Полный текст (2 442 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
تفسير سورة فصلت [٤٦ - ٥١]
بين الله الحق للناس ليبتليهم فينظر من يعمل صالحاً فيجزيه الجنة ومن يعمل سوءاً فله النار، وذلك عند قيام الساعة التي لا يعلمها إلا هو سبحانه.
ومن طبع الكافر أنه إذا أصابه الخير بطر وظن أنه مستحق له وأن الله يحبه، وإذا أصابه الشر قنط من رحمة الله.
стр. 2067
تفسير قوله تعالى: (من عمل صالحاً فلنفسه)
قال ربنا ﷻ : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].
بعد أن توعد الله الكافرين وبشر المتقين قال عن هؤلاء وعن هؤلاء: ((مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ))، وهم المؤمنون الأتقياء الذين استجابوا لربهم وأطاعوا نبيهم ﷺ ، فهم إنما يعملون الصالحات لأنفسهم، وهم الذين ينتفعون بذلك ويكرمون من أجل ذلك، فنفسهم خدموا ولأنفسهم قدموا.
والعكس بالعكس، ((وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا))، أي: ومن أساء الطاعة والعقيدة وكفر بالله وأشرك به وخالف رسول الله ﷺ وكذبه؛ فعلى نفسها جنت براقش! وكما في الحديث القدسي: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم لما زاد ذلك في ملكي شيئاً.
يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً.
يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد شراً فلا يلومن إلا نفسه).
وفي الحديث القدسي الآخر: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا).
فالله ﷻ لا يظلم أحداً، ((وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلِعَبِيد)) وظلام صيغة مبالغة، ونفيها نفي للكل لا للمبالغة فقط، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩].
فنفى الظلم مطلقاً، وهو عموم يخص صيغ المبالغة وغير المبالغة، فالمعنى شامل لنفي الظلم في كل أشكاله، وعلى ذلك فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها.
والله عندما يدعونا لعبادته ولطاعته ويحذرنا عقوبته فذلك منه ﷻ رحمة وإكرام، حتى إذا جاء الإنسان يوم القيامة ووجد الخير حمد الله وشكره على أن وفقه لذلك حال حياته، فإن وجد غير ذلك فتبقى الحجة البالغة لله، والمذنب والمشرك هو الذي تمرد وعصى ودمر نفسه وأوبقها بالمخالفات وبالشرك بالله.
стр. 2068
تفسير قوله تعالى: (إليه يرد علم الساعة)
стр. 2069
استئثار الله بعلم الساعة
قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ [فصلت:٤٧].
هذه الآية أول آيات الجزء الخامس والعشرين، وقد بقي لنا من كتاب الله وبيانه وتفسيره ستة أجزاء شاكرين الله حامدين له، وكما وفقنا إلى تفسير هذا فنرجوه ﷻ أن يعيننا على الآتي فضلاً منه وكرماً.
قال تعالى: ((إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ)) تقديم العامل على المعمول يفيد الحصر، وعلم الساعة خاص بالله، ووقت كونها من العلم الذي استأثر الله به، فلم يخبر به ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً.
فإليه يرد علم الساعة لا لأحد سواه من خلقه، وهذا قد كرره الله في مواضعه المناسبة من السور والآيات، ولا يعلم وقتها وساعتها إلا ربنا ﷻ .
وقد جاء جبريل في صورة إنسان جميل الوجه عطر الثياب شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر ودخل المسجد النبوي في المدينة المنورة ورسول الله ﷺ في حلقة مع أصحابه، فأخذ يسأله: ما الإسلام؟ ونبي الله ﷺ يجيب، ما الإيمان؟ ما الإحسان؟ إلى أن سأله عن الساعة فأجابه ﷺ : (ما المسئول عنها بأعلم من السائل).
أي: كما أنك أنت تجهلها وتسألني عنها فكذلك أنا لا أعلمها، ولا أعلم وقتها ولا زمنها.
فعاد جبريل وأخذ يسأل عن علاماتها وعن أشراطها وعن الوقت الذي يمكن أن تأتي فيه هذه الأشراط.
وأما الأشراط فلها أشراط صغيرة وأشراط كبيرة، وأول أشراطها ظهور نبي الله ﷺ ، فإنه علامة من علامات القيامة، وقد قال ﵊: (بعثت والساعة كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى)، أي: ليس بينه وبين القيامة إلا كما بين السبابة والوسطى، ولكن كم مضى منها؟ فلما كنا جاهلين بقدر ما مضى، فنحن بالآتي أجهل.
وقد أتت العلامات التي سأل عنها جبريل رسول الله ﵊ وغيرها: مثل انتشار الفواحش، والعقوق، والتنكر للأمهات وطاعة الزوجات، واتباع اليهود والنصارى، ونفور الناس من الإسلام وطاعة ربهم، وتسلط الكفار على المسلمين نتيجة بعد المسلمين عن دينهم.
ولا تزال العلامات الكبرى وهي عشر لم يأت منها شيء، وهذه العلامات منها: الدابة، والريح الحمراء، وخروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵇، وآخرهن خروج الدجال، ثم لا يبقى في الأرض من يقول: ربي الله، ولا تقوم الساعة إلا على لكع ابن لكع، ولا تقوم على إنسان يقول: ربي الله.
وهذه العلامات العلامات الكبرى لم يأت منها حتى واحدة، مما يدل أنه لا يزال بين الناس وبين قيام الساعة الآماد الطويلة، وأما تحديدها فالله أعلم بذلك، ولكن النبي ﵊ أخبرنا أنه إذا بدأت أشراطها تسلسلت وانفرطت وتتابعت كما تتابع حبات العقد إذا انفرط.
قال تعالى: ((إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ)) فإذا سألك سائل: متى الساعة؟ قل: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ [طه:٥٢]، وقل: قد سئل عن ذلك رسول الله ﷺ سيد البشر والأنبياء لما سأله سيد الملائكة جبريل ﵇ فقال له ﵊: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، أي: إني أستوي معك في عدم معرفتها.
ومع ذلك فإن أشراطها وعلاماتها تعطي الإنسان صفة وعلامة على قربها، وإن كان ذلك غير محدد، وقد ورد أنها تقوم في يوم الجمعة، ولكن الجمعة في الشهر أربعة أيام، وفي السنة ثمانية وأربعون جمعة.
وقوله: ((إِلَيْهِ)) أي: إلى الله.
((إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ)).
стр. 2070
علم الله بما يخرج من الثمرات وما في بطون الحوامل
يقول ربنا: ((وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا))، وقرئ: (ثمرة)، وهي قراءة الجمهور.
والثمرات: جمع ثمرة، وهي كل ثمرة تثمر ويستفيد منها الإنسان وغير الإنسان من بقية الحيوانات.
((مِنْ أَكْمَامِهَا)) جمع كمة، وهي: الثمرة قبل أن تخرج من بذرتها ومن مكانها من الشجرة، فهذه الأكمام الله يعلم بها قبل خروجها، ويعلم متى ستخرج، وهل ستنضج أم لا، وهل ينتفع بها إنسان أو طائر، وهل ستكون حلوة أو مرة، وهل ستنفع أو تضر، كل ذلك يعلمه الله ﷻ .
فقوله: ((وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا)) أي: من براعيمها، وعندما تخرج من ذلك البرعم الذي يكون منطوياً عليها، وهو وعاء تلك الثمرة، وعندما تزهر وتسقط أوراق تلك الزهرة فتنظم عليها، وقبل أن تتفتح عليها وتخرج يعلم الله ذلك، وبإذنه وبعلمه يكون كل ذلك.
وقوله: ((وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ))، أي: خروج تلك الثمرات من أكمامها ومن براعمها وحمل الأنثى سواء كانت أنثى إنسان أو جان أو حيوان أو أية أنثى من إناث الكون الله يعلم حملها، وبإذنه يكون ذلك، ثم إذا وضعت، يعلم ربنا ذلك، وبعلمه وبإذنه يكون ذلك.
قال تعالى: ((وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي)) أي: هؤلاء المشركون الذين لا يعرفون عن الله إلا ما يعرفه الوثني والذين جعلوا له ولداً وبنتاً وصاحبة وأشركوا معه غيره من الجمادات والملائكة والجن والإنس فهؤلاء يعلمهم ربهم، وهو وحده المنفرد بالعلم وبالخلق، وبإذنه وبعلمه يكون كل شيء.
ثم يختم هذه الحجج والبراهين العقلية القاطعة بقوله: إنهم يوم القيامة سيعرضون على الكتاب ويعرضون على الله، ثم يقول لهم ربنا يوم ذاك: ((وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي))، أي: يوم يعلن ربنا يوم القيامة لأولئك المشركين الذين أشركوا بالله غيره: أين هؤلاء الشركاء؟ وما صنعوا في الخلق وفي الموت وفي الحياة؟ وكيف هم اليوم مع الآخرة؟ وإذا بالمشركين إذ ذاك عندما يبعثون ويحيون مرة ثانية ويعيشون ما أنكروه من البعث والنشور يجيبون: ((قَالُوا آذَنَّاكَ))، أي: أعلمناك وأسمعناك.
((مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ))، أي: لن يشهد أحدنا بأن لله شريكاً، أي: رجعنا عن اعتقاد ذلك وكفرنا بذلك، يقول ذلك كل من أشرك به نبياً أو جناً أو بشراً أو ملكاً، فهناك من يقول عن الملائكة: إنهم بنات الله، وهناك من أشرك مع الله جناً، ومن أشرك مع الله بشراً كـ مريم وعيسى والعزير وغير أولئك.
فيجيب هؤلاء الملائكة والجن والإنس: ((آذَنَّاكَ))، أي: أسمعناك وأعلمناك، ونخبرك ربنا! وأنت الأعلم أنك لا شريك لك، فأنت الواحد المنفرد بالخلق، لا ثاني لك في ذات ولا صفات ولا في أفعال.
ولكن لا ينفع هذا المشركين إذ ذاك، كما قال تعالى: ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨] فهذا لا ينفع والروح في الغرغرة، فكيف وقد ماتوا وانتهوا ومضت قرون بعد قرون حتى جاء البعث ورأى الناس ما آمنوا به غيباً في الحياة الدنيا واقعاً وشهوداً وحضروا إليه بالأشباح والأرواح في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون؟
стр. 2071
تفسير قوله تعالى: (وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل)
قال تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [فصلت:٤٨].
وضل عنهم: ابتعد عنهم وبعد وتاه وضاع ما كانوا يدعون من قبل؛ إما لأنها أخشاب وجمادات انتهت وبليت، وإما لأنهم ملائكة وبشر وجن تركوهم ولم يهتموا بهم في دار الدنيا ولم يعترفوا لهم بذلك، وسيسأل الله عيسى ﵇: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦].
فيتبرأ عيسى ﵇ منهم، وهذا زيادة في تفحيش من زعموا أن عيسى رباً وإلهاً، وهذا في دار الدنيا قبل الآخرة عندما ينزل من السماء الدنيا، ونزوله من العلامات الكبرى لقيام الساعة وقربها، كما أخبر نبينا ﵊، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويهدم الكنائس والبيع، ولا يترك إلا دين محمد ﷺ دين الإسلام، وذلك بأمر رسول الله ﷺ لا شريعة منه، بدليل أنه سيتبرأ منهم حال وجوده بينهم، وسيهدم الكنائس؛ لأنه لا يعترف بها، ولأنها قائمة على الأصنام والأوثان وعلى أن الله ثالث ثلاثة، ويقتل الخنزير؛ لأنه شعارهم يأكلونه دون غيرهم، وسيجبرهم على الإسلام بحد السيف، إما الإسلام وإما الموت، وإذ ذاك سيعم الإسلام الأرض ولن يبقى إلا مؤمن موحد، ولن يبقى من المعابد إلا المساجد بيوت الله التي يرفع فيها اسمه ويذكر الله فيها كثيراً، لا تلك المعابد التي تدعو إلى الشركاء وإلى الأوثان والأصنام.
قال تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [فصلت:٤٨].
(ظنوا) بمعنى: تيقنوا ولا حاجة لهذا، فإن (ظنوا) معناها: غلب ظنهم بأنهم سيعودون إلى الدار الدنيا، وسيتمنون على الله أن يعيدهم إلى الدنيا، فإذا عجزوا ولم تكن لهم هذه الأمنية صاحوا: ليتنا كنا تراباً، ولكن هيهات، لن يعودوا تراباً ولا إلى الدنيا؛ لأن الدنيا قد انتهت وفنيت ولا وجود لها، لأنها عند قيام القيامة تصبح كالعهن المنفوش، وتدكدك الجبال والسماوات، وتهلك الأرض وكل من عليها.
و ((مَحِيصٍ)): فرار.
قال تعالى: ((وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ)) أي: يظنون أنه لا مفر لهم من النار ولا مهرب لهم من عذاب الله، وأنه لابد منه، ويظنون ذلك واقعاً بهم، ويتمنون أنهم تستجاب دعوتهم وتحقق رغبتهم في العودة إلى الدنيا؛ ليعودوا للعبادة، ولو ردوا لعادوا لما نهوا، ولما انتهوا عما هم فيه، كما أخبر الله عنهم.
стр. 2072
تفسير قوله تعالى: (لا يسأم الإنسان من دعاء الخير)
قال تعالى: ﴿لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت:٤٩].
الكلام هنا على الإنسان الكافر، ((لا يَسْأَمُ)) أي: لا يمل من طلب الخير، وهي الدنيا والحظوظ والمال والنساء والأولاد ودوام العافية والصحة، هذا لا يمل منه ولا يسأم من طلبه والضراعة فيه.
((وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ))، أي: وإن أصيب بمرض من موت أولاد أو هلاك مال أو ذل وهوان، أو أي شيء يصيبه من الشر ((فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ))، أي: ييأس من روح الله ورحمته، ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، فلا يضرع إلى الله ضراعة الموحد المؤمن؛ ليرفع عنه ما ابتلاه به، وإنما هو كما قال الله: ((فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ)) يقنط من الدعاء ومن الرجاء؛ لأنه بنى كيانه ووجوده على الشرك والكفر وتعلق بالشركاء، وهيهات، فهم ما نفعوا أنفسهم حتى ينفعوه، وإنما هو يتعلق بالأوهام والأباطيل التي لا تنفع، وإنما هي أوهام متوهمة لا حقيقة لها في الواقع.
ويئوس وقنوط على صيغة فعول، وهي من صيغ المبالغة، أي: كثير اليأس والقنوط والملل والتبرم في حياته، ويتمنى لو كان هذا الشر قضى على حياته وعلى وجوده؛ لعله يستريح من ذلك الذل والمرض والضياع، ولكن هيهات هيهات، فالكافر ما لم يؤمن ويتوب فستبقى حاله في الدنيا في ضلال وفي بوار، وفي الآخرة في عذاب مقيم دائم.
стр. 2073
تفسير قوله تعالى: (ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء)
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت:٥٠].
يقول الله عن هذا الإنسان الكافر: ((وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ))، أي: ولئن أعطيناه تكرمنا عليه واستدرجناه أو أطمعناه لعله يتوب ويشكر النعمة.
((وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي))، أي: يتكبر ويتعاظم على الله، ويقول: هذا حق من حقوقي، وأنا صنعت ذلك بالمعالجة وبالأدوية، وبالحرص على جمع المال وبفهم التجارة والزراعة، وبما زاولت وصنعت وفعلت، فهو حق من حقوقي لا دخل لله فيه! وهل هناك شرك أخبث وأقبح من مثل هذا؟! وهذا الذي مسه الخير كان يدعو له ويحرص عليه، وإذا مسه الشر فيئوس قنوط، فإذا أذاقه الله وأطعمه وملكه ومنحه رحمة منه من بعد ضراء مسته، ورفع عنه ضرره ومرضه وفقره، وأعاد إليه رحمته من الأولاد والصحة وجميع النعم التي كان يدعو لها ويحرص عليها يشتد في ذلك ((وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي))، أي: حق من حقوقي وخاص بي، حزته بذكاء وبراعة وسبق.
وعاد في الشرك وأصر عليه وقال: ((وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً))، أي: لا ساعة ولا قيامة ولا حاجة إلى اتباع ذلك، ولا إلى إتعاب البدن في صلاة وفي حج وفي أعمال، وما هذه إلا أقاويل وكلمات أتى بها الأنبياء؛ ليستولوا على عقول الناس ويحكموهم ويسودوهم كما تزعم الشيوعية اليوم.
وكافر اليوم هو كافر الأمس ما تغير في شيء، فقد جمعهم الشرك بالله والكفر بالأنبياء وإنكار الكتب والرسالات، فإذا مرض تجده في غاية ما يكون من الهلع والانزعاج والقلق، وقد يدعو ربه إذ ذاك نتيجة الضعف حتى إذا صح وعالج نفسه واستجلب أطباء ماهرين وعاد له ماله وربما أكثر منه تجده يزداد طغياناً وكفراً ويقول: هذا نتيجة فن وذكاء وعقل.
قوله: ((وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً))، فهو في شك منها لم يتيقن بها ولا بوجودها.
فهو يقول: ((وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ))، أي: وما أظن القيامة ولا الساعة قائمة.
ثم يعود فيقول: ((وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى))، أي: وإذا كانت قيامة وساعة وأرجعت إلى ربي بعد الموت وعاد جسدي وذاتي إلي ((إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى))، أي: فكما أحبني في دار الدنيا وأصح بدني وأكثر أموالي وأولادي وأعطاني من الجاه فسيحبني في الآخرة، وسيكون لي عنده الحسنى من الحسنات والمنازل العاليات.
فهو يطمع أن يكون في ذلك مع الدعاة إلى الله من الأنبياء وأتباعهم وخلفائهم.
يقول ربنا ﷻ : ((فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا)).
وهذا تهديد ووعيد أكيد وابتلاء، فهو يقول لهؤلاء الذين يعيشون في الأوهام وفي الأباطيل وفي الأكاذيب التي لا وجود لها في نفس الواقع: يوم القيامة سننبئهم وسنخبرهم، واللام لام القسم.
((فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا))، أي: سيعرض ذلك عليهم مما كتبه الملكان الحافظان من سيئات ومن شرك ومن كفر بالله، ثم قال تعالى: ((وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ)) أي: وليطعمنهم ويعطيهم ويعافيهم من العذاب الغليظ، وليس من العذاب كله، وجزء من هذا العذاب يهلك قارات ويهلك عالماً، فكيف بجسد من عظم ولحم وعصب؟ والموت قد ماته، ولو بقي موت لمات في اليوم مرات، ولكن لا موت، وإنما يحترق بدنه وتذوب أعضاؤه، ثم يعيده الله كما كان؛ زيادة في عذابه وفي محنته، فهو في الاحتضار والعذاب الغليظ، الذي هو شديد أليم، يؤلم من دخله ومن ذاقه ومن ابتلي به.
والغلظ: الكثافة والشدة وما تمجه النفوس ولا تتحمله ولا تطيقه، وفي اللهجات الدارجة الشامية يقولون: فلان غليظ، أي: مؤذٍ بالنظر فيه وبصحبته، وهكذا النار، هي غليظة بآلامها وبهوانها وبحراسها من الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون من إهانة له وسحب على وجهه وتعذيب له أبداً سرمداً، دهر الداهرين، حيث لا موت لا في الجنة ولا في الجحيم.
стр. 2074
تفسير قوله تعالى: (وإذا أنعمنا على الإنسان)
قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت:٥١].
أي: إذا أنعم عليه ورزقه النعم وأكرمه بها في ذاته وفي جاهه وفي عياله وفي أولاده (أعرض ونأى بجانبه)، أي: أعرض عن طاعة الله وعن الاعتراف بوحدانيته، ونأى من النأي، أي: ابتعد عن الحق عن التوحيد وعن تصديق الأنبياء وكتب الله، وما زادته النعمة إلا بطراً وكفراً.
ومن هنا جاء الحديث النبوي: (إن لله عباداً لا يصلحهم إلا الفقر، ولو أغناهم لأفسدهم).
فهؤلاء عندما كثر مالهم وجاههم وصحت أبدانهم، فعوضاً من أن يشكروا الله ويأتوا بالصالحات جزاء إنعام الله عليهم، وازدادوا كفراً وبعداً عن الحق ونأياً عن التوحيد وإعراضاً عن الإسلام فتبين بهذا أن مال هذا كان استدرجاً وامتحاناً من الله وفتنة وابتلاء له من حيث لم يعلم.
وقد كان جزاء النعمة أن يشكر الله عليها، وقد قال ربنا: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]، فمن أنعم عليه فشكره على نعمته زاده الله منها.
وشكر النعمة كل بحسبها، فلا يكفي نعمة الأموال شكرها باللسان، بل يكون شكرها بإعطاء النفقات الواجبة عليه وإعطاء الزكاة والسائل والمحروم من الفقراء والمساكين، وكما قال النبي ﵊: (هلك المكثرون إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا)، أي: إلا من وزع المال في كل الجهات يميناً وشمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً ومن الجهات الست، وما عدا ذلك فماله وبال عليه، وخاصة إذا لم يعط منه الواجبات والفرائض ولم يقم بمن عليه نفقته.
وليست النفقة واجبة عليه بالنسبة للمرأة والأولاد فقط، بل هي واجبة عليه لمن هو محتاج من أهله، مثل: أمه وأبيه وأخته وأخيه إن كانوا محتاجين، وهكذا دواليك، والأنثى قبل الذكر، ومن هنا يقول ﵊: (أمك ثم أمك ثم أمك، ثم أباك، ثم أدناك وأدناك).
وقال ﷺ : (أختك ثم أخاك)، وهكذا؛ لأن النساء أحوج إلى العطف والنفقة من الذكر، بل لا نفقة على النساء البتة، بل نفقة النساء على الرجال، فما دمن في بيوت آبائهن فالنفقة على الآباء، فإذا انتقلن إلى بيوت الأزواج فالنفقة على الأزواج، فإن ذهب الزوج ووجد الولد فالنفقة على الأولاد، وإن كان الأب لا يزال موجوداً فتعود النفقة واجبة على الأب، وهكذا تنتقل حسب الأقرب فالأقرب.
ثم قال تعالى: ((وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ))، أي: إذا مسه شر من مرض أو فقر أو ذل أو هوان -والشر كثير، أعاذنا الله وإياكم منه- فهو ذو دعاء عريض، فيقول عند ذاك: يا رب! يا رب! وعند ذاك يحاول أن يحسن إحسان المضطر، حتى إذا شافاه وعافاه عاد لكفره، وأعرض ونأى بجانبه، وقال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت:٥٠] وهذا شأن المشرك والكافر ومن لم يخالط الإسلام بشاشة قلبه.
ومن هنا كانت الرسالة المحمدية شفاء وهداية للناس، وكان القرآن هداية للضالين ونوراً وشفاء لما في الصدور من شكوك وريب وهوان، وشفاء للأجسام بعدما شفيت من الأوهام ومن الوساوس ومن الشك والريب.
стр. 2075
تفسير سورة فصلت [٥٢ - ٥٤]
القرآن العظيم كتاب الله الذي أودع فيه من العلوم ما لا ينتهي، والإنسان إنما يدرك منه بحسب فهمه وما يحتمله عقله، وقد أخبر الله فيه من أخبار السابقين وعلوم الكون وأخبار اللاحقين ما جاء يصدقه الواقع ويوافقه الكشف العلمي الحديث.
стр. 2076
تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم إن كان من عند الله)
قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت:٥٢].
أي: قل لهم يا محمد! من بعد المناظرة وقيام الحجة، ((أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ))، أي: إن كان هذا القرآن كلام الله حق وكان الإسلام ديناً أتى به الله وأوحى به إلى نبيه وعبده صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكيف سيكون حالكم؟ ((مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ))، أي: من أضل من المشاقة ومن المخالف ومن شق عصا الطاعة والتوحيد والإيمان والاستسلام لله ولرسول الله ﷺ ولكتابه؟ فإذا وجد أن القرآن حق وهو حق، ووجد أن القرآن كلام الله الحق وهو كذلك؛ فكيف سيكون حاله؟ فهل هناك أضل ممن قد شق الطريق وعصا الطاعة والتوحيد فهو في شقاق بعيد، وقد أبعد في الكفر وأغرق فيه، وزاد كفراً على كفر، وأصبح كفره مضاعفاً مركباً؛ لأنه لم يبن على مجرد قول، بل بني على ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج فيها يده لم يكد يراها.
وهناك الجهل البسيط والجهل المركب.
فالجهل البسيط: أن يكون جاهلاً ويعلم نفسه جاهلاً، فإذا علم تعلم.
وهناك المشرك شركاً بسيطاً وشركاً معقداً مركباً.
فالشرك البسيط: هو أن يكون عن جهل، فإذا علمته وأفهمته وذكرت له شيئاً عن الله وعن كتابه وعن سنة رسوله ﷺ أعطاك سمعه وعينه، وأما ذاك إذا ذكرت له ذلك ازداد شركاً وكفراً وإلحاداً وأصر عليه وأتى بشبهات شياطين الجن والإنس وقال: لا آخرة ولا رسالات.
فهذا كفره مركب.
ومن كان كفره كفراً مركباً لا يكاد يرجى منه خير، ولا ترجى هدايته يوماً كبعض مشركي مكة مثلاً.
وكان عمر والرعيل الأول كذلك، ولكن كان شركهم مبنياً على دين قومهم ولم يأت بعد رسول يعلمهم ولا كتاب يفهمون عنه، فعندما جاء رسول الله ﷺ أعرضوا ما شاء الله أن يعرضوا، ثم أعطوه آذانهم، فإذا بهم يكتشفون أن هذا الكلام لا يقوله مفتر ولا كذاب ولا ساحر، وإنما هو كلام عن المصحف ومن نور المصحف، فإذا بهم يبادرون بالإسلام، فيصبحون بعد الإيمان سادة الأرض وسادة الأقوام كما كانوا سادتهم في الجاهلية.
وأما كفر أبي لهب وأبي جهل فكان كفراً مركباً، وكانا يعتقدان أن محمداً كذا وكذا، وأن الدين الحق هو ما أتى به آباؤهم وأجدادهم، وقاوموا النبي ﵊ ودعوا إلى هجرانه وإلى مقاطعته وإلى قتله وإلى سجنه، وحاولوا أن يؤلبوا عليه جزيرة العرب بما فيها من يهود ونصارى فعادوا بالخذلان وبالخسران وماتوا على الكفر، ولم يهتد أحد منهم؛ لأن شركهم كان مركباً ومعقداً.
إذاً: فقول ربنا ﷻ : ((قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ))، أي: قل يا محمد! لهؤلاء: أن يجعلوها مناظرة واحتمالاً، فإن اكتشفوا بعد فوات الأوان يوم القيامة والبعث الذي أنكروه، ووجدوا أنك رسول الله حقاً، وأن القرآن كلام الله الحق؛ فكيف سيكون حالهم؟ فلا يوجد أضل ولا أكثر ضلالاً وغواية وظلماً ومصيبة على نفسه قبل أن يكون على غيره ممن هو في شقاق بعيد، أي: ممن كان في شقاق وفي نزاع وقد شق عصا الموحدين والمؤمنين، وأبعد في الكفر بعد أن أصبح بعيداً عن أن يكون مؤمناً يوماً!
стр. 2077
تفسير قوله تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق)
стр. 2078
المعنى الإجمالي للآية
قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت:٥٣].
هذه الآية من الآيات العظيمة، فالله تعالى يقول للمؤمنين المعاصرين لنبينا ﷺ وقت النزول القرآني: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت:٥٣] السين للتسويف القريب، وكل آت قريب.
يقول تعالى للمشركين وللمؤمنين ليزداد المؤمن إيماناً، وعسى أن يهتدي الكافر بما يرى من العلامات والآيات الواضحات على صدق الإسلام والقرآن ومحمد ﵊: ((سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ)).
أي: سنريهم من الآيات البينات ومن الحجج القاطعات ومن الأدلة العقلية التي لا ينكرها إلا من فقد عقله قبل أن يفقد دينه، وسنريهم ذلك رأي العين، وإحساس البشرة وسماع الأذن وعيشة الواقع، والآفاق جمع أفق، وهي النواحي والأقاليم والقارات ونواحي الكون، ويشمل ذلك السماء والأرض والجبال والوهاد وكل ما سيتجدد مما لم يكن في عصر النبي ﷺ والصحابة؛ بدليل قوله تعالى: ((سَنُرِيهِمْ))، وما أراهم إياه وقت نزول القرآن فقد تم ووقع ورأوه فآمن به من آمن؛ بناء على شهودهم له ووقوعه بين أيديهم، فآمنوا من أجله وذلك هو المعجزة النبوية القرآنية لهؤلاء؛ لكي يؤمنوا ويسلموا ويتأكدوا بأن الإسلام حق، وفي هذه الآية يتكلم الله عن الحاضرين ومن سيأتي في المستقبل، فقال: ((سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ))، أي: في عموم الكون من السماوات والأرض.
((وَفِي أَنْفُسِهِمْ))، أي: كذلك سيريهم هذه المعجزات في أنفسهم مما لم يكن في العصر النبوي، بدليل بداية الآية (سنريهم).
وقال: (نريهم) ولم يقل: نريكم؛ لأن هذا كان بعد أولئك الذين عاصروا النبي ﵊ من الجيل الأول.
قال تعالى: ((حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ))، أي: حتى يتبين لأولئك الذين سيعاصرون هذه الآيات البينات والمعجزات الواضحات في الآفاق وفي السماوات والأرض وفي أنفسهم أنه الحق.
و (حتى) غائية، أي: ستكثر تلك العلامات والآيات؛ حتى يتبين لهم ويظهر بالدليل العقلي القاطع لمن كان له عقل أو ألقى السمع وهو شهيد، ((أَنَّهُ الْحَقُّ)).
والضمير إما أن يعود للقرآن -أي: أن القرآن حق- أو للنبي ﵊ -أي: حتى يتبين له أنه جاء بالحق وبالرسالة الحق وبأنه نطق بالحق- أو للإسلام -أي: أن الإسلام حق وجاء بالحق ومن عند الحق.
قال تعالى: ((أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ))، استفهام استنكاري، أي: أولم يكف هؤلاء وقد رأوا قدرة الله وآيات وحدانيته وقدرته أن يكون الله شهيداً على أحقية القرآن والرسالة المحمدية والإسلام؟ وكفى بذلك شاهداً وحقاً، ولكن الله جعل للكافرين ما يزيدهم إيقاناً وإيماناً.
стр. 2079
ذكر بعض ما تحقق مما أخبر به النبي ﷺ من الغيب
وهذه الآيات هي: كل ما في عصرنا مما لم يكن في عصر النبي ﵊، وأول ذلك ما أخبر به نبي الله وكتاب الله مما سيأتي بعد عصر النبوة في عصر الخلفاء الراشدين من قتل عمر وعثمان وعلي والحسين وفتن الصحابة ﵃، وقيام الفتن الضاربة أطنابها بين المسلمين.
وكل ما أخبر به النبي ﵊ من نشر الإسلام وبلوغه المشارق والمغارب وركوب البحار وخوضها في المشرق والمغرب، وانتشار الإسلام واتباع الناس له ولنبيه محمد ﵊، كل ذلك قد أخبر عنه ﵊ ووقع كما أخبر به.
بل وأخبر عما يحصل في السماء من طيران ومن صواريخ ومن تقارب الزمان وتقارب المشارق والمغارب، مما أشار إليه القرآن إشارات وفهمها ذوو الألباب، ولو قال الله وقال رسول الله ﷺ إن الناس يوماً سيركبون الحديد وسيسير هذا الحديد ويطير بقليل من الماء لقالوا: جن محمد وأتى بالهذيان الذي لا يعقل، وهم قالوا عنه: مجنون وهو لم يقل هذا.
وهذا ما أشار إليه الكتاب الكريم في قوله: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨]، فقد قال حبر القرآن ابن عباس: (ما) عطف، فكان من جنس المركوبات كما ذكر، وكان الأمر كذلك.
ولم ندرك هذا إلا نحن في عصرنا، فرأينا الحديد يطير في الأجواء بمياه أخذت من الأرض كمياه الآبار والعيون ونحوها، وهو لم يزد على كونه ماء، فمرة نسميه بترولاً ومرة نفطاً، وهو على كل اعتبار ماء لم نصنعه ولم نسع إليه، ولكنه ماء في أعماق الأرض على بعد عدة كيلومترات وأميال، وهذا الماء هو عصب الحياة اليوم، ولو أوقفت جزيرة العرب ودول العرب البترولية هذا الماء لشلت قوة أعدائها ووجودهم، ولو أوقفته البتة واستدامت على ذلك لما مشت سيارة ولا طارت طائرة ولا مخر البحر باخرة، ولما قاتلت دبابة ولا نزلت جنود ولا حضروا لقتال ولا شيء، وصحيح أن عندهم بترولاً ولكنه قليل لو صرفوه وشغلوه لما زاد على شهرين أو ثلاثة، ثم يصبحون مقطوعي الصلة حتى بين مدنهم الداخلية.
стр. 2080
بعض المعجزات الدالة على قدرة الله
ومن المعجزات أن هذا الإنسان بهذا العقل الصغير أصبح بهذا الفكر الكبير، فانظر كيف فكر هذا الإنسان الذي هو خلق من خلق الله، فصنع السيارة والصاروخ ووصل إلى القمر وسيصل إلى كواكب أخرى! وهذا سنتحدث عنه بالتفصيل بعون الله ومشيئته في سورة الشورى وهي الآتية بعد هذه، والتي يقول الله فيها: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٢٩]، فهذه الآية فيها من الغرائب والعجائب والمعجزات ما لو كانت وحدها لكفت أن يؤمن المشرك، وأن يعود للإسلام المرتد.
فهذا العقل الصغير الذي لا يزيد على كتلة لحم، ولو زال لمات الإنسان هو موضع التفكير والذهن والعمل مع القلب وهذه الاكتشافات تزيد المؤمن إيماناً والكافر كفراً وجحوداً، فقد قالت الشيوعية والماسونية واليهودية وفرق الكفر التي أخذت تنتشر في الأرض بواسطة الجامعة والكتاب والأقلام وأساتذة السوء والشر وأصبحت تأله الإنسان؛ قالت: الإنسان هو الإله والرب! نقول: وكيف يموت الرب؟! فهذا الإنسان الذي سموه رباً يمرض كما يمرض الناس ويهرف كما يهرف الناس، ويصاب بالجنون كما يصاب الغير! ومن الآيات العظيمة أيضاً: أدوات التدمير والخراب على كل أشكالها، فهذه القنبلة الذرية التي لا تتجاوز بيضة الحمام ضربت بها مدينتان في أرض اليابان فدمرت المدينتين، فأصبح عاليها سافلها، ومات بكل قنبلة ما يزيد عن مائتي ألف إنسان، وهذه القنبلة الآن طوروها وزادوا فيها من أنواع التدمير ما لو رميت على نيويورك وفيها اثنا عشر مليوناً لدمرتها وأصبح عاليها سافلها.
وأخطر من ذلك ما يسمى بالقنبلة الهيدروجينية وأنواع السلاح التي تسمم الجو، فلا تكاد تصيب إنساناً إلا ويجن ويصرع وكأنه لم يكن حياً يوماً ما.
وأيضاً هذه المخترعات الطبية التي تقتل بالنفس وبالسمع وبالنظر وتخدر الأعضاء وكأن الإنسان شرب خمراً أو أكل حشيشاً، حتى أن الجيش على كثرته تجده قد ارتمى بعضه على بعض، فلا يرد يداً ولا يقاوم ولا يعارض.
وما من دمار اخترع إلا واخترع مقابله؛ ليعارضه ويقاومه، وهكذا الأمر سيزداد إلى ما قاله ربنا: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس:٢٤]، أي: فأصبحت كأنها لم تكن بالأمس، وكأنها لم توجد، وهذه ظنون وأوهام.
وقال تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ﴾ [الذاريات:٢١]، أي: في الإنسان وفي خلقه، فمثلاً: إذا فقد الإنسان عقله فإنه لا يستطيع أن يشتريه، ولا يستطيع أن يرده الطبيب، هيهات هيهات.
стр. 2081
عجز الإنسان وحقيقة الاكتشاف
والله تحدى البشر كلهم فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣]، أي: ذبابة لم يخلقوها.
ثم كل هذا الذي نراه ونرى عجائبه وغرائبه يقولون: ليس خلقاً ولكنه تركيب! وليس اختراعاً ولكنه اكتشاف! والاكتشاف يعني: أن هناك نافذة عليها ستار، فإذا أزيل الستار رأيت ما وراء النافذة، فلو جاء إنسان وأخذ الرداء وكشفه وعرف أن خلفه كذا وكذا من بساتين أو بحار أو ناس فهو لم يزد على كشف الستار، وهكذا هي أسرار الكون والطبيعة، فهي كما خلقها الله، جاءوا فاكتشفوها، وعلموا أن في أجوائها ما يسمى أثيراً وما يسمى هيدروجين، وأن الطائرة تستطيع أن تحلق إذا كانت بقوة دافعة قدرها كذا كذا، ووزنها كذا كذا.
وبدءوا هذا بخاطرة، بل بشيء جاء بالصدفة، فقد كان أحدهم جالساً ولعله كان حشاشاً، ثم جعل ماء على إبريق صغير ليشرب كأس قهوة أو شاي، وإذا بالماء قد اشتد غليانه، ثم هذا الغليان دفع الغطاء فصوت الغطاء عندما زال، فرآه محمولاً على البخار، وأخذ يفكر ما الذي حمل هذا الغطاء؟ لم لا يسقط؟ إلى أن عرف أن ذلك بسبب البخار؛ إذاً: البخار فيه قوة، فجرب ماء أكثر فصعد أكثر، فجرب ماء أكثر فصعد أكثر، فكان ما يسمى بعصر البخار، وهو عصر البواخر والمعامل والآلات التي تذهب وتتحرك بالبخار.
ثم اكتشف البترول وكان معروفاً، ولكنهم لم يكونوا يعرفون له معنى، وبعضهم كان يشغله في الإضاءة كما نشغل الزيت والشمع في الإضاءة، وأما معرفتهم أن فيه قوة دافعة ودافقة، فهذا حدث أيضاً بالصدفة، ثم تزايد وتزايد والله هو الذي خلق ذلك وصنعه، وهو الذي وفقنا لاكتشافه وصنعناه بالعقل وبالتدبير وبالفكر الذي خلقه الله.
стр. 2082
ديننا دين القراءة والعلم
والإنسان إذا فقد عقله لم يتعلم ولم يكن شيء، والله هو الذي علم الإنسان ما لم يعلم، وأول آية نزلت في كتاب الله وعلى خاتم رسل الله نبينا ﵊: اقرأ، فكانت القراءة أول آية نزلت على نبينا ﷺ بواسطة جبريل من رب العزة ﷻ ، قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق:١ - ٤].
فذكرت القراءة والقلم في أول آية.
فهذا القلم الضعيف الهزيل الذي يكتب علوم الأولين والآخرين، وهذه القراءة التي اكتشفت فيها الحروف ومعاني الحروف منذ آماد، هو الاختراع الذي لم يأت بعده مثله قط، وهذا الحرف الذي لا يزيد على شرطة مستطيلة أو مربعة أو مسلسلة أو مثلثة أو مستديرة، وكل دائرة من هذه الدوائر تدل على معنى من المعاني سجل به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وعلوم الأوائل والأواخر وما كان وما يكون.
والذي أتى بهذا كان أمياً، والأمي إذا رآك على كتاب قال: هذا مسكين، يؤذي بصره ويضيع وقته، ولا يرى في ذلك إلا ألاعيب أرجل الدجاج وأيدي الأطفال.
والأمر ليس كذلك، فهو الأمر الذي أمر الله به نبيه ﷺ ليأمر به أمته، قال تعالى: ((اقْرَأْ)).
فالإسلام ابتدأ أول ما ابتدأ بالعلم وبالقراءة وبالقلم، وقد أعلى الله شأن العلم في كتابه، وجعل العلماء في الدرجة الثانية بعد الأنبياء، وأشاد في كتابه بهم وأشاد بهم النبي ﵊، وما جعل ورثته وخلفاءه إلا العلماء.
وقال ربنا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، وقد قرئ: (إنما يخشى اللهُ من عباده العلماء)، وذلك لما يحملون في صدورهم من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، والحكمة التي تنفع الناس مدة وجودهم على هذا الكوكب الأرضي.
قال تعالى: ((سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ))، وقد أرانا وأطلعنا وسيطلع الذين يأتون بعدنا على أكثر مما أرانا.
والآفاق جمع أفق، وهي نواحي العالم، وهي السماء والأرض.
((حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)) أي: حتى يظهر ويتأكد ويعلم ذلك بالدليل والبرهان من يستطيع ذلك، فمن هداه الله ووفقه سيفهم ذلك، ومن غطى الران على قلبه فلا يزيده ذلك إلا جهلاً وظلاماً، كأولئك الذين عاصروا النبي ﵊ رأوا أنواره المتلألئة وصدقه الذي ينبئ عنه وجهه قبل أن يتكلم، ورأوا معجزاته، وقد مضى على وجوده في الأرض أربعون عاماً وليس له علم ولا قراءة ولا معرفة، وقد كان على خلق كريم، فلم يعرف بكذبة ولا بغدرة ولا بسجدة لغير الله، إلى أن أمره الله بعبادته، ومع ذلك فإنك تجد البعض مثل أبي لهب وأبي جهل وعقبة بن أبي معيط وكل من لم يسلم لم يدخل حب النبي بين جنبيه.
ومن هنا قال أحد الناس للمقداد بن عمرو بن الأسود ﵁: ليتنا أدركنا رسول الله ﷺ فرأيناه ونصرناه، فقال له: لا تقل ذلك، فقد تدرك رسول الله ﷺ ولا تؤمن به، وقد أكرمك الله الآن، فآمنت به وبكتابه وصدقت برسالته، فأنت أفضل وأكرم من الكثيرين ممن رأوه ولم يؤمنوا به، ولم يصدقوه.
وهذا كلام حق.
وقوله تعالى: ((أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ)) أي: أولم يكف ربك؟ فهو فاعل جر بالحرف، ولكن معنى الفاعلية لم يزل، والمعنى: أولم يكفك أيها السامع! أن يكون ربك شاهداً على صدق القرآن وصدق رسالة محمد ﷺ وصدق الحق وضياع الباطل وأوهامه، وأنها من وحي الشياطين، وأنها تضر أصحابها ولا تنفعهم.
стр. 2083
تفسير قوله تعالى: (ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم)
قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت:٥٤].
ألا: حرف تنبيه، أي: ألا يا هؤلاء! أعيروني أسماعكم وأبصاركم، أي: انتبهوا، وهذا كما يقول الضابط للجندي: انتبه، ومعناه: أعطني أذنك وسمعك ولا تفكر في شيء إلا فيما سأملي عليك، وفي لغة العرب من حروفها وأدواتها ما يدل على هذا المعنى، فلو قال الضابط للجندي الذي يفهم اللغة العربية: ألا فاستمع، كانت (ألا) قائمة مقام انتبه.
فقوله تعالى: ((أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ)) أي: ألا إن هؤلاء المشركين الكافرين الذين لم يؤمنوا بالله في مرية وشك وتردد وارتياب من لقاء ربهم، أي: من يوم البعث والعودة إلى الحياة والعرض على الله، والشك في يوم القيامة كفر.
ثم ذكر ربنا عن نفسه: بأنه بكل شيء محيط، أي: أحاط علمه بكل شيء إحاطة الحائط، وتعالى الله عن المثل والشبيه، وكلمة (أحاط) من الحائط، وسمي حائطاً؛ لأنه يحيط بذلك البناء أو بتلك الساحة.
قوله: ((أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ)) هو أيضاً تنبيه، أي: انتبهوا يا هؤلاء! فإن علم الله وبصره وسمعه وإرادته محيطة بكل شيء، وهو الخالق لكل شيء، وهو المحيي المميت والرازق لكل شيء والعالم بكل شيء، وهو الذي لا تخفى عليه خافية في السماء أو في الأرض، أفظن هؤلاء أنهم سيفلتون من عقاب الله وعذابه؟ هيهات هيهات أن يفلتوا، وما بينهم وبين العقاب إلا أن يموتوا، ثم تعذب أرواحهم في القبر، ثم أجسادهم بعد ذلك في النار، عذاباً خالداً ينسيهم عذاب القبر وعذاب الدنيا.
وهذه السورة سميت بالسجدة لما فيها من السجود.
وسميت كذلك بفصلت أخذاً من كلمة (فصلت) التي ذكرت في أولها، أي: بينت آياتها وعلمت، وبين حلالها وحرامها.
стр. 2084
تفسير سورة الزخرف [١ - ٣]
إن الله بعث محمداً ﷺ برسالة الإسلام التي نسخت كل رسالة قبلها، وأنزل عليه القرآن خاتم كتبه وأشرفها وجعله قرآناً عربياً وخاطب به العرب ابتداء لأنهم أهل اللغة العربية؛ ولأنهم سيحملون هذا الدين إلى أقطار الأرض.
стр. 2085
تفسير قوله تعالى: (حم * والكتاب المبين)
سور الزخرف اشتملت على تسع وثمانين آية، وهي إحدى الحواميم التي هي بساتين القرآن وعرائس القرآن وزهرات القرآن، لما فيها من الكلام على الآخرة، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذكر الصالحات، وتنفير الناس من الطغاة، والاهتمام بالإسلام ونبي الإسلام والسلف الصالح.
قال تعالى: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف:١ - ٢].
فسر بعض العلماء الحروف المقطعة بأنها رموز لأسماء السور بعدها، وفسرها أقوام بأنها أسماء لله ابتدأت بالحرف الأول من حروف الاسم، وفسرها آخرون بأنها أعداد لأحداث مقبلة من خير وشر.
وذكر الزمخشري في الكشاف: أن هذه الحروف التي ذكرها الله في أول بعض السور تعقب دائماً بذكر القرآن الكريم، كـ ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ﴾ [البقرة:١ - ٢].
﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف:١ - ٢] وكوننا نجد سورة لم تكن كذلك فهي تبع لما قبلها، وهذا يدل على أن هذا القرآن معجز، وأنزل على أفصح الناس وأبلغهم.
وكان العرب فصحاء وبلغاء في خطابتهم وفي شعرهم وفي تحاورهم، فعندما ينزل هذا الكتاب عليهم ويتحداهم الله أن يجتمعوا مع الجن فيأتوا بمثله فهذا يدل على إعجازه.
وقد قيل هذا منذ ألف وأربعمائة عام، ولا يزال هذا التحدي قائماً، ولم يستطع أحد أن يأتي بقريب أو بشبيه لأي سورة أو آية منه.
ذكروا عن المعري في كتابه (لزوم ما لا يلزم)، وفي كتابه (طريق الغفران)، وذكروا عن مسيلمة الكذاب أنهما حاولا معارضة القرآن.
أما المعري فأتى بكلام عربي، ومع ذلك يوجد بينه وبين القرآن ما بين الخالق والمخلوق.
وأتى مسيلمة الكذاب بمخاريق وبحماقات وبكلام يضحك لا معنى له، ولا دلالة له، ولا يزال الناس يتضاحكون منه ومن قوله ومن قرآنه.
ومن ذلك: أنه جاءه مرة عمرو بن العاص إلى اليمامة وهي في نجد، وكان عمرو لا يزال على دينه الوثني، فقال: يا مسيلمة! ماذا أنزل عليك اليوم؟ قال: أنزل علي: أن لي نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشاً قوم لا يعدلون.
فالتفت إليه عمرو وقال: والله يا مسيلمة! إنك لتعلم أني أعلم أنك كذاب.
فهو على وثنيته وعلى عداوته إذ ذاك للإسلام ونبي الإسلام لم يقبل قوله وسخر منه وجابهه به.
والقرآن الكريم كلام عربي، فهو مركب من حروف الهجاء: ألف لام ميم، ألف لام راء، كاف هاء ياء عين صاد، طاء هاء، ياء سين، حاء ميم.
هذه الحروف الهجائية منها تكون القرآن، ومنها ترتب القرآن فاصنعوا إن شئتم مثل ذلك.
وهذا كأن يقول قائل: الإنسان مكون من التراب كما قص علينا ربنا، وهذا التراب فيه حديد ومنجنيز وكربون وسكر وملح وماء، فيقال لآخر: ائت بهذه المجموعة، فأت بقليل من تراب وقليل من ماء وقليل من حديد فاصنع إنساناً إن استطعت.
لا يمكن ذلك، كذلك يقال: هذه الحروف الهجائية التسعة والعشرون حرفاً اصنعوا منها كلاماً يضاهي هذا القرآن، وهيهات هيهات! فالقرآن نزل بلغة العرب وبحروف هجائهم وبقواعدهم في النحو والبلاغة، ومع هذا فالعرب عجزوا عن أن يأتوا بمثل سورة منه، وأصبحوا حيارى زمناً من الأزمان، فيقول قائلهم: هذا شعر، فيجتمع الشعراء ويقولون: درسنا الشعر بكل بحوره بوسيطه وبمتقاربه وبكامله فليس هو بالشعر.
فيقول آخرون: هو سحر.
فيقول السحرة: عرفنا السحر، أشكاله وألوانه فما هو بالسحر.
ويقول آخرون: هو كهانة -أي: عمل الكهان ليأخذوا به الأموال- فيقول الكهنة: علمنا الكهانة وأشكالها فما هو بكهانة.
فيقولون: لم يبق إلا أن محمداً مجنون، وهذا كلام مجنون، وحاشاه من ذلك! وبذلك سقط اعتبارهم، فالمجنون لا يقول مثل هذه الفصاحة والبلاغة، بل وأكثر من ذلك فإن النبي ﵊ أعطي جوامع الكلم، وهو سيد العرب فصاحة وبلاغة.
فإذا قال كلاماً ونسبه لله فهو القرآن، وإذا نسبه لنفسه نجد أن ما بين بلاغة القرآن وبلاغة النبي ﵊ كما بين كلام الخالق والمخلوق على الرغم من أنه أبلغ الناس، فأحاديث النبي ﵊ وخطبه لا تشبه سور القرآن بالفصاحة والبلاغة والإعجاز والتعبد بها.
فالقرآن كلام الله المعجز، وكلام غيره غير معجز بما فيه كلام رسول الله ﷺ على رغم بلاغته وفصاحته وشدة بيانه.
وقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف:٢] يقسم الله ﷻ بالكتاب المبين الواضح، البين في معناه وفي قصصه وفي عقائده وفي آدابه، والله ﷻ يقسم بما شاء كيف شاء، وما أقسم به يدل على شرف ذلك المقسم عليه.
أما الإنسان فلا يقسم إلا بالله، فقد قال نبي الله ﵊: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت).
стр. 2086
تفسير قوله تعالى: (إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون)
قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف:٣] يقسم ربنا ﷻ بأن القرآن أنزله عربياً، وتكلم به عربياً، وخاطب به العرب البلغاء الفصحاء الذين سيكونون بعد ذلك رسل رسول الله إلى العالم.
وهكذا كان الأمر، فقد خاطب الله نبيه وقال له: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] فآمن من آمن، واهتدى من اهتدى، وضل من ضل.
ومات ﵊ وقد استكملت الجزيرة العربية إيمانها وإسلامها، حتى قامت مشاكل وفتن واضطرابات، فتصدى لها أبو بكر تصدي الأسود فأذلهم وقضى عليهم، فقتل الأنبياء الكذبة، وقتل المؤمنين بهم، وأخضعهم للإسلام، وقتل مانعي الزكاة فأدوا الزكاة رغم أنوفهم.
ثم جمع القوم وأخذ بهم إلى الحدود لحرب الروم، ولم تكن مدة خلافته أكثر من سنتين وثلاثة أشهر.
فجاء عمر بن الخطاب ﵁ وزحف بدولة الإسلام إلى أرض الشام وأرض العراق وفارس ومصر وأرض المغرب.
فكانوا رسل رسول الله إلى الناس، فقد تفهموا القرآن بلغتهم، وعقلوه بفهومهم، وآمنوا به بقلوبهم، وهكذا كان.
والقرآن لا يترجم، ومستحيل ترجمته، ونأخذ مثالاً على ذلك: لو أن أساتذة كبار الجامعات ترجموا قطعة شعرية أو نثرية لينقلوها من لغة إلى لغة، فستكون تلك الترجمة لا يشبه بعضها بعضاً؛ لأن الترجمة هي تفسير للمعاني تعود للفهم وللإدراك.
والترجمة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: ترجمة ألفاظ القرآن وهذا لا يجوز.
القسم الثاني: ترجمة معاني ألفاظ القرآن وهذا يجوز، ولذا نجد ونرى اليوم قد ترجم كتاب الله إلى جميع لغات الأرض؛ لغات أهلها مسلمون، ولغات أهلها كافرون، كاللغة الفرنسية والتركية وغيرهما، مع وجود اختلاف في اللغات من ترجمة إلى أخرى، فالترجمة هي عبارة عن شرح وبيان وتفسير.
فالتفاسير في اللغة العربية مع كثرتها لا يكاد أن يتفق تفسير مع تفسير في كل العصور، فهذا يفهم شيئاً بناءً على فهمه أن الآية منسوخة، أو مطلقة، أو مخصصة، أو مقيدة.
ويأتي الآخر فيقول: ليست الآية بمنسوخة إلخ.
فكم اختلف المفسرون في معنى لواقح في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر:٢٢].
стр. 2087
تفسير سورة الزخرف [٢ - ٤]
إن الله حين أنزل القرآن على نبيه محمد ﷺ جعله مهيمناً على كل كتاب قبله ومصدقاً لما في الكتب السابقة من حق، وقد سبقت كتابة هذا القرآن في اللوح المحفوظ عند الله قبل إنزاله إلى الأرض بواسطة جبريل وقبل أن يكتب في الصحف والرقاع.
стр. 2088
بعض ما يستفاد من بداية سورة الزخرف
стр. 2089
الله تعالى يقسم بالكتاب المبين
وقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف:٢].
الواو واو القسم، فيقسم ربنا ﷻ بكتابه الكريم، القرآن العظيم، الذي يزيد في معناه، الظاهر في أحكامه، الواضح في العطاء، الجميل في قصصه، الظاهر في أحكامه وآياته وأخلاقه.
هذا الكتاب الكريم أقسم الله به، فالله يقسم بما شاء كما شاء، ولكنه إذا أقسم بشيء فهو يدل على عظمته ومكانته.
أما المقسم به فقد قال نبينا ﵊: (من كان حالفاً فليحف بالله أو ليصمت)، فاليمين لا تجوز ولا تنعقد إلا بالله أو باسم من أسمائه.
стр. 2090
حكم اليمين الزور
فمن أقسم بالله على شيء، وهو يعلم كذب نفسه ستكون يمينه يمين زور، ويمين الزور لا كفارة فيها، ولكن فيها العقاب الشديد الكبير في الدنيا قبل الآخرة، واليمين كذباً وزوراً يدع البيوت خراباً، ويهلك الحرث والنسل والأرزاق، ويقتل من في البيت بعضهم بعضاً رجالاً ونساء، لأن شأن الله عظيم، فالذي يقسم بعظمة الله وبجلاله وهو عالم كذبه فقد أقدم على باطل وبلاء، ويكون جزاؤه في الدنيا قبل الآخرة، واليمين الزور تجعل الدور بلاقع، أي: خراباً.
стр. 2091
فضل اللغة العربية
فقوله: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف:١ - ٢]، أي: قسماً بكتاب الله، ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف:٣] هذا هو المقسم عليه، يقسم ربنا ﷻ بكتابه البين الواضح المشرق النير المدرك، المجهول من أهل الجهل وأهل العلم وممن سعى في ذلك، بأنه جعل القرآن عربياً وأنزله عربياً، وتكلم به عربياً، فأنزله على سيد البشر محمد ﷺ وأوحاه إليه بالعربية التي هي لغة أهل السماء.
وقال علماؤنا: العربية لغة أهل الجنة، والقرآن نزل بأشرف لغة من لغات الأرض، وتكلم بها أشرف نبي على أشرف الأقوام صلى الله على نبينا وعلى آله.
وأول ما نزل القرآن على العرب، ثم تداوله الخلق من العرب والعجم، فالله أمر أول ما أمر نبيه ﵊ بأن يدعو قومه، فقال: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤]، ثم بعد ذلك أمره ربه فقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]، فهو رسول الله المرسل بالقرآن وبآخر دين في آخر الزمان، أرسله لكل البشر عربهم وعجمهم، أبيضهم وأحمرهم وأسودهم، وأنزله بلغة العرب، فكان العرب أول من حوسب بهذا الكتاب الكريم، وبهذه الرسالة الشريفة الكريمة فهي لغتهم الرسمية التي عليها نشئوا، وفي ظلالها تربوا، فكانوا يفهمون كتاب الله كما يفهم أحدنا لغته الدارجة الشعبية بحكم تربيته ونشأته.
فكانت لغة القرآن الكريم ليست بالشيء الصعب عليهم، ولا بالشيء العسير، وهكذا فقد بقي ﵊ بينهم ثلاثاً وعشرين سنة يعلمهم كتاب ربهم، ويبين لهم فصاحته وتفسيره وبيانه وحكمته وأحكامه في سنته المطهرة إلى أن التحق بالرفيق الأعلى ﵊، ثم زحف المجاهدون والدعاة إلى الله في مشارق الأرض ومغاربها مذكرين بهذا الكتاب الكريم، وبهذه الرسالة البينة الواضحة، فآمن بها من في المشرق والمغرب، وعلموا أول ما علموا لغة كتاب الله ولغة رسول الله التي بها نزل القرآن وفسر، حتى صارت اللغة العربية لغة الأمم والشعوب الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، وصار العجم بعد ذلك علماء في التفسير والحديث وعلماء في لغة العرب، فكان إمام التفسير هو محمد بن جرير الطبري، وهو أعجمي طبري، وكان إمام المحدثين هو الإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بردزبه البخاري، وكان أعجمياً فارسياً، وكان عالم اللغة والنحو الإمام سيبويه أعجمياً، وهكذا تتابع القوم.
فعلم النبي ﵊ قومه وعشيرته، ثم زحفوا بكتاب الله وبدين الله إلى مشارق الأرض ومغاربها، بدءاً من خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة آخر الخلفاء الراشدين إلى من جاء بعدهم من بني أمية وبني العباس وبني عثمان، فنشروا الإسلام بلغة العرب، ونشروا القرآن كذلك، فكان رسول الله إلى العرب، ثم العجم والناس كافة، وكان العرب رسل رسول الله إلى العرب والعجم.
стр. 2092
الجهل بالعربية جهل بالقرآن والسنة
ثم فسد الناس وضعفوا في دين الله، واتخذوا من الوثنية والقومية أوثاناً وأصناماً، فتعصبوا للغاتهم وأوطانهم وعشائرهم، فأضاعوا لغة العرب؛ لغة كتاب الله، ولغة دين الله، فأصبح كتاب الله مترجماً إلى لغات إسلامية، وإلى لغات فارس والهند، ثم بعد ذلك إلى لغات جميع سكان الأرض.
تلك البدعة ما أنزل الله بها من سلطان، ونرى اليوم الدعاة فرطوا فيها وتتابعوا فيها وهم يظنون أنهم يدعون إلى خير، وتلك بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، وما دعا رسول الله العرب والعجم إلا بلغة العرب لغته ولغة القرآن الكريم، ثم تتابع بعد ذلك خلفاؤه الراشدون، فما نصروا الإسلام في كتابه وسنته إلا بلغة العرب، فكانت الدعوة إلى اللغة العربية، وما لغة العرب إلا القرآن والسنة؛ لأن من لم يعلم لغة العرب لا يعلم القرآن ولا يعلم السنة النبوية، إلا إذا نشأ بين أهلها وفي بيئتها وتعلمها طفلاً وتحدث بها صغيراً، أما إذا تعلمها على كبر فيكون تعلماً ناقصاً وقاصراً، فقد رأينا الكثيرين ممن نصبوا أنفسهم دعاة إلى الإسلام، ما تعلموا لغة العرب إلا عن كبر، فأتوا بالمصائب في تفسير كتاب الله وحديث رسول الله ﷺ ، حتى خرج به بعضهم عن الإسلام، والبعض الآخر قال: إن النبي لا يطاع إلا إذا كان معه آية قرآنية، وفيما عدا ذلك ليست طاعته بواجبة، فهذا قول كافر، فمن قاله بعد تحريره وتبيينه وأصر عليه يعتبر كافراً.
وقال دعاة مشهورون العجائب والغرائب؛ لأنهم جهال باللغة العربية.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾ [الزخرف:٣] أي: جعلنا القرآن عربياً، وأنزلناه عربياً وأوحينا به إلى محمد ﷺ بلغة العرب.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف:٣] أي: لعلكم تعقلون وحيه ولغته وفهمه، وقد كان ذلك كما فسره الله وأراده، فكان العجم من السباقين إلى فهم كتاب الله، والمئات من التفاسير وضعها عجم بلغة عربية فصحى وتفاسير فصيحة، فقد فهموا لغة الإسلام وسنة رسول الله ﷺ الفهم الصحيح المفيد.
стр. 2093
تفسير قوله تعالى: (وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم)
قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف:٤]، أي: القرآن الكريم قبل أن ينزله الله على نبيه كان مكتوباً في اللوح المحفوظ.
وأم الكتاب أصل الكتاب، وأصل الكتابة اللوح المحفوظ، فقد أمر الله ملائكته أن يكتبوا فيه ما كان وما يكون إلى قيام الساعة، وإلى ما بعدها، إلى أن يدخل الجنة من يدخلها، ويدخل النار من يدخلها، وكتب فيه كتاب الله كما نزل به جبريل الروح الأمين ﵇ على قلب نبينا صلوات الله وسلامه وزكواته عليه وعلى آله وأصحابه.
بمعنى: أن الله كتبه في اللوح المحفوظ قبل خلق الخلق بألفي عام، والقرآن الكريم الذي نتلوه من السطور ونحفظه في الصدور، الموجود في المصاحف ونتعبد به الله مصلين ومتهجدين وتالين ودارسين ومتفهمين، وعالمين ومتعلمين، وهو ما نطق به ﷺ ، وما أوحى إليه به جبريل، وما كتب في اللوح المحفوظ، لم تغير فيه كلمة ولا حرف ولا آية ولا سورة لا بزيادة ولا نقصان، بل ولا بحركة من الحركات، سواء كانت ضمة أو فتحة أو كسرة أو سكوناً، أو كانت مدة بألف أو واو أو ياء.
فالله قد حفظه قبل إنزاله على نبينا، ثم حفظه بعد ذلك متعهداً فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، فالقرآن محفوظ بحفظ الله ﷻ وعز مقامه، ومهما كثر أعداء الإسلام والقرآن فإنهم عاجزون عن تغييره أو تبديله، وأعظم شيء بعد القرآن علم التجويد، وهو العلم الذي انفرد به القرآن الكريم، وقد عرفت نصرانياً في أرض الشام كان له شأن في الكفر، ووصل إلى رئاسة الوزارة، كان يتعلم القرآن على مجود، فقال له أحد المسلمين: أنت لا تؤمن به على أنه كلام لله ولا أنه وحي من الله، فلم التجويد؟ قال: لأن لغة العرب محفوظة بوجود القرآن بيننا بأن علمنا حركاتها وسكناتها ومدودها وقلقلة حروفها وظاءها وذالها وطاءها وزايها، فبقيت الحروف بحركات مقدرة بلا زيادة ولا نقصان، وهذا لا يعرف في لغة من لغات الأرض، فاللغة اللاتينية التي هي أصل لغات الأوربيين تفرع منها بقية اللغات حتى أصبحت كل لغة وكأنها لغة بذاتها وليست فرعاً للغة اللاتينية لتغير حروفها وحركاتها بطول الزمن وتحريف الصحف لها.
واللغة العربية الفصحى مع تغير الزمن، تفرع منها اللهجات العربية فأصبحت كل لهجة من هذه اللهجات لغة قائمة بنفسها، وقد حاول اليهود والنصارى أن يجعلوا للهجات الشعبية العامية نحواً ولغة ومؤلفات وكتباً ليتعلموها ويعلموها، ويبتعدوا عن لغة القرآن وهدي القرآن فعجزوا وما استطاعوا؛ لأن الله تعهد بحفظ القرآن، ومن حفظه للقرآن حفظ الناس له، ومن حفظ الناس له أن يحفظوا اللغة العربية فيتكلمون بها، كما يتكلم الناس لغتهم الدارجة وكما يفعل ذلك كل من تكلم وتمرن على الخطابة والكلام والكتابة والدراسة والتدريس بلغة القرآن، قال الشاعر: والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم فمن عود لسانه اللغة الفصحى أصبح بها عربياً أصيلاً، ومن عود لسانه لغة اللحن واللهجة المنحرفة ضاع عليه فهم كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ باللغة الفصحى.
وأم الكتاب هو عند الله كتابان: كتاب من قبل الله لا يراه أحد؛ لا ملك مقرب ولا نبي مرسل.
وكتاب من قبل الملائكة، يتلقون منه الأوامر والنواهي، لينفذوها سماء وأرضاً في الحياة وفي الممات وفي الآخرة، فما كان قبل خلق الناس يصفه الله حيث يقول: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، فهو الذي وصفه: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق:٢٩]، فما كان عند الله من كتاب الله ومن سنة رسول الله لا يغيران، فمثلاً: أوحي إلى نبينا ﵊ ليلة الإسراء على أن يصلي هو وقومه خمسين صلاة في اليوم والليلة، وقد نطق بهذا اللوح المحفوظ الذي يزيد وينقص، وبعد متابعة واجتماع وتردد بين محمد صلى الله عليه وعلى آله وبين ربه وموسى ﵇، أصبحت خمساً، فقال الله: (هي خمس في العمل وخمسون في الأجر لا يبدل القول لدي) فمحيت الخمسون التي كانت في اللوح الذي هو من جهة الملائكة، وبقيت الخمس المحدثة في الكتاب الذي من قبله، الذي لا يقبل التغيير ولا التبديل.
وقوله: ((وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ)) أي: عالي الرتبة والمقام، فهو جليل الأصل، وجليل الكلم، وجليل الحكم وجليل المنزل عليه، وحكيم يضع الأمور في منازلها ومواضعها، جاء بالحكمة وبالحكم، وجاء بالعزة وبالرفعة، وجاء بالصلاح للخلق في الدنيا والآخرة.
فالقرآن الكريم هو عند الله في أم الكتاب، وهو لدى ملائكته وجنده الذين لا يحصي عددهم إلا الله، وهو عنده عليُّ الشأن رفيع المقام، حكيم في أحكامه، حكيم في آدابه، حكيم في قصصه ونوازله، وما كان كذلك يجب أن يعتبره المسلم كذلك، فيجب أن يكون عندنا عظيم الشأن رفيع المقام معززاً مكرماً.
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٩]، ولأجل هذه الآيات حرم الفقهاء مس المصحف لغير متوضئ، ولو أن المطهرين هم الملائكة، ولكن الملائكة مطهرون لأنهم لا يرفثون ولا يتبولون ولا يتغوطون، فهم في طهارة دائمة، أي: فكذلك أنتم أيها البشر لا يليق بكم أن تمسوا كتاب الله وأنتم على غير طهارة.
وقد رخص بعض فقهائنا وعلمائنا للمعلمين وللمتعلمين مس القرآن على غير وضوء لما في ذلك من المشقة؛ لأن الله ما جعل في الدين من حرج، ورخصوا بأن يمسك من المصحف بعضه لا المصحف كله، فليس من الضروري أن يتعلم التلميذ كتاب الله ضمن مصحف، بل يكون لديه جزء واحد أو حزب واحد، وهنا يرخص له أن يمسكه من غير وضوء، أما المصحف فلا حاجة إليه، فهو يحفظ في اليوم ربعاً أو ثمناً ولا يحفظ القرآن إلا بعد سنوات، ومثل ذلك المعلم، فليس من الضروري أن يمسك المصحف كله، بل يكفي أن يمسك جزءاً أو ربعاً أو نحو ذلك.
стр. 2094
تفسير سورة الزخرف [٤٤ - ٤٥]
لما ختم الله رسالاته إلى البشر جعل خاتمها دين الإسلام، وبعث بها أفضل خلقه وأحبهم إليه ﷺ ، وشرف بهذه الرسالة العرب وبخاصة قريشاً التي أعزها الله بهذا الدين وجعل آخر كتبه بلسان قريش تكرمة منه تعالى، ومن ثم فإنه تعالى سيسألهم يوم القيامة عن هذا الشرف الذي حازوه وعن هذا الدين الذي أمروا بحفظه وتبليغه.
стр. 2095
تفسير قوله تعالى: (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون)
قال الله ﷻ : ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:٤٤].
يقول ربنا ﷻ بأن القرآن الكريم تذكير لك يا محمد وشرف لك ولقومك قريش وسائر العرب.
﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:٤٤] وسوف تسأل أنت وهم يوم القيامة عن هذا الشرف العظيم، فالقرآن نزل بلغتك ولغة قومك، وهذه الرسالة كانت فيكم معاشر العرب، ماذا صنعتم بها؟ هذا الشرف هل قمتم بواجبه؟ والرسالة هل قمتم بالدعوة إليها وبها؟ فليس الكبير مسئوليته مسئولية صغيرة، هل قاموا بها كما أمرهم الله ﷻ ؟ ولذلك فإن نبي الله ﵊ قال في حجة الوداع وهو يخطب: (لعلي لا أراكم بعد عامي هذا، فهل بلغت؟ فيقولون له: نعم قد بلّغت وأديت الأمانة وأحسنت البلاغ، فيشير بأصبعه السبابة إلى السماء ثم إلى القوم ويقول: اللهم اشهد).
ومعنى ذلك أنه يسألهم في دار الدنيا ليشهدوا له يوم القيامة أنه بلّغ ما أُرسل به، وأدى ما شُرّف به من هذه الرسالة، قال تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٣].
والقرآن شرف لقومه؛ لأن اللغة التي نزل بها القرآن هي اللغة العربية، والنبي ﵊ شرف لقومه؛ لأنه من سلالة عبد المطلب وهو من بني هاشم، وبنو هاشم من قريش، وقريش من العرب جميعاً فهو شرف لهم وعز لهم، والله يقول مذكراً لهم بهذا: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف:٤٤] فالقرآن والإسلام والرسول شرف للعرب وذكر للأولين وللآخرين، قال ﵊: (لقد كنت نبياً وآدم بين الماء والطين، إنني دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى، ورؤيا أمي، لقد رأت عندما كانت حاملاً بأنه أشرق منها نور أضاءت له قصور الشام وقصور بصرى).
فكان ﵊ مذكوراً مشرّفاً قبل أن يخرج لهذا الوجود، بل قبل أن تنفخ الروح في أبيه الأول آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
وقد أحسنت قريش أخذ هذا الأمر -بعد أن ضل من ضل، وعوقب من عوقب ولكن الأمر بقي في قريش بعد ذلك- وكان منهم المهاجرون والرعيل الأول الذي قام على عواتقهم هذا الإسلام العظيم، ففي مدة اثني عشر عاماً في مكة تحملوا العذاب والاضطهاد والإبعاد، وتحملوا أخذ الأموال وإفساد الأزواج وأخذ الغلمان والعبيد، ثم هجروا أوطانهم وذهبوا إلى أرض ما عاشوا وما عاملوا فيها أهلها، واتخذوها موطناً ومسكناً، وكانوا بعد ذلك حملة الرسالة المحمدية لمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكان الخلفاء الراشدون منهم، فـ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن كلهم من قريش، فقد علموا لهذا الشرف شرفه وعرفوا له مجده وذكره فازدادوا عبادة لله وطاعة لرسول الله وعملاً بنشر هذا الإسلام.
стр. 2096
الانتصارات التي حققها النبي وخلفاؤه الراشدون
مات النبي ﵊ وانتقل إلى الرفيق الأعلى وقد أسلمت جزيرة العرب ولم يخرج الإسلام بعد عن الجزيرة، فخطط النبي ﵊ في غزوة تبوك للروم، ثم في غزوة مؤتة التي أرسل لها أربعاً من القواد: زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة فاستشهد الجميع وولي القيادة خالد بن الوليد سيف الله وذكر ذلك نبي الله للأقوام وقال: (استلم الراية زيد فاستشهد وجعفر فاستشهد وعبد الله فاستشهد وأمّر نفسه خالد ولم أؤمره وهو سيف الله المسلول).
وأوصى لـ أسامة بن زيد بقيادة الجيش الذي سيحارب الروم وينشر الإسلام في بلادهم، وتوفي النبي ﵊ وهو يوصي: (ألا فأنفذوا جيش أسامة ألا فأنفذوا جيش أسامة، وأخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب، لا دينان في جزيرة العرب).
انتقل النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى فقام الخلفاء الراشدون بواجبهم تجاه الدين، ففي خلافة عمر نشر الإسلام للعوالم فما كاد يستشهد حتى نشر الإسلام في أرض الشام وأرض العراق وأرض فارس وأرض مصر وأرض البربر؛ فهم الذين كانوا رسل رسول الله ﷺ لنشر هذا الإسلام بعده.
فخلف من بعد ذلك خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وأنذروا من الله وقال لهم: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩] فعاقبهم الله فتقاتلوا فيما بينهم وكان بأسهم بينهم شديداً، وسقط بسلاح بعضهم البعض مئات الآلاف، والذين لو بقوا لنشروا الإسلام في الكون ولما بقي في الأرض إلا مسلم يشهد بشهادة الحق: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
هؤلاء الذين خلفوا الأقوام الأول والقرون الثلاثة الفاضلة عهد الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من القرون التي قال عنها ﵊: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)، قام الصحابة ثم التابعون ثم تابعوهم بنشر هذا الأمر فما كادت تمضي خمسون عاماً من القرن الأول حتى عم الإسلام الكون من الصين شرقاً إلى جبال برينيه في عمق أوروبا أرض فرنسا وما بينهما.
ولكن جاء بعد من تلاعب في الحكم الذي كان لكل مسلم الحق في أن يكون له الرأي والمشورة، وإذا بهم حولوها كسروية قيصرية كما تنبأ بذلك ﵊ عندما قال: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يصبح الملك عضوضاً كسروية قيصرية)، وعندما تمرد من تمرد من البغاة الذين قال عنهم نبي الله في الحديث المتواتر: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار).
فهؤلاء القوم الذين شرّفهم الله بجعل الرسالة فيهم، وبجعل لغة القرآن ولغة الإسلام لغتهم، بعد ذلك انكبوا وتحالفوا مع كل عدو للإسلام من اليهود القردة والخنازير ومن الصليبيين عبدة مريم وعيسى، وأصبحوا يحاربون دينهم وكتابهم وشرفهم وعزّهم، وأصبحوا عبيداً لليهود وللنصارى ضاربين بالشرف الذي شرفهم الله به عرض الحائط.
قال ابن تيمية: العرب في أنفسهم سادة الناس، وتمت السيادة بعد ذلك في الجاهلية والإسلام حيث جعل الله الرسالة فيهم والقرآن بلغتهم، ولغة الإسلام بلغتهم.
وقال عنهم: كان العرب أرضاً خصبة تفتقد الزرع والزارع فكان الزرع الإسلام وكان الزارع محمداً ﵊، وإذا بها تؤتي من الخيرات والنور والشرف والهداية ما عم الكون، فكانوا أئمة الناس ومعلميهم، وكانوا هداة الناس، وكانوا الفاتحين القلوب للهداية والنور الذي جاء به سيد الخلق وخاتم الأنبياء عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
وقوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:٤٤] أي: وسوف تسألون عن هذا الشرف في أخراكم، ما الذي صنعتم به؟ هل نشرتم دين الله؟ هل قمتم بما عليكم؟ هل نشرتم لغتكم التي جعلها الله لغة كتابه ولغة نبيه ولغة دينه؟ هل كنتم الأئمة والهداة جيلاً بعد جيل وعصراً بعد عصر إلى أن يصبح هذا الإسلام في كل العصور هداية الأقوام إلى يوم القيامة؟ وسيكون الناس يوم القيامة مسئولين عن أنفسهم، والعرب مسئولون مرتين: مرة في أنفسهم، ومرة عن هذا الشرف الذي شرّفهم الله به من كون لغة القرآن كانت لغتهم، والنبوة كانت فيهم، هل قاموا بما يجب عليهم فيها؟ والكفر قبيح من كل إنسان وهو أقبح عندما يكون فيمن ينتسب إلى العرب، أيليق بقوم محمد الذين شرّفهم الله بجعل القرآن بلغتهم ولكون النبي منهم أن يقاتلوا المسلمين ويحاربوا دينهم ويكونوا مع اليهود والنصارى على أنفسهم وعلى نبيهم وعلى كتابهم؟ قال قتادة في هذه الآية: (وإنه لشرف لك ولقومك) دخل في قوم النبي ﵊ كل من قال: لا إله إلا الله، فقد شرفه الله بالإسلام، وشرّفه بهداية محمد ﵊، وأصبح في نفسه مطالباً بعد ذلك بنشر هذا الدين على حسب علمه وعقله وما قدّره الله عليه، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠].
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض وواجب على كل مسلم، وأكد هذا الفرض وزاد الآية بياناً نبينا ﵊، فهو لا يخاطب قومه فقط ولكن يخاطب كل المسلمين فقال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)، أي: لا إيمان لمن لم ينكر الباطل بقلبه، وناقص الإيمان من يقدر على إنكار الباطل بيده فلم يفعل، وناقص الإيمان من قدر على إنكار الباطل بلسانه فلم يفعل، ولا إيمان لمن لم ينكر الباطل بقلبه؛ ولذلك يقول ﵊: (وذلك أضعف الإيمان).
والإسلام شرف لكل مؤمن، وكما قال ﵊: (الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة) وأعظم نعمة كرم الله بها الإنسان أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأن يكون من أتباع هذا النبي الكريم إمام الأنبياء وخاتمهم، وصفوة الخلق ملكاً وجناً وإنساً صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونحمد الله ونشكره بكل خلايا جسومنا أن جعلنا من أمته ومن أتباعه، وأدامنا الله على ذلك إلى لقائه يوم القيامة على الحوض وفي الجنان.
стр. 2097
تفسير قوله تعالى: (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون)
قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥].
دعا النبي ﵊ كفرة العرب وكفرة العجم إلى توحيد الله وعبادته، فقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، فهل أنزل بذلك كتاب قبلهم؟ وهل قال بذلك نبي قبلهم؟ فاسأل الأنبياء إن شئت: هل أرسل الله نبياً من الأنبياء بأن يُعبد غير الله، وبأن تكون هناك آلهة دون الله؟ لم يكن هذا قط، فقد أرسل الله الأنبياء كلهم بدعوة واحدة: ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] أمروا بعبادة الله الواحد، وأمروا الخلق جميعهم بعبادة الله الواحد.
فالوثنيات والشرك وعبادة الأصنام لم يأت بها كتاب ولا نبي وإنما هي من المخترعات والأكاذيب والأضاليل التي جاء بها الكفرة الفجرة من الأمم السابقة والأمم اللاحقة.
والله ﷻ عندما قال: اسأل الرسل، أين سيسألهم؟ فكلهم قد ماتوا قبله إلا عيسى قد رفع إلى السماء، وليس عيسى هو كل الرسل وكل الأنبياء، ومن أجل هذا توقف عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ﵄ في معنى هذه الآية: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الزخرف:٤٥] لأن معناها: أنه يسأل أهل الكتاب من أتباع الأنبياء، هؤلاء الذين ما جاء رسول الله ﷺ إلا وهم كفرة وثنيون، فاليهود عبدوا عزيراً والنصارى عبدوا مريم وعيسى، وقالوا عن عيسى: ثالث ثلاثة، وقالوا عن أنفسهم جميعاً: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ﴾ [المائدة:١٨] فكيف يسأل من لم يكونوا يوماً موحدين؟ إن كان المقصود آباءهم فقد انتهوا، وإن كان المقصود من عاصر أنبياءهم فقد انتهوا، فكيف يسأل من عاصروه، والله قد حكى عنهم: أنهم عبدوا عيسى وعبدوا عزيراً وعبدوا مريم وقالوا ما قاله الوثنيون قبلهم ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة:٣٠]؟ وكيف يسأل النبي ﵊ أقواماً كفرة فجرة جاء لتعليمهم وإخراجهم من باطلهم؟ تبقى الآية كما هي: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ [الزخرف:٤٥] أي: اسأل رسلنا: هل جاءهم الوحي أو أنزلت عليهم كتب أن يجعلوا دون الرحمن آلهة يعبدون؟ فلقد سألهم رسول الله ﵊، فعندما أُسري به ﵊ في ليلة الإسراء إلى بيت المقدس (المسجد الأقصى) -أعاده الله للمسلمين وطرد عنه القردة والخنازير- اجتمع عليه الأنبياء والرسل وأمره جبريل بأن يتقدمهم إماماً، ثم بلغه قول الله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ [الزخرف:٤٥]، هل جعل من دون الرحمن آلهة تعبد؟ وفي رواية وهي الأصح والأشهر وهي رواية جمهور المفسرين والمحققين: أن النبي ﵊ عندما قال له جبريل: سل، قال: لا أسأل أحداً، أنا مطمئن بقول ربي، عالم بما قال، ولا أسأل عنه أحداً، فما أرسل ربي نبياً إلا وأمره بعبادة الله الواحد، فبذلك آمنت وبذلك اطمأن قلبي دون حاجة إلى سؤال أحد.
وقيل: إنه سألهم، ولم يصحح هذا المحققون من المفسرين.
قال صليبي في مجلس عام فيه علماء ومسئولون: أليس في كتابكم أن تسألوا أهل الذكر؟ فنحن أهل الذكر، أليس في كتابكم أن تسألوا من أرسل إليهم من قبل؟ إذاً: أنتم مأمورون في شريعتكم بأن ترجعوا إلينا وتسألونا عما أنزل علينا.
ولم يوجد في المؤتمر إلا منافقي العلماء، ومنافقي الحكام؛ لأنه لم يرد عليه قوله؛ وهكذا أصبحت الأرض مباحة لليهود يفعلون ما شاءوا، والنصارى يفعلون ما شاءوا، أما المسلمون فإذا تكلموا أو نطقوا كُذّبوا وسجنوا وقيل لهم: لا تتدخلون في السياسة، ولا سياسة في الدين، ولا سياسة في الإسلام؛ وهكذا انقلبت المفاهيم رأساً على عقب، وأصبحوا يمشون على رءوسهم بدلاً من أن يمشوا على أرجلهم، قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥] هل أمرنا أحداً من الخلق أو رسولاً من الرسل أن يعبد غير الرحمن؟
الجواب
لا.
وقد قال ﵊ بياناً للعشرات من الآيات والسور أن الله أرسل رسله، وأمرهم أن يعبدوا الله ويجتنبوا الطاغوت، وقال نبي الله ﵊: (نحن معاشر الأنبياء أبناء علات أبونا واحد وأمهاتنا شتى)، أي: رسالتنا واحدة وكتابنا واحد ولكن دعوتنا مختلفة، والشرائع مختلفة، ولذلك فإن الله تعالى جعل العقيدة والدعوة للعبادة هي دعوة واحدة لجميع الرسل منذ آدم إلى خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أما الشرائع فمختلفة، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] والشرعة هي: القوانين والأحكام التي تتغير بتغير الزمان والمكان والأقوام والمصالح، ومن هنا كانت شريعة الإسلام خاتمة الشرائع لا رسالة بعدها، وجاءت بالاجتهاد فيما لا نص فيه، وبالاجتهاد في النصوص المحتملة خصوصاً وعموماً ومطلقاً ومقيداً.
ومن هنا كان المجتهدون في عصر رسول الله ﵊ من الصحابة قد اجتهدوا في حياته، وقالوا أقوالاً اختلفوا فيها وكان المحكم في ذلك رسول الله ﷺ ، وبعد موته ﷺ اختلفوا تبعاً لاجتهاداتهم وقد قال ﵊: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر).
وقد اجتهد رجلان من الصحابة في حياة النبي ﷺ وذلك أنهما كانا في صحراء فلم يجدا الماء فتيمما فصليا بذلك التيمم ثم وجدوا الماء فأحدهما لم يعد الصلاة والآخر توضأ وأعاد الصلاة، فالنبي ﵊ جعل أجرين لمن توضأ وأعاد الصلاة، وأخبر الآخر بأنه أصاب السنة.
стр. 2098
تفسير سورة الزخرف [٤٦ - ٥٤]
أخبرنا الله في كتابه الكريم عن رسالة موسى ﵇ وحاله مع فرعون وقومه، وبين ما جاءهم به من الآيات البينات والأدلة الواضحات، فما زادهم ذلك إلا إعراضاً ونفوراً، وكفراً بالله وغروراً، فأخذهم الله بعد إطلاق، وعاقبهم بعد إمهال، فأغرقهم جميعاً ونجى فرعون بجسده ليكون آية وعبرة.
стр. 2099
تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزخرف:٤٦].
الله كثيراً ما ينظّر ويضرب الأمثال والأشكال في الرسالة المحمدية وفي الرسالات السابقة؛ كالرسالة العيسوية والرسالة الموسوية، فعندما جاء الإسلام وجماهير من الناس يدّعون أنهم أنصار عيسى، وآخرون يدّعون أنهم أنصار موسى، ولكنهم جميعاً قد بدّلوا وغيّروا وزيفوا وحرّفوا في كتبهم التوراة والإنجيل، أما المسلمون فما حاولوا التحريف والتبديل في القرآن، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
لكن قد يكون التحريف في التفسير وفي الشرح وفي الفتوى وفي الاجتهاد عن نية سيئة أو عن جهل بالنصوص، ولا يحق للجاهل أن يفتي في دين الله ولا أن يتلاعب بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
فكان اليهود الذين أذلهم الله وغضب عليهم، والنصارى الذين جهلوا دينهم وضلوا عن سواء السبيل، فاليهود هم الذين حاولوا قتل عيسى، وكانوا يقولون عنه الإفك في حياته وبعد أن رفعه الله إلى السماء وحاشاه من ذلك، وأخذوا بعد ذلك يضللون أتباعه ويقولون عنه أنه إله وهو ثالث ثلاثة تعالى الله عن كل ما يقولون علواً كبيراً.
فكان القرآن يضرب المثل ليفهم المسلمين أنهم إذا فعلوا فعل اليهود يلعنهم الله كما لعن اليهود.
وهذا فعل في عصرنا عندما بدّلوا وغيّروا وحرّفوا وتركوا كتاب الله وراءهم ظهيراً، وأخذوا يتبعون اليهودية بشيوعيتها وماسونيتها ويتبعون الملل الكافرة الملحدة، فعندما أخذوا يجرون وراءها سلّط الله عليهم النصارى أولاً ثم اليهود بعد ذلك، ثم الجميع عقوبة من الله، وقد أنذرهم قبل ذلك نبيهم والكتاب المنزل على نبيهم فما رعوه حق رعايته وما اتعظوا وما عادوا وما تابوا، ولن يرفع الله مقته وغضبه على المسلمين حتى يعودوا إلى ربهم وإلى كتابه فيحكّمونه فيما بينهم، وإلى نبيه فيلتزمون طاعته والعمل بشريعته وإلا فالأمر لا يزداد إلا شدة، والله ﷻ ذكر ذلك في العشرات من السور والمئات من الآيات، وما من ذنب إلا بمعصية، ولذلك الله يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] فهذه المصائب نتيجة كسب اليد من الكفر بالله والجري وراء اليهود والنصارى والمنافقين من سكان البلاد.
فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ [الزخرف:٤٦] أي: بما يصدّق رسالته من الآيات الواضحات والمعجزات الكاشفات ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [الزخرف:٤٦] أي: إلى فرعون وقومه من أشرافهم وكبارهم وصغارهم، فجاء إليه موسى فقال: ﴿إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزخرف:٤٦] أي: جئتك يا فرعون! ويا قومه، وأيها المستعبدين له من الأسباط رسولاً من رب العالمين، لأدعوكم إلى عبادة الله الواحد وأن تتركوا فرعون وتألهه ودجله وأكاذيبه وأباطيله.
стр. 2100
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون)
يقول ربنا: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف:٤٧] لما جاء موسى بالآيات البينات آية بعد آية، إذا بالكفرة المتقدمين يفعلون ما يفعله الكفرة المتأخرون، يضحكون من دينهم ويضحكون من المعجزات التي أتى بها موسى فقالوا: هذا سحر، وهذه شعوذة، وهذا كذب، وقالوا: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ [طه:٥٧ - ٥٨] فأتوا بالسحرة، فغلبهم موسى بمعجزته فآمن السحرة، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه:٧٠] ثم تتابعت الآيات والمعجزات من نبي الله موسى وهارون إلى فرعون وملئه وما زاده ذلك إلا طغياناً وتجبراً وهو يدّعي الألوهية، يتأله والله يكذّبه، فعندما جاءهم بالآيات المتتابعات من الضفادع ومن الدم ومن النقص في الأثمار وفي الأنفس وفي الخيرات، ومما أصابهم من الآيات التسع، كانوا يتضاحكون حتى إذا ابتلوا وأرادوا الطعام سبقتهم الضفادع وإذا أرادوا الشراب سبقهم الدم وسبقهم القمل، وغير ذلك من المعجزات التي وردت، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ * وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٤٧ - ٤٨] يقول ربنا ﷻ : أتيناهم بالآيات المتتاليات المتتابعات، وما من آية أتت إلا والتي بعدها أكبر منها، (أكبر من أختها) أي: من قرينتها وسابقتها.
أتاهم موسى بمعجزات وقال لهم: أسلموا وآمنوا بالله، فجميع خلق الله سيموت، وإلهكم واحد فوحدوه، ثم يهددهم بالعذاب إن هم رفضوا توحيد الله، فابتلاهم بالنقص في الأنفس، فأخذوا يموتون الآلاف بعد الآلاف ويأتون إليه مستجيرين مستغيثين وهم يجأرون إليه، ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٩] ويدعو الله أن يرفعه فيرفعه الله، فيعودون لنفس الأيمان ولنفس العهود فيسلط الله عليهم النقص في الثمرات، فتنتشر المجاعة في أرض مصر، وأخذ الناس يموتون جوعاً وعادوا إليه يجأرون، ودعا الله أن يرفع عنهم ذلك، ثم سلط عليهم الضفادع فكانوا إذا أكلوا سبقت الضفادع اللقمة قبل أن يلتقطها أحدهم، ويحاولون أن يبتعدوا عنها وإذا بهم يمضغونها ويبلعونها وهم على غاية من الضيق والضجر، ثم ارتفع هذا البلاء، وسلط عليهم القمّل وإذا به في شعورهم وفي ثيابهم وطعامهم وشرابهم وعادوا وجأروا وصاحوا ووعدوه بالإيمان فرفعه الله عنهم، ثم سلط عليهم الدم فكانوا إذا أكلوا أكلوا دماً وإذا شربوا شربوا دماً وإذا مشوا في الأرض مشوا على الدماء، وهكذا حتى كان الانتقام وكان قاصمة الظهر حيث أغرقهم الله جميعاً، فجعلهم الله سلفاً وعبرة للآخرين، وقضى على حياة فرعون ولم يقض على جسده ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٢]، فأنجاه الله بالبدن ولم ينجه بالروح، ومن ذهب إلى مصر فسيجد في متاحفها تلك الجثث، وفرعون واحد منهم يقيناً بإخبار الله تعالى، وهم يقولون عن المجموعة أنها فراعنة فأخذوا يعتزون بها، وعادوا لرفع شأنها والتمسك بها.
﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٤٨] أي: وأخذهم الله وعاقبهم بعذابه وانتقامه بمختلف الآيات البينات والمعجزات الواضحات التي أتى بها نبي الله موسى وهارون، فما زادهم ذلك إلا عناداً وجحوداً ولم يرجعوا للإيمان والتوحيد وطاعة موسى وهارون، ثم أخذوا بعد ذلك يجأرون ويضرعون فقالوا: ﴿يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٩] قال قوم: كلمة الساحر كانت عندهم بمثابة العالم والكبير والعظيم، فكأنهم قالوا له: يا أيها العالم والخبير! ارفع عنا هذا البلاء بما أعطاك الله من النبوة والرسالة التي أكرمت بهما، والمحبوبية التي زعمتها، فادع الله لنا أن يرفع عنا هذا البلاء وهذا الغضب ﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٩] أي: نعدك بأننا سنهتدي، و (مهتدون): اسم فاعل بمعنى الحال والمستقبل، أي: سنهتدي وسنؤمن لك وبرسالتك وسندين بدينك ونترك فرعون وتألهه وربوبيته.
стр. 2101
تفسير قوله تعالى: (فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون)
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾ [الزخرف:٥٠] استجاب الله لموسى دعاءه فكشف عنهم العذاب، ولكنهم مع ذلك نكثوا العهد وغدروا فلم يهتدوا ولم يؤمنوا ولم يسلموا، وهكذا دواليك عند كل بينة وعند كل معجزة وعند كل آية وكل نقمة، والله نوع المعجزات على يد موسى، فيأتون جائرين طائعين باكين واعدين بأنهم سيعودون من الكفر والشرك إلى الإيمان والهداية، فما يكاد الله يرفع ذلك عنهم حتى يعودوا إلى الكفر والعصيان والجحود والطغيان.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ * وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ﴾ [الزخرف:٥٠ - ٥١]، ازداد فرعون تكالباً ونقمة وعناداً على موسى نبي الله؛ وذلك لأنه وصفه بأنه كافر وكاذب ومدع، فرأى فرعون أن هذا شيء عظيم لا يكاد يقبل فهو بجيوشه وبحكمه وبقصوره ويرى لنفسه مقاماً ودرجة ليس لموسى منها قليل ولا كثير.
وهكذا تزعم العقول عندما ينتزع منها نورها وفهمها وإدراكها فتفسر الأشياء بالمقلوب، حيث تفسر الكفر إيماناً والإيمان كفراً، والضلالة هداية والهداية ضلالة، والنور ظلاماً والظلام نوراً.
وإذا بـ فرعون ينادي قومه بعد كل ذلك وأخذ يحتج على ألوهيته بالكذب والدجل، وفي الاستدلال على الألوهية بسخافات لا يقبلها ولا يقولها إلا مجنون.
стр. 2102
تفسير قوله تعالى: (ونادى فرعون قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر)
قال تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١]، فإحدى دلائل فرعون أنه يحكم مصر، وما مصر بالنسبة للعالم إلا كواحد في المليون، فهنالك قارة آسيا مع سعتها وعرضها وبقية قارات الأرض، ولكن فرعون لسخافة عقله ولجنونه ولكفره ولعناده ظن أنه بحكمه لمصر سيصبح إلهاً يرفع ويضع ويقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، و ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨].
فنادى في قومه، أي: صاح وهو فاقد عقله ومنطقه بعد أن جاءه موسى بما جاء من البينات الواضحات والمعجزات الكاشفات، فنادى في قومه بعد أن جمعهم وخطب فيهم وادعى الألوهية كما يدعيها بعض حكام فارس.
وكان الرشيد ﵀ يقرأ هذه الآية وإذا به يضحك ويعجب كيف أن فرعون يدعي الألوهية لكونه يحكم مصر وما مصر بالنسبة لدولة هارون إلا جزءاً من الآلاف، فقد كان ﵀ يحكم المشرق والمغرب وجميع الأقاليم، فقال: والله لا يحكمها إلا غلامي المكلف بأموري، فذهب هذا الغلام الخصي ليحكم مصر فوجد ما وجد فيها، ثم قال: والله لن أحكم بلداً حكمها فرعون ورفض عبد هارون أن يحكم مصر التي حكمها من ادعى الألوهية، وجعلها دليلاً على ألوهيته.
ثم وليها كافور الأخشيدي مملوك أجعد الشعر أفطس الأنف لا يرى منه أبيض إلا أسنانه وبياض عينيه، فحكم مصر أحسن حكم عدلاً وعلماً وأمناً، وقضى على كل فتنة وفساد، حتى قال الناس: أين كافور من فرعون المتأله الكاذب على الله؟ الذي قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١]، أي: ألا ترون أني حاكم مصر، وهذا النيل يجري من تحت قصوري وبساتيني وأتحكم فيه وأحوله يميناً إن شئت ويساراً إن شئت، وكل إنسان يفعل ذلك.
فـ فرعون لم يخلق الناس ولم يخلق مصر ولم يخلق ما يدعيه.
ثم زاد فتطاول على نبي الله موسى فقعد يقول: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢]، فنظرته نظرة الكافر المشرك إلى أحد أولي العزم من الرسل، ووصفه بالمهانة، ثم قال له من بعد: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف:٥٣] فهذه الآية تبين أن فرعون مهين؛ لأن نبي الله موسى لا يلبس أساور النساء في يديه كما يلبسها فرعون، ولا يضع أصناف اللؤلؤ والمرجان في عنقه كما يضعها فرعون، وهل يعجز موسى ذلك؟ وماذا عسى أن يكون هذا الذهب واللؤلؤ؟ ولكن العقول الكافرة تكون قد تقذرت وتوسخت وصارت لا تقبل فهماً ولا نوراً، ولا ما يقبله ذوو العقول السليمة، ولذلك وصف الله هذه الطبقة بأنها كالأنعام بل هم أضل قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان:٤٤]، فهم أضل من حميرهم ودوابهم وهوامهم.
وقوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ [الزخرف:٥٢]، فصفة فرعون كما جاء في كتبهم أنه كان أشبه بضب طوله كعرضه، وكانت عيونه بارزة وأسنانه بارزة وأنفه أكبر من شفتيه، وشفتاه تكاد تكون أكبر من يديه، وهو يمشي كمدحلة الأرض، ينطق صياحاً، ويتحرك تحركات المجانين، وتصرفاته تصرفات مجانين، فكيف يصف نفسه بالجميل والشريف وبأنه خير من أنبياء الله؟! ولماذا قال عن موسى ذلك، وهو لم يأت بالأساور في يديه، ولا بعقود اللؤلؤ في عنقه، وكان ذلك عندهم علامة الشرف والقيادة والإمارة؟ وفسر بعض المفسرين قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ [الزخرف:٥٢] بل أنا خير، ولا حاجة لذلك، ثم يتساءل ويقول: ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١] أي: أليس عندكم أبصار ترون بها الأنهار تجري من تحتي والوديان أمامي وأحكم على من أشاء بالقتل أو التعذيب ممن يتعرض لي؟ أليس هذا دليلاً على أنه إله ورب؟ هكذا خطر في بال هذا الأجدب الأبله الذي فقد عقله قبل أن يفقد دينه، ثم أراد أن يفعل موازنة ومقارنة بينه وبين نبي الله، فله في مصر حكم وسلطان وربوبية، وهو خير من موسى وأبهى منه وأجمل؛ لأن في يديه الأساور وفي عنقه إلى صدره عقود من الزبرجد والمرجان وتخيل نفسه أنه أنثى، فينتهي به الرياء والفخر إلى هذا الحد، فليست الأساور من شأن الأنبياء ولا من شأن الرجال.
وقوله: ﴿وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢]، أي: لا يكاد يفصح؛ لأنه كان به لثغة، وكان فرعون سبب ذلك، فعندما ألقته أمه في النيل بأمر الله تعالى بعدما وضعته في الصندوق وإذا به يقع في يدي جواري زوجة فرعون فأخذته فإذا هو قمر عليه إشراق فتبنته، وقالت لـ فرعون: عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً، وبعد إلحاح تركه لها، وقال: لا حاجة لي بنفعه، ولو قال ما قالته زوجته لانتفع به، ولذلك لم ينتفع به ولا بوجوده في داره فتربى في بيت من سيكون سبب هلاكه والقضاء عليه، وفي يوم من الأيام دخل فرعون القصر، فأخذ موسى وعمره سنة فوضعه في حجره فإذا به يمسك بلحيته فيجره إليه حتى نتف منها شعرات، وإذا بـ فرعون يضج ويقول: هذا إسرائيلي وكاد يذبحه، فقالت له زوجته: يا فرعون كيف تقول هذا لصبي أرعن لا يفهم وإذا شئت أن تمتحنه فافعل، فائت بجمرة وتمرة فإن أخذ التمرة فهو عاقل، وإن أخذ الجمرة فهو طفل لا يدرك، فأخذ الجمرة فقذفها في فيه فحرقت لسانه فبقيت تلك اللثغة في لسانه، ولكنه دعا الله ﷻ أن يرفعها عنه عندما كلفه بالرسالة فقال موسى لربه في طور سيناء: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٥ - ٣٢] إلى آخر الآيات.
فاستجاب الله له وحل تلك العقدة وأعانه هارون بفصاحته وببيانه وبخطابته وبدعوته، فكل ما دعا الله به استجاب له فيه، قال له الله كما حكى لنا في القرآن الكريم: ﴿أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس:٨٩]، أي: أجيبت دعوة موسى وهارون.
ولكن مع هذا فإن موسى من بني إسرائيل واللغة القبطية دخيلة عليه، وقد يكون قد تعلمها تعلم الأجنبي للغة الأجنبية، فلم يكن يتقن النطق بها، إضافة إلى اللثغة التي بقيت في لسانه، فلا يكاد يجيد القول ولا يفصح الكلام لهذه اللثغة.
وقوله: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف:٥٣] يقول: لماذا لم تكن أساور الذهب في يد الرجل الذي ادعى النبوءة؟ وكيف سيكون حال هذا النبي عندما يكون في صورة هندي عليه الذهب والفضة؟ أيقبل هذا؟ ولكن عقل فرعون تصور أن يكون نبيه أشبه بأنثى والذهب في اليد والعقود في العنق، وأسورة: جمع سوار.
وقوله: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف:٥٣]، أي: لماذا لم تأت الملائكة تحرسه، وتحفظه، وتؤيده، وتصحبه؟ ومن أدراه أن الملائكة ليسوا معه؟ فهو أحقر من أن يراهم بدليل أنه عجز عن أن يصنع به شيئاً، فقد جاء موسى إلى فرعون وقومه وكلهم أعداء ألداء كفرة يؤمنون بـ فرعون إلهاً، وموسى وحده بينهم، وقد هاجم فرعون وكذبه ودعاه إلى عبادة الإله الحق، وأنه ليس إلهاً، فلم لم يقتله؟ ولم لم يقم في وجهه؟ وهو قد هدده وقال لهم: دعوني أقتل موسى وليدع ربه، فلم لم يفعل؟ فلو حاول ذلك لانطبقت عليه السماء والأرض ولأصبح كالأمس الدابر، ولكنه أعجز من ذلك.
وقد سبق أن جباراً من جبابرة قريش وهو أبو جهل أراد أن يضرب النبي ﷺ ، وإذا بالله تعالى يريه فحلاً من فحول الجمال بجانب النبي ﵊ فاتحاً فاه وكأنه فم بئر يريد أن يفترس أبا جهل وإذا به يفر ويتراجع.
فالله حفظه وصانه، والملائكة معه لا شك ولا ريب، ولذلك فإن فرعون لم يتجرأ عليه دون أن يرى الملائكة، وقوله: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف:٥٣] أي: جاءوا أقراناً مماشين له بعضهم عن اليمين وبعضهم عن الشمال وبعضهم أمامه وبعضهم خلفه، فقد تصوره كملك من الملوك يحتاج إلى الجند يصاحبونه أماماً وخلفاً وعن اليمين وعن اليسار، فالنبوءة شيء آخر، وكل ما على الدنيا بالنسبة لمنصب النبوءة ومنصب الرسالة إنما هو كمنزلة العبد من السيد الكريم، ولذلك عندما قال أبو سفيان وقد كان قائد الكفر في حرب النبي ﵊، عندما قبض وهو خارج مكة والجيش النبوي داخل لمكة سلمه النبي ﵊ للعباس وكان شريكه في الجاهلية وإذا العباس يقوم ويقف بجانبه، فرأى جيوش الله المظفرة وأخذ يسأل: من هؤلاء؟ من هؤلاء؟ فرأى الميمنة والميسرة والمقدمة والمؤخرة والقلب وفيه نبي الله ﵊ وكل على غاية ما تطيب النفس له، فسأل العباس عن هؤلاء فأجابه، فقال أبو سفيان: لقد أصبح يا عباس! ملك ابن أخيك عظيماً، قال: صدقت إنها النبوءة، قال: أما هذه فوالله لا يزال في قلبي منها شيء.
وكلامه هذا نتيجة النزاع القبلي والذي كان قبل النبوءة، وأنه بعقله وبفهمه أصبح ملكاً، وهو أعظم من ذلك، وما الملوك بالنسبة إليه وللأنبياء أمثاله إلا تابعون له ول
стр. 2103
تفسير قوله تعالى: (فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين)
قال ربنا: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤]، ادعاء الألوهية هو الهراء والكلام الساذج الذي لا ينطقه ذو عقل سليم؛ ألأنه يحكم مصر، وماذا عسى أن تكون مصر؟ فأنت لو حكمت الدنيا فإنك بعد ذلك ستموت ولا يموت الرب.
لكن قومه صدقوه واتبعوه وأطاعوه؛ لأنهم كانوا خفيفي العقول، فأيما حاكم جاءهم أسرعوا للطاعة ولقبول كلامه، فمن ادعى الألوهية أو النبوءة أو الزعامة أو الصلاح صدقوه، ومن أتى باليهود وحكموا معه صدقوه، ومن حارب المسلمين وسجنهم وشنقهم وهاجمهم صدقوه وكانوا معه، فتلك خصلة من الخصال التي خلقها الله وما أشبه اليوم بالأمس، فـ فرعون وجدهم ضعاف العقول خفيفي الأنفس قليلي الإدراك والفهم ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف:٥٤]، قال تعالى عنهم مبيناً سبب ذلك: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤].
стр. 2104
تفسير سورة الزخرف [٥٤ - ٦٠]
إن الأمثال وسيلة للإقناع ولتقريب المعنى المراد، وقد ضرب الله في كتابه الكريم الكثير من الأمثال، ومما ضربه الله لمشركي العرب من الأمثال خلق عيسى ﵇ واختلاف أتباعه عليه، فمنهم من عده الإله، ومنهم من عده ابن الله، ومنهم من عده ثالث ثلاثة، ورغم ضرب الله لهذا المثل إلا أن المشركين بسبب تعنتهم وصدودهم استمروا في جدالهم بلا دليل ظاهر ولا برهان قاطع.
стр. 2105
تفسير قوله تعالى: (فاستخف قومه فأطاعوه)
قال الله ﷻ : ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤].
قال الله عن فرعون إنه كان ضالاً مضلاً، كافراً قذراً، ادعى الألوهية، ويدل هذا على فساد عقل وحرص على الكفر، وإصرار عليه، ولخفة عقول قومه وضياع نفوسهم آمنوا به وقبلوا كفره وتألهه فآمنوا به وهم يرونه إنساناً ولد من ذكر وأنثى، يجوع ويعطش، ويمرض ويصح، ويفرح ويحزن، وإنما لمجرد كونه ملك شبراً من الأرض تاه فيه وتجبر وظن وتوهم أنه بسببه سيستحق أن يكون رباً إلهاً.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف:٥٥] أي: فلما أغضبونا وأسخطونا وتجاوزوا حدهم في الكفر والتعلق بالباطل والاستشهاد بالهراء من القول ﴿انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥]، أي: عاقبناهم وجازيناهم بما هم له أهل حيث ادعوا ما ليس لهم، ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزخرف:٥٥] حيث كفروا بالله وادعوا ما ليس لهم من ألوهية ومن عبودية الناس لهم ومن باطل لم يدعه أحد في الأرض.
وإذا بالله يغضب ويسخط عليهم ويغرقهم أجمعين، وذلك عندما خرج موسى وهارون وقومهما من أرض مصر، وإذا بـ فرعون يصله الخبر فيخرج هو وجنوده وقومه ويسرعون في اتباعهم وفي الجري خلفهم، وإذا بالله الكريم يفعل لموسى وهارون وقومهما معجزة بأن يفتح لهم في البحر طريقاً يبساً ويصبح الماء كالجبال عن اليمين وعن الشمال فينجو موسى وهارون وقومهما ممن آمنوا بهما من بني إسرائيل، فلما رأى ذلك فرعون وقومه اغتروا بذلك ولحقوا بموسى وهارون، فلما احتواهم البحر وأصبحوا داخله أمر الله البحر عن اليمين والشمال بأن يعود كما كانا وأصبح فرعون وقومه غرقى داخل الماء فماتوا غرقاً وخنقاً، وسلم الله فرعون بجسده وأبقاه عبرة لمن جاء بعده، وأبقاه ليتعظ به وليكون عبرة للمعتبر، وهو لا يزال إلى اليوم في متاحف مصر، وإن كان مجهول العين ضمن مجموعة من الفراعنة المتألهين الماضين.
следующие страницы →