← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

تفسير قوله تعالى: (قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا) وإذا بهؤلاء الشهداء وقد أنذرهم وتوعدهم وتهددهم فرعون يتحدونه بكل صلابة وإيمان، فكانوا القدوة والأئمة لكل مظلوم يكره على الكفر وقد بان له الحق وأتته البينات، فيثبت متحدياً الأباطرة والظلمة والجبابرة. وإذا بهؤلاء السادة الموحدين التائبين العابدين يجيبون فرعون ويقولون: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢]. أجابوا فرعون محتقرين له أمام هذه الجموع الحاشدة من أهل البلد. وقولهم: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ [طه:٧٢]: أي: لن نختارك، ولن نقدمك، ولن نعبدك بعد اليوم، ولن نرتكب سحراً حتى ولو عشنا. ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [طه:٧٢]: أي: ما كان لنا أن نختارك ونقدمك بعد اليوم، وقد رأينا هذه البينات الفاضحات، والمعجزات الواضحات، وما أتى دليلاً على صدق موسى وهارون من أنهما نبيان رسولان جاءا ليبلغا الحق والهدى عن الله تعالى. وكانت البينات بالنسبة لهم هذه العصا التي ازدردت كل العصي والحبال التي جاءوا بها، وهم أعلم بالسحر من فرعون؛ فعرفوا أن هذا لم يكن سحراً أبداً، وأنه دلالة أكيدة صادعة من الله الخالق المحيي المميت، وليس ذلك سحراً، وليس ذلك شعوذة. وكانوا من قبل عندما حضهم موسى قبل الشروع في السحر ودعاهم إلى الله قائلاً: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه:٦١]؛ أخذوا يترددون ويقولون: ليس هذا بقول ساحر، ليس هذا بقول مشعوذ، بل هذا الكلام لا يخرج إلا من في نبي، وخاصة في مثل هذه المواقف. قال هؤلاء التائبون لفرعون الكاذب: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ [طه:٧٢]: أي: لن نختارك ولن نقدمك على هذه البينات وعلى الله الذي خلقنا وأنشأنا، والذي أرسل لنا موسى وهارون لنعلم الحق من الباطل ونخرج من الوثنية إلى عبادة الله الواحد، ونترك الأصنام حية كانت أو ميتة، ونترك هذا الباطل الذي تعيشون فيه. وقد يكون قولهم: ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ [طه:٧٢] قسماً؛ أي: ونقسم على ذلك بالله الذي أنشأنا على غير مثال سابق، وأوجدنا بلا مواد سابقة، وأوجد المواد التي كوننا منها كالتراب. أو: لن نؤثرك ولن نختارك على البينات الهاديات والمعجزات الواضحات، وربنا الذي فطرنا وخلقنا، فربنا هو المختار لنا والمعبود وحده بعد اليوم. قولهم: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢]: أي: اصنع ما أنت صانعه، وافعل ما أنت فاعله، فاقتل واصلب وقطع. ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢]: أي: لن يكون لك ذلك إلا في هذه الحياة غير الدائمة، هذه الحياة التي لم تكن ثم كانت، وهي إلى عدم بعد ذلك ويبقى الله الواحد القهار. فلن نؤثر الفاني على الدائم، ولن نؤثر الباطل على الحق، ولن نؤثر الإله الكاذب على الإله الحق فاطرنا وخالقنا ﷻ . وقولهم: ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢]: أي: لن تستطيع أن تفعل شيئاً إلا في هذه الأيام القليلة التي ابتلي بك قومك، وابتلينا نحن كذلك بك ليختبر الله صدقنا بعد أن أرسل لنا نبيين كريمين، وبعد أن بدت لنا العلامات والبينات على صدقه.

стр. 247

تفسير قوله تعالى: (إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا) ثم عادوا فقالوا بكل شجاعة وبكل يقين وإيمان بما بقوا به أئمة ورموزاً للحق والدعاة للحق مهما لقوا في سبيل الله من الجبابرة والطغاة، وما أكثرهم قبل وبعد، قالوا له بعد ذلك: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٣]. فقالوا له: لن نخضع لموسى على أنه رب أو إله فيما تريد أن تزعم وتظن، فما جاء موسى إلا عبداً رسولاً لربه، وما جاء هارون إلا عبداً رسولاً مبلغاً عن ربه، وعندما آمنا لم نؤمن إلا بالله الفاطر الخالق وحده، المرسل لنا عبديه ونبييه موسى وهارون، فقد آمنا بهما رسولين وآمنا بالمرسل الحق خالقاً ورازقاً ومعبوداً وحده لا شريك له. وكان هذا على الملأ، فأذل الله فرعون وأحقره أمام أتباعه وملئه من الناس، ولم يجد هنا ما يفعله مع هؤلاء المؤمنين التائبين إلا الطغيان والظلم، وإلا التهديد وتقطيع الأيدي والأرجل والصلب، ولكن بقي الحق حقاً ولو صنع ما صنع، وهكذا يأبى الله إلا أن ينصر الحق ويبطل الباطل ولو كره المشركون، فللباطل جولة ثم يضمحل ولا يدوم إلا الحق. ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾ [طه:٧٣]: أي: ولا تملك أنت ذلك، آمنا بالله رباً، وبموسى وهارون نبيين رسولين؛ عسى الله أن يغفر ذنوبنا وسيئاتنا الماضية في الشرك وعبادتك واتباعك في الباطل والوثنية. ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [طه:٧٣]: أي: معنى هذا: أن هؤلاء أكرهوا على أن يكونوا سحرة، فقد أتى بهم صغاراً وأجبرهم على تعلم السحر تحت الحديد والنار، فمن عارض قتله، ومن وافق قبله، ولكنه مع ذلك ما وافقه إلا مكره خائف على نفسه وحياته. فيقولون: آمنا ليغفر الله ذنوبنا ويغفر لنا هذا السحر وهذه الشعوذة الباطلة التي لم تكن من ذواتنا، ولم نكن نعرفها قبل لولا أنك أكرهتنا عليها بالحديد والنار ظلماً وعتواً واستعلاءً في الأرض. قولهم: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٣]: هذا جواب على قوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه:٧١] فقالوا له: ربنا هو الأشد عذاباً لمن عصاه، وربنا هو الأبقى نعمة وجزاء وخلوداً في الجنة لمن أطاعه. كنت تغرينا بقربى منك وهي مضمحلة وفانية، ثم تهددنا بالتقطيع والصليب والتعذيب، وزعمت أن عذابك أشد من عذاب الله، وزعمت أن ثوابك أبقى من ثواب الله، ولكن هيهات، فعذاب الله في ناره أشد وأنكى وأخلد، وجزاء الله بالحسنى وبالجنان أدوم وأخلد وأبقى على مدى الدهور والأزمان.

стр. 248

تفسير قوله تعالى: (إنه من يأت ربه مجرماً) قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [طه:٧٤]. انقلبوا من وثنهم وعبادتهم لفرعون، إلى مؤمنين دعاة إلى الله يتحدون فرعون في طغيانه وألوهيته الكاذبة، ثم يدعونه ويدعون الملأ كله إلى الله وقد حشدوا جميعاً على رءوس الخلائق ضحىً بحيث يسمع الكل ويرى. قولهم: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [طه:٧٤]: أي: يا فرعون! إذا أتيت ربك مجرماً مشركاً فإن لك جهنم. وأشد أنواع الإجرام الشرك بالله. ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾ [طه:٧٤]: أي: جزاؤه هذه النار الخالدة التي من دخل فيها من المشركين يخلد أبد الآباد ودهر الداهرين، ولكنه مع خلوده لا يحيا حياة يستريح فيها، ولا يموت موتاً يستريح فيه من عذابها، فهو لا حي فيرتجى، ولا ميت فيستريح، بل هو أبداً في عذاب: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦]. وقد يخرج من النار من مات على التوحيد ولو بقوله عن يقين: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أو الإيمان بأنبياء عصره. أما من مات مشركاً كافراً فقد حرم الله عليه الجنة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. وجهنم درجات أيضاً كالجنة، ففي الدرجة العليا الضحلة من لا تمس النار إلا قدميه، ولكن يغلي من هذه النار دماغه، وهناك من هو في قاع النار: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]. والبعض يهوون فيها سبعين خريفاً، هكذا عمق النار وعذابها لمن يستحق ذلك ممن استكبر على ربه وأبى إلا الإشراك والظلم والطغيان والاعتداء على الأرواح والأعراض والأموات، ذاك جزاء فرعون وجزاء كل من صار على دينه وعلى طريقته.

стр. 249

تفسير قوله تعالى: (ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات) قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى﴾ [طه:٧٥]: أي: الذي يأتي ربه مؤمناً أنه الله الواحد لا شريك له، وأنه أرسل عبيداً من عبيده اختارهم أنبياء ورسلاً مبلغين عنه دعوته لعبادته وتوحيده وطاعته فله الدرجات العلى في الجنة. قوله: ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ [طه:٧٥] أي: لا يكفي أن يؤمن باللسان، ولا بد أن يؤكد ذلك بالأعمال. وعمل الصالحات من طاعة الله ورسوله حسب ما طلب الله وأمر، ولا اجتهاد في الطاعة. وقد قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر:١ - ٣] كل خلق الله في الأرض من الجن والإنس خاسرون ضائعون، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر:٣] أي: إلا من آمن بالله رباً. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر:٣] تأتي الدرجة الثانية وهي العمل الصالح. وهكذا لا يذكر الإيمان إلا ويذكر معه العمل الصالح. والرتبة الثالثة هي ما يفعله الآن هؤلاء التائبون من سحرة فرعون، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] أخذ يأمر بعضهم بعضاً بالحق، وما الحق إلا الإيمان، وما الحق إلا التوحيد، وما الحق إلا الإلهيات والنبوات، طاعة لله وطاعة لرسوله في كل ما أمرا به. والمؤمن يقول بعد الرسالة المحمدية: آمنت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن إماماً، وبمحمد نبياًً، وبالمؤمنين إخوة، وبالكعبة قبلة. هذا هو الإيمان. ويأتي العمل الصالح من ترك المنكرات جميعها، وفعل الصالحات حسب القدرة والطاقة؛ (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن أمر فانتهوا). فالباطل والزيف والمنكر أعمال سلبية لا تحتاج إلا إلى إيقان وقوة إرادة في تركها. أما الفعل فحسب القدرة، فالقوي يفعل ما لا يستطيعه الضعيف، والضعيف يستطيع أن يفعل ما لا يفعله الأضعف، وكل حسب قدرته وطاقته. وأما الإيمان فلا هوداة فيه ولا تسامح، ومن آمن ببعض وكفر ببعض فذلك أيضاً كافر، الإيمان كل لا يقبل التجزئة. ومن يأت ربه مؤمناً قد عمل الصالحات فله الجنة، وما عمل الصالحات إلا القيام بالأركان الخمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، وحج بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلاً، وإيتاء الزكاة على من عنده نصابها، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولم يجعل علينا في الدين من حرج. قوله: ﴿لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى﴾ [طه:٧٥]: العلى: جمع علياء، وهي مؤنث أعلى، والدرجات في الجنة، ويقال عن درجات النار دركات؛ لأنه ينزل إليها نزولاً إلى أسفل السافلين. وأما الجنة ففي العلو، وما يفعل بالعلو يقال عنه درج، فللجنة مقامات ودرجات. وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (إن للجنة مائة درجة، ما بين درجة ودرجة كما بين السماء والأرض، ومن في الدرجة الثانية يتراءون من فوقهم كما تتراءون النجم الدري في أعلى السماء، وإن عمر لمنهم). فهذه الدرجات العلى أعلاها الفردوس، وبين كل درجة ودرجة مثل ما بين السماء والأرض. ويبشر ﷺ الخليفتين الراشدين أبا بكر وعمر أنهما من هؤلاء الذي لهم الدرجات العلى، وأنعم بهما ما أكرمهما. وقد قال ﵊: (الجنة درجات وأعلاها الفردوس الأعلى وهي للمؤمنين، فقال بعض الحاضرين: تلك منازل الأنبياء يا رسول الله! قال: بلى، هي لمن آمن بالله وعمل صالحاً، وإن أبا بكر وعمر لمنهم، وأكرما وأنعما). ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى﴾ [طه:٧٥] أي: أعلى الدرجات في الجنة وليس الدرجة السفلى منها، وليس في الجنان أسفل، إنما درجة أعلى من درجة، ومقام أعلى من مقام، وإلا فكلهم مرضي عنهم مرحومون، يمتعون برضا الله والنعيم الخالد الدائم.

стр. 250

تفسير قوله تعالى: (جنات عدن تجري من تحتها الأنهار) قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى﴾ [طه:٧٥] ثم فسرها الله، فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه:٧٦]. فهذه الدرجات عُلى، ثم شرحها الله تعالى وبين أنها جنان: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [طه:٧٦] أي: جنات إقامة دائمة، ومنه المعدن، أي: النوع المقيم في الأرض قبل أن يستخلص ويؤخذ ويستفاد منه. فقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [طه:٧٦] أي: جنات دائمة، جنات مقيمة، جنات جعلت للدوام والبقاء الخالد. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [طه:٧٦]: أي: ومع كونها مقيمة خالدة أبداً سرمداً إلى يوم القيامة فإن الأنهار تجري من تحتها. وكما أن أهل النار كلما نضجت جلودهم أبدلهم الله غيرها، فالجنة تتجدد خلايا ساكنيها وشبيبتهم وحيويتهم وشهواتهم ورغباتهم وكأنهم لم يكونوا يوماً شيوخاً ولا مرضى ولا أمواتاً. وهم شباب في سن ثلاث وثلاثين على أجمل ما يكونون شكلاً وقوة ونفساً وراحة. هكذا يقول هؤلاء الشهداء قبل أن يستشهدوا، فيتحدون الباطل في شخص فرعون، ويتحدون الظلم في شخص قوم فرعون، ويأبون إلا أن يؤمنوا تائبين، عابدين دعاة إلى الله مذكرين. وكانوا يتحدون فرعون وهامان وموسى ينظر إلى ذلك وهارون وهما قريرا العين، بل في لذة النصر ولذة الاتباع في الإيمان، وأن فرعون الطاغية الظالم قد أخزاه الله وأذله على ملأ من قومه. وهؤلاء الذين أكرههم على السحر قد تحدوه، وقد حقروه، وقد ازدروه، بل وانقلبوا يقولون عنه فاجر ظالم كاذب. ثم أخذوا يدعونه إلى الله، وأن الله يقبل التوابين ويغفر للمذنبين إن استغفروا وتابوا وأنابوا، وأن من بقي على كفره إلى الموت لا مكان له في الجنة، بل مكانه جهنم خالداً فيها أبد الآبدين، ومن أتى ربه تائباً مستغفراً فمكانه الجنان والدرجات العلى منها منعماً، مكرماً.

стр. 251

تفسير سورة طه [٩٧ - ٩٩] عاقب الله تعالى السامري الذي أضل بني إسرائيل، وقد أمره موسى باعتزال الناس، وهدده بالموعد الذي سيأتيه فيحاسبه على ما أجرم وافترى.

стр. 252

تفسير قوله تعالى: (قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس) قال تعالى: ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ﴾ [طه:٩٧]. أي: ابتعد واعتزل، وليبتعد الناس عنك وليعتزلوك. وقد استوحش وأصبح في الصحاري، وكأنه الحيوان الوحشي لا يألف ولا يؤلف، فإذا رأى إنساناً بعيداً صاح وفر. قال له موسى: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ [طه:٩٧]: أي: لك موعد من ربك في عقوبتك وفي عذابك يوم القيامة لن تخلفه، ولن يتخلف هذا الموعد عنك ولا عن كل مذنب يوم الحساب والعقاب والعرض على الله. وهكذا أنذره موسى بعد أن عاقبه عقوبة الدنيا التي يملك، وترك عقوبة الله التي لا يملكها غيره، فله موعد من الله يوم القيامة لن يخلفه. ثم قال له: ﴿وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه:٩٧]: ثم انظر إلى هذا العجل الذي زعمته إلهاً ماذا سنصنع به؟ والذي صنع أنه حرقه وأذابه وعاد به إلى أصله، ثم برده إلى أن أصبح برادة كالنخالة، وجاء في يوم عاصف إلى شاطئ البحر فنفثه ونسفه إلى أن تشتت في الهواء. ﴿الَّذِي ظَلْتَ﴾ [طه:٩٧] أي: ظللت، حذفت إحدى اللامين للتخفيف، وهي من بلاغة القرآن الكريم، يقال: ظل فلان يومه يصنع، أي: اليوم كله، وكان ذلك عمله. ومعنى ﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ﴾ [طه:٩٧]: دمت على عبادته وزعمت أنه إله، فانظر ماذا سنصنع به؟ ثم أقسم موسى: (لنحرقنه) واللام هنا لام موطئة للقسم، وأكدت بنون التوكيد الثقيلة. وكان التحريق لهذا الذهب والمعدن بأن يذاب إلى أن يعود لأصله، ثم يبرد. ﴿ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ﴾ [طه:٩٧] النسف: الذر والتشتيت في الهواء، كمن يأتي إلى نخالة دقيق أو تراب فينفخه، فيبعثر ويذر على مختلف النواحي. ﴿ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ﴾ [طه:٩٧] واليم هو البحر.

стр. 253

تفسير قوله تعالى: (إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو) قال تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه:٩٨]. ثم عاد موسى داعياً إلى الله مؤكداً دعوته لعبادة الله الواحد، وأنه هو ومن سبقه من الأنبياء ومن يأتي بعده كعيسى ونبينا عليهم جميعاً الصلاة والسلام؛ كلهم ما جاءوا إلا للدعوة إلى الله الواحد، فلا صنم ولا شريك لا من حي ولا من ميت، لا من ملك ولا إنسي ولا من جني، لا من صامت ولا متحرك، فالله الواحد هو المعبود الحق والإله الحق في الأولين والآخرين. قوله: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ﴾ [طه:٩٨] إنما: أداة حصر، أي: الألوهية والعبودية محصورة في الله الذي لا إله غيره، فلا ثاني له ولا شريك له لا في ذات ولا صفة ولا فعال. ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه:٩٨]: علماً: منصوبة على التمييز، أي: وسع علمه كل شيء، وأحاط بعلم كل شيء، فلا تخفى عليه خافية لا في الضمائر ولا في النفوس، ولا في البر ولا في البحر، ما من غائبة إلا يعلمها، ما من ورقة تلقى في ليل أو نهار أو شرق أو غرب إلا وعلمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى. وبهذا تكون قصة موسى قد انتهت هنا في سورة طه، وقد كررت في القرآن في أكثر من مناسبة، وعند كل مناسبة يؤخذ منها معنى جديد، وقد تساءل الناس قبلنا: ما حكمة الإلحاح على قصة موسى وقصة النصارى بما صنعوا لعيسى. وما صنع معهم عيسى في القرآن؟ والأمر بين وواضح؛ فالأديان السابقة كلها انتهت بعد أن حرفت، ولم يبق آثار من وثنيات وعبوديات زائفة وباطلة تظهر في عبدة الفروج وعبدة القرود وعبدة البقر وعبدة الحيوانات، لكنهم لا يملكون كتاباً يقولون إنه من عند ربنا، انحرف أو لم ينحرف. ولم يبق من ذلك إلا ديانة موسى وعيسى بعد أن حرفتا وبعد أن بدلتا، وبعد أن غيرتا، وبعد أن انتقلتا من عبادة الله الواحد إلى الوثنية وعبادة من دون الله، فالنصارى عبدوا ثلاثة: الله وعيسى ومريم. واليهود عبدوا العجل مع الله، وعبدوا العزير مع الله، وزعموا أنهم جميعاً أبناء الله، فأعطوا لله صورة مخلوقة بشرية على حسب فساد عقولهم وفساد أديانهم، ولاقوا في حياتهم ولا يزالون يلاقون من عذاب الله ونكاله. فالله ﷻ قال ذلك في الكتاب المنزل على نبينا، والذي أمرنا وغيرنا من سكان الأرض منذ الدعوة المحمدية وإلى قيام الساعة أن نلتزم ما فيه، وأن نحلل حلاله، ونحرم حرامه. فكان مما وعظنا به الله وأنذرنا، أن بشرنا وأنذرنا أنكم الآن على دين الحق، فإذا غيرتم أو بدلتم فمن بدل منكم عن علم كما بدل اليهود فستكون عقوبته في الدنيا عقوبة اليهود. ومن بدل منكم عن جهل ولم يكلف نفسه علماً ولا تعلماً فسيعاقب عقوبة النصارى الذين ضلوا عن جهل. وهكذا دواليك، ولكن مع هذا الوعظ الشديد والنذارة الشديدة والبشارة الدائمة ضل الكثيرون منا وجروا خلف اليهود، فاتبعوا ماركس ولينين وأمثالهما من اليهود، وإذا بالله الكريم يعاقبهم عقاب اليهود، بل ويسلط عليهم اليهود، وما تسليط اليهود علينا إلا لأننا خرجنا عن أمر الله وطاعته، وسعينا في أن نقتفي أثرهم، ونعبد العجل معهم، ونشرك شركهم، فكان ما ترون. ولا أحد أصبر من الله كما قال رسول الله ﷺ ، فإنه سبحانه يرزقنا ويعطينا ومنا من يدعو مع الله إلهاً، ومنا من يظل ليله ونهاره على المعصية والكفر والشرك والردة، ولن يرفع الله عقوبته ولا عذابه ما لم نتب إليه ونعود إليه تائبين وله حامدين في أن يرفع عنا ما ابتلينا به. وهكذا اليوم تجد الإنسان يزعم أنه متحضر، ومن تحضره في ما يزعمه ويعلنه أنه قَبِل الهوان والاستسلام، وقبل الكفران والبعد عن القرآن. يقول موسى كما قال الله عنه: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه:٩٨]. أعطى عباده عقولاً يعقلون بها أنفسهم عن الباطل والفحشاء والسوء، ولكنه علم من سيفعل ذلك منهم ومن سيخالف ذلك، وهو العالم بكل شيء قبل أن يكون وبعد أن يكون، ولو لم يكن لو كان كيف سيكون.

стр. 254

تفسير قوله تعالى: (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق) ثم قال تعالى ممتناً على رسوله ومعلناً لنا بأن ما يقصه الحق: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ [طه:٩٩]. أي: وكما قصصنا عليك قصة موسى وفرعون ولم تكن تعلمها قبل، وكانت مشوشة عند الناس مبدلة محرفة، كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق. وقد قص الله علينا قصص خلق آدم، ونوح مع قومه، وصالح مع قومه، وهود مع قومه، ولوط مع قومه، وإبراهيم مع قومه، وقصص جميع أنبياء بني إسرائيل، وهكذا دواليك. وقص علينا قصص شعوب بائدة، وكان كل ما قصه لم يكن معلوماً عند العرب، فقد كانوا أمة أمية لا يحسبون ولا يكتبون، فمن أين جاءته هذه المعارف؟ أليست هذه معجزة المعجزات الخالدة إلى يوم القيامة؟ إنسان عاش بين قومه أربعين عاماً لا يعلم شيئاً، ففيه ذكاء ونبوغ، ولكنه لم يقرأ ولم يكتب ولم يتتلمذ على شيخ، وإذا به بعد الأربعين سنة يصبح وقد فاجأ قومه وفاجأ الخلق كلهم مشارق ومغارب بهذه العلوم التي وسعت الأولين والآخرين، بقصص السابقين واللاحقين، بما كانوا عليه وبما يكونون، من أين جاءه كل ذلك؟ وأتى به بكلام معجز على فصاحة العرب وبلاغتهم وما أعطوا من تفنن في القول، وقد عجزوا عن أن يأتوا بآية من مثله، بسورة من مثله، ولا يزال العجز قائماً، والتعجيز قائماً، لا أمة في الماضي، ولا أمة في الحاضر ولا في الآتي، ولا إنسان مهما بلغ من الفصاحة والبلاغة، لن يستطيع الإتيان بسورة من مثل سور القرآن، بل ولا بآية. فإن حاول أتى بالغث، أتى بالسخيف من القول، أتى بما يتضاحك به وتضحك منه الثكلى، فالله ﷻ يقول لنبيه ولنعلم نحن ذلك: لو لم يكن محمد نبياً حقاً صلى الله عليه وآله فمن أين أتته هذه العلوم وهذه المعارف؟ على من درسها وكيف درسها وهو لم يعش إلا في أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب ولا تحسب. ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ [طه:٩٩] أي: من أنباء القوم السابقين كما لو عشت معهم. ومن هنا نعلم متأكدين قاطعين أن قصص القرآن هي قصص واقعية، هي قصص كانت ذات يوم لأشخاص وأعيان وأزمان وأجيال وأوقات، لا كما زعم من ارتد ممن يدعي العلم ويدعي المعرفة منذ مائة عام وهلك مع الهالكين. قال عن قصص القرآن: هي أشياء متخيلة، ذكرت لضرب الأمثال وأخذ العبرة، ولم يكن لها في التاريخ والواقع وجود. وضل هذا وأضل غيره، وجاء بعده من قال بذلك وكتب عنه أطروحات وكتباً، وهذا كله ضلال في ضلال، ردة في ردة، خروج عن كتاب الله وخروج عن أمر الله ومعصية لرسول الله ﷺ ، فالقصص كله حق. ومن هنا عندما ابتدأ الناس البحث عن الآثار في الأرض، هذه الآثار قد لفت الله نظرنا إليها فأمرنا أن نضرب في الأرض ونرى الآثار، وقد وجدنا آثار كل من قص الله قصصهم من قوم فرعون، ومن قوم لوط، ومن قوم إبراهيم، ومن جميع أنبياء بني إسرائيل. فكان ذلك مكذباً للواقع المحسوس الملموس باليد حتى للكافر، حتى لضائعي العقل، حتى للذي يعيش في الزيف والباطل. ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ [طه:٩٩] من أخبارهم. وقوله تعالى: ﴿مِنْ﴾ [طه:٩٩] من هنا للتبعيض، أي: يذكر لنا بعض ما سبق من قصص هؤلاء، هذا القرآن الذي وصفه رسول الله ﷺ بأن فيه خبر من قبلنا، وأن فيه خبر ما بعدنا، وأنه الحكم الفصل، ما تركه من جبار إلا وقصمه الله، ورأينا ذلك رأي العين، بل ولا نزال نعيش في واقعه. قال تعالى: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ [طه:٩٩] والذكر هنا القرآن، كما أن الذكر محمد ﵊، لأن لله عباداً إذا رؤوا ذكر الله، وكان في طليعة هؤلاء العباد نبينا صلى الله عليه وعلى آله، ما رئي إلا وذكر الله، وقيل ليس هذا بوجه كذاب، وقيل: هذا الناطق عن الله، وقيل: هذا المذكر لله وفي الله. وكثيراً ما جاء أعراب سذج لا يكادون يميزون فرأوا إشراق النبوءة، ورأوا النور النبوي على جبينه فقالوا: والله ما هذا بوجه كذاب، فآمنوا به دون أن يسمعوا معجزة ولا برهاناً ولا دليلاً، كان ذلك بالحدس، كان ذلك باليقين أن مثل هذا لا يكذب. ومن لا يكذب على البشر مدة أربعين عاماً وقد عاش بين قومه، عرفه الصغير والكبير، وهو ابن زعمائهم وابن قادتهم، ابن عبد الله بن عبد المطلب، أيكذب على الله بعد أن بلغ أربعين عاماً؟ حاشا الله ومعاذ الله. ﴿وقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ [طه:٩٩] أي: من عندنا، ومعناه: أن الكتاب كتاب الله، والذكر ذكر الله، وما محمد ﵊ إلا مبلغ عن ربه، قد خلت من قبله الرسل فهو خاتم الرسل. ومن أسماء القرآن: القرآن والفرقان والذكر، ما قرأه إنسان إلا وتفكر الحق وميز الباطل، وذكر ربه، وذكر بشراه، وذكر عقوبته فتذكر ورجع إلى الله، ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥].

стр. 255

تفسير سورة طه [٩٩ - ١٠٤] القصص التي يذكرها الله في القرآن هي تسلية لرسول الله ﷺ ، وقد ذكر الله لرسوله ﷺ أنه قد آتاه من عنده ذكراً، وهو القرآن، فمن كذب به وأعرض عنه عوقب يوم القيامة بما يستحقه.

стр. 256

تفسير قوله تعالى: (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق) قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ [طه:٩٩]. يقول الله ﷻ : كذلك يا محمد، قصصنا عليك قصة موسى وهارون مع فرعون وهامان وقارون وملئهم حتى كأنك حاضر فيها زمناً وشخصاً وحالاً وغضباً ورضاً وانتقاماً ووحياً ودعوة إلى الله. ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ [طه:٩٩]: أي: نقص عليك من أخبارهم، وأنباء: جمع نبأ، أي: من أخبار الأمم السابقة والعصور الماضية، وأنبياء الله السابقين، وبدء الخلق، وما جرى على العصاة والمتمردين المكذبين لرسلهم وأنبيائهم؛ ليكون لك من ذلك عبرة، ويشد ذلك ظهرك، وتتخذ الأنبياء والملائكة قدوة لك، لتجد السلوى في ما جرى لك من قومك عندما تعرف ما جرى لهم من أقوامهم. ﴿مِنْ أَنْبَاءِ﴾ [طه:٩٩] من: للتبعيض، أي: قص الله تعالى على نبينا وعلينا بالتبع بعض أحوال من مضى لنأخذ منها العبرة والعظة والدرس، ونأخذ منها العلم والمعرفة. ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ [طه:٩٩] كما قصصنا عليك أنباء السابقين كذلك أنزلنا إليك من عندنا ذكراً. والذكر هنا هو القرآن الكريم، ففيه ذكر من قبلنا وذكر من بعدنا، وفصل ما بيننا، ما تركه من جبار إلا قصمه الله، فيه الحق بداية ونهاية، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ [طه:٩٩]: أي: وأوحينا إليك وأكرمناك بكتاب لم يسبق مثله في السابقين، ولم يأت بعده في اللاحقين، خاتم الكتب السماوية وجامع ما فيها والزائد عليها معرفة وذكراً وعلماً وقصصاً للذكرى وللعبرة والموعظة. وفي قوله: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ [طه:٩٩] أي: تذكر به، فهو شرف لك، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف:٤٤]. وهو شرف لك رفع اسمك في الخافقين، وخلد اسمك بين الخالدين، وكنت بذلك خاتم الأنبياء وإمامهم، وكان دينك دين العوالم كلها منذ أوحي إليك هذا الكتاب الكريم وإلى يوم النفخ في الصور، وهو للأبيض والأسود والأحمر والأصفر، للمشارق والمغارب، للعرب والعجم. فهو ذكر وتذكير لهم بما سيئول إليه أمرهم، وهو عظة لهم، بشير للمستقيم، ونذير للكافرين.

стр. 257

تفسير قوله تعالى: (من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً) قال تعالى: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ [طه:١٠٠]. أي: من أعرض عن هذا الذكر فكذبه وتركه وراءه ظهرياً، وجعله في عرض الكلام وزائده، ولم يعتبره كلاماً من الله، ولم يعتبره كتاباً أنزل لتذكير الخلق ودعوتهم كلهم لعبادة الله الواحد، وإبعادهم عن الكفر والجحود والعصيان، فإنه يحمل يوم القيامة وزراً. وقوله: ﴿مَنْ أَعْرَضَ﴾ [طه:١٠٠]: أي: فهو كتاب أنزل على محمد سيد الأولين والآخرين ﷺ ، ليكون الكتاب العام الشامل لجميع العوالم، لمن عاصره ﷺ ولمن أتى بعده وإلى يوم النفخ في الصور. وعلى ذلك فمن بلغه كتاب الله المنزل على خاتم الأنبياء فلم يعمل به وأعرض عنه وتجنبه ﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ [طه:١٠٠]. والوزر: الذنب الثقيل الذي ينوء بحمله الإنسان ويثقل ظهره. فمن أعرض عن القرآن وكفر به فإنه يأتي يوم القيامة ظالماً آثماً، حاملاً من الأوزار ثقيلها وعظيمها مما ينوء به حمله، ولا يكاد يطيقه زيادة في عذابه وآلامه. وهذه الآية من الآي التي تعتبر دليلاً على أن القرآن كتاب الله للبشر كلهم، فهي كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]، هكذا أمر ﷺ أن يصدع بالحق وأن يصدع بالإسلام من تلك البطاح المقدسة (مكة المكرمة والمدينة المنورة)، وأن يبلغ من بلغه ممن يأتي بعده، وهكذا دواليك إلى يوم القيامة. ومن هنا كما في الحديث المتواتر يقول ﷺ : (نضر الله امرءاً سمع مقالتي، فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلَّغ أوعى من سامع). وفي الحديث: (تسمعون مني ويسمع منكم، ويسمع ممن سمع منكم). ومن هنا كان القرآن الكريم على خلاف الكتب السابقة المنزلة على الأنبياء السابقين، فتلك كلف بحفظها ربانيوها وعلماؤها، ولكنهم عجزوا عن حفظها ورعايتها وبقائها سالمة من التحريف والتبديل. أما القرآن الكريم فقد تعهد الله بحفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]. ومن حفظه أن ألهم أبا بكر أن يقبل مشورة عمر في أن يجمع القرآن، كما ألهم عثمان أن يجمع ما جمع أيام أبي بكر في كتاب واحد ويحرق ما عداه مما خلط به بعض كتاب التفاسير والشروح والبيانات، وقد خاف عثمان وغيره من أصحاب رسول الله ﷺ من أن يختلط الأمر على من يأتي من المسلمين بعد، فيخلط ما ذكر شرحاً وبياناً مع الوحي، فيصبح القرآن كالتوراة والإنجيل، ولكن ذلك لا يتم؛ لأن الله الذي تعهد بحفظه، فجمعته الصدور، وكتب في السطور، وتلي في المحارب والمساجد والمعابد. وهكذا توارثناه لفظاً لفظاً، وآية آية عن آبائنا عن أجدادنا عن أجدادهم عن رسول الله ﷺ ، وهكذا تلوناه وحفظناه عن شيوخنا وعن أساتذتنا عن مشايخهم متواتراً، مطبقاً على ما فيه حركة وسكنة وسور وآي، وبكل ما بين دفتيه. قد يقرأ اليهودي من التوراة، ويقرأ النصراني من الإنجيل ممن يدعى أنهم علماؤهم فيبدل ويغير ويزيد وينقص، ولا يجد من يقول له أخطأت، ولكن كتاب الله إذا تلاه تال وسها عن كلمة وغلط في آية تجد الحاضرين جميعاً يصيحون في وجهه أن ليست التلاوة كذلك، وإنك قد أخطأت وغفلت وسهوت، دون حاجة للرجوع للمصاحف، على أن ما في المصاحف يؤيد كل ذلك ويزكيه ويعززه ويؤازره. ومن هنا كان نص الكلام في كتاب الله هو هو، كما كان يتلوه ﷺ في بيت الله الحرام وفي مسجده النبوي، وحيثما انتقلت سفراً وحضراً، سلماً وحرباً.

стр. 258

تفسير قوله تعالى: (خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملاً) قال تعالى: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً﴾ [طه:١٠٠ - ١٠١]: أي: هذا الذي يأتي كافراً به، مكذباً بما فيه يأتي يوم القيامة وهو يحمل الأوزار والآثام خالداً في ذلك، وهي ذنوب أهل الشرك والكفر في جهنم أبداً سرمداً. فمن لم يؤمن بالقرآن فقد كفر، ومن لم يؤمن بمحمد نبياً ورسولاً فقد كفر، ومن لم يعمل بما جاء في كتاب الله على أنه وحي الله فقد كفر، فهو يأتي يوم القيامة مثقلاً بالذنوب والآثام، ويكون بذلك خالداً في جهنم، خالداً في وزره، خالداً في ذنوبه وآثامه، وما ذاك إلا خلود في جهنم أبداً سرمداً إلى حيث لا نهاية. ﴿خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ [طه:١٠١]: أي: ساء ما يحملونه من ذنب يوم القيامة عندما يأتون، فإنها أثقال تحمل الأوزار وتحمل الذنوب والمعاصي وتقود حاملها إلى النار وإلى السوء. يا سوءتاه ويا ما كثرة السوء من حمل ذلك! يأتي سيئ العقيدة، يأتي سيئ الحظ، يأتي بالسوء بدخوله جهنم وهو يحمل أثقالاً وأوزراً وآثاماً.

стр. 259

تفسير قوله تعالى: (يوم ينفخ في الصور) قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ [طه:١٠٢ - ١٠٣]. يكون هذا المجيء وهذه الأثقال والأوزار التي يحملها على عاتقيه من مات وهو لا يؤمن بكتاب الله يوم القيامة. وذلك يوم ينفخ في الصور، ويوم النفخ في الصور هو يوم البعث، عندما يفنى الكل ويموت، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. والصور قرن على قدر السماوات والأرض يكلف به ملك اسمه إسرافيل، وإذا كان هذا الصور قدره قدر السماوات والأرض، فالذي يحمله لينفخ فيه كم يكون طوله وعرضه وثقله، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨]. قال ﷺ كما في الصحاح: (كيف أسر وملك الصور فاتح فاه محن رأسه على الصور ينتظر الإذن لينفخ فيه)، وهما نفختان بين كل نفخة ونفخة أربعون عاماً. والعام من أعوام القيامة، أي: اليوم فيه كألف سنة مما تعدون. فينفخ النفخة الأولى فلا تبقى حياة في الأرض أبداً، ولا في السماوات ولا في البحار ولا في عمق الأرض. وبعد أربعين ينفخ ثانية فينتصب الخلق قياماً لله، زاحفين إلى الحشر، متخافتين لا يسمع لهم إلا الهمس ووقر أقدامهم على الأرض وهم يتخافتون ويتسارون: كم لبثنا وكم أقمنا في الأرض؟ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [طه:١٠٢] يأتي هؤلاء بأثقالهم، وبذنوبهم، وبمعاصيهم. والمقصود: النفخة الثانية عندما يقومون منتصبين للعرض على الله، وإسرافيل يقول: يا أيتها العظام النخرة، يا أيتها الجلود الممزقة، يا أيتها اللحوم المنتثرة في الرمال وفي الأرض وفي التراب استجيبي لله، فينتصب الكل قياماً ويلهمون المشي إلى أرض المحشر. وقد ورد عنه ﷺ أن أرض المحشر هي أرض الشام، والتي هي مهاجر إبراهيم، والتي دعا لها ﷺ من بعد الهجرة إلى المدينة وإلى مكة وإلى الحجاز، والتي قال عنها ﷺ : (في مدينة من خير مدائن الدنيا يقال لها دمشق). قوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه:١٠٢]: أي: يحشر الله ﷻ المجرمين ويسوق الناس إلى المحشر حفاة عراة غرلاً. وعندما سمعت ذلك أم المؤمنين عائشة من رسول الله ﷺ قالت: (يا رسول الله، أنكون هكذا عراة ينظر بعضنا لبعض؟ فقال لها ﷺ : هيهات، كل في ما يشغله). ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]. فلا فراغ لأن يرى أحد أحداً، وهيهات قد انتهى يوم ذلك، كل يقول: نفسي نفسي! ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [طه:١٠٢] مبني للمجهول الذي بينه ﷺ وأنه إسرافيل. ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه:١٠٢]: أي: المشركين الكافرين الظالمين، يحشر الكل، ولكن الذي يحشر أزرق على غاية ما يكون من الآلام البدنية والنفسية هم المجرمون، والإجرام هنا الشرك بالله، وليس بعد جريمة الشرك جريمة. زرقاً: جمع أزرق. قالوا: زرق العيون، هكذا فسرها ابن عباس حبر القرآن. قال: وشدة الغم، وشدة الهم، وشدة البلوى والمصيبة تجعل هذا المجرم المعذب في غاية ما يكون من الذهول بحيث لا تطبق عيناه ولا أهدابه، فيشتد ألمه حتى يصبح البياض أزرق، لا كالزرقة التي تكون بالفطرة فيمن يخلق الله فيه ذلك، ولكن زرقة الألم والوجع. وقيل: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه:١٠٢] أي: عمياً، تزرق أعينهم فلا يقدرون على الإبصار. وقيل: عطاشاً، وإذا اشتد عطش الإنسان ولم يشرب تتأثر بذلك عيناه حتى تزرقا. والمقصود من الآية: أن هؤلاء المجرمين يحشرهم الله للعرض عليه على غاية ما يكونون من حمل الأوزار والأثقال والذنوب والآثام، وهم مجهدون في الأبدان وفي النفوس على غاية ما يكون من الألم والجهد.

стр. 260

تفسير قوله تعالى: (يتخافتون بينهم) قال تعالى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ [طه:١٠٣]: يتخافتون: يتسارون، والخفوت: الصوت الذي لا يكاد يرى منه إلا حركة الشفتين، فلا يكاد يسمعه من بجانبه. فهم يتساءلون: كم لبثنا؟ وكم أقمنا في قبورنا؟ وكم أقمنا ما بين النفخة الأولى والنفخة الثانية؟ ولكون الدنيا مهما طالت فهي قصيرة بالنسبة للآخرة، يقومون وكأنهم لم يعيشوا قط، وهذا ندركه في الحياة قبل الممات، فكل من زادت سنه عشر سنين يتصور أن السنين العشر لم تكن، وقل هذا على ابن العشرين فالثلاثين فالسبعين فالتسعين فالمائة. فلا يرى إلا أن هذه السنين كأنها لحظات، ولا يبقى له منها في نفسه إلا الصدى. فنحن الآن نقرأ أخبار هذه الأمم في كتاب الله وحديث رسول الله ﷺ ، وقد مضت عليهم القرون والآلاف من السنين ومع كل ما أمضوه من ذلك أصبحوا كلمات على الأوراق، وقصصاً تحكى، والذي جاء من التراب عاد إلى التراب وكأنه لم يكن. ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ [طه:١٠٣]: يقول بعضهم لبعض مبالغاً في تقدير الزمن الذي عاش فيه سواء بين النفختين أو في حياته: ما لبثنا وأقمنا في قبورنا أو ما بين النفختين إلا عشرة أيام. يقول تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه:١٠٤]. فالله ﷻ يقول: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [طه:١٠٤] أي: رغم كونهم يتحدثون سراً حتى لا يكاد الكلام يسمع، ولكن الله ﷻ يعلم ويسمع ما يتخافتون به وما يقولونه، فأخبرنا بما يقول المجرمون، ونرجو الله أن يجعلنا من أهل الجنة البعداء من النار. ﴿أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ [طه:١٠٤]: أي: أعقلهم وأوسعهم فهماً وإدراكاً في نفسه. ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه:١٠٤]: كل ما مضى من حياتهم وما بين النفختين لا يتجاوز اليوم.

стр. 261

تفسير سورة طه [١٠٥ - ١١٢] عندما تقوم الساعة تزلزل الأرض وتنسف الجبال حتى تصير قاعاً صفصفاً، وحينئذٍ تخضع الرقاب وتذل الجبابرة لله الواحد القهار، فلا تنفع الشفاعة إلا بإذن الله لمن رضي له.

стр. 262

تفسير قوله تعالى: (ويسألونك عن الجبال) قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ [طه:١٠٥]: قيل: إن رجلاً من الطائف سأل رسول الله ﷺ : أين الجبال على سعتها وعرضها وطولها وثقلها، أين تكون إذ ذاك؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٥ - ١٠٧]. يقول الله تعالى لنبيه: قل يا محمد عندما يسألونك عن هذه الجبال على طولها وعرضها وثقلها الذي استقرت به الأرض فلم تمل يميناً ولا شمالاً ولم تنقلب بأهلها: (ينسفها ربي نسفاً). قوله تعالى لنبيه: ﴿فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه:١٠٥]: أي: يطيرها ويذرها في الهواء هباء وكأنها لم تكن، فتصبح هباءً منثوراً، فكما قال لها يوم خلقها: كوني فكانت، يعود فيقول لها يوم القيامة: اذهبي، فتذهب وتصبح ذرات وهباءً إلى ألا يبقى منها حتى الذر. ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه:١٠٦] والقاع الأرض المستوية، والصفصف الملساء. وأكد الله فقال: ﴿لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٧]: أي: لا ترى فيها حفراً ولا وهاداً ولا ودياناً. والأمت: التلال والجبال الصغيرة. تصبح قاعاً صفصفاً، مستوية ملساء لا حفرة فيها ولا تل ولا اعوجاج، ولا ما يحول دون البصر لمن يريد أن يرى هؤلاء الخلائق واقفين معروضين على الله منذ آدم إلى آخر مخلوق على وجه الأرض. فالكل يقف معروضاً على الله، محشوراً إليه، ينتظر السؤال هل هو إلى جنة أو إلى نار، هل هو ممن يحمل كتابه بيمينه أو هو ممن يحمل الكتاب بشماله؟

стр. 263

تفسير قوله تعالى: (يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له) قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه:١٠٨]. والداعي هو إسرافيل يدعو بالصور في النفخة الثانية، يوم يدعو الكل إلى الذهاب والمشي إلى ساحة العرض على الله يوم الحساب. ﴿يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾ [طه:١٠٨]: أي: من يدعونا بأمر الله للاستجابة إلى الله. ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ [طه:١٠٨]: أي: لا اعوجاج ولا زوغان ولا فرار، ولا يستطيع أحد أن يختفي من هذا الداعي. ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه:١٠٨]. أي: تخشع الأصوات فتخفض وتخضع بالقول، ولا تكون مرتفعة، فلا تسمع إلا همساً. وذكر الرحمن في هذا الموطن رحمة من الله وكرم، وإلا فهو يوم الجبروت، ولكنه جبروت على أهل الكفر والمعصية، ورحمة بالمؤمنين. ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه:١٠٨]. أي: أن هؤلاء عندما يتكلمون لا يتخافتون إلا همساً، والهمس لا يكاد يكون معه إلا حركة الشفتين، وهو ما يطلق على حركة الشجر، وما يطلق على حركة الماء دون أن يكون هناك أمواج. فيكون حديث هؤلاء وهم مشاة إلى الله ﷻ ومتبعون الداعي إسرافيل، فيتحدثون: ما الموقف؟ وما المآل؟ وهل نحن من أهل الجنة أو من أهل النار؟ على أن الكلام هنا عن المجرمين، فهم الذين سيكون الحال شديداً عليهم، فلا يرون أمامهم -وهم أعلم بأنفسهم- إلا العذاب واللعنة والغضب. ومن أول يوم فإنهم يزعجون إزعاجاً، وذلك عندما ينفخ في الصور، فيدعون للاستجابة وللعرض على الله في اليوم الذي طالما أنكروه في حياتهم، فقد أنكروا البعث، وأنكروا الحياة بعد الموت، وأنكروا الجنة والنار، وأنكروا العرض على الله، وأشركوا مع الله غيره. فهؤلاء عندما يعيشون في واقع ما كانوا ينكرونه تجدهم بين الهمس والخفوت والتحدث بأصوات ذليلة خاشعة، فيتحدث أحدهم مع من بجانبه فلا يكاد يسمعه، ولا يكاد يفهمه إلا من حركة شفتيه. وكما في حديث السيدة عائشة: (من نوقش الحساب عذب). ولا يعذب إلا المجرمون الكافرون المشركون، وأما المؤمن فمهما صدر منه إذا مات على التوحيد، وعلى اليقين بالله واحداً وبمحمد نبياً ورسولاً، فإنه إما أن يغفر الله له إن شاء ذلك، وإما أن يعذب برهة -الله أعلم بقدرها- ثم يخرج بعد ذلك إلى الجنة بالشفاعة لمن يأذن الله تعالى له بأن يشفع.

стр. 264

تفسير قوله تعالى: (يومئذ لا تنفع الشفاعة) قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه:١٠٩]. في يوم الحشر، ويوم العرض على الله، ويوم البعث من الموت إلى الحياة الخالدة في الجنة لأهل الجنة، والخالدة في النار لأهل النار، فإن هؤلاء لا يطمعون في أن يشفع لهم أحد إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً. قال ابن عباس: هذا القول هو لا إله إلا الله، أي: لا يشفع إلا المؤمن، ولا يشفع إلا للمؤمن. وأما من مات مشركاً فهو يائس من الجنة، ويائس من الرحمة، والله لا يغفر لمشرك كافر أبد الآباد. فالمذنب إذا مات مؤمناً غير مشرك فإنه يطمع في رحمة ربه، وأما الكافر فلا يرحمه الله، ولا بد من عذابه خالداً مخلداً كخلود المؤمن في الجنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. وإذا كان المشرك لا غفران له إذاً فلا شفاعة له، وإذا كانت الشفاعة بإذن الله ولا يشفع أحد إلا بإذنه، فإن الله لا يأذن إلا لمن رضي قوله شافعاً ومشفعاً، بأن يكون الشفيع موحداً مؤمناً، وأن يموت المشفوع له أيضاً مؤمناً، وقد رضي الله قوله، وهو يعلم أن لا إله إلا الله. والشفاعة لا تكون إلا من الأنبياء والصالحين، وهؤلاء أطوع لله من أن يكونوا فضوليين في الشفاعة بلا إذن. وليست الساعة ساعة معصية، وهم في الدنيا كانوا مطيعين فكيف يعصون يوم القيامة ويشفعون بلا إذن. ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [طه:١٠٩]، فلا تنفع الشفاعة مجرماً، ولا تنفع عاصياً إلا لمن أذن الله له أن يشفع بخصوص هذا المشفوع فيه، ووصْف ذلك وعلامته وبيانه أن يرضى الله قول الشافع الذي سيشفع بعد إذن الله، وقول المشفع فيه الذي ستنفعه الشفاعة.

стр. 265

تفسير قوله تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]. أي: يعلم ما قدموه من أعمال صالحة أو طالحة، وما صنعوه في دار الدنيا من طاعة لله ولرسل الله: من تحليل الحلال وتحريم الحرام، والله في هذه الساعة هو وحده العليم، فهو أعلم بأنفسنا من أنفسنا، فيعلم من الذي كان في الدنيا يعمل الصالحات، ومن الذي كان يعمل الطالحات، وماذا سيستقبلنا، فالصالح له الصلاح، وله الرحمة والرضا، والطالح له اللعنة والغضب. فيعلم ما بين أيديهم، أي: ما هو أمامهم، وما سيستقبلهم، ويعلم عرضهم على الله تعالى، وإلى أين يكون مآلهم إلى جنة أو نار، ويعلم ما خلفوه في دار الدنيا من معصية وكفر وجحود، فعلى أساس ذلك من يعمل الصالحات يلق صالحات، ومن يعمل الطالحات يلق طالحات. وفي هذه الساعة يحتاج الإنسان إلى الزاد، ولا زاد هنا إلا التقوى، والدنيا قد ذهبت بما فيها واندثرت، فخلّف الإنسان زوجته لغيره، وأولاده لأنفسهم، والأموال يقتسمونها، ولا يلحقه للآخرة إلا العمل الصالح، ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧]. قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]: لا يحيط مخلوق بعلم الله، بل ولا يعلم إلا النزر القليل مما علمه الله إياه، فهي كلمات أفادته في الدنيا، وكلمات ستفيده في الآخرة، وأما علم الله الذي وسع كل شيء، فلا يحيط به ملك مقرب ولا نبي مرسل، فلا يحيط بعلم الله إلا الله الذي وسع علمه كل شيء، وأحاط بعلم كل شيء، وهيهات أن يعلم المخلوق من علم الخالق إلا ما لا يكاد يذكر. ونحن نعلم القصة التي قصها الله علينا في سورة الكهف بين موسى والخضر، والتي دلت على علم الله الواسع الذي لا يحاط به، فعندما سئل موسى كليم الله: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال: لا، قال الله له مؤدباً: بلى! عبدي الخضر، قال: يا رب اجمعني به، فجمعه به بعد محنة وعذاب ومشي من المشرق إلى المغرب حتى وصل إلى مجمع البحرين: البحر الأبيض والبحر المحيط، فكان ما كان واجتمع به، وأراه من غرائبه وعجائبه، وموسى لم يتحمل ذلك لأنه لا يعلمه، وبعد أن أراه وأطلعه على ثلاثة من القضايا في العلم واستقرت نفس موسى رأيا طائراً صغيراً وقف يشرب من البحر بمنقاره فقال الخضر: يا موسى! ما علمي وعلمك أمام علم الله إلا كهذه القطرة التي يأخذها هذا الطائر من البحر، وماذا عسى أن تكون هذه القطرة من البحر! قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧]. يقرب لنا الله ﷻ سعة علمه بأنه لو كانت بحار الأرض كلها حبراً ومداداً، وكانت جميع أشجار الأرض قد بريت أقلاماً، وأخذت هذه الأقلام تكتب وتستمد من هذه البحار لجفت البحار، وبعدها سبعة أبحر من أنواعها، وتبقى كلمات الله وعلم الله لا ينفد ولا ينتهي، فكيف يحيط بعلمه ﷻ أحد من الخلق، وأين الخالق من المخلوق؟! قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]: أي: علمهم لا يحيط بالله ولا يعرفون له حقيقة، فكل ما يخطر ببالك فربنا مخالف لذلك، ولكن الذي نعلمه ونوقنه وأتى به كتاب ربنا، وزادته سنة نبينا بياناً وشرحاً وتفسيراً: أن الله هو المتصف بكل كمال، المنزه عن كل نقص، ذو الصفات العلى، والأسماء الحسنى، الخالق الرازق، القيوم على خلقه، المحيي المميت، الذي لا أول له ولا نهاية، فكان الله ولا خلق، وسيفنى الخلق ويبقى الله، والله هو الخالق الرازق القادر على كل شيء.

стр. 266

تفسير قوله تعالى: (وعنت الوجوه للحي القيوم) قال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه:١١١]. أي: خضعت الوجوه وخنعت لله، خضعت وجوهنا وجباهنا ساجدين، ولنا الشرف بذلك. والحرية كل الحرية في العبودية لله، والعبودية كل العبودية في التأله على الله والكفر به، وهؤلاء المرتدون الكفار عندما يصفون أنفسهم بالتحرر والحرية ويكفرون بالله يكونون أذل نوع من العبيد، وأحقر من في الأرض، فقد استعبدتهم شهواتهم، ونزواتهم، وبطونهم، وفروجهم. وأما المتحرر فهو الذي علم لله حقه فخنع له وعنى وجهه له، ومن هنا يقال للأسير العاني، أي: الذليل بين يدي آسره، ذاك بالنسبة للخلق بعضهم مع بعض، أما الذل لله فهو أشرف وصف، ولذا وصف به نبينا في القرآن عندما سماه عبد الله، وأشرف صفة يتشرف بها مخلوق أن يكون عبداً لله، ومن هنا لا يجوز ولا يليق ولا ينبغي أن تحنى هذه الجباه التي خلقها الله بيده إلا لخالقها، ومن هنا كان مالك يسمى حني الرأس سجدة صغرى. ومن هنا كان السجود لغير الله حراماً، وقد حاول بعض الأصحاب وقد رأوا أتباع كسرى وقيصر ينحنون له، رأى ذلك معاذ بن جبل وغيره، فعندما عاد لرسول الله ﷺ قال له: (يا رسول الله؛ أنسجد لك؟ قال: لا، لا يكون ذلك إلا لله، ولو كنت آمراً أن يسجد أحد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها)، لو: حرف امتناع لامتناع، منعت الزوجة من السجود للزوج؛ لأن السجود لا يكون إلا لله. ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه:١١١] أي: ذلت وخضعت فلا إله غيره، ومن هنا نسجد لله في الفرائض الخمس في كل ركعة، فنسجد على سبعة أعضاء: على الجبهة والرأس واليدين والركبتين وأصابع الرجلين، ولا يتم ذلك ما لم تكن الجبهة ملتصقة بالأرض، إلا إذا كان هناك مانع من مرض، فما جعل علينا في الدين من حرج، يقول ﷺ : (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم). ومن هنا كانت الصلاة جلوساً، ومن هنا كانت الصلاة إيماءً، ومن هنا كان الصلاة إشارة، فالصلاة لا تسقط إلا عن شخصين: لا تسقط إلا عن غير المكلفين، وإلا فهي واجبة على العبد ما دام حياً ولو في الغرغرة، إلا إذا فقد عقله فقد سقط ما وجب؛ لأنه أخذ ما أعطى، فلا تسقط الصلاة إلا لإغماء أو جنون، وللمرأة لحيض أو نفاس، وكذا الصغير لعدم البلوغ، على أن الصغير أمر وليه ومربوه أن يؤدبوه على الصلاة وهو ابن سبع؛ لأن الصلاة إذا لم يعتدها الإنسان من الصغر لا يكاد يثبت عليها ولا يلازمها. ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه:١١١]. الوجوه هي أشرف ما في الإنسان، لم تخضع ولم تضع جباهها على التراب، ولم تذل إلا لله الحي القيوم الحق الواجب الحياة، الحي الدائم، وأما حياتنا فهي حياة زائلة، لم تكن فكانت بإذن الله، وستعود للتراب بأمر الله. أما الحي الدائم واجب الحياة فهو الله القيوم القائم على كل شيء، والمقتدر على كل شيء، والرازق لكل شيء، والقائم بكل شيء، له حياتنا، وله مماتنا، وعليه رزقنا، منه العز ومنه المغفرة ومنه الرضا؛ لأننا خلقه وملكه، والمالك لا يلام إذا تصرف في ملكه بما يراه الصالح، والله ﷻ الخالق المختار يصنع ويعامل خلقه كما يشاء، على أن الله ﷻ حرم الظلم على نفسه كما حرمه على غيره. ففي الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا)، مع أن المتصرف في ملكه لا يعد ظالماً إن صنع به ما شاء. ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه:١١١]، الحي الذي لا ينام، الذي لا يغفل ولا ينسى، القيوم على كل شيء، الذي لا يغفله شيء عن شيء، ولا ينسيه شيء شيئاً، ولا يسهو ولا ينام، هو القائم بأرضه وبكونه وبخلقه وبملائكته وبإنسه وبجنه، وبجميع ما في العوالم، هو الذي خلق ذلك ودبره وقام عليه، القيوم المدبر للأشياء والقائم على الأشياء، والرازق للأشياء، والذي يرى لها ما ينفعها مآلاً، وما ينفعها حالاً. ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه:١١١]: والظلم الشرك، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، أي: قد خاب وخسر، وذل وهان من حمل ظلماً، أي: من كان وزره الشرك وظلمه الشرك، وكان ظالماً لنفسه، بل لم يعط الله حقاً بأن يعبده وحده، وبأن يعتبره وحده الخالق القيوم الحي الدائم. وهذه حال المجرمين، وحال الكافرين، فإن الله ﷻ لا يكاد يذكر بطشه وقدرته وجلاله حتى يصحب ذلك برحمته وبمغفرته، كما يذكر أهل النار، ويذكر بجانبهم الجنة ليرقق قلوب أهل النار فيعودون لله عابدين تائبين، ويخوف أهل الجنة ما داموا أحياء حتى يثبتوا ويلتزموا، ولا يغرهم الشيطان فيرتدوا على أعقابهم.

стр. 267

تفسير قوله تعالى: (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن) قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢]. (من) هنا للتبعيض، لم يطلب من الإنسان بأن يفعل جميع أنواع الصالحات، فهو أضعف من ذلك وأعجز، ولكن على الأقل يعمل من الصالحات بعضها حسب أمره، وهذا يفسره قول النبي ﵊: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم). أمرنا الله تعالى بالتطهر ماءً، فإن عجزنا عن الماء لمرض ونحوه ننتقل للصعيد الطيب، وأمرنا بالصلاة قياماً، فإن عجزنا لمرض أو لركوب طائرة صلينا جلوساً؛ لأنه لا يمكن للمريض وكذلك راكب الطائرة إلا ذلك. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [طه:١١٢]: أي: لا بد من شرط الإيمان، فلا صلاة ولا زكاة ولا عبادة إن لم يكن هناك إيمان.

стр. 268

تفسير سورة طه [١١٣ - ١١٦] أرسل الله سيدنا محمداً ﷺ من العرب وأنزل عليه كتابه بلغته التي هي خير اللغات وأفصحها، حجة قائمة على الناس، فمن أعرض عنه فإنما يحمل يوم القيامة أوزاراً ويصلى ناراً.

стр. 269

تفسير قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً وصرفنا فيه من الوعيد)

стр. 270

معنى قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً) قال تعالى: ﴿((وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه:١١٣]: أنزل القرآن بلغة العرب وبأساليبهم وبقواعدهم وبمفرداتهم، ومن هنا لم تبق اللغة العربية لقوم من الناس خاصة، فقد قال ﵊: (من تعلم العربية فهو عربي، ليست العربية لكم بأب ولا أم، وإنما هي لسان). ومن هنا اعتبرت بلاد المغرب التي تتكلم العربية عربية، ومصر عربية، والعراق عربية، بل وكل شخص نطق العربية فهو عربي، والأصل آدم أباً وحواء أماً، وما اللغات واللهجات إلا أداة للتعبير عما يجول في النفس. قوله: ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ [طه:١١٣]. أي: بينا وأوضحنا وفصلنا، وهو الإيعاد والنذارة والتهديد لمن لم يؤمن بالله رباً، وبمحمد رسولاً، وما كانت البشارة إلا بالقرآن العربي، وما كانت النذارة إلا بالقرآن العربي، بل وفي العصور الأولى الثلاثة الفاضلة نجد معارف الإسلام كان أكثر من قام بها وتخصص فيها من غير العرب، فنجد الكتب الستة التي أثبتت السنة مغربلة مصححة، بعيدة عن الكذبة والكاذبين، أعني: صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن ابن ماجة وسنن النسائي؛ إنما صنفها رجال من غير العرب. بل اللغة العربية اهتم بقواعدها وأحكامها سيبويه وألف كتابه (الكتاب)، وهو غير عربي، وتفسير محمد بن جرير الطبري يعتبر أعظم تفسير للقرآن، ومؤلفه ليس من العرب. وهكذا في علوم القرآن، وعلوم السنة، ونجد في المذاهب الأربعة مذهباً وسع الدنيا وحكمها قروناً بعد قرون، -أعني مذهب أبي حنيفة - وما كان في الأصل إلا فارسياً. ولم كل ذلك؟ لأنهم آمنوا بالله رباً وبكتابه وحياً؛ وقد نزل بالعربية، وأن الإسلام ينبغي أن يكون كذلك؛ لأنه لا يتم فهمه ولا تعلمه ولا دراسته إلا باللغة التي أنزله الله بها، فتعلموها منذ الصغر، وأصبحوا عرباً كبقية العرب؛ لأنه كما قال رسول الله ﷺ : (إن العربية ليست لكم بأب ولا أم وإنما هي لسان). بل إن إسماعيل الجد الأعلى لنبينا ﵊ أتى به إبراهيم من العراق -أرض بابل- طفلاً صغيراً، وفي الأصل لم يكن عربياً، فجاء إلى مكة ونشأ بين جرهم من قبائل العرب، فاستعرب وأصبح من سادة العرب وفصحائهم، وبعد قرون أصبحت العربية لغة منتشرة واسعة، وصارت أوسع اللغات على الإطلاق، وما كتب فيها يعد بآلاف المجلدات، ولا يزال إلى الآن كتابٌ جامع في لغتها يسمى (السماء والعالم) لـ أحمد بن أبان في مائة مجلد، ولا يزال موجوداً في المكاتب وخاصة في مكاتب المغرب، وكله في لغة العرب ودقائقها وتعابيرها. وما لسان العرب المطبوع لـ ابن منظور الإفريقي الذي طبع في عشرين مجلداً ضخماً إلا دليل على أن هذه اللغة أوسع اللغات، ولا يضرها تنكر من تنكر لها من قومها أو غيرهم، فعندما يحارب شيئاً فإنما يحارب ما يتعلق به، فحرب العربية حرب للإسلام، ومجابهة العربية مجابهة للنبي العربي ﷺ .

стр. 271

معنى قوله تعالى: (وصرفنا فيه من الوعيد) وقوله: ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه:١١٣]. بين الله هذا الكتاب العربي وفصله وأوضحه مجملاً ومفصلاً، وأوعد به من لم يؤمن به من جميع الناس، عربهم وعجمهم، وأنذرهم بالنار خالدين فيها، وأنذرهم باللعنة والطرد من الرحمة إن لم يؤمنوا بهذا الكتاب أنه وحي من الله، ويؤمنوا بهذا النبي العربي الهاشمي رسولاً. فقوله: ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [طه:١١٣]. أي: صرف الله في القرآن للناس وبين وأوضح لعلهم يتقون الذنوب والمعاصي والفواحش فلا يرتكبونها ولا يقربونها بحال، ويجعلون بينهم وبين المعاصي وقاية وحاجزاً، ويقومون بما أمر الله به من توحيده وطاعته وطاعة نبيه، وما أمر به من عبادات، وحسن معاملة، ومن صلة أرحام، وإحسان للمسلمين، والوقوف يداً واحدة في وجوه أعداء الله وأعداء رسوله والإسلام. قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه:١١٣]. المعنى: لعلهم يرعوون ويعودون إلى الله تائبين منيبين، ويحدث لهم ذكر، والذكر الشرف، أي: يحدث لهم شرف الطاعة والإيمان، وشرف اليقين، وشرف العبودية لله والإيمان برسوله ﷺ ، ومنه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف:٤٤] أي: شرف لك أن الله ﷻ اختارك للرسالة العامة، ولقومك أنهم كانوا جندك وأنصارك والمهاجرين معك، والذين بذلوا أنفسهم لأجل الإسلام. مات ﷺ والإسلام لم يخرج بعد من جزيرة العرب، وما خرج وفتحت الدنيا إلا على يد أصحابه من المهاجرين والأنصار، فكان محمد رسول الله إلى العرب والناس كافة، وكان أصحاب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه رسل رسول الله إلى غير العرب. وما مات ﷺ وذهب للرفيق الأعلى حتى كان العرب جميعاً قد أسلموا، ولم يبق منهم كافر، ومن جاء بعد وزعم أنه نصراني أو يهودي فقد كذب، لأن هؤلاء قوم كانوا من أجناس أخرى فتعلموا العربية وأصبحوا يقولون إنهم عرب بلا دين بلا إسلام، وهم كذابون. أما عمر فقد فتح الشام وفتح العراق وفتح مصر وفتح المغرب وفتح بلاد فارس، حيث بشر النبي ﷺ في حياته عندما مزق كسرى رسالة النبي ﵊: (مزق الله ملكه كما مزقها، لا فارس بعد فارس، ولا كسرى بعد كسرى). وهكذا ما كادت تمضي سنوات على الوفاة النبوية ويأتي عبقري الخلفاء الفاروق عمر حتى خضعت فارس للإسلام، فلم يبق فيها إلا مسلم أو ذمي، وبقيت هكذا وإلى عصرنا، فهي ولاية من ولايات المسلمين، وجزء من العالم الإسلامي.

стр. 272

تفسير قوله تعالى: (فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن) قال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]. الله ﷻ ينزه نفسه، ويعلمنا أن نقدسه ونعظمه، ونعرف مقامه وجلاله، بعد أن ذكر كفر الكافرين ممن أشرك مع الله وعبد العجل، وعبد الحيوان، وعبد الملك، وعبد الجن، وعبد الإنس، وجعل الآلهة ثلاثة، أو اثنين، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وقال الله بعد قصه لذلك: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه:١١٤]. أي: تعالى عن شركهم، وتقدس عن كفرهم وجحودهم، فهو الملك الحق الذي لا ملك معه، وما الملك في الأرض إلا عارية تزول عما قريب، فالملوك جاءوا من التراب ويذهبون إلى التراب وكأنهم لم يكونوا، ولكن الله ملك الملوك الدائم الحق القيوم هو ملك الدنيا وملك الآخرة، ولذلك كان يقول ﷺ : (أخنع الأسماء رجل تسمى ملك الملوك) أي: أذل الأسماء وأحقرها هذا العبد الذي يحاول أن يسمي نفسه باسم الله، فيكون ذليلاً في الدنيا، حقيراً في الآخرة معذباً. ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه:١١٤]: هو ﷻ الحق في ذاته، والحق في صفاته، والحق في أفعاله، والحق ﷻ في أسمائه الحسنى، وما أتى به الحق، وما تكلم به الحق، فالنار حق، والجنة حق، وعذاب القبر حق، والعرض على الله حق، ولذلك كان من أسماء الله الحسنى الحق، فيتسمى العبد باسم: عبد الحق. قوله: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه:١١٤]: فقد كان ﵊ عندما ينزل عليه جبريل بآية أو آيات يسابق جبريل فيتلو تلك الآية معه، كما قال الله: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة:١٦]. فكان يعجل ﵊ حرصاً منه على عدم نسيان آية من الآيات، وحرصاً منه على حفظها منذ نزول الوحي عليه من جبريل عن الله، فقول الله: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾ [طه:١١٤]، معناه: لا تعجل بتلاوته حال نزول الوحي عليك. فالله ﷻ نهاه عن ذلك، وتكفل وتعهد بأن ما يريد جمعه ﵊ من القرآن وعدم نسيانه وتفلته وحفظه ووعيه أن مهمة ذلك على الله، أي: دع الأذن تسمع، ودع الحواس مع الوحي وقت نزوله، ولا تعد ذلك ولا تكرره إلا بعد أن ينتهي جبريل من بلاغك ما أمر بتبليغه، وفي هذه الحالة تعهد الله لك بجمعه في صدرك، وبقراءته من لسانك ليجمعه غيرك من أتباعك من المهاجرين والأنصار ومن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة، وليحفظوه وليقرءوه، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]. قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه:١١٤]. أي: الوحي الذي أوحى الله إليك بواسطة جبريل عليه وعلى نبينا السلام. قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]. ومعنى ذلك: أن العبد لا يستغني عن طلب العلم مدة حياته، فقد كان نبينا أعلم الخلق على الإطلاق ملائكة ونبيين، إنساً وجناً، ومع ذلك لا يزال في حاجة إلى التعلم فيطلب ربه أن يقول له: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]. وهكذا كان، فلقد روي في الأحاديث المستفيضة المتواترة أن النبي ﵊ كان ينزل عليه الوحي متتابعاً إلى وفاته، وهو يعي ويحفظ ويزداد علماً، وفي سنن الترمذي وابن ماجة ومسند البزار عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﵊ كان يدعو الله ويقول: (اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما لم أعلم، وزدني علماً، والحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار)، فكان يقول هذا امتثالاً لأمر ربه عندما قال له: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]. وإذا كان النبي ﵊ محتاجاً إلى أن يطلب المزيد من العلم إلى ساعة وفاته فكيف بنا نحن، ولذلك يقول النبي ﵊: (طلب العلم من المهد إلى اللحد)، أي: لا نهاية لطلب العلم، بل الإنسان وهو عالم، وهو مؤلف، وهو كاتب، وهو خطيب يزداد بذلك علماً لم يطلبه ولم يتعلمه ساعة الطلب، فهو في كل يوم في جديد من المطالعة والفهم والاستنباط، وجديد من المذاكرة، وهكذا إلى لقاء الله، وليس للعلم حدود، فالنبي ﵊ يعلمه ربه، وقد أمره بأن لا يعجل في قراءة القرآن قبل أن يقضى إليه وحيه؛ علمه أن يقول: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]. وهكذا كان ﵊ كل يوم في مزيد، بل كل ساعة في مزيد من العلم، ولذلك نحن نجد السنة النبوية في المدينة المنورة كانت أوسع وأشمل وأعم؛ لأن الوحي تتابع إلى المدينة وكثر وقوي فضم إلى علم مكة.

стр. 273

تفسير قوله تعالى: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه:١١٥]: الله ﷻ عاد فذكرنا بقصة آدم وقصة خلقه وإسجاد ملائكته له، ودخوله الجنة ثم خروجه ونزوله للأرض، وقد مضى ذلك مفصلاً مبيناً في سورة البقرة، وفي سورة الأنعام، وفي سورة الكهف. قول ربنا ﷻ : ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ﴾ [طه:١١٥]: أي: أمرنا آدم أمراً، وأوصيناه وصية من قبل الخلق كلهم، فما جاء الأنبياء إلا بعده وكلهم أولاده. ويمكن أن يكون ذلك العهد قبل نبوءته وقبل رسالته لتبقى النبوة محفوظة معصومة عن الذنوب والمعاصي، وسنجد في هذه الآي أن الذي كان من آدم مما كان قبل النبوة، فقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ [طه:١١٥]، أي: من قبل النبوة. وحاول بعض المفسرين أن يفسروها بما لا يليق بمقام آدم ومنزلته، ففسروا (من قبل) أي: وكما عصى هؤلاء وأخطئوا وزلوا أخطأ آدم وعصى وزل. ولا يقول هذا عالم محقق، ولا يجوز للواحد منا أن يقول: إن آدم عاص، لأنه لا يوصف الإنسان بالعصيان إلا مع التمرس عليه وتتابعه، كما لا يقال الخياط إلا لمن خاط حتى أصبح ذلك مهنته وعمله، ولا نقول للإنسان عاصياً إلا إذا عرف بالمعصية، وكل بني آدم خطاء سوى الأنبياء الذين عصمهم الله بحفظه. وقد قال الله بعد أن حكى قصة أكله من الشجرة: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ﴾ [طه:١٢٢] أي: اجتباه نبياً ورسولاً، فلم يكن قبل ذلك نبياً ولا رسولاً، ووقوع الذنوب من الأنبياء قبل الرسالة قد قاله البعض، ولا يخدش في عصمتهم؛ لأن العصمة متلازمة مع النبوة والرسالة، فإذا كان ذلك قبل الرسالة فلا معصية؛ لأنه قبل الرسالة لم يكن قدوة، ولم يكن أسوة، ومع ذلك فمن تكريم الله لأنبيائه أن من أذنب قبل النبوة فإنما صدر منه ما يعبر عنه بخلاف الأولى. وقد صان الله نبينا ﷺ قبل النبوة وبعدها، وقد سئل ﵊: (هل صدر عنك مما كان يصنع قومك من شيء؟ قال: مرتين فقط) وذلك أنه كان في البادية وسمع أن في مكة عرساً في الليل فنزل ليحضر، فعندما نزل ليحضر الغناء ما كاد يدخل دار العرس حتى غلبه النوم؛ يقول ﵊: (ما صحوت إلا وحر الشمس في ظهري)، ثم أعاد ذلك مرة ثانية، فعاد الله لحفظه وصيانته قبل النبوة، فضربه النوم فلم يصح إلا والشمس على ظهره ولم ير شيئاً. ولذلك ألهم أخريات العام الأربعين الذي سيكرم فيه بالنبوة أن يصعد إلى غار حراء وينفرد ويتعبد الليالي ذوات العدد، وكان تعبده التفكر في هذه السموات العلا، وهذه الأرض السفلى، وهؤلاء الخلق بين عزيز وذليل، وكبير وصغير، وسعيد وشقي، أليس لهم خالق، أليس لهم مدبر؟ وهكذا بعد أن هيأه الله لقبول الوحي والرسالة الثقيلة، وقبل أن يزل عليه جبريل ويقول له كفاحاً مواجهة: اقرأ! قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه:١١٥]. أي: عهدنا إلى آدم قبل إرساله ونبوءته. وقد يقول قائل: إنه كان نبياً لأولاده ولأسباطه، وقد عاش بينهم دهراً طويلاً، فنسي وغفل، وكما قال ابن عباس: ما سمي الإنسان إنساناً إلا للنسيان، ويقول قوم: سمي بذلك لأنسه، وكل ذلك صحيح، فالإنسان لا يستطيع العيش منعزلاً منفرداً، وإن حدث قد يصيبه ذلك بصرع وجنون وألم نفسي بالغ. ولو ذهبنا نتفكر في كل ما مضى من أعوامنا لما وسعتنا سنوات أخرى، وإن كنا نجد بعضنا أكثر حضوراً وذاكرة من الغير، أما البعض فما أسرع ما ينسى، فقد ينسى ما صنعه في أمسه! قوله: ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه:١١٥]، أي: نسي وصيتنا وأمرنا الذي سيبينه بعد بأنه قال له: ادخل الجنة ولك ألا تجوع فيها ولا تعرى، ولا تظمأ فيها ولا تضحى، وكلها متعة لك إلا هذه الشجرة فدعها، ولكن آدم ﵇ نسي هذه الوصية ونسي هذا الأمر. قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه:١١٥]: أي: لم تكن له إرادة قوية، ولم يكن له صمود على الحفاظ على الوصايا التي وصاه ربه بها، فغفل ونسي، ولأجل ذلك لم يكن من أولي العزم.

стр. 274

تفسير قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ [طه:١١٦]: أجمل أولاً ثم فصل، فقد أخبرنا في آية ماضية أنه عهد إلى آدم عهداً، وأوصاه وصية فنسي تنفيذها والقيام بها، ولم تكن له عزيمة، ولم يكن له صبر، ولم يكن له تصميم وذاكرة ليحفظ، ثم أخذ يفصل هذا الذي تركه فقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [طه:١١٦]. والقصة أن الله ﷻ أراد أن يخلق خلقاً ليعبدوه ويطيعوه، ولكن قضى أن يدخلوا الجنة أولاً، ثم ينسى آدم ويتسبب في نزولهم من الجنة مع زوجه حواء، ونبقى في الأرض للتعب والشقاء، وهي أيضاً مدرسة وابتلاء واختبار، وتكون بعدها إما جنة أو نار. فخلق آدم من تراب، جمع من مختلف تربة الأرض، من خصبها ومن صحرائها، ومن جبالها، ومن الأرض الرملية، ومن هنا خرجت ذريته بعضها أبيض ببياض التراب، وبعضها أسود بسواد التراب، بعضها ذكي لخصوبة الأرض، وبعضها بليد لعدم خصوبة الأرض، بعضها ناشف ويابس ومتحجر كالجزء الصحراوي من الأرض. وهكذا تغيرت الذرية وتشكلت بتشكل التراب الذي صنع منه آدم، وبقي آدم تمثالاً ترابياً (صلصالاً) أربعين عاماً، ثم نفخ الله فيه من روحه وقال له: كن بشراً سوياً فكان، وعندما وقف حياً ناطقاً متكلماً واعياً عاقلاً أمر الله الملائكة أن يسجدوا له، فسجدوا امتثالاً لأمر الله، ولا يليق بالعبد أن يتساءل في أمر ربه: لم؟ ويطلب الحكمة؛ ويوقف الطاعة إلى أن يعلم الحكمة، فهذا عمل الشيطان، وهو الكفر والجحود والعصيان. قوله: (فسجدوا) أي: فسجد الملائكة، وكان إبليس معهم في الجنة، ولم يكن منهم، فقد ذكر الله عنه في صريح القول أنه كان من الجن ففسق عن أمر ربه، فلم يكن من الملائكة، وقص الله عن إبليس السبب المبرر لعدم سجوده لآدم، فقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص:٧٦]. وأما الملائكة فليسوا من طين ولا من نار، ولكنهم مخلوقون من النور، فأصل الإنسان التراب، وأصل الملائكة النور، وأصل الشيطان وإبليس النار، وشتان بين النور والنار، فالنور مضيء والنار محرقة مدمرة، وقد تنفع ولكن عندما تكون في حدود النور، أما إذا جاوزت دمرت وخربت. ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [طه:١١٦] امتثلوا لأمر الله وسجدوا، ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ [طه:١١٦] أي: امتنع متعاظماً متكبراً، ولذلك كان التكبر من الأسباب الخطيرة لإفساد المرء ودخوله في الكافرين المشركين.

стр. 275

تفسير سورة طه [١٢٣ - ١٢٩] أخرج الله ﷻ أبانا آدم وإبليس من الجنة جراء معصية، وأهلك كثيراً من القرون بسبب ذنوبهم وجحودهم، وهو يتوعد من أعرض عن ذكره سبحانه بالعيشة الضنك والعمى يوم القيامة.

стр. 276

تفسير قوله تعالى: (قال اهبطا منها جميعاً) قال الله عزت قدرته: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣]. لا نزال مع أبينا الأعلى آدم وأمنا الأولى حواء وقد صنعا ما صنعا من أكل الشجرة المحرمة، ثم استغفرا ربهما فغفر لهما، ثم أرسل آدم بعد ذلك نبياً رسولاً إلى سلالته وإلى زوجته، ولكن مع ذلك أخرجهما من الجنة كما أخرج إبليس الذي كان مقامه بين الملائكة، ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [طه:١٢٣]. وقول الله: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [طه:١٢٣]، معناه: انزلا من الجنة إلى الأرض، والأمر لآدم وإبليس بدليل قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه:١٢٣]، فكان الجن أعدل للإنسان، وكان الإنسان عدواً للجن. ونزول آدم يلزم منه نزول زوجته معه فهي داخلة في الهبوط معه، ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [طه:١٢٣]. وهناك يحصل أحياناً خلاف لا ينبغي أن يذكر؛ لأنه لا معنى له وليس إلا من هذيان الجهلة والمتلاعبين، أو من دس الدساسين والإسرائيليين، ولكن هناك سائل سألني: هل الجنة التي أهبط منها آدم هي الجنة المعهودة الموعود بها المتقون والمؤمنون أو هي جنة أخرى؟ وكأن هذا السائل سمع من زعم من المبتدعة والجهلة أن هذه الجنة هي بستان ورياض في أرض عدن! وهذا كلام لا يقال ولا يذكر لسقوطه في نفسه؛ وذلك لأن الله عندما ذكر الجنة لآدم مناه بها وبالمقام بها، وحذره من إبليس فقال له: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ [طه:١١٨ - ١١٩]. وهل عدن وجنانها -إن كانت لها جنان- فيها هذا الوصف؟ وهل الجنة التي في عدن أو البساتين التي في مختلف قارات الأرض؛ هل فيها بستان يوصف بأن من أقام فيه لا يجد غماً ولا هماً ولا جوعاً ولا عطشاً ولا شيئاً مما وصف الله به الجنان؟ إذاً فإنما يذكر هذا من لا يعلم ولا يعقل ويريد أن يتلاعب بالفهم في القرآن، ومن هنا كان قول النبي ﵊ بأن التأويل بالرأي كفر، وهو أن الخروج بالتعابير العربية التي نزل القرآن عن معناها ومؤداها كفر وجحود لمعنى القرآن الحقيقي. ثم هنا يقول الله: ﴿اهْبِطَا﴾ [طه:١٢٣]، ولا يكون الهبوط والنزول إلا من علو، والأرض مهما كانت فهي قطعة واحدة بجبالها وأنهارها ووديانها وتلالها، ولذلك فإن هذا القول لا يلتفت له ولا معنى له وليس عليه دليل لا من كتاب ولا من سنة. قال الله ﷻ لآدم ومن معه ولإبليس: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [طه:١٢٣]: أي: اهبطا من الجنة جزاء وفاقاً بما خالف وأكل الشجرة التي حرمت عليه، وجزاء وفاقاً لدس إبليس وقسمه بالله كاذباً لآدم بالغرور وبالبهتان. قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه:١٢٣]، ومنذ قال الله هذا وأهبطوا من الجنة إلا وبعضهم لبعض عدو، وحتى من استسلم من الإنس للشيطان وعداوته لا يكاد يستسلم له إلا ليبطش به ويذله ويرده عن دينه ويعيش في حياة ضنك. ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ [طه:١٢٣]، أي: فإن أتاكم رسل وأنبياء يدعونكم إلى الله وعبادته وطاعته، وإن أنزلت على رسلكم كتب كالزبور والتوراة والإنجيل والقرآن، فأطيعوا ذلك واهتدوا بهديه واستمسكوا به. ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣]: أي: فمن اتبع هداي فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، والمقصود من اتبعه إيماناً وطاعة وامتثالاً. وقوله: ﴿وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣]، أي: لا يكون من حزب الأشقياء الكفار، حزب من طرد من رحمته ومن جنته ودخل النار مع الظالمين لأنفسهم، الأشقياء بكفرهم وشركهم وضلالتهم. وقد قال عبد الله بن عباس حبر القرآن ﵁: لقد ضمن الله بهذه الآية لمن آمن بالرسل وما أنزل عليهم ألا يضل في الدنيا، كما ضمن له في الآخرة ألا يشقى.

стр. 277

تفسير قوله تعالى: (ومن أعرض عن ذكري) قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤]. من أعرض عن كتاب الله وهو الذكر الذي يذكر الإنسان بربه بمعاشه ومعاده، وعن رسل الله الذين جاءوا ليذكروا الخلق بالله؛ فله معيشة ضنك. والذكر يطلق على رسول الله ﷺ ، ويطلق على القرآن الكريم، فالقرآن مذكر، والرسول ﷺ مذكر. قوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤]: من عاش مكذباً فإن الله ﷻ يشقي حياته في الدنيا حتى ولو ملك الدنيا بمن فيها وما عليها، فسيشقى نفسياً، وسيشقى بأكل الحرام، وسيشقى بالأمراض، وسيشقى بالضلال، وسيعيش عيشة ضنكاً. والضنك هنا: الشقاء والعذاب والمحنة، ونحن نرى هؤلاء الأغنياء من الكفار وهؤلاء الكفار من الفقراء كيف يكثر بينهم الانتحار ويكثر بينهم الغم والهم، وكيف أنهم يعيشون سكارى حشاشين يعيشون بأكل الربا يعيشون بأكل السحت يعيشون بأكل الرشا يعيشون بأكل الحرام يأكلون حتى يمرضون فيعذبونه بعد ذلك بالأكل، ويأكلون بالحمية ولا يكادون يستسيغون شيئاً مع الهموم النفسية والغموم. وكذلك من اقتدى بهم ممن يصف نفسه بالإسلام عندما يستبيح الربا عندما يستبيح الرشا عندما يستبيح الأموال بالباطل سرقة واغتصاباً وتحايلاً عندما يرتكب من أنواع الحرام ما حرم ربه عليه ونزل الوحي في كتبه بتحريم ذلك. فتجد الذي صنع ذلك بالأصالة كافراً يعيش عيشة ضنكاً ولو كان غنياً يملك الدنيا وما عليها فنفسه في محنة، ونفسه في عذاب، وجسده كله أمراض وكله بلاء لا يكاد يجد شيئاً يرجع إليه مما يطمئن نفسه من يقين ومن إيمان ومن عودة إلى الله؛ لأنه لا يؤمن بالله. وهكذا تكون عيشة الضالين من عصاة المسلمين، هم يعلمون أن الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وإذا بهم يمعنون في ارتكابها، فتجد عيشتهم كعيشة اليهود والنصارى، عيشة شقية ضنكاً شقية بأكل السحت والحرام حتى ولو ملكوا ما عسى أن يملكوه. ونحن نرى المؤمن الفقير يعيش في راحة فيما إذا كان ملتزماً بطاعة ربه ولو لم يملك إلا قوت يومه، ونجد الذي يدعي الإسلام وهو من أغنى الناس عندما يرتكب الحرام تكون حياته مثل حياة الكافرين والجاحدين.

стр. 278

تفسير قوله تعالى: (ونحشره يوم القيامة أعمى) قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤]: يحشر يوم القيامة أعمى البصر لا يبصر، أعمى البصيرة لا يميز، وذلك نتيجة ضلاله في الدنيا وإعراضه عن الله، بمعنى: أن عذابه في الدنيا يكون بالضنك وبالشقاء، وأن عذابه في الآخرة أشد وأبقى بعمى البصر والبصيرة. ومن هنا قد يكون عاش حياته مبصراً بعينين ناظرتين مفتحتين، فتجده يتناسى فعلته ويتناسى ما قدمت يداه في الدنيا فيقول: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ [طه:١٢٥]؟ يسأل ربه بكل جرأة: لم حشرتني أعمى وقد كنت أبصر في الدنيا. وقد يكون في الدنيا يبصر بالبصر ولكنه أعمى البصيرة، لم يقم بحجج الله عليه، ولم يصدق أنبياءه على كثرة ما أتوا به من معجزات وآيات بينات على صدق رسالتهم، ولم يوفق إلى طاعة ما أنزل على نبيه من وحي. لذلك أتى الله به يوم القيامة أعمى البصر كما هو أعمى البصيرة، ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ [طه:١٢٥]، قال الله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٦]. أجابه الله بذلك إما مباشرة أو على لسان ملائكته. قال الله: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٦]، أي: ذلك جزاء وفاق، فكما أتتك الرسل وأتتك الكتب الموحى بها إليهم فنسيتها في الدنيا وأعرضت عنها ولم تهتم بها، فكذلك اليوم تنسى. ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا﴾ [طه:١٢٦]. أي: علامات صدق رسلنا، وأن الكتب التي أنزلت عليهم كانت وحياً من الله حقاً، وقد كان ذلك بالآيات البينات والمعجزات الواضحات، وقد أعرضت عنها جميعاً، وما زادك ذلك إلا إمعاناً في الكفر وإصراراً على الجحود، وكما فعلت ذلك في دنياك ونسيت ذلك وتركته، ﴿كَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٦]، أي: تترك. والله تعالى لا ينسى ولا تأخذه سنة ولا نوم، ولكن هذا من مشاكلة الكلام، وهو من بلاغة القرآن وبلاغة اللغة التي نزل بها القرآن، فإنه قال: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ [طه:١٢٦]، أي: فتركتها، ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٦]، أي: كذلك اليوم تترك وكأنك قد نسيت فطرحت وأهملت، جزاء وفاقاً على فعلتك في الدنيا بالإعراض عن الرسل وعن كتب الله.

стр. 279

تفسير قوله تعالى: (وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه) قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٧]. يقول الله ﷻ : (وكذلك) أي: كما أعرضنا عن هذا في الآخرة وتركناه من رحمتنا وأتينا به أعمى البصر والبصيرة؛ كذلك نفعل بمن جاء يوم القيامة مسرفاً على نفسه بالشرك. قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي﴾ [طه:١٢٧]: أي: نعاقب جزاء وفاقاً. ﴿مَنْ أَسْرَفَ﴾ [طه:١٢٧]. أي: أسرف على نفسه بالذنوب والمعاصي إلى أن وصل حد الكفر والشرك. ﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ [طه:١٢٧]. أي: لم يؤمن بالله رباً واحداً، ولم يؤمن بالله مرسلاً لرسله وعباده المكرمين أنبياء ورسلاً إلى البشر، ولم يؤمن بآيات ربه على كثرتها وتتابعها، وبيان حقائقها بما يؤكد العقل صدق ذلك وقبوله. قوله: ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٧]: يقول الله ﷻ : هؤلاء الذين عذبناهم بالشقاء بالحياة المتعبة المفجعة، وبعدم الراحة في الأبدان ولا في الأموال ولا في الأهل والأولاد حتى عاشوا عيشة الضنك والشقاء في الدنيا، وأتي بهم عمي البصر والبصيرة؛ عذاب الآخرة أشد عليهم من عذاب الدنيا وأبقى وأدوم وأخلد. فعذاب الدنيا مهما يكن فإنه سينتهي يوماً من الأيام، لكن عذاب الآخرة لا ينتهي، وعذاب الدنيا مهما يكن فعذاب الآخرة أشد وأشق وأكثر آلاماً على النفس. وفي الصحاح في حديث الملاعنة أن النبي ﵊ كان يذكرهما عند الشهادة الخامسة بعذاب الآخرة، وقال لهما: إن عذاب الآخرة أشد وأبقى، ويحذرهم عقوبة ربهم إن هم أقسموا ولعنوا أنفسهم كاذبين، وهو قد أخذها ﷺ من قوله تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٧].

стр. 280

تفسير قوله تعالى: (أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم) قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى﴾ [طه:١٢٨]. أي: ألم يروا ويتبين لهم ويتضح ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ [طه:١٢٨]. أي: من الأجيال ومن الأمم السابقة الكافرة من قوم نوح وعاد وثمود، ومن قوم لوط ومن بني إسرائيل، أفلم يمشوا في مساكنهم فيعتبروا. والآية في الأصل خوطب بها كفار الجزيرة، وكان لهم رحلة إلى الشام في الشتاء، فكانوا يمرون على أراضي ثمود وعاد الذين أهلكهم الله لكفرهم، وبقيت آثار مساكنهم تدل عليهم، فرأوا آثار اللعنة عليهم وخراب دورهم، ونتيجة البلاء والعذاب الذي سلط عليهم؛ أفلم يخافوا يوماً أن يعاملوا مثل معاملتهم وقد فعلوا فعلهم فكفروا كما كفروا، وأشركوا كما أشركوا، وعصوا كما عصوا؟ وكيف أمنوا على أنفسهم وقد فعلوا أفعالهم ألا يعذبوا عذابهم، وألا ينتقم منهم كالانتقام من أولئك؟ والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ فهذا سيبقى خطاباً لكل كافر في الأرض ولكل مؤمن منذ البعثة النبوية إلى يوم القيامة، فهؤلاء الذين كفروا بالله في جميع العصور: أفلم يروا آثار الأمم السابقة الذين كفروا كيف عاقبهم الله ﷻ بالهلاك وبالغرق وبالعواصف وبالزلازل وبالصيحة، عاقبهم بأنواع العذاب مما لا تزال آثار ذلك ظاهرة فيما كانوا يسكنون فيه من الأرض. وهذه الحفريات التي ابتدأت هذا القرن في البحث عن آثار هؤلاء تزيد ذلك تأكيداً وبياناً، والله تعالى ينبه الكافر قبل وبعد حتى يفكر في العواقب؟ والمعنى: أفلم يفكر يوماً بأنه سيعذب عذابهم، ويعاقب عقوبتهم، فيتوب إلى الله ويعود للإسلام والصلاح والتقوى. ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ [طه:١٢٨]، كم: للتكثير، أي: أهلكنا وعذبنا وقضينا وعاقبنا كثيراً من الأمم السابقة والأجيال الماضية. والقرن كما يطلق على الحقبة من الزمن يطلق على الأمة وعلى الجيل وعلى العمر، وهو هنا بمعنى الأجيال والأمم. قوله: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ [طه:١٢٨]. أي: هاهم أولاء يرون أراضيهم والمساكن التي كانوا يسكنونها لم يبق بها حركة، وإنما آثارهم التي دلت على العذاب والهلاك الذي سلط الله عليهم في وقتهم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى﴾ [طه:١٢٨]. أي: إن في حال الأمم الماضية وما عوقبوا به من هلاك وبوار وزلازل وصواعق وصيحات لآيات لأولي النهى. والنهى هي العقول التي تنهى عن السوء والفحشاء وعن العصيان، وهكذا الشأن في العقل يقال عنه: نهية؛ لأنه ينهى عن الفحشاء والمنكر ويدعوك للطاعة والصلاح والفلاح، وسمي في الأصل عقلاً؛ لأنه يعقل الإنسان عن السوء وعن الضرر في الدنيا والآخرة. ومن هنا كان من لم يطع ولم يستفد بعقله كمن لا عقل له، فهو أشبه بالمجنون. قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [طه:٥٤]، أي: في هلاك الأمم السابقة والناس تمشي في مساكنهم ويرون آثارهم، ﴿لَآيَاتٍ﴾ [طه:٥٤]، أي: لعلامات تدل على صدق الرسل وصدق الكتب المنزلة عليهم، ﴿لِأُوْلِي النُّهَى﴾ [طه:٥٤]، أي: لأصحاب العقول التي تنهى عن السوء والمعصية، وللعقلاء الذين يدركون ويعقلون ما يقال لهم.

стр. 281

تفسير قوله تعالى: (ولولا كلمة سبقت من ربك) قال تعالى: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه:١٢٩]. وهذا من فصاحة القرآن وبلاغته، وفصاحة لغة العرب التي نزل بها القرآن، وتقدير الكلام: لولا أنه سبق في حكمه وفي إرادته أنه يرسل رسلاً مبشرين ومنذرين، وألا يعذب إلا بعد إرسال الرسالات والهداية والتعليم والتربية، للزم العذاب. قوله: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ﴾ [طه:١٢٩]. أي: حكم وإرادة إلهية علية، فلولا حكم من الله سبق بأنه لا يعذب عباده قبل إرسال الرسل ولا يعذب عباده إلا بعد أن يمهلهم زمناً هو مدة أعمارهم وإلى يوم القيامة؛ لولا ذلك لعاقبهم الله في الدنيا قبل الآخرة، كما صنع ﷻ مع السابقين حيث عوقبوا في الدنيا قبل الآخرة. ولكن تكرمة لنبينا ﷺ رفع المقت والغضب في الدنيا بمثل ما كان تعذب به الأمم السابقة، فلا خسف ولا مسخ ولا غرق ولا صواعق ولا زلازل تأتي على الأمة كلها كما أتى الغرق لقوم نوح ولقوم فرعون، والزلازل والصيحات لعاد وثمود، والصواعق والرجم من السماء لقوم لوط بحيث كانت الأرض ترفع ويجعل عاليها سافلها حتى تسمع أصوات الديكة إلى السموات، ثم يرمى بها إلى الأرض لفعلهم. واليوم الناس يفعلون كل ذلك الذي أهلكت الأمم السابقة بسببه، ولكن سبق في علم الله أن هذه الأمة لا يقع عليها عذاب كالأمم السابقة. قوله: ﴿لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه:١٢٩]. أي: لولا الحكم ولولا الإرادة الإلهية العلية التي سبقت من الله بضربه الأجل في العذاب وبإعطاء المهلة مدة الحياة لكان العذاب لازماً، ولكان العذاب مفاجئاً، ولكان العذاب في الدنيا قبل الآخرة بمثل ما عوقبت به الأمم السابقة التي نمشي في مساكنها ونرى آثار اللعنة والهلاك والدمار والخراب عليها. ولولا: حرف امتناع لوجود، امتنع أن يعذب الله أمة محمد ﷺ في الدنيا بمثل ما كانت تعذب به الأمم السابقة، لوجود سبق عهده وحكمته وكلمته بذلك، فامتنع عذابها إلى حلول الأجل. ومن هنا قال ﷺ : (إن الله يمهل ولا يهمل)، أي: يمهل العصاة المشركين ولكنه لا ينساهم ولا يهملهم، بل لهم أجل مفروض يوم يجمع الله الخلائق كلها فيأتون إلى الله حفاة حاسري الرءوس قلفاً، وإسرافيل ينفخ في الصور: يا أيتها العظام النخرة! يا أيتها الجلود الممزقة! يا أيتها اللحوم المبعثرة! أجيبوا داعي ربكم، فيأتون للعرض على الله وتراهم يتخافتون فلا تسمع إلا همساً. والأجل الذي سماه الله هو يوم القيامة، فهو مسمى عند الله، لكن لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل، لا تأتيكم الساعة إلا بغتة، كما سأل جبريل نبينا ﵊ عنها فقال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، ولكنها مع ذلك محددة بيوم وساعة. والله ﷻ قد ذكر لنا على لسان نبيه ﷺ أماراتها الصغرى والكبرى، وقد ذهب من الصغرى الكثير ونكاد نبتدئ في الكبرى. وكان من العلامات الصغرى الرسالة المحمدية نفسها، قال فيها ﷺ : (أرسلت والساعة كهاتين)، أي: كان قريباً من الساعة كقرب السبابة من الوسطى، ولكن كم مضى من الدنيا لنعلم كم بقي؟ لا يعلم ذلك إلا الله. فقوله: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا﴾ [طه:١٢٩]، أي: لكان العذاب لزاماً ملازماً قائماً مهلكاً.

стр. 282

تفسير سورة طه [١٣٠ - ١٣٢] يأمر الله تعالى عبده ورسوله محمداً ﷺ أن يصبر على ما يقوله المشركون، وأن يسبح ربه بحمده ويصلي له الصلوات المفروضات، وأن يقنع بما آتاه الله من الدنيا ولا يطمع فيما عند الآخرين؛ لأنه قدوة للمؤمنين.

стр. 283

تفسير قوله تعالى: (فاصبر على ما يقولون)

стр. 284

معنى قوله تعالى: (فاصبر على ما يقولون) قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه:١٣٠]. هذه الآية من الآيات التي جمعت الأمر والحث على الصلوات الخمس في كتاب الله. قوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [طه:١٣٠]: الله ﷻ يسلي نبيه ﵊ ويدعوه للصبر على ما يسمع من قول الكافرين عنه إنه ساحر وكاذب وشاعر ومجنون؛ وحاشاه من كل ذلك، ولكنهم يرون وجوههم وأنفسهم في المرآة فيرون بذلك صورة الرسول ﷺ ولا يصفونه إلا بصفاتهم القائمة فيهم، فدعاه الله ﷻ للصبر، وكان هذا قبل الإذن بالقتال. ولا ننسى ونحن في خواتم السورة أن سورة طه مكية، وفي مكة لم يشرع القتال، فلم يكن إلا دعوته للصبر والتحمل إلى أن يبلغ دين الله ولو إلى جماعة، ولكن الواحد من هذه الجماعة كألف، والألف كمليون. وهكذا ثبت الإسلام عقيدة ونظاماً وحكماً وحلالاً وحراماً، ثبت بأصوله وفروعه عند المهاجرين في مكة، وما كادوا يذهبون إلى المدينة حتى وجدوا الأنصار قد سبقوهم بنصرة رسول الله بالقوة والسيف قبل اللسان، وأعدوا له المقام لينصروه بما ينصرون به أنفسهم وأهلهم وأموالهم وأولادهم، وأن يبذلوا الحياة والأرواح رخيصة في سبيله. وأما مكة فكان يدعوه الله إلى الصبر؛ ولذلك صبر على الأذى وعلى الشتائم وعلى الهجران، وكان بدوره ﵊ يمر على أصحابه مثل عمار بن ياسر وأبيه ياسر وأمه سمية وهم يعذبون العذاب النكر، فلا يزيد على أن يقول لهم: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة). وما أذن بالقتال إلا في المدينة إذ نزل قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩]، إلى آخر الآيات.

стр. 285

معنى قوله تعالى: (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه:١٣٠]: التسبيح هنا الصلاة؛ لأن الصلاة مشتملة على التسبيح عند السجود، وعند الجلوس، وعند القيام، وعند الوقوف، وعند الركوع، فنحن عندما نقول: الله أكبر فقد سبحنا الله وعظمناه، وجعلناه الأكبر من كل ما يخطر بالبال وتراه العين. وعندما نقول: الحمد لله رب العالمين نسبحه ونجعل الحمد المطلق الكامل له وحده لا أحد يستحقه معه. وعندما نركع نقول: سبحان ربي العظيم، فنسبح الله العظيم الأعظم. وعندما نسجد نقول: سبحان ربي الأعلى، فنسبحه ﷻ . ومن هنا يقول تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه:١٣٠]، أي: صلاة الصبح، ووقتها قبل طلوع الشمس، والتسبيح قبل غروب الشمس صلاة العصر. فاشتملت هذه الفقرة من الآية الكريمة على صلاة الصبح وصلاة العصر، وفي صلاة الصبح وصلاة العصر يقول النبي ﵊ كما في الصحاح عن جرير بن عبد الله: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فمن استطاع أن يصلي صلاة قبل غروب الشمس وصلاة قبل شروق الشمس فليفعل). وعن عمارة بن رؤيبة في صحيح مسلم ومسند أحمد أن النبي ﷺ قال: (من لازم الصلاة قبل غروب الشمس وقبل طلوع الشمس دخل الجنة). ومن هنا قال المالكية: الصلاة الوسطى صلاة الصبح، وقال الشافعية: الصلاة الوسطى صلاة العصر، أخذاً من هذه الآية الكريمة، والصلاة الوسطى هي التي قال الله عنها مؤكداً مخصصاً بعد تعميم: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨]، فأمر بالصلوات كلها ومنها الوسطى، ثم زاد فخصصها وأكدها لمزيد فضلها ووقتها. وقال البعض: إنها الظهر، ولكن ثبت في صحيح مسلم بما لا يدع مجالاً للشك والريب أن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى.
следующие страницы →