي النفس.
وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيْهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت:٣١] أي: ما تدعونه وتطلبونه يكون حاضراً لديكم.
﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٢]، أي: فهذه ضيافة من الله ونزل من فضله، وهو تكريم من كرامته ومن رحمته بعباده المؤمنين.
قوله تعالى: ((نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ)) فهو غفور قد غفر لكم ذنوبكم، رحيم بكم، فقد أكرمكم بالجنة وبالرحمة وبالرضا.
стр. 2041
تعريف الاستقامة
وفي صحيح مسلم وسنن النسائي عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: (قلت: يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحد بعدك قال: قل: ربي الله ثم استقم، وتلا هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [فصلت:٣٠] ثم قال: آمنوا بالله ثم لزموا ذلك وثبتوا عليه وماتوا عليه، وقال: قال ذلك قوم ثم كفروا).
وصدق ما قاله ﵊، فعند الوفاة النبوية ارتد الكثير من المسلمين، وعادوا إلى الكفر والجحود، وظهر بينهم متنبئون كذبة رجال ونساء، فهم من الذين قالوا يوماً: ربي الله ولكنهم لم يستقيموا ويستقروا على ذلك إلى الموت، فكان عملهم ذلك هباءاً منثوراً لا أجر عليه ولا ثواب؛ لأن الخاتمة كانت سيئة وقد بين النبي ﵊ بأنه لا تتم الاستقامة إلا بأن يقول المؤمن: ربي الله ويبقى على ذلك إلى لقاء الله.
وقال أبو بكر ﵁: الاستقامة أن لا تشرك بالله أبداً.
وقال عمر ﵁: الاستقامة أن تأمر بالمعروف وتفعله، وأن تنهى عن المنكر وتتركه، وأن لا تروغ روغان الثعلب.
أي: أن لا تتلاعب بدينك، فيوماً يماني ويوماً تميمي، بل ابق مؤمناً مسلماً قائماً بالطاعات مدة حياتك بلا تلاعب إلى لقاء ربك.
وقال عثمان ﵁: الاستقامة أن تؤمن بالله في سرك وعلنك وتبقى كذلك.
وقال علي ﵁: الاستقامة القيام بالفرائض، فمن قام بما فرض الله عليه من أقوال وأفعال فهو على خير، ويدخل في عموم هذه الآية الكريمة.
وقال ابن عباس ﵄: الاستقامة أن تقول لا إله إلا الله بحقها.
وقد ركبنا يوماً في باخرة فيها جماعة من المريدين ومن العبّاد والزهّاد، فكانوا يذكرون الله صباحاً ومساء ويؤذنون ويقيمون ويصلون جماعة، وظلوا على الباخرة البحرية أياماً يسافرون من خفر إلى خفر، وكان ظاهر قبطان الباخرة أنه ليس بمسلم، بل كان وثنياً أو نصرانياً، ثم في وقت اجتماعهم استأذن أن يجلس معهم فأذنوا له، فسأل شيخهم وكبيرهم الذي يظهر أنه مقدّمهم في الكلام والوعظ والإرشاد عن الاستقامة وقال له: ما الاستقامة عندكم معاشر المسلمين؟ فقال له: استقام فعل ماض، ويستقيم فعل مضارع، واستقم فعل أمر، والاستقامة مصدر، والسين والتاء للطلب، وأصل الكلمة أقام يقيم، أي: استقر.
فمد يده إلى جيبه وأخرج ذهباً وقال له: هذا ثمن تعريفك للفظ الاستقامة، ولو علمت معناها وعرّفتها وقُمت بها لزدناك.
ثم تبين أن ذلك الرجل كان مؤمناً يكتم إيمانه ويعلم الاستقامة، وقد أراد منه العمل لا القول، وأرد أن يعلم هل هذا القول معه عمل أو لا؟ فامتحنه بالسؤال عن معنى الاستقامة لا عن لفظها، وهو أخذ يجيبه باللفظ نحواً ولغة وترك معناها الذي فسرها به رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدون.
стр. 2042
الأقوال في وقت تنزل الملائكة على المؤمنين
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [فصلت:٣٠].
قال علماؤنا ومفسرونا: تأتيهم الملائكة عند الاحتضار وقت خروجهم من الدنيا إلى الآخرة؛ لتبشرهم وهم لا يزالون قدماً في الدنيا وقدماً في الآخرة؛ لأنهم يخافون على الأولاد كما يخافون على مستقبلهم بعد الموت، فيأتوهم مبشرين من الله بعدم الخوف من الآخرة من عذاب ولعنة وغضب، وعدم الحزن على ما يخلفونه من أولاد وذرية محتاجين للمال، فهم يخافون أن يمدوا أيديهم للناس، فيطمئنونهم عليهم وعلى أموالهم وعملهم.
وقال قوم: يكون ذلك في القبر عندما يأتيه الملكان يسألانه ويستفسرانه من قبل الله جل وعز، من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ فبعد جوابه وكونه من الذين قالوا: ربنا الله ثم استقاموا يطمئنونه ويبشرونه من الله بالجنان وبعدم الخوف يوم القيامة عند العرض على الله، وأن لا يحزن على أولاده.
وقال قوم: يكون ذلك من الملائكة عند القيام من القبر، وعند البعث والنشور والناس تقبل على الله وهم على غاية الهلع والفزع أهم من أهل اليمين أهم من أهل اليسار؟ وهل سيرضى الله عنهم أو يغضب؟ فيأتونهم أحوج ما يكونوا لهذه البشريات، فيبشرونهم بعدم الخوف من غضب الله وبعدم الحزن من الحساب والعرض على الله، وأنهم من أهل الجنة، وهم سكانها وأهلوها.
وقال الله: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [فصلت:٣٠] وأطلق ذلك ليعم، فهم تتنزل عليهم الملائكة عند الاحتضار وعند النزول إلى القبر وعند البعث والنشور والقيام من القبر، وتلك المواقف الثلاثة يحتاج المؤمن فيها إلى اطمئنان وبشريات وعدم تخويف وحزن بالبشرى، فتتنزل عليهم الملائكة لذلك.
وعلى هذا الاعتبار فكل ما قاله المفسرون من التنزل عند الاحتضار وعند الموت أو في القبر أو عند القيام كله صحيح.
فالملائكة تتنزل على هؤلاء المؤمنين في هذه المراحل والمنازل الثلاثة، فيكون الاطمئنان في الآخرة وفي الدنيا على الأولاد والأسباط والذراري من الأولاد.
стр. 2043
الملائكة التي تتنزل على المؤمنين
وأما الملائكة فهم الملائكة الرفقاء الأقران الذين يكونون على اليمين وعلى الشمال، فهم المكلفون بهذا العبد المؤمن الذين علموا حياته وصلاحه وقيامه بالفرائض، وعلموا أنه ممن يدخل ضمن هذه الآية، وأنه ممن دعا إلى الله، وممن آمن بالله رباً، وكان من المستقيمين في حياته وطاعته في دينه وإسلامه.
قال تعالى: ((تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا))، أي: بأن لا تخافوا، فهي تتنزل عليهم بهذا القول وحذفت الباء للدلالة عليها، وذلك من تمام فصاحة القرآن وبلاغته وإعجازه.
وقوله تعالى: ((أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا)) أي: لا تخافوا ما بين أيديكم من العذاب يوم القيامة، فأنتم آمنون بأمان الله، ولا تحزنوا على من تتركونهم من ذرية خلفكم، فإن كانوا فقراء فسيغنيهم الله من فضله، وإن كانوا أغنياء يشرفون على مالهم فلن يبذروه ويضيعوه ويصرفوه فيما لا يحل من حرام ومن مخالفات.
стр. 2044
معنى قوله تعالى: (أبشروا بالجنة التي كنتم توعدون)
قوله: ((وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)).
أي: أبشروا يا هؤلاء الذين قالوا: ربنا الله ثم استقاموا على الطريقة المثلى دواماً واستمراراً إلى لقاء الله وقاموا بالفرائض، فكل تلك المعاني التي ذكرها الخلفاء الراشدون وغيرهم من التابعين والصحابة هي جميعها بيان وتفسير لكلام رسول الله ﵊ في الاستقامة، فهي: أن تقول: لا إله إلا الله وتطيع ربك، وأن تقول: ربي الله وتستمر على ذلك إلى لقاء الله ولا تنقطع عن هذا ولا ترتد كما ارتد مرتدون وكفر كافرون وسلب مسلوبون.
ثم قال تعالى: ((وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ))، أي: أبشروا يا هؤلاء! بالجنة التي وعدكم الله بها في كتابه وعلى لسانه رسله، وأبشروا بأنها منزلكم ومقامكم ومثواكم أبد الآبدين ودهر الداهرين.
стр. 2045
تفسير قوله تعالى: (نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا)
قال تعالى: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت:٣١]، أي: كما كنا أولياءكم وأنصاركم وأصدقائكم وأحبابكم في دار الدنيا حيث كُلِّفنا بكتابة أعمالكم في ليلكم ونهاركم، وفي حضركم وسفركم وإلى لقاء ربكم، فلن نترككم كذلك يوم القيامة، بل نبقى معكم إلى أن تتجاوزوا الصراط والحساب والعرض على الله وتدخلوا الجنة وأنتم مطمئنون آمنون فرحون بما آتاكم الله من فضله ومن خيره ومغفرته ورضوانه فتقول لهم الملائكة: ((نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا)) زيادة في البشريات.
قوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾.
أي: في الجنة كرماً من الله وعطاء غير مجذوذ، بل أبداً سرمداً إلى ما لا نهاية له ((وَلَكُمْ فِيهَا)) أي: لكم في الجنة ما تشتهيه أنفسكم ويخطر ببالكم وتحن إليه أنفسكم من كرامة الله ومن اللذات والطيبات، ومن كل ما يخطر لكم ببال مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وتطلبونه وتدعونه يحضر لكم، فما طلبتم ورغبتم فيه وجدتموه.
وتجدون الغلمان الذين كأنهم اللؤلؤ المكنون ينتظرون أوامركم ونواهيكم، وستجدون الحور العين والقصور الشاهقات والمياه التي تتخلل بين أيديكم ومنازلكم، وما تشتهونه من طير ومن لحم ومن فاكهة، ومن ماء غير أسن ومن خمر لذة للشاربين، ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات:٤٧]، أي: ليس فيها ما يضيع العقل ويغيبه ويؤذي الجسد ويمرضه، فليس فيها أذى ولا مرض.
والغول كلمة عربية، ويقصد بها السكر والعربدة التي توجد في خمر الدنيا.
قوله: ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٢].
أي: حال كون ذلك نزلاً، أي: ضيافة ومنزلاً وعطاء وكرامة من الغفور الذي غفر ذنوبكم، والرحيم الذي رحمكم وأكرمكم بالجنة وبالرضا وبالرحمة، وهذه المنازل الطيبات والجنات الدافقات والبشريات من أنه لا حزن ولا خوف عليكم لا في آخرتكم ولا فيما خلفتموه من أولاد كلها بشريات أمر الله ملائكته قرناء ذلك المسلم أن يبشره بها، وكل ذلك كرامة وضيافة ومنزلة من الغفور الرحيم الكريم الحنان المنان التواب.
стр. 2046
تفسير سورة فصلت [٣٣ - ٣٦]
يرشد الله عباده المؤمنين إلى أحاسن الأعمال والأقوال، فبين أن الدعوة إلى الله وعمل الصالحات أحسن ما يكون عليه المسلم، ومن ذلك القول الحسن والفعل الحسن، ومقابلة السيئة بالحسنة، فذلك من الخلق الحسن، وما يلقاها إلا الذين صبروا ومن كان ذا حظ عظيم.
стр. 2047
تفسير قوله تعالى: (ومن أحسن قولاً)
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣].
يقول ربنا: إن رتبة الاستقامة رتبة عالية لا يصلها كافر ولا منافق ولا عاص، وهناك رتبة أعلى من ذلك وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣].
فالأول -وهو مبشّر بالفضائل والخيرات والكرامات- نفعه مقصور على نفسه، فهو قال: لا إله إلا الله لنفسه واستقام في نفسه، وأما هذا وهو الذي قال الله عنه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] أي: لا أحد أحسن منه، بل هو أحسن الخلائق وأكرمها وأرفعها، وهو أرفع منزلة ومقاماً ورتبة؛ لأنه فعل الخير في نفسه وأمر به الغير، وآمن بالله في نفسه ودعا الناس إلى لله، فقال: ربي الله أولاً، واستقام ثانياً، ودعا إلى الله ثالثاً، فدعا الخلق أن يقولوا: لا إله إلا الله، وأن يطيعوا ربهم ورسولهم ﷺ ويكونوا من المؤمنين ويتبرءوا من الكافرين؛ دعاهم إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة وترك الأخلاق السافلة.
قال تعالى: ((وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا)) فهو قد دعا الخلق إلى المعروف وفعله، ونهى عن المنكر وانتهى عنه، لا كذاك الله قال الله عنه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة:٤٤]، وإنما عمل صالحاً ودعا الخلق إلى الله بلسانه وإلى تفسير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإلى أن يكونوا على حاله قبل مقاله، بأن يكونوا مصلين كما هو مصل، وصائمين كما هو صائم، وأن يزكّوا أموالهم كما يزكيها، وإلى حج بيت الله الحرام كما يحج، وأن يتركوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن كما تركها.
((وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ))، أي: وصف نفسه باسم الإسلام الذي سمانا الله به، وأعداؤنا يقولون عنا: المحمديون.
ونعم فنحن محمديون أتباع محمد ﷺ ونفخر بذلك، ولكن اسمنا المسلمون، بهذا سمانا الله، ولا نسمي أنفسنا المحمديين، وإن وصفنا بذلك قلنا: نعم، وهذا شرف لنا، ولكننا مع ذلك المؤمنون، والإسلام ديننا، عليه نحيا وعليه نموت بفضل الله وكرمه.
وأما (محمديون) فلم يكن هذا الوصف لا في عهد رسول الله ﷺ ولا الصحابة ولا العصور الفاضلة ولا ما مضى، ولكن أعداء الإسلام والمسلمين أرادوا أن يجعلوها زعامة بشرية فينسبونا إلى شخص لا إلى دين، ونحن مع ذلك لا نتبرأ من هذه النسبة، بل نتشرف بها، ونزيد فنقول: نحن مسلمون وندين بالإسلام الذي أنزله الله على نبينا محمد ﷺ وأمرنا به.
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣]،
الجواب
لا أحد، فهو استفهام تقريري، أي: هو قرار وأمر من الله بأن أحسن الرتب وأعلى منازل المؤمنين الذين آمنوا بربهم واستقاموا على طاعته، ثم بعد ذلك دعوا الناس إلى الله وعملوا الصالحات التي أمروا بها واجتنبوا المنكرات التي نهوا عنها، وأعلنوا غير وجلين ولا خائفين ولا مترددين في أوساط الكفرة أعداء الإسلام والمسلمين بأنهم مسلمون وشرفهم الإسلام وهو أكرم ما أكرمهم الله به.
وقد سئل الحسن البصري عن تفسير هذه الآية: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] فقال: ذاك حبيب الله وصفوته وخيرته، وهو رسوله الذي دعا إليه وآمن به وعمل الصالحات التي أمر بها عباد الله وترك المنكرات التي نهى عنها خلق الله، فذاك الذي أُمرنا بأن يكون قدوتنا وأسوتنا، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].
فجعل الحسن أشرف من تمسك بهذه الآية وقام بها وعمل بآدابها وبحقائقها هو صاحب الشريعة المنزل عليه هذا الكتاب الكريم المكلف ببيانه، وهو خاتم الأنبياء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ويأتي بعده من تأسى به واقتدى به وفعل ذلك، ومن هنا كان العلماء ورثة الأنبياء كما أخبر المصطفى ﷺ ؛ لأن وظيفتهم وعملهم وما كلّفوا به مدة حياتهم إلى لقاء الله أن يدعوا إلى الله ويبينوا كتابه ويشرحوا سنة رسوله ﷺ بقولهم وبفعلهم وبسلوكهم وبحالهم قبل مقالهم.
وقد أثنى الله على المسلمين بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] فالإسلام دين اجتماعي بالطبع، فلم يكتف الله من المؤمن أن يؤمن وينزوي ويغلق عليه داره إلا إذا خاف الفتنة وعجز عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعلة ولسبب ما، فعند ذاك يقول النبي ﵊: (خير رجل عند الفتن من اتبع بغنمه شعف الجبال) أي: يشرب من لبنها ويعيش من صوفها ويكف عن الناس شره ويستريحون منه، فتلك العزلة لا تكون إلا عند فساد الوقت والأمر، واختلاط الكفر بالإيمان، وعند دعوة كل ضال مضل لبدعته وكفره وفساده وضلاله.
والمؤمن والعالم والوارث المحمدي على كل اعتبار وفي كل زمن من الأعصار يفعل الخير معلناً له ويترك الشر معلناً له، ويدعو عباد الله إلى عبادة الله، ويبين لهم كتاب الله وما جاء فيه من أوامر ونواهٍ وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما جاء فيها من أوامر ونواه؛ قال تعالى: ((وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا))، أي: قولاً وفعلاً وعبادة وأحكاماً ونشراً للمعروف وتركاً للمنكر، وأعلن معتزاً ومترفعاً بأنني من المسلمين ومن أتباع سيد الخلق وخاتم الأنبياء محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه.
وكما قال ﵊: (أكرم ما أُكرم به الرجل أن يكون مسلماً).
وقال: (كفى بالإسلام نعمة، كفى بالإسلام فضلاً وكرامة)، فهو يأمرنا أن نقول: الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة، فلا نعمة أعظم وأكمل وأشرف منها.
وهي نعمة نقّى الله بها عقولنا وطهُر بها صدورنا من عبادة الأوثان والأحجار والكفرة والفسقة والمنافقين والمضلين ومن اتباعهم، فنقّى عقولنا وملأها بتوحيده وبذكره وبعبادته، وجعلنا أتباع خاتم الأنبياء وسيد الخليقة منذ خلق الله آدم وإلى آخر إنسان في الوجود، ويشرف العبد بشرف من يواليه ويتبعه، ونحن شرفنا أننا عبيد الله وشرفنا الثاني أننا من أتباع النبي الحبيب الكريم خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأكّد هذا المعنى ﵊ كما في الأحاديث المتواترة المستفيضة بقوله: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل).
وأمرنا ﵊ أن ننكر المنكر ونأمر بالمعروف باليد؛ حتى نأطر الناس على الحق أطراً، أي: نجبرهم عليه جبراً.
والجبر يكون باللسان أولاً، فإن امتنعوا فالبيد، فإن امتنعوا فبالسيف والعقوبة الرادعة.
والتغيير العام باليد هو للمسئولين وللدولة ولمن لهم زعامة ورئاسة وكلمة في الأمر المعروف والنهي عن المنكر فهؤلاء يغيرون ذلك باليد، وكذلك الأب في بيته والمعلم في مدرسته والمدرس في حلقته، وما عدا ذلك إن استطاع أن ينكر المنكر ويأمر بالمعروف باليد فليفعل، فإن لم يستطع فلا أقل من اللسان ويقول: ما على الرسول إلا البلاغ، فإن لم يستطع فبالقلب، كأن يخاف إذا تكلم أن يسجن أو يضرب، متهمين له بالتدخل في السياسة.
واليوم يعتبرون الإسلام والدعوة إليه سياسة؛ لأنهم محاربون للإسلام وللقرآن ولمحمد ﵊، فإذا قال: أيها الناس! أطيعوا الله ربكم ومحمداً نبيكم والقرآن كتاب ربكم؛ قالوا له: أنت تحارب الدولة في قوانينها الجائرة اليهودية وفي أحكامها الداعرة الفاسقة، ثم يقولون له: أنت رجل مشوه تتلاعب بمقدرات الدولة وسياساتها، ومن هنا أخذوا يقولون: لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين، فاخترعوا ديناً وأصبح حالهم بيد الشيطان، قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠].
وعلى أساس ذلك أرادوا أن يبنوا في مكان واحد كنيسة نصرانية ومعبداً يهودياً ومسجداً مسلماً؛ ليخلطوا شعبان برمضان والأرز بالقمح والشعير، ويقولون: اليهودية والنصرانية والإسلام كلها شيء واحد، فمن آمن بواحد كان كمن آمن بالثلاثة، أي: فالمسلم كمن عبد الله الخالق وعبد المخلوق من العزير والعجل ومن مريم وعيسى ومن الأوثان والأخشاب والأصنام! وهكذا إذا سلب الله تعالى إنساناً دينه فإنه يتبع ذلك بطريقة آلية ويصبح إلى الحيوان أقرب منه للإنسان.
فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣]، أي: لا أحد أحسن من هذا ولا أكرم منه، فهذه أعلى الرتب للمؤمن الفاضل الداعية الذي يريد عبادة ربه في نفسه، وأن يدعو إليه أولاده وطلّابه والناس أجمعين حيث اجتمع بهم في مشرق أو مغرب، في سهل أو جبل، في حضر أو سفر.
стр. 2048
تفسير قوله تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة)
قال تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٤ - ٣٥].
يقول ربنا وهو يوازن ويقارن بين الخير والشر، وبين الرحمن والشيطان، وبين الكفران والإيمان: ((وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ)).
أي: لا يكونان سواء في رتبة واحدة ومنزلة واحدة، فالحسنة في معناها الأعم هي الإسلام، والسيئة في معناها الأعم الكفر بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً وبالقرآن كتاباً.
قال تعالى: ((وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) وكان هذا في مكة، والآية مكية، وأما في المدينة فلم يدفعوا بالحسنة ولا بالمعروف، فإنهم لما حوربوا ظلماً وعدواناً في عقيدتهم وفي أوطانهم وفي أخلاقهم دفعوا ذلك بالسيف والقوة، وكل قوة بحسب عصرها، وكما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠].
ولما كان السيف والرمح والمنجنيق والجواد هي القوة استعملها السلف الصالح؛ لأنها هي قوة الزمان، وأما إذا أصبحت القوة هي الصاروخ والطائرة والدبابة وأنواع التدمير والتخريب إلى القنبلة الذرية وغيرها فسيأمرنا الله أن نفعل ذلك، وأن نتقوى بذلك ونتسلح به، ويدخل ذلك في عموم قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]، وهذه الأشياء لا تريد أكثر من دراسة سنوات من الشباب وما يشترى به ذلك ويُصنع به، ومع هذا ما لا يزال المسلمون مقصّرين فيه، ويذهبون متسولين إلى دول شرقية وغربية؛ لعلها تتكرم عليهم وتجود لهم بشيء من الأسلحة، ولا تكاد تجود إلا بما أتى عليه الزمان وأصبح لا يصلح لشيء ولا يتم إلا بهم؛ ليبقوا المسيطرين، وتبقى أسرارنا وسلاحنا وجيوشنا وقوتنا بأيديهم، وهذا البلاء هو الذي فتت وحدتنا وأضاع قوتنا وشتت دولتنا وغلّب علينا اليهود إخوان القردة والخنازير وعبدة الطاغوت.
((وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) ويبقى معناها كذلك: ادفع بالتي هي أحسن من معنى آخر، ويصلح هذا ادفع بالتي هي أحسن أي: من سابك فلا تسبه، ومن هجرك من المؤمنين فلا تهجره، ومن قاطعك فلا تقاطعه، ومن جهل عليك فلا تجهل عليه، كما قال تعالى في سورة أخرى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩].
هذا المعنى الثاني للآية، وهو الذي قاله جمهور المفسرين للآية: ((ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ))، أي: ادفع بالخصلة التي هي أحسن من عملهم ومن خصلتهم وأكرم من فعالهم ومن إيذائهم وظلمهم.
قوله: ((ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ))، أي: إذا دافعت قريباً أو صديقاً، والكلام هنا بين المسلمين لا بين المؤمن والكافر، بل الكافر لا بد من حربه وردعه، ولا بد من قتاله وإذلاله؛ لأن في قتاله نصراً للإسلام وفي إذلاله عزاً للإسلام، ومن خالف ذلك وخرج عنه كان كمن اشترى الذل والهوان ورضيه لنفسه، والنبي ﵊ يقول: (المؤمن لا يذل نفسه).
ويقول الله ﷻ : ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨].
ويقول: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩].
فنحن الذين نزعم الإيمان والإسلام الأعلون، فلا يليق باثني عشر ألفاً من المسلمين أن يقبلوا الدنية، فكيف إذا كنا اثني عشر مليوناً؟ وكيف إذا كنا ملياراً من الخلق -ألف مليون من البشر- في شمال الدنيا وجنوبها وفي مشارقها ومغاربها؟ ولكن حقت علينا كلمة العذاب عندما تركنا كتاب الله وراءنا ظهرياً وتركنا قائدنا ﷺ وعصيناه وخالفناه، فأصبحنا كما قال عنا في حياته: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قيل: يا رسول الله! أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: لا، بل أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يُنزع الرُعب من قلوب عدوكم ويلقى الوهن في قلوبكم؛ لحبكم الدنيا وكراهيتكم للموت).
وقديماً قال أبو بكر ﵁ في أول معركة إسلامية بين الكفر والإيمان بعد موت رسول الله ﷺ عندما أرسل خالد بن الوليد قائداً عاماً لقتال المرتدين ومانعي الزكاة: يا خالد! اطلب الموت توهب لك الحياة، ولو طلبت الحياة لأعطيت الموت، والأنفاس والأرزاق معدودة محصية لا تزيد ولا تنقص، فلا الحرص يزيدها طولاً ولا الأمل والطمع ينقصها، فالأعمار قد جفت بها الأقلام ورُفعت بها الصحف، وكان ما كان في اللوح المحفوظ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يبدل القول فيه لدى ربنا .
إذاً: فقوله تعالى: ((ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ)) هذا مع الإخوة المسلمين، ادفع بالكلمة الأحسن وبالكلمة الطيبة، ((فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ)).
وسواء كان من أقاربك أو من إخوانك المسلمين، فإذا شتمك فاصبر له، وإذا قاطعك فلا تقطعه، وخاصة إذا كان هذا القريب والحميم زوجة أو زوجاً أو أخاً أو أختاً أو عماً أو عمة أو ذا صلة بك مثل صلة الدم والقرابة، فعامل سوءهم بإحسانك، وقطيعتهم بإكرامك وشدتهم بلينك وتحملهم.
قال تعالى: ((فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ))، أي: فإذا من كان عدواً لك حريصاً على إيذائك والقضاء عليك وإذلالك ينقلب ولياً حميماً وصديقاً قريباً ذا صداقة وأخوة حارتين ويعود حريصاً على قربك وعلى الإحسان لك ويندم على ما صدر منه وبدر.
قال ابن عباس: وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩].
وفي الآية التي عقب هذه الآية يأمرنا الله أن نلتزم مع المسلمين والسماحة والمغفرة والتغاضي عن الذنوب وعن الإساءة؛ سواء كانت بالقول أو بالفعل أو بأخذ المال وعلى أي طريقة كانت، كما قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف:١٩٩]، أي: ما تعارف عليه الناس من أخلاق وصلاة ومعاملة، ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] والجاهلون هم الذين جهلوا مقامك وجهلوا الأخلاق الفاضلة والسنة النبوية، وجهلوا ما يجب عليهم أن يفعلوه مع إخوانهم المسلمين، فأعرض عنهم، فإذا أنت صنعت ذلك إذا بالعدو يصبح أخاً حميماً كريماً وصديقاً محباً.
стр. 2049
تفسير قوله تعالى: (وما يلقاها إلا الذين صبروا)
قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥].
يقول تعالى: وما يلقى هذه الرتبة وهذه الخصلة ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥].
أي: وما يلقاها إلا الصابر والكاظم والمؤمن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والواصل للأرحام.
﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥]، أي: ولا يتحملها ويلقاها ويحصل على هذه الخصلة العظيمة من الصبر على الأخ المسلم في إيذائه وظلمه وقلة أدبه وجهالته إلا ذو حظ ومكانة وسعد في رضا الله ورحمته.
والحظ العظيم الذي يذكر في كتاب الله هو الجنة والمغفرة الإلهية والدرجة العالية في الجنان، ولا يفرّط في هذا ويبتعد عنه إلا من لا يحب التخلق بفعل الصالحين والمؤمنين كما أمر الله.
وفي مسند أحمد أنه جاء رجل إلى رسول الله ﵊ فقال: (يا رسول الله! إن لي أقارب أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، أأفعل فعلهم وأعمل عملهم؟ قال: إذاً: تُتركون كلكم، وإن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل) أي: تضعفه في أفواههم، فهذا القريب الذي يسيء إليك وتحسن إليه، ويقطعك وتصله، وتحب له الخير ويتمنى لك الشر لا تفعل فعله ولا تعمل عمله.
والمل: الرماد الحار، أي: كأنك بذلك تضعه في أفواههم فيؤذيهم، أي: إن إحسانك يغلب سيئتهم، وصلتك تغلب قطيعتهم، وبفعلك يهينون أنفسهم ويحتقرونها ويرونك الأكبر والأعظم والأرشد والأقرب إلى الله وإلى التخلق بأخلاق رسول الله ﷺ والمؤمنين.
وفي معنى هذا يقول الله ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩].
وقوله: ((فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)) الولي: الأخ، والحميم: القريب والصديق.
((وَمَا يُلَقَّاهَا))، يعني: وما يلقى هذه الرتبة الشريفة ويحصل عليها.
((إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا))، أي: المتحلون بالصبر وبالتحمل وبما يتحلى به أولو العزم من الرجال المؤمنين الصادقي الإيمان.
((وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ))، أي: ولا يلقاها ويتلقاها ويظفر بها -إي: بهذه الرتبة الكريمة- إلا صاحب حظ عظيم.
والحظ العظيم: الجنة والرتبة العالية ورحمة الله ورضاه ودخول الجنان، وهو شيء لا يتحمله ولا يطيقه إلا مؤمن صادق الإيمان قوي الإرادة يغلّب رضا الرحمن على إرضاء الشيطان، ويغلّب الأخلاق الفاضلة على الأخلاق السافلة.
стр. 2050
تفسير قوله تعالى: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ)
قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت:٣٦].
إما: شرطية، و (ما) في غير القرآن زائدة، وفي القرآن صلة أتت للتأكيد.
وقوله تعالى: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ) أي: إذا وسوس لك الشيطان ودفعك وتغلب عليك بوساوسه وبنزواته وبشهواته إلى أن تقاتل أخاك وتحارب قريبك وتنقلب على ابن عمك وتعادي المسلمين، فاستعذ بالله.
وأفظع من هذا أن تحاربهم وتشهر السلاح في وجوههم، قال ﵊: (سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر)، فسباب المسلم وشتيمته فسق، وقتاله كفر، وجحود للإسلام، والله ما أوجب القتال إلا ضد الكافرين بالله أو ضد البغاة من المؤمنين المبتدعة، الذين يظلمون الناس ويأكلون أموالهم بالباطل ويشهرون السلاح في وجوههم، فهؤلاء يقاتلون قصاصاً وجزاء للسيئة بمثلها، وأما القتال أولاً فلا يكون إلا لكافر أو من فعل ما يستحق عليه القتل كالزاني المحصن وكالمرتد عن الإسلام وقاتل النفس؛ لقوله ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة) وما عدا ذلك فقتال المؤمن كفر.
قال تعالى: ((وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ)) فالله ﷻ أعطانا دواء لنزغ الإنسان ودواء لنزغ الشيطان، فأما دواء نزغ الإنسان -الذي تراه ويراك- عند ظلمه واعتدائه أن تحسن إليه بالكلمة الطيبة وبالعطاء وبصلته وبالغض عن مساوئه، وأما الشيطان الذي لا تراه فلا يفيد معه هذا؛ لأنه طُبع على الشر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:١٦٨].
فقوله تعالى: ((وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ)) أي: وإما أن يوسوس لك الشيطان ويدفعك في طريق الشر عن طريق وساوسه ونزواته وشهواته، ((نَزْغٌ)) أي: إيذاء ووسوسة ودفع إلى الشر، ((فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ))، أي: قل: أعوذ بك يا رب! وأجعلك معاذي وموئلي وحصني الذي أتحصن به من هذا الشيطان الرجيم.
وتلاوة القرآن وذكر الله من أعظم ما يتحصن به في ذلك، ومن أعظم التحصن في ذلك تلاوة آية الكرسي والمعوذتين وسورة الكهف، وتلاوة القرآن في البيت تطرد الشيطان ووساوسه عن الرجل والمرأة والأولاد، والبيت الذي لا يذكر الله فيه وليس فيه صلاة ولا تلاوة ولا عبادة فهو بيت الشيطان نفسه، ولا خير في هذا البيت ولا في الصلة به ولا شراكته ولا مصاهرته ولا القرب منه، وفي مثله يقول النبي ﵊: (الحب في الله والبغض في الله من الإيمان).
فإذا وسوس لك الشيطان فلا تخضع له ولا تصبر على لأوائه وعلى شره وعلى إيذائه وعلى ظلمه، بل إن شعرت به يوسوس في صدرك ويحيط بك فاستعذ بالله وقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
ولما رأى النبي ﷺ شخصين يتلاحيان -يتشاتمان- وقد غضب أحدهما غضباً إلى أن انتفخت أوداجه وتوسعت عيناه، فقال النبي ﵊: (إني لأعلم كلمة لو قالها زال ما به، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، وكان الرجل لا يزال في غضبه فقال عند رسول الله: أبي جنون؟ أي: حتى أقول ذلك! والغضب جنون.
والكثير من الناس لا صبر لهم، فتجدهم تثور أنفسهم لأقل كلمة، والنبي ﷺ كان الطبيب المداوي للنفوس والأجسام، فقد كان يأتيه الآتي فيقول: يا رسول الله! أوصني، فكان يجيب كل واحد بما يناسب مرضه البدني أو النفسي، وقد جاءه رجل فقال: (أوصني يا رسول الله! قال: لا تغضب.
فأعادها ثلاثاً فقال: لا تغضب).
وكانت علة هذا الرجل وسبب تدميره أنه لم يقبل هذه النصيحة وهذه الوصية، وهي ترك الغضب.
وهذا كثيراً ما يحدث، فقد يأتيك رجل ينتف شعره وينادي بالويل والثبور ويقول: إنه غضب وقد طلّق زوجته ثلاثاً، ويسأل: أيردها ويعيدها؟ ويقول: إنه أقسم عليها أن لا تخرج إلى بيت أمها وأبيها، ويكون في هذا خراب بيته وتشتيت أولاده وضياع تجارته، ثم يأتيك وكأنك أنت الذي تنزل الشريعة وأحكامها فيقول: أنقذني وخذ بيدي، لقد كنت في غضب شديد فقلت وقلت، ولا جواب إلا أن تتحمل نتيجة غضبك وعقوبته، وإلا فلم تغضب؟ والغضب شيطان، وهو يفسد الإنسان عن أعماله في دينه ودنياه، وقد يكفر.
وكثيراً ما تصدر من الإنسان الغضبان كلمات تعتبر ردة، مثل: أن يقول والله لو نزل الله من السماء، أو: لو جاءني محمد ﷺ لما فعلت، فيحمله الغضب على الردة والكفر وما لا يليق بالإنسان، ولو ضبط نفسه في غضبه ووجد مربياً يربيه ويرشده ويوجهه لما وصل إلى هذا البلاء.
وأنا أذكر عندما كنت في سن الشباب أنه كان هناك تجار من العامة الذين ليسوا من أهل العلم بالشريعة يلزمون العلماء ويسألونهم عن الحلال والحرام ويستفتونهم عن مشاكلهم في بيتهم مع زوجاتهم وأولادهم وفي زراعتهم وتجارتهم، واليوم استغنى كل هؤلاء فلا حاجة لهم في حلال ولا حرام ولا شريعة ولا دين.
ولو دخلت بيته وسألته عندما تحيض امرأتك ماذا تصنع؟ وإذا سهوت في الصلاة ماذا تصنع؟ وعندما تقع لك مشكلة فيها رباً أو رشوة ماذا تصنع؟ فسيجيبك جواب الحيوان: لا أعلم! بل وتجده لا يهتم بشيء إلا كيف يجمع المال من الحلال والحرام، فلا يهمه أن يعيش كافراً أو مؤمناً ولا يفكّر في هذا، ومن هنا كان فساد المجتمع وفساد الناس وتسلط الشياطين والنساء على الرجال العقلاء وعلى أهل الفضل وأهل الخير والصلاح.
والنبي ﷺ يقول عن النساء: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)، فالرجل العاقل ذو اللب تلعب به المرأة وتضحك عليه حتى يخضع لها في كل ما تشتهي مما يجوز وما لا يجوز.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت:٣٦].
أي: السميع لأقوالكم العليم بحالكم، فهو يسمع قول الصادق ويعلم بواطنه وما ينطق به فيسمعه ويحاسبه عليه على ما يضمره من خير أو شر، فإن كان إيماناً أحسن له، وإن كان كفراً أو نفاقاً جازاه بمقتضاه، ولا تخفى عليه خافية ﷻ وعلا مقامه.
стр. 2051
تفسير سورة فصلت [٣٧ - ٤٠]
من آيات الله الدالة على قدرته الموجبة لتوحيده والإخلاص له الليل والنهار والشمس والقمر وما يحصل للناس فيهما من منافع؛ لكن بعض الناس ضلوا فصاروا يعبدون الشمس والقمر وغيرهما من المخلوقات، وهؤلاء هم الملحدون الذين لا يعتبرون بآيات الله، وهم لا يخفون على الله وسيلقون جزاءهم.
стр. 2052
تفسير قوله تعالى: (ومن آياته الليل والنهار)
стр. 2053
معنى قوله تعالى: (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر)
قال الله ﷻ : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت:٣٧].
السجدة هنا في هذه الآية الكريمة مجمع عليها من جميع الأئمة، واختلفوا في محل السجود هل هو عند قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت:٣٧]، أو في الآية التالية في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت:٣٨]؟ فعند الإمام مالك وهو قول الإمام علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وجماعة من الصحابة، وهو مذهب الحسن البصري وابن سيرين: أن السجدة تكون عند تمام قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت:٣٧]؛ قالوا: لأن الأمر عندها، ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [فصلت:٣٧].
وقال ابن عباس وهو مذهب الإمام أبي حنيفة والشافعي وعبد الله بن وهب من أئمة المالكية وجماعة من الصحابة والتابعين والأئمة: أن السجدة نهاية آية: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت:٣٨].
قالوا: لأنه عند لا يسأمون يتم المعنى والكلام.
قوله: (ومن آياته) أي: ومن دلائل قدرته ووحدانيته ((اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ))، أي: خلق الليل لنسكن فيه والنهار لنعمل فيه، ((وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ))، أي: الشمس بضيائها وبشعاعها والقمر بنوره وبضيائه، والشمس والقمر والليل والنهار لمعرفة الأعداد والأزمان والجُمع والشهور والأعوام للعبادة ولقيام شهر رمضان حج بيت الله الحرام والتوقيت معاملات الناس في أزمانهم، وإحداد المرأة على زوجها والكفّارات وصيام شهرين متتابعين.
فهذه الأزمان والأسماء التي سماها الله تعالى من أعظم خلقه وأجمله، ولو جعل الليل سرمداً أو النهار سرمداً لما استطاع الخلق العمل، ولما استطاع العامل الراحة والترتيب في الأعمال، ولو خلق الشمس دائماً لاحتاج الناس إلى القمر، ولو خلق القمر دائماً لاحتاج الناس إلى الشمس، وكل ذلك خلقه الله ﷻ .
ولفت الأنظار إلى حكمته وفوائده وإلى ما يجني الخلق من ذلك؛ لنزداد له عبادة وإيماناً ويقيناً بالأدلة القاطعة على أنه الواحد المنفرد بالعبادة، وأنه القادر على كل شيء، فقال تعالى: ((وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ))، أي: ومن دلائل قدرته ووحدانيته خلقه الليل والنهار والشمس والقمر.
стр. 2054
معنى قوله تعالى: (لا تسجدوا للشمس ولا للقمر)
قال الله تعالى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت:٣٧].
أي: يا هؤلاء! الذين فقدوا عقولهم وأديانهم كيف تسجدون وتعبدون خلقاً مثلكم؟ وكيف تعبدون ما لا يضر ولا ينفع؟ أليس الأولى أن تعبدوا خالق الشمس والقمر، وخالق كل ما كبر في صدوركم وأعينكم.
وقد وجد في القديم من يعبد الشمس، ولا يزال هناك إلى اليوم من يعبدها كذلك، فدولة اليابان التي عدد سكانها ما يزيد على مائة وعشرين مليوناً تعبد الشمس، وقد رأيناهم في سفنهم وبواخرهم يتحرون الشمس عند طلوعها وعند غروبها ونتفرج على ضياع عقولهم، وقد ركبنا معهم في أيام الطلب فكانوا يأتون عند طلوع الشمس ويتحركون حركات من ركوع ويتمتمون ويهمهمون ويتكلمون بكلام لا يُفهم، ويعودون لمثل ذلك عند غروبها، فازددنا حمداً لله وشكراً له على أن وفقنا لعبادته، فهو خالق الشمس والقمر.
وقد قص الله علينا في كتابه في قصة الهدهد لما تفقده سليمان ﵇ ثم حضر فقال: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل:٢٤].
فقد كانت عبادة الشمس في جزيرة العرب في أرض اليمن، ولكن الله طهّر جزيرة العرب منذ أرسل لها سيد البشر ﷺ ، فتركوا عبادة الأوثان وعبادة الخلق إلى عبادة الله الواحد، ثم نشروا دين الله خارج الجزيرة، فاهتدى من قضى الله في أزله هدايته وبقي في الضلال من لم يوفقه الله للهدى والإيمان.
قال تعالى: ((لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ))، أي: فلتكن عبادتكم وسجودكم لله خالق الشمس والقمر.
((إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ))، أي: إن كنتم تريدون عبادته وكنتم مؤمنين به، أما إن كانوا وثنيين مشركين فليسجدوا لما شاءوا، فالعذاب خلفهم والحساب يتبعهم.
стр. 2055
تفسير قوله تعالى: (فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار)
قال تعالى: ﴿فَإِنْ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت:٣٨].
يقول الله ﷻ : فإن تعاظموا واستكبروا على نبيهم في أمرهم بعبادة الله وبالسجود له ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت:٣٨].
والذين عند ربك هم الملائكة الكرام الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهذه كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام:٨٩].
أي: إن يكفر بعض البشر وبعض الجن فالذين عند ربك من ملائكته المكرمين لا يستكبرون عن العبادة، فإنهم يدعون الله ويعبدونه في الليل والنهار، ويديمون عبادته ليلاً ونهاراً حال كونهم لا يسأمون، أي: لا يملون ولا يكلّون.
وقالوا: العبادة للملك كالنفس للبشر، أي: كما أن البشر لا يعيشون بلا أنفاس وإذا انقطعت الأنفاس ماتوا فكذلك الملك نفسه ذكر الله، فهم في عبادة الله ما بين ساجد وقائم وعابد وذاكر، يقول نبينا ﵊ عنهم: (أطت السماء وحق لها أن تئط)، أي: صوتت السماء لما عليها من ثقل خلق الله وعباده من الملائكة كما يصوت السقف عندما يكثر الجالسون والقائمون فوقه (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما من موضع قدم إلا وفيه ملك قائم أو ساجد) فهم يعبدون الله في قيامهم وسجودهم وذكرهم وفي كل أحوالهم.
وهذا بيان لقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت:٣٨]، أي: إن كفر هؤلاء فلن يكفر عباد الله من الملائكة ومن الأتقياء ومن الصلحاء ومن الموحدين لله من أتباع الأنبياء السابقين ومن أتباع خاتمهم عليه صلوات الله وسلامه.
стр. 2056
تفسير قوله تعالى: (ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة)
قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت:٣٩].
أي: وكذلك من آيات الله ودلائل قدرته وعلامات وحدانيته لمن ألقى السمع وهو شهيد وتدبّر كلام الله وفكّر في خلق الله ووعى عن الله هي كل ما تراه العين وتسمعه الأذن، ومن أعظمها الليل إذا أقبل بظلامه والنهار إذا أقبل بضيائه، كما قال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج:٦١]، والشمس عند شروقها وغروبها، والقمر عند بزوغه منذ يكون هلالاً إلى أن يصبح قمراً إلى أن يختتم، فكل ذلك من قدرة الله ودلائل وحدانيته.
ومن آيات قدرته ودلائل وحدانيته أنك ترى الأرض خاشعة: أي: هامدة ميتة، غبراء جدباء قاحلة لا نفس عليها ولا ماء، وليس فيها ما يفيد حياً.
ومع ذلك فهذه الأرض الميتة الجدباء الخاشعة الهامدة إذا بالله الكريم يغيثها بالأمطار وينزل عليها الماء، فإذا بها بعد يوم أو يومين تهتز وتتحرك بما يدل على أن الحياة دخلت في باطنها وحركتها، كما قال تعالى: ((فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ))، أي: أخذت تتحرك وربت، أي: أخذت تربو وتعلو؛ نتيجة تلك النباتات التي سُقيت ونبتت وخرجت على ظاهر سطح الأرض بعد أن ربت وعلت، ومنه الربوة أي: الأرض العالية.
((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى)).
وهذا المثل ضربه الله لنا ليعرفنا ويعلمنا ويطلعنا كيف يحيي الموتى، فإن الناس يتساءلون ويعجبون منه، ومنهم من يستدل بالدلائل العقلية كما ذكرها القرآن وكما آمنت بها العقول السليمة، ومنهم من بقي على جهله وعلى ضلاله، يرى ما لا يفهم ويسمع ما لا يعقل، وكأنه ميت بين الأموات، فهو أصم وأعمى لا يستفيد بسمع ولا ببصر ولا بقلب ولا يهتدي بفهم هذه الآيات الواضحات البينات.
فالله يقول لنا: يا هؤلاء الذين تريدون معرفة كيف الله يحيي الموتى! ويا هؤلاء الذين تنكرون الحياة بعد الموت وتنكرون البعث والنشور! انظروا لما يشبه ذلك، ومروا على الأرض وقت الشتاء والجدب والقحط فسترونها جدباء لا تنبت، ليس فيها زهرة ولا نبتة ولا خضرة ولا ماء، ثم إذا بالله الكريم يمطرها ويغيثها بالماء فإذا بها بعد يوم أو يومين أو أكثر قد أخذت تهتز وتتحرك؛ نتيجة الحياة التي دبّت فيها من الماء الذي جعل الله كل شيء منه حياً، ثم أخذت تربو وتعلو، نتيجة تلك الأغصان والنباتات والخضروات لما تحركت ونبتت وخرجت على سطح الأرض فرفعت معها التراب وشقّته وخرجت.
((إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا))، أي: الذي أحيا هذه الأرض الخاشعة الميتة الجدباء أليس بقادر على أن يحيي الموتى؟ بلى.
وهذه النطفة التي تنزل من الذكر تراها نطفة ميتة لا حراك فيها، وإذا بها تأخذ طريقها إلى الأرحام، ثم بعد أشهر تجد البطن يتحرك، وبعد هذه الحركة تجده قد خرج مولوداً حياً ذا عينين وشفتين، طفلاً صغيراً من الخلق ومن البشر.
فمن الذي أحيا هذه النطفة الميتة والأرض الميتة الجدباء حتى إذا دخلها الماء ونزل عليها المطر أخذت تهتز وتتحرك وتربو وتصعد؟ ((إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا)) وهو الله ﷻ ((لَمُحْييِ الْمَوْتَى)) إذ كيف يقدر على إحياء الأرض مع كبرها وسعتها وامتدادها في القارات ويعجز عن إحياء الناس؟! والله يرشدنا ونحن لا نزال أحياء؛ لنؤمن بعقولنا وبوعينا وبفهومنا على أن الله واحد، وأنه القادر على كل شيء والخالق لكل شيء، لا شريك معه في ذات ولا في صفة ولا في فعل.
((إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) فهو قادر على إحياء الأرض فأحياها، وقادر على إحياء الإنسان بعد موته، وقادر على حياة كل ما كان ميتاً، فهو الذي أحياه أولاً وقد كان ميتاً، وهو الذي سيحييه ثانياً، كما قال تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]، أي: أيكون قادراً على الإحياء من العدم وعلى الإيجاد من لا شيء ولا وجود ثم يعجز عن الإعادة؟! حاشا الله ومعاذ الله، فهو القادر على كل شيء، وهو المحيي المميت، ثم هو المميت المحيي ﷻ وعز مقامه.
стр. 2057
تفسير قوله تعالى: (إن الذين يلحدون في آياتنا)
стр. 2058
معنى قوله تعالى: (إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠].
هنا يتوعد الله ويتهدد وينذر الملاحدة والمشركين ويخوفهم عذابه ونقمته، فقال ربنا: ((إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا)).
والإلحاد: الخروج عن الجادة وعن الطريق المستقيم والكفر بالله وتحريف الكلم عن مواضعه؛ كل هذا يدخل تحت هذه اللفظة من هذه الكريمة: ((إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا)).
أي: يكفرون بآيات الله وعلامات قدرته وأدلة وحدانيته ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويفسرون النهار بالليل والليل بالنهار بما لا يقره عقل ولا قرآن ولا سنة، شأن اليهود عندما حرفوا كتاب ربهم وتلاعبوا بآيات توراتهم، وهذا موجود في أدلة كل الفرق الضالة، فكل الفرق المبتدعة تستدل بقال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتستشهد على ذلك بكلام العرب، ويقولون: قال الشاعر وقال الخطيب وقال المتكلم، وفي كل ذلك تحريف للكلام عن مواضعه وتغيير لنصوص الكتاب.
فحولوا الصلاة إلى الدعاء، وأنكروا الصلوات الخمس، وحرّفوا الحج، وقالوا: إنه القصد إلى الشيء، وتركوا الحج إلى بيت الله الحرام، وأولوا الزكاة بأنها: التنمية والزيادة، وأنكروا العطاء والصدقات، وأولوا الصيام بالإمساك عن القول وعن الجواب وعن الاستفسار، وفتحوا بطونهم لكل مأكول ومشروب شرهاً وإفساداً لكتاب الله، وأتوا بفهوم عوراء وآراء باطلة لا يقبلها طفل ولا من له أدنى مسكة من عقل.
فهؤلاء بكل أشكالهم من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه ويكفرون بآيات الله وأدلة وحدانيته وقدرته، وحادوا عن الطريق السوي الذي قال عنه نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يضل عنها إلا هالك)، وذهبوا إلى بنيات الطرق وإلى التلاعب بالنصوص، وظنوا أنهم يحسنون صنعاً، وهيهات هيهات! ومن هنا يجب على المسلم سواء كان معلماً أو أباً أو مدرساً أو حاكماً أن يتحرى الكتب التي لا تغيير فيها ولا تبديل ولا تحريف، وينتقي المعلمين والعلماء الذين سلكوا الجادة ولم يتبعوا السبل وبنيات الطرق، وإلا فالطفل كالعجينة وكالقضيب من السكر يتلاعب به من بيده كيف شاء، فإن شاء جعل العجينة خبزاً وإن شاء جعلها حلوى، وإن شاء مربعة، وإن شاء مستطيلة، وهكذا قل عن قضيب السكر، فإنك تشكله في يدك بالشكل الذي تريده.
وقد تنبه أعداء الله وأعداء المسلمين والإسلام إلى هذا فأفسدوا برامج التعليم في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية والجامعية وأبعدوا أبناء المسلمين عن تعلم كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ ومعرفة دينهم، ونشروا الإلحاد والفسوق، وجهّلوا الناس بدينهم وبكتاب ربهم وبسنة نبيهم ﷺ .
والتعليم هو أداة الصلاح والفساد، فإن تولاه مفسد ضل وأضل، وإن تولاه مصلح صلح وأصلح.
والتعليم الموجود اليوم في العالم الإسلامي فيه الفساد والضلال، فقد أفسدوا جميع برامج التعليم دون استثناء، حتى أن الكثير ممن يزعمون الإسلام والغيرة عليه وفهم القرآن والسنة حرفوا الآيات بما أحلوا فيها من الربا ومن الرشوة، وأبطلوا الأعمال والأركان، وقالوا بعقولهم وبكفرهم وبإلحادهم ما لم ينزل الله به من سلطان.
وقد أنذر الله جميع هؤلاء فقال: ((إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا))، أي: نحن نعلمهم ونعلم أسماءهم ونرى أعمالهم، وسنحاسبهم على ذلك الحساب العسير والطويل، ويعذّبون عليه العذاب الشديد الأليم.
وقوله تعالى: ((لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا)) تهديد، أي: إنا قد علمناهم وعلمنا أعمالهم فإذا لم يتوبوا ويتداركوا حياتهم وشبابهم وفراغهم وصحتهم، فلينتظروا، فيوشك عن قريب أن يأتيهم ملك الموت فلا تفيدهم طاعة ولا توبة ولا ندم عما فات.
стр. 2059
معنى قوله تعالى: (أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمناً يوم القيامة)
((أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
يقول الله لهؤلاء الملحدين المحرفين المتلاعبين بالنصوص كتاباً وسنة: أيهم خير: من يُلقى في النار لإلحاده وكفره، أم من يأتي يوم القيامة آمناً لا عذاب ولا حساب عليه، فهذا في الجنة وهذا في النار، فهل يستويان مثلاً؟ وهل الكافر كالمؤمن؟ وهل المقيم في الجنة وفي وجوههم نظرة النعيم له فيها ما تشتهيه نفسه وتلذ عينه، كالذي في النار يعذب فيها أبداً سرمداً، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦]؟ والله قال هذا ليلفت أنظارهم وليزيد وعيده لهم وتخويفه لهم بعد أن قال لهم: ((إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ))، أي: أهذا الملحد المحرف للكلام عن مواضعه العاصي الكافر بالله عندما يلقى على وجهه في النار ويسحب إليها سحباً؛ أهو خير وأكرم وأفضل وأصح أم ذاك الذي يأتي آمناً يوم القيامة؟ فالمؤمن يأتي يوم القيامة آمناً من غضب الله ومن دخول النار، ويكون آمناً لدخوله الجنان ولرحمة الله له ورضاه عنه.
ثم قال تعالى: ((اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ)) بعد أن أعلمهم الله وبين لهم طريق الصلاح وطريق الضلال وخيّرهم هل الجنة خير أم النار، قال لهم: ((اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ))، أي: اتبعوا عقولكم وكفركم، وهذا وعيد أكيد وتهديد مخيف مزعج.
((إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)).
أي: إن الله ﷻ بصير بعمل العاملين، إن عملوا خيراً جازاهم عنه خيراً، وإن عملوا شراً جازاهم عنه شراً، وهو البصير بكل شيء من أعمال العاملين، فمن عمل خيراً أبصره ومن عمل شراً أبصره، فللعامل بالخير الجنان والرضا، وللعامل بالشر النار والغضب.
стр. 2060
تفسير سورة فصلت [٤١ - ٤٦]
القرآن الكريم وحي من الله إلى رسوله محمد ﷺ لهداية الناس، وهو كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، نزله الله بلسان عربي ولم يجعله بلسان أعجمي حتى لا يزيد إعراض العرب عنه، ولكنهم أبوا إلا الكفر والجحود، فسيعلمون يوم القيامة جزاء ما كفروا به ويلقونه عذاباً خالداً.
стр. 2061
تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا بالذكر)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤١ - ٤٢].
((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ)) أي: إن الذين جحدوا بالذكر وبالقرآن الذي يذكر الناس بطاعة الله وبما جاء به من أدلة واضحة وبراهين كاشفة، وكفروا بالكتاب وبالقرآن وبكتب السماء، وبما أنزل على أنبيائهم وبما نطقوا به من بشارة الصالحين المتقين، وإنذار الضالين المضلين؛ سيجازون نتيجة كفرهم وجحودهم باللعنة والدخول في النار، كما قال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ)) أي: سيجزون، وحذفت للعلم بها كما يقول ابن مالك: وحذف ما يعلم جائز كما تقول زيد بعد من عندكما وهذا يحدث كثيراً في آيات الله، ومن فصاحتها وبلاغتها يفهمها من له وعي وفهم بالعربية وبلغتها وبنحوها وبقواعدها.
((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ))، أي: الذكر، وهو القرآن الكريم، ﴿لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾، أي: كتاب عزيز على الله وعلى عباده المؤمنين، فهو في موضع العزة والكرامة والمحبة والعمل به، فهو عزيز مكرم معظّم معمول به؛ لأنه كلام الله ووحيه، وقد جاء للبشر وللجن بشيراً ونذيراً، فقد نطق بالحكمة وبتحليل الحلال وبتحريم الحرام وبالعقائد وبالأخلاق وبما كان وبما سيكون إلى قيام الساعة.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢].
((لا يأتيه)): لا يصل إليه ولا يطمع فيه سواء ((من بين يديه)) أي: حال نزوله وقراءته وجمعه وتلاوته في المحاريب صلاة وتهجداً وتلاوة وعبادة على أي شكل من الأشكال.
((ولا من خلفه)) أي: ولا من بعد نزوله وذيوعه انتشاره وبيان وتفسير الصحابة والعلماء له.
وقوله: ((لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ)) أي: لن يجرؤ أحد، ولو شاء لما استطاع أن يزيد فيه آية أو ينقص منه آية أو يغيّر منه حركة أو يزيد فيه حركة أو يحذف منه سورة أو يأتي بسورة.
والباطل هو: ما سوى الحق، فلا يأتيه الكذب من ناحية الحقائق التي قالها الله عن الخلق وعن وجود السماء وعن خلق الأرض وأن ذلك في ستة أيام، ومن رفع السماء وجعلها سقفاً محفوظاً، ومن مهّد الأرض وجعل الجبال والوهاد والبحار والعيون والآبار عليها، ومن خلق ما فيها من الشجر والخضرة والطير والحيوان مما ينفع الإنسان ويزداد به شكراً وحمداً لله، فهذا الذي ذكره الله في كتابه كله حقائق، ولم يجرؤ أحد يوماً أن يقول: هذا ضد العلم ومخالف له، أو أن التوراة والإنجيل والزبور أتوا بخلافه، أو أن العلماء اكتشفوا خلاف ذلك.
وأحد النصارى من الفرنسيين كتب منذ سنة كتاباً بالفرنسية وترجم إلى العربية وشاع وذاع بين الناطقين بلغة العرب وسمى كتابه: (القرآن مقارناً بالتوراة والإنجيل)، وخرج فيه بنتيجة -وهو لا يزال على نصرانيته- أن كل ما ذكر القرآن من حقائق الخلق من خلق السماء والأرض والإنسان وطبيعة الوجود من ليل ونهار وصيف وشتاء وكل ما قص من أخبار الماضين وأخبار اللاحقين، وقد مضى على نزوله ١٤٠٠ عام كل ذلك لا يزال العلم يؤكده ويقطع به ويصححه.
وبعد أن كانت القضايا نظريات وخواطر أصبحت تجارب وحقائق أقرها العلم ولم ينفها أحد.
وقال: إن القرآن قد أتى بكل حق، بخلاف ما في التوراة والإنجيل من أباطيل وأضاليل لم يقرها علم ولا دليل التي تؤكد أن الإنجيل والتوراة قد حرفا، وهذا لا شك فيه ولا ريب، وقد قاله الله في القرآن المهيمن عليهما، وأكده الواقع، فالتواراة والإنجيل كانا كتابي توحيد وعبادة لله، ثم أصبحا كتابي وثنية وشرك بالله، فالتوراة تدعو لعبادة العزير وعبادة العجل والإنجيل يدعو لعبادة مريم وعيسى، وكلا الكتابان يقولان ما قاله الله عنهما: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨].
فلم يقتصروا على أن عيسى وحده ابن الله، بل جعلوا أنفسهم جميعاً أبناء الله.
وهم عند الذكر والدعاء يقولون: يا أبانا! الذي في السماء، وهكذا انتقلت التوراة والإنجيل من الحقائق إلى الأباطيل من الوحدانية إلى الشرك.
وقذفا الأنبياء بأنواع الفواحش والمنكرات حتى في المحارم التي يتورع عنهن الفاسق والداعر ومن لا دين له، فقد اتهموا أنبياءهم بإتيان البنات والأخوات وقتل الأزواج واغتصاب بناتهم ونسائهم.
وقالوا عن سليمان: إنه كفر، وقالوا عن الله ما لا يقوله إلا مجنون ذاهب العقل قبل أن يكون ذاهب الدين.
فهؤلاء حرّفوا وهؤلاء بدّلوا، وأما كتاب الله فهو المعجزة السرمدية الأبدية ما دامت السماوات والأرض، واعتبرها كذلك النبي ﵊؛ لأن جميع معجزاته قد أدت مهمتها عند نزولها وعملها ولم يبق إلا معجزة القرآن التي رآها المعاصرون لنبي الله ﵊ ومن جاء بعدهم من القرن الأول وإلى عصرنا، فهو معجزة لنا أكثر مما كان معجزة للأولين.
يقول تعالى هنا: ((لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ)) ونحن نقول: إن هذا صحيح ومؤكد وقد أصبح مقطوعاً به بعد نزوله بألف وأربعمائة عام، وآمن به الصحابة تصديقاً لكتاب الله ولرسوله ﵊.
ونحن نقول ما قاله الصحابة ونزيد: بأننا عشنا في واقع رأيناه فيه وأدركناه وقطعنا به بعد نزوله بألف وأربعمائة عام، فلم يأته باطل ولا تكذيب ولا ما يخالفه لا فيما تقدم ولا فيما تأخر عنه، ولم يغيّر ولم يبدّل، ولم يأته باطل بتغيير أو تحريف أو قلب أو تغيير، فإن وجد في التفاسير قول للمبتدعة أو للضالين المضلين فتلك جرائمهم وسوءاتهم والقرآن منها بريء، والعلماء الصالح منهم والطالح عندما يقولون قولاً أو يؤلفون كتاباً يختمونه بهذه الفقرة: إن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأً فمني.
وقوله: ((تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)) أي: الله هو الذي أنزله على عبده محمد ﷺ وأمره ببيانه وبإشاعته، وبالأمر والنهي به وبيان حلاله وحرامه، وبيان أحكامه وآدابه وعقائده وما فيه من أخبار الأنبياء السابقين وأممهم، واللاحقين من أمة محمد ﷺ إلى البعث والنشور وإلى أن يدخل الجنة من يدخلها ويدخل النار من يدخلها.
فهذه الآية الكريمة هي من تمام إعجاز القرآن بما جاء فيها من أخبار وبأن الله تعهد بحفظ كتابه من الباطل في معانيه وألفاظه وحركاته.
وقد وجدنا الأمر كذلك؛ فأعداء الإسلام والقرآن على كثرتهم ما ادعى أحد منهم قط بأن القرآن فيه زيادة أو نقصان أو أن هناك مصاحف فيها سورة زائدة أو مصاحف فيها سورة ناقصة، وكل ما يذكر من ذلك هو كلام الحمقى والمجانين والكفرة الضائقين، على أنه على ذلك لا وجود لذلك لا في قديم زمان ولا في متأخرة، فهم يقولون قولاً بمعنى أنهم يتمنونه ويسعون إليه.
وهذا كما يقول ضال من الضلال من فراعنة العصر الدجاجلة الذين أخبر النبي عنهم ﷺ بأنه: (بين يدي الساعة ثلاثون دجالاً)، إن اليهود غيروا القرآن وطبعوا نسخاً منه ووزعوها في القارات.
وهو كذب لا يوجد البتة، وإنما أراد أن يقول للناس: زعمتم بأن كتابكم محفوظ وأن الله قد حفظه، وهؤلاء اليهود قد بدلوه وغيروه وشاع وذاع؟ وقد حضرت كما حضر غيري في مؤتمرات بالعشرات في قارات الأرض وخاصة في إفريقيا التي زعم هذا الدجال: أن اليهود طبعوا هذا المصحف ووزعوه فيها، فسألت: هل رأيتم هذا؟ قالوا: سمعنا ولم نر.
وهو إنما قال هذا تشكيكاً للمؤمنين في دينهم، ولا يوجد شيء من ذلك.
﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤١ - ٤٢].
أي: حكيم في أقواله وفي أفعاله وفي قدرته.
والحكمة هي: وضع الشيء في محله بلا زيادة ولا نقصان، والقرآن كذلك؛ لأن المتكلم به هو الحكيم ﷻ .
وهو الحميد المحمود ذاتاً وصفات وأفعالاً، وهو الذي يحمده الحامدون، وقد بدأ الخلق بالحمد لله، وأنهاه بالحمد لله، وأمرنا أن نبتدئ صباحنا ومساءنا وجميع صلواتنا بالحمد لله رب العالمين، وأن نقول: الحمد لله عند طعامنا وشرابنا وأعمالنا وأذكارنا، وعقب الصلوات والفرائض كلها.
وقوله: ((وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ)) أي: عزيز على الله، وعزيز على المؤمنين من عباد الله.
وهو كريم في قوله ومعناه، وقد عز عن أن ينال أو يؤتى بمثله أو يتلاعب به، وهيهات هيهات! ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لما استطاعوا ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.
стр. 2062
تفسير قوله تعالى: (ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك)
قال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ [فصلت:٤٣].
يقول الله لنبيه ﷺ : ((مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ))، والآية تحتمل معنيين، وكلاهما قائم واقع وبأي معنى فسرنا فهو صحيح.
المعنى الأول: ((مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ))، أي: ما يقال لك من قومك من اتهام وشتائم وهجران وتكذيب قد قيل كل ذلك للأنبياء قبلك، فقد كذبهم أقوامهم وأنكروهم واتهموهم بالسحر وبالازدراء، وقالوا فيهم ما قالوا وعلى ذلك تكون الآية للتعزية والتسلية للنبي ﵊ بأنه ما كان بدعاً من الرسل، فما جرى عليه من تكذيب الكاذبين وافتراء المفترين وضلال الضالين قد وقع لمن قبله من عيسى إلى نوح إلى آدم ﵇، فاصبر كما صبروا وتيقن كما تيقنوا، فالنهاية والنصر لك، والهزيمة لهمن كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، وكذلك كان للأنبياء قبل، وكان أيضاً لخاتمهم نبينا ﵊، فقد كان النصر له والهزيمة لأعدائه.
والمعنى الثاني: ((مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ))، أي: أن ما أتيت الناس به أن اتركوا الأصنام والأوثان واعبدوا الله الواحد وآمنوا بوحدانيته وبقدرته وبأنه القادر على كل شيء قد استنكروه، وقالوا وهم يتعجبون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥].
ولم يأت محمد وحده بهذا ﵊، ولكن جميع الأنبياء قبله جاءوا بالتوحيد وبنبذ عبادة الأصنام والشركاء، وبالإيمان بالله الواحد وحده، وبأن هناك حياة بعد الموت في دار الخلود في يوم البعث والنشور إما في الجنة وإما في النار، فلم تأت إلى قومك وإلى الناس الذين أرسلت إليهم يا محمد! بشيء وبدع جديد، أي: إن التوحيد الذي جئت به قد جاءت به جميع الأنبياء قبلك، فالأصنام والأوثان والشركاء التي دست عليهم بنعالك جعلتهم تحت أقدامك؛ لم يكن هذا عملك فقط، بل هو عمل جميع الأنبياء قبلك، وما أنت إلا واحد منهم.
ثم قال تعالى: ((إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ)).
أي: إن ربك ﷻ لصاحب مغفرة لمن استغفره وتاب إليه وآمن به، فهو يغفر ذنوبه ويكفر سيئاته، والإسلام يجب ما قبله، وهو ذو عقاب أليم لمن بقي على الكفر وأصر على عبادة الأوثان والشركاء، وجعل لله شريكاً ما أنزل الله به من سلطان.
وهذا المعنى ثابت في كثير من الآيات، بل به نزلت الأنبياء كلهم، وكلهم جاءوا بالإيمان بالله الواحد وبعبادته وحده وإفراده بالطاعة وبالعبودية.
стр. 2063
تفسير قوله تعالى: (ولو جعلناه قرآناً أعجمياً)
قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت:٤٤].
يقول الله لهؤلاء: أنزل عليكم القرآن بلغتكم التي تتكلمونها بسليقتكم دون حاجة إلى تعلم ولا إلى شيخ ولا إلى دراسة، ومع ذلك كفرتم وعارضتم.
وقال هذا لكفار مكة منذ اليوم الأول، فقال الله لهم منكراً ومهدداً ومقرعاً: ((وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا))، أي: لو أنزل الله القرآن بغير لغة العرب ((لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ))، أي: هلا فصلت آياته وبينت ووضحت.
والوضوح والبيان بالنسبة لهم أن يكون بلغتهم وببيانهم وباللغة التي يفهمون ويدركون، وإلا لكانوا قالوا: ((أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ))، أي: ألغة عجمية ويخاطب بها العرب؟ ألغة أعجميه ونبي عربي؟ هذا تناقض، ولكن هذا لم يصنعه الله ولم يفعله فلم ينزل القرآن إلا عربياً على نبي عربي، وما أوحى به إلى نبيه ﷺ إلا لينذر به أولاً قومه، كما قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤]، أي: ليكونوا هم بعد ذلك رسل رسول الله ﷺ إلى الناس كافة.
وقد حدث هذا، فما مات ﷺ وذهب إلى الرفيق الأعلى إلا وجزيرة العرب كلها مؤمنة، وكان الذي خرج بالإسلام خارج حدودها أصحابه من الخلفاء الراشدين، ابتداء بـ أبي بكر ثم عمر، وقد نشروه وبينوه بين تلك الأمم بلغته العربية، فتعلموها وحصلوا عليها، وأصبح الكثير منهم أعلم بالعربية من أهلها، وما إمام النحو إلا فارسي، وعنه أخذ العرب نحوهم، وما إمام التفسير إلا فارسي، وهو محمد بن جرير الطبري، وما إمام الحديث إلا فارسي، وهو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بردزبه البخاري واسم (بردزبه) اسم مجوسي فارسي، فكان الإمام البخاري إمام الحديث الذي علم الناس والعرب بلغتهم سنة نبيهم ﵊، وهكذا ما مضى جيل أو جيلان بعد ذهاب النبي إلى الرفيق الأعلى ﷺ حتى انتشر الإسلام بلغته التي هي لغة كتاب الله ولغة نبي الله ﷺ ولغة الفاتحين من أصحابه الخلفاء الراشدين.
فكانت العربية لغة جميع المسلمين، وبقي الأمر كذلك ثمانية قرون كما يقول ابن تيمية وابن بطوطة.
قالها ابن تيمية علماً، وقالها ابن بطوطة مشاهدة، وهذا مشرقي وهذا مغربي، وكلاهما كان في القرن الثامن.
يقول ابن تيمية (في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم) عن العصر الذي عاش فيه: كانت جميع الأمم والشعوب الإسلامية تتكلم بلغة القرآن.
وابن بطوطة في نفس العصر قام بجولة وبرحلات استغرقت ثلاثين عاماً ولم يترك إقليماً ولا مدينة ولا قرية إلا وهاجر إليها وأقام فيها وتزوج من نسائها وعمل في وظائفها قاضياً وحاكماً وعاملاً، ووزع أولاده في جميع هذه الأقطار، فقد كان يتزوج الأربع ثم يريد أخذهن معه فيمنعونه من ذلك فيطلقهن، ثم يذهب إلى إقليم آخر ويتزوج أربع أخر.
وذلك في رحلته المشهورة باسم: رحلة ابن بطوطة، وقد طبعت عشرات المرات وترجمت إلى جميع لغات الأرض الحية.
إذاً: فقوله تعالى: ((وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ))، أي: لولا بينت، وهلا أبنتموها ووضحتموها، ثم يقولون: ((أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ))؟ أي: أتكون اللغة أعجمية والمخاطبون بها عرباً؟ أيكون النبي عربياً والكتاب المنزل عليه بلغة العجم؟ وهذا لم يحدث، ولكن لو حدث لقالوا ذلك، والله لم يفعله لكي تبقى الحجة البالغة لله.
ثم قال تعالى لنبيه ﵊: ((قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ)) فالقرآن هدى لمن اتبعه وآمن به، وهو طريق الهداية والإيمان والخروج من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، وهو شفاء؛ فهو هداية للعقول وشفاء لما في الصدور من شكوك وريب، بل وكذلك شفاء للأجسام.
وتلك من خصائص كتاب الله، وإذا شفيت الصدور واطمأنت العقول سلمت الأعضاء وقويت وصحت.
قال تعالى: ((وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى)).
أي: والذين لا يؤمنون بكتاب الله قولاً منه وكلاماً له ((فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ))، أي: في آذانهم ثقل ورصاص لا يسمعون ولا يعلمون، أي: هم كمن كان في أذنه شيء ثقيل يحول بينه وبين سماع الحكمة والإيمان.
((وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى))، أي: إن كفرهم وإصرارهم على الكفر ما زادهم إلا ضلالاً وعماية، فهم في عمى منذ أن يصبحوا إلى أن يمسوا، وهم كما وصفهم الله: لهم أعين لا يبصرون بها، ولهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، فعلى الآذان وقر وثقل، وعلى الأعين حجاب من الكفر والجحود، فهم لا يرون ولا يسمعون.
وهؤلاء الذين لم يؤمنوا به والذين في آذانهم وقر قالوا: هو قول محمد اكتتبه مع بعض أصحابه.
فكفروا بكتاب ربهم وأعرضوا عنه، فحرموا فهمه ووعيه وما فيه من نور.
قال تعالى: ((أُوْلَئِكَ)) أي: هؤلاء الذين هم على هذه الحالة، ((يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ))، أي: كالشخص البعيد عنك بمسافات طويلة إذا ناديته لا يسمعك؛ لأن المسافة بينك وبينه بعيدة، والآذان عادة لا تستطيع أن تعي ما يقال لها من بعد، أي: هي بعيدة عن الحق وعن سماعه.
وعمر بن الخطاب ﵁ سمع يوماً رجلاً ينادي آخر ويصيح فالتفت فلم ير المنادى أمامه، فقال: من تنادي؟ قال: أنادي فلاناً في البحر.
وأين البحر من المدينة المنورة؟! فقال له عمر ﵁: صدق ربنا: ((أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ))، أي: نداؤك وسماعك تافه، وأنت في وسواس لا معنى له.
стр. 2064
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [فصلت:٤٥].
هنا يعزي ربنا نبينا ﷺ ويسليه، فيقول له: ((وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ))، أي: كما آتيناك القرآن واختلفوا فيه بين مصدق ومكذب، وبين مؤمن وكافر، فكذلك قوم موسى ﵇ اختلفوا في الإيمان به، فكفر به أقوام وآمن به آخرون، فتلك طريقة الأنبياء في تصديق أقوامهم لهم وتكذيبهم لهم، فيؤمن بهم البعض ويكفر بهم البعض، وحساب الله بعد ذلك يشمل الكل، ثم إما إلى جنة وإما إلى نار.
قال تعالى: ((وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ))، أي: ولولا أنه سبق في علم الله أنه يؤخر العذاب والعقاب إلى يوم القيامة والعرض عليه لحاسبهم في الدنيا قبل الآخرة، ولحاسب قوم موسى وقوم محمد ﷺ أيضاً؛ ولكن سبق في علم الله أن الحساب الكامل الأكيد سيكون يوم البعث والنشور، وقد أخر عقوبتهم والفصل بينهم إلى قيام الساعة ومع كفرهم فإن كفرهم كفر تقليد غير مبني على وعي منهم.
قال تعالى: ((وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ))، أي: إنهم في شك هل هذا كلام الله أو ليس كذلك؟ وهل هذا نبي صادق أم كاذب؟ ولم يقرروا شيئاً فهم كفروا ثم شكوا في كفرهم، وآمنوا ثم شكوا في إيمانهم، فعاشوا في ريب وشك وتيه ودوران وضلال لم يهتدوا به إلى الطريق الحق إلى الطريق المستقيم.
стр. 2065
تفسير قوله تعالى: (من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها)
قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].
يقول تعالى لهؤلاء: الله غني عن إيمانكم لا ينفعه إيمانكم ولا يضره كفركم، فإن آمنتم وأحسنتم فلأنفسكم، وبإيمانكم تدخلون الجنة وترحمون وتخرجون من غضب الله ومن لعنته إلى عداد من يرحمهم ويرضى عنهم ويجازيهم بالجنان.
((مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ))، فالصالحات أجرها ونتيجتها ومآلها لنفسه، أي: فنفسه خدم ولها عمل.
((وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا))، أي: ومن كفر بالله وخالف كتابه وعصى رسوله فعلى نفسه ولها أساء، وقد حمل نفسه ما لا تحتمل من عذاب الله وغضبه وأوقعها في النيران.
قال تعالى: ((وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)) فالله ﷻ حرم الظلم على نفسه، ثم حرمه على عباده، فلم يعذب محسناً، وقد يغفر للمسيء إذا مات على لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وقوله: ((وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)) هذه الصيغة صيغة مبالغة، وليس معناها نفي المبالغة، بل نفي الظلم، ولا يظلم ربك أحداً، وقد تكون صيغة المبالغة بمعنى النفي المطلق.
стр. 2066
تفسير سورة فصلت [٤٦ - ٥١]
بين الله الحق للناس ليبتليهم فينظر من يعمل صالحاً فيجزيه الجنة ومن يعمل سوءاً فله النار، وذلك عند قيام الساعة التي لا يعلمها إلا هو سبحانه.
ومن طبع الكافر أنه إذا أصابه الخير بطر وظن أنه مستحق له وأن الله يحبه، وإذا أصابه الشر قنط من رحمة الله.
стр. 2067
تفسير قوله تعالى: (من عمل صالحاً فلنفسه)
قال ربنا ﷻ : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].
بعد أن توعد الله الكافرين وبشر المتقين قال عن هؤلاء وعن هؤلاء: ((مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ))، وهم المؤمنون الأتقياء الذين استجابوا لربهم وأطاعوا نبيهم ﷺ ، فهم إنما يعملون الصالحات لأنفسهم، وهم الذين ينتفعون بذلك ويكرمون من أجل ذلك، فنفسهم خدموا ولأنفسهم قدموا.
والعكس بالعكس، ((وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا))، أي: ومن أساء الطاعة والعقيدة وكفر بالله وأشرك به وخالف رسول الله ﷺ وكذبه؛ فعلى نفسها جنت براقش! وكما في الحديث القدسي: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم لما زاد ذلك في ملكي شيئاً.
يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً.
يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد شراً فلا يلومن إلا نفسه).
وفي الحديث القدسي الآخر: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا).
فالله ﷻ لا يظلم أحداً، ((وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلِعَبِيد)) وظلام صيغة مبالغة، ونفيها نفي للكل لا للمبالغة فقط، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩].
فنفى الظلم مطلقاً، وهو عموم يخص صيغ المبالغة وغير المبالغة، فالمعنى شامل لنفي الظلم في كل أشكاله، وعلى ذلك فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها.
والله عندما يدعونا لعبادته ولطاعته ويحذرنا عقوبته فذلك منه ﷻ رحمة وإكرام، حتى إذا جاء الإنسان يوم القيامة ووجد الخير حمد الله وشكره على أن وفقه لذلك حال حياته، فإن وجد غير ذلك فتبقى الحجة البالغة لله، والمذنب والمشرك هو الذي تمرد وعصى ودمر نفسه وأوبقها بالمخالفات وبالشرك بالله.
стр. 2068
تفسير قوله تعالى: (إليه يرد علم الساعة)
стр. 2069
استئثار الله بعلم الساعة
قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ [فصلت:٤٧].
هذه الآية أول آيات الجزء الخامس والعشرين، وقد بقي لنا من كتاب الله وبيانه وتفسيره ستة أجزاء شاكرين الله حامدين له، وكما وفقنا إلى تفسير هذا فنرجوه ﷻ أن يعيننا على الآتي فضلاً منه وكرماً.
قال تعالى: ((إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ)) تقديم العامل على المعمول يفيد الحصر، وعلم الساعة خاص بالله، ووقت كونها من العلم الذي استأثر الله به، فلم يخبر به ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً.
فإليه يرد علم الساعة لا لأحد سواه من خلقه، وهذا قد كرره الله في مواضعه المناسبة من السور والآيات، ولا يعلم وقتها وساعتها إلا ربنا ﷻ .
وقد جاء جبريل في صورة إنسان جميل الوجه عطر الثياب شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر ودخل المسجد النبوي في المدينة المنورة ورسول الله ﷺ في حلقة مع أصحابه، فأخذ يسأله: ما الإسلام؟ ونبي الله ﷺ يجيب، ما الإيمان؟ ما الإحسان؟ إلى أن سأله عن الساعة فأجابه ﷺ : (ما المسئول عنها بأعلم من السائل).
أي: كما أنك أنت تجهلها وتسألني عنها فكذلك أنا لا أعلمها، ولا أعلم وقتها ولا زمنها.
فعاد جبريل وأخذ يسأل عن علاماتها وعن أشراطها وعن الوقت الذي يمكن أن تأتي فيه هذه الأشراط.
وأما الأشراط فلها أشراط صغيرة وأشراط كبيرة، وأول أشراطها ظهور نبي الله ﷺ ، فإنه علامة من علامات القيامة، وقد قال ﵊: (بعثت والساعة كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى)، أي: ليس بينه وبين القيامة إلا كما بين السبابة والوسطى، ولكن كم مضى منها؟ فلما كنا جاهلين بقدر ما مضى، فنحن بالآتي أجهل.
وقد أتت العلامات التي سأل عنها جبريل رسول الله ﵊ وغيرها: مثل انتشار الفواحش، والعقوق، والتنكر للأمهات وطاعة الزوجات، واتباع اليهود والنصارى، ونفور الناس من الإسلام وطاعة ربهم، وتسلط الكفار على المسلمين نتيجة بعد المسلمين عن دينهم.
ولا تزال العلامات الكبرى وهي عشر لم يأت منها شيء، وهذه العلامات منها: الدابة، والريح الحمراء، وخروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵇، وآخرهن خروج الدجال، ثم لا يبقى في الأرض من يقول: ربي الله، ولا تقوم الساعة إلا على لكع ابن لكع، ولا تقوم على إنسان يقول: ربي الله.
وهذه العلامات العلامات الكبرى لم يأت منها حتى واحدة، مما يدل أنه لا يزال بين الناس وبين قيام الساعة الآماد الطويلة، وأما تحديدها فالله أعلم بذلك، ولكن النبي ﵊ أخبرنا أنه إذا بدأت أشراطها تسلسلت وانفرطت وتتابعت كما تتابع حبات العقد إذا انفرط.
قال تعالى: ((إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ)) فإذا سألك سائل: متى الساعة؟ قل: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ [طه:٥٢]، وقل: قد سئل عن ذلك رسول الله ﷺ سيد البشر والأنبياء لما سأله سيد الملائكة جبريل ﵇ فقال له ﵊: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، أي: إني أستوي معك في عدم معرفتها.
ومع ذلك فإن أشراطها وعلاماتها تعطي الإنسان صفة وعلامة على قربها، وإن كان ذلك غير محدد، وقد ورد أنها تقوم في يوم الجمعة، ولكن الجمعة في الشهر أربعة أيام، وفي السنة ثمانية وأربعون جمعة.
وقوله: ((إِلَيْهِ)) أي: إلى الله.
((إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ)).
стр. 2070
علم الله بما يخرج من الثمرات وما في بطون الحوامل
يقول ربنا: ((وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا))، وقرئ: (ثمرة)، وهي قراءة الجمهور.
والثمرات: جمع ثمرة، وهي كل ثمرة تثمر ويستفيد منها الإنسان وغير الإنسان من بقية الحيوانات.
((مِنْ أَكْمَامِهَا)) جمع كمة، وهي: الثمرة قبل أن تخرج من بذرتها ومن مكانها من الشجرة، فهذه الأكمام الله يعلم بها قبل خروجها، ويعلم متى ستخرج، وهل ستنضج أم لا، وهل ينتفع بها إنسان أو طائر، وهل ستكون حلوة أو مرة، وهل ستنفع أو تضر، كل ذلك يعلمه الله ﷻ .
فقوله: ((وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا)) أي: من براعيمها، وعندما تخرج من ذلك البرعم الذي يكون منطوياً عليها، وهو وعاء تلك الثمرة، وعندما تزهر وتسقط أوراق تلك الزهرة فتنظم عليها، وقبل أن تتفتح عليها وتخرج يعلم الله ذلك، وبإذنه وبعلمه يكون كل ذلك.
وقوله: ((وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ))، أي: خروج تلك الثمرات من أكمامها ومن براعمها وحمل الأنثى سواء كانت أنثى إنسان أو جان أو حيوان أو أية أنثى من إناث الكون الله يعلم حملها، وبإذنه يكون ذلك، ثم إذا وضعت، يعلم ربنا ذلك، وبعلمه وبإذنه يكون ذلك.
قال تعالى: ((وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي)) أي: هؤلاء المشركون الذين لا يعرفون عن الله إلا ما يعرفه الوثني والذين جعلوا له ولداً وبنتاً وصاحبة وأشركوا معه غيره من الجمادات والملائكة والجن والإنس فهؤلاء يعلمهم ربهم، وهو وحده المنفرد بالعلم وبالخلق، وبإذنه وبعلمه يكون كل شيء.
ثم يختم هذه الحجج والبراهين العقلية القاطعة بقوله: إنهم يوم القيامة سيعرضون على الكتاب ويعرضون على الله، ثم يقول لهم ربنا يوم ذاك: ((وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي))، أي: يوم يعلن ربنا يوم القيامة لأولئك المشركين الذين أشركوا بالله غيره: أين هؤلاء الشركاء؟ وما صنعوا في الخلق وفي الموت وفي الحياة؟ وكيف هم اليوم مع الآخرة؟ وإذا بالمشركين إذ ذاك عندما يبعثون ويحيون مرة ثانية ويعيشون ما أنكروه من البعث والنشور يجيبون: ((قَالُوا آذَنَّاكَ))، أي: أعلمناك وأسمعناك.
((مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ))، أي: لن يشهد أحدنا بأن لله شريكاً، أي: رجعنا عن اعتقاد ذلك وكفرنا بذلك، يقول ذلك كل من أشرك به نبياً أو جناً أو بشراً أو ملكاً، فهناك من يقول عن الملائكة: إنهم بنات الله، وهناك من أشرك مع الله جناً، ومن أشرك مع الله بشراً كـ مريم وعيسى والعزير وغير أولئك.
فيجيب هؤلاء الملائكة والجن والإنس: ((آذَنَّاكَ))، أي: أسمعناك وأعلمناك، ونخبرك ربنا! وأنت الأعلم أنك لا شريك لك، فأنت الواحد المنفرد بالخلق، لا ثاني لك في ذات ولا صفات ولا في أفعال.
ولكن لا ينفع هذا المشركين إذ ذاك، كما قال تعالى: ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨] فهذا لا ينفع والروح في الغرغرة، فكيف وقد ماتوا وانتهوا ومضت قرون بعد قرون حتى جاء البعث ورأى الناس ما آمنوا به غيباً في الحياة الدنيا واقعاً وشهوداً وحضروا إليه بالأشباح والأرواح في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون؟
следующие страницы →