Полный текст (2 442 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
تفسير قوله تعالى: (فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون)
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾ [الزخرف:٥٠] استجاب الله لموسى دعاءه فكشف عنهم العذاب، ولكنهم مع ذلك نكثوا العهد وغدروا فلم يهتدوا ولم يؤمنوا ولم يسلموا، وهكذا دواليك عند كل بينة وعند كل معجزة وعند كل آية وكل نقمة، والله نوع المعجزات على يد موسى، فيأتون جائرين طائعين باكين واعدين بأنهم سيعودون من الكفر والشرك إلى الإيمان والهداية، فما يكاد الله يرفع ذلك عنهم حتى يعودوا إلى الكفر والعصيان والجحود والطغيان.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ * وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ﴾ [الزخرف:٥٠ - ٥١]، ازداد فرعون تكالباً ونقمة وعناداً على موسى نبي الله؛ وذلك لأنه وصفه بأنه كافر وكاذب ومدع، فرأى فرعون أن هذا شيء عظيم لا يكاد يقبل فهو بجيوشه وبحكمه وبقصوره ويرى لنفسه مقاماً ودرجة ليس لموسى منها قليل ولا كثير.
وهكذا تزعم العقول عندما ينتزع منها نورها وفهمها وإدراكها فتفسر الأشياء بالمقلوب، حيث تفسر الكفر إيماناً والإيمان كفراً، والضلالة هداية والهداية ضلالة، والنور ظلاماً والظلام نوراً.
وإذا بـ فرعون ينادي قومه بعد كل ذلك وأخذ يحتج على ألوهيته بالكذب والدجل، وفي الاستدلال على الألوهية بسخافات لا يقبلها ولا يقولها إلا مجنون.
стр. 2102
تفسير قوله تعالى: (ونادى فرعون قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر)
قال تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١]، فإحدى دلائل فرعون أنه يحكم مصر، وما مصر بالنسبة للعالم إلا كواحد في المليون، فهنالك قارة آسيا مع سعتها وعرضها وبقية قارات الأرض، ولكن فرعون لسخافة عقله ولجنونه ولكفره ولعناده ظن أنه بحكمه لمصر سيصبح إلهاً يرفع ويضع ويقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، و ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨].
فنادى في قومه، أي: صاح وهو فاقد عقله ومنطقه بعد أن جاءه موسى بما جاء من البينات الواضحات والمعجزات الكاشفات، فنادى في قومه بعد أن جمعهم وخطب فيهم وادعى الألوهية كما يدعيها بعض حكام فارس.
وكان الرشيد ﵀ يقرأ هذه الآية وإذا به يضحك ويعجب كيف أن فرعون يدعي الألوهية لكونه يحكم مصر وما مصر بالنسبة لدولة هارون إلا جزءاً من الآلاف، فقد كان ﵀ يحكم المشرق والمغرب وجميع الأقاليم، فقال: والله لا يحكمها إلا غلامي المكلف بأموري، فذهب هذا الغلام الخصي ليحكم مصر فوجد ما وجد فيها، ثم قال: والله لن أحكم بلداً حكمها فرعون ورفض عبد هارون أن يحكم مصر التي حكمها من ادعى الألوهية، وجعلها دليلاً على ألوهيته.
ثم وليها كافور الأخشيدي مملوك أجعد الشعر أفطس الأنف لا يرى منه أبيض إلا أسنانه وبياض عينيه، فحكم مصر أحسن حكم عدلاً وعلماً وأمناً، وقضى على كل فتنة وفساد، حتى قال الناس: أين كافور من فرعون المتأله الكاذب على الله؟ الذي قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١]، أي: ألا ترون أني حاكم مصر، وهذا النيل يجري من تحت قصوري وبساتيني وأتحكم فيه وأحوله يميناً إن شئت ويساراً إن شئت، وكل إنسان يفعل ذلك.
فـ فرعون لم يخلق الناس ولم يخلق مصر ولم يخلق ما يدعيه.
ثم زاد فتطاول على نبي الله موسى فقعد يقول: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢]، فنظرته نظرة الكافر المشرك إلى أحد أولي العزم من الرسل، ووصفه بالمهانة، ثم قال له من بعد: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف:٥٣] فهذه الآية تبين أن فرعون مهين؛ لأن نبي الله موسى لا يلبس أساور النساء في يديه كما يلبسها فرعون، ولا يضع أصناف اللؤلؤ والمرجان في عنقه كما يضعها فرعون، وهل يعجز موسى ذلك؟ وماذا عسى أن يكون هذا الذهب واللؤلؤ؟ ولكن العقول الكافرة تكون قد تقذرت وتوسخت وصارت لا تقبل فهماً ولا نوراً، ولا ما يقبله ذوو العقول السليمة، ولذلك وصف الله هذه الطبقة بأنها كالأنعام بل هم أضل قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان:٤٤]، فهم أضل من حميرهم ودوابهم وهوامهم.
وقوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ [الزخرف:٥٢]، فصفة فرعون كما جاء في كتبهم أنه كان أشبه بضب طوله كعرضه، وكانت عيونه بارزة وأسنانه بارزة وأنفه أكبر من شفتيه، وشفتاه تكاد تكون أكبر من يديه، وهو يمشي كمدحلة الأرض، ينطق صياحاً، ويتحرك تحركات المجانين، وتصرفاته تصرفات مجانين، فكيف يصف نفسه بالجميل والشريف وبأنه خير من أنبياء الله؟! ولماذا قال عن موسى ذلك، وهو لم يأت بالأساور في يديه، ولا بعقود اللؤلؤ في عنقه، وكان ذلك عندهم علامة الشرف والقيادة والإمارة؟ وفسر بعض المفسرين قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ [الزخرف:٥٢] بل أنا خير، ولا حاجة لذلك، ثم يتساءل ويقول: ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١] أي: أليس عندكم أبصار ترون بها الأنهار تجري من تحتي والوديان أمامي وأحكم على من أشاء بالقتل أو التعذيب ممن يتعرض لي؟ أليس هذا دليلاً على أنه إله ورب؟ هكذا خطر في بال هذا الأجدب الأبله الذي فقد عقله قبل أن يفقد دينه، ثم أراد أن يفعل موازنة ومقارنة بينه وبين نبي الله، فله في مصر حكم وسلطان وربوبية، وهو خير من موسى وأبهى منه وأجمل؛ لأن في يديه الأساور وفي عنقه إلى صدره عقود من الزبرجد والمرجان وتخيل نفسه أنه أنثى، فينتهي به الرياء والفخر إلى هذا الحد، فليست الأساور من شأن الأنبياء ولا من شأن الرجال.
وقوله: ﴿وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢]، أي: لا يكاد يفصح؛ لأنه كان به لثغة، وكان فرعون سبب ذلك، فعندما ألقته أمه في النيل بأمر الله تعالى بعدما وضعته في الصندوق وإذا به يقع في يدي جواري زوجة فرعون فأخذته فإذا هو قمر عليه إشراق فتبنته، وقالت لـ فرعون: عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً، وبعد إلحاح تركه لها، وقال: لا حاجة لي بنفعه، ولو قال ما قالته زوجته لانتفع به، ولذلك لم ينتفع به ولا بوجوده في داره فتربى في بيت من سيكون سبب هلاكه والقضاء عليه، وفي يوم من الأيام دخل فرعون القصر، فأخذ موسى وعمره سنة فوضعه في حجره فإذا به يمسك بلحيته فيجره إليه حتى نتف منها شعرات، وإذا بـ فرعون يضج ويقول: هذا إسرائيلي وكاد يذبحه، فقالت له زوجته: يا فرعون كيف تقول هذا لصبي أرعن لا يفهم وإذا شئت أن تمتحنه فافعل، فائت بجمرة وتمرة فإن أخذ التمرة فهو عاقل، وإن أخذ الجمرة فهو طفل لا يدرك، فأخذ الجمرة فقذفها في فيه فحرقت لسانه فبقيت تلك اللثغة في لسانه، ولكنه دعا الله ﷻ أن يرفعها عنه عندما كلفه بالرسالة فقال موسى لربه في طور سيناء: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٥ - ٣٢] إلى آخر الآيات.
فاستجاب الله له وحل تلك العقدة وأعانه هارون بفصاحته وببيانه وبخطابته وبدعوته، فكل ما دعا الله به استجاب له فيه، قال له الله كما حكى لنا في القرآن الكريم: ﴿أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس:٨٩]، أي: أجيبت دعوة موسى وهارون.
ولكن مع هذا فإن موسى من بني إسرائيل واللغة القبطية دخيلة عليه، وقد يكون قد تعلمها تعلم الأجنبي للغة الأجنبية، فلم يكن يتقن النطق بها، إضافة إلى اللثغة التي بقيت في لسانه، فلا يكاد يجيد القول ولا يفصح الكلام لهذه اللثغة.
وقوله: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف:٥٣] يقول: لماذا لم تكن أساور الذهب في يد الرجل الذي ادعى النبوءة؟ وكيف سيكون حال هذا النبي عندما يكون في صورة هندي عليه الذهب والفضة؟ أيقبل هذا؟ ولكن عقل فرعون تصور أن يكون نبيه أشبه بأنثى والذهب في اليد والعقود في العنق، وأسورة: جمع سوار.
وقوله: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف:٥٣]، أي: لماذا لم تأت الملائكة تحرسه، وتحفظه، وتؤيده، وتصحبه؟ ومن أدراه أن الملائكة ليسوا معه؟ فهو أحقر من أن يراهم بدليل أنه عجز عن أن يصنع به شيئاً، فقد جاء موسى إلى فرعون وقومه وكلهم أعداء ألداء كفرة يؤمنون بـ فرعون إلهاً، وموسى وحده بينهم، وقد هاجم فرعون وكذبه ودعاه إلى عبادة الإله الحق، وأنه ليس إلهاً، فلم لم يقتله؟ ولم لم يقم في وجهه؟ وهو قد هدده وقال لهم: دعوني أقتل موسى وليدع ربه، فلم لم يفعل؟ فلو حاول ذلك لانطبقت عليه السماء والأرض ولأصبح كالأمس الدابر، ولكنه أعجز من ذلك.
وقد سبق أن جباراً من جبابرة قريش وهو أبو جهل أراد أن يضرب النبي ﷺ ، وإذا بالله تعالى يريه فحلاً من فحول الجمال بجانب النبي ﵊ فاتحاً فاه وكأنه فم بئر يريد أن يفترس أبا جهل وإذا به يفر ويتراجع.
فالله حفظه وصانه، والملائكة معه لا شك ولا ريب، ولذلك فإن فرعون لم يتجرأ عليه دون أن يرى الملائكة، وقوله: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف:٥٣] أي: جاءوا أقراناً مماشين له بعضهم عن اليمين وبعضهم عن الشمال وبعضهم أمامه وبعضهم خلفه، فقد تصوره كملك من الملوك يحتاج إلى الجند يصاحبونه أماماً وخلفاً وعن اليمين وعن اليسار، فالنبوءة شيء آخر، وكل ما على الدنيا بالنسبة لمنصب النبوءة ومنصب الرسالة إنما هو كمنزلة العبد من السيد الكريم، ولذلك عندما قال أبو سفيان وقد كان قائد الكفر في حرب النبي ﵊، عندما قبض وهو خارج مكة والجيش النبوي داخل لمكة سلمه النبي ﵊ للعباس وكان شريكه في الجاهلية وإذا العباس يقوم ويقف بجانبه، فرأى جيوش الله المظفرة وأخذ يسأل: من هؤلاء؟ من هؤلاء؟ فرأى الميمنة والميسرة والمقدمة والمؤخرة والقلب وفيه نبي الله ﵊ وكل على غاية ما تطيب النفس له، فسأل العباس عن هؤلاء فأجابه، فقال أبو سفيان: لقد أصبح يا عباس! ملك ابن أخيك عظيماً، قال: صدقت إنها النبوءة، قال: أما هذه فوالله لا يزال في قلبي منها شيء.
وكلامه هذا نتيجة النزاع القبلي والذي كان قبل النبوءة، وأنه بعقله وبفهمه أصبح ملكاً، وهو أعظم من ذلك، وما الملوك بالنسبة إليه وللأنبياء أمثاله إلا تابعون له ول
стр. 2103
تفسير قوله تعالى: (فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين)
قال ربنا: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤]، ادعاء الألوهية هو الهراء والكلام الساذج الذي لا ينطقه ذو عقل سليم؛ ألأنه يحكم مصر، وماذا عسى أن تكون مصر؟ فأنت لو حكمت الدنيا فإنك بعد ذلك ستموت ولا يموت الرب.
لكن قومه صدقوه واتبعوه وأطاعوه؛ لأنهم كانوا خفيفي العقول، فأيما حاكم جاءهم أسرعوا للطاعة ولقبول كلامه، فمن ادعى الألوهية أو النبوءة أو الزعامة أو الصلاح صدقوه، ومن أتى باليهود وحكموا معه صدقوه، ومن حارب المسلمين وسجنهم وشنقهم وهاجمهم صدقوه وكانوا معه، فتلك خصلة من الخصال التي خلقها الله وما أشبه اليوم بالأمس، فـ فرعون وجدهم ضعاف العقول خفيفي الأنفس قليلي الإدراك والفهم ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف:٥٤]، قال تعالى عنهم مبيناً سبب ذلك: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤].
стр. 2104
تفسير سورة الزخرف [٥٤ - ٦٠]
إن الأمثال وسيلة للإقناع ولتقريب المعنى المراد، وقد ضرب الله في كتابه الكريم الكثير من الأمثال، ومما ضربه الله لمشركي العرب من الأمثال خلق عيسى ﵇ واختلاف أتباعه عليه، فمنهم من عده الإله، ومنهم من عده ابن الله، ومنهم من عده ثالث ثلاثة، ورغم ضرب الله لهذا المثل إلا أن المشركين بسبب تعنتهم وصدودهم استمروا في جدالهم بلا دليل ظاهر ولا برهان قاطع.
стр. 2105
تفسير قوله تعالى: (فاستخف قومه فأطاعوه)
قال الله ﷻ : ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤].
قال الله عن فرعون إنه كان ضالاً مضلاً، كافراً قذراً، ادعى الألوهية، ويدل هذا على فساد عقل وحرص على الكفر، وإصرار عليه، ولخفة عقول قومه وضياع نفوسهم آمنوا به وقبلوا كفره وتألهه فآمنوا به وهم يرونه إنساناً ولد من ذكر وأنثى، يجوع ويعطش، ويمرض ويصح، ويفرح ويحزن، وإنما لمجرد كونه ملك شبراً من الأرض تاه فيه وتجبر وظن وتوهم أنه بسببه سيستحق أن يكون رباً إلهاً.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف:٥٥] أي: فلما أغضبونا وأسخطونا وتجاوزوا حدهم في الكفر والتعلق بالباطل والاستشهاد بالهراء من القول ﴿انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥]، أي: عاقبناهم وجازيناهم بما هم له أهل حيث ادعوا ما ليس لهم، ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزخرف:٥٥] حيث كفروا بالله وادعوا ما ليس لهم من ألوهية ومن عبودية الناس لهم ومن باطل لم يدعه أحد في الأرض.
وإذا بالله يغضب ويسخط عليهم ويغرقهم أجمعين، وذلك عندما خرج موسى وهارون وقومهما من أرض مصر، وإذا بـ فرعون يصله الخبر فيخرج هو وجنوده وقومه ويسرعون في اتباعهم وفي الجري خلفهم، وإذا بالله الكريم يفعل لموسى وهارون وقومهما معجزة بأن يفتح لهم في البحر طريقاً يبساً ويصبح الماء كالجبال عن اليمين وعن الشمال فينجو موسى وهارون وقومهما ممن آمنوا بهما من بني إسرائيل، فلما رأى ذلك فرعون وقومه اغتروا بذلك ولحقوا بموسى وهارون، فلما احتواهم البحر وأصبحوا داخله أمر الله البحر عن اليمين والشمال بأن يعود كما كانا وأصبح فرعون وقومه غرقى داخل الماء فماتوا غرقاً وخنقاً، وسلم الله فرعون بجسده وأبقاه عبرة لمن جاء بعده، وأبقاه ليتعظ به وليكون عبرة للمعتبر، وهو لا يزال إلى اليوم في متاحف مصر، وإن كان مجهول العين ضمن مجموعة من الفراعنة المتألهين الماضين.
стр. 2106
تفسير قوله تعالى: (وجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين)
قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ﴾ [الزخرف:٥٦]، أي: فجعل الله ما فعله بـ فرعون وبقومه من نقمة وغرق -معاقباً لهم في دار الدنيا- سلفاً ومثلاً للآخرين ممن يمكن أن يأتي بعدهم وأن يكفر كفرهم ويعصي عصيانهم ويتمرد على نبيه، وفي ذلك إنذار لجزيرة العرب وللعجم ولكل من أرسل إليهم نبينا ﷺ من مختلف أمم الأرض وشعوبها، وأنهم إذا خالفوا كما خالف قوم فرعون وفعلوا فعلهم وادعوا الألوهية الكاذبة لأصنام لهم وأوثان فسيقع عليهم ما وقع على أولئك.
والسلف: جمع سالف، أي: ماض وسابق، فالله جعلهم بعد قوم تقدموهم وسبقوهم في لعنة الله عليهم وعقوبته لهم بأن عاقبهم عقاب من يعصي نبيه ويخرج عن أمر ربه ويكفر بما أمر بالإيمان به ويؤمن بالكفر من كل كافر ومن كل وثني ومن كل مدع على الله ومفتر كاذب، فالله جعل فرعون وقومه سلفاً لقوم بعدهم وجعلهم سبقوا غيرهم ليعلم من يأتي بعدهم ويفعل فعلهم بأنه يعاقب عقابهم فيحذر ويخاف أن يحصل له ما حصل لمن سبقه من الكذبة الطغاة والفجرة الذين جعلهم الله سلفاً.
وذكر الله ذلك لقريش ثم لجميع العرب ثم لجميع شعوب الأرض بمختلف الملل واللغات فيما إذا خرجوا عن أمر نبينا ﵊ وطاعة كتاب الله المنزل على نبينا ليعلموا أن لهم سلفاً ممن عوقب وانتقم منه كـ فرعون وقومه.
стр. 2107
تفسير قوله تعالى: (ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون)
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف:٥٧]، أي: لما ضرب الله عيسى بن مريم مثلاً وذكره وجعله مثالاً للعبد الذي خلقه الله وجعله آية من الآيات لنبي إسرائيلي كآدم ﵇ فقد خلق بلا أب ولا أم، خلقه من تراب ثم نفخ فيه من روحه فكان بشراً سوياً، وخلق عيسى لأم بلا أب، قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩]، ضرب الله عيسى مثلاً لبني إسرائيل وللعرب ولمن أمر بأن يؤمن بالنبي ﷺ خاتم الأنبياء.
والله تعالى أرسل عيسى نبياً وإذا قومه يعبدونه ويؤلهونه، فيقول قوم منهم: هو الله، ويقول آخرون: هو ابن الله، ويقول آخرون: هو ثالث ثلاثة كذباً على الله وافتراء، فانتقم الله منهم وأذلهم وجعلهم أسلافاً وأمثالاً لمن يأتي بعدهم، وضرب الله عيسى بن مريم مثلاً لقوم نبينا وهم قريش ليتخذوا منه عبرة وعظة وإذا بهم يصدون ويستكبرون ويجادلون الحق بالباطل، وقد قال الله لقريش بل ولقومه خاصة: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، قال الله لهم: أنتم وما ألهتموه من أوثان وشياطين وحيوانات فأنتم وإياها وقود جهنم أنتم لها داخلون وفيها مقيمون دائمون.
وعندما قرأ النبي ﵊ على قومه هذه الآية وهم جلوس فسكتوا وعجزوا عن الجواب وأفحموا، وقال كاذبهم الذي قتله النبي ﵊ في غزوة بدر وهو عبد الله بن الزبعري: لو كنت حاضراً حديث محمد ﷺ لقلت له: فنحن العرب نعبد الملائكة، والنصارى يعبدون عيسى، واليهود تعبد عزيراً، فكيف يكون هؤلاء في النار حصب جهنم هم فيها خالدون.
والرد على هذا الكافر فيما يلي: أن الله قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، ولم يقل: ومن تعبدون، فإن من للعاقل وما لغير العاقل مما لا يعقل من حيوان أو جماد وما يشبه ذلك.
وأما عيسى والملائكة والعزير فلا تستعمل معهم ما وإنما تستعمل من، فما أجهله بمراده.
وقوله تعالى: ﴿يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف:٥٧] قرئ (يصِدُّون) بكسر الصاد، أي: يضجون ويصرخون ويجادلون بلا دليل ولا برهان، وقرئ (يصُدُّون) أي: يبتعدون عن الحق وعن الآيات الكريمة ولا يريدون معرفة الحقائق بجدالهم الباطل.
стр. 2108
تفسير قوله تعالى: (وقالوا أآلهتنا خير أم هو)
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٨].
يخبر الله عنهم أنهم يجادلون بالباطل ويحاولون أن يدحضوا به الحق وهيهات هيهات! وقالوا: أآلهتنا خير إن كانت في النار أم عيسى والعزير والملائكة؟ وهم يقصدون بذلك مناة والعزى وبقية الأصنام، يقول الله ﷻ : ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٨] أي: شديدوا الخصام بالباطل يجادلون بالباطل بلا دليل عقلي ولا نقلي، قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان:٤٤].
فكيف يوازن بين جماد وحيوان، وبين نبي من أنبياء الله أو ملك من الملائكة أو صديق من الصديقين وبين هؤلاء الأصنام؟ وأي طريق أو برهان يمكن أن يوازنوا فيه بين نبي أو عبد أو صديق أو رسول وبين وثن وجماد لا يعقل ولا ينطق؟ ولذلك يصفهم الله ويقول: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٨]، أي: إضافة إلى الجدال والخصام بالباطل والاستدلال بالهراء والتمسك بما لا يصح عقلاً ومنطقاً ونقلاً إنما أرادوا أن يقولوا ما يعتقدونه في أنفسهم من باطل وضلال، والأمر كما قال نبينا ﵊: (ما ضل قوم بعد هدى إلا وأعطوا الجدل)، أي: ما انتقل قوم من الهداية والنور إلى الضلال والردة إلا وأعطوا الجدل، ولذلك تجد أصحاب المذاهب المبتدعة الضالة التي لا حظ لها في الإسلام من أكثر الناس جدالاً وخصاماً ولعباً بالأدلة والبراهين وتأويلها والخروج عن ظاهرها والكلام عن بواطنها بما لا يقره صاحب منطق ولغة ولا يوجد له نظير.
وكما قال ﵊: (اختلفت اليهود على واحد وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستختلف أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: ما هي يا رسول الله؟! قال: ما أنا عليه وأصحابي)، وهؤلاء هم الذين طبقوا ما قال الله وما قال رسول الله ﷺ من الهدي النبوي وسلوك الأصحاب من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، فرضي الله دينه وعبادته ورضوا عن الله في جميع ما أكرمهم به وعاملهم به وقضى عليهم به.
وقوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ [الزخرف:٥٨]، أي: ما جعلوا ابن مريم مثلاً بالأصنام إلا جدلاً بغير منطق وعقل وغير حق وغير دليل وبرهان، لا من منطق عقول ولا من منطق نقول.
وقوله: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٨]، أي: بل هم قوم خصام وجدال وكلام بالباطل وبغير الحق، ولا يكون الحق إلا من عقل تشرق فيه أنوار الهداية، أما الكلام المقابل للمنطق والدليل فهو الهراء والجدال والخصام، وقد ورد النهي عن الجدال في الدين، أما المحاورة بالدليل والمناظرة بالبرهان والمذاكرة بما يثبت الحق ويدحض الباطل فذاك مطلوب، ويجب أن يكون ذلك في أهل العلم طلاباً وأساتذة ودعاة إلى الله، ويبقون كذلك حتى إذا انتقلت المحاورة والمناظرة من المنطق والحق والهداية إلى الخصام بلا دليل ولا برهان يجب على من يدير الحديث من أهل العلم أن يقطع الحديث؛ لأنه عندما ينتقل من الحوار بالحق إلى الجدال بالباطل فما هو إلا بعد عن الحق وإغراق في الباطل، وما ذكر عن فساد الجدال والخصام بالباطل هو بهذا المعنى.
وقوله: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا﴾ [الزخرف:٥٨] هذا استفهام، أي: تلك الأوثان والأصنام من مناة والعزى ومن بقية الأحجار التي لا حراك بها ولا تشعر بباطل ولا بحق إن هي إلا جمادات لا تضر نفسها ولا تنفعها، فكيف بأن تنفع غيرها أو تضره.
стр. 2109
تفسير قوله تعالى: (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل)
قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف:٥٩].
إن: نافية، أي: ليس هو إلا عبداً لله أنعم الله عليه بالنبوءة وبالرسالة وبالحكمة وجعله عبرة لقومه ومثالاً يحتذى ويطاع ويمتثل أمره ويجتنب نهيه ويتبع في نبوءته ورسالته وحكمته من قومه بني إسرائيل، فليس هو بإله كما زعم النصارى، وليس هو بكاذب أو ابن لـ يوسف النجار كما زعم اليهود، فلعنة الله على اليهود والنصارى معاً.
والقول الحق أنه كآدم، فكما خلق الله آدم بلا أب ولا أم جعل الله عيسى آية في بني إسرائيل وعبرة للخلق بعده فجعله من أم بلا أب، وليس كما زعم اليهود أنه جاء سفاحاً، ومعاذ الله أن يكون النبي الكريم والعبد المنعم عليه كما يزعمون ويفترون.
فالنصارى أغرقوا بالدعوى الكاذبة أنه إله، واليهود أغرقوا في سب عيسى والتنقيص من منزلته ومقامه، فضل الأولون والآخرون، وقال المسلمون ما قاله ربهم: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ﴾ [الزخرف:٥٩]، أي: ليس هو إلا عبداً من عباد الله كآدم وبقية الأنبياء في كونهم عباد الله المكرمين يفعلون ما يؤمرون، وأنعم عليه بأن أعطاه من النعمة بأن جعله نبياً ورسولاً من أولي العزم من الرسل.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف:٥٩]، والله جعله عبرة وجعله مثلاً لبني إسرائيل ليزدادوا شكراً وحمداً لله على ما أكرمهم به من خاتم أنبيائهم وهو عيسى ﵇، ولكن اليهود عليهم لعنات تترى قتلوا الأنبياء بل وحاولوا قتل عيسى، قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]، ولكنهم أصروا على أنهم هم الذين قتلوه واتبعهم في هذا الباطل وصدقهم النصارى من بني إسرائيل -وإن كان كلهم يهود- كالذي اتبع عيسى ثم كفر به وقال عنه أنه إله، والذي كفر بعيسى وقال عنه أنه ابن يوسف النجار، وكل أولئك قد كذبوا النبي العبد المنعم عليه وقالوا قولاً وخصومة وجدالاً بلا دليل ولا برهان.
стр. 2110
تفسير قوله تعالى: (ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون)
قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف:٦٠]، سبق أن قال هؤلاء الكفار فيما مضى لنا من الآيات أنهم لا يؤمنون بمحمد نبياً ورسولاً وهو من البشر وخلق من المرأة والرجل، فلماذا لم يكن ملكاً رسولاً، أو كان معه ملك، أو جاء بجبال من ذهب، أو فجرت له جبال مكة عيوناً وأنهاراً أو جاء بقصور بما فيها من حور عين ومن فواكه وثمرات؟ فقالوا هراء من القول وزوراً من الكلام وما لا معنى له، وهل يتصف هذا القول وهذه الأماني السخيفة بالحق؟ وإنما جعل الله أنبياءه بشراً لحكمة أرادها، ولو كانوا ملائكة لكان ينبغي للناس أن يكونوا كذلك؛ لأن البشر لا يؤمنون إلا برسول يرونه ويمتثلون أمره، وإن أرادوا رؤيته على حقيقته فأنى لهم ذلك وقد غطى الأفق؟ أو تكيف على صورة إنسان مثلهم فهو كذلك، فكيف يكون حالهم إذا رأوه وقد تغير وتحول من الصورة الآدمية إلى الصورة الملائكية؟ ولكن من تمام الإكرام والإنعام على البشر أن جعل الله أنبياءهم منهم، يعلمون آباءهم وأنسابهم وأحسابهم ويفهمون عنهم ويعقلون قولهم، ويعلمون نشأتهم وتربيتهم فيطمئنون إلى سلوكهم كنبينا مثلاً ﵊، فقد عاش في قومه أربعين سنة لا يعرف فيهم إلا بالصادق الأمين، وكان موضع احترامهم وتقديرهم، ولم تصدر عنه كذبة على أحد من الناس، فكيف بعد أن بلغ الأربعين يكذب على الله ويقول ما ليس له بحق؟ هل هذا منطق عاقل أو منطق إنسان يسمع ويفهم ويعي ويدرك، يقول الله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف:٦٠] أي: لو أردنا وسبقت مشيئتنا لجعلنا منكم ملائكة، أو لغيرنا الأنبياء والرسل الآدميين إلى ملائكة، وجعلناهم في الأرض يخلف بعضهم بعضاً، أي: يذهب ملك ويأتي ملك كما يذهب نبي ويأتي نبي، فمثلاً: مات موسى وهارون وجاء من بعدهما عيسى ثم رفعه الله إليه وجاء بعده محمد ﵊، فلو شاء الله أن يجعل ذلك من الملائكة لفعل، ولكنه لو فعل لتغيرت الأمم والشعوب وأصبح القوم كلهم ملائكة وليسوا كذلك.
فالملائكة هم جند الله المكرمون المعصومون من المعصية لا يحتاجون إلى نبي أو رسول، يحتاجون إلى كبير وإلى رئيس فلهم كبراؤهم ولهم رؤساؤهم يأمرونهم بما يفعلون عن أمر الله، فصفتهم أنهم ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، فهم ملائكة في السماء وملائكة في الأرض وملائكة عن اليمين والشمال عزين، وملائكة للجنة وملائكة للنار، والله جعل ملائكة تنزل عند الفجر فتتولى أمر ما أمرها الله به ثم تعود وتعرج إليه، فهم يتواردون عليكم بالليل والنهار، فيجدون العبد المستقيم يتلو القرآن فيعودون إلى ربهم، ويأتي من بعدهم فيجدونه يتلو القرآن أيضاً، ولمثل ذلك قال ربنا: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]، فيقولون: يا ربنا! وجدنا فلاناً عندما نزلنا وهو يقرأ القرآن وغادرناه وهو يقرأ القرآن وأنت به أعلم.
ولو جعل الله الأنبياء والمرسلين ملائكة لتغير وجه الأرض ولانتهت المعصية ولما كان هناك مذنب والأمر ليس كذلك، فقد جعل الله فيها برزخاً حين خلق أبانا آدم في الجنة، وبين أن الدنيا مزرعة الآخرة، فمن أحسن في الدنيا ربح الآخرة، ومن أساء في الدنيا خسر الدنيا والآخرة.
стр. 2111
تفسير سورة الزخرف [٦١ - ٦٧]
إن من المسائل التي جادل فيها المتقدمون والمتأخرون من الكفار والمشركين مسألة نبوة عيسى وأمه ومسألة ألوهيتهما، فزعموا من ضمن مزاعمهم أن عيسى ﵇ أمرهم بعبادته من دون الله، وكذبوا! فما أمرهم إلا بالتوحيد الخالص توحيد الله وإفراده بالعبادة ولكنهم قوم يكذبون.
стр. 2112
تفسير قوله تعالى: (وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم)
قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف:٦١]، ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف:٦١] أي: أن عيسى هو علم للساعة، وقرئ: (وإنه لَعلَم للساعة)، أي: أمارة وعلامة، وعيسى رفعه الله إليه كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٥٧ - ١٥٨]، وسينزل في آخر الزمان إلى الأرض، وسيكون نزوله علماً وأمارة من علامات وأمارات الساعة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء:١٥٩]، وليس أحد من أهل الكتاب يهوداً أو نصارى إلا ليؤمنن بعيسى ﵇، أولئك الذين زعموا أنهم قتلوه وصلبوه، وأولئك الذين صدقوا كذب اليهود وآمنوا به، فجعلوا الصليب شعاراً لهم وبدل لا إله إلا الله محمد رسول الله عند المسلمين.
стр. 2113
حكم بيع الصليب ولبسه
ومن أكثر ما يوجع القلب أننا نجد بعض الناس من المسلمين يعلقون الصليب على صدروهم ويبيعونه، وتجد شباباً وشابات ورجالاً وآباء يشترون ذلك لهم ويعلقونه على صدورهم، وبيع الصليب أو شراؤه لتعليقه على الصدر ردة وخروج عن الإسلام، ويجب البطش بهؤلاء والقضاء عليهم ويعتبرون من المرتدين؛ لأن معنى تعليق الصليب وشراءه لمن يجعله في عنقه أنه يؤمن بأن عيسى قد قتل وصلب، وجعل شعار صلبه في عنقه، وإلى الله المشتكى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف:٦١]، أي: وإن عيسى لعلم للساعة ونزوله من السماء ومكثه في الأرض أمارة وعلامة على قرب قيام الساعة وهو من العلامات الكبرى، وذاك ما تواتر عن نبينا ﵊، ورواه العشرات من الصحابة، ونص على تواتره جماهير المفسرين والمحدثين والعلماء عن أنه لا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى بن مريم من السماء حكماً عدلاً يقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويهدم البيع والكنائس، ويدعو للإسلام، ويقتل اليهود والنصارى إن لم يسلموا، وينشر الإسلام بين جميع الخلق، وينزل في أرض الشام، ويدخل القدس عند صلاة العصر وقد قدم القوم إماماً للصلاة.
ومعناه: أنه إذ ذاك ستكون القدس تحت أيدي المسلمين وتنتهي هذه السحابة الصيفية التي عما قليل ستزول، وهذا يرد بعنف وبأدلة قاطعة على من زعم أن أحد هؤلاء الحضور الأعور الدجال، وأنه لن تنتهي دولة إسرائيل إلا مع نزول عيسى، وهذا جهل وعدم فهم للنصوص، فإن عيسى سينزل وقت العصر إلى القدس فيجد القوم قد قدموا إمامهم للصلاة فيرون عيسى فيلهمون معرفته ويقدمونه إماماً فيمتنع ويقول: بل بعضكم لبعض تبع، ويصلي مؤتماً بإمام المسلمين، وما يصنعه وما يفعله من كسر الصليب وقتل الخنزير ومنع اليهودية والنصرانية ليس ذلك تشريعاً جديداً ولا ديناً جديداً، ولكنه سينزل تابعاً لنبينا ﵊ مسلماً من المسلمين وهو على دينه وسيصلي صلاة المسلمين ويحج حج المسلمين، ولم يرد أنه يصلي إماماً؛ لأن الإمامة ليست له فقد انتهت إمامته بإمامة رسول الله ﷺ ، وكسره للصليب وقتله للخنزير وهدمه للبيع والكنائس إنما هو بأمر رسول الله.
وقد اجتمع به ليلة الإسراء في السماء الدنيا وصلى به إماماً مع جميع الأنبياء في المسجد الأقصى في القدس ردها الله دار إسلام، وأخرج منها القردة والخنازير وعبد الطاغوت وأتباعهم من المتهودين والمرتدين من أعداء الله.
فنزول عيسى حق، وسينزل والدجال في الأرض وسيذوب الدجال كما يذوب الملح في الماء، وسينتهي موضوع الدجال، ويكون نزول عيسى العلامة الثالثة أو الرابعة من العلامات الكبرى التي منها المهدي المنتظر والدجال والدابة والدخان والريح الحمراء التي تأتي من عدن فتسوق الناس إلى أرض المحشر، وهي ضمن عشر علامات كبرى.
وفي زمن عيسى سيكون الناس في أرغد العيش من الرخاء وكثرة النعم والخيرات ومن وفرة الأموال حتى إن الزكاة لا يقبلها أحد، فيخرج الرجل بماله فلا يجد من يأخذه فيقال له: لست في حاجة إليها، ويكون الناس جميعاً أغنياء، ثم تتدهور بعد ذلك الحالة إلى أن يصل الأمر كما يقول نبينا ﵊: (لا تقوم الساعة وعلى الأرض من يقول: ربي الله)، أي: لا تقوم الساعة إلا على الكفار، فتقوم الساعة ولا يدرى متى وقوعها إلا بزلزلتها وقد صرع من كان يمشي، ومن كان يأكل تجمد يده على الطعام، وهكذا لا تأتيكم إلا بغتة، ولم يعلمنا الله ورسوله منها إلا بأماراتها الصغرى والكبرى، أما متى وقوعها فذاك علم استأثر به ربنا.
ولذلك لما سأل جبريل نبينا ﷺ قال: (متى الساعة؟ قال: ليس المسئول عنها بأعلم من السائل، قال: ما أماراتها؟ فقال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة الرعاة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان)، فهذه علامات صغيرة قد ظهرت جميعها.
وأول علامة صغرى هي مجيء نبينا صلى الله عليه وعلى آله فقد قال ﵊: (بعثت والساعة كهاتين وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى).
وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ﴾ [الزخرف:٦١]، يأمر الله ﷻ نبيه أن يخبر بأن نزول عيسى علم للساعة وعلامة عليها وعلى قربها، ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ [الزخرف:٦١] أي: فلا تشكوا ولا ترتابوا في أن الساعة قائمة لا محالة، ولا يرتاب فيها مؤمن ولا ينكرها مسلم، ومن أنكرها أو ارتاب فيها فهو كافر.
وقوله: ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾ [الزخرف:٦١] يأمر الله الخلق أن يتبعوا نبينا ﵊ في أوامره واجتناب نواهيه، فدين الحق هو الصراط المستقيم، وهو الطريق الموصل للحق لا اعوجاج فيه، فمن سلكه من البداية يستطيع أن يصل به إلى النهاية، من غير بنيات الطرق، وهذا لمن هداه الله، وأرشده للحق بلا بدع وخرافات وأضاليل وأكاذيب، فإن الحق بين وواضح، قال النبي ﷺ : (الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس)، وما جاء العلماء إلا ليبلغوا عن رسول الله ﷺ وعن كتابه علمها ومعرفتها والتحقق منها، أما ما سوى ذلك من الأمور الضرورية للمسلم يومه وليلته وفي بيته وخارجه فإنه يعلمها، وإن كانت الأمور أخذت تتغير، فقد توارثت أجيال الكفر جيلاً بعد جيل، فتجد الولد لا يصلي والأب لا يصلي، والجد لا يصلي، وتجد الجهل بالإسلام في البيت المسلم إلى ثلاثة أجيال أو أكثر، فينشأ الجيل فاسداً قبيحاً، إلا إذا رزقه الله مدرسة صالحة ومعلماً صالحاً يعلمه دينه ويرشده إلى الصراط المستقيم.
стр. 2114
تفسير قوله تعالى: (ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين)
قال تعالى: ﴿وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الزخرف:٦٢].
أي: يا أيها الناس! لا يصدنكم، وهذا نهي بـ (لا) الناهية، ومؤكد بالنون المثقلة، والمعنى: لا يصرفنكم الشيطان ولا يضلنكم ولا يبعدنكم عن الحق والطريق المستقيم فإنه لكم عدو مبين، فهو عدو للإنسان، وكان سبب خروجه من الجنة هو حسده للإنسان حيث خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته، ولحسده امتنع من السجود لآدم أبو الإنسانية، فخسئ ولعن، وبقي في الخزي إلى يوم البعث، وسيكون إمام أهل النار، والمقدم في النار فيأتي بعده أتباعه المؤمنون برسالته الكاذبة المزيفة.
فالشيطان لكم عدو ظاهر وواضح، حيث لا يأمركم إلا بالباطل، ولا ينهاكم إلا عن المعروف، ويدعو إلى الشرك والفساد بجميع أنواع التدابير، قال النبي ﷺ : (إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم)، ولذا علمنا نبينا ﵊ أن نتعوذ بالله منه، وأن نقرأ المعوذتين: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١]، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]، وأن نتلو القرآن، فالشيطان يفر من الأذان، ولا يتحمل سماع كلمة الحق: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإذا سمع ذلك أدبر وله ضراط من الفزع والرعب والهلع، إلا إذا استولى الشيطان على المسلم.
كان هنالك رجل كثير التلاوة للقرآن الكريم بالمسجد النبوي، وحافظاً للقرآن وقبل أن يموت بأشهر كان يشعر بأن الجبال على عواتقه، وكأن أحداً يمسك فمه فلا يستطيع أن يتلو القرآن أو يذكر الله، ولا يستطيع أن يصلي، فهذا قد استولى عليه الشيطان وتمكن منه.
وهذا دليل على أن نية هذا الرجل لم تكن صالحة، ولذلك قال النبي ﵊: (من شب على شيء شاب عليه)، وقال ﵊: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يرى للناس، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها).
فنسأل الله السلامة والعافية، ونعوذ برضاه من غضبه، ونستعيذ بالله من السلب بعد العطاء.
стр. 2115
تفسير قوله تعالى: (ولما جاء عيسى بالبينات)
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف:٦٣ - ٦٤].
يضرب الله الأمثال للناس بعيسى ﵇ وبأنبياء بني إسرائيل؛ وذلك لأنهم أقرب الأنبياء إلى نبينا في الزمن والتاريخ، ولأنهم يوجدون معنا في الأرض، وعندما جاء الإسلام كانت الأرض فيها يهود ونصارى ووثنيون، ولكن اليهود والنصارى قد بدلوا وغيروا، وانتقلت ديانتهم من التوحيد إلى الشرك، فاليهود يعبدون العزير والعجل، والنصارى يعبدون عيسى ومريم، واختلفوا في عيسى اختلافاً كبيراً، فمنهم من يقول أنه الإله، ومنهم من يقول أنه ليس ابن أمه، أو هو ابن أمه من زناً، وحاشاه من ذلك ﷺ .
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الزخرف:٦٣]، أي: عندما جاء عيسى بني إسرائيل بالآيات والمعجزات الدالات على صدقه، فقد كان يحيي الموتى بإذن الله، وكان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، وإذا ببني إسرائيل قد غلوا وأفرطوا فيه فكفروا، والمسلمون يقولون: هو عبد الله ورسوله.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾ [الزخرف:٦٣] أي: أنه جاء بالنبوءة وبالرسالة المشتملة على الحكمة، والحكمة هي فعل الأمر واجتناب النهي.
والحكمة هي الصلاح، أي: أنه قد أتى بما يصلح الناس ويهديهم في دنياهم وأخراهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [الزخرف:٦٣] أي: ليبين لهم ما اختلفوا فيه، وإنما الذي بين جميع ما اختلفوا فيه هو نبينا ﵊ في كتاب ربنا المنزل القرآن الكريم، فهو الذي بين لليهود وللنصارى جميع ما اختلفوا فيه في الدنيا والآخرة.
وإنما كانت رسالة عيسى بالإيمان بالتوراة والعمل بما فيها، ونسخ القليل منها، ولبيان بعض ما تنازعوا فيه من الشئون الدينية، ولذلك كانت الرسالة الكاملة إلى الخلق كافة هي الرسالة المحمدية رسالة الإسلام ورسالة القرآن الكريم.
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الزخرف:٦٣]، أي: اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية، وإياكم وأن تختلفوا على نبيكم وعلى كتاب ربكم فيلعنكم الله ويدخلكم النار.
فيأمرهم بأن يطيعوا نبيهم ليوصلهم إلى الحق والنور، ورضا الله ورحمته.
стр. 2116
تفسير قوله تعالى: (إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم)
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف:٦٤]، ما دعاهم إلى عبادته وعبادة أمه، وما دعوى بني إسرائيل في ذلك إلا كذب وبهتان، وقد كذب بنو إسرائيل بعضهم بعضاً، وهو يقول لهم: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الزخرف:٦٣]، فيأمرهم أن يطيعوه: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [الزخرف:٦٤] أي: إن الله ربي، فلست رباً إنما أنا عبد له، وإنما أنا نبي ورسول له، فأنا وأنتم عبيد له، فالله هو ربي وخالقي ورازقي والمدبر لأمري، والمحيي والمميت لي ولكم.
وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ [الزخرف:٦٤] أي: أخلصوا العبادة له، ولا تشركوا معه أحداً، فما أمرهم نبيهم إلا بعبادة الله، وما دون ذلك فكذب وزور وباطل، إنما أمر بعضهم بعضاً بالكفر والوثنية، ولم يأمرهم نبيهم بشيء من ذلك.
وقص الله علينا أنه سيقول يوم القيامة لعيسى وأتباعه من النصارى الذين زعموا أنه إله: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦]، فالله ﷻ في يوم القيامة سيفضح النصارى على رءوس الأشهاد، فيكذبهم نبيهم عيسى، وأنه ما دعاهم يوماً إلى عبادته، ولا إلى ألوهيته، ولا إلى عبادة أمه، ولا إلى ألوهيتها، ما دعاهم إلا إلى عبادة الله الواحد، وهو كما يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف:٦٣ - ٦٤].
والصراط المستقيم هو الطريق السوي الذي لا عوج فيه ولا أمتاً، وهو عبادة الله الواحد، وهو أن الأنبياء جميعاً عبيد الله، وقد أرسلهم الله منذرين ومخبرين ومبلغين رسالات الله أن اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً.
ولم يأتِ نبي إلا وجاء بعبادة الله الواحد، ومن هذا قول نبينا ﵊: (نحن معاشر الأنبياء ديننا واحد)، كل الأديان دعت إلى عبادة الله، ولكن الشرائع والأحكام والقوانين مختلفة، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨].
وكل طريقة أو حكم أو قانون فقد خص الله به كل قوم وكل ديانة حسب ما يليق بعصرهم، وبزمانهم، وبمقدار فهمهم وإدراكهم وعقلهم، فالسابقون كانت عقولهم صغيرة وضعيفة، وخاطب الأمة المحمدية وقد كانت أعقل الأمم السابقة على الإطلاق؛ ولذلك فقد أزال الله عنهم ما كان فيمن كانوا قبلهم من السلاسل والأغلال والضيق.
وقد دعا عيسى بني إسرائيل، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦] أي: يأتي مبشراً بالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر، وبزوال الأغلال وما كان عليهم من ثقل في الأوامر والنواهي، وهو تلك الرحمة التي قال الله عنها: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، والتي قال عن نفسه فيها نبي الله ﷺ : (إنما أنا رحمة مهداة).
стр. 2117
تفسير قوله تعالى: (فاختلف الأحزاب من بينهم)
قال تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [الزخرف:٦٥]، اختلف الأحزاب، أي: أن الرسالة العيسوية دعت النصارى إلى الله الواحد فاختلفوا فيما بينهم من بعد ذلك، فقال قوم عن عيسى: هو الله، وقال قوم: هو ابن الله، وقال قوم: هو ثالث ثلاثة، تعالى الله عن كل ذلك علواً كبيراً.
وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الزخرف:٦٥]، والكفر والشرك أعظم الظلم، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [الزخرف:٦٥]، الويل: نهر من قيح في جهنم، فيا بلاءهم ويا مصيبتهم، ويا ويلهم، ويا ما أخلدهم في هذا النهر من القيح ومن صديد فروج المعذبات وحريق المعذبين في النار.
فعذابهم عذاب أليم شديد مؤلم، وسيعذبونه يوم القيامة نتيجة كفرهم وشركهم واختلافهم على نبيهم.
стр. 2118
تفسير قوله تعالى: (هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون)
قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزخرف:٦٦]، أي: هل ينتظرون إلا أن يفاجئوا بقيام الساعة وبالعرض على الله بغتة، وإذ ذاك لا ينفعهم إيمان، قال تعالى: ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨].
وقوله: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزخرف:٦٦] أي: وهم لا يدركون؛ لأنهم كذبوا بقيام الساعة وكفروا بها، أما المؤمنون فقد آمنوا بما جاء من عند ربهم عن طريق أنبيائهم.
стр. 2119
تفسير قوله تعالى: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين)
قال تعالى: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، الأخلاء: جمع خليل، والخلة الصداقة البالغة، والأخوة: جامعة في التوافق والتنازل.
يذكر الله أن الأخلاء يوم القيامة يوم تبغتهم الساعة فإن بعضهم يكون عدواً لبعض إلا المتقين.
يقول علي كرم الله وجهه: صديقان أخوان في الله، وصديقان أخوان في القرابة، أما الصديقان في الله فيموت أحدهما أولاً، فيقول: يا رب! إنه كان لي خليل في الدنيا دعاني إلى عبادتك وشوقني إلى لقائك وأمرني بطاعتك وبعبادتك، فيا رب! جازه عني خيراً وثبته على الإيمان والإسلام حتى ألتقي به تحت ظل عرشك.
فيجتمعان يوم القيامة؛ لأن الأخلاء الأتقياء تبقى خلتهم كذلك؛ لأن أخوتهم وخلتهم كانت في الله، والأخلاء والإخوان في الله يكونون يوم القيامة على منابر من نور، وعلى كراسي من نور، ويوم القيامة يسأل كل واحد منهما عن الآخر: كيف كان لك؟ فيقول: كان نعم الأخ في الله، ونعم الصديق في الله، كان يأمرني بالطاعة.
стр. 2120
تفسير سورة الزخرف [٦٧ - ٧٣]
إن الله وعد من آمن به وبكتبه وصدق رسله صلوات الله وسلامه عليهم بجنات عدن يخلدون فيها أبداً، وجعل لهم فيها من النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ومن تمام إنعامه عليهم أن يلحق بهم أزواجهم وذرياتهم المؤمنين ليتم سعدهم ويكتمل فرحهم.
стр. 2121
تابع تفسير قوله تعالى: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين)
قال الله ﷻ : ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧].
الأخلاء: جمع خليل، وهم الأصدقاء والأحباب المتحابون في الدنيا، فإنهم في الآخرة بعضهم أعداء لبعض إلا المتقين.
فالأخلاء والأحباب الذين تكون محبتهم ومودتهم مقصورة على الدنيا، في يوم القيامة ينقلب بعضهم على بعض عدواً، فيشتم بعضهم بعضاً، ويهجر بعضهم بعضاً، ويسب بعضهم بعضاً بأقبح الصفات والنعوت.
لكن الإخلاء المتقون، والأحباب في الله، والإخوان في الله تبقى أخوتهم وخلتهم في الدنيا والآخرة، بل وتزداد في الآخرة؛ لأن ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، قال النبي ﷺ في الحديث الشريف: (المتحابون في الله هم على منابر من نور يوم القيامة)، وفي الحديث الشريف: (سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله -وذكر منهم- أخوان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه)، فاللذان تحابا في الله واتفقا عليه يكونان يوم القيامة في ظل العرش مع النبي ﷺ وصحبه والصالحين من أتباعهم.
يقول علي كرم الله وجهه: هنالك خليلان مؤمنان وخليلان كافران: أما الخليلان المؤمنان فيموت أحدهما فيقول: يا رب إن خليلي فلاناً كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويخبرني بيوم لقائك، ويدعوني إلى الطاعة والحسنات، ويأمرني بالبعد عن الشر والمخالفات والسيئات فيا رب كما أكرمتني أكرمه، وكما أحسنت إليّ فأحسن إليه، فيأتي خليل هذا المؤمن، ويلتقي وإياه في الآخرة فيسأل: كيف خليلك؟ فيقول: كان نعم الصاحب لي، وكان نعم الخليل لي، كان يأمرني بطاعة الله ورسوله، ويخبرني بلقاء ربي، ويبعدني عن أهل الأدواء والأشرار، ويقول الثاني له مثل ذلك.
والخليلان الكافران يموت أحدهما فيقول: يا رب إن خليلي فلاناً كان يبعدني عنك، ويأمرني بالمنكر، وينهاني عن المعروف، ويأمرني بالباطل وبمصاحبة الأشرار، فخذه إليك وعامله كما عاملني، فيلتقيان يوم القيامة، فينعت أحدهما الآخر بأنه كان بئس الصاحب والخليل.
ففي يوم القيامة الأخلاء الكفرة أعداء بعضهم لبعض حينما كانت خلتهم للشيطان، فكم من غريب في يوم القيامة إلا المتقين الصالحين المؤمنين، فخلتهم وأخوتهم ستدوم بدوام الآخرة، ويكونون على منابر من نور كما أخبرنا ﷺ .
стр. 2122
تفسير قوله تعالى: (يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون)
يقول ربنا ﷻ : ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:٦٨]، في يوم القيامة يعرض العباد على الله فيصيبهم الفزع وهم لا يدرون أللجنة مآلهم أم إلى النار مصيرهم، فتنادي الملائكة بأمر الله: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:٦٨]، فتطاول أعناق المسلمين والكافرين والمنافقين فيقولون: نحن عباد ربنا فلا خوف علينا ولا حزن، ولكن عندما يقول الله ﷻ : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٩]، يفزع الكفار والمنافقون لرعبهم، فلا ينتفع بهذا النداء غير المؤمنين بآيات الله ورسله وكتبه، بما جاء عن الله من الآيات البينات، وما جاء من أدلة واضحات تقطع بصدق الرسل والأنبياء، وما جاء عن الله من أوامر ونواه.
وكان المسلمون مستسلمين لأمر الله، مطيعين له، حيث أمرهم بالخير فعلوه جهد طاقتهم، وحيث نهاهم عن المنكر تركوه بكل ما يستطيعون.
فالمؤمنون بالله ورسله وكتبه يؤمنهم الله من الفزع الأكبر، فلا هم ولا حزن ولا خوف بتطمين الله لهم حينما يحزن الناس ويفزعون ويخافون على أنفسهم أن يكونوا في العذاب خالدين.
والمراد بـ ﴿الْيَوْمَ﴾ [الزخرف:٦٨] أي: يوم القيامة، يوم العرض على الله.
فعباد الرحمن المؤمنون به المحسنون لا يخافون الفزع الأكبر، ولا يخافون الحزن، ولا يخافون الآلام، فالله قد أمنهم، وأنزل هذا الكتاب الكريم المعجز على خاتم الأنبياء ليبشرهم بهذا التأمين من الدنيا إلى الآخرة.
وكل إنسان على نفسه بصيرة، فالإنسان أدرى بنفسه، أمؤمن حقاً؟ أمخلص في إيمانه حقاً؟ فيعبد الله مخلصاً دون رياء ولا تسميع، فإن كان كذلك ومات على هذا فيرجو كل خير وكل فوز وكل نصر، فيدخل تحت قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٨ - ٦٩].
و (الذين آمنوا) بدل عن (يا عبادِ) أي: يا عبادي الذين آمنوا بآياتنا، فهم الذين نودوا، وهم الذين شرفوا وكرموا بالنداء الإلهي، والتأمين الإلهي، فهم عباد الله المسلمون المؤمنون، الذين أمنهم الله في الدنيا مبشراً لهم على لسان آخر الأنبياء فيما أنزله في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
هؤلاء العباد المؤمنون بآيات ربهم المحسنون المسلمون الدائنون بدين الحق، المؤمنون برسول الله خاتم الأنبياء ﵊ ومن جاء قبله من الأنبياء والرسل؛ تفصيلاً بمن ذكر اسمه، وإجمالاً بمن لم يذكر.
فالله ينادي عباده المؤمنين، ناسباً إياهم إلى ذاته الشريفة ومقامه العظيم، بأن يطمئنوا ولا يحزنوا ولا يخافوا.
ويقال لهم نتيجة ذلك يوم القيامة: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف:٧٠].
فالجنة لكم خلقت، ولكم أعدت، وأنتم فيها خالدون خلوداً لا موت فيه ولا حزن ولا ملل ولا سأم، ادخلوها أنتم وأزواجكم المؤمنات بالله مثل إيمانكم، المسلمات بالله مثل إسلامكم، فكما اجتمعتم في الدنيا على طاعة الله والإيمان بالله ورسوله، كذلك تجتمعون في الجنة غير مكلفين بشيء، إن هي إلا اللذائذ، ولكم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون أبداً سرمداً.
وفسروا الأزواج بالنظراء، أي: ادخلوا أنتم ونظراؤكم، والأصل في معنى الزوج النظير، ويقال للزوجة زوج، كما يقال للرجل زوج، أي: أنهما اشتركا في الأولاد والحياة، واشتركا في قيام البيت، واشتركا في القيام بشئون الدنيا والآخرة، فكما اشتركا في ذلك في الدنيا، فإنهما يشتركان كذلك في الآخرة في الجنان.
اللهم اجعلنا منهم، وأكرمنا بما أكرمتهم، وأحينا مسلمين، وأمتنا كذلك محسنين لنفوز بهذا النداء الكريم: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف:٦٨ - ٧٠].
ومعنى: (تحبرون) أي: تنعمون، وتكرمون، وتفرحون، وهو مأخوذ من الحبور والسرور والبهجة، كما وصفهم الله بقوله: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين:٢٤] أي: ترى في وجوههم نضرتها وجمالها وبهاء النعمة، والرضا الإلهي والرحمة الإلهية.
стр. 2123
تفسير قوله تعالى: (يطاف عليهم بصحاف من ذهب)
قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧١].
يقول ربنا واصفاً لهؤلاء الأزواج الذكران منهم والإناث عندما ينادون فيها بأنهم لا يخافون ولا يحزنون، فيؤمرون من قبل الملائكة بأمر الله أن يدخلوا الجنان متنعمين مسرورين مكرمين.
وقوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ [الزخرف:٧١] أي: من قبل الولدان الذين هم خدمهم وحشمهم، كأنهم اللؤلؤ المكنون، ومن زوجات طاهرات.
وقوله تعالى: ﴿بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ [الزخرف:٧١] أي: موائد الطعام تكون من ذهب، والأكواب: جمع الكوب، وهو الكأس الذي لا أُذن له ولا خرطوم ولا مقبض، ويسمى عندنا الفنجان.
هذه الأكواب كذلك من ذهب، وهم يطاف عليهم بالمآكل والمشارب، ولابد للأكل من شراب، ولا يكون شراب بلا طعام.
هذه الجنة يصفها الله بقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ [الزخرف:٧١]، في الجنة كل ما تشتهيه نفس الإنسان، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من أنواع لحوم الطيور، ولحوم الحيوانات التي تمشي على أربع، ولحوم الحيوانات العائمة، ومن أنواع الفواكه والمطاعم والمشارب والملابس مما تشتهيه نفس الإنسان وتلذ عينه برؤيتها والتمتع بها تمتعاً عينياً وتمتعاً نفسياً.
وقد ورد عن رسول الله ﷺ : أن آخر إنسان يدخل الجنة ويخرج من النار رجل من الموحدين، يكون قد أذنب ما شاء الله له من كبائر، فيعذب في جهنم ثم يخرج منها، فكل من مات وهو يقول: لا إله إلا الله، ناطقاً بها لسانه، معتقداً بها جنانه، كان مآله الجنة، إما أن يغفر الله له ولا يدخل النار، والأمر أمر الله: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت:٢١]، يغفر لمن يشاء ويحاسب من يشاء، وإما أن يعذب ما شاء الله له تمحيصاً له وتأديباً، والنتيجة الجنة.
وعندما يشتد عليه العذاب النفسي بأن يبقى وحده في جهنم وهو من الموحدين ووجهه إلى النار، يقول: (يا رب، هذه النار قد لفحني حرها، وآذاني لهيبها، وطال بي مكثها، فيا رب وجه وجهي إلى الجنة عسى أن يؤثر علي نعيمها، فيقول له الرب: عاهدني ألا تسألني مرة أخرى، يقول: يا رب وذاتك العلية ومقامك العظيم لا أطلب شيئاً سوى ذلك، فيستجيب الله له، فيوجه وجهه إلى الجنان فيستريح بالنعيم، وإذا به لا يستطيع أن يصبر على ذلك فيدعو الله ويتضرع إليه، فيقول: يا رب! أنت المسئول والمطلوب لا غيرك، أطلب منك أن تخرجني من النار وتضعني على باب الجنة، فيقول الله له: ما أغدرك يا إنسان، ألم تعطني المواثيق والعهود أنك لا تسألني شيئاً؟ يقول: يا رب، كرمك أكبر مني وأكبر من مواثيقي، ويعطيه من العهود والمواثيق، فيخرجه الله من النار! ويوقفه على باب الجنة، ويستريح من عذاب الله ويجد الرائحة، فيرى الناس يتمتعون وهو بعيد عنهم، فيضرع إلى الله ويصرخ ويقول: يا رب، كرمك أوسع مني، وجودك أكبر مني، أدخلني الجنة ولا تجعلني أذل خلقك، ويقول الله ما قال له في المرة الأولى والثانية، ثم بعد ذلك يدخله الجنة ويقول له: تمنّ؟ فيقول: أريد وأريد كذا وكذا، فيذكره الله ويسدد أمانيه فيقول ما ذكره الله به، وإذا بالجواد الكريم الغفور الرحيم يقول له: لك ما تمنيت ومثله معه).
يروي الحديث أبو هريرة في مجلس من الأصحاب والأتباع، فيقول له أبو سعيد: سمعت رسول الله ﵊ يقول: (لك ما تمنيت وعشرة أمثاله)، فيؤكد أبو هريرة ويقول: هذا الذي سمعت، ويؤكد أبو سعيد ويقول: هذا الذي سمعت، فكلاهما صادق، وهما من الأصحاب الذين قال عنهم الله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩].
فآخر من يدخل الجنة وهو أكثر المؤمنين عذاباً لمقامه الطويل في النار له مثل نعيم الدنيا عشر مرات، وقد وصف النبي ﵊ ما له من أجور وما له من حور عين بقوله: (ما بين أملاكه وقصوره مسافة ألفي عام) أي: بالتنقل بين ذلك، فهذا أقل أهل الجنة متعة بما في الجنان من خيرات وأرزاق ومتاع، وللموحد علامة في جبينه، فقد ورد عن النبي ﵊: (أن النار لا تحرق جباههم)، تكريماً للجبهة التي تسجد لله موحدة ذاكرة عابدة، وعندما يؤمر حرس النار بأن يخرجوا الموحدين فإنهم يعرفونهم بهذه العلامة، وعندما يدخلون الجنة تنقلب عليهم هذه العلامة علامة بؤس وحزن وألم، ويقال عنهم (الجنهميون) الذين كانوا يوماً ما في جهنم، فيضرعون إلى الله ويبكون من هذه السمة التي أحزنتهم وآلمتهم ولا ألم ولا حزن في الجنة، فيكرمهم الله بإزالة تلك العلامة ويكونون كغيرهم، فلا يعرفون من دخل الأول ولا من دخل الآخر، فهذا آخر موحد يدخل الجنة له فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
يقول النبي ﵊: (يطاف عليهم بسبعين ألف صحفة من ذهب، فيها من أنواع الطعام ومن أشكاله وألوانه ما لا تنقطع شهوته من أول مائدة إلى آخرها، ثم يقول وهو مبتهج لا يكاد يعرف ما يخرج منه، يقول: يا رب، هذا كثير وأريد أن أضيف جميع أهل الجنة على مائدتي، وهو لا يعلم إلا بعد زمن أن مائدته هي أقل موائد سكان أهل الجنة، وهم فوقه درجات).
ومن المعلوم في الشريعة: أنه كما أن النار دركات فالجنة كذلك درجات، وما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، ولا ندري هل من أعوام الدنيا أو من أعوام الآخرة؟ التي يكون اليوم فيها: ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧].
وقد يتساءل بعض المسلمين ويقول: نحن إذا مكثنا يوماً أو يومين فإننا نشعر بالملل إن كنا بلا شغل، والجنة لا شغل فيها ولا عمل ولا عبادة ولا تكليف، فلماذا لا نمل؟
و
الجواب
لو فرضنا أن إنساناً أعطي حريته في التصرف في الأرض وأخذ يتنقل من قارة إلى قارة، ومن باخرة إلى طائرة إلى قطار إلى سيارة، إلى أخ إلى صديق إلى حميم إلى قريب، وهو في كل اجتماع وكل دورة وكل جلسة يكون فيها ما ليس في الأولى، فإنه لا يمل ولا يكل، فكيف بالآخرة؟ فأهل الجنة يتزاورون فينزل من في الدرجة العليا إلى من هو في الأسفل، وهكذا تجدهم من مكان إلى مكان، فالإنسان بزوجة واحدة إن كانت مطيعة تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، تجده يشعر معها بغاية البهجة، فكيف إذا كان عنده من الحور العين اثنتان وسبعون حورية، الواحدة منهن إذا أطلت على الدنيا عطرت الدنيا بريحها وبطيبها، فكيف بهن جميعاً؟ وهو يتنقل من واحدة لواحدة وهن مقصورات في الخيام، يقلن له: نحن الراضيات فلا نغضب، ونحن المقيمات فلا نخرج، ونحن الدائمات في طاعتك وفي خدمتك وفي البر بك، ثم إذا دخل يجدهن يتغزلن فيه: خرجت وأنت جميل! وعدت وأنت أجمل! وأكمل، وعدت كذا وكذا.
وفي الدنيا إخوان في الله وأقارب، فنرى آباءنا وأمهاتنا، فكيف إذا رأينا هناك الآباء، وآباء الآباء، والأجداد وأجداد الأجداد والأم وأم الأم، وبقية الأمهات؟ فسنتعرف هناك بفضل الله وكرمه على خلق كثيرين هم لنا أقارب قبل أن يكونوا أصدقاء وإخواناً، ونحن في الدنيا لم ندركهم ولم نعرفهم ولم نرَ إلا اسمهم، فكيف يمل ويسأم الإنسان؟ وأعظم نعمة في الجنة وألذها النظر إلى وجه الله تعالى: (عندما يتجلى الحق لهم، ويقول لهم: هل أزيدكم؟ فيقولون: يا رب قد أعطيتنا وأمتعتنا وأكرمتنا، فيكشف عن وجهه الكريم).
فتكون تلك اللذة لذة روحية تبتهج بها النفس أعواماً، وذاك حين يقول ربنا ﷻ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وجوه تعرف فيها نضرة النعيم وراحة النعيم، وجمال النعيم، ونعمة النعيم، وهي في هذه الحالة إلى ربها ناظرة، أما غير المؤمنين فهم في الأصل محجوبون لا يرون الله تعالى.
وفئات من مذاهب المسلمين المبتدعة ينكرون رؤية الحق، وقال أهل السنة والجماعة: كفى هؤلاء حرماناً أن يمنعوا هذه الرؤية التي أنكروها، مع أنها في القرآن نصاً، وفي الأحاديث النبوية ثابتة تواتراً، ولا ينكرها إلا جاهل ومخذول، مبعد عن نعيمها، وعن روحيتها.
قال تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧١].
هذه الجنة التي كما وصفها الله: ﴿فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ [الزخرف:٧١]، وكما وصفها رسول الله ﷺ وعلى آله: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).
فالمسلمون فيها خالدون، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧١]، وخاطب الله المسلمين بخطاب الحضور تكريماً لهم.
стр. 2124
تفسير قوله تعالى: (وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون)
قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢].
يقول ﷻ : تلك الجنة التي أصبحت من أملاكهم، وداراً من دارهم.
ونحن نقول: نرجو فضل الله وكرمه فتكون داراً من دارنا، فنحن نوحد الله، ونؤمن بخاتم الأنبياء وبالرسل قبله، فنرجو الله أن نكون من أهلها فضلاً وكرماً.
يقول تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ﴾ [الزخرف:٧٢] أي: التي وصفها بما وصفها به، أن فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين بما فيها من صحاف الذهب وأكواب الذهب والغلمان الذين كأنهم اللؤلؤ المكنون، وما فيها من الحور العين، ومن الزوجات المؤمنات الصالحات اللاتي كن في دار الدنيا كذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢]، أي: بسبب أعمالكم فضلاً من الله وكرماً، وبسبب توحيدكم وإيمانكم وإسلامكم، ولكن هذا السبب كان بفضل الله، وكان بكرم الله، وكما يقول الحكيم: إذا أراد أن يظهر فضله عليك خلق ونسب إليك.
فالله خلقك ووفقك للإيمان وللهداية، ووفقك للدوام على ذلك والرسوخ فيه، ثم وعدك على ما أعطاك وأنعم عليك لأنك عملت وعملت، فلك الجنة خالداً فيها، فأنت أحد وارثيها، وأحد ملاكها، وأحد قطانها والمقيمين فيها.
والمعروف في الإرث أنه يقال: يرث الولد أباه، ويرث العالم رسول الله في الدعوة إلى الله وفي العلوم والمعارف، وورثت الدولة أراضي غيرها، فالجنة ورثناها عن الكفار، قال ﵊: (لكل إنسان منزله من الجنة والنار).
أما المؤمن فيأخذ منزله من الجنة ويرث منزل الكافر من الجنة؛ لأن هذه المنزلة لا يدخلها الكافر، فالله قد حرم الجنة على الكافرين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] فمكانه في الجنة يرثه المؤمن فيزيده على مكانه، والكافر يأخذ مكانه الأصلي في النار ويرث مكان المسلم فيها كذلك.
فإذاً: الإرث يكون إرثاً لمن كان يمكن أن يؤمن ويسلم ولكنه كفر ومات على الكفر، فلا ترجى له مغفرة ويحرم عليه دخول الجنة.
стр. 2125
تفسير قوله تعالى: (لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون)
قال تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف:٧٣]، والطعام بلا فاكهة لا يكفي، فلابد من تمام الطعام أن يكون فيه من أنواع اللحوم والمشهيات والمقبلات والماء، والفواكه للتفكه بها ولهضم الطعام، وهكذا في الجنة، فقد ذكر الله الطعام والشراب: (جاء بدوي إلى رسول الله ﵊، وقال: يا رسول الله! إني أحب الإبل، فهل في الجنة إبل؟ فقال له رسول الله ﵊: إن أنت دخلت الجنة فلك من الإبل ما تشتهيه وما تريده وما تتصوره بما تريد وبما تشاء، فسر البدوي بأن فيها إبلاً، وجاء رجل آخر وقال: يا رسول الله! إني أحب الخيل، فهل في الجنة خيل؟ قال: نعم، إن أنت دخلت الجنة فلك فيها من أنواع الخيل ما تريد وما تشاء).
ففي الجنة أنواع الفواكه جميعها؛ بما تعرف وبما لا تعرف، وبكل الأشكال والألوان والطعوم واللذائذ.
في دنيانا نجد فاكهة في بلاد العرب لا نجدها في غيرها، ونجد فاكهة في أرض أوروبا أو أرض أمريكا أو بلاد المسلمين البعيدة لم نرها في بلاد العرب ولم نرها في بلاد المسلمين القريبة، أشكال وألوان وكلها لذيذة وطيبة.
وهناك فاكهة رأيتها في جزيرة (هونك رهن) -من جزر الصين- رائحتها قبيحة يبتعد عنها الإنسان، ولكن إذا أزيلت قشرتها انقلبت رائحتها إلى رائحة طيبة، أما طعمها فهي من ألذ ما يكون من الفواكه، إضافة إلى ذلك فإن لها خصائص ومنافع، ومن منافعها أنها تزيد في الباءة عند الرجال وكل المتزوجين في الأغلب.
стр. 2126
تفسير سورة الزخرف [٧٤ - ٨٠]
إن الله توعد المشركين به المكذبين لرسله الصادين عن دينه بالعذاب الشديد يوم القيامة، وهو عذاب دائم سرمدي لا يخفف عنهم ولا ينقطع، وعلاوة على ما ينالهم من هذا العذاب المقيم فهم أيضاً في عذاب نفسي بسبب انقطاع أملهم ويأسهم من أن ينقضي هذا العذاب ومن أن تنقضي حياتهم ليرتاحوا منه.
стр. 2127
تفسير قوله تعالى: (إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧٤].
الكافر الذي كفر بالله إلهاً واحداً، وبمحمد بن عبد الله نبياً ورسولاً وخاتماً للأنبياء والرسل ﷺ ، وكفر بالقرآن كلام الله وكتاب الله، وكفر بالأنبياء والمرسلين والكتب السماوية، كالتوراة التي أنزلت على موسى، والإنجيل الذي أنزل على عيسى، والزبور الذي أنزل على داود، ولكن الذين أنزل عليهم من أتباع هؤلاء الأنبياء ﵈ بدلوا وغيروا وحرفوا، ونقلوا هذه الكتب من التوحيد إلى الوثنية، فألهوا عزيراً وموسى وعيسى وأمه، وعبدوهم من دون الله، وقالوا أنهم أبناء الله، فكفر اليهود والنصارى كفراً مضاعفاً بل أشد.
ومن دخل النار لابد فيها من العذاب، وكما أن الجنة اشتملت على أنواع المشتهيات واللذائذ، فكذلك النار اشتملت على أنواع المكروهات من مطعوم ومشروب ومما شاءوا من خزي ونار وعذاب وبلاء.
فهذا جزاء الكافرين لكفرهم وجحودهم بالله الخالق الرازق ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧٤].
كما قال ربنا في آية أخرى: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر:٣٦] أي: لا يموتون فيستريحون، ولا يخفف عنهم من العذاب، فيعذبون وهم أحياء دوماً واستمراراً.
стр. 2128
تفسير قوله تعالى: (لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون)
وقال تعالى: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٥] أي: آيسون أذلاء، والإبلاس: اليأس من رحمة الله، واليأس من خروج النار، واليأس من الرضا عنهم؛ لأنهم لم يتداركوا ذلك في أيامهم الدنيا، ولم يقولوا يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، ولأنهم لم يفعلوا ولم يقولوا ذلك عذبوا ومكر بهم.
ولا يفتر عنهم العذاب ولا يخفف، وهم في العذاب آيسون من تخفيفه ومن زواله، وهذا في كل كافر مات على الكفر.
стр. 2129
تفسير قوله تعالى: (وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين)
قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦]، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، حاشا الله ومعاذ الله، وقال في الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا).
وقد أعطاهم الله عقولاً تميز وتعي وتفكر، ورزقهم العافية والشباب والقوة؛ ومع ذلك فإنهم أنكروا الرازق والمحيي والخالق، وبقوا على هذا الكفر مع ما أعطاهم الله من فرصة العمر، فأعطاهم سبعين سنة، أو مائة سنة، أو خمسين سنة، أو أربعين سنة، فكذبوا علماءهم ووراث أنبيائهم، ولم تفد فيهم موعظة نبيهم ولا أمر رسولهم، ولا علم صحابي أو تابعي فأبوا إلا الكفران والجحود مدة حياتهم إلى أن ماتوا على الكفر.
فهؤلاء قد أنذروا بذلك، وبلغتهم إياه أنبياؤهم وورثة أنبيائهم، فماذا بعد الحق إلا الضلال، وما ظلمهم الله ولكن كانوا هم الظالمين، والشرك أعظم الظلم.
والله الكريم لا ينفعه إيمان أهل الأرض كلهم لو آمنوا، ولا يضره كفرهم جميعاً لو كفروا، قال تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً) والعكس بالعكس: (ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه).
(وما ظلمهم الله ولكن كانوا هم الظالمين) ظلموا أنفسهم بالشرك والجحود والكفر، وهم الذين سببوا على أنفسهم هذا العذاب في النار، وينادون بعد أن اشتد عذابهم وزاد بؤسهم وهم يعلمون أنه لا فائدة، ولكن الألم أنطقهم، والعذاب دفعهم للقول، وهم يعلمون أنه لا يستجاب لهم، قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧].
ومالك كبير حرس النار، وهو ملك من ملائكة الله المقربين، وملائكة النار غير ملائكة الرحمة، فملائكة الرحمة يأتون لأهل الرحمة باللطف وباللين وبالدعوة الصالحة وبالكلمة الطيبة، ويشهدون للمؤمنين بالخير، أما ملائكة العذاب فهم غلاظ شداد كما قال ربنا: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] وكل فعلهم وعملهم بهذا التعذيب في النار هو بأمر الله ليس لهم في ذلك أمر ولا نهي.
وحرس النار كثيرون وكبيرهم مالك، وينادي الكفار ملائكة النار فلم يجيبوهم ولم يهتموا بهم ولم يلتفتوا إليهم، فأخذوا ينادون خازن النار، قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] وهم آيسون من الرحمة ومن الخروج من النار فطلبوا الموت، ولو أنهم وجدوا الموت لانتحروا ولقتلوا أنفسهم، ولكنهم مع ذلك لا يموتون، فيزداد العذاب ولا موت، وعندما يدخل أهل النار النار وأهل الجنة الجنة يذبح الموت بين الجنة والنار فيقال لهما: (يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت).
وقد روى ابن عباس: أن هؤلاء يبقون ألف سنة وهم ينادون: يا مالك، يا مالك، ليقض علينا ربك، وبعد ألف عام يجيبهم مالك زيادة في تعذيبهم ويقول لهم: إنكم ماكثون، أي: أنتم مقيمون في النار أحياء ولا موت أبد الآبدين ودهر الداهرين، ولا تخفيف للعذاب.
стр. 2130
تفسير قوله تعالى: (لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون)
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٨] أي: جاءتهم ملائكة الله في الدنيا، وجاءتهم رسل ربهم في الدنيا، وأمروهم بالحق، والحق هو الله والإيمان والتوحيد والقرآن والطريق المستقيم ومحمد ﵊، وكل ذلك بمعنى واحد.
جاء الرسل للناس بالحق، فدعوهم لعبادة الحق الله الواحد الأحد، ودعوهم للإيمان بالحق كتاب الله النور المشرق على الخلق، ولكنهم أعموا أبصارهم كما أعموا بصائرهم عن الانتفاع بهذا النور، وجاءهم النور محمد ﷺ بنوره وبرسالته وبحكمته وهو حريص على إيمانهم، وكاد يهلك نفسه في سبيلهم بما قابلوه من أذى وجحود وكفران وعندما ملك رقابهم ونواصيهم عفا عنهم وقال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء).
ولو آمنوا به وقبلوه كما قبله غيرهم من المؤمنين والمسلمين لما كانوا في النار، ولما نادوا هذا النداء الذي لا جواب عليه.
ففي الموت راحة، وأنى لهم الراحة وقد كفروا وأصروا على الكفر مدة حياتهم؟ والمجيء بالحق كان للجن والإنس، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ولكن الذي آمن بالحق قليل من الناس، قال تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٣ - ١٤] ولذلك في الآية الكريمة ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ﴾ [الزخرف:٧٨] فكان الأكثر كافراً جاحداً ممتنعاً عن الحق وقبوله والإيمان به والاهتداء بهديه.
وقد كرهوه وازدروه وكفروا به، وفي النار يلقون جزاء كفرهم وجحودهم وكراهتهم للحق، ومن هنا نعلم أن حب الحق إيمان وكراهيته كفران وجحود؛ ولذلك فقد علمنا رسول الله ﷺ أن نقول في الدعاء: (اللهم ارزقني حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك) فحب الله ورسول الله وشريعة الإسلام وحب الصحابة والتابعين والسلف الصالح والمؤمنين من متعلقات الإيمان، ومن أحب قوماً حشر معهم؛ إن كانوا مؤمنين فهو معهم في الجنة، وإن كانوا كافرين فهو معهم في النار، وكل محب للمحب تابع ومقلد، ومن أحب الكافر فعل فعله، ومن أحب المؤمن فعل فعله.
والحكمة العربية تقول: قل لي من تصاحب أقل لك من أنت.
وإذا رئي الإنسان مع منافق أو فاسق أو فاجر فمعنى ذلك أنه مثله، وإذا رئي مع صالح أو مؤمن أو محب للخير فمعناه أنه مؤمن، وكثيراً ما نفعل هذا عندما يصعب علينا أن نعرف حقيقة إنسان لا نعرفه، فنسأله: ما رأيك في أبي بكر؟ ما رأيك في الأئمة الأربعة؟ ما رأيك في الحركات الجارية في الأرض: كالاشتراكية والشيوعية؟ فإن أجاب إجابة حسنة فهو أخ مسلم، وإن قال: الاشتراكية مذهب صالح، والشيوعية لا بد منها فيكون قد رسب في الامتحان وعاملناه معاملة غير اللائق، إن كان يريد المصاهرة أبعدناه فلا يصلح أن يصاهر مؤمناً، وإن أراد الشركة أشرنا بألا يشارك، وإذا أراد شيئاً نقول له: لا، إلا إذا استنصحنا -والدين النصيحة- فيجب علينا أن ننصحه، ونقول له: إن الذي تحبه ضرر عليك في الدنيا والآخرة.
стр. 2131
تفسير قوله تعالى: (أم أبرموا أمراً فإنا مبرمون)
قال تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف:٧٩] هي كقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:٥٠] ومعنى الآية الأولى: أم أبرموا مكراً أو حيلة، أو تواطئوا على حيلة بالابتعاد عن النار، أو في الإيذاء لرسول الله ﷺ ، أو في التنكر للإسلام أو حرب الإسلام.
فهؤلاء الذين أمرت أن تدعوهم إلى الإسلام من أهل المشارق والمغارب، من عاصرك ومن سيأتي بعدك هل تواطئوا على شيء وأحكموه واتفقوا عليه ليريدوا بذلك الكيد للإسلام والهجوم على الإسلام والكيد لرسول الله ﷺ والهجوم عليه، أو الكيد لكل ما هو من المقدسات في الإسلام؟ فهم أرادوا المكر فالله يمكر بهم، قال تعالى: ((وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)) فهم لم يشعروا بمكر الله لهم، وهم كمن يبحث عن حتفه بظلفه، وكمن حفر حفرة ليقع فيها، فكانوا هم سبب بلاء أنفسهم، وسبب لعنة أنفسهم، وهم يظنون أنهم بذلك سيتحايلون على الله، وهل مع الله حيلة ﷻ وعز مقامه؟ وكثير من الناس يتحايلون في شرب الخمر وارتكاب الربا ونشر الفساد وأكل المال بالحيلة وبالحرام، ومنهم من يسأل في الحج عن الرخص فيقولون: هل من الضروري أن نأتي منى؟ وهل من الضروري أن نأتي محرمين؟ ألا يكفي أن نحرم من جدة؟ ولماذا لا يكفي أن نحرم من مكة؟ أليس يكفي الوقوف في عرفات؟ ألم يقل النبي ﵊: (الحج عرفة)؟ وهكذا فإنهم يريدون أن يقلصوا الحج ركناً بعد ركن، وواجباً بعد واجب.
وقد سمعت هذا في مجلس من عسكري في منصب كبير يريد أن يتكلم كلام العلماء فيقول: يجب أن يكتفي المسلمون بالوقوف في عرفة وذلك أيسر، ألم يقل النبي ﵊: (الحج عرفة)؟ والمجلس مليء بأهل العلم الفاهمين المدركين، ولكن كما قال تعالى: ﴿لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] ولو سكت من لا يعلم لقل الخلاف ولزالت الفتنة، ولكنه أكثر من يتكلم اليوم بالباطل وبالجهل وبما يتضاحك به عليه لجهله، ولجهله أنه يجهل، وهو ما يسمى بالجهل المركب.
стр. 2132
تفسير قوله تعالى: (أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون)
قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠]، أم يظن هؤلاء الجهلة الكفرة أننا لا نسمع سرهم ولا نجواهم؟ يقال: أن ساخرين من أهل مكة أخذا يطوفان بالكعبة ويقولان كلاماً كفرياً، فقال أحدهما للآخر: ترى أيسمع الله قولنا؟ فقال الآخر: إن نحن أضمرناه سراً لا يسمع، وإن رفعنا به صوتنا سمعنا، فقال الأول: إن كان يسمع السر فهو يسمع العلن، فإذاً لا مفر.
فالله قال لهما من باب المناظرة وقال للجهلة الذين لا يدركون: ((أَمْ يَحْسَبُونَ)) أي: أم يظنون، ((أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ)) عندما يسرون قولهم الكفري، ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠] أي: ليس هو السماع فقط، بل هناك التسجيل والتدوين، فرسلنا الملائكة -ملائكة الله- من على اليمين وعلى الشمال عزين، فالذي على اليمين يكتب الخير والذي على الشمال يكتب الشر من القول والفعل والعمل، ولكن رحمة الله بعباده المؤمنين أن السيئة لا يكتبها إلا إذا فعلت، وإذا لم تفعل تكتب حسنة، والحسنة إذا نويت ولم تفعل كتبت حسنة، وإذا فعلت كتبت عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى ما يشاء الله، حسب مقام تلك الحسنة من نشرها، ومن عموم نفعها، ومن إخلاصها، ومن كبرها وعظمتها، وما إلى ذلك.
فالله يسمع السر والجهر، ولا يخفى على الله شيء مما تتحدث به الأنفس، فالملائكة الكتبة يكتبون ويسجلون الأقوال والأعمال، ويؤتى بذلك يوم القيامة، فالمؤمن كتابه بيمينه، والكافر كتابه بيساره، فيحاول الكافر أن ينكر، وإذا بجوارحه تشهد عليه، فيشهد عليه سمعه، وبصره، وجلده بما كان يعمل في دار الدنيا.
فالله الذي ينطق اللسان فيتكلم هو القادر على أن ينطق الأخرس والحيوان والطفل الصغير والجوارح وغيرها.
وفي عصرنا قد أنطق الله الجمادات بدون لسان كالراديو والتلفزيون وغيرهما، حتى إن الإنسان البدوي ليظن أن الراديو أو التلفزيون إنساناً بروحه وجسده، فالذي أنطق الخشبة والجمادات ونحن نراها هو الله، وصدق من كتب كتاباً وسماه: العلم يدعو للإيمان، فالذي كان ينكر المعجزات قديماً صار يراها في عصرنا، مع أنها لا يمكن أن تسمى معجزات؛ لأنه لا نبي بعد نبينا ﷺ ، والذي يفعلها ليس مؤمناً ولا يؤمن بمعجزة ولا غيرها، ولكن المعجزات أشياء أنذر بها القرآن، وتحدث عنها رسول الله ﵊ فكانت كما أخبر ربنا وكما أخبر نبينا ﷺ .
стр. 2133
تفسير سورة الزخرف [٨١ - ٨٩]
إن مشركي العرب لما جاءهم محمد ﷺ برسالة التوحيد وإفراد الله بالعبادة جادلوه وماروه في ذلك جدالاً طويلاً حتى أثبتوا لله الولد من الملائكة وغيرهم، فأمر الله نبيه أن يقول لهم متحدياً أن لو كان لله ولد فإنه سيكون أول من يعبده، ولكن هيهات أن يكون له ولد، فهو سبحانه خالق السماوات والأرض ومالك كل شيء ، لا يحتاج إلى شريك ولا إلى صاحبة أو ولد.
стр. 2134
تفسير قوله تعالى: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين)
قال الله ربنا ﷻ : ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١] يقول الله ﷻ لعبده ونبيه محمد ﷺ : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الوثنيين الذين نسبوا لله ولداً، إن كان هذا حقيقة، فأنا مأمور بأن أكون لهذا الولد مع أبيه أول العابدين، ومعنى ذلك: أن هذا شرط، والشرط لا يلزم منه الوقوع، ولا يلزم منه الجواز، وهو من باب المناظرة، وتعجيز من يزعم ذلك ويدعيه.
والمعنى: ليس لله ولد، ولو كان له ولد لكان إلهاً، ولو كان إلهاً لجاءت الرسل والأنبياء بالأمر بعبادته، ولن يكون ذلك؛ لأنه لا وجود لغير الله الواحد، لا ولد له ولا صاحبة ولا شريك له، لا في ذات ولا في صفات ولا في أفعال، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر:٤]، أي: لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاختار من عبيده ولانتقى منهم ما يشاء، ولكن الله لم يشأ، ولن يكون ذلك، ولن يكون الولد إلها، ولن يكون المخلوق ربا، فالرب واحد لا يليق به ولد، ولا يليق به صاحبة، وإن هي إلا أكاذيب وأضاليل اخترعتها عقول المشركين والفجار وغير الموحدين من الناس.
فهي أكاذيب ما أنزل الله بها من سلطان، وهذا من باب الشرط، والشرط لا يلزم منه الوقوع، بل ولا يلزم منه الجواز، ولو أراد الله لاتخذ ولداً، ولو اتخذه لاختاره من خلقه، ولكن الله سبحانه هو الله الواحد القهار، لا يليق به شيء من صفات المخلوقين؛ ولذلك فإن الله نزه نفسه وسبحها وعظمها وعلمنا أن نقول ذلك فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الزخرف:٨٢] فالله سبحانه يعظم نفسه وينزهها، ويبرئها من المعائب والنقائص التي لا تليق به، فهو رب السماوات والأرض ورب العرش، فهو الواحد الأحد تعالى ربنا وتنزه وتعظم وتقدس عما يصفه به المشركون الوثنيون الكاذبون، بل الله واحد لا ثاني له، ولا شريك له، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
стр. 2135
تفسير قوله تعالى: (سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون)
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الزخرف:٨١ - ٨٢] ربنا ﷻ هو رب السماء والأرض، هو واحد في ذاته لا ولد معه ولا صاحبة ولا جن، تعالى الله عما كذب الكذابون من أن الملائكة بنات الله، ومن نسبة أنفسهم أنهم أولاد الله، ومن نسبة عزير وعيسى إلى الله، فكل ذلك افتراء واختراع اخترعته نفوسهم الكاذبة بغير مرجع إلى دليل من عقل أو نقل، والله نزه نفسه وعظمها، وعلمنا بأن نعظمه ونسبحه وننزهه عن كل ما لا يليق بجلاله وبمقامه.
стр. 2136
تفسير قوله تعالى: (فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون)
قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف:٨٣].
فقوله: ((فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا)) أي: ذرهم يخوضوا في اللعب والكذب والباطل.
وقوله: ((وَيَلْعَبُوا)) أي: دعهم يلعبون بأنفسهم وبدينهم وبعقائدهم، فإن أمامهم يوماً هم ملاقوه لا محالة، هو اليوم الموعود هو اليوم الآخر هو يوم القيامة، يوم تحاسب كل نفس عما قدمت، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
وهذا تهديد ووعيد من الله ﷻ لهؤلاء المصرين على الكفر والشرك والوثنية، الذين لم تفدهم كتب سماوية ولا رسل ولا سيد الرسل وخاتم الأنبياء ﷺ ، بل ما زادتهم الكتب والرسالات إلا إصراراً على الباطل، وتصميماً على الشرك، وما داموا كذلك فذرهم ودعهم لخوضهم وللعبهم ولباطلهم.
وقوله: ((فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ)) واليوم الذي وعدوه هو يوم البعث، وهو يوم القيامة حيث يحاسبون إما إلى جنة وإما إلى نار.
стр. 2137
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم)
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٨٤].
أي: هو الله إله في السماء معبود، وإله في الأرض معبود، لا ثاني له لا في أرض ولا في سماء، فهو الإله الخالق الرازق المعبود في السماء والأرض، ليس هناك من إله ولا رب سواه كما زعم المبطلون والمشركون، بل هو رب السماوات ورب الأرض وما بينهما من أفلاك ومن خلق مما لا يعده ولا يحصيه إلا الله من هذه المجرات التي نراها فوقنا وهي أكبر من الأرض بمرات، والقليل منها أصغر من الأرض، أو قريب منها كالقمر مثلاً، فهي بملايين لا يحصي عددها إلا الله، والذي تدل عليه النصوص أن في هذه الأفلاك والمجرات خلقاً من خلق الله لا يعلم شكلهم ونوعهم إلا الله، وكلهم أمروا بطاعة الله ووحدانيته؛ ولذلك فإن الله يقول عن ذاته العلية: هو إله من في السماء وإله من في الأرض، وهو الرب المعبود لما بين السماوات والأرض.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٨٤] أي: الحكيم فيما يخلق، والذي يضع الأمور مواضعها بما يصلح العباد في دنياهم وأخراهم، فيما لا يدركون له كنهاً، فالبعض لا يصلحه إلا الفقر، والبعض لا يصلحه إلا الغنى، والبعض لا يصلحه إلا طول العمر، والبعض لا يصلحه إلا قصر العمر، وكما قال نبينا ﵊: (إن لله عباداً لا يصلحهم إلا الفقر، ولو أغناهم لأفسدهم، وإن لله عباداً لا يصلحهم إلا الغنى، ولو أفقرهم لأفسدهم).
وكما يقال: لو كشف لنا الغطاء لوجدنا أن ما صنعه الله بنا وصنعه بخلقه هو عين الحكمة وعين الصواب، فهو عليم بخلقه، والعليم بما يصلح هؤلاء الخلق في معاشهم وفي معادهم، وفي أرزاقهم، وفي بيئتهم، وفي مجتمعاتهم.
стр. 2138
تفسير قوله تعالى: (وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما)
قال تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزخرف:٨٥] تبارك: تقدس وتنزه وتعظم عن كل نقص وعيب لا يليق به ﷻ ، فالنقص والعيب لا يليقان إلا بالخلق من جن وإنس.
والله رب السماوات والأرض ومدبرهما وخالقهما وما فيهما، وخالق ما بين السماوات والأرض من الأفلاك والمجرات والخلق الذين لا يعلم حقيقتهم وأنواعهم إلا الله لا إله إلا هو.
وقوله: ((وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)) أي: علم تحديد وقت الآخرة باليوم والساعة والسنة، وقد انفرد ربنا بعلم ذلك واستأثر به ولم يعلم به لا ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً، قال تعالى: ﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف:١٨٧]، وعندما سأل جبريل ﵇ سيد الأنبياء والرسل نبينا ﵊ فقال: (متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل؟) أي: علمك كعلمي فيها، فكما أنك لا تعلم تحديداً لوقتها فكذلك أنا لا أعلم ذلك، ولذلك انتقل من السؤال عن الوقت وعن تحديد الساعة إلى السؤال عن الأمارات والعلامات (قال: فأخبرني عن أمارتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها) إلى آخر الحديث.
وقوله: ((وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)) أي: أن الله انفرد بعلمها وبوقتها وبزمانها، لا يجليها لوقتها إلا هو، وتقديم المعمول على العامل يفيد الحصر.
وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزخرف:٨٥] أي: أن كل الخلق؛ ملائكة وجناً وإنساً من آمن من الجن والإنس ومن أشرك، وقليل منهم آمن، قال تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٣ - ١٤]، فالخلق إليه جميعاً مرجعهم، ولا بد من يوم القيامة، وسترجعون إلى الله على الحالة التي متم عليها، وستعرضون على الحساب وعلى القضاء فإما إلى جنة وإما إلى نار، فمن فاز بالتوحيد ومات عليه فهو من أهل الجنة، ولو دخل النار فإنه سيمحص زمناً وتكون النتيجة الدخول للجنة، وأما من مات على الشرك فقد حرم الله الجنة والمغفرة على الكافرين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨].
وسيرجع الخلق إلى الله ﷻ حفاة عراة غرلاً، وكل إنسان يقول: نفسي نفسي، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦] ولا يبقى أحد يستنجد بأحد لا بوالد ولا بوليد ولا بحمي ولا بصديق ولا بعدو، بل الأنبياء عندما تذهب إليهم الأمم والشعوب يستشفعون ويستغيثون بهم، فإنهم يقولون: نفسي نفسي، ولا يشفع للخلق إلا إمام الأنبياء نبينا ﷺ فهو وحده الذي لا يقول: نفسي، بل يقول: (أنا لها أنا لها) فيسجد تحت العرش ويدعو ربه بمحامد يلهمها إذ ذاك، فيبقى زمناً وهو يضرع لربه ويشفع لربه إلى أن يقول له: (ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع) وأما بقية الأنبياء والرسل فالكل لا يهتم إلا بنفسه، فكيف بغيرهم؟!
стр. 2139
تفسير قوله تعالى: (ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة)
قال تعالى: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦] هؤلاء الذين يعبدون من دون الله من جماد أو حيوان أو ملك أو جن أو إنس لا شفاعة لهم، بل المشركون وما يعبدون حصب جهنم هم لها واردون، ولكن من شهد بالحق وهم يعلمون فإن لهم الشهادة، وهذه الفقرة من الآية تعم وتخص، فمما يعبد المشركون الصالحين، والملائكة، وعيسى، ومريم، وعزيراً، وهؤلاء يشهدون بالحق، ويشهدون بشهادة التوحيد لا إله إلا الله، وهم يعلمون ذلك على بصيرة، فشهادتهم شهادة حق، وشهادة علم، فهؤلاء أذن الله لهم بالشهادة ومن دونهم ليسوا كذلك.
وأخذ فقهاؤنا من هذه الآية أنه لا تقبل الشهادة إلا بعلم، فلا تقبل شهادة السماع، فلا بد أن يكون الإنسان قد شهد بالحق وهو يعلم ذلك الحق واطلع عليه وعاش في واقعه وعلم به، وليس كمن يقول: سمعت أو بلغني أو رويت، ولذلك الشهادة على ما تستباح به الأعراض والدماء والأموال لا تكون إلا من مزكيين، ولا تكون الشهادة شهادة بحق إلا مع علمهم بذلك الحق علماً شخصياً لا شهادة سماع.
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف:٨٧] هؤلاء الذين جعلوا مع الله شريكاً؛ ولداً، أو بنتاً، أو صاحبة، أو أبناءً، أو شركاء، سلهم: من خلقهم؟ فسيجيبونك: خلقنا الله، وقد فعل ﷺ فسأل من عاصره عمن خلقهم، فقالوا: الله، قال الله عنهم: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف:٨٧] فكيف مع علمهم بأن الله خالقهم ومولاهم ومدبرهم يصرفون ويدفعون عن الحق، فيعبدون مع الله غيره وهو لم يخلقهم ولم يدبر لهم ولم يرزقوهم ولم يكن له عليهم ولاية لا بخير ولا بشر.
فليس هذا شأن العقلاء، ومن هنا نرى أن الجاهلية العربية أشرف -على وثنيتها- وأكرم -على جهلها- من كفر المذاهب الهدامة الباطلة التي تنكر الخلق والخالق، والتدبير والمدبر، والرزق والرازق وتقول: إن هو إلا الدهر؛ لأن أصحاب هذه المذاهب يعيشون كما تعيش الحيوانات، لا يفكرون في آخرة، ولا يفكرون في أنفسهم، بل يزعمون أنهم يعيشون ويموتون وأنه لا يهلكهم إلا الدهر ولا شيء آخر، فأصحاب الجاهلية الأولى على شركهم يؤمنون بالله ولكنهم لم يحسنوا هذا الإيمان وخلطوا معه شركاً، أما هؤلاء فنزعت عقولهم بالمرة، وأنكروا ما هو حال وقائم بخلقهم وبفعلهم وبرزقهم: ففي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فالإنسان يعرف وجود الله ﷻ في خلقه الليل والنهار، والفصول الأربعة، وموت الناس وإحيائهم، ورزقهم وغير ذلك، والإنسان يتساءل بفطرته: من خلقني وخلق الكون؟ ومن رزقني وأنشأني وأصحني وأمرضني وأحياني وأماتني؟ فيستشعر لأول وهلة وتقول حواسه وجوارحه أنه هو الله، بل حتى الحيوانات والجن، وكذلك الكافر بحواسه وإن أنكره جنانه ولسانه، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف:٨٧] يقولون ذلك متأكدين، ويقسمون عليه بلام جواب القسم، ويؤكدونه بالنون المثقلة، بأن خالقنا هو الله.
وقوله: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف:٨٧] يقول ربنا عنهم: إن كانوا كذلك، وقد علموا الحق وأعلنوه واعترفوا به، فكيف صرفوا عنه، وعبدوا مع الواحد اثنين، وعبدوا مع الخالق خلقاً؟ فهذا منتهى سخافات وضياع العقول.
стр. 2140
تفسير قوله تعالى: (وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون)
قال تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف:٨٨]، هذه الآية شكوى محمد ﷺ ، وكما قال في آية أخرى حكاها الله عنه: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠] فقد شكاهم إلى الله بأنهم هجروا القرآن، وهجروا تلاوته، وهجروا العمل به، وهجروا تحكيمه، وإن كانوا قد هجروا القرآن أيام نزوله فما بالك بعصرنا؟ ففي العالم الإسلامي هجر لغة، وهجر إدارة، وهجر دين، وهجر حكم للحلال والحرام، فأصبح حفظ المصحف للبركة إلا من رحم ربك.
فقوله: ((وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ)) قال هذا نبينا ﷺ ، ورفع شكواه لربه بعد أن دعا قومه إلى قول لا إله إلا الله، وترك الأوثان والأصنام، فصبر على ذلك في مكة ثلاثة عشر عاماً وما زادهم ذلك إلا خسراناً مبيناً، فشتموه وقالوا عنه ما قالوا، ورموه بما لا يليق، وتآمروا على قتله أو إخراجه أو سجنه، ورموه بالحجارة، وبسلى جزور الإبل، ومع ذلك كان يدعوهم بلا ملل ولا كلل في الليل والنهار، وهم على هذه الحالة، وقد كان ذلك قبل أن يشرع الجهاد، ومضت سنين وما آمن به إلا أربعون من قومه، فشكا وتضرع إلى الله خالقه، وقال: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف:٨٨]، أي: إن هؤلاء الأقوام والعشائر لا يؤمنون، فقد أصروا على الكفر والشرك والعناد.
следующие страницы →