← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

تفسير قوله تعالى: (فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون) قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف:٨٣]. فقوله: ((فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا)) أي: ذرهم يخوضوا في اللعب والكذب والباطل. وقوله: ((وَيَلْعَبُوا)) أي: دعهم يلعبون بأنفسهم وبدينهم وبعقائدهم، فإن أمامهم يوماً هم ملاقوه لا محالة، هو اليوم الموعود هو اليوم الآخر هو يوم القيامة، يوم تحاسب كل نفس عما قدمت، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. وهذا تهديد ووعيد من الله ﷻ لهؤلاء المصرين على الكفر والشرك والوثنية، الذين لم تفدهم كتب سماوية ولا رسل ولا سيد الرسل وخاتم الأنبياء ﷺ ، بل ما زادتهم الكتب والرسالات إلا إصراراً على الباطل، وتصميماً على الشرك، وما داموا كذلك فذرهم ودعهم لخوضهم وللعبهم ولباطلهم. وقوله: ((فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ)) واليوم الذي وعدوه هو يوم البعث، وهو يوم القيامة حيث يحاسبون إما إلى جنة وإما إلى نار.

стр. 2137

تفسير قوله تعالى: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم) قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٨٤]. أي: هو الله إله في السماء معبود، وإله في الأرض معبود، لا ثاني له لا في أرض ولا في سماء، فهو الإله الخالق الرازق المعبود في السماء والأرض، ليس هناك من إله ولا رب سواه كما زعم المبطلون والمشركون، بل هو رب السماوات ورب الأرض وما بينهما من أفلاك ومن خلق مما لا يعده ولا يحصيه إلا الله من هذه المجرات التي نراها فوقنا وهي أكبر من الأرض بمرات، والقليل منها أصغر من الأرض، أو قريب منها كالقمر مثلاً، فهي بملايين لا يحصي عددها إلا الله، والذي تدل عليه النصوص أن في هذه الأفلاك والمجرات خلقاً من خلق الله لا يعلم شكلهم ونوعهم إلا الله، وكلهم أمروا بطاعة الله ووحدانيته؛ ولذلك فإن الله يقول عن ذاته العلية: هو إله من في السماء وإله من في الأرض، وهو الرب المعبود لما بين السماوات والأرض. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٨٤] أي: الحكيم فيما يخلق، والذي يضع الأمور مواضعها بما يصلح العباد في دنياهم وأخراهم، فيما لا يدركون له كنهاً، فالبعض لا يصلحه إلا الفقر، والبعض لا يصلحه إلا الغنى، والبعض لا يصلحه إلا طول العمر، والبعض لا يصلحه إلا قصر العمر، وكما قال نبينا ﵊: (إن لله عباداً لا يصلحهم إلا الفقر، ولو أغناهم لأفسدهم، وإن لله عباداً لا يصلحهم إلا الغنى، ولو أفقرهم لأفسدهم). وكما يقال: لو كشف لنا الغطاء لوجدنا أن ما صنعه الله بنا وصنعه بخلقه هو عين الحكمة وعين الصواب، فهو عليم بخلقه، والعليم بما يصلح هؤلاء الخلق في معاشهم وفي معادهم، وفي أرزاقهم، وفي بيئتهم، وفي مجتمعاتهم.

стр. 2138

تفسير قوله تعالى: (وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما) قال تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزخرف:٨٥] تبارك: تقدس وتنزه وتعظم عن كل نقص وعيب لا يليق به ﷻ ، فالنقص والعيب لا يليقان إلا بالخلق من جن وإنس. والله رب السماوات والأرض ومدبرهما وخالقهما وما فيهما، وخالق ما بين السماوات والأرض من الأفلاك والمجرات والخلق الذين لا يعلم حقيقتهم وأنواعهم إلا الله لا إله إلا هو. وقوله: ((وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)) أي: علم تحديد وقت الآخرة باليوم والساعة والسنة، وقد انفرد ربنا بعلم ذلك واستأثر به ولم يعلم به لا ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً، قال تعالى: ﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف:١٨٧]، وعندما سأل جبريل ﵇ سيد الأنبياء والرسل نبينا ﵊ فقال: (متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل؟) أي: علمك كعلمي فيها، فكما أنك لا تعلم تحديداً لوقتها فكذلك أنا لا أعلم ذلك، ولذلك انتقل من السؤال عن الوقت وعن تحديد الساعة إلى السؤال عن الأمارات والعلامات (قال: فأخبرني عن أمارتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها) إلى آخر الحديث. وقوله: ((وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)) أي: أن الله انفرد بعلمها وبوقتها وبزمانها، لا يجليها لوقتها إلا هو، وتقديم المعمول على العامل يفيد الحصر. وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزخرف:٨٥] أي: أن كل الخلق؛ ملائكة وجناً وإنساً من آمن من الجن والإنس ومن أشرك، وقليل منهم آمن، قال تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٣ - ١٤]، فالخلق إليه جميعاً مرجعهم، ولا بد من يوم القيامة، وسترجعون إلى الله على الحالة التي متم عليها، وستعرضون على الحساب وعلى القضاء فإما إلى جنة وإما إلى نار، فمن فاز بالتوحيد ومات عليه فهو من أهل الجنة، ولو دخل النار فإنه سيمحص زمناً وتكون النتيجة الدخول للجنة، وأما من مات على الشرك فقد حرم الله الجنة والمغفرة على الكافرين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]. وسيرجع الخلق إلى الله ﷻ حفاة عراة غرلاً، وكل إنسان يقول: نفسي نفسي، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦] ولا يبقى أحد يستنجد بأحد لا بوالد ولا بوليد ولا بحمي ولا بصديق ولا بعدو، بل الأنبياء عندما تذهب إليهم الأمم والشعوب يستشفعون ويستغيثون بهم، فإنهم يقولون: نفسي نفسي، ولا يشفع للخلق إلا إمام الأنبياء نبينا ﷺ فهو وحده الذي لا يقول: نفسي، بل يقول: (أنا لها أنا لها) فيسجد تحت العرش ويدعو ربه بمحامد يلهمها إذ ذاك، فيبقى زمناً وهو يضرع لربه ويشفع لربه إلى أن يقول له: (ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع) وأما بقية الأنبياء والرسل فالكل لا يهتم إلا بنفسه، فكيف بغيرهم؟!

стр. 2139

تفسير قوله تعالى: (ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة) قال تعالى: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦] هؤلاء الذين يعبدون من دون الله من جماد أو حيوان أو ملك أو جن أو إنس لا شفاعة لهم، بل المشركون وما يعبدون حصب جهنم هم لها واردون، ولكن من شهد بالحق وهم يعلمون فإن لهم الشهادة، وهذه الفقرة من الآية تعم وتخص، فمما يعبد المشركون الصالحين، والملائكة، وعيسى، ومريم، وعزيراً، وهؤلاء يشهدون بالحق، ويشهدون بشهادة التوحيد لا إله إلا الله، وهم يعلمون ذلك على بصيرة، فشهادتهم شهادة حق، وشهادة علم، فهؤلاء أذن الله لهم بالشهادة ومن دونهم ليسوا كذلك. وأخذ فقهاؤنا من هذه الآية أنه لا تقبل الشهادة إلا بعلم، فلا تقبل شهادة السماع، فلا بد أن يكون الإنسان قد شهد بالحق وهو يعلم ذلك الحق واطلع عليه وعاش في واقعه وعلم به، وليس كمن يقول: سمعت أو بلغني أو رويت، ولذلك الشهادة على ما تستباح به الأعراض والدماء والأموال لا تكون إلا من مزكيين، ولا تكون الشهادة شهادة بحق إلا مع علمهم بذلك الحق علماً شخصياً لا شهادة سماع. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف:٨٧] هؤلاء الذين جعلوا مع الله شريكاً؛ ولداً، أو بنتاً، أو صاحبة، أو أبناءً، أو شركاء، سلهم: من خلقهم؟ فسيجيبونك: خلقنا الله، وقد فعل ﷺ فسأل من عاصره عمن خلقهم، فقالوا: الله، قال الله عنهم: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف:٨٧] فكيف مع علمهم بأن الله خالقهم ومولاهم ومدبرهم يصرفون ويدفعون عن الحق، فيعبدون مع الله غيره وهو لم يخلقهم ولم يدبر لهم ولم يرزقوهم ولم يكن له عليهم ولاية لا بخير ولا بشر. فليس هذا شأن العقلاء، ومن هنا نرى أن الجاهلية العربية أشرف -على وثنيتها- وأكرم -على جهلها- من كفر المذاهب الهدامة الباطلة التي تنكر الخلق والخالق، والتدبير والمدبر، والرزق والرازق وتقول: إن هو إلا الدهر؛ لأن أصحاب هذه المذاهب يعيشون كما تعيش الحيوانات، لا يفكرون في آخرة، ولا يفكرون في أنفسهم، بل يزعمون أنهم يعيشون ويموتون وأنه لا يهلكهم إلا الدهر ولا شيء آخر، فأصحاب الجاهلية الأولى على شركهم يؤمنون بالله ولكنهم لم يحسنوا هذا الإيمان وخلطوا معه شركاً، أما هؤلاء فنزعت عقولهم بالمرة، وأنكروا ما هو حال وقائم بخلقهم وبفعلهم وبرزقهم: ففي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فالإنسان يعرف وجود الله ﷻ في خلقه الليل والنهار، والفصول الأربعة، وموت الناس وإحيائهم، ورزقهم وغير ذلك، والإنسان يتساءل بفطرته: من خلقني وخلق الكون؟ ومن رزقني وأنشأني وأصحني وأمرضني وأحياني وأماتني؟ فيستشعر لأول وهلة وتقول حواسه وجوارحه أنه هو الله، بل حتى الحيوانات والجن، وكذلك الكافر بحواسه وإن أنكره جنانه ولسانه، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف:٨٧] يقولون ذلك متأكدين، ويقسمون عليه بلام جواب القسم، ويؤكدونه بالنون المثقلة، بأن خالقنا هو الله. وقوله: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف:٨٧] يقول ربنا عنهم: إن كانوا كذلك، وقد علموا الحق وأعلنوه واعترفوا به، فكيف صرفوا عنه، وعبدوا مع الواحد اثنين، وعبدوا مع الخالق خلقاً؟ فهذا منتهى سخافات وضياع العقول.

стр. 2140

تفسير قوله تعالى: (وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون) قال تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف:٨٨]، هذه الآية شكوى محمد ﷺ ، وكما قال في آية أخرى حكاها الله عنه: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠] فقد شكاهم إلى الله بأنهم هجروا القرآن، وهجروا تلاوته، وهجروا العمل به، وهجروا تحكيمه، وإن كانوا قد هجروا القرآن أيام نزوله فما بالك بعصرنا؟ ففي العالم الإسلامي هجر لغة، وهجر إدارة، وهجر دين، وهجر حكم للحلال والحرام، فأصبح حفظ المصحف للبركة إلا من رحم ربك. فقوله: ((وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ)) قال هذا نبينا ﷺ ، ورفع شكواه لربه بعد أن دعا قومه إلى قول لا إله إلا الله، وترك الأوثان والأصنام، فصبر على ذلك في مكة ثلاثة عشر عاماً وما زادهم ذلك إلا خسراناً مبيناً، فشتموه وقالوا عنه ما قالوا، ورموه بما لا يليق، وتآمروا على قتله أو إخراجه أو سجنه، ورموه بالحجارة، وبسلى جزور الإبل، ومع ذلك كان يدعوهم بلا ملل ولا كلل في الليل والنهار، وهم على هذه الحالة، وقد كان ذلك قبل أن يشرع الجهاد، ومضت سنين وما آمن به إلا أربعون من قومه، فشكا وتضرع إلى الله خالقه، وقال: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف:٨٨]، أي: إن هؤلاء الأقوام والعشائر لا يؤمنون، فقد أصروا على الكفر والشرك والعناد.

стр. 2141

تفسير قوله تعالى: (فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون) قال الله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٩] وكان هذا قبل تشريع الجهاد. هذه الآية فيها تهديد ووعيد وإنذار قاس شديد؛ لأنه جاء بعد قوله: (فاصفح عنهم) أي: فأعرض عنهم، ودعهم وسالمهم، ولا تفعل فعلهم، ولا تقل قولهم، ولا تقاربهم في سفههم، وأعرض عن الجاهلين، وانتظر فإن العاقبة لك كما كانت للأنبياء قبلك. ولا تقابلهم لا شتماً بشتم، ولا هجواً بهجو، ولا هجوماً بهجوم، فقد كانوا يعذبون ضعاف القوم إلى حد القتل، حتى أخرجوا نبينا وأصحابه عن مكة كلها، فهاجروا إلى المدينة المنورة، وكانت يثرب، فغير الرسول ﷺ هذا الاسم، فطابت بطيب محمد ﷺ ، وتنورت بنوره، وتشرفت بمقامه فيها حياً وميتاً. وقوله تعالى: ((فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)) أي: فقد علموا ذلك، فقد نزل قوله تعالى في الآية المدينة التي نزلت في المدينة وهي قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج:٣٩ - ٤٠] أي: شردوا من وطنهم وقوتلوا لأنهم قالوا كلمة الحق، وهي: لا إله إلا الله، فشرع القتال دفاعاً عن الأوطان ورفعاً للظلم، ودفاعاً عن العقيدة، وما شرع القتال يوم شرع إلا جواباً على الظلمة والجبابرة والعتاة من المواطنين وغير المواطنين. والعهد المكي لم يكن فيه أمر بالقتال، ولم يكن إلا الأمر بالصبر، وكان يمر ﵊ على الأسرة من أصحابه نساء ورجالاً وشباباً وهم يعذبون بالنار والضرب بالحديد حتى تسال الدماء، ولا يملك لهم شيئاً إذ ذاك فيقول: (صبراً آل ياسر إن موعدكم الجنة)، فاستشهدت أم عمار زوجة ياسر في سبيل الله فقد ضربها أبو جهل بحربة في قلبها، وهي تعلن كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، وكان يصر عليها أن تشرك بالله وتكفر بمحمد وهي تأبى إلا عقيدة لا إله إلا الله وموالاة الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله. فالله يأمر محمداً ألا يعاقبهم، بل يسالمهم ولا يقاربهم بالقول أو بالفعل، فإنهم سيرون عاقبة ظلمهم وشركهم، وقد كان الأمر كذلك، فما كاد يطأ بقدمه الشريفة ﵊ المدينة إلا ووجد الإيمان قد سبقه إليها، وما من درب من دروبها ولا حي من أحيائها ولا سوق من أسواقها إلا وفيه رجل أو امرأة أو أسرة كاملة تقول: لا إله إلا الله، وعندما جاءها مهاجراً انتظروه اليوم بعد اليوم، حتى أقبل من بعيد، فرحبوا به مهللين، زاجلين، ناشدين الشعر وهم يقولون: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع حتى ضربت الدفوف على رأسه، فقد جاءت أمة سوداء وقالت: (يا رسول الله! لقد نذرت إن أوصلك الله إلينا سالماً أن أضرب الدف عند رأسك، قال لها: إن نذرت فافعلي وإلا فلا) وهكذا بعد أن أصبح للإسلام موطئ قدم، وأصبحت له عاصمة، ذل فيها الكفر وعز الإيمان، وتتابعت الحروب وحاول قومه محاربته في غزوة بدر وأحد، واليهود يحاربونه من الداخل والمشركون من الخارج. فغزوة بدر كانت الفرقان وكانت الفاصلة وكانت العز، إلى أن جاء بعد ذلك فتح مكة الذي أذل الله فيه الكفر وأعز الإسلام، ومنذ ذلك اليوم والإسلام عزيز. فالمسلمون إذا استمسكوا بدين الله وبكتاب الله وبقيادة محمد نبيهم ﵊ يعزهم الله ويملكهم العالم، وعندما يتبعون كل ناعق من يهودي أو نصراني أو منافق، ينزل الله عليهم العذاب والمحنة، وقد كان هذا في عقود مختلفة، وعندما يعودون ويئوبون إلى الله بالتوبة يتوب الله عليهم وينصرهم كما نصر الصحابة ففتحوا العوالم. ثم لما عاد المسلمون إلى معصية الله ورسوله سلط الله عليهم الصليبيين في حروبهم الصليبية، فاحتلوا فلسطين والمسجد الأقصى، ثم لما تابوا وأنابوا أعز الله الإسلام، ثم فتحت القسطنطينية فأصبحت تسمى إسلام بول -أي: دار الإسلام- وهي دار الإسلام إلى اليوم. ثم عاد المسلمون للكفر وللمعصية فسلط الله عليهم التتار فاستباحوا الأعراض والدماء والأموال، فجعلوا من البلاد عاليها سافلها، ثم تابوا وأنابوا فعاد الله عليهم بتوبته وبمغفرته، ثم عادوا فقصروا فسلط الله عليهم الاستعمار الأوروبي، فما كاد يترك رقعة من أرض المسلمين إلا واحتلها، وفرض أوامره وكفره فهو الحاكم والمسير، ثم عادوا بعدما أكرمهم الله بالاستقلال وعودة الديار إلى الإسلام فحكمها مرتدوها وكفرتها، فسلط الله عليهم أذل وأحقر خلقه اليهود الذين لعنوا إلى يوم القيامة، ومهما صنعوا أو فعلوا أو حاولوا شيئاً إلا زاده الله عليهم ذلاً، فإذا عدنا إلى الله عودة صادقة فإن الله سيهلك اليهود، ويعود المسلمون لعزهم ونصرهم، والله فاعل لا محالة ﷻ ، وكما يقول ربنا: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف:١٦٧]. وهكذا نكون قد ختمنا سورة الزخرف.

стр. 2142

تفسير سورة الدخان [١ - ٧] القرآن العظيم كتاب الله الكريم أنزله على قلب محمد ﷺ ، فكان رحمة من عند الله للعالمين، وكان نزوله في ليلة مباركة وشهر مبارك، وهي ليلة القدر في شهر رمضان.

стр. 2143

ذكر نسبة سورة الدخان وما روي في فضلها سورة الدخان سورة مكية فيها تسع وخمسون آية، وهذه السورة ورد فيها حديثان ضعيفان رواهما الترمذي وطعن في سندهما؛ لضعف بعض رواتهما: الأول: عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (من قرأ ﴿حم﴾ [الدخان:١] في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك). والثاني: كذلك عند الترمذي: (من قرأ ﴿حم﴾ [الدخان:١] في ليلة الجمعة غفر له). وتلاوة القرآن في جميع الليالي وفي جميع الأيام ليس فيها إلا الخير والأجر والفضل، وعلى كل حرف عشر حسنات، كما قال نبينا ﵊: (لا أقول (ألم) حرف، بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) أي: من يقرأ هذا الحرف المقطع يكون له ثلاثون حسنة.

стр. 2144

تفسير قوله تعالى: (حم) قال تعالى: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ [الدخان:١ - ٣]. قوله تعالى: ﴿حم﴾ [الدخان:١] هو من الحروف المقطعة، وفيها أقاويل وآراء من الصحابة ثم التابعين، فبعضهم قال: هي من أسماء الله الحسنى. والبعض قال: (حم) أي: حم القضاء ونزل أمر الله. ومنهم من قال: هي رموز لمعان، ومنهم من قال: ذلك للدلالة على أن القرآن المعجز مكون من الحروف الأبجدية العربية، فالقرآن هو الكتاب المعجز الذي عجز البشر عن أن يأتوا بمثله وتحداهم الله فقال: ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، وهذا التعجيز كان منذ (١٤٠٠) عام، وهذا من معجزات القرآن، فلم يأت أحد بليغ ولا فصيح بما يشبه فصاحة القرآن وبلاغته من قريب أو بعيد وقد قال بعض الناس: ما وجه الإعجاز ما دامت حروف الهجاء العربية قد أخذ منها هذا القرآن وهو بلسان عربي مبين، فما يمنعني أن أقول مثله؟! قال هذا المعري الشاعر الشامي، فأتى بالغث من القول وما يضحك الثكلى. وهناك مجنون أرعن ادعى النبوة وكتب للنبي صلى الله عليه وآله في حياته: من مسيلمة نبي الله إلى محمد نبي الله، فكتب له ﷺ (من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب)، ومنذ ذاك صار واسمه مسيلمة الكذاب، فكان يأتي بالغث من القول ويقول: أوحي إلي به. وجاءه مرة عمرو بن العاص وهو لا يزال على كفره من مكة، فقال: إيهٍ يا مسيلمة، ما الذي نزل عليك من الوحي؟ قال: نزل علي اليوم أن لي نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشاً قوم لا يعدلون! فقال له عمرو وهو لا يزال على شركه: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك كاذب. فلم يصدقه، فأسرع به ذلك إلى الإيمان برسول الله عندما سمع القرآن وفصاحته وبلاغته وإعجازه الذي حضر تلاوته فصحاء العرب وقد أوتوا الفصاحة دون خلق الله جميعهم، فلغتهم أبلغ اللغات وأفصح اللغات وأرفع اللغات وأجمل اللغات، فلما سمعوه قال الوليد بن المغيرة: ما نقول فيه؟ فقال بعضهم: نقول: شاعر، فقال: لقد علمت الشعر فما هو بالشعر، فقالوا: ما تقول فيه إذاً؟! قال: إن له لحلاوة، وإن عليه لطراوة، وإن أعلاه مثمر وأسفله مغدق. فمن القرآن يقول: إن هذا هو الكلام الذي بلغ من الفصاحة ومن البلاغة ومن البيان ما لا يكاد يقف عنده عقل، وهذا الذي قيل لا يزال قائماً إلى الآن، فرسول الله ﵊ أوتي جوامع الكلم، وهو سيد العرب فصاحة وبلاغة، ومع ذلك عندما نأتي إلى فصاحة رسول الله ﵊ في حديثه وفي خطابته وفي محاوراته وفي مناظراته ونقيس قوله بقول الله، نجد الفرق كما بين السماء والأرض. وقد رأينا في عصرنا من هو من أبلغ الخلق، ولا نظن أنه سبقه على مثل فصاحته منذ ألف سنة مثله، وأعني به مصطفى صادق الرافعي ﵀، فقد كان له من البلاغة والفصاحة في القول ما لا يكاد يستطيع أن يقول مثله الكثيرون ممن مضوا، وإلى عصرنا لم يأت مثله، ومع ذلك حين تقيس كلامه مع كلام الله تجد الفرق شاسعاً جداً. وهناك علامة أخرى، وهي حين تأتي إلى خطبة فصيحة تقرؤها المرة الأولى، فتقول: ما أبلغها ما أفصحها، فإذا قرأتها ثانية نزل إعجابك قليلاً، فإذا كررتها مرات تملها وتطعن في فصاحتها وبلاغتها. واقرأ القرآن صباحاً ومساء، في شبابك وفي كهولتك وفي شيخوختك، فإذا بك لا تمله حلاوة وبلاغة وفصاحة، فهو كما قال رسول الله ﷺ : (لا يخلق من كثرة الرد)، فلا يصبح كلاماً بالياً ممجوجاً لكثرة ما تقوله وتردده، بل عند كل ترديد تضيف معنى جديداً وتفهم مغزى آخر، فأنت في علوم ومعارف كلما تتلوه، ولكن بشرط أن تتلوه بوعي وبإدراك وبتدبر، لا أن تتلوه وأنت تحسب حسابك في بيتك وعملك وأوهامك في خيالك، ففي هذه الحالة قد تقرأ الجزء والجزأين وتنسى أين أنت، وإذا طرأ طارئ ووقفت عند الآية ثم أردت العودة إليها فإنك تنسى أين كنت. يقول تعالى: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الدخان:١ - ٢]، وكأنه يقول: القرآن مؤلف من هذه الحروف، فافعلوا إن شئتم مثله، فهي بأيديكم، وهيهات هيهات، قال بهذا المعنى الزمخشري، وأكده بعض المعاصرين وهو الشيخ الشنقيطي ﵀، أدركته منذ سنوات وأنا لا أزال في جامعة دمشق، وعندما وجدت الشنقيطي يؤكد هذا الرأي ويساند الزمخشري زدت ثقة بالفهم الذي فهمته.

стр. 2145

تفسير قوله تعالى: (والكتاب المبين) يقول تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الدخان:٢]. يقسم الله ﷻ بالكتاب، أي: بالقرآن البين الواضح الذي لا اعوجاج فيه، ولا ركاكة فيه ولا غموض، وليس هو معقد المعاني، بل هو بين واضح لمن أفهمه الله لغة العرب ودرسها، وأما الجاهل فلا يمكن أن يؤمن به ولا بفهمه ولا بتلاوته، إنما العلم بالتعلم. وقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الدخان:٢] قال علماؤنا: لا يجوز القسم إلا بالله أو بصفة من صفاته، فأنت تقول: والله، والرحمن، والعزيز، وكتاب الله، أي: كلام الله، وهي صفة من صفات الله جل وعلا، وليس ذلك يميناً بغير ما يتعلق بالله، وقد قال نبينا ﵊: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت). ولربنا أن يقسم بما يشاء وكيف شاء، وهذا في القرآن كثير، وما أقسم الله به يدل على رفعته وعلى مقامه عند الله.

стр. 2146

تفسير قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) قال تعالى: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ [الدخان:١ - ٣]. قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ) أي: أنزلنا الكتاب، فهذا الكتاب هو كلام الله، وهو قول الله، وهو الذي أنزله ﷻ على قلب نبيه ﷺ بواسطة رسول الملائكة إلى البشر جبريل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان:٣] يقسم الله بكتابه على أن القرآن الذي أنزله وأوحى به أنزله في ليلة مباركة. والليلة المباركة قال عنها قوم: إنها ليلة النصف من شعبان، وانتصر لهذا القول تابعون، ووصفوا هذه الليلة بأنها فيها يفرق كل أمر حكيم من الأعمال ومن الأرزاق وكل ما يتعلق بالخلق، ورووا في ذلك أحاديث، منها أن ليلة النصف من شبعان تؤمر فيها الملائكة بكتابة الأعمار والأرزاق والأعمال للخلق مدة سنة. ولكن تلك الأحاديث المروية يقول عنها ابن العربي المعافري الأندلسي - وهو إمام في الحديث وإمام في التفسير وإمام في الفقه - يقول: لم يصح في ليلة النصف من شبعان في صلاة ولا دعاء، ولم يرد شيءٌ في فضلها البتة، وكرر هذا أعلام جاءوا بعده، وأكد هذا ابن كثير، وقال: من قال ذلك فقد أبعد النجعة، أي: ابتعد عن الحق والصواب في هذا. والأمر كذلك، فلم ينزل الله هذا الكتاب الكريم في ليلة النصف، ومن المعلوم أن من أصول التفسير أن تفسر الآية بالآية، فالله تعالى يقول: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] فالقرآن بنص الآية الكريمة أنزله الله في شهر رمضان، والنصف من شعبان لا صلة له برمضان. وذكر الله ليلة القدر فقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١]، فكان نزول القرآن في رمضان وفي الليلة المباركة كما قال هنا، وهي ليلة القدر، أنزله الله جميعاً بأجزائه الثلاثين إلى سماء الدنيا، ثم أخذ جبريل ينزل به على قلب نبينا ﷺ منجماً، أي: مفرقاً حسب الوقائع وحسب النوازل وحسب المصالح لمدة ثلاث وعشرين سنة، فكانت أول آية ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] وكان آخر آية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. وأنزله الله كله قبل ذلك في شهر رمضان في العشر الأواخر في ليلة القدر، فذكر الشهر في آية، وزاد البيان بذكر نزول القرآن في ليلة القدر، وهي ليلة مباركة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان:٣]، وشهر رمضان كله مبارك، أعاده الله علينا بالخيرات والبركات والنصر المبين وذل اليهود وتحطيم النصارى والمنافقين، وأعاننا الله وإياكم على صيامه وقيامه وعبادته، وتقبل الله منا ومنكم ذلك، ورزقنا العون في كل ذلك. فهو شهر مبارك وهي ليلة مباركة متضاعفة بركتها، وهي ليلة القدر التي قال الله عنها: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣] فهي ببركتها ويمنها ونورها وعبادتها وإشراقها وما قاله عنها ربنا وما ذكره نبينا ﵊ عنها مباركة كثيرة البركات. قال تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ [الدخان:٣]، أي: كنا في هذه الليلة قد أنذرنا الخلق وأوعدناهم وبلغناهم أنا أرسلنا إليهم رسولاً هو محمد العربي الهاشمي ﷺ ، جاء بشيراً للمؤمنين وجاء نذيراً للكافرين، يبشر هؤلاء بالجنة والرضوان وينذر أولئك باللعنة وجهنم.

стр. 2147

تفسير قوله تعالى: (فيها يفرق كل أمر حكيم) قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان:٤ - ٥]. هذه الليلة من خصائصها أنه يفرق فيها -أي: يوزع- كل أمر حكيم. ففي هذه الليلة تكتب الأرزاق وتختم الأعمار وتختم الأعمال وتكلف الملائكة جند الله الذين ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، فهذا للأرزاق، وهذا للموت، وهذا للمرض، وهذا للعمارة، وهذا للخراب، وهذا للصلاح، وهذا للفساد، والله أعلم حيث يجعل رسالاته. ولذلك كان قيام الليل في رمضان من أعظم العبادات، حيث يقوم الإنسان يتهجد ويدعو الله ساجداً وبعد كل ركعتين وعقب التهجد بأن الله تعالى يكرمنا بالعمل الصالح، ويكرمنا بالحلال الطيب، ويصلحنا وأولادنا، ويبعدنا عن الفتن الظاهرة والباطنة، وليخطر ببال هذا الداعي قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]. قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤]، والأمر الحكيم أمر إلهي، وأمر الله كله حكيم، وهو الموضوع مواضعه. قال تعالى: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدخان:٥]، فالقرآن نزل بأمر من الله ﷻ منه مباشرة. ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان:٥]، فأرسل الله تعالى عبده ونبيه وخاتم رسله بهذا القرآن الكريم بأمر من عنده، وجعله رسولاً نبياً، وجعله المبلغ عنه في جميع شعوب الأرض منذ عصره ﵇ إلى آخر يوم من الدنيا، فكلهم من أمة محمد ﷺ ، فمن استجاب فهو من أمة الإجابة، ومن عصى فهو من أمة الدعوة، كالأولاد إن بروا فهم أولاد وإن عقوا فهم أولاد، وعقوقهم لا يخرجهم من البنوة ولا يطرحهم في الشوارع. كما قص الله علينا قصة نوح عندما قال له تعالى عن ابنه: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦] فلم ينف بنوته، ولم ينف نسبه، ولكنه قال عنه: عمل غير عمل الصالحين، وكان في نفسه غير صالح، فهو كله عمل غير صالح. وقد ورد عن رسول الله ﵊ التشريع بأن من أتى زوجته يسمي الله على ذلك، فإن رزقه الله ولداً كان ولداً صالحاً، فإن لم يذكر الله شاركه الشيطان فيه، أي: كان من أعمال الشيطان، كما قال تعالى عن ولد نوح: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦]، وفي قراءة: (إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ). قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٣ - ٤] أي: تفرق وتوزع الأعمار والأرزاق والأعمال ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان:٥] كان نزول هذا القرآن بأمر من الله لعبده ورسوله جبريل من الملائكة إلى عبده ورسوله من البشر نبينا ﵊.

стр. 2148

تفسير قوله تعالى: (رحمة من ربك إنه هو السميع العليم) قال تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الدخان:٦]. أرسل الله بهذا الكتاب محمداً ﷺ رحمة للعباد، وهذا يؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] من الجن والإنس، حتى الكافر هو رحمة له، فلا يأخذه دون أن يترك له فرصة للعبادة، فلعله يوماً يتعظ ويقول: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، ولعله يخرج منه ولد صالح يقول: (لا إله إلا الله) فذلك من رحمة الله بالكافر، ومع كفره يرزقه الله ويصحه ويعطيه الولد ويرزقه الزوجة، كل ذلك من الرحمة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]. وقال ﵊ عن نفسه: (إنما أنا رحمة مهداة)، فلنشكر الله على هديته، ولندع الله تعالى أن نثبت على الإيمان بربنا والإيمان بنبينا صلى الله عليه وعلى آله. قال تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الدخان:٦]، فكان نزول القرآن على قلب محمد ﵊ رحمة من الله ورأفة بعباده وإكراماً لخلقه وإحساناً إليهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الدخان:٦] هذه صفة من صفات الله ونعوته الكريمة، وفي نفس الوقت هي إنذار وتهديد، أي: أن الله أنزل القرآن وأرسل به محمداً ﷺ رحمة، وهو السميع لإيمان المؤمن وكفر الكافر، وهو العليم بقوله، وهو العليم بعمله. فيا سعد من قال كلمة التوحيد وآمن بها ومات عليها، ويا شقاء من أنكرها ومات على إنكارها، وهو تعالى العليم بحال عباده، وبمن آمن وأخلص في إيمانه، وبمن كفر وأصر على كفره!

стр. 2149

تفسير قوله تعالى: (رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين) قال تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الدخان:٧]. فهو رب محمد ﷺ ، وهو رب السموات ورب الأرض، ورب ما بين السموات والأرض من أفلاك ومن مجرات ومن خلق، وهو أعلم بهم، فهو الرب الخالق الرب المدبر المحيي المميت الرازق، وهو رب جميع الخلق، ليس رب محمد فقط، ولا رب الأولين فقط، ولا رب الآخرين فقط ولكنه رب الأولين والآخرين ورب كل ما خلق. قال تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الدخان:٧] مما نرى ومما نعلم ومما نقرأ عنه ومما أخبرنا به القرآن وحدثنا عنه نبينا ﵊. قال تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الدخان:٧] أي: يا هؤلاء الذين سمعوا هذا الكتاب وبلغهم ما قاله رسول الله ﷺ ، فإن كنتم موقنين بهذا، وإن كنتم على يقين بالتوحيد، وعلى يقين بصدق هذا الكتاب وأنه منزل من الله، وعلى يقين بصدق المنزل إليه محمد ﷺ ، فهذا رحمة لكم ورحمة بكم، وإن كنتم غير مؤمنين وغير موقنين فإن العذاب ينتظر كل من لم يكن كذلك، فهو قد أبى الرحمة ورفض الرحمة وابتعد عن الرحمة، فما أتعسه وما أشقاه، جاءه الخير فرفضه وداس عليه، فعليه لعنة الله جزاء عصيانه وتمرده. ثم قال تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ [الدخان:٨]. فهو ربنا ورب آبائنا ورب الخلق أجمعين، وهو إله في السماء وإله في الأرض، وهو الإله المعبود المستحق للعبادة من كل ما خلق من ملائكة وجن وإنس وحيوان، وهو رب آبائنا ورب أجدادنا ورب أولادنا ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [الدخان:٨] لا ثاني له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، هو المحيي المميت الذي أحيانا بعد عدم.

стр. 2150

تفسير سورة الدخان [٨ - ١٦] لما نزل القرآن على سيدنا محمد ﷺ كفر به كفار قريش وتحدوه وعاندوه، فأنذرهم الله أن يرتقبوا عذاب الله وعقوبته بالدخان والقحط الذي لا يقدرون على رده، وقد حدث ذلك لقريش حتى استجارت برسول الله ﷺ ، وسيأتي الدخان قرب قيام الساعة عذاباً على الكافرين.

стр. 2151

تفسير قوله تعالى: (لا إله إلا هو يحيي ويميت) قال الله ﷻ : ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان:٨ - ٩]. قوله ﷻ : ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [الدخان:٨] جاء جواباً لشركهم وكفرهم، فهم مع اعترافهم بأن الله خالقهم وبأن الله ربهم ورازقهم اتخذوا معه شريكاً من ولد وصنم ووثن مما لم ينزل به سلطان ولم يأت به دليل من عقل أو نقل فيقول الله تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [الدخان:٨] فلا إله في الكون معبود بحق إلا الله الواحد الذي لا ثاني له في صفاته ولا أسمائه ولا أفعاله، فهو الذي يحيي ويميت، وكل ما عداه أباطيل وأضاليل وأكاذيب، فالذين عبدوا من دونه لن ينفعوا أنفسهم أو يضروها، فضلاً عن أن ينفعوا غيرهم أو يضروه. قال تعالى: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ [الدخان:٨]. فهو الله الواحد الذي هو رب الأولين من الآباء والأجداد ورب الآخرين من الأحفاد والأسباط، وهو رب الكل وخالق الكل، لا ثاني معه، وكل من يدعي سوى ذلك فقد ادعى الشرك والباطل، ولن يأتي على ذلك بسلطان بين. قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان:٩]. أي: بل هؤلاء الذين يشركون مع الله غيره يلعبون بأنفسهم ويلعبون بحياتهم لعب الأطفال؛ حيث لم يأتوا بما يفيدهم أو يصلحهم أو يكون حقاً أو يتفق مع أدلة العقل وأدلة الكتاب، فما أقوالهم إلا أكاذيب ما أنزل الله بها من سلطان.

стр. 2152

تفسير قوله تعالى: (فارتقب يوم تأتي الساعة بدخان مبين)

стр. 2153

تفسير الدخان بما نزل بكفار قريش قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان:١٠ - ١٢]. الارتقاب: الانتظار، أي: انتظر - يا رسولنا - يوم تأتي السماء بدخان يغشى الناس ويغمرهم ويغطيهم، فلا يكاد أحد يرى أحداً؛ لكثرة هذا الدخان وغشيانه الناس والخلق، فيملأ ما بين السماء والأرض، إذا أخرج الرجل يده لم يكد يراها، فيقول هؤلاء الناس: هذا عذاب مؤلم، وهذا هو العذاب المخزي، وهذا هو العذاب الذي لا يحتمل ولا يقاوم. وقد ذهب ابن مسعود، - وروي عن ابن عباس - إلى أن هذا الدخان قد كان نزل بقريش عندما دعا عليهم النبي ﵊ بأن يصيبهم الله بسنين كسني يوسف، أي: يبتليهم بسنوات من الجوع والقحط، وسنوات من المرض والشقاء، فاستجاب الله دعاءه، فمرض هؤلاء وجاعوا وابتأسوا وعجزوا عن إصلاح أنفسهم، فأخذوا يستغيثون ويستجيرون، واشتد بهم البلاء والجوع حتى كانوا يرون الفضاء دخاناً نتيجة جوعهم ومرضهم وبؤسهم، حتى جاء كبيرهم أبو سفيان بن حرب إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! جئت بصلة الرحم، وهأنت ذا تدعو على قومك، فادع الله لهم أن يرفع عنهم ما هم فيه، فدعا رسول الله ﷺ ربه فزالت سنوات القحط والجوع والبؤس وعاد عليهم الخير العميم والأرزاق الدارة. قال تعالى: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان:١٢] فطلبوا من الله أن يكشف عنهم عذاب الدخان، وعذاب الجوع وعذاب القحط، فدعا لهم رسول الله بزوال ذلك وزعموا أنهم سيؤمنون فقالوا: ﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان:١٢]، ولكنهم وعدوا بذلك ولم ينجزوه، ولم يصدقوا فيه، وقالوا: إنا عائدون، وكانت العودة إلى الكفر والشرك ولم تكن إلى الإيمان، وإنما كان الإيمان قولاً. فهذا قول ابن مسعود في تفسير الآية.

стр. 2154

تفسير الدخان بكونه علامة للساعة وتفسير علي وتفسير ابن عباس وتفسير حذيفة بن أسيد الغفاري وحذيفة بن اليمان كاتم أسرار رسول الله ﷺ على غير ذلك، حيث قالوا: الدخان سيكون علامة من علامات الساعة؛ لقول الله: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ [الدخان:١١] وليس قريشاً وحدها، فيسلطه الله على الخلق كلهم ويغشى الناس كلهم. ولقوله تعالى: (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ) ودخان قريش هذا إنما كان تخيلات نتيجة الجوع والقحط، وليس هو دخاناً في الواقع، كشأن من يجوع وشأن من يكاد يغمى عليه، فيظهر له أن الجو أصبح دخاناً، والأمر ليس كذلك، وإنما هي خيالات وأوهام صادرة من نفس ذلك الجائع والبائس والممتحن، وإلا فالسماء ليس فيها دخان. أما أن الدخان سيكون في آخر الزمان علامة من علامات الساعة الكبرى؛ فذلك ما ثبتت به الأحاديث المتواترة المستفيضة عن نبي الله ﷺ ، فقد روي (أن النبي ﵊ خرج من بيته فإذا به يرى قوماً يتذاكرون، فوقف عليهم فقال: فيم تتحاورون؟ فقالوا: في الساعة، فقال لهم النبي ﷺ : بينكم وبين الساعة عشر علامات: خروج الدجال، ونزول عيسى ﵇، وخسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وخروج الدابة، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس تبيت معهم وتصبح معهم، ونزول الدخان من السماء يبقى أربعين يوماً وأربعين ليلة يغشى الناس يجدون له عذاباً أليماً، لا يشعر المؤمن منه إلا كما يشعر المزكوم بالزكام، والكافر والمنافق يأتيه هذا الدخان فيدخل خياشيمه وآذانه وفمه وعينيه ودبره وجميع منافذ بدنه فيلقى منه عذاباً أليماً). وهذا الذي قاله رسول الله ﷺ هو الذي يتفق مع ظاهر الآية: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ﴾ [الدخان:١٠ - ١١]، ليس قريشاً وحدها، ولكن يغشى الناس كلها في مشارق الأرض ومغاربها، ويكون عذاباً أليماً وعذاباً مهيناً، وأما الدخان الذي وصفه ابن مسعود فهو - في الحقيقة - ليس عذاباً؛ لأنه لا وجود له، وإنما هو متوهم، ولكن العذاب هو نتيجة جوعهم وبؤسهم ومرضهم، وليس نتيجة دخان ينزل من السماء.

стр. 2155

معنى قوله تعالى: (يغشى الناس هذا عذاب أليم) قوله تعالى: ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان:١١]. أي: فيصيحون له ويتألمون ويقولون: هذا عذاب مؤلم موجع. ثم يرفعون الأيدي ضارعين صارخين: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان:١٢]، فيضرعون إلى الله يرجون أن يرفع عنهم غضبه وعقابه ونقمته بأن يرفع هذا الدخان المؤلم الموجع.

стр. 2156

تفسير قوله تعالى: (أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين) يقول ربنا تعالى: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان:١٣]. كيف يتذكر هؤلاء؟! ومن أين ستأتيهم الفكرة والندم على ما فات منهم والعودة إلى الحق وإلى الإيمان الصحيح وقد جاءهم رسول الله والكتاب المنزل عليه، وكان رسولاً مبيناً صادق الرسالة صادق القول مصدقاً منذ تربى ونشأ في أهله، صادقاً في قوله: أنزل علي هذا الكتاب، نزل علي به الروح الأمين جبريل، فكيف يتذكرون وقد جاءهم هذا الرسول ومع ذلك لم يتفكروا، ولم يعودوا إلى لحق من أجله، بل كذبوه ولم يؤمنوا به ولم يؤمنوا بما جاء به. قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان:١٤]. أي: فمع بيان رسالته وصدق معجزاته وتصديق الكتاب المنزل عليه بأقواله وأعماله أعرضوا عنه وكفروا به، وأعرضوا عن الإيمان برسالته وبالكتاب المنزل عليه، وأبوا إلا الفسوق والشرك والعصيان، ثم تولوا، ولم يكتفوا بأن أعرضوا بعد مجيئه إليهم وبعد دعوته لهم وإظهاره لهم رسالته بما فيها من صدق وبما فيها من حق، بل زادوا فقالوا: ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان:١٤]. قالوا: لم ينزل عليه وحي، وإنما علمه بشر ولقنه ذلك، وهو - مع ذلك - مجنون في دعواه النبوءة والرسالة وأنه انفرد بالوحي من الله دون هؤلاء الخلق، فازدادوا كفراً وازدادوا شركاً وازدادوا لعنة وازدادوا استحقاقاً للنقمة والعذاب المحيط الأليم. فهؤلاء سيعاقبهم الله في الدنيا قبل الآخرة بنزع خيره ورحمته عنهم، وابتلائهم بهذه العلامات وهذا المعجزات وهذه الأمارات قبل قيام الساعة من الخسف وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى الذي سيقتل كل كافر، ولا يقبل يهوديةً ولا نصرانيةً ولا نفاقاً، وسيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويهدم البيع، ويخرب الكنائس، ويدعو إلى الله الواحد وإلى الإيمان بخاتم أنبيائه محمد ﷺ . ويبتليهم بالدابة تخرج من مكة المكرمة تجرح الناس وتضربهم في جباههم في وجناتهم، فيكتب على الوجوه: هذا كافر، هذا مؤمن، يقرأ ذلك من يقرأ ومن لا يقرأ، فهذه الدابة تكشف الباطن من ضمائر الناس وتظهر النفاق بكتابتها. ثم تخرج من قعر عدن نار تسوق الناس سوقاً وهم يتسابقون في الإفلات من حريق هذه النار، وقلما يفلت منها كافر، وقلما يفلت منها منافق. فهؤلاء الذين جاءهم النبي المبين البين الرسالة بالكتاب المنزل عليه البين في صدقه وفي أمانته وفي معجزاته، ومع ذلك أعرضوا عنه وتولوا عن رسالته وقالوا عنه ما قالوا من كفر وشرك وخروج عن الآداب البشرية كلها، هؤلاء إذا لم يؤمنوا فمصيرهم جهنم. فما قالوه هو الكفر البين والعداء الواضح والإصرار على معاندة الله ومعاندة رسوله والعناد في وجه الحق.

стр. 2157

تفسير قوله تعالى: (إنا كاشفو العذاب قليلاً) ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان:١٥]. هؤلاء دعوا الله من قبل فقالوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان:١٢] أي: يسألونه أن يكشف عنهم عذاب الدخان الذي دخل في خياشيمهم وفي آذانهم وفي أعينهم، أي: اكشف عنا هذا، فنؤمن بك، ونؤمن برسالتك، ونؤمن بالكتاب الذي أنزلت على رسولك. فاستجاب لهم، فقال لهم: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا﴾ [الدخان:١٥] سنكشف عنكم هذا العذاب مدة قليلة؛ لنرى صدق قولكم من كذب ادعائكم. والله هو بهم أعلم، ولكن لتكون الحجة البالغة لله عليهم، لذلك استجاب لدعائهم، وقد يستجيب الله لدعاء الكافر، ليكون ذلك زيادة في الحجية وزيادة في الانتقام والعذاب فيما إذا لم يف بالعهد وبالوعد. فعندما طلبوا رفع العذاب أجاب الله ذلك فقال: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان:١٥]، أي: سنكشف عنكم العذاب فترة من الزمن، ولكننا مع ذلك نعلم أنكم عائدون إلى الكفر، وراجعون إلى ما زعمتم أنكم تبتم منه، وعائدون إلى الكفر بالله والكفر برسوله والكفر بكتابه، ولكن بعد ذلك سيكون الانتقام الذي لا يبقي ولا يذر.

стр. 2158

تفسير قوله تعالى: (يوم نبطش البطشة الكبرى) قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان:١٦]. يقول الله: سيكون العذاب وستكون النقمة يوم البطشة الكبرى، وما البطشة الكبرى إلا يوم القيامة في الآخرة بعد الحساب والعرض على الله، وهي دخول هؤلاء وأمثالهم إلى الجحيم معذبين خالدين فيها أبداً. فقوله ﷻ : ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان:١٦] أي: إنا ننتقم منكم - لكذبكم وشرككم - يوم نبطش البطشة الكبرى، والبطشة الكبرى هي يوم القيامة، يوم العرض على الله، يوم الحساب العسير ودخول النيران. وابن مسعود يرى أن البطشة الكبرى كانت يوم بدر، حيث بطش الله بهؤلاء الذين دعا عليهم رسول الله ﷺ بسنين كسني يوسف، فعذبوا وأجيعوا وذلوا، ثم جاء بعد ذلك أبو سفيان يرجو رفع ذلك الغضب وذلك المقت عنهم، فرفعه الله فترة من الزمن، ولكنه قال: (إِنَّكُمْ عَائِدُونَ) فعادوا إلى الكفر، فبطش الله بهم يوم بدر بين قتيل وشريد وأسير ومصاب. نقول: نعم كان يوم بدر بطشة، ولكنها ليست البطشة الكبرى، فالبطشة الكبرى في يوم القيامة، يوم يدخلون النار معذبين مهانين أذلاء أبد الآبدين، بعد تلك البطشات في الدنيا، من بطشة بدر إلى بطشة الأحزاب، إلى أخذ أموالهم وأسرهم عبيداً وإماء، إلى تشريدهم وطردهم، ثم بقوا على الكفر مصرين مقيمين. وعندما نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨] اختبرهم الله آمراً بذلك رسوله حتى يُعلِم المؤمنين بأن الشرك نجس لا تطهره البحار كلها، فلا يدخل مكة مشرك. وهكذا فعل رسول الله ﷺ في المدينة عندما هاجر إليها فقال: (إن إبراهيم حرم مكة وأنا أحرم المدينة) فأصبحت مكة والمدينة الحرمين الشريفين اللذين لا يجوز فيهما كثير مما يجوز في غيرهما. والحسنة في مكة بمائة ألف، والسيئة بمائة ألف، وفي المدينة الحسنة بألف والسيئة بألف، والغرم بالغنم، وهذا ما حمل الصحابيين الجليلين العالمين الكبيرين عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو على أن يسكنا الطائف، وكانا يترددان على مكة المكرمة، حيث رأيا أن السكنى بمكة صعبة على من يراعي الأدب فيها بلا ذنوب كبائر ولا صغائر، ومهما كانت الحسنات التي هي بمائة ألف فإن الذنوب التي لا يكاد يخلو منها إنسان قد تمحو الحسنات كلها، فرأيا من أجل ذلك أن يكونا في الطائف حتى إذا حصلت سيئة تكون بواحدة، وإذا جاء إلى مكة للصلاة وللتلاوة وللذكر وللمقام في بيت الله الحرام تكون الحسنة بمائة ألف، ويكون ذلك أربح لهم. فإن قال هذا مثل هذين الصحابيين الجليلين الكبيرين فما عسانا أن نقول نحن وذنوبنا مستفيضة ومتكاثرة؟! غفر الله لنا ما علمنا وما لم نعلم، وجازانا بالحسنات بفضله وكرمه ﷻ . يقول تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان:١٦]، والنقمة العقاب والعذاب نتيجة المعصية والمخالفة والذنب، فكان ذلك انتقاماً وعقاباً وعذاباً لهؤلاء، لمخالفة أمر الله، وعصيان أوامر رسوله، والخروج عن كتاب الله الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

стр. 2159

تفسير سورة الدخان [١٧ - ٢٩] يذكر الله تعالى في كتابه قصص بني إسرائيل، ومن ذلك قصة سيدنا موسى ﵇ حين أرسل إلى فرعون وقومه، لكن فرعون ومن معه تكبروا عليه وسفهوه فدعا ربهم عليهم، فأمره الله أن يخرج بمن معه من بني إسرائيل، فخرج وراءهم فرعون وجنوده تاركين وراءهم ما أنعم الله عليهم من جنات وعيون، فحدثت العقوبة بإغراق المجرمين ونجاة موسى ومن معه.

стр. 2160

تفسير قوله تعالى: (ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ * أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الدخان:١٧ - ١٨]. إن كفرة قريش عذبوا بالدخان في رأي ابن مسعود، وعذبوا بالتشريد وبالطرد وبالقتل وبالأسر، بعد أن عاهدوا على ألا يعودوا إلى الكفر إذا رفع عنهم العذاب، وقد رفع عنهم فترة بعد فترة وزمناً بعد زمن، ومع ذلك كانوا يعودون إلى الكفر، ولذلك ذكر الله أشباههم في الماضي. والذي أشبههم في ذلك هو فرعون وقومه الذين أرسل الله إليهم النبيين الكريمين موسى وهارون، فأرسل عليهم الآيات من القمل والدم والضفادع والنقص في الأموال وفي الأنفس وفي الثمرات، وفي كل مرة كانوا يأتون إلى موسى ويقولون: ﴿يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ [الزخرف:٤٩]. يأتون إلى موسى وينادونه بالكلمة التي لا يليق أن تخاطب بها الأنبياء والرسل، ويطلبون منه الدعاء، ويعدونه إن رفع مقت الله عنهم وغضبه بأن يعودوا إلى الإيمان والتوحيد، فيرفع الله ذلك بدعوة موسى وهارون، ولكنهم لا يتوبون، فيعودون إلى الكفر والمعصية، ويعود الله عليهم بالعذاب. ولذلك كان ذكر هذا بعد ذكر هؤلاء للتشابه في ذلك، وليكون هذا مثالاً وتبياناً للكفرة الذين يصرون على الكفر، حتى إذا خطر ببالهم ألا يوفوا بالعهد وألا يؤمنوا عوقبوا معاقبة فرعون وقومه وكفار قريش وجميع من فعل ذلك من العرب والعجم في الجزيرة وخارج الجزيرة. فنحن نرى عندما نستعرض تاريخ العالم الإسلامي منذ أن ظهر الإسلام وبرز رسول الله ﵊ في هذه الديار المقدسة، أنه كان للمسلمين من العز ومن الخير ما علوا به، ثم بعد موت رسول الله ﵊ أخذوا يغيرون ويبدلون، فقتلوا عمر، وقتلوا عثمان، وقتلوا علياً، ثم قتلوا الحسين ورسول الله ﷺ لا يزال جسده رطباً حاراً في قبره، فلم يهابوه، بل ولم يهابوا خالقه ﷻ ، وإذا بالله يبتليهم فتقوم بينهم معارك مات فيها مئات الآلاف، ولو بقيت هذه الآلاف لفتحت العالم كله، ولما بقي على وجه الأرض نصراني ولا يهودي ولا منافق، ولكن الله يفعل الله ما يشاء ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء:٢٣]. ثم تابوا فتاب الله عليهم، ومضت برهة فإذا بحروب تقوم نتيجة للخلافات من دولة أموية إلى دولة عباسية إلى تسلط المجوس الذين جاءوا في شكل المسلمين وهم منافقون، إلى الحروب الصليبية التي دامت أكثر من مائة عام في الأرض التي ابتلي فيها المسلمون، فدعوا الله فرفع مقته وغضبه عنهم، وعاد عليهم بالخير العميم وبالنصر المؤزر المبين. وبعد ذلك عادوا لما نهوا عنه، فسلط عليهم التتر فمسحوا الأرض، واستباحوا دماء المسلمين، وخربوا المدن، ثم تابوا وأنابوا فقبل الله توبتهم وعادوا إلى العز والسلطان، فعادوا بعد ذلك إلى المعصية والخلاف، فسلط الله عليهم الاستعمار الأوربي، فشرد وأهلك ومزق. فدعوا الله فرفع ذلك عنهم وتابوا وأنابوا، ثم عادوا لما نهوا عنه، فسلط الله عليهم أذل خلقه وألعن خلقه إخوة القردة والخنازير من اليهود عبدة الطاغوت والشيطان. فالأمر لا يحتاج إلى قوة كثيرة، إن القوة لله جميعاً، وإنما يحتاج إلى العودة إلى الله، فبقليل من القوة ينصر الله المسلمين وينصر عباده الصالحين. رفع الله ما بنا من مقت وغضب، وأعادنا إليه تائبين منيبين، وأذل أعداءنا وهزمهم وانتقم منهم.

стр. 2161

تفسير قوله تعالى: (أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين) قال تعالى: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الدخان:١٨]. فجاء فرعون وقومه رسول كريم على الله، كريم على الملائكة، كريم على إخوانه من الأنبياء، كريم على المؤمنين، وهذه الإشارات لموسى كليم الله ﵊. فأرسل إليهم موسى يدعوهم إلى الله وإلى عبادته وإلى توحيده، وإلى الإيمان به وبأخيه هارون ليدلاهما على الله وعلى الطريق إلى الله، فقال موسى: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الدخان:١٨] أي: سلموا لي وأعطوني ومكنوني من عباد الله بني إسرائيل الذين استعبدتم، فقتلتم الرجال واستحييتم النساء، واستعبدتموهم فيما لا يطاق، فما يفعله الواحد أو الواحدة لا تطيقه العصبة أولو القوة. فجاء يدعوهم إلى (لا إله إلا الله) وإلى استخلاف قومه من بني إسرائيل وتحريرهم من الرق والعبودية والانتقال معه إلى خارج مصر، فجاء رسولاً لأداء وتكريم هؤلاء العباد المؤمنين من قبل. قال تعالى: (أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ) جئتكم رسولاً من الله مبلغاً رسالته أميناً على هذه الرسالة، لا أغير فيها ولا أبدل، ولا يليق بي ذلك، والنبي معصوم عن الكبائر والصغائر، فهو كالملك يفعل ما يؤمر ولا يعصي الله فيما أمره، فالرسل معصومون عن الخطايا كبارها وصغارها. فـ فرعون لطغيانه وظلمه وادعائه لألوهية كاذبة، جاءه موسى يدعوه إلى الله هو وقومه ويطلب منهم أن يمكنوه ويسلموه قومه بني إسرائيل الذين آمنوا بموسى ووحدوا الله، فقال لهم موسى: (إِنِّي لَكُمْ) أي: لكم يا فرعون ويا قوم فرعون، ويا بني إسرائيل من المستعبدين (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ) رسول من الله جئت بالصدق والأمانة، فلم أبدل ولم أغير.

стр. 2162

تفسير قوله تعالى: (وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين) قال تعالى: ﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان:١٩]. قوله: (ألا تعلوا على الله) أي: ألا تستكبروا، ولا تغتر يا فرعون، ولا تقل: أنا رب وإله، فتلك الكبرياء في غير محلها، فهي سخف وحمق وجنون، فأنت عبد خلقك الله عبداً مقهوراً وعبداً مشئوماً، ولدتك امرأة فأكلت وشربت كما يأكل ويشرب العبد، ومرضت وشفيت، وحزنت وضحكت، وكان بك ما يكون بالإنسان، ولا رب إلا الله ﷻ . قال تعالى: (إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)، أي: لقد جئتكم ببرهان وبدليل بين واضح، فأتى بما أتى به من العلامات والبينات فأتى بالعصا التي يصرفها كيف شاء، يضرب بها الحجر فينفجر ماءً، ويرميها في الأرض فتصبح أفعى تأكل كل ما يحوم حولها، وكان يدخل يده فتخرج بيضاء من غير سوء، ثم يجعلها في جيبه فتعود كما كانت. وسُلِّط عليهم بأمر الله الآيات البينات من الضفادع والقمَّل والدم والنقص في الأموال والثمرات والأنفس، والغرق بعد كل ذلك، فدلت الآيات البينات على صدقه ودلت على أمانته. وعندما أراد فرعون اختباره جمع له السحرة من كل مكان، فحضروا فابتدءوا رمي عصيهم ورمي حبالهم، وإذا بموسى يرمي عصاه، فإذا بها (تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ) فإذا بالسحرة الذين هم جاءوا لهزيمة موسى ﵇ يدخلون في الإسلام، فالسحر إنما هو تخيلات: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦]. فلما رأى ذلك السحرة علموا أن هذا ليس سحراً؛ لأن الساحر إنما يخيل إليك أنها أصبحت أفعى، فلو وضعت يدك عليها فستحملها عصاً أو حبلاً كما كان، ولن تنقلب عن حقيقتها، فهم عندما رأوا عصا موسى تلقف ما يأفكون علموا أن هذا ليس سحراً، فآمنوا واستسلموا وسجدوا لله وقالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه:٧٠]، وكان نصراً لموسى ﵇، وذلاً وهواناً للكفر ودعوى الربوبية الكاذبة.

стр. 2163

تفسير قوله تعالى: (وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون) قال تعالى: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان:٢٠]. لقد هددوه وأنذروه بالرجم، وكذبه فرعون، وحضه على ذلك قومه ومنافقوه، فتوعدوه بأنه سيرجم حتى الموت. فقال لهم: دعوني أدعوكم وأبلغكم رسالة ربي، (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي) أي: تعوذت به، فجعلته معاذاً ومرجعاً وموئلاً من بطشكم ومن ظلمكم، فهو ربي وربكم، فـ فرعون ليس رباً حتى لنفسه، وإنما هو عبد ذليل كافر جاحد مربوب، ولكنه استخف عقولكم واستخف أنفسكم فتلاعب بكم، فآمنتم به وجركم إلى البلاء وإلى العذاب وإلى الغرق وإلى العذاب المهين. فقوله تعالى: (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُون) أي: إنني جئتكم وأنا عائذ بالله مستغيث به لاجئ إليه، هو مرجعي ومآلي ومعاذي من أن ينالني منكم سوء، وعياذي بربي - الذي هو الله، والذي هو ربكم كذلك - أن ترجمون، ولن تستطيعوا ذلك، فلقد عذت بالله واستعذت بالله واستغثت بالله، وكان الأمر كذلك، حيث كانوا أحقر من أن ينالوه، فهو رسول مؤيد.

стр. 2164

تفسير قوله تعالى: (وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون) قال تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان:٢١]. أي: أنا دعوتكم إلى الله، فإن لم تؤمنوا بالرسالة التي أتيت بها، وبكتاب التوراة المنزل علي، إن لم تؤمنوا لي فالأقل أن تعتزلوني، فاتركوني ورسالتي أدعو إلى الله، أما أن تحولوا بيني وبين رسالتي وتمنعوني عن أن أدعو إلى الله وأن أقوم بالرسالة التي أمرني بها الله؛ فهذا لا يجوز ولا يمكن، فسأثبت عليه حتى الموت. وهذا أقل ما يطلب من الكافر والجاحد إذا قام الدعاة إلى الله والهداة إلى الله برسالتهم ودعوتهم، أما أن يحال بينهم وبين دعوتهم فذاك أبلغ ما يكون من الكفر والجحود والتعالي على الله، شأن كفرة هذا العصر من منافقي المسلمين وأشباههم، ومن الكفرة المختلفين، فهم لا يكتفون بالردة، بل يأبون إلا أن يمنعوا الدعاة والهداة وورثة النبي ﷺ عن أن ينصروا دين الله وأن يفسروا كتابه، وأن ينصروا السنة، وأن يعلموا الناس الحلال والحرام، وأن يبينوا الكفر وما فيه من أنواع الشرك والضلال المبين، فلا يقبلون ذلك، قد أغلقوا أجهزتهم المكتوبة والمقروءة والمسموعة والمنظورة عن أن توظف لذلك. فعدم اعتزال الدعاة إلى الله فيما يدعون فيه إلى الله أقبح أنواع الكفر، ولذلك فإن كفرة عصرنا الذين استأثروا بالكفر ومنعوا الدعاة إلى الله من نشر الإيمان ونشر الإسلام، ودعوة الناس إليه قد وصلوا إلى درجة تجاوزوا فيها قوم فرعون ومن سبقهم من الكفار في الأمم السابقة.

стр. 2165

تفسير قوله تعالى: (فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمين) قال تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان:٢٢]. عندما نفد صبره، وعندما أصروا على الكفر بعدما جاء به من البينات الواضحات، وبعدما دعا إلى الله بكل ما يقبله المنطق والعقل، وبعد أن ابتلوا بما ابتلوا فأتوا يطلبون منه أن يدعو الله ليرفع غضبه عنهم، قال: رب! إن هؤلاء قوم مجرمون، أي: هؤلاء الذين أرسلتني إليهم قوم مجرمون مشركون، يأبون إلا الجريمة، ويأبون إلا الشرك بالله، ويأبون إلا الإصرار على معارضة الأنبياء وتنقيصهم، وإذلال المؤمنين وتعذيبهم، فهؤلاء قوم مجرمون، فهو دعا الله فقال: يا رب! هؤلاء المجرمون عاقبهم لجريمتهم وعاملهم بما تقتضيه هذه الجريمة.

стр. 2166

تفسير قوله تعالى: (فأسر بعبادي ليلاً إنكم متبعون) فقال الله له: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان:٢٣]. فتحت الهمزة لأن الفعل رباعي، يقال: سرى وأسرى، أي: سرى ليلاً، وذكر الليل تأكيد لمعنى السير في الليل في هذه الآية الكريمة. قال تعالى: (فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا) قال الله لموسى: اخرج بعبادي المؤمنين من أرض مصر، وأسر بهم ليلاً سيراً حثيثاً سريعاً، واعلم أنكم متبعون، سيتبعكم فرعون وقوم فرعون يريدون عودتكم وإرجاعكم والبطش بكم وظلمكم وإيذاءكم، فاسروا سريان الشباب الأقوياء الذين يجرون وإن لم يجروا يهرولون، واعلموا أنكم متبعون، فسيتبعونكم وسيفتقدونكم حين ذلك، فيسرعون في اللحاق بكم. وقوله تعالى: (فَأَسْرِ بِعِبَادِي) أي: بني إسرائيل الذين آمنوا بموسى إذ ذاك.

стр. 2167

تفسير قوله تعالى: (واترك البحر رهواً إنهم جند مغرقون) قال تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان:٢٤]. فقال الله له: (اترك البحر رهواً) أي: ساكناً على حاله، أي: لا تحركه. ومعنى ذلك أنه أمر موسى بأن يشق البحر بعصاه، وسيفتح الله له طريق يبساً فيه، فكان الأمر كذلك، فخرج موسى ومعه ستمائة ألف إسرائيلي وزيادة، فلما شق لهم البحر بعصاه اتبعوه، وأصبح هذا الجانب حائطاً من الماء والآخر حائطاً من الماء، وهم بين هذا الحائط وهذا الحائط في قعر البحر. فقال الله له: (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا)، أي: لا تضربه بعصاك فيعود الماء إلى مكانه؛ لأنه لو وقع ذلك لما دخل فرعون وقومه البحر، ولا يستطيعون، والله يريد أن يعاقبهم في مسيرهم وفي تحركهم هذا. فامتثل موسى أمر ربه، فترك البحر رهواً ساكناً جامداً لم يحركه، وخرج منه إلى الشاطئ الآخر، فجاء فرعون وقومه مسرعين مجدين على خيلهم ودوابهم وما معهم من آلة الخراب والدمار، فجاء ومعه جنده، فوجدوا البحر مفتوحاً ووجدوا الأرض يبساً، ووجدوا حائطاً من يمين وشمال، فظنوا أن هذا ما فتح لموسى إلا وسيفتح لهم كذلك، فدخلوا هذه الطريق إلى أن أصبحوا جميعاً فيه، وإذا بالله الجليل يأمر البحر أن يلتقي جانباه وحائطاه، فغرق فرعون وقومه أجمعون. ففقدوا الأنفس، وفقدوا الملك، وفقدوا الإلهية الكاذبة، فتم عقاب الله عليهم وكان النصر للمتقين، ولجند الله من الأنبياء والمرسلين.

стр. 2168

تفسير قوله تعالى: (كم تركوا من جنات وعيون) يقول الله ﷻ : ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٧]. يقول الله: هؤلاء عندما غرقوا وانتقم الله منهم لنبيه كم تركوا، و (كم) هنا للتكثير، أي: تركوا الكثير الكثير من الجنات والبساتين والخيرات ومن متنوع الأرزاق من الفاكهة والخضرة والماشية وغير ذلك. قوله تعالى: (وَعُيُونٍ) أي: ومياه دافقة متدفقة متفجرة كانت على شواطئ النيل يميناً ويساراً بين يدي كل بيت وكل دار من دور هؤلاء، فقد كانوا يعيشون على جنة في الأرض لكثرة المياه وكثرة البساتين وكثرة الخضرة وكثرة الأرزاق الدارة. قال تعالى: (وَزُرُوعٍ) أي: من أرض مزروعة بأنواع الحبوب وأنواع الفاكهة، وأنواع الثمار وأنواع الزهور والورود وما إلى ذلك، فكانت لهم مزارع وكانت لهم بساتين، وكانت لهم قصور. قال تعالى: (وَمَقَامٍ كَرِيمٍ)، أي: بيت يقيمون فيه، والمقام الكريم هو البيت الذي يكرم على صاحبه بسعة وبنعمة وبخدم وبحشم وبضيفان، وبسعة في المياه المحيطة به، وبالبساتين التي تزيده رونقاً وتزيده بهاء، ولكن كل هذا قد أزاله الله عنهم ونزعه منهم وسلبهم إياه فملكه غيرهم؛ لأن سنة الله هكذا في عباده، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]، فالذي يشكر النعمة يزيدها الله ويوسعها الله ويباركها له، والذي يكفر بها ولم يشكر الله عليها يسلبها الله منه ويعيده للفقر والمرض والبؤس وللحاجة نتيجة الكفران، قال تعالى: (وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) فعذاب الله هنا يكون بسلب نعمة العافية عن الأبدان، وأخذ الولدان، وذهاب الفاكهة والقصور والبساتين والمقامات الكريمة. فقوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٧] يقال: نِعمة ونَعمة، والنِعمة واحدة النعم، والنَعمة هي النِعمة كذلك، وقرئ بهما معاً، والنَعمة هنا تتجاوز النِعمة بالرفاهية والحضارة والأناقة مما يريد الناس في الدنيا من مفارش ومزارع ومساكن وزوجات وأولاد، فكل ذلك كانوا ممتعين به، والله تعالى أمهلهم ولم يهملهم، فاتخذوا من ذلك الإمهال طغياناً وشركاً، حتى ادعى هذا الحقير أنه هو الله الذي خلق لهم النيل والبساتين، وكذب على نفسه وعليهم وعلى الله. فقوله تعالى: (وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ) أي: متفكهين، كانوا على غاية ما يكون من الانبساط والسرور والبهجة والبعد عن البؤس وعن الحاجة وعن الفقر وعن الجدب، فأصبحت مجالسهم مجالس مزاح وآداب وقصص وتندر، فلم يكن بهم مرض ولا فقر ولا حاجة، فكانوا يمتعون مادة ويمتعون روحاً من حيث أجسامهم ومن حيث أرزاقهم، أما الله فهم عنه معرضون، بل عبدوا فرعون واتخذوه رباً من دون الله، وهو كاذب في دعواه.

стр. 2169

تفسير قوله تعالى: (كذلك وأورثناها قوماً آخرين) قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان:٢٨]. أي: كذلك نفعل بمن فعل فعلهم، والقصة ألقيت على المسلمين، فقصة فرعون ذكر فيها ربنا ما فعله بـ فرعون وقومه نتيجة كفرهم وجحودهم وخروجهم عن أمر الله، وكذلك يفعل بمن فعلوا فعلهم وكفروا كفرهم فيغرقهم ويعاقبهم ويعذبهم ويسلبهم النعم من القصور ومن المزارع ومن الخيرات ومن البيوت الكريمة ومن كل ما كانوا يعيشون فيه. ف قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان:٢٨] أي: فسلبها الله منهم وأورثها لبني إسرائيل، فأصبحوا أهلها ومتملكيها، وما أشبه اليوم بالأمس مع فارق كبير، فهؤلاء كانوا ملحدين، وكانوا وثنيين، وكانوا يعبدون فرعون، وكانوا إماء، ولكن الله أرسل لهم نبياً لينقذهم من الذل والهوان وليدعو أولئك بتسليم ما عندهم من هؤلاء المؤمنين، فكفروا وأبوا. ونحن اليوم في عصر الشعب فيه مسلم، واليهود أذل خلق الله، ونجد من المسلمين من يذلون أنفسهم لههم ويملكونهم بلادهم ويرفعون راياتهم، ويضربون على رءوسهم بالمدافع به، ويهتفون بأسمائهم، ويخضعون لهم ويذلون، والتاريخ يعيد نفسه، ولكن هنا عودة مؤلماً، فقد كان أولئك في وثنية، واليوم ليس الوضع كذلك، فالمسلمون على إيمانهم وعلى إسلام، فجاء فرعون الجديد، فأغراهم واستخف عقولهم، فأغروا بهؤلاء الكفرة من إخوان القردة والخنازير وعبدة الطاغوت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 2170

تفسير قوله تعالى: (فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين) قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٩]. أي: فذهبوا غير مأسوف عليهم، فما بكت عليهم سماء وما بكت عليهم أرض، أي: لم يبك عليهم أهل السماء، فالسماء لا تبكي، فهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢] أي: أهل القرية. فلم يبك عليهم أهل السماء من ملائكة الله ولا أهل الأرض من أحباب الله من الجن ومن الإنس المؤمنين الصادقين، فلقوا جزاءهم ولقوا عقابهم، وذلك الشأن بهم، وهذا جزاء كل كافر بالله أله غير الله وعبد غير الله. فالله تعالى بعد أن أرسل إليهم موسى وهارون، وبعد أن وضحت لهم الآيات البينات في تصديق موسى وهارون، فالله لم يمهلهم أكثر من ذلك، ولم يترك لهم زمناً ينتظرون فيه أكثر من ذلك؛ لأن حجة الله قد بانت، ونبيهم قد قال الحق بالدليل القاطع والبرهان الساطع، ومع كل ذلك أبوا إلا الخسران وأبوا إلا الجحود، وأبوا إلا العصيان لنبي الله ﷻ وعز مقامه. فقوله تعالى: ((فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ))، أي: فلم يأسف لهلاكهم ولغرقهم وللانتقام منهم أهل السماء ولا أهل الأرض. ولكل إنسان بابان في السماء: باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه، وينزل منه ما أمر به الملائكة في شأنه، فإذا مات الإنسان المؤمن فإن من في هذه الأبواب يبكون عليه ويتأسفون لموته ويدعون له، وإن كان غير مؤمن لم يبكوا عليه وقالوا: لقي جزاءه، كما قال نبي الله صلى الله عليه وعلى آله.

стр. 2171

تفسير سورة الدخان [٣٠ - ٣٧] لما خرج فرعون وجنوده وراء سيدنا موسى ومن معه غرق فرعون بكفره، ونجى الله سيدنا موسى ومن معه من الغرق ومن فرعون، واختارهم على العالمين، وكان الأصل أن يعتبر بذلك الكفار الذين كفروا بسيدنا محمد ﷺ وأنكروا البعث وقالوا إن هي إلا موتتنا الأولى، ولكنهم أبوا إلا الكفران، فلذلك سيهلكهم الله ويجازيهم بالعذاب المهين.

стр. 2172

تفسير قوله تعالى: (ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين) قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان:٣٠ - ٣١]. يذكر الله ﷻ أنه امتن على عباده المؤمنين بني إسرائيل بأنه نجاهم من عذاب مهين أليم موجع، يوم كانوا مستعبدين للفراعنة، ومستعبدين للأقباط، تقتل ذكورهم، وتستحيا نساؤهم، ويحملون ما لا يطاق حمله من الأثقال والمشقات والعذاب المهين. يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [الدخان:٣٠] أي: أنقذناهم وأبعدناهم عن العذاب الأليم الكائن من فرعون. قوله تعالى: (مِنْ فِرْعَوْنَ) بدل، فكان العذاب المهين هو فرعون، وكان العذاب المؤلم الموجع هو فرعون، وقد ورد في القرآن في قصص بني إسرائيل مع فرعون، وقصص موسى وهارون كذلك ما فيه جميع أنواع البلاء والعذاب والامتهان من فرعون وقومه لبني إسرائيل. فيذكر الله هذا للمؤمنين، ليعلموا أنهم إن استمسكوا بإيمانهم وداوموا عليه ينجهم الله من كل محنة ومن كل عذاب، كما أنجى من كان قبلهم ممن عذب وأوذي. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان:٣١]. أي: كان مستعلياً في الفساد، وكان متكبراً متجبراً متعالياً بالطغيان، وبالظلم والفساد، والتألي على الله، ودعوى الإلهية، وإن هو إلا عبد مجرم آثم ظالم، فكل دعوى ادعاها كانت وبالاً عليه وعلى قومه. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان:٣١]، أي: من الذين أسرفوا على أنفسهم فساداً وظلماً وطغياناً وتجبراً، بحيث تجاوزوا الحد بالظلم والاعتداء والطغيان، فاستحق هو وقومه عذاب الله ونقمة الله، وقد فعل.

стр. 2173

تفسير قوله تعالى: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٢]. يخبر ربنا ﷻ بأنه اختار بني إسرائيل على علم، وذلك لمجموعة من الأوصاف فيهم، فبسبب من أرسل إليهم من الأنبياء والمرسلين، وما وجد فيهم من المؤمنين، وما وجد فيهم من العالمين، كان اختيارهم من بين الأمم السابقة الماضية، فكانوا خير أهل عصرهم. وبعض الدساسين من الإسرائيليين في التفسير حاول أن يقول: إن الاختيار كان على الأمم السابقة والأمم اللاحقة، وذاك دس ممن تظاهر بالإسلام، ومن تلقف ذلك عنه من كل ساذج، لا يكاد يعلم من الإسلام إلا اسمه. فدُسَّ بين ثنايا التفسير أن بني إسرائيل قد اختيروا من بين جميع الأمم الماضية واللاحقة، وذاك كذب على الله، فلقد خاطب الله المؤمنين من أمة محمد ﷺ فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]. فالمؤمنون والمسلمون من أتباع نبينا ﵊ خير الناس، فمنذ أن ظهر نبينا في هذه البقاع المشرفة المقدسة، يوم قال للناس: (إني رسول الله إليكم جميعاً) كان هو خير الرسل، وكانت أمته خير الأمم، فالأمم جميعها من بني إسرائيل وغيرهم يحتاجون إليه يوم القيامة للشفاعة العظمى، فيستشفعون بأنبيائهم واحداً واحداً، فيأبون الشفاعة ويقول كل منهم: نفسي نفسي، فيأتون إلى محمد سيد الخلق ﷺ فيقول: (أنا لها أنا لها)، فيذهب فيشفع عند ربه، ويشفعه ربه، ويظل زمناً يحمد الله بمحامد وهو ساجد، إلى أن يقول له ربه: (ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع)، ولا يكون هذا إلا لنبي خير الأمم، وهذا ما أكده الله، ونطق به القرآن الكريم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]. فالأمة المحمدية خير الأمم على الإطلاق، خير من بني إسرائيل ومن غيرهم، على أن بني إسرائيل قد كانوا في عصرهم كذلك، وإلا فبعد ذلك ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله، كما قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:٧٨]. كما لعنهم رسول الله، ولعنتهم الكتب السماوية، وقال عنهم آخر كتب الله القرآن الكريم: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف:١٦٧]. فانتقلوا من كونهم خير الأمم في عصرهم إلى كونهم ألعن الأمم وأكثر الأمم عصياناً وكفراً بالله وبرسل الله، فكفروا بعيسى وهو من بني إسرائيل، وكفروا بسيد البشر نبينا العربي ﷺ ، فهم بين لعنات متتاليات، وغضب لم يفارقهم ولن يفارقهم حتى يكونوا في جنهم أجمعين أكتعين أبتعين. فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٢] أي: جعلناهم خير الأمم في عصرهم، وخير الشعوب في وقتهم، ولكنهم بعد ذلك بدلوا وغيروا، فبدلوا التوراة والإنجيل، كما بدلوا الزبور كذلك، ولو استطاعوا لحاولوا أن يبدلوا القرآن، ولن يبدلوه؛ لأن الله تعهد بحفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]. ومع ذلك تظاهر بالإسلام منهم فئات وطوائف، فذهبوا يحرفون في التفسير، ويحرفون في التأويل، فأتوا بالطوام، وأتوا بالأكاذيب والأضاليل، ولكن المحققين من العلماء ميزوا ذلك، وفرزوه، وضربوهم به على أدبارهم وعلى جباههم بما كشف أمرهم، حتى إن بعضهم كان يدعي الإسلام ويتظاهر بالتقوى والصلاح والعلم، ولكن تأويله وتحريفه في التفسير كشفه وفضحه على الملأ قديماً وحديثاً، كما حكيت عن بعضهم الآن أنه حاول أن يقول: إن بني إسرائيل مفضلون على الأمم كلها، علمائها ومحدثيها، وهذا من الدس اليهودي، ولا أصل له ولا حقيقة، وقد قال ربنا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٢] أي: عالمي عصرهم، وعالمي زمانهم، وأما بعد ذلك فليس الأمر كذلك.

стр. 2174

تفسير قوله تعالى: (وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين) قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان:٣٣]. آتى الله تعالى بني إسرائيل من الآيات والمعجزات ومن الفضل والمن ما تكرم به عليهم، ومن ذلك أنه أنجاهم من عذاب الفراعنة المهين، وأنقذهم وأخرجهم من أرض مصر مع موسى وهارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وشق لهم البحر، وأذل عدوهم وأغرقه، وأعطاهم من الخيرات من المنّ والسلوى وأنواع المأكولات. وبعد ذلك اتخذوا العجل إلهاً وهم حديثو عهد بالنجاة من فرعون، فقال السامري لليهود وقد ذهب موسى لميقات ربه: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه:٨٨]، فزعم لهؤلاء بكل وقاحة اليهود وبكل خبث اليهود أن موسى قد ضل إلهه، وإنما إلهه هذا العجل. فهم في وقت نجاتهم، ووقت حصول الآيات البينات في إكرامهم نتيجة إيمان أكثرهم كفروا النعمة، وأشركوا بالله وقت نعمته ووقت رحمته، وهكذا شأن الكذبة، وشأن الفجرة، وشأن المشركين المصرين على الشرك، تراهم وقت إكرام الله لهم بالإنقاذ يشركون ويكفرون. فقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان:٣٣] أي: ما فيه اختبار ظاهر بين، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥] فيكون الابتلاء بالخير، كما يكون بالشر، فهناك من يصبر على الشر، حين يختبره الله، ولكن بعد ذلك يتجاوز العقبة وينقذ من بلائه، وهناك من يبتلى ويختبر بالخير فلا يصبر، فتغره الدنيا وجاهها ومالها ونساؤها، فينقلب على وجهه ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١]، وهذا ما حصل لبني إسرائيل ومن هم على شاكلة بني إسرائيل كفراً وجحوداً وشركاً مستمراً بالله. فقد كانت الآيات لهم بلاءً، وكانت اختباراً بيناً واضحاً، ولكنهم لم يصبروا على هذا البلاء والاختبار والامتحان، وقديماً قال الناس: عند الامتحان يعز المرء أو يهان، سواء أكانت المحنة سماوية أم أرضية، فكما أن الطالب عند الامتحان قد ينجح ويعلو ويبيض وجهه، أو يسود وجهه ويرسب، فكذلك المؤمن إذا ما اختبر بالخير أو بالشر وابتلي بذلك وصبر، فذاك نجاحه، فإن لم يصبر فتلك محنته وعذابه.

стр. 2175

تفسير قوله تعالى: (إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين) قال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ [الدخان:٣٤ - ٣٥]. المراد بهؤلاء كفار العرب، وكفار الأمة المحمدية الذين جاءهم رسول الله ﷺ يدعوهم إلى الإيمان بالله وحده فكفروا برسالته، وكفروا بكتابه، فهؤلاء زادوا على ذلك قولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ [الدخان:٣٥]. فيقولون: ليس هناك إلا موتة هي الموتة الأولى موتة الدنيا، ولا حياة بعد ذلك، فزعموا أن الدهر يهلكهم، وأنها أرحام تدفع، وأرض تبلع، وما يهلكهم إلا الدهر، والموت ليس إلا هو موت الدنيا، وليس بعد ذلك حياة. فقال هؤلاء وزعموا: (إن هي) أي: ما هي. ﴿إِلَّا مَوْتَتُنَا الأُولَى﴾ [الدخان:٣٥] التي يموتونها في الدنيا. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ [الدخان:٣٥]، أي: وما نحن بمبعوثين من الأرض بعد هذه الموتة الأولى، فزعموا كفراً وطغياناً أنه لا قيامة ولا بعث ولا نشور ولا عرض على الله بأعمالهم وكفرهم وإصرارهم على الشرك.
следующие страницы →