← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

تفسير سورة الدخان [٣٠ - ٣٧] لما خرج فرعون وجنوده وراء سيدنا موسى ومن معه غرق فرعون بكفره، ونجى الله سيدنا موسى ومن معه من الغرق ومن فرعون، واختارهم على العالمين، وكان الأصل أن يعتبر بذلك الكفار الذين كفروا بسيدنا محمد ﷺ وأنكروا البعث وقالوا إن هي إلا موتتنا الأولى، ولكنهم أبوا إلا الكفران، فلذلك سيهلكهم الله ويجازيهم بالعذاب المهين.

стр. 2172

تفسير قوله تعالى: (ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين) قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان:٣٠ - ٣١]. يذكر الله ﷻ أنه امتن على عباده المؤمنين بني إسرائيل بأنه نجاهم من عذاب مهين أليم موجع، يوم كانوا مستعبدين للفراعنة، ومستعبدين للأقباط، تقتل ذكورهم، وتستحيا نساؤهم، ويحملون ما لا يطاق حمله من الأثقال والمشقات والعذاب المهين. يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [الدخان:٣٠] أي: أنقذناهم وأبعدناهم عن العذاب الأليم الكائن من فرعون. قوله تعالى: (مِنْ فِرْعَوْنَ) بدل، فكان العذاب المهين هو فرعون، وكان العذاب المؤلم الموجع هو فرعون، وقد ورد في القرآن في قصص بني إسرائيل مع فرعون، وقصص موسى وهارون كذلك ما فيه جميع أنواع البلاء والعذاب والامتهان من فرعون وقومه لبني إسرائيل. فيذكر الله هذا للمؤمنين، ليعلموا أنهم إن استمسكوا بإيمانهم وداوموا عليه ينجهم الله من كل محنة ومن كل عذاب، كما أنجى من كان قبلهم ممن عذب وأوذي. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان:٣١]. أي: كان مستعلياً في الفساد، وكان متكبراً متجبراً متعالياً بالطغيان، وبالظلم والفساد، والتألي على الله، ودعوى الإلهية، وإن هو إلا عبد مجرم آثم ظالم، فكل دعوى ادعاها كانت وبالاً عليه وعلى قومه. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان:٣١]، أي: من الذين أسرفوا على أنفسهم فساداً وظلماً وطغياناً وتجبراً، بحيث تجاوزوا الحد بالظلم والاعتداء والطغيان، فاستحق هو وقومه عذاب الله ونقمة الله، وقد فعل.

стр. 2173

تفسير قوله تعالى: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٢]. يخبر ربنا ﷻ بأنه اختار بني إسرائيل على علم، وذلك لمجموعة من الأوصاف فيهم، فبسبب من أرسل إليهم من الأنبياء والمرسلين، وما وجد فيهم من المؤمنين، وما وجد فيهم من العالمين، كان اختيارهم من بين الأمم السابقة الماضية، فكانوا خير أهل عصرهم. وبعض الدساسين من الإسرائيليين في التفسير حاول أن يقول: إن الاختيار كان على الأمم السابقة والأمم اللاحقة، وذاك دس ممن تظاهر بالإسلام، ومن تلقف ذلك عنه من كل ساذج، لا يكاد يعلم من الإسلام إلا اسمه. فدُسَّ بين ثنايا التفسير أن بني إسرائيل قد اختيروا من بين جميع الأمم الماضية واللاحقة، وذاك كذب على الله، فلقد خاطب الله المؤمنين من أمة محمد ﷺ فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]. فالمؤمنون والمسلمون من أتباع نبينا ﵊ خير الناس، فمنذ أن ظهر نبينا في هذه البقاع المشرفة المقدسة، يوم قال للناس: (إني رسول الله إليكم جميعاً) كان هو خير الرسل، وكانت أمته خير الأمم، فالأمم جميعها من بني إسرائيل وغيرهم يحتاجون إليه يوم القيامة للشفاعة العظمى، فيستشفعون بأنبيائهم واحداً واحداً، فيأبون الشفاعة ويقول كل منهم: نفسي نفسي، فيأتون إلى محمد سيد الخلق ﷺ فيقول: (أنا لها أنا لها)، فيذهب فيشفع عند ربه، ويشفعه ربه، ويظل زمناً يحمد الله بمحامد وهو ساجد، إلى أن يقول له ربه: (ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع)، ولا يكون هذا إلا لنبي خير الأمم، وهذا ما أكده الله، ونطق به القرآن الكريم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]. فالأمة المحمدية خير الأمم على الإطلاق، خير من بني إسرائيل ومن غيرهم، على أن بني إسرائيل قد كانوا في عصرهم كذلك، وإلا فبعد ذلك ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله، كما قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:٧٨]. كما لعنهم رسول الله، ولعنتهم الكتب السماوية، وقال عنهم آخر كتب الله القرآن الكريم: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف:١٦٧]. فانتقلوا من كونهم خير الأمم في عصرهم إلى كونهم ألعن الأمم وأكثر الأمم عصياناً وكفراً بالله وبرسل الله، فكفروا بعيسى وهو من بني إسرائيل، وكفروا بسيد البشر نبينا العربي ﷺ ، فهم بين لعنات متتاليات، وغضب لم يفارقهم ولن يفارقهم حتى يكونوا في جنهم أجمعين أكتعين أبتعين. فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٢] أي: جعلناهم خير الأمم في عصرهم، وخير الشعوب في وقتهم، ولكنهم بعد ذلك بدلوا وغيروا، فبدلوا التوراة والإنجيل، كما بدلوا الزبور كذلك، ولو استطاعوا لحاولوا أن يبدلوا القرآن، ولن يبدلوه؛ لأن الله تعهد بحفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]. ومع ذلك تظاهر بالإسلام منهم فئات وطوائف، فذهبوا يحرفون في التفسير، ويحرفون في التأويل، فأتوا بالطوام، وأتوا بالأكاذيب والأضاليل، ولكن المحققين من العلماء ميزوا ذلك، وفرزوه، وضربوهم به على أدبارهم وعلى جباههم بما كشف أمرهم، حتى إن بعضهم كان يدعي الإسلام ويتظاهر بالتقوى والصلاح والعلم، ولكن تأويله وتحريفه في التفسير كشفه وفضحه على الملأ قديماً وحديثاً، كما حكيت عن بعضهم الآن أنه حاول أن يقول: إن بني إسرائيل مفضلون على الأمم كلها، علمائها ومحدثيها، وهذا من الدس اليهودي، ولا أصل له ولا حقيقة، وقد قال ربنا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٢] أي: عالمي عصرهم، وعالمي زمانهم، وأما بعد ذلك فليس الأمر كذلك.

стр. 2174

تفسير قوله تعالى: (وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين) قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان:٣٣]. آتى الله تعالى بني إسرائيل من الآيات والمعجزات ومن الفضل والمن ما تكرم به عليهم، ومن ذلك أنه أنجاهم من عذاب الفراعنة المهين، وأنقذهم وأخرجهم من أرض مصر مع موسى وهارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وشق لهم البحر، وأذل عدوهم وأغرقه، وأعطاهم من الخيرات من المنّ والسلوى وأنواع المأكولات. وبعد ذلك اتخذوا العجل إلهاً وهم حديثو عهد بالنجاة من فرعون، فقال السامري لليهود وقد ذهب موسى لميقات ربه: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه:٨٨]، فزعم لهؤلاء بكل وقاحة اليهود وبكل خبث اليهود أن موسى قد ضل إلهه، وإنما إلهه هذا العجل. فهم في وقت نجاتهم، ووقت حصول الآيات البينات في إكرامهم نتيجة إيمان أكثرهم كفروا النعمة، وأشركوا بالله وقت نعمته ووقت رحمته، وهكذا شأن الكذبة، وشأن الفجرة، وشأن المشركين المصرين على الشرك، تراهم وقت إكرام الله لهم بالإنقاذ يشركون ويكفرون. فقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان:٣٣] أي: ما فيه اختبار ظاهر بين، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥] فيكون الابتلاء بالخير، كما يكون بالشر، فهناك من يصبر على الشر، حين يختبره الله، ولكن بعد ذلك يتجاوز العقبة وينقذ من بلائه، وهناك من يبتلى ويختبر بالخير فلا يصبر، فتغره الدنيا وجاهها ومالها ونساؤها، فينقلب على وجهه ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١]، وهذا ما حصل لبني إسرائيل ومن هم على شاكلة بني إسرائيل كفراً وجحوداً وشركاً مستمراً بالله. فقد كانت الآيات لهم بلاءً، وكانت اختباراً بيناً واضحاً، ولكنهم لم يصبروا على هذا البلاء والاختبار والامتحان، وقديماً قال الناس: عند الامتحان يعز المرء أو يهان، سواء أكانت المحنة سماوية أم أرضية، فكما أن الطالب عند الامتحان قد ينجح ويعلو ويبيض وجهه، أو يسود وجهه ويرسب، فكذلك المؤمن إذا ما اختبر بالخير أو بالشر وابتلي بذلك وصبر، فذاك نجاحه، فإن لم يصبر فتلك محنته وعذابه.

стр. 2175

تفسير قوله تعالى: (إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين) قال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ [الدخان:٣٤ - ٣٥]. المراد بهؤلاء كفار العرب، وكفار الأمة المحمدية الذين جاءهم رسول الله ﷺ يدعوهم إلى الإيمان بالله وحده فكفروا برسالته، وكفروا بكتابه، فهؤلاء زادوا على ذلك قولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ [الدخان:٣٥]. فيقولون: ليس هناك إلا موتة هي الموتة الأولى موتة الدنيا، ولا حياة بعد ذلك، فزعموا أن الدهر يهلكهم، وأنها أرحام تدفع، وأرض تبلع، وما يهلكهم إلا الدهر، والموت ليس إلا هو موت الدنيا، وليس بعد ذلك حياة. فقال هؤلاء وزعموا: (إن هي) أي: ما هي. ﴿إِلَّا مَوْتَتُنَا الأُولَى﴾ [الدخان:٣٥] التي يموتونها في الدنيا. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ [الدخان:٣٥]، أي: وما نحن بمبعوثين من الأرض بعد هذه الموتة الأولى، فزعموا كفراً وطغياناً أنه لا قيامة ولا بعث ولا نشور ولا عرض على الله بأعمالهم وكفرهم وإصرارهم على الشرك.

стр. 2176

تفسير قوله تعالى: (فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين) ثم قالوا: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الدخان:٣٦]. طلبوا من محمد ﷺ وطلبوا من أتباعه المؤمنين امتحاناً فقالوا: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الدخان:٣٦]. قال أبو جهل وغيره: ائتونا بـ قصي، وائتونا بـ عبد مناف لنسألهم: ما الذي وجدوا بعد الموت؟ أكلامكم حق أم باطل؟ ولو فعل ذلك ﷺ لقالوا: هذا سحر وشعوذة، شأن الكافر الذي يكفر بلا دليل، ويصر على الكفر بلا سلطان ولا آية بينة. فقولهم: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الدخان:٣٦] أي: إن كنتم صادقين في أن هناك حياة بعد الموت، وآخرة بعد الدنيا، فنريد أن نعلم ذلك من الآن، والأدلة عندهم لو كانوا يعلمون، فأين كانوا قبل أن يأتوا، ألم يكونوا ميتين؟ ألم يكونوا معدومين؟! ألم يكونوا غير موجودين؟! فكيف أتوا؟! ومن الذي أتى بهم؟! ومن الذي أخرجهم إلى الحياة؟! أليس الذي يخرج الموجود من العدم قادراً عن أن يأتي بمن وجد مرة ثانية فيعيد حياته؟! فالدليل قائم، ولكن كفرهم وإصرارهم على هذا الكفر غطى عقولهم، وأبعد فهمهم إدراكهم فابتعدوا عن الحق البين الواضح. وقولهم: ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الدخان:٣٦] جاء في غير محله؛ إذ لم يقل القرآن، ولم يقل نبينا ﵊: سيعيدكم الله إلى دار الدنيا مرة ثانية، بل أخبرهم القرآن بأنهم سيعودون بعد انقضاء الدنيا إلى حياة ثانية في القيامة، فهذا إفك اخترعوه. على أن هناك أقواماً من قبل طلبوا هذا، فابتلاهم الله واختبرهم، كقصة الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه، وقال له: ﴿كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ [البقرة:٢٥٩]. وأهل الكهف كانوا سبعة أو ثمانية، فأماتهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً، ثم بعثهم وهم لا يظنون إلا أنهم كانوا نائمين، وتحقق ذلك أهل عصرهم، وكانت قصتهم مكتوبة على رقيم في باب الكهف فكان ذلك من المعجزات ومن البينات لأهل عصر هؤلاء، وليست القاعدة، أن الله لا يبعث من يموت إلا يوم القيامة.

стр. 2177

تفسير قوله تعالى: (أهم خير أم قوم تبع) قال تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان:٣٧]. أي: أكفار الدعوة النبوية المحمدية هم خير سلطاناً، وخير عزاً، وخير حضارة، وخير قوة، وخير تمكناً من قوم تبع وممن كان قبلهم عندما أصروا على الكفر وأصروا على الشرك؟! قال تعالى: (أهلكناهم) دمرهم الله تدميراً، وعاقبهم عقاباً لم يبقِ منهم ولم يذر. قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان:٣٧] كانوا مشركين، وأعظم الجرائم الكفر بالله، والشرك بالله، فكانوا مجرمين، وكانوا مشركين، وكانوا وثنيين، فعاقبهم الله وهم أعظم سلطاناً وأقوى بنياناً وأطول أجساماً من هؤلاء الذين يدلون بشيء قليل مما عندهم، وأردوا بذلك أن يتكبروا على الله، ويتعاظموا على رسول الله، وعلى عباد الله المؤمنين، فالله أنذرهم وتوعدهم بأن يعاملهم معاملة قوم تبع. والأمم السابقة من قوم نوح وعاد وثمود وقوم فرعون وقوم إبراهيم وقوم لوط والأمم الكثيرة مضت وهلكت بين مصروع ومقتول وغريق ومرجوم من السماء إلى الأرض ومخسوف به، فهؤلاء يظنون أنهم أعظم من أولئك شأناً، وأقوى منهم بنياناً وحضارة. و (تبع) كان لقباً لملوك اليمن، وقد كانوا قبل مجيء رسالة نبينا ﵊ بسبعمائة عام، قيل: إن تبعاً هذا الذي أشار إليه القرآن كان مؤمناً، وهو الذي بنى الحيرة، وبنى سمرقند، وهو الذي جعل لليمن حضارة في بنيانها وزروعها وبساتينها وفي قوانينها، فأسلم ثم أسلم من جاء بعده، فقد قالت السيدة عائشة ﵂: (إن الله ذم قوم تبع ولم يذمه) فذاك دليل على إيمانه، وأخبر النبي ﵊ بأن تبعاً آمن. فإن صح هذا الحديث يكون فهم عائشة وقولها مستنداً إلى النص من قول النبي ﷺ ، وورد عنه أيضاً: (لا أدري: أتبع كان نبياً أم لا؟!)، وعلى كل حال فهو إن كان مؤمناً فهو من أهل الخير، وإن كان نبياً فهو من أهل الخير الكبار. فإن صحت هذه الأحاديث فقد تبين أن قومه كانوا مجرمين، ولم يكن هو كقومه، بل كان رجلاً صالحاً، إما مؤمناً أو نبياً، على أنه قيل: قد آمن به من رعيته مجموعات متتابعة. وقالوا: جاء إلى المدينة المنورة (يثرب) كما كانت تسمى، فاجتمع فيها بحبرين، وأراد أن يضرب المدينة ويهلك سكانها انتقاماً وظلماً؛ لأنهم لم يبايعوه ولم يكونوا من أتباعه، فقال له هذان الحبران: إن هذه المدينة مهاجر خاتم الأنبياء، فالمدينة للصالحين المؤمنين من الناس، ولو حاولت أن تفعل لردك الله، ولعذبك الله، فخاف ثم جاء إلى مكة، وأراد أن يهدم الكعبة فخوفاه، فانقلب بعد ذلك مؤمناً بها، وذبح - فيما زعموا - ستة آلاف بدنة. يقول الله تعالى عن كفرة قريش: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان:٣٧]، أهلك الله أولئك بجرائمهم وبشركهم وبكفرهم، ويوشك هؤلاء أن يهلكوا كذلك، كما أهلك قوم تبع ومن قبلهم من الأمم الكافرة المشركة، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان:٣٧].

стр. 2178

تفسير سورة الدخان [٣٨ - ٥٦] يرد الله على الكافرين الذين ينكرون البعث ويكفرون بمحمد ﷺ بأنه لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما عبثاً، بل ذلك ليبتلي الناس في الدنيا، ثم إن موعدهم يوم الفصل في الآخرة، فحينئذٍ لا يغني مولى شيئاً عن مولاه، والمجرمون لهم جهنم بما فيها من الزقوم والمهل وغيرها من أنواع العذاب.

стр. 2179

تفسير قوله تعالى: (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين) قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان:٣٨ - ٣٩]. يقول ربنا لهؤلاء الذين يظنون أنهم وجدوا في الأرض ليأكلوا ويشربوا: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ [الدخان:٣٨]. فما خلق الله الأرض التي نحن عليها وما فوقها من سماوات، وما بين السماوات والأرض من أفلاك ومجرات، ومما لا يعلمه إلا الله، ما خلق الله ذلك عبثاً، فلم يخلقه باطلاً، إنما خلق الكل لعبادته: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. وإذا كان الأمر كذلك فيجب على كل حي عاقل مدرك أن يعلم أنه خرج إلى هذه الدنيا لعبادة الله، فليعبد الله بقدر طاقته، وإلا فقد جعل من حياته عبثاً باطلاً، وإن لم يكن الأمر كذلك فسيكون في النار خالداً فيها مخلداً. قوله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان:٣٩]. فما خلق الله السماوات، وما خلق الأرض، وما خلق ما بين السماوات والأرض إلا بالحق، والحق عبادة الله، والحق توحيد الله، وغير العاقلين من الجن والإنس قد فطره الله على العبادة والطاعة، كما فطر الملائكة؛ وقد قال ربنا: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤]. فالجماد يسبح بحمد الله، والدواب تسبح بحمد الله، ومن لم يعبد الله يوماً كان ذلك سبب موته وهلاكه، فالكائنات مفطورة على العبادة، وكثيراً ما سمعنا من أناس صالحين في حالة إيمان، وفي حالة روحانية كاملة يقول الواحد منهم: ألم تسمعوا معي، الجبل يقول: الله، والقطة تقول: الله، والكأس يقول: الله، وكل ما حولي وما فوقي وما تحتي يذكر الله ويسبح الله، وإنما يترك التسبيح عصاة الجن وعصاة البشر، على أن أرواحهم قبل خلقها عندما خوطبت بالتوحيد أتى ما أتى منها طائعاً، وأتى سائرها مكرهاً.

стр. 2180

معنى قوله تعالى: (ولكن أكثرهم لا يعلمون) قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان:٣٩]. أي: أكثر الناس، ولم يقل: أكثر الخلق، فأكثر الناس مشركون، وأكثر الناس كافرون، فلم يذكر الله ويسبح الله ويعبد الله إلا فئة قليلة من الأمم السابقة، وقليل من الأمم اللاحقة، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]، فأكثر من في الأرض كفرة، وأكثر من في الأرض مشركون، وإياك إياك أن تغتر بالأكثرية والأقلية. ولذلك كان من النظم اليهودية في الأرض أن يجعلوا للناس والشعوب ما يسمى بـ (دور ندوة)، وما يسمى بـ (دور شورى)، وما يسمى بـ (برلمانات)، فقالوا: الحكم بالأكثرية، فيأتي الحاكم ويعرض على هؤلاء قوله: هل من الضروري أن يكون دين الدولة الإسلام؟! فإذا قال الأكثر: لا. فقد أعلنوا الكفر وألغوا الإسلام، وهم في الأصل ينتخبون ويختارون كل كافر، وكل فاسق وكل جاهل، فيجري على دينهم على منوالهم ويفعل فعلهم، ويقول قولهم. فلو جاءك سكان الأرض كلهم وقالوا لك: دينك ليس بصحيح، فهل تقبل كلامهم؟! فإن قبلته كنت مشركاً كافراً، وما الفرق بينك وبين أمتك وشعبك، حتى يعرض عليهم فيما يسمى بـ (البرلمان) اختيار دين دولة. والأكثرية هي نظام يهودي؛ لأن الأكثرية جاهلة أمية ضالة لا تكاد تعي، ولا تكاد تسمع، ولا تكاد تنظر، فإذا أنت عرضت الأمر على هذه الأكثرية الجاهلة الضالة، فما عسى أن تجاب به؟! خاصة إذا كان معك عصاً أو كان معك مال أو منصب، أو جاه، فسينقادون إليه رغباً أو رهباً، وأمة تساق رغباً ورهباً أمة ضائعة ضالة لا تعي ما تقول ولا ما تعتقد، ومن هنا كان نظام البرلمانات فيما يسمونه بـ (الديمقراطية) نظاماً وثنياً يهودياً جعلوه لحرب الإسلام والمسلمين. ونحن نرى شعوباً مسلمة عاشت مسلمة قروناً منذ عصر الصحابة، ثم تهودت ودانت بدين اليهود، وباعت أرضها لليهود، فإذا أنزل أمر قالوا: لنعرض الأمر على (البرلمان)، فإن وجدوا بعض المخالفة، حلوه وأتوا بآخرين أكثر طواعية وأكثر استسلاماً وأكثر استعباداً، فعند ذلك يعلنون أن ما صنعوه هو شيء شعبي ديمقراطي، أقرتهم عليه نظمهم المعاصرة المتحضرة، وما ذلك إلا من وحي الشياطين ومن كفر الكافرين ومن ضلال الضالين وكما قال ربنا ﷻ عن فرعون: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف:٥٤] فأطاعوه على الكفر.

стр. 2181

تفسير قوله تعالى: (إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين) قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ * يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنصَرُونَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان:٤٠ - ٤٢]. يوم الفصل هو يوم القيامة، يوم العرض على الله، يوم يفصل بين العباد، فهذا محق وهذا مبطل، وهذا مؤمن وهذا كافر، وهذا إلى الجحيم وهذا إلى الجنة، وهذا إلى الرحمة والرضا، وهذا إلى اللعنة والغضب، وسماه الله تعالى يوم الفصل لأنه يفصل فيه بين العباد. وقوله تعالى: ﴿مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان:٤٠] أي: وقت اجتماعهم، ووقت الحكم بينهم، ووقت الفصل بينهم، ووقت معرفة الجاهل وتأكد العالم، فهذا اليوم يجمع الله فيه المؤمن والكافر، والمهتدي والضال، والشاك والموقن. قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدخان:٤١]،المولى هو النصير والصديق والحميم، والقريب من أخ وابن عم، أو أب وأم، أو ولد. قال تعالى: ﴿لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدخان:٤١] أي: لا يستطيع قريب ولا صديق أن يغني عن قريبه من عذاب الله ولعنته، ولا يستطيع شفاعة ولا حماية قريبه وإنقاذه من النار، ولن يملك له شيئاً، ولن يستطيع أن ينفعه بشيء إن جاء كافراً. وقوله تعالى: ﴿وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [الدخان:٤١] أي: ولا يجدون من ينصرهم من عذاب الله، ومن المقت والغضب، بل يتركون لأعمالهم، فأعمالهم إما أن تنقذهم من النار، وإما أن تدفعهم إليها دفعاً، وإما أن تخلدهم فيها خلوداً، ولا ناصر إلا الله، ولا ينصر الله إلا من كان مؤمناً موحداً، جاء بعمل صالح، وأما سواه فلا ينتظر رحمة، ولا ينتظر شفاعة. قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان:٤٢]. فهؤلاء الذين يأتون أجمعين، فيهم البر والفاجر، وفيهم المؤمن والكافر، فمن كان كافراً مجرماً فلا ينتظر رحمة، ولا ينتظر نصرة، ولا ينتظر ولاءً. ولكن من ﵀ يكون قد جاء مؤمناً ومات على التوحيد، ومات على الإسلام، ومات على (لا إله إلا الله محمد رسول الله)؛ فهؤلاء يرحمهم الله، فإما أن يغفر الله لهم، وإما أن يمحصهم وقتاً وزمناً الله أعلم بطوله وقصره، وبعد ذلك يدخلون الجنة ويرحمهم الله. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان:٤٢]، فهو ربنا العزيز الذي لا ينال.

стр. 2182

تفسير قوله تعالى: (إن شجرة الزقوم طعام الأثيم) قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٤ - ٤٦]. شجرة الزقوم هي شجرة في جهنم لو قطرت منها قطرة على أطعمة الأرض ومياه الأرض لجعلتها من المرارة بحيث لا يستطيبها إنسان ولا طير ولا حيوان. وهذا الزقوم الذي هو بهذه المرارة وهذه الشدة يكون معه الماء الحميم، والماء الحميم هو الذي بلغ أقصى درجات الحرارة، فلو صُب منه على الرأس لذاب العظم قبل أن يذوب المخ، ولا غنى لهم عنها، فإذا جاعوا، فالزقوم طعامهم، وإذا عطشوا فالحميم شرابهم. ولما سمع أبو جهل بخبر الزقوم قام يهزأ ويقول: هي شجرة عندنا هنا ترعاها الإبل والدواب. فذل في غزوة بدر وقتل شر قتلة، حيث وضع ابن مسعود قدميه على صدره، وفصل رأسه عن جسده وهو يقول له: لقد علوت وصعدت مكاناً لا يليق بك أن تصعده، وهيهات هيهات، فـ ابن مسعود عبد لله كريم على الله، وأبو جهل عبد عاق كافر مشرك طالما تألى على الله وطالما كان قليل الأدب مع رسول الله، فعاش كافراً ومات كافراً ليحشر مع فرعون وهامان وقارون وأمثالهم. يقول تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٤] فهي الطعام الذي يأكله الأثيم، والأثيم: الآثم مرتكب الآثام، أي: المجرم الذي لا يعرف في حياته وعمره إلا الإثم والمخالفة والعصيان. قال تعالى: ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٥ - ٤٦]. (كَالْمُهْلِ) أي: كالزيت الأسود الذي يبقى في قعر الإناء الذي فيه الزيت، فالزقوم هو بهذا الشكل مع المرارة التي لا يطيق تذوقها أحد، ولكنهم لا غنى لهم عنه، حيث يجوعون ويشتد جوعهم، فيستطعمون فلا يُقدم لهم الملائكة إلا هذا الزقوم، فنعوذ بالله ونستغيثه من عذابه ومن نقمته. ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان:٤٥]، أي: فتكون حامية شديدة الحرارة تنزل في البطن فلا تزال تغلي فيه حتى تسقط وتخرج الأمعاء والكرش وما يوجد في البطن نتيجة هذه الحرارة التي تذيب كل ذلك. فقوله تعالى: ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٦] أي: كما يغلي الماء الحار في أقصى درجات الحرارة.

стр. 2183

تفسير قوله تعالى: (خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم) ثم يقول الله لمالك كبير خزنة النار: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ * إِنَّ هَذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان:٤٧ - ٥٠]. قوله: (فَاعْتِلُوهُ) أي: اسحبوه وجروه على الوجه وعلى البطن، وادفعوه دفعاً دفع غير مشفق وغير رحيم به نتيجة كفره. وقوله تعالى: ﴿إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان:٤٧] أي: إلى وسط النار حتى يأخذ يعذب الجسد من جميع أركانه، فيعذّب طولاً وعرضاً. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٨]. أي: ثم خذوا هذا الماء الحار الذي يهتك الأمعاء وصبوه فوق رأسه، فصبوا فوق رأسه من هذا العذاب ومن هذا الحميم الذي هو عذاب في حق نفسه وفي حق ذاته، فتأتي الملائكة من خزنة جهنم فيأخذون هذا الماء الحار الذي بلغ من الحرارة منتهاها ويصبونه على رأسه، فيذوب عظم رأسه ويذوب مخ رأسه، نعوذ برحمة الله من عذابه وبرضاه من غضبه. وقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩]. أي: تقول له الملائكة: ذق هذا العذاب بأشكاله وأنواعه، فأنت الذي كنت تقول في دار الدنيا بأنك العزيز في قومك العزيز على خلق ربك، والكريم في نفسك وفي عقلك وفي فهمك، وأنك كريم بما أعطيت من أرزاق وأولاد؛ فبعد أن ذُقت هذا العذاب هل لا تزال عزيزاً كما كنت تدعي في دار الدنيا؟! وهل لا تزال كريماً كما كنت تظن وأنت في دار الدنيا؟! هيهات هيهات أن يعّز مجرم مشرك، وإن ظن ذلك يوماً فهي أوهام لا حقيقة لها ولا واقع. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان:٥٠]. أي: هذا العذاب وهذا البعث بعد الموت هو ما كنتم تمترون وتشكون في حقيقته وأنتم في دار الدنيا، فهل ما كنتم تشكون فيه أصبحتم تعيشون في واقعه أم هي أحلام ومنامات؟! وهكذا جاءتكم رسل الله فكذّبتموها، وجاءتكم كتب الله فأنكرتموها، ودعاكم المؤمنون إلى طاعة ربكم وطاعة نبيكم فعصيتموهم وخالفتموهم وخرجتم عن أمرهم، وكنتم تظنون أنكم أعزاء وكرماء! فهل ذلك الوهم الذي عشتم فيه لا يزال قائماً؟! و الجواب أن حالهم يغني عن سؤالهم، فهم يرون أنهم كانوا مبطلين مكذبين كافرين.

стр. 2184

تفسير قوله تعالى: (إن المتقين في مقام أمين) قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الدخان:٥١ - ٥٣]. سبق ذكر حال الكفار، والله ﷻ يجمع في كتابه بين ذكر الكافرين وما يعاملون به، وذكر المؤمنين وما يعاملون به؛ لكي يعيش الإنسان بين الرجاء والخوف، يرجو رحمة الله ويخاف عذابه، فعندما يُذكر العذاب وهوله ترتعد فرائصه ويتوب إلى الله ويعود عما هو عليه من المعاصي، وإذا ذكرت رحمة الله يجدد إيماناً إن لم يكن، ويزداد إن كان، فيرجو الثبات على حاله، وأن يبقى على خير وعلى صراط مستقيم، فهؤلاء المتقون في مقام أمين، يقال: مَقام ومُقام، فالمقَام: المنزل والدار، والمُقام: الرُتبة والمنزلة، والمعنى متقارب. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان:٥١] أي: في منزل وفي دار وفي قصر آمنون فيه من العذاب ومن اللعنة ومن الخروج ومن الموت، منازلهم في الجنة، ولا يصل إليها شيطان، فمنازلهم بين أهليهم من الحور العين والولدان والخدم والحشم وزوجات الدنيا، فهم في أمان، كيف والله قد أمّنهم وكرّمهم والله الذي أنزلهم هذه المنزلة الكريمة. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان:٥١] أي: آمن من كل سوء. ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان:٥٢] الجنات: جمع جنة، والعيون: جمع عين، فهم مقيمون في دور لها جنات ولها عيون متدفقة متفجرة وجارية بالسلسبيل العذب من الماء، مما يزيد القصور جمالاً ويزيده بهاء ويزيدها. قال تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الدخان:٥٣]. أي: يلبسون في الجنان من السندس والإستبرق. والسندس: ألبسة الحرير الخفيفة الشفافة. والإستبرق: الديباج الغليظ. فهم يلبسون من الحرير خفيفه وثقيله شأن لبس أهل الجنة، وهم في الجنة متقابلون، كما قال تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] ليست بينهم عداوة ولا أحقاد ولا إحن، ولا يجلسون كل منهم خلف الآخر كشأن المتخاصمين والمتنازعين والأعداء، ولكنهم إذا جلسوا على الأرائك يجلسون ووجه هذا لوجه هذا، وهم يتحدثون عن نعم الله عليهم في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا وفقهم للإيمان به وبرسوله وبكتابه وأماتهم على ذلك، وفي الآخرة حيث أنجز وعده لهم وأعطاهم المقام الأمين في جنات وعيون وإستبرق وديباج وأنواع من ألبسة الحرير لم ير مثلها.

стр. 2185

تفسير قوله تعالى: (كذلك وزوجناهم بحور عين) قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان:٥٤]. الحور: جمع حوراء، والعين: جمع عيناء، والحوراء: شديدة بياض العين شديدة سوادها، واسعة العينين في جمال أخّاذ، لو أشرفت الواحدة منهن على الدنيا لملأتها عبقاً وطيباً. قال تعالى عنهن: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢] فلا يخرجن عن الخيام، مقصورات على أزواجهن تتغنى الواحدة منهن لزوجها كلما حضر، ويقلن: نحن الناعمات فلا نبأس. ولا ينظرن إلى غير أزواجهن، ولا يحاولن الخروج من قصورهن، والقصر الواحد ينظر فيه صاحبه ألفي سنة على مد البصر. وسكان الجنة لهم قصور، وليس قصراً واحداً، ولكل واحد من سكان الجنة اثنتان وسبعون حورية، ومن نساء الدنيا زوجتان، إلا أن يكون قد تزوج أكثر، فمن مات منهن على عصمته فهي له. ويروى أن أحد الصالحين كانت له زوجة سيئة الخُلُق، فصبر على إيذائها وهو يعلم أن الزوجة إذا ماتت تكون في عصمة من ماتت وهي عنده، فماتت، فعندما ذهب لدفنها والناس متحلقون حوله قال: اشهدوا أنها طالق، صبرت عليها في دار الدنيا وأما أن أصبر في الآخرة فلا والله؛ فهل ستطلق منه أو يصلحها الله كما أصلح نساء أيوب وعوضه خيراً منهن وزادهن صلاحاً؟! وقد يراها يوم القيامة بغير تلك العين؛ لأن الجنة لا عداوة فيها، فسينسى عداوته وتنسى عداوتها، وعندما يراها يراها أجمل من الحور العين. وقد تساءل علماؤنا: هل النساء من البشر أجمل أم الحور العين؟ فقال بعضهم: الحور العين أجمل. وقال آخرون: نساء الأرض تحملن في الدنيا الخير والشر، فسيكون من الجزاء لهن أن يجعلهن الله أجمل من الحور العين.

стр. 2186

تفسير قوله تعالى: (يدعون فيها بكل فاكهة آمنين) قال تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان:٥٥ - ٥٦]. أي: يدعون في الجنة بكل فاكهة من جميع الفواكه، فيطلبون من أشكالها وأنواعها وألوانها في الجنة مع الطعام والشراب وهم آمنون من أن تنقص، آمنون من أن يمنعوا منها، آمنون من الجوع، آمنون من العطش. فهم آمنون في قصورهم، فالأمان يغمرهم من كل أطرافه. قال تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان:٥٦]. أي: لا يذوقون في الجنة الموت؛ فقد ورد في الصحيح أن الموت يوم القيامة يمثل على صورة كبش، فيأمر الله بذبحه، ويقال لأهل النار: خلود فلا موت، ويقال لأهل الجنة: خلود فلا موت، فهؤلاء في الجنة لا يموتون، وكذلك لا يموت أهل النار، فهم يتمنون الموت وهيهات هيهات أن يموتوا، كما قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]. فأهل الجنة لا يذوقون في حياتهم إلا الموتة الأولى التي كانت في دار الدنيا، فهو استثناء منقطع، فلا يذوقون في الجنة الموت، إلا الموتة الأولى في دار الدنيا، فقد ذاقوها ولا موت بعدها أبداً. وقول تعالى: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان:٥٦]. أي: ووقاهم ربهم عذاب النار وعذاب الجحيم، وتلك نعمة من أعظم النعم وأكبرها، فالذي ينقذ من عذاب الجحيم ينقذ من عذاب لم ير مثله أحد، كيف وهو ينتقل إلى الجنة بنعيمها وأمانها وحور عينها وقصورها وما فيها من أنواع الملاذ؟!

стр. 2187

تفسير سورة الدخان [٥٦ - ٥٩] أهل الجنة يوم القيامة في مقام أمين في الجنة، ولهم فيها أنواع النعيم من الحور العين واللباس الجميل، والخلود في الراحة، فضلاً من الله عليهم، وجزاء إيمانهم وتقواهم.

стр. 2188

تفسير قوله تعالى: (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) قال ربنا ﷻ : ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان:٥٦]. يصف الله الجنة وما فيها من محاسن وما فيها من سعادة وما فيها من متعة وما فيها من ديمومة فيقول: إن هذه الجنة لا موت فيها، فأهلها لا يموتون فيها إلا الموتة الأولى، فالموتة الأولى التي كانت في الدنيا لا تعاد لهم مرة ثانية، ولن تكون، فقد قال ﵊ وقد سئل هل ينام الإنسان في الجنة: (النوم من الموت، ولا موت في الجنة). وأخبر ﵊ بأنه يؤتى بالموت في صورة كبش، فيذبح ويقال لأهل الجنة: خلود فلا موت، ويقال لأهل النار: خلود فلا موت، فالجنة لا موت فيها ولا بؤس ولا شقاء ولا ملل ولا كلل ولا سأم، وهم خالدون فيها أبداً سرمداً. فيقيهم الله ويحفظهم ويصونهم من عذاب الجحيم الذي يُعذب به سكان النار والجحيم، فسكان الجنة يكونون بعداء عن هذا العذاب، فيقيهم الله ويحفظهم ويبدلهم بالعذاب نعمة وبالمحنة راحة، لهم فيها مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.

стр. 2189

تفسير قوله تعالى: (فضلاً من ربك ذلك هو الفوز العظيم) قال تعالى: ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الدخان:٥٧]. يكون ذلك فضلاً من الله وكرماً لا لعمل عملوه، فقد أخبر رسول الله ﷺ بأن المؤمن لا يدخل الجنة بعمله، فقيل له: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) فالله قد تفضل على المؤمن قبل أن يخرج إلى هذا العالم، فكتب في اللوح المحفوظ أنه سعيد. فدخول الجنة فضل من الله وكرم منه لا لعمل عملوه، على أن العمل نفسه تفضّل الله به على الإنسان، فعمل صالحاً فجازاه على هذا الصالح، وقديماً قال الحكماء في الرقائق والآداب: إذا أراد أن يُظهر فضله عليك خلق ونسب إليك! قال تعالى: ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الدخان:٥٧] وذلك الفوز بوقاية الله لساكني الجنة من العذاب، وحفظه لهم من الجحيم، وإكرامه لهم بخيرات الجنة مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وذلك كله فضل من الله وكرم من الله، لا لعمل عملوه. على أن العمل نفسه - كما قلت - فضل الله تعالى وتوفيق، فالكل فضل منه وإليه، وكون النبي يقول ﵊: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)، هو ما قال الله له: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٣]. فالله أعلم حيث يجعل رسالاته، وهو الذي اختار العبد قبل خروجه إلى هذا الوجود للرسالة، واختاره للجنة، واختاره للصلاح، وقد قال نبينا ﵊: (كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد) أي: تفضل الله على نبينا بالرسالة وبالنبوة وآدم لم تزرع فيه الروح بعد، ولم يصبح بشراً سوياً بعد، فكان ذلك من فضل الله، لا بعمل عمله. وقال: (إني لرسول الله وآدم بين الماء والطين). وقال ﷺ : (أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى، ورؤيا أمي، رأت عندما ولدتني نوراً يخرج منها أضاءت له قصور الشام) وهو حديث صحيح مخرّج عن جماعة من الصحابة وفي أمهات السنة. وقد كان ﵊ مقدرة رسالته، ومقدرة نبوته، ومقدرة أفضليته على الخلق قبل أن يخرج إلى هذا الوجود، فاستجاب الله لدعوة أبيه إبراهيم، وبشّر به عيسى، ورأت أمه عندما ولدت نوراً يخرج منها يضيء له قصور الشام، وذلك لا بعمل، ولكن كان فضلاً من الله وكرماً. يقول تعالى: ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الدخان:٥٧] فذلك الفضل يكون بفوز المؤمن بالابتعاد عن النار وبدخول الجنة ذلك، وهو الفوز الذي ليس بعده فوز، وهو أعظم فوز في الوجود، أي: أن يكون الإنسان قد أُنقذ من النار وأدخل الجنة.

стр. 2190

تفسير قوله تعالى: (فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون) قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان:٥٨]. أي: فإنما يسّرنا القرآن بلغة العرب، يسره الله وسهّله وعلّمه الناس بلغة العرب، وأنزله على العرب أولاً، ثم على الناس كافة، فالعرب أعلم الناس به وبحقائقه وبما جاء فيه عن الله وعن رسل الله. فيسّر القرآن بلغة العرب ليعلمه العرب أولاً ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤]، وليعلموا حقائقه، وليعلموا حلاله وحرامه، وكان العرب بعد ذلك رسل رسول الله إلى الناس كافة. فمات ﷺ وذهب إلى الرفيق الأعلى وما كان قد أسلم من أمته إلا سكان جزيرة العرب، ثم خرج الإسلام من جزيرة العرب إلى الأرض كلها، إلى أرض الروم، وإلى أرض فارس، وإلى أرض البربر، فكان رسول الله ﷺ رسول الله إلى العرب أولاً ثم إلى الناس كافّة، وكان العرب رسل رسول الله إلى غير العرب من الناس، فنشروا دين الله، ونشروا كتاب الله، وبذلوا الأرواح في سبيل ذلك. ومن هنا يقول ﵊: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)، فلهؤلاء من الأجر والثواب ومن الفضل والإكرام ما الله به عليم.

стр. 2191

تفسير قوله تعالى: (فارتقب إنهم مرتقبون) قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان:٥٩]. أي: انتظر -يا رسولنا- نصرك ونشر دينك، وانتظر هزيمة أعدائك، فهم كذلك يرتقبون وينتظرون. أولئك ينتظرون موته، وهل موته سيقف حائلاً دون نشر الإسلام، ودون نشر كلمة لا إله إلا الله، ودون نشر كتاب الله؟! هيهات هيهات، لقد ذهب ﷺ إلى الرفيق الأعلى وانتشر بعده الإسلام انتشاراً لم ينتشر في حياته، فهؤلاء يرتقبون موته ولا يرتقبون وينتظرون - في الحقيقة - إلا ذلّهم وهوانهم وعذابهم والبطش بهم وإذلالهم. وهكذا كان، فارتقب يا رسول الله، وارتقب أيها المؤمن، فالنصر لدينك، والنصر لك ولكل المؤمنين على الكفرة المفسدين أعداء الله ورسوله والمؤمنين، فهؤلاء يرتقبون موتك، ولن يكون موتك راحة لهم، بل سيذلون ويُهزأ بهم ويقهرون أكثر، فهم ينتظرون القهر والإذلال والضياع، وأنت تنتظر النصر والعز ونشر دينك ونشر كتاب ربك المنزل عليك، ونصرة أتباعك في مشارق الأرض ومغاربها. وهكذا كان، فما أتت السنة الثامنة من الهجرة حتى فُتحت مكة وطُرد كفارها وذلّوا وأصبح حراماً على الكافرين دخول مكة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨]. ثم حرّم عليهم رسول الله ﷺ كذلك دخول المدينة المنورة، كما أوصى النبي ﷺ عند موته بأن يُخرج اليهود والنصارى جميعاً من جزيرة العرب، وأوصى بألا يبقى في الجزيرة دينان، وقد انبرى لهذا عمر ﵁، فأخرج يهود المدينة من الجزيرة، وأخرج نصارى نجران واليمن من الجزيرة، وبقيت جزيرة العرب خاصة بالموحدين. كما أمر ﵊ بإخراجهم من العالم الإسلامي، بدليل قوله: (لا تصلح قبلتان في أرض) وكلمة (أرض) نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم، أي: عموم أرض الله التي يستقبل أهلها الكعبة، والتي يدين أهلها بدين الإسلام، فلا يجوز أن يكون مع دين الإسلام غيره، ولا مع الكعبة غيرها. ولكن بعض من جاء بعد الخلفاء الراشدين فرّط، وأذن لأعداء الله من اليهود والنصارى بالمقام في المجتمع الإسلامي، بحكم الأرض حكم كسرى وقيصر!

стр. 2192

تفسير سورة الجاثية [١ - ٨] القرآن الكريم تنزيل الله العزيز الحكيم الذي بث آياته في السماوات والأرض، ففي خلقنا آيات، وفي أرزاقنا آيات، وفي اختلاف الليل والنهار آيات، فلا يكفر بالله إلا كل أفاك أثيم.

стр. 2193

حكم قراءة البسملة مع الفاتحة في الصلاة هذه سورة الجاثية، وهي تشتمل على تسع وثلاثين آية، وهي سورة مكية، أي نزلت على النبي ﷺ بمكة. ويقال: سورة مكية وسورة مدنية، فما نزل بمكة فهو مكي، وما نزل بالمدينة فهو مدني، وما نزل بينهما إن كان وهو في مكة فهو مكي، وإن كان في طريقه إلى المدينة فهو مدني، وليس في القرآن إلا مكي أو مدني. وقبل بداية السورة تقرأ البسملة، والبسملة لم تنزل في سورة مقطوعاً بها إلا في سورة النمل في ذكر الرسالة التي أرسلها سليمان إلى بلقيس ملكة اليمن، في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠]. وذكر البسملة في أوائل السور من باب التيمن والتبرك بهذه الآية الكريمة، ومن هناك تنازع الفقهاء في قراءة البسملة مع الفاتحة في الصلاة، فقالت المالكية: لا تقرأ، وقالت الحنفية: لا تقرأ، واختلف في النقل عن الحنابلة كالعادة، وقالت الشافعية: تجب قراءتها، ودليل الشافعية ما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه شرع في الصلاة فقال: الله أكبر، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:١ - ٢]. وقد ورد أن النبي ﷺ قال: الله أكبر ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، وهذا دليل من قال: لا تجب قراءة البسملة مع الفاتحة. ولكن علماء الأصول يقولون: المثبت مقدم على النافي، فمن نقل قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) فقد أثبت ما سمعه، وهو ثقة في الرواية، فيجب قبول الرواية، ومن لم ينقل ذلك فإنه لم يسمع أن النبي ﷺ قال: بسم الله الرحمن الرحيم)، وكونه لم يسمع ليس حجة على من سمع، ولذلك فإن القاعدة الأصولية: (من سمع حجة على من لم يسمع)، فقراءة البسملة ثبتت عمن سمعها من الأصحاب ﵃، وثبتت في وصف الصلاة للمسيء صلاته عندما صلى مستعجلاً غير مطمئن، فقال له النبي ﵊: (ارجع فصل؛ فإنك لم تصل) أي: أعد صلاتك؛ فصلاتك ليست بصحيحة، فأعاد ثم أعاد، ولم يأت إلا بصلاة فاسدة، فقال للنبي ﵊: يا رسول الله! علمني. فقال: (توضأ ثم استقبل القبلة، ثم قل: الله أكبر، ثم اقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:١ - ٢]) إلى آخر الصلاة من ركوع وجلوس وسجود وقيام وتكبير وسلام. فالنبي ﵊ ثبت عنه أنه بسمل في قراءة الفاتحة، فهي رواية عملية، وثبت أنه قال: للمسيء صلاته: (قل: الله أكبر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:١ - ٢]) فقراءة البسملة مع الفاتحة وردت بها الأحاديث العملية، والأحاديث القولية، وما ورد من خلاف ذلك فهي رواية من لم يسمع، ومن لم يسمع ليس بحجة على من سمع.

стр. 2194

تفسير قوله تعالى: (حم) قال تعالى: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجاثية:١ - ٢]. قوله تعالى: ﴿حم﴾ [الجاثية:١] مضى في السور قبلها أن هذه من الحروف المقطعة، وأنها من حروف الهجاء الأبجدية، وأن القرآن ألف وركب منها، فالكلام الذي تكلم به مشتمل على حروف الهجاء الأبجدية العربية، والقرآن على إعجازه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله -بل ولا الخلق كلهم، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً- لم ينظّم ولم يركب إلا من هذه الحروف، وهي حروف اللغة العربية التي يعلمها كل من يعلم لغة العرب، ومع ذلك تحداهم الله منذ (١٤٠٠) عام في أن يأتوا بمثل هذا القرآن في سورة، ولم يفعلوا ولن يفعلوا، وقد مضى على هذا التحدّي ١٤٠٠، عام وسيبقى التحدي قائماً، وسيبقى الإعجاز موجوداً، وذلك من معجزات القرآن، ومن أعظم الأدلة القاطعة على أنه كلام الله، فلن يستطيع مخلوق -سواء أكان ملكاً أم جنياً أم إنسياً- أن يأتي بمثله أو ببعضه في حال من الأحوال قط.

стр. 2195

تفسير قوله تعالى: (تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم) قال تعالى: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجاثية:٢]. هذا الكتاب هو تنزيل من الله ووحي من الله، وليس هو كما زعم الكافرون، ولا كما زعم المنافقون أنه قول محمد ﷺ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ، فمعاذ الله من ذلك، بل هذا كذب وإفك وبهتان. وقوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجاثية:٢] أي: هو كلام الله العزيز الحكيم. العزيز الذي لا يقاوم، العزيز الذي لا ينال في كلامه ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، الحكيم الذي يضع الأمور في مواضعها، فكل بحكمة، وكل لفائدة، وليس في أفعاله شيء باطل قط، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان:٣٨ - ٣٩] فليس هناك شيء خلق عبثاً، وليس هناك شيء خلق باطلاً، بل كل شيء لحكمة ولفائدة. وقوله تعالى: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ﴾ [الجاثية:٢]. الكتاب: هو القرآن الكريم، والألف واللام للعهد الذهني، أي: الكتاب الذي يتكلم عنه هو كتاب الله، وهو الكتاب الذي ورد وصفه ونعته وأنه كلام الله الحق. وقوله تعالى: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجاثية:٢] أي: هذا الكتاب هو تنزيل موحىً به إلى قلب عبده ونبيه ورسوله محمد ﷺ ، نزل به عن الله جبريل روح الأمين على قلب نبينا ﷺ .

стр. 2196

تفسير قوله تعالى: (إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين) قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الجاثية:٣]. يلفت ربنا نظر العاقلين والمؤمنين إلى هذه الأرض وما عليها من جبال، ووهاد، وبحار، وتلال، وجذوع، ودواب، وطير، وجن، وإنس، وإلى السماوات والأرض وما فيها من نجوم وأفلاك ومجرات لا يحصي عددها إلا الله، وهي محمولة بغير عمد نراها، فلا عمد لها، بل هي قائمة بقوة الله وبقدرة الله لا تحتاج إلى ما يحملها. ولو جئنا ببناء من بيت أو غرفة وأردنا أن نحمله على غير عمد لسقط ولعجزنا عن بنائه، ولكن الله الكريم حمل السماوات السبع وما فيهن وما بينهن، وحمل الأرضين السبع وما فيهن وما بينهن بغير عمد، ويرى ذلك كل ذي عينين، فهل هذا أمر يعجز الإنسان عن أن يفكر فيه، وأن ينظر في حكمته، وأن ينظر في آياته؟! ألم يدر بعقل المرء يوماً في ساعة من الساعات أن يقول: من خلق هذا؟! من حمله بغير عمد؟! كيف قام الله برزق هؤلاء جميعاً؟! كيف لم يعجزه رزق الخلق كلهم وكفايتهن وتدبير أمورهم والقيام عليه؟! إن الملك في الأرض -مهما كانت دولته عظيمة، ومهما كانت خزائنه عامرة- لو كُلِّف بأن يُطعم رعيته لعجز عن ذلك، ولماتوا عطشاً وجوعاً، ولكن الله الخالق الرازق لا يعجزه ذلك، فهو الذي خلق كل الخلق، وهو الذي يدبر أمورهم، وعليه حياتهم ومماتهم ورزقهم وصحتهم وضعفهم، وكل ما هم في حاجة إليه. فالمؤمنون يتفكرون في هذا ويعون هذا ويدركون أسرار هذا ويتخذون من ذلك علامات بينات وآيات واضحات على قدرة الله ووحدانية الله، وأنه القادر على كل شيء المدبِّر لكل شيء، الرازق لكل شيء، المحيي المميت لكل شيء. يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الجاثية:٣] أي: إن في هذه السماوات والأرض لآيات وعلامات واضحات معجزات بينات دالة على قدرة الله ووحدانية الله، وأنه الخالق لكل الكون وحده، لم يعنه على ذلك أحد ولم يحتج إلى أحد.

стр. 2197

تفسير قوله تعالى: (وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون)

стр. 2198

معنى قوله تعالى: (وفي خلقكم) قال تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية:٤]. قوله تعالى: (وفي خلقكم) ألم يفكر أحدنا في هذا المعنى يوماً؟! فكيف تنظر العين فيما تراه من آلاف القطع والأجزاء؟! وكيف تسمع الأذن؟! وكيف يشم الأنف؟! وكيف يطعم اللسان؟! وكيف تمضغ الأسنان؟! وكيف يقدِّر العقل ويفهم؟! وكيف نمشي على هاتين الرجلين تحمل أجسامنا على طولها وعرضها؟! وهذه اليد كيف نحركها؟! فالأصابع منها لشيء، والكف لشيء، وبقية اليد لأشياء أخرى. والصدر فيه القلب والكبد والرئة والأمعاء، وبعض هذه الأعضاء لو توقف ساعة لهلك الإنسان، ويدخل الطعام إلى المعدة فيطحن طحناً جيداً، ويمر بعض ما يستخلص منه على الكبد، وعلى الطحال، ويمر على قنوات، يدخل لذيذاً طيباً ويخرج قذراً منتناً، وأنت أول من يكرهه ويبتعد عن رائحته، يؤخذ اللب فيتغذى منه الجسد، وتبقى الفضلات فترمى إلى الأرض، ومن عجيب أمر الله أن تلك الفضلات القذرة يتغذى بها بعض الخلق، كالجراثيم مثلاً. يقول تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الجاثية:٤] أي: في خلق أنفسكم، وكان أبوكم الأول من تراب، وبقي دهراً وهو أجوف، يدخل الشيطان من دبره ويخرج من رأسه وهو يعجب ويقول: ما هذا التمثال إلا لشيء أراده الله، وإذا بهذا التمثال يصبح بشراً سوياً ناطقاً متكلماً ذا حواس وشكل جميل يعقل ويدرك وينطق ويفهم. ثم خلق بعده أمنا حواء من ضلع أبينا آدم كما قال النبي ﵊. ثم خلق الخلق بعد ذلك من نطفة تكون بذرتها في أصلاب الرجال ويكون زرعها في أرحام النساء، ولا بد لكل مخلوق بعد ذلك من رحم وصلب. وغير الله سنته فخلق عيسى من أم بلا أب، فقال عنه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩]، فخلق آدم من التراب، وقال لعيسى: (كن) من نفخة نفخها جبريل في جيب مريم، فكان جميلاً في رحمها، ومضت عليه الأشهر التي يولد لمثلها الأطفال، وهي تسعة أشهر، فمن فعل ذلك؟! ومن خلق ذلك؟! ومن دبر ذلك؟! فهل يفكر أحدنا يوماً في هذا؟! أما المؤمنون فنعم، فهم يعلمون هذا علم يقين، يعيشون به مؤمنين، ويعيشون به مصدقين، ويعيشون به موقنين، وليس كذلك الكفرة، فمن بلادة عقولهم وسخافة نفوسهم يرون هذا، وتتسلسل رؤيته في الآباء والأجداد والأولاد والأسباط، ومع ذلك لا يخرجون بمعرفة كيف كان ذلك ومن صنعه، وقد يقول كافر: صنعنا من هذه النطفة. فنقول: ومن خلق النطفة؟! ومن كون النطفة؟! ومن جعله أطواراً من علقة إلى مضغة إلى بشر سوي، ثم إلى طفل رضيع ثم إلى طفل يحبو، ثم إلى طفل يقف على قدميه، ثم إلى يافع، ثم إلى شاب بالغ، ثم إلى مكلف بالحلال والحرام من الرسل ومن كتب الله، ثم إلى كهل، ثم إلى شيخ، ثم يعود إلى التراب، قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح:١٤] فمن الذي خلقنا في هذه الأطوار وشكّلنا ونوّعنا؟! أليس هو الله ﷻ ؟!

стр. 2199

معنى قوله تعالى: (وما يبث من دابة) قوله تعالى: ﴿وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الجاثية:٤]. أي: وما نشر في الأرض وبث ووزع مما يدب على وجه الأرض على رجلين أو على أربع أو يزحف زحفاً على بطنه، أو يطير بجناحين، فكل دابة من خلقها؟! ومن صنعها؟! ومن صورها؟ فكل هذه علامات بينات ودلائل واضحات لا يردها إلا أعمى البصيرة الجاهل جهلاً مركباً، فهو جاهل ويجهل أنه جاهل. ولذلك يلفت الله ﷻ أنظارنا إلى شيء نراه في إصباحنا وفي ممسانا وفي نهارنا وفي ليلنا وفي اجتماعنا وفي وحدتنا، ولا يتجاهله إلا أعمى البصيرة، فيقول تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الجاثية:٤] أي: ما يبث في الأرض ويزرع وينشر ويخلق من دابة، و ((مِنْ)) للاستغراق، أي: من كل ما يدب على وجه الأرض من إنسان ناطق، أو حيوان غير ناطق، وإن كان الخرس في الحيوانات نسبياً، فهي تتكلم بما يفهم به بعضها بعضاً. وقد يُفهم الله كلامهما لمن أراد، كما كان أفهم سليمان منطق الطير، وكما قد يحدث ذلك بمعجزة، كما حدث لنبينا ﵊، فقد أفهمه الله تعالى منطق الجمل ومنطق الضب ومنطق البقرة، بل ومنطق الجماد في الجذع الذي تركه حين وصنع له غيره، فكان لذلك الجذع تألم وتوجع وصوت حيث تركه رسول الله ﷺ من بركة رجليه ومن بركة كلامه، ففهم منطق الجماد، فكيف بالحي الذي يُرزق من دابة أو طير؟! وكيف بالإنسان؟! وقد كلمته الجن، وسمعت تلاوته، وآمنت به وبالكتاب الذي أنزل عليه، وبالوحي الذي آتاه الله إياه.

стр. 2200

معنى قوله تعالى: (آيات لقوم يوقنون) يقول تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية:٤]. ففي ذلك آيات وعلامات ودلائل واضحات وبراهين ساطعات على قدرة الله ووحدانية الله وأنه القادر على كل شيء، ولذلك قالوا عن الحواميم: هن بساتين القرآن؛ لكثرة ما فيها من كلام عن التوحيد وعن أهل الجنة وعن أهل النار، وعن وصف أهل النار ووصف أهل الجنة، ووصف النار ووصف الجنة. فهنا يعدد الله تعالى علينا آياته البينات وبراهين قدرته الساطعات، ثم يقول: ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية:٤] أيقنوا بالحق، وأيقنوا بالصدق، وأيقنوا بالله واحداً، وأيقنوا بمحمد نبياً ورسولاً، وأيقنوا بالقرآن كتاب صدق وكتاب حق من الله ﷻ .

стр. 2201

تفسير قوله تعالى: (واختلاف الليل والنهار) قال تعالى: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية:٥]. ومن الأدلة اختلاف الليل والنهار، فالليل قد يقع أربع عشرة ساعة، وقد يقع أقل منها، وكذلك النهار، وهناك ليل يأتي أطول من ذلك، ونهار يأتي أطول من ذلك، وهناك نهار يكون في شدة الحر، ونهار يأتي في شدة البرد، وهناك ليال تأتي في فصل الربيع وفصل الخريف، وهناك ليل بارد شديد البرودة، وليل حار شديد الحرارة، ونهار كذلك، كما تختلف أحوالهما والكون واحد، والدنيا واحدة، والخالق واحد ﷻ ، فاختلاف الليل والنهار، واللغات والألوان، والأزمان والأمصار، كل ذلك بأمره، وكل ذلك بقدرته، وكل ذلك بإرادته. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ﴾ [الجاثية:٥] الرزق هنا الماء؛ فبه تنبت المزروعات، وتنبت النباتات، وتنبت الأشجار، وتعيش الدواب فتعطيك من لحمها ومن جلدها ومن حليبها ومن سمنها. يقول تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ﴾ [الجاثية:٥] أي: من مطر ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الجاثية:٥] وقد كانت لا تنبت، وإذا بنا نرى النبت قد أخذ يهتز ويربو ويعلو، فتعطي الأرض الناس من ثمارها، ومن ورودها وأزهارها، ومن فواكهها، ومن الخيرات والأرزاق بسبب هذا المطر الذي أنزله الله ورزق به الإنسان والحيوان والطير، فمن الذي أنزل ذلك؟! ومن خلق ذلك؟! ومن رزقنا بذلك؟! لو فكر الإنسان في ذلك قليلاً لما احتاج إلى كثير علم ولا إلى كثير عقل، وسيفهم الحقائق كلها بلا تفهيم ولا تعب، وسيعلم خالق كل هذا هو الله الذي أحيانا وخلقنا ونوع الليالي والأيام، وخلق السماوات والأرض، وخلق الدواب، وأنزل الأمطار. وقوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ [الجاثية:٥] هذه الرياح منها رياح عقيمة لا تأتي بشيء، ورياح ملقحة تلقح الأزهار ذكرانها بإناثها فتعطي الطعم والثمر، ورياح تسقط الأوراق في الخريف، ورياح تأتي عاصفة تنقل الماء سحاباً من البحار، فينزله الله ماءً عذباً موزعاً على الأرض يحيي به الأرض بعد موتها. وقوله تعالى: ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية:٥] أي: دلائل واضحات، وآيات بينات، على قدرة الله ﷻ وعلى وحدانيته وعلى أنه استغنى عن الشرك في الذات والصفة والأفعال، هو الذي يفعل كل شيء بمحض قدرته وإرادته ووحدانيته، لا يحتاج إلى أحد، وكل شيء يحتاج إليه.

стр. 2202

تفسير قوله تعالى: (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق) قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية:٦]. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية:٦] أي: تلك -يا رسول الله، ويا أيها المؤمن- آيات من آيات الله ذُكرت لك، فخلق السماوات والأرضين، وخلق الإنسان، وخلق الدواب، وإنزال الأمطار، واختلاف الليل والنهار، وتصريف الرياح، كل ذلك آيات بينات وعلائم واضحات ودلائل قاطعات على وحدانية الله. وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ [الجاثية:٦] أي: تلك آيات الله، وتلك قدرة الله، وتلك إرادة الله، وتلك الدلائل القاطعة على معرفة الله بوحدانيته وقدرته وأنه لا شريك له. ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية:٦] نقرؤها عليك، وننزلها عليك بالحق الذي لا باطل فيه، والذي لا ينكره إلا مبطل، متلاعب، مشرك، بعيد عن النور والحق. قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية:٦] فإذا لم يؤمنوا بهذه الآيات المتلوة نهاراً وليلاً؛ فما هي الآيات التي سيسمعونها، أو الآيات التي سيؤمنون بها، أو الآيات التي سيرونها الدلائل القاطعة التي تحتاج إلى إيمان وإلى استمساك وإلى معرفة. ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية:٦]، فبعد هذا الذي تلاه الله في الكتاب، وقرأه رسول الله ﷺ آيات هي أعظم من هذه، وهي أشمل من هذه، وهي أقوى دليلاً من هذه؟! والاستفهام إنكاري توبيخي، أي: ليس بعد هذه الآيات آيات، ولا بعد هذه الأدلة أدلة، ولا بعد هذه البراهين براهين، ولا بعد القرآن كتاب الله كتاب يمكن أن يؤمنوا به، وقد كفروا بهذا القرآن، كفروا به متلواً، وكفروا به مسموعاً، فما زادهم جماله وبيانه إلا الخسران والعصيان والتمرد. فقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية:٦] استفهام إنكاري صريح، أي: إذا لم يؤمنوا بهذه الآيات البينات فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بعد كلام الله ودلائل قدرة الله، ورسل الله وما أتوا به من بينات، وبأي دليل، وبأي كتاب، وبأي رسول سيؤمنون بعد هذا إذا أنكروه وكفروا به؟!

стр. 2203

تفسير قوله تعالى: (ويل لكل أفاك أثيم) قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الجاثية:٧]. أي: الويل له في جهنم من صديد ودماء المعذبين والمعذبات، ومن صديد الفواجر في النار، فهذا دعاء عليه بأن يكون الويل شرابه ونهره الذي يعيش عليه في النار، والمعنى يا ويل هؤلاء، أي: يا ما أعظم مقامهم ذلاً وهواناً وعذاباً في النار. و (أفاك) صيغة مبالغة، أي: كثير الإفك، كثير الكذب، كثير البهتان، يكذّب بالحق إذا جاء وكتاباً وسنة ورسولاً ودلائل واضحة، فويل لكل أفّاك أثيم. (وأثيم): مرتكب للآثام، أي: مجرم، أي أن حياته كلها آثام، أي: ذنوب ومعاص، ومخالفات وتحد وتمرد على الله وعلى رسل الله وكتب الله.

стр. 2204

تفسير قوله تعالى: (يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً) قال تعالى: ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الجاثية:٨]. قوله ﷻ : ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ﴾ [الجاثية:٧ - ٨] أي: هذا الذي له الويل من النار يسمع آيات الله تتلى عليه، ويسمع كتاب الله يُقرأ عليه، ويسمع بيان رسول الله في شرح وتذكير وبيان لكتاب الله. ﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ [الجاثية:٨]، ثم يصر على الكفر وعلى العناد، وعلى الآثام، وعلى الشرك، ويفجر وكأنه لم يسمع شيئاً؛ لإصراره على الكفر وعلى العصيان والآثام تعاظماً على الله، وتكبراً على رسول الله، وتعالياً على خلق الله من المؤمنين، فيعرض عنها ويصر على حاله مع تكبر وطغيان وكأنه لم يسمع كتاب الله، ولم يسمع حديث رسول الله، ولم يسمع من الآيات قليلها ولا كثيرها. قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الجاثية:٨] أي: بشّر هذا الأثيم، وبشِّر هذا المتكبر المتعالي، وبشِّر هذا الذي يسمع كلام الله ثم يعرض عنه ويتكبر عن سماعه وعن الإفادة منه ويعرض كأنه لم يسمع ذلك، بشّره بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، والبشرى هنا من باب الهزء به، وإلا فالبشرى تكون في العمل الطيب. وقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الجاثية:٨] أي: بشره يوم القيامة بعذاب مؤلم، وبعذاب موجع، وبخلود في النار ليس لهم فيها إلا العذاب والهوان والويل.

стр. 2205

تفسير سورة الجاثية [٧ - ١٣] إن الذي يسمع آيات الله المباركات ثم يعرض عنها، وإذا علم منها شيئاً اتخذها هزواً قد أعد الله له الويل لما تحلى به من الإفك، وجعل من ورائه جهنم، فلا يغني عنه من عذابها شيء، لأن الله أنزل له الكتاب المبين وسخر له ما في السماوات وما في الأرض فأبى إلا أن يكفر بالله العظيم.

стр. 2206

تفسير قوله تعالى: (ويل لكل أفاك أثيم) قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الجاثية:٧ - ٨]. (أفّاك): كذاب كثير الكذب. و (أَثِيمٍ): كثير الإثم في فعله، فالويل لمن كانت هذه صفته، فهو كاذب في الحديث آثم في العمل، وهي صفة كل كاذب كافر مشرك بالله، لا يؤمن به ولا بآياته. والويل: نهر في جهنم يكون من صديد أهلها ومما يخرج منهم مما يستقذر في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ [الجاثية:٨]. هذا الآثم الأفّاك يسمع كلام الله، ويسمع القرآن، ويسمع التوحيد، ويسمع الدعوة المحمدية، ويسمع ما أنزل ربنا وما أتى به نبينا من كتاب وسنة، وبعد سماعه لكل ذلك يبقى مصراً على الكذب، مصراً على الكفر، وإصراره عناد، وإصراره كبرياء وتألٍّ على الله، وبعد عن صفات المؤمنين المسلمين، فهو يسمع القرآن الكريم، ويسمع معجزات الأنبياء، ويسمع أحكام القرآن من حلال وحرام، وصفة الجنة وصفة النار، وأهل جنة وأهل نار، ثم بعد ذلك يصر مستكبراً على إفكه وعلى كذبه وعلى نفاقه. قال تعالى: ﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ [الجاثية:٨] فيصر على كبره وكأنه لم يسمع آية من كتاب الله ولا حديثاً عن رسول الله، ولا حكمة توصله إلى الحق وتبعده عن الباطل، فإذا بكل ما يُسمع من كتاب الله وسنة رسوله لا يزيد هذا الأفّاك الأثيم إلا إصراراً على الكبرياء وعلى الكفر وعلى الإثم، وعلى البعد عن الله ورسل الله. قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الجاثية:٨]. أي: بشِّر هذا الآثم، وبشِّر هذا الأفّاك وهذا المتعالي على الله وكتابه، وهذا الذي كأن به وقراً فلا يكاد يسمع، وإذا سمع لا يكاد يعي ولا يفهم، بشِّره بعذاب أليم. والبشرى هنا من باب الهزء به؛ إذ لا تكون البشرى إلا بما يستحسن، وما تطيب له نفس الإنسان، فإذا قيل بشر بالويل والبلاء والعذاب كان هذا هزءاً به، فهي بشرى للكافرين وبشرى للآثمين وبشرى للأفّاكين على الله ورسل الله.

стр. 2207

تفسير قوله تعالى: (وإذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً) قال تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [الجاثية:٩]. أي: سمع من آيات الله ووعى وحفظ يحفظ ذلك بلا وعي وبلا علم وبلا إيمان، ويتخذ ما يحفظ هزءاً وسخرية، والكفر يعيد نفسه كما يعيد التاريخ نفسه أبداً، فقد كان في عصر النبي ﷺ يسخر أبو جهل ويسخر الوليد بن المغيرة وغيرهما من طغاة الكفار، وليس هذا خاصاً بالعرب ولا بقريش، بل هو عام في كل كافر، فإذا سمع من هذه الآيات ومن هذه الأحكام كافر شيئاً اتخذها موضع هزء وموضع لعب وموضع سخرية. وملة الكفر واحدة، سواء كانت نصرانية أم كانت يهودية، أم كانت وثنية، فكلها من وحي الشيطان ومن أعماله ومن وسوسته ومما يوحي به من الكفر والمخالفة والعصيان والتأني على الله. يقول تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾ [الجاثية:٩] فإذا سمع بعض هذه الآيات وحفظ بعضها اتخذها هزءاً وسخرية عوضاً عن أن يتخذ الموعظة للهداية وللإيمان، فإذا به لا يهتدي الناس به، بل يضلون به؛ لأن كفره غلب نوره، فلم يبق له نور، إن هي إلا ظلمات بعضها فوق بعض. قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [الجاثية:٩]. كان الكلام عن فرد، ولكن قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الجاثية:٧] هو موضع الجمع، يعني الأفّاكين جميعاً والأثيمين جميعاً، وهم الذين يفعلون هذا كل على حدة؛ فهؤلاء لهم عذاب مهين يذلهم ويهينهم ويحقّرهم.

стр. 2208

تفسير قوله تعالى: (من ورائهم جهنم) قال تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية:١٠]. فهؤلاء -على عذاب الله الموجع الأليم المهين المذل- مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ، وقد قيل: (من ورائهم) أي: من أمامهم. ولا حاجة إلى هذا التأويل، بل من ورائهم يتبعهم التهديد والوعيد بالنار، فالنار خلفهم كيفما ذهبوا وكيفما تحركوا، فإذا ذهبوا إلى الآخرة فالنار خلفهم، وإذا حوسبوا بعد ذلك يدخلون النار والنار خلفهم، أي أن الحكم بالنار والحكم بالعذاب المهين شيء قائم لا مفر عنه يجري خلفهم كما يجرون خلف الكفر والإثم والمعصية والشرك. قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية:١٠] فجمع الله لهم بين العذاب المهين والعذاب الأليم والعذاب العظيم، فهم في عذاب على كل أشكاله وأنواعه لتنوع كفرهم وتفنن شركهم من نسيان لما أنزل الله على نبيهم، ومن ترك لما حفظوه ووعوه، ومن هزء بما وعوه وحفظوه، ومن استكبار وإصرار على الباطل، فمن أجل ذلك يعذبون بأنواع العذاب الأليم والمهين والعظيم.

стр. 2209

تفسير قوله تعالى: (هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب) قال تعالى: ﴿هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [الجاثية:١١]. قوله تعالى: ﴿هَذَا هُدًى﴾ [الجاثية:١١] الإشارة للقرآن الكريم، وإن شئت قلت: الإشارة للإسلام، وإن شئت قلت: الإشارة لنبي الإسلام ﷺ ، وكل ذلك معناه واحد، فالقرآن هو رسالة النبي ﷺ ودينه، ورسول الله هو الناطق عن الله بكتابه والشارح لآياته والمفسّر بسنته. يقول تعالى: ﴿هَذَا هُدًى﴾ [الجاثية:١١] فالقرآن هدى يهدي الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهداية، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الجهل إلى العلم. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجاثية:١١] أي: بكتابه المنزل عليهم، ببيانه الحلال والحرام، وبأحكامه وقصصه حول المؤمنين والكافرين من الأمم السابقة والأمم اللاحقة ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [الجاثية:١١]. والرجز: العذاب في منتهاه. والرجز: القذارة. والرجز: النجاسة. والرجز: الألم. فهذه الكلمة تحتها جميع أنواع عذاب الله الأليم والمهين والعظيم والذي يستقذر والذي لا تقبله نفس طاهرة، والذي يلزم الكافر حيث كان، فهؤلاء هذا حالهم لكفرهم ومخالفتهم لربهم وطاعتهم لشيطانهم.

стр. 2210

تفسير قوله تعالى: (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره) ثم أخذ ربنا يعدد نعمه على الناس فقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الجاثية:١٢]. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ﴾ [الجاثية:١٢] أي: ذلّله للركوب، وذلّله للأسفار، وذلّله للسباحة، وذلّله للصيد، وذلّله لاستخراج ما في باطنه من أنواع الثروات والكنوز التي يعيش بها الإنسان على وجه الأرض. وهذا البحر صدق فيه وصفه عمرو بن العاص لـ عمر بن الخطاب عندما سأله: صف لي البحر؟ فقد طلب منه معاوية أن يغزو الأعداء والكفار وراء البحار، فقال عمر لـ عمرو: صف لي البحر، فقال عمرو: داخله مصفود والخارج منه مولود، يركبه خلق ضعيف دود على عود. فقال عمر: والله لن أرسل جيشاً في البحر ما دمت حياً. فـ عمرو نفّر عمر بهذا الوصف، وكان عمر حريصاً على أرواح جنده وعلى حياة المؤمنين، فقد يهون أن يموت واحد، ويمكن أن لا يموت إذا اقتضى الأمر ذلك، أما أن يصبح الجيش داخل البحر كله في خطر الغرق فهذا ما كان يخشاه عمر، ولذلك لم يبعث جيشاً مدة حياته ليحارب إلا في البر، ولكن البر الذي حارب فيه اكتسح فيه أقاليم وشعوباً وأراضي في المشرق والمغرب، ففتح الشام، وفتح العراق، وفتح فارس، وفتح مصر، وفتح المغرب أرض البربر، وكل ذلك لم يحتج فيه إلى بحر، ما كان يحتاج فيه إلا البر على الإبل والدواب، وقد فتح عمر في خلافته ما لم يفتح بعده. قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ﴾ [الجاثية:١٢]، أي: سخر هذا البحر وذلّله وطوّعه ﴿لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ﴾ [الجاثية:١٢] والفلك: جمع لا مفرد له من لفظه، ومفرده من غير لفظه السفينة، فسخّره الله تعالى لركوب السفن والفلك لتجري في البحر بأمر الله وقدرة الله وإرادة الله، يقطع عليها ما بين القارات وما بين المشارق والمغارب.
следующие страницы →