Полный текст (2 442 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
تفسير قوله تعالى: (ويل لكل أفاك أثيم)
قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الجاثية:٧ - ٨].
(أفّاك): كذاب كثير الكذب.
و (أَثِيمٍ): كثير الإثم في فعله، فالويل لمن كانت هذه صفته، فهو كاذب في الحديث آثم في العمل، وهي صفة كل كاذب كافر مشرك بالله، لا يؤمن به ولا بآياته.
والويل: نهر في جهنم يكون من صديد أهلها ومما يخرج منهم مما يستقذر في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ [الجاثية:٨].
هذا الآثم الأفّاك يسمع كلام الله، ويسمع القرآن، ويسمع التوحيد، ويسمع الدعوة المحمدية، ويسمع ما أنزل ربنا وما أتى به نبينا من كتاب وسنة، وبعد سماعه لكل ذلك يبقى مصراً على الكذب، مصراً على الكفر، وإصراره عناد، وإصراره كبرياء وتألٍّ على الله، وبعد عن صفات المؤمنين المسلمين، فهو يسمع القرآن الكريم، ويسمع معجزات الأنبياء، ويسمع أحكام القرآن من حلال وحرام، وصفة الجنة وصفة النار، وأهل جنة وأهل نار، ثم بعد ذلك يصر مستكبراً على إفكه وعلى كذبه وعلى نفاقه.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ [الجاثية:٨] فيصر على كبره وكأنه لم يسمع آية من كتاب الله ولا حديثاً عن رسول الله، ولا حكمة توصله إلى الحق وتبعده عن الباطل، فإذا بكل ما يُسمع من كتاب الله وسنة رسوله لا يزيد هذا الأفّاك الأثيم إلا إصراراً على الكبرياء وعلى الكفر وعلى الإثم، وعلى البعد عن الله ورسل الله.
قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الجاثية:٨].
أي: بشِّر هذا الآثم، وبشِّر هذا الأفّاك وهذا المتعالي على الله وكتابه، وهذا الذي كأن به وقراً فلا يكاد يسمع، وإذا سمع لا يكاد يعي ولا يفهم، بشِّره بعذاب أليم.
والبشرى هنا من باب الهزء به؛ إذ لا تكون البشرى إلا بما يستحسن، وما تطيب له نفس الإنسان، فإذا قيل بشر بالويل والبلاء والعذاب كان هذا هزءاً به، فهي بشرى للكافرين وبشرى للآثمين وبشرى للأفّاكين على الله ورسل الله.
стр. 2207
تفسير قوله تعالى: (وإذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً)
قال تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [الجاثية:٩].
أي: سمع من آيات الله ووعى وحفظ يحفظ ذلك بلا وعي وبلا علم وبلا إيمان، ويتخذ ما يحفظ هزءاً وسخرية، والكفر يعيد نفسه كما يعيد التاريخ نفسه أبداً، فقد كان في عصر النبي ﷺ يسخر أبو جهل ويسخر الوليد بن المغيرة وغيرهما من طغاة الكفار، وليس هذا خاصاً بالعرب ولا بقريش، بل هو عام في كل كافر، فإذا سمع من هذه الآيات ومن هذه الأحكام كافر شيئاً اتخذها موضع هزء وموضع لعب وموضع سخرية.
وملة الكفر واحدة، سواء كانت نصرانية أم كانت يهودية، أم كانت وثنية، فكلها من وحي الشيطان ومن أعماله ومن وسوسته ومما يوحي به من الكفر والمخالفة والعصيان والتأني على الله.
يقول تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾ [الجاثية:٩] فإذا سمع بعض هذه الآيات وحفظ بعضها اتخذها هزءاً وسخرية عوضاً عن أن يتخذ الموعظة للهداية وللإيمان، فإذا به لا يهتدي الناس به، بل يضلون به؛ لأن كفره غلب نوره، فلم يبق له نور، إن هي إلا ظلمات بعضها فوق بعض.
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [الجاثية:٩].
كان الكلام عن فرد، ولكن قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الجاثية:٧] هو موضع الجمع، يعني الأفّاكين جميعاً والأثيمين جميعاً، وهم الذين يفعلون هذا كل على حدة؛ فهؤلاء لهم عذاب مهين يذلهم ويهينهم ويحقّرهم.
стр. 2208
تفسير قوله تعالى: (من ورائهم جهنم)
قال تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية:١٠].
فهؤلاء -على عذاب الله الموجع الأليم المهين المذل- مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ، وقد قيل: (من ورائهم) أي: من أمامهم.
ولا حاجة إلى هذا التأويل، بل من ورائهم يتبعهم التهديد والوعيد بالنار، فالنار خلفهم كيفما ذهبوا وكيفما تحركوا، فإذا ذهبوا إلى الآخرة فالنار خلفهم، وإذا حوسبوا بعد ذلك يدخلون النار والنار خلفهم، أي أن الحكم بالنار والحكم بالعذاب المهين شيء قائم لا مفر عنه يجري خلفهم كما يجرون خلف الكفر والإثم والمعصية والشرك.
قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية:١٠] فجمع الله لهم بين العذاب المهين والعذاب الأليم والعذاب العظيم، فهم في عذاب على كل أشكاله وأنواعه لتنوع كفرهم وتفنن شركهم من نسيان لما أنزل الله على نبيهم، ومن ترك لما حفظوه ووعوه، ومن هزء بما وعوه وحفظوه، ومن استكبار وإصرار على الباطل، فمن أجل ذلك يعذبون بأنواع العذاب الأليم والمهين والعظيم.
стр. 2209
تفسير قوله تعالى: (هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب)
قال تعالى: ﴿هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [الجاثية:١١].
قوله تعالى: ﴿هَذَا هُدًى﴾ [الجاثية:١١] الإشارة للقرآن الكريم، وإن شئت قلت: الإشارة للإسلام، وإن شئت قلت: الإشارة لنبي الإسلام ﷺ ، وكل ذلك معناه واحد، فالقرآن هو رسالة النبي ﷺ ودينه، ورسول الله هو الناطق عن الله بكتابه والشارح لآياته والمفسّر بسنته.
يقول تعالى: ﴿هَذَا هُدًى﴾ [الجاثية:١١] فالقرآن هدى يهدي الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهداية، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الجهل إلى العلم.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجاثية:١١] أي: بكتابه المنزل عليهم، ببيانه الحلال والحرام، وبأحكامه وقصصه حول المؤمنين والكافرين من الأمم السابقة والأمم اللاحقة ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [الجاثية:١١].
والرجز: العذاب في منتهاه.
والرجز: القذارة.
والرجز: النجاسة.
والرجز: الألم.
فهذه الكلمة تحتها جميع أنواع عذاب الله الأليم والمهين والعظيم والذي يستقذر والذي لا تقبله نفس طاهرة، والذي يلزم الكافر حيث كان، فهؤلاء هذا حالهم لكفرهم ومخالفتهم لربهم وطاعتهم لشيطانهم.
стр. 2210
تفسير قوله تعالى: (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره)
ثم أخذ ربنا يعدد نعمه على الناس فقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الجاثية:١٢].
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ﴾ [الجاثية:١٢] أي: ذلّله للركوب، وذلّله للأسفار، وذلّله للسباحة، وذلّله للصيد، وذلّله لاستخراج ما في باطنه من أنواع الثروات والكنوز التي يعيش بها الإنسان على وجه الأرض.
وهذا البحر صدق فيه وصفه عمرو بن العاص لـ عمر بن الخطاب عندما سأله: صف لي البحر؟ فقد طلب منه معاوية أن يغزو الأعداء والكفار وراء البحار، فقال عمر لـ عمرو: صف لي البحر، فقال عمرو: داخله مصفود والخارج منه مولود، يركبه خلق ضعيف دود على عود.
فقال عمر: والله لن أرسل جيشاً في البحر ما دمت حياً.
فـ عمرو نفّر عمر بهذا الوصف، وكان عمر حريصاً على أرواح جنده وعلى حياة المؤمنين، فقد يهون أن يموت واحد، ويمكن أن لا يموت إذا اقتضى الأمر ذلك، أما أن يصبح الجيش داخل البحر كله في خطر الغرق فهذا ما كان يخشاه عمر، ولذلك لم يبعث جيشاً مدة حياته ليحارب إلا في البر، ولكن البر الذي حارب فيه اكتسح فيه أقاليم وشعوباً وأراضي في المشرق والمغرب، ففتح الشام، وفتح العراق، وفتح فارس، وفتح مصر، وفتح المغرب أرض البربر، وكل ذلك لم يحتج فيه إلى بحر، ما كان يحتاج فيه إلا البر على الإبل والدواب، وقد فتح عمر في خلافته ما لم يفتح بعده.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ﴾ [الجاثية:١٢]، أي: سخر هذا البحر وذلّله وطوّعه ﴿لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ﴾ [الجاثية:١٢] والفلك: جمع لا مفرد له من لفظه، ومفرده من غير لفظه السفينة، فسخّره الله تعالى لركوب السفن والفلك لتجري في البحر بأمر الله وقدرة الله وإرادة الله، يقطع عليها ما بين القارات وما بين المشارق والمغارب.
стр. 2211
معنى قوله تعالى: (ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون)
وقوله تعالى: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الجاثية:١٢] أي: من التجارة، ومن المكاسب، ومن السياحة، ومن طلب العلم، ومن صلة الأرحام، ومن نشر دين الله، ونشر علم الله، ونشر رسالة الله.
وكل ذلك قد حصل، فبواسطة البحار انتشر دين الإسلام، وانتشر الفاتحون من جند الإسلام من أراضي السند شرقاً إلى فرنسا غرباً، وبكل ذلك بشّر المصطفى ﷺ عندما أخبر بأن الله ﷻ كشف له عن الأرض التي تفتح لأمته، فكشف له عن المغرب، وعن المشرق، وعن الهند، وعن السند، وعن بلاد العجم، وعن بلاد الفرس، وعن بلاد الروم، وبحار خاضها الدعاة إلى الله بالسفن، وخاض بعضها بعضهم سباحة، واستشهد من أكرمه الله بالشهادة فيها، وما رد ذلك مجاهداً عن جهاده ولا عن دعوته.
وكل ما ذكر من الدعوة والجهاد في سبيل الله مما بشِّر به ﷺ في حياته، ولم يفتح في حياته إلا جزيرة العرب، فدخل العرب جميعاً في دين الإسلام، ودانوا بكلمة (لا إله إلا الله)، ثم كانوا رسل رسول الله إلى الدنيا كافة، فابتدأ الفتح من أيام الخليفة الأول أبي بكر، ثم مات ﵁، فأتم العمل ذلك الضرغام الأسد عمر بن الخطاب، فهو الذي أتم الفتح وفتح الكثير من البلاد التي لا يزال أهلها مسلمين إلى يومنا هذا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الجاثية:١٢] أي: لعلكم تشكرون الله على نعمه التي منها تسخير لكم هذا البحر والسفن التي تجري عليه بما تريدون من معان كسبية مادية، ومن معان روحية في نشر دين الله ونشر العربية لغة كتاب الله ولغة نبي الله، فكم من أقطار لم تكن كذلك، فأصبحت عربية بالإسلام، وأصبحت العربية لغتها الأصيلة لا تعلم لغة سواها.
стр. 2212
تفسير قوله تعالى: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه)
قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:١٣].
فسخّر الله للإنسان ما في السماوات من كواكب، وما في السماوات من أمطار، وما فيها من أرزاق، ما فيها من جو نقطع فيه ما بين الشرق والغرب والشمال والجنوب راحلين مسافرين، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨].
وأشار إلى ذلك رسول الله ﷺ عندما تحدث عن عيسى ونزوله من السماء، فأخبر بأن الناس سيركبون وسيأتون إلى مكة لأداء مناسك الحج على غير الخيل، ومعناه أنهم سيحجون على مراكب إذ ذاك لم تر، فهي ما أشار إليه القرآن وفهمه رسول الله ﷺ ، وأشار إليه في حديثه بأن عيسى سيحج على غير الخيل، فهل سيحج طائراً كما نفعل نحن الآن؟! قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣] فسخّر لنا ما في السماوات من أجواء نقطعها مسافرين راكبين، ومن أمطار وأرزاق يغيث الله بها الأرض فيحييها بعد موتها، ومن آلات حرب تكون دماراً وخراباً بأيدي أهل الخراب، وتكون صلاحاً وسلاماً بأيدي أهل السلام من المؤمنين المسلمين.
وسخّر لنا ما في الأرض من جبال ومن تلال ومن بحار ومن طير ومن دواب ومن كل ما هو على وجه الأرض، وذلّل لنا ذلك، فنحن نأكل من خضرتها ومن طيرها ومن حيواناتها، ونستفيد من كل ما على الأرض مما ذلّله الله وسخّره للإنسان، فمن سخّر ذلك؟! ومن ذلّل ذلك؟! ومن خلق ذلك؟! لم يفعل ذلك أحد إلا الله، فالله الذي ذلّل ذلك، فذلّل البحر، وذلّل الفلك، وذلّل ما في السماوات وما في الأرض وسخّره للإنسان لعله يشكر الله، ولعله يعبد الله، ولعله يدين بالتوحيد، وبكلمة (لا إله إلا الله) أشرف كلمة.
وفي الحديث: (أعظم ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله) وبغير قولها يكون الناس كفرة مشركين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، وهم في العذاب الخالد المهين.
يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:١٣].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [الجاثية:١٣] أي: في البحار وتسخيرها للإنسان، وتسخير الفلك والسفن، وتسخير الأفلاك والأجواء والأمطار والبحار والجبال والوهاد والتلال وما على الأرض وما فيها، كل ذلك آيات وعلامات لمن له عقل ولمن له فكر، ولا يتفكر المرء في ذات الله، ولكن يتفكر في خلق الله، فمهما تفكر المتفكر في الله فالله ليس كذلك، فكل ما يخطر ببالك فربنا مخالف لذلك.
فالمشروع أن نتفكر في السماء من خلقها، وفي الأرض من سوّاها، وفيما بينهما من خلقه وسخّره وذلّله لابن آدم؟ فسيخرج بنتيجة أن الله هو فاعل ذلك، وليس ذلك لأحد غير الله، فليس ذلك لشركاء ولا لأوثان ولا لأعوان، فلا شريك مع الله، ولا معين لله، ولا يحتاج الله ﷻ وعز مقامه إلى حد.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:١٣] يتفكرون في خلق الله وإرادة الله ووحدانية الله.
стр. 2213
تفسير سورة الجاثية [١٤ - ١٨]
كان الله قد كرم بني إسرائيل وفضلهم على العالمين، وأرسل إليهم رسلاً وآتاهم الكتاب والحكم والنبوة، لكنهم اختلفوا وتناحروا من بعد ما جاءتهم البينات.
стр. 2214
تفسير قوله تعالى: (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله)
قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية:١٤].
هذه السورة مكية، ولم يشرع القتال بعد، وقد أمر الله المؤمنين طيلة سكناهم في مكة أن يتحملوا ظلم الكفار وأذى الكفار ويصبروا على ذلك، فلعل منهم من يؤويهم ويقوى به جانب الإسلام، وهكذا ابتدأ الإسلام مدة ثلاثة عشر عاماً في مكة المكرمة بلا قتال ولا جهاد.
وكان ﷺ قد أوذي بالقول، وأوذي بالفعل، ومع كل ذلك كان يأتي إليه المؤمنون يريدون الكفاح والجلاد ومقاومة الشر بالشر، فيقول لهم: (لم أومر بالقتال بعد)، وكان يمر على أسرة كاملة -وهم عمار بن ياسر وأبوه ياسر وأمه سمية - تعذب العذاب الأليم، ويرى ذلك، فلا يزيد على قوله لهم ﵊: (صبراً آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة)، وهكذا حتى استشهدت سمية، وكانت أول شهيدة في الإسلام.
وتلك مفخرة للمرأة في الإسلام، فأول شهيد في الإسلام كانت امرأة تحمّلت العذاب وتحمّلت المكر وتحمّلت ما لا يتحمله الرجال الأقوياء، فصبرت إلى أن لقيت الله شهيدة موحدة.
قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية:١٤].
أي: قل -يا محمد- للمؤمنين: (يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ)، أي: الكافرين الذين لا يخافون أيام الله، ولا يخافون عذابه، ولا يخافون نقمته، ولا يؤمنون بكتابه، ولا يؤمنون برسوله، ولا يؤمنون بالرسالة.
فأمر الله تعالى نبيه ﵊ بأن يأمر المؤمنين ليغفروا وليصفحوا ولا ينتقموا ولا يعاملوا الكفار بالمثل، وكان هذا قبل فرض الجهاد، ولم يفرض الجهاد إلا في المدينة المنورة، وكانت أول آية نزلت من الله ﷻ في ذلك هي قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج:٣٩ - ٤٠] فشرع القتال وأُذن فيه.
ومعنى ذلك أنهم استأذنوا رسول الله في الكفاح والجلاد والحرب، فلم يأذن لهم إلا في المدينة حيث أصبح لهم موطئ قدم في الدولة الإسلامية لتكوين الجيش، ولتكوين القوة، فلذلك أُذن لهم، كما أنهم كانوا في مكة قلة، وكانوا ضعافاً، فلو قاتلوا لقاتلوا من هم أكثر منهم بآلاف المرات، وهذا أمر لا يتم.
وبهذا نعلم أن في القرآن رداً على ما زعمه الكفرة والمنافقون من أن الإسلام انتشر بالسيف، فنحن نرى أن الفترة المكية على طول دعوة الإسلام فيها لم يكن فيها قتال ولا كفاح ولا جلاد، بل آمن الصحابة وأسلموا وهم تحت العذاب، وكل منهم كان معرّضاً صباحاً ومساءاً للقتل مع العذاب الشديد.
وقد قال أحد فلاسفة الغرب الكفرة: من زعم أن محمداً نشر إسلامه ودينه بالسيف فكأنه يقول: خرج رجل وحده في صحاري جزيرة العرب وحمل السيف وأخذ يقتل هذا ويضرب هذا ليدخلوا في دينه، ولا يقول مثل هذا الكلام إلا مريض العقل.
والأمر كذلك، والحق ما شهدت به الأعداء.
فقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية:١٤] أي: يصفحوا عنهم ويسامحوهم.
وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية:١٤] (قوماً) نكرة، وهي تدل على العموم، أي: ليجزي كل قوم بما كسبوا، والباء سببية، أي: بسبب كسبهم وأعمالهم يدخلون الجنة إن كانوا مؤمنين، وإن كانوا كافرين فالنار والعذاب الأليم، وهذا تهديد ووعيد لهؤلاء، أعلمهم أن الله تعالى يتولى جزاءهم بما كسبوه من كفر وشرك وظلم.
وقد فعل ربنا، فما كاد النبي ﵊ والمؤمنون ينتقلون إلى المدينة المنورة حتى أذن الله بالقتال، فقاتلوا ومكروا بأعدائهم في غزواتهم التي لا تزال مسجلة على التاريخ وإلى أبد الآباد منذ غزوة بدر إلى غزوة حنين، وهذا في الغزوات النبوية المحمدية، ودعك من الغزوات الأخرى التي كانت أيام الخلفاء الراشدين التي فتحوا بها العالم خلال خمسين عاماً، فصار المسلمون معلمي الناس وحكام الناس، وكانت السلطة بأيديهم دون جميع الناس.
стр. 2215
تفسير قوله تعالى: (من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها)
قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [الجاثية:١٥].
يقول الله للناس: من كان عمله عمل الصالحين فلنفسه قدم الصلاح وقدم الرحمة وقدم الجنة وحفظها وصانها من اللعنة والعذاب الأليم، ومن أساء في الدنيا فعلى نفسها جنت براقش، فنفسها ظلمت، ولنفسها أساءت، وعليها كان العذاب الأليم.
فقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [الجاثية:١٥] أي: من عمل العمل الصالح؛ فمآله وأجره وثوابه لنفسه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [الجاثية:١٥] أي: ومن أساء من الخلق فعمل سوءاً وخالف وأشرك وعصى فنفسه أهان، ونفسه عذّب، ونفسه أخضع لعذاب الله الخالد يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [الجاثية:١٥]، فبعد أن يحسن إلى المحسن بالرحمة والجنة، ويساء إلى المسيء باللعنة والعذاب المقيم، سيكون الرجوع إلى الله، فسترجعون يوم القيامة إلى الله وإلى حسابه وإلى العرض عليه إما إلى جنة وإما إلى نار.
فمن تردد في يوم القيامة أو أنكره البتة فهو كافر حلال الدم، ومن أشرك بكلمة التوحيد ولم يقل: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فقد أذنب في حق نفسه وأساء عليها.
وهذه الدنيا قد يغتر فيها الحي ويقول فيها ما أملاه عليه هواه وشيطانه، ولكن يوم القيامة سيبعث كل الناس وسيعودون إلى ربهم لحسابهم في أعمالهم فإما إلى جنة وإما إلى نار.
стр. 2216
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة)
стр. 2217
المعنى الإجمالي للآية
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية:١٦].
إن الله ﷻ كثيراً ما يذكر في الكتاب بني إسرائيل وما أعطاهم في أيامهم وأيام أنبيائهم وحكمهم، وذاك عظة للمسلمين الذين جعلهم الله خير أمة أخرجت للناس، فإذا فعلوا فعل اليهود وتركوا ربهم وتوحيده، ونبيهم وسنته، والقرآن وتحكيمه فسيفعل الله بهم كما فعل ببني إسرائيل.
وكما عاقب اليهود رغم أنهم كانوا يوماً أفضل الأمم، وأعطاهم الله من الأرزاق والحكم والكتاب، وأعطاهم ما لم يعطه لأحد في عصرهم، ولما بدّلوا وغيّروا وحرّفوا وتلاعبوا بالتوراة والإنجيل ورجعوا إلى الكفر بعد الإيمان، وعبد النصارى عيسى ومريم، وعبد اليهود عزيراً وعبدوا العجل، وقالوا جميعاً: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ﴾ [المائدة:١٨] كان شركهم طامّاً عاماً بلية شاملة، فلعنهم الله وأخزاهم وطردهم عن رحمته وعن بابه، وأصبحوا أذل الأمم وأحقر الأمم.
قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:٧٨].
وقال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ [آل عمران:١١٢].
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف:١٦٧]، فلعنوا على ألسنة أنبيائهم كما لعنوا على لسان نبينا، ولم يفدهم أنهم كانوا يوماً أفضل الناس، وعندهم الأرزاق الطيبة وعليهم أنزلت الكتب السماوية، فعندما بدّلوا وغيروا بدّل الله عليهم نعمته وبدّل إفضاله.
وكذلك المؤمنون من هذه الأمة إذا بدّلوا وغيروا -مع أنهم أفضل الأمم وأكرم الأمم- سيعاقبهم الله ويلعنهم الله كما لعن اليهود قبلهم، ونحن نرى أنفسنا واقعين في هذا التهديد والوعيد، فقد سلّط الله علينا هؤلاء اليهود أنفسهم؛ لأننا خرجنا عن هدي كتاب الله، وعن سنة رسول الله ورسالته، فعاقب الله المؤمنين بما هددهم به في عشرات الآيات، بل عشرات السور، فنسأل الله أن يعيدنا إلى رحمته، وإلى اتباع الصراط المستقيم السوي بفضل الله وكرمه.
стр. 2218
معنى قوله تعالى: (ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة)
يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الجاثية:١٦] إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق، وإسحاق هو ابن إبراهيم، وإبراهيم كان له ولدان أحدهما نبي رسول والثاني نبي، فكان له إسماعيل، وكان نبياً رسولاً، وكان له إسحاق، وكان نبياً غير رسول، وكلاهما طيب ابن طيب، ونبينا ﵊ ينتسب إلى إسماعيل بن إبراهيم، فهو نبي الله ابن نبي الله إسماعيل ابن خليل الله ونبي الله ورسول الله إبراهيم، وكل أنبياء بني إسرائيل هم أبناء إسحاق، ولذلك نسبوا إليه.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [الجاثية:١٦].
فقد أنزل تعالى التوراة على موسى، وأنزل الإنجيل على عيسى، وعيسى هو آخر أنبياء بني إسرائيل، والتوراة أنزلت على موسى، وهو من الخمسة أولي العزم من الرسل، ولكنهم مع ذلك بدّلوا وغيّروا، وقد كانوا يوماً حكّاماً، فكان منهم ملوك أنبياء، وكان منهم ملوك صالحون، ثم بدّلوا وغيّروا فغير الله عليهم نعمته ورحمته، فشرّدهم وشتتهم إلى أبد الآباد، ولم تقم لهم قائمة إلى اليوم.
وأما ما هم عليه اليوم فهو من استدراج الله لهم، وتأثر المؤمنين الذين تأثروا بهم ودانوا بمذاهبهم وبحضارتهم فقالوا: نحن شيوعيون، وما يدير الشيوعية إلا ماركس، وهو يهودي ابن حاخام، وكذلك بقية المذاهب التي يؤمنون بها من ماسونية ووجودية وقاديانية وبهائية، وبقية ملل الكفر جميعها مذاهب يهودية.
فعندما ترك المسلمون شريعة ربهم وجروا خلف هذه المذاهب الضالة المضلة عاقبهم الله وسلط عليهم اليهود جزاء وفاقاً ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، فإذا غيّرنا ما بنا من هدى الله غيّر الله ما بنا، والبلاء لا يزال شديداً، ونسأل الله الحفظ والسلامة.
يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [الجاثية:١٦] فأكثر الله فيهم الأنبياء، فإسحاق نبي، ويعقوب نبي، ويوسف نبي، وداود نبي، وموسى نبي، وهارون نبي، وعيسى نبي.
وقد روي في حديث غير صحيح (علماء أمتي أنبياء بني إسرائيل) قال المحدثون: هو حديث لا يصح لفظاً، ولكن معناه قائم، فعلم علماء المسلمين هو بمثابة علم هؤلاء الأنبياء، إلا أنه لا نبي بعد محمد، فهو خاتم الأنبياء وخاتم الرسل، ويكفي العالِم الصابر الصادق العالِم بالله وبدين الله أن يكون وارثاً محمدياً، فهو أحد ورثة علم النبي صلى الله عليه وعلى آله، وكفى بذلك مكسباً وكفى بذلك مفخراً.
стр. 2219
معنى قوله تعالى: (ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين)
قوله تعالى: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الجاثية:١٦].
رزقهم الله تعالى الحلال الطيب الذي لا حرام فيه، ورزقهم من المن ومن السلوى ومن صيد البحر ومن صيد البر ومما عملته أيديهم ومما كسبوه، فكان ما كسبوه وما رزقوه حلالاً طيباً، كان ذلك عندما كان بنو إسرائيل متمسكين بالكتاب، ومتمسكين بطاعة أنبيائهم، ومتمسكين بالله ورسله، أما عندما بدّلوا وغيّروا فقد انتقلوا من الإسلام إلى الشرك.
قوله تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية:١٦].
أي: فضّلهم ربنا على عالمي زمانهم وعصرهم؛ لأن الله قال لأمة محمد ﷺ : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] فهي خير الأمم عموماً، وهي خير أمة أخرجت منذ آدم ﵇.
فالأمة المحمدية خير الأمم، ونبيها خير الأنبياء، وكتابها خير الكتب، ولذلك عندما نزلت هذه الآية نزلت متأخرة في آخر الكتب وعلى آخر نبي، فكان ما مضى في أيام التوراة وأيام موسى تاريخاً قد انتهى، فبنو إسرائيل كانوا خير أهل عصرهم، أما خير الأمم قبل وبعد بني إسرائيل وبقية الشعوب الأخرى فهي الأمة المحمدية.
стр. 2220
تفسير قوله تعالى: (وآتيناهم بينات من الأمر)
стр. 2221
معنى قوله تعالى: (وآتيناهم بينات من الأمر)
قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الجاثية:١٧].
قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِ﴾ [الجاثية:١٧] أي: كذلك آتى الله تعالى بني إسرائيل بينات وعلامات وأدلة وبراهين على صدق نبينا محمد ﷺ ، وعلى صدق كتاب الله المنزل على نبينا، وهو القرآن الكريم.
وقد أخبرت التوراة وأخبر الإنجيل بصفة نبينا وزمنه الذي سيظهر فيه، ولذلك كان اليهود يقولون للأوس والخزرج من عرب المدينة: سيظهر نبي وسنقاتلكم معه.
وكانوا يتوهمون أنه من بني إسرائيل، فلما جاء من العرب حسدوه وكفروا به وأنكروا الأدلة القاطعة التي وردت في الإنجيل والتوراة وغيّروا ما في التوراة والإنجيل، وكذبوا على الله.
ولذلك قال عيسى -كما في الإنجيل وكما قص القرآن- ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦]، فقد صرّح باسمه وبنعته، وأنه يظهر في جبال فاران، وجبال فاران هي جبال مكة كما تقول كتب علم الجغرافيا ودواوينها العربية والأعجمية.
ولأحد العلماء الذين في رتبة مشايخ مشايخنا كتاب اسمه (الحق) أو (صوت الحق)، جرّد فيه من نسخ التوراة، ومن نسخ الإنجيل ما ورد فيه صفة نبينا ﵊، وهو يزيد المؤمن إيماناً، ويلقم اليهود والنصارى حجراً لكفرهم بذلك وحقدهم على الفضل الذي آتاه الله للعرب ولسيد العرب نبينا صلى الله عليه وعلى آله.
قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِ﴾ [الجاثية:١٧] أي: أمر رسالته وأمر الكتاب المنزل عليه، آتيناهم آيات ودلائل واضحات، وحججاً وبراهين.
стр. 2222
معنى قوله تعالى: (فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم)
قال ربنا: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الجاثية:١٧].
فقد كانوا مجمعين على ظهور رسول يأتي بعد عيسى، وإذا بهم يختلفون عندما ظهر وكان العلم به واضحاً، قال ربنا عنهم: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الجاثية:١٧] ظلماً وتعدياً وبغياً بينهم.
وبعض منهم -وهم قلة- آمنوا وأسلموا، وفي طليعة هذه القلة عبد الله بن سلام، أسلم بمحضر رسول الله ﷺ ، ولم يعلن إيمانه رسول الله، وكان قد طلب من النبي ﵊ أن لا يخبر اليهود بإسلامه إلا بعد أن يسألهم عنه، فقال لهم وقد جمعهم وجمع رهبانهم وأحبارهم: (كيف عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: عالمنا وسيدنا وأفضلنا، فقال لهم: إنه أسلم فقالوا: لن يكون هذا.
فأعلن عبد الله بن سلام شهادته وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فعند ذلك شتموه وجهّلوه)، وهكذا كشفوا عن نفاقهم وعن كذبهم وعن بهتانهم وعما لا يليق بإنسان.
قال تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الجاثية:١٧] فجاءهم الحق على صدقه، وجاء بعد ذلك العلم اليقيني، فسألوه عن معجزات فأجاب عنها، وسألوه عن أنبيائهم فأجاب عنهم، وبعد كل هذا أبوا إلا حرباً وقتالاً، وكان النبي ﷺ قد عاهدهم فغدروا، وإذا بالنبي ﵊ يقاتلهم ويحاربهم ويطردهم ويوصي بمن لم يطرد بعد أن يطرد، فقتل من قتل، وشرّد من شرّد.
قال تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الجاثية:١٧] فاعتدى بعضهم على بعض، اعتدى من بقي على كفره على من آمن، وطغى عليه وكذّبه ولم يؤمن بإيمانه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الجاثية:١٧].
سيقضي الله بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون، وهذا فيمن أصر على الكفر، أما من هداه الله وآمن بهدى الله وآمن برسول الله وآمن بالكتاب المنزل عليه فقد أراه الله الحق في دار الدنيا.
стр. 2223
تفسير قوله تعالى: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية:١٨].
أي: بعد إرساله تعالى الرسل من بني إسرائيل وما آتاهم من كتب وحكمة وما آتاهم من نبوة، ختم الله الأنبياء بنبينا ﷺ ، وختم الرسل برسولنا ﷺ ، وختم الكتب بكتاب الله المنزل عليه، وهو القرآن قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ [الجاثية:١٨] أي: يا رسول الله! قد أرسلك الله وجعلك على شريعة، وعلى طريقة، وعلى حكم، وعلى شريعة من الأمر فاتبعها.
والشريعة: القانون، والشريعة المشرع، يقال لممر الماء: مشرع، ويقال للطريق: شارع، ويقال للمذهب كذلك: شريعة، فالأنبياء يؤمنون بإله واحد، ورسالة الأنبياء جميعاً جاءت بـ (لا إله إلا الله)، وبالإيمان باليوم الآخر، أما الشرائع فهي مختلفة، كما قال ﵊: (نحن معاشر الأنبياء أولاد علات).
стр. 2224
تفسير سورة الجاثية [٢٤ - ٢٨]
الكفار الملاحدة ينكرون البعث والجزاء، ويقولون إنما هي حياة واحدة لا بعث بعدها، وإذا جاءتهم الآيات البينات التي تدل على وحدانية الله وصدق رسله، كابروا وطلبوا إحياء آبائهم في الدنيا، فهؤلاء سيلقون جزاءهم يوم يجمع الله الخلق يوم القيامة.
стр. 2225
تفسير قوله تعالى: (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا)
стр. 2226
المعنى الإجمالي للآية
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية:٢٤].
يخبر ربنا عن هؤلاء الذين كفرت بواطنهم قبل أن تكفر ظواهرهم، وكفرت ألسنتهم قبل أن تكفر حواسهم، حيث كفروا فلم يروا، وكفروا فلم يفقهوا، وكفروا فلم يسمعوا، واتخذوا الهوى إلهاً، ثم لم يكتفوا بالعمل فزادوا في القول طوام وبلاء فقالوا: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الجاثية:٢٤].
قالوا: لا آخرة ولا بعث ولا نشور ولا حساب ولا عقاب.
﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] فليست الحياة في أنظارهم إلا الحياة الدنيا التي عاشوا فيها، فهذه الدنيا التي عاشوها فيها يحيون وفيها يموتون، ولا يكون الهلاك إلا بالأعمار وبالسنين، وبطول المقام في الدهر والعصر، فليس هناك آخرة ولا رسل ولا كتب.
وهذا الكفر هو كفر الشيوعيين اليوم، وهو دينهم الذي نشروه بين الناس كتباً ونظريات، وجعلوه كتباً هي برامج في التعليم وبرامج في التربية تزيدهم كفراً على كفر.
وهذا هو الكفر الذي يسمون أنفسهم به التقدميين، ويلمزون غيرهم بأنه المتأخر الرجعي الذي لا يأتي إلا بما طواه الدهر وأكل عليه وشرب، وها نحن نرى أن كفرهم هذا كان قديماً، كان منذ آلاف من السنين، فهم الذين رجعوا إلى الكفر الأول، فهم رجعيون؛ لقولهم: نحيا في هذا العصر ونموت في هذا العصر، ولا يهلكنا إلا طول الدهر وكثرة أيامه في الدنيا، أما أن يكون هناك حياة بعد الموت وآخرة وبعث ونشور فلا! فهؤلاء رجعوا إلى المقالة القديمة الكافرة، فصاروا دهريين، كما قال الله عنهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] فجعلوا من الدهر إلهاً، وجعلوا هواهم إلهاً وعبدوه من دون الله، ونسبوا إلى الدهر الحياة والموت.
стр. 2227
معنى قوله تعالى: (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر)
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الجاثية:٢٤] فليس هناك قضية ولا عمل إلا هذه الحياة التي نحياها ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الجاثية:٢٤] يموت منا أقوام ويحيا منا أقوام، وقد رتبوا القول فقالوا: ما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] وهكذا ظنوا، وهكذا وهموا.
والله لم يخلق السماوات والأرض إلا بالحق، وما خلق ذلك باطلاً.
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص:٢٧] وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فهيهات هيهات أن يكون هذا الهراء من القول ديناً، وأن يكون علماً، فقد قال هذا كفرة في جزيرة العرب، وكفرة في أرض الروم، وكفرة في مختلف بقاع الأرض، قالوه وقت أن قال هذا ربنا وأنزله على نبينا، ولا يزال ذلك مقولاً في أفواه قائلين به مستمسكين به، وهذا مذهب الفلاسفة الملحدين، ومذهب المعطّلين، ومذهب الشيوعيين، ودين الكفرة الذين لا يؤمنون بالله، فهم زعموا أن الحياة الدنيا هي الأولى الآخرة، وأنه لا شيء في الأرض إلا أن يحيوا ويموتوا، فيموت الآباء ويحيا الأبناء، ويذهب الأبناء ويأتي الأسباط، وهكذا سلسلة خلف سلسلة.
وهذا ما ورد في الصحيحين وفي السنن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله : يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار).
ومعنى ذلك أن الدهر الذي ينسبون إليه هذا العمل ليس بيده شيء، فالدهر: هو معنى غير محسوس، فهو سنون وأوقات تمضي وتتبعها أوقات، فكيف بهذا المعنى يحيي ويميت ويرزق ويعطي ويعز ويذل؟! ولذلك جعل الله من يقول: (يا خيبة الدهر) شاتماً لربه؛ لأن الدهر ليس بيده شيء، ولا يملك أخذاً ولا عطاء، ولا حساباً ولا نشوراً.
وسب الدهر كثيراً ما يجري على ألسنة الناس، حتى المؤمنين، فإذا فات أحدهم شيئاً، أو رأى غيره أكثر حظاً منه في الحياة وأكثر رزقاً وأكثر جاهاً وأطول عمراً يذهب ويشتم الدهر.
وقد أجمع العلماء إلا الظاهرية على أن الدهر ليس اسماً من أسماء الله الحسنى، وإنما معنى كلام النبي ﷺ في الحديث القدسي المروي عن الله ﷻ أنه: يسبني عبدي ويؤذيني فيقول: (يا خيبة الدهر) فيشتم الدهر، وأنا الدهر بيدي الليل والنهار أقبضهما وأبسطهما، فمعنى ذلك أن هؤلاء الذين ينسبون إلى الدهر حياة ومماتاً وعطاء وأخذاً لم يعلموا أن الدهر لم يفعل ذلك، ولا يليق به ذلك، بل الله الذي يفعل ذلك، فمن يشتم الدهر يكون كمن شتم من فعل ذلك، والذي فعله هو الله ﷻ .
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الجاثية:٢٤]، فليست القصة، وليست القضية، وليست الرسالة بمجموعها إلا هذه الكلمات بزعم هؤلاء الكفرة الملحدين ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] فما يهلك الإنسان بالموت إلا يومه وعمره، وطول أيامه وطول مكثه على هذه الأرض حتى يكل ويمل ويعجز عن القيام بشئون نفسه وبشئون الحياة، فيكون قد هلك ومات، وما ذلك إلا من طول دهره وطول أيامه وطول حياته وعصره.
стр. 2228
معنى قوله تعالى: (ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون)
هكذا زعم هؤلاء وكذبوا، فقال الله عنهم: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية:٢٤].
فهذا الذي قالوه قالوه عن غير علم، وعن غير فهم، وعن غير إدراك، وقالوه جهلاً واعتباطاً، فقالوا ما لا علم لهم به، ومن أظلم ممن يكذب على الحق، ويجعل من الباطل حقاً دون دليل ولا برهان ولا رجوع لمنطق من حق أو عقل أو نقل.
قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية:٢٤] فليسوا هم إلا ظانين و ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس:٣٦]، فالظن لا يقوم به حق، والظن لا يبنى عليه حق، والظن لا تقوم عليه السماوات والأرض، إن هو إلا وهم من الأوهام قد يكون وقد لا يكون، والظن بهذا الاعتبار إذا دخل العقائد أفسدها وحولها من إيمان إلى كفر.
فهؤلاء قالوا ما لم ينزل به كتاب ولم ينطق به عقل يعي ذلك ويفهمه، ولكنه أوهام توارثوها كما يتوارث أهل الباطل الباطل، وأهل الكفر والإلحاد الكفر والإلحاد.
فكفرة اليوم عندما يقولون هذا القول بعينه كما قاله أولئك يكونون قد عادوا إلى ظنون وأوهام وأباطيل ما أنزل الله بها من سلطان.
стр. 2229
تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات)
قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية:٢٥].
إن هؤلاء من تمام كفرهم وإصرارهم على هذا الكفر إذا أتتهم آيات الله وبراهين قدرة الله ووحدانية الله، وأن الله المحيي وأنه المميت، وأنه المهلك وأنه الذي يحيي الناس ويحيي الخلق بعد موتهم فهذا إلى الجنة وهذا إلى النار، إذا تتلى عليهم هذه الآيات وهذه البراهين وهذه الأدلة القاطعة التي لا ينكرها عقل إلا إذا كان به خلل أو مرض، ولا ينكرها مؤمن، إلا إذا كان قلبه مريضاً عليه غشاوة، وقد قضي عليه فلا يعي ولا يفهم ولا يفقه، وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيات الله بَيِّنَاتٍ واضحات ظاهرات كاشفات للحق، كاشفات للباطل، بها نعرف الباطل فنطويه ونكفر به، وبها نعرف الحق فنلتزمه ونؤمن به، إذا بهم يريدون أن يجادلوا بالباطل.
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية:٢٥] فيقولون: إن صدقتم في أن هناك حياة بعد الموت، كما يقول الأنبياء قبل، وكما يقول المؤمنون بعد، وكما يقول القرآن، وكما يقول نبينا ﵊ والمؤمنون، إن كان هذا حقاً فأتوا بآبائنا الذين ماتوا ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية:٢٥] لنسألهم ماذا لقوا في قبورهم، هل رأوا جنة أو ناراً؟ وهذا الذي قالوا باطل من القول ولغو؛ إذ لم يقل لهم بأن الأموات سيعودون إلى الحياة الدنيا، وإنما قيل لهم بأن الله سيعيد الحياة في الآخرة بعد انقضاء الدنيا وبعد محوها وبعد فنائها، أما أن يعيش الإنسان في الدنيا حياتين ويموت فيها موتتين فهذا لم يقله أحد، لم يأت به نبي ولا كتاب، ولا يؤمن به مؤمن.
(وحجتهم) في قوله تعالى: (ما كان حجتهم): خبر كان مقدم على الاسم، وتقدير القول: ما كان حجتهم إلا قولهم: ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين، فقُدّم الخبر على الاسم للحصر والاختصاص، فهو مما يؤكد زعمهم وقولهم ذلك، واستمساكهم بهذا الباطل.
فأتوا بشيء ظنوه حجة، وهيهات هيهات أن يكون كذلك، ما هو إلا جدال بالباطل، وما هو إلا قول لا دليل عليه، وما هو إلا كلام لا يقبله عقل ولم يؤكده نقل، ولكنهم فتحوا الأفواه فعووا كما يعوي الكلب دون فهم ولا إدراك ولا دين من الله ولا كتاب منزل ولا نبي مرسل، وما كان كذلك فهيهات هيهات أن يكون حجة، أو يكون قولاً يعتمد عليه ليجادل على طريقته ويجادل في سبيله.
وما ذكر الله قوله: (حجتهم) إلا لكونهم اعتبروه حجة، وليس هو من الحجة في شيء، وإنما هو الجدال بالباطل.
стр. 2230
تفسير قوله تعالى: (قل الله يحييكم ثم يميتكم)
стр. 2231
معنى قوله تعالى: (قل الله يحييكم ثم يميتكم)
قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية:٢٦].
أي: قل يا رسول الله لهؤلاء المبطلين: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [الجاثية:٢٦] لا دهر ولا عمر ولا عصر ولا دنيا، فالدنيا مخلوقة، والدهر مخلوق، والأعمار كذلك، والله وحده المحيي المميت، ليس الأمر كما زعمتم أنه ما هي إلا الحياة الدنيا وما يهلككم إلا الدهر، بل الله المحيي المميت المهلك.
فقل -يا رسولنا- لهؤلاء وعلمهم وهذّبهم وأصلح ألسنتهم وأصلح عقائدهم ﴿اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [الجاثية:٢٦] أحيانا وقد كنا عدماً، فأين كنا قبل مائة عام؟! وأين من كان في الدنيا قبل مائة عام؟! لقد كنا عدماً وكنا أمواتاً فأحيانا الله وأخرجنا إلى هذا الوجود، خلقنا من ذكر وأنثى، كما خلق أبانا آدم من تراب وأمنا حواء من ضلع من أضلاعه، وخلق عيسى من أم بلا أب، وخلق سائر الخلق من ذكر وأنثى.
قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [الجاثية:٢٦] وهذا شيء نراه بعين الواقع، فأين آباؤنا؟! وأين أجدادنا؟! وأين كبارنا؟! لقد ماتوا ولن يعودوا، وبادوا فيمن باد، وهذه الطريق طريقنا ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] فمن فعل ذلك؟ ومن المحيي من المميت؟ إنه الله ﷻ .
стр. 2232
معنى قوله تعالى: (ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه)
قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الجاثية:٢٦]: يجمعنا أحياء على سطح واحد في أرض المحشر نُعرض على الله في يوم كان مقداره ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] في يوم كبير، ويوم فظيع، ويوم يشيب فيه الوليد، ويوم تُسقط فيه الحامل، ويوم يقول كل إنسان فيه: نفسي نفسي، فلا يفكر أب في ولد، ولا ولد في أب، ولا أخ في أخ، ولا قريب في قريب من شدة هول ذلك اليوم.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الجاثية:٢٦] أي: نحيا حياتين، ونكون قد متنا موتين: الموت الأول هو العدم قبل خروجنا إلى الدنيا، وخروجنا هو الحياة الأولى، ثم نموت الموتة الثانية بالنسبة للعدم الذي كنا فيه قبل أن يخلقنا الله، ثم يعيدنا ويحيينا ويجمعنا للعرض والحساب، وهي الحياة الثانية في الدار الثانية الآخرة الدائمة.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الجاثية:٢٦] أي: ليوم القيامة، وحروف الجر كثيراً ما ينوب بعضها عن بعض ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الجاثية:٢٦] أي: لا شك ولا توهم ولا تردد، وإن رأيت شاكّاً أو رأيت متردداً فذلك الكافر الذي لا يؤمن بالله.
стр. 2233
معنى قوله تعالى: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون)
قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية:٢٦].
فأكثر الناس منذ خلق الله آدم إلى موت آخر إنسان على وجه الأرض كافرون بالله وبالبعث، فلا يوقنون بأن يوم البعث حق، ولا بأن العودة إلى يوم القيامة حق، ولا يؤمنون بالجنة والنار، ولا يؤمنون بكتب الله، ولا برسل الله، ولا بقدرة الله وبوحدانيته، وذلك معنى قوله ﷻ : ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦].
ولذلك فإن القول بالأكثرية والأقلية نظام يهودي؛ لأن الأكثرية ضالة، فأقاموا الندوات والبرلمانات ودور الشورى، وجعلوا القول والحكم للأكثرية، فما قاله الأكثر فهو الحق والصواب، وما قاله الأقل فهو الباطل! والله لم يقل هكذا، بل قال لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] والأمر لا يزال قائماً، فلو أن أحدنا قام اليوم فقال: أريد أن أعمل موازنة لأعلم هل الأكثر في الناس المسلمون أم الكفار لخرج بنتيجة مفادها كثرة الكفرة من يهود ونصارى ووثنيين وشيوعيين.
فلو اعتبر المرء الأكثرية لكان كافراً؛ لأنهم يزعمون أن الحق مع الأكثرية، وإنما يزعمونه لغيرهم، أما لهم فلا، ولو آمنوا بأن الأكثرية المحقة لوجب عليهم أن يتبعوا الأكثرية؛ لأنهم أقل الأمم وأقل الأديان، ولن يفعلوا أبداً، فإنك تجد اليهودي الواحد ضمن مائة مسلم أو أكثر، فتجده منذ طفولته وهو مستمسك بيهوديته، حتى لو أجبر على الإسلام أو داهن المسلمين فلا تثق به ولا تصدقه، فهو كافر العقيدة يهودي في باطنه لا يكاد يظهر لهم شيئاً، وهذا أمر رأيناه وعشنا في واقعه وعاش فيه سابقونا.
قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية:٢٦] فأكثر من في الأَرض من الأمم جميعها ومن الأقوام كلها سابقها ولاحقها لا يعلمون الحق، ولا يعلمون الصدق، ولا يعملون اليقين، ولا يؤمنون به ولا يؤمنون ببعث، ولا يؤمنون بحساب ولا عقاب.
стр. 2234
تفسير قوله تعالى: (ولله ملك السماوات والأرض)
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الجاثية:٢٧] إن أولئك الذين ينسبون إلى الدهر ما ليس له، ويقولون: ما يهلكنا إلا الدهر، وما تهلكنا إلا الحياة الدنيا، فنحيا ونموت، ولا بعث ولا نشور، هؤلاء الكذبة الفجرة يرد عليهم بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الجاثية:٢٧] فلله الدهر ولله العمر، ولله الحياة، ولله الممات، وبيده القبض والبسط، فليس الأمر لدهر كما توهموا، ولا للحياة ولا للموت كما توهموا، بل الحياة بيد الله، والممات بيد الله، والسماوات والأرض وما فيهما وما بينهما وما عليهما ملك لله خلقاً وتصرفاً وتدبيراً.
يقول ربنا: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الجاثية:٢٧] فيوم تقوم الساعة التي ينكرها الملاحدة والدهريون تظهر خسارة المبطلين الذين أبطلوا الحقائق، والذين آمنوا بالباطل، والذين كفروا بالله وبرسل الله، ففي ذلك اليوم يرون ما كانوا ينكرون، فيعيشون في واقع ما كانوا يكفرون به، ويومئذ سيشعرون بالخسارة، فقد خسروا دنياهم فلم يستفيدوا منها، إذ هي مزرعة للآخرة، وخسروا آخرتهم وقد جاءوا إليها كفرة فجرة غير مؤمنين بها ولا بما سيكون فيها.
стр. 2235
تفسير قوله تعالى: (وترى كل أمة جاثية)
قال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٨].
ترى يوم القيامة كل أمة جاثية، والجثو: أن يقف الإنسان على ركبتيه، وتكون أصابع رجليه على الأرض، فيوم العرض على الله سيعرض عليه خلقه قائمين على الركب، وهم في رعب وهلع يقول كل منهم: نفسي نفسي، فلا يفكر أحد في أحد، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧].
يقول تميم الداري ويقول سلمان الفارسي: يوم يقول كل أحد: نفسي نفسي، حتى إبراهيم يكون جاثياً على ركبتيه ويقول: يا رب! نفسي نفسي، لا أطلبك إلا نفسي، ويكون عيسى كذلك جاثياً على ركبتيه يقول: يا رب! لا أسألك إلا نفسي، لا أسألك حتى مريم التي ولدتني.
فهو يوم عظيم ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢].
ولكن الذي يبقى في هذا اليوم حاضر الذهن عظيم الرجاء والدعاء والضراعة هو شخص وحد، وهو الذي أقامه الله المقام المحمود، هو محمد سيد الخلق ﷺ ، وهو الذي يقول ﵊: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر).
فالخلائق يومها جاثية على ركبها مطأطأة تفكر في العذاب والحساب فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، وتأتي الأمم إلى الأنبياء، فيأتون إلى نوح فإبراهيم فموسى فعيسى وكلهم يقول: نفسي نفسي، وبعضهم يقول: قد أذنبت وفعلت كذا وكذا، فتأتي الأمم كلها إلى رسول الله ﷺ فيقولون: اشفع لنا عند ربك.
فيقف ﷺ ويقول: (أنا لها أنا لها) ثم يذهب إلى تحت العرش فيسجد ويطيل السجود، ويحمد الله بمحامد يلهمها، وهو من هو في قوله ومحاورته وخطابته.
فيوم القيامة عندما يخر ساجداً لربه تحت سقف العرش يلهم دعوات أخرى بفصاحة وبلاغة أخرى بوحدانية لله فريدة، فيدعو الله ويضرع إليه، فيقال له: (ارفع رأسك، واشفع تشفّع، وسل تعط) ولا يكون هذا لأحد في هذا اليوم وفي هذا المقام العظيم إلا لخاتم أنبيائه وسيد رسله وأفضل خلقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أكرمنا الله بشفاعته، وأسعدنا بها، وأدامنا على دينه، وأحيانا عليه وأماتنا عليه إلى أن نجتمع به على الحوض.
يقول تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية:٢٨] يصف الله يوم القيامة يوم يخسر المبطلون، فهذا اليوم لو تراه يا رسولنا، ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية:٢٨] وبهذه الكلمة سميت السورة سورة الجاثية، وهو من باب تسمية الكل باسم البعض.
قال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية:٢٨] فكل الأمم من عهد آدم إلى أمتك تراهم جاثين على الركب على الأرض ينتظرون أمر الله إلى جنة أو إلى نار، ولا يستشفع عنده أحد إلا بإذنه فقبل شفاعته ﷻ وعز مقامه.
قال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ [الجاثية:٢٨] تدعى كل أمة إلى كتابها، فأمة القرآن تدعى إلى القرآن، وأمة التوراة تدعى إلى التوراة، وأمة الإنجيل تدعى إلى الإنجيل، ويقال لهذه الأمم: كيف كنتم مع هذا الكتاب المنزل عليكم؟ هل أحللتم حلاله وحرمتم حرامه وقمتم بحدوده؟ وهل تأدبتم بآدابه واعتقدتم عقائده؟ وهل تلوتموه أم نسيتموه واتخذتموه وراءكم ظهرياً؟ قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٨].
أي: يقال لهم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٨]، فهذا يوم الجزاء، فالدنيا كانت مدارس، وكانت جامعات، والامتحان ليس في دار الدنيا، بل هو في الدار الآخرة، فمن جاء بكتابه بيمينه كان الناجح الفائز وذلك الفوز المبين، ومن جاء بكتابه بيساره كان الراسب الساقط، وعند الامتحان يعز المرء أو يهان، ولا عزة يوم القيامة إلا النجاة من عذاب الله ومن نار جهنم، ولا فوز يوم القيامة ولا نجاة كالفوز في الجنة والخلود فيها، جعلنا الله من أهلها، ومن سكانها بفضل الله وكرمه.
стр. 2236
تفسير سورة الجاثية [٢٩ - ٣٣]
عندما يجمع الله الأمم يوم القيامة وترى كل أمة جاثية، فحينئذٍ يأخذون كتبهم فينطق الكتاب بما عمل صاحبه، فأما المؤمنون فيدخلهم الله الجنة، وأما الذين كفروا فيسألهم الله سؤال تقريع وتوبيخ عن كفرهم بآيات الله التي كانت تتلى عليهم في الدنيا، وعن تكذيبهم بوعد الله الحق وقيام الساعة.
стр. 2237
تفسير قوله تعالى: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)
قال الله ربنا ﷻ : ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩].
قوله تعالى: (كتابنا) هو الكتاب الذي يكتبه الملائكة المكلفون بالإنسان.
فالكافرون الذين يأتون يوم القيامة وهم منكرون للبعث، ومنكرون للحساب والعقاب يقول الله لهم: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية:٢٩].
أي: هذا الكتاب المكلف بكتابته الملكان عن اليمين وعن الشمال، فأحدهما يكتب الحسنات والآخر يكتب السيئات؛ لا ينطق إلا بالحق، أي: لا يكتب فيه إلا الحق ولا ينقل منه إلا الحق، وكأنه بذلك ينطق، وما النطق إلا أداء المعاني المرادة، فهذه المعاني التي يؤديها النطق تؤديها الكتابة التي يكتبها الملائكة في أعمال الناس حسناتها وسيئاتها ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية:٢٩] أي: أيها الناس من مؤمنين وكافرين، فلا يُكتب في الكتاب ولا ينسخ في الكتاب ولا يسجّل في الكتاب إلا الصدق والحق الذي لا شك فيه ولا ريب.
قال تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩].
يقول ربنا ﷻ : إنا كنا -وأنتم في دار الدنيا- نستنسخ ما كنتم تعملون، فنكلّف الملكين بنسخ وكتابة ما تعملون من خير أو شر، ولكن ليس مع الكفر خير، وليس مع الشرك حسنات، إن هو إلا شرك، وما زاد عليه إن كان حسنة -بأن كان صدقة أو خدمة لإنسان- فلا يزيد ولا ينقص؛ لأنها أعمال كانت بلا نية صادقة لا يراد بها وجه الله؛ لأن الكافر لا يعرف لله وقاراً ولا مقاماً، ولا يعرف إيماناً ولا توحيداً.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ﴾ [الجاثية:٢٩] فسّره قوم من المحققين والمفسرين فقالوا: النسخ لا يكون إلا من كتاب إلى كتاب، ومعنى ذلك أن أعمال الإنسان مدونة في الديوان في الملأ الأعلى في اللوح المحفوظ، فمدون هناك ما عمل وما سيعمل إلى يوم القيامة، وشقي هو أو سعيد، ومع ذلك يكلّف الملائكة بكتابة أعمالهم ونسخها من هناك، فإذا وافق ما كتبه الملكان فذاك، والحفظة الكتبة المكلفون بكتابة الأعمال هم قوم معصومون وملائكة مقربون ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، فلا تتصور منهم مخالفة ولا تبديل ولا تغيير فيما ينسخونه من اللوح المحفوظ إلى كتبهم.
وقد قيل: يعرض ما كتبه الملكان على ما كان في اللوح المحفوظ، فما كان فيه من مباح لا حسنة ولا سيئة يعتبر لغواً، فلا يسجّل ولا يكتب ويلغى؛ لأنه لا تنشأ عنه حسنة ولا تنشأ عنه سيئة، فلا حاجة إلى كتابته.
يقول تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا﴾ [الجاثية:٢٩] يقال لهم يوم القيامة: هذا كتاب الله الذي أمر به الله الحفظة الكتاب من الملائكة ليدونوا فيه أعمال الإنسان منذ أن يبلغ إلى أن يتوفى، فهو ينطق عليكم بالحق لا يكذب ولا يزيد ولا ينقص، وينطق عليكم بالعدل، ويسجّل بالحق، ولا يقول إلا ذلك.
وهذا الكتاب فيه جميع ما كان يعمل الإنسان في دنياه من حسنات أو سيئات، فلا مجال للنكران ولا مجال للفرار ولا مجال إلى التخوف من الزيادة أو النقصان ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧] ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الجاثية:٢٢].
стр. 2238
تفسير قوله تعالى: (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته)
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الجاثية:٣٠].
أي: هذا الكتاب هو على شعبتين: شعبة لكتابة أعمال الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وشعبة للذين كفروا ولم يعملوا صالحاً يوماً.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية:٣٠] أي: آمنوا بالله لساناً، وأيقنوا جناناً، وعملوا بالجوارح وتمسكوا بـ (لا إله إلا الله)، ومع كلمة التوحيد فعلوا الحسنات والصالحات، ومنها الأركان الخمسة: الصلوات الخمس، وصيام رمضان، والزكاة، وحج بيت الله الحرام، وكذلك ترك المنكرات ما ظهر منها وما بطن.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الجاثية:٣٠] والرحمة الجنة، ففي حديث مسلم في الصحيح: (أنت رحمتي أرحم بك من أشاء)، ورحمته إن كانت لرضاه فمؤداها الجنة، فلا تكون الجنة إلا بعد الرحمة.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الجاثية:٣٠] أي: ذلك هو الفوز الظاهر البين، ذلك هو النصر الواضح، ذلك هو النجاح الكامل، أن يقبل الله من عبده إيمانه وعمله الصالح بأن تسجّل ملائكته ذلك في كتاب مستنسخ عن اللوح المحفوظ، فمن وجد ذلك فقد فاز فوزاً عظيماً ونصر نصراً مبيناً وآب بالجنة، وآب بالرحمة والرضا، وذاك مما استنسخه ملائكة الله في الكتب التي أمروا باستنساخها، فهذا حال المؤمنين.
стр. 2239
تفسير قوله تعالى: (وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم)
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الجاثية:٣١].
أي: يقال لهم: ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ﴾ [الجاثية:٣١] يستفهمون استفهاماً توبيخياً تحقيرياً، فيقال لهم: ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [الجاثية:٣١].
أي: ألم تكن آيات كتابي ودلائل وحدانيتي وبراهين قدرتي يتلوها علماؤكم عليكم؟! أفلم تسمعوها من المؤمنين؟! أفلم تتلوها في كتاب الله؟! أين كنتم إذ ذاك وآيات الله تتلى عليكم تقرع آذانكم، وتعلمكم دين ربكم؟! بل كانت حالتكم أن اسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ، استكبرتم عن الإيمان، وتعاليتم على الأنبياء، واطرحتم العلماء، ولم تسمعوا ما وجب عليكم استماعه من الإيمان بالله والإيمان برسله والعمل بكتابه.
فالله يقول لنا هذا ونحن لا نزال في دار الدنيا لنتعظ ولنخاف ونهاب، ولنجعل ذلك نذيراً لعلنا نعود إليه، ولعلنا نخاف مما خوفنا منه، ومع ذلك يأتي أكثر الناس يوم القيامة وقد كفروا بربهم، وأشركوا بوحدانيته، وكفروا بقدرته، وكذّبوا أنبياءه ولم يعملوا بما سمعوه من آيات، فتكون حجة الله البالغة عليهم ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الجاثية:٣١] والإجرام هنا بالغ أعلاه وأقصاه، وهو الكفر والشرك بالله، استكبرتم عن الإيمان فكنتم مشركين كفرة بالله وثنيين.
стр. 2240
تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها)
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية:٣٢].
أي: إذا قال المؤمنون: إن وعد الله بيوم القيامة وبيوم البعث والحساب والعرض على الله حق، ﴿وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الجاثية:٣٢] أي: يوم القيامة ويوم البعث لا ريب فيه، ولا شك، فهو آت لا محالة لتعرض أعمال الناس وأعمال الخلق على الله فإما إلى جنة وإما إلى نار، إذا قيل لكم ذلك وسمعتم ذلك إذا بكم تجيبون: ما ندري ما الساعة؟! تتكلمون بهزء وتتكلمون بجهل، وتتكلمون بكفر، وتقولون: ما ندري ما الساعة؟! أهي ساعة تنتظر من ساعات الزمان؟! أم هي اليوم الذي يقول عنه أناس: هو يوم البعث والنشور والحياة الثانية؟! فإن كان كذلك فنحن لا ندري بهذا، ولا نعرفه، ولا نوقن به! ﴿مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ [الجاثية:٣٢] ولسنا إلا ظانين واهمين، فلا نتيقن بذلك ولا نؤمن بحقيقة ذلك، فكيف يعيش الإنسان مرة ثانية بعد أن يصبح عظاماً نخرة، وبعد أن يصبح رفاتاً، وبعد أن يعود تراباً؟! وقد أتى الله تعالى بالبراهين القاطعة والدلائل الواضحة في العشرات -بل المئات- من الآيات والعشرات من السور على البعث، كقوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]، فالدليل عندكم، فأنتم تدركون أنكم لم تكونوا فكنتم، لم تكونوا عظاماً نخرة ولا أشباحاً جامدة، بل كنتم عدماً، ومع ذلك صير الله هذا العدم وجوداً، فأخرجكم إلى الوجود أشباحاً ذات أرواح ناطقة ومتحركة عاقلة، فهذه الأشباح المتحركة أين كانت؟! ومن أتى بها؟! ومن صنعها؟! قال تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] فالدلائل القاطعة على القدرة الإلهية وعلى الوحدانية الإلهية هي قائمة في كل نفس.
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فكيف بعد ذلك تنكرون هذا وتقولون: لن يكون، فكيف نعود بعد أن كنا عظاماً نخرة، وبعد أن كنا رفاتاً؟! قال تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩] وإنشاؤها أول مرة يدركه كل ذي عينين وكل متحرك من الخلق.
إذاً: هؤلاء يجادلون بالباطل ولا يعلمون حقيقة من عقل ولا نقل ولا أثارة من علم، إن هو الهراء والجدال بالباطل.
يقول تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية:٣٢] أخذوا يهزئون في دنياهم ويقولون: ما هي الساعة؟! لا ندري ما هي؟ أهي ساعة من زمن؟! أهي يوم من أسبوع؟! أهي عام من الأعوام؟! أم هي ما يقولون عنه: أننا سنعود لحياة ثانية بعد الموت ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ [الجاثية:٣٢] إن كان ذلك حقاً فنحن نظنه ونتوهمه ويخطر ببالنا، ولكننا لسنا بمستيقنين منه، ولسنا بمتأكدين، ولسنا به بمؤمنين، وهكذا يسجّلون الكفر على أنفسهم بالقول والعمل، حتى إذا جاءوا وجدوا كل هذا في الكتاب الناطق بالحق المستنسخ من قبل الملائكة المعروض على الله ﷻ .
قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الجاثية:٣٣] جاءوا في الآخرة ووجدوا ما أنكروه حقيقة واقعة، وعاشوا بعد الموت، وسيقوا سوقاً ودفعوا دفعاً لمحكمة ربنا ولقضاء إلهنا حيث لا ظلم، وحيث العدل المطلق، وإذا بهم يفاجئون بما كانوا ينكرون فيجدون حقيقة واقعية ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ [الجاثية:٣٣] ظهر لهم سيئات أعمالهم بينة واضحة.
стр. 2241
تفسير سورة الأحقاف [١ - ٦]
إن الله بعث إلى عباده الرسل لينذروهم ويحذروهم من الإشراك به تعالى، لكن من هؤلاء العباد من أعرض واتخذ مع الله شريكاً لا ينفعه ولا يضره وإنما يتبرأ من عبادته يوم القيامة ويخاصمه عند الله أنه إنما كان عن عبادته غافلاً، وبدت عند ذلك العداوة بين العابد والمعبود.
стр. 2242
تفسير قوله تعالى: (حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم)
قال الله تعالى: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الأحقاف:١ - ٢].
كثيراً ما يقرءون ويقولون: قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم﴾ [الأحقاف:١].
وهذا ليس بصحيح؛ لأن البسملة إنما وردت بعض آية من كتاب الله في سورة النمل: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠].
وسورة الأحقاف سورة مكية اشتملت على خمس وثلاثين آية، ولكن هذا لا ينفي أن تكون ثم آية أو آيتان مدنيتان ضمن الآيات المكية، إذ كان من عادة نبي الله ﵊ عند تنظيم كتاب الله وتصويبه أن يقول: (ضعوا هذه الآية في سورة كذا، وضعوا سورة كذا بعد سورة كذا).
﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الأحقاف:١ - ٢]، تنزيل هذا الكتاب عن طريق الوحي، والوحي: ما أنزل من عند الله على قلب محمد ﷺ ، لا شك في ذلك ولا ريب ولا مين.
﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الأحقاف:٢] العزيز الذي لا يغالب ولا يمانع، والحكيم في أقواله وفي أفعاله وفي قدره، الذي يضع الأمور في مواضعها، ولا أحد يفعل ذلك إلا الله تعالى ﷻ ، قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الأحقاف:٢].
стр. 2243
تفسير قوله تعالى: (ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق)
قال تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣].
أي: ما خلق ربنا السماوات والأرض وما بينهما من كواكب ومن مجرات إلا بالحق، لم يخلقه عبثاً ولا باطلاً، بل خلقه لحكمة، خلقه ليعلم وليعرف وليعدل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] خلق الإنس والجن ليعبدوه، وسخر للإنسان السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما، سخر له ما في السماوات من أرزاق وأمطار، وسخر له ما في الأرض من مياه وطير ودواب وفاكهة وخضرة.
فقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأحقاف:٣] أي: إلا بالعدل والحكمة، لم يكن شيء من ذلك باطلاً ولا عبثاً، بل خلقه لأجل مسمى، ولم يخلقه للأبد، بل خلقه للفناء، والأجل المسمى: يوم القيامة.
فهذه الدنيا بدايتها يوم خلقها ربها، وتنتهي بقيام الساعة، وقوله: (لأجل) لغاية أو لزمن أو لوقت معلوم عند الله، ويوم القيامة لا يعلم تحديده ووقته إلا الله، وإنما علمنا أماراتها وشرائطها، أما تحديدها بالضبط فلا يعلم ذلك إلا الله جل وعلا.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣]، مع كل هذا ومع انفراد الله بالخلق وقدرته عليه، وخلقه السماوات والأرض وما بينهما لأجل مسمى عنده، مع هذا كله فالكافرون عما أنذروا معرضون.
فالمشركون معرضون عن الذي أنذروا به، أي: عن الذي خوفوا به من كتاب الله تهديداً ووعيداً، تخويفاً وإنذاراً، لكي يتوبوا ويئوبوا إلى الإيمان والتوحيد، ولكنهم مع ذلك غافلون عن كل هذا، لا يلتفتون لنذارة ولا لبشارة ولا لرسالة ولا لكتاب نزل من عند الله مبشراً ومنذراً.
стр. 2244
تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض)
قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف:٤].
جمعت هذه الآية الكريمة بين مسالك الأدلة العقلية والنقلية، فالله ﷻ يخاطبنا في كتابه بما لا ترده العقول ولا النقول، بل كل ذلك يتفق مع الأدلة والبراهين، ومع ما جاء عن الله في الكتب السابقة وما ينطق به العقل في إحقاق الحق وإبطال الباطل، فقال: قل يا محمد! (أرأيتم ما تدعون من دون الله).
هؤلاء الذين تدعونهم من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض، ما الذي رأوا عند هؤلاء المعبودين، وعند هذه الأصنام والأوثان، أخلقت أرضاً؟ هل أشركت الله في خلق جزء من الأرض؟ إن كان هذا كذلك فأروني مكانه وأروني موضعه، وأين هو من مشرق أو مغرب، أين هو من شمال أو جنوب.
قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [الأحقاف:٤] أي: هل أصبحوا شركائي في خلق سماء من السماوات السبع، أو في خلق الملائكة الموجودين في السماء، أو في خلق الأفلاك والكواكب بين السماء والأرض، أروني وأطلعوني وأعلموني.
أم لهم شرك في السماء خلقوه وانفردوا بخلقه، هل خلقوا معي جزءاً من الأرض؟ وإن كان كذلك أروني أين هذه الأرض التي خلقوها؟ قال تعالى: ﴿اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [الأحقاف:٤] بعد سرد الأدلة العقلية يقول الله: أم لكم على ذلك أدلة نقلية في كتب رويتموها وأثرتموها عن السابقين.
فقوله: ﴿اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [الأحقاف:٤] أي: هل نزل عليكم أو على آبائكم أو على من سبقكم كتاب يخبر بأن هؤلاء شركاء وأرباب من دون الله، والاستفهام إنكاري تقريعي، والجواب عن كل فقرة من الآية: لا دليل ولا خلق لهؤلاء المدعوين المعبودين من دون الله، لم يخلقوا جزءاً من الأرض وليس لهم شرك في السماء، ولا عند هؤلاء المشركين كتاب ثابت ينص على هذا.
قال تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف:٤] أو بقية من علم أو أثر أو رواية، فكل الطرق التي يسلك بها إلى الأدلة العقلية والنقلية جمعها ربنا ﷻ في هذه الآية البليغة، وهذا سبب من أسباب إعجاز القرآن وبلاغته وفصاحته.
و
الجواب
لا يوجد شرك ولا كتاب ولا بقية من علم، ولكنكم رويتموها أثراً عمن سبقكم من علمائكم وآبائكم وأجدادكم.
وقوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف:٤] أي: أثر، ومنه سمي الحديث بعلم الأثر، لأنه رواية تروى وأثر يؤثر عن شيوخنا وشيوخهم، عن آبائنا وآبائهم إلى العصور الثلاثة المفضلة، إلى النبي ﷺ ، إلى جبريل رسول الملائكة إلى الرسل من البشر، إلى رب العزة ﷻ وعز مقامه.
ففي هذه الآية دليلان عقليان، ودليلان نقليان، الدليلان العقليان: أنتم تعبدون أشياء لا تضر ولا تنفع حتى نفسها، فلم عبدتموها؟ هل رأيتموها خلقت معي جزءاً من الأرض؟ أروني أين هو؟ أم أنها أشركتني في جزء من السماء؟ أروني إياه، وأطلعوني عليه، فإن لم يكن هناك دليل عقلي فهل عندكم دليل نقلي؟ ﴿اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [الأحقاف:٤] ائتوني بكتاب من السماء توراةً أو إنجيلاً أو زبوراً أو غيرها من الكتب الإلهية، فقولوا هذا عني، وأسمعوني (أثارة من علم) أي: بقية، وروي في القراءات السبع: (أُثرة) و (أَثرة).
والجواب في هذا موجود دل عليه الكلام المقدم: أنه لا شرك ولا شريك ولا كتاب ينكر هذا ولا رواية من علم ولا أثارة.
فمعنى قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف:٤]، أنهم ليسوا بصادقين، فهم الكذبة الفجرة الذين كفروا بالله بلا دليل ولا برهان، وهذا شأن الكفر، وقد ابتلي الكافرون الجدد ببليتين: بالكفر نفسه، ثم هذا الكفر قلدوا به من سبقهم، فهم رجعيون رجعوا إلى سابق، ولم يستطيعوا أن يأتوا بكفر جديد وإنما كرروا كفر من سبقهم وشرك من سبقهم.
أن هؤلاء لما يأتوا بدليل من نقل، فكانوا بذلك هم الكاذبون الفاجرون الذين يدينون الله بدين باطل ما أنزل الله به من سلطان ولا دليل عليه من عقل.
стр. 2245
تفسير قوله تعالى: (ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة)
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف:٥]، أكد ربنا ذلك وزاده تقريعاً وتوبيخاً؛ ليكون ذلك أدعى للسامع في اجتناب هذه المفاهيم الباطلة والأقاويل المتهافتة، وهذا الكلام الذي لا دليل عليه لا من عقل ولا من نقل.
فقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ [الأحقاف:٥] أيضاً
الجواب
لا أحد، وأضل الخلق: أكثرهم ضلالاً وجهالة وبعداً عن العلم، يكفرون ويقولون كفراً علمياً، يسمون الأسماء بغير اسمها، يكذبون ويجهلون ويضللون ويقولون: نخاطبكم بالعلم، ويعنون بالعلم: الجهل، فالضلال: الباطل.
ونبغت نابغة من الجهلة الضالين زعموا أنهم يريدون أن يفسروا لنا كتاب الله تفسيراً علمياً عصرياً، فجاءونا بالعفن وجاءونا بالطوام وبالبلاء في تحريف كلام الله.
ومن العجيب! أن يجد أمثال هؤلاء المعطلون الشيوعيون تلامذة اليهود والنصارى والمنافقين مرتعاً لهم في أجهزة الإعلام المنظورة والمسموعة والمقروءة، تفتح لإفكهم ولشركهم ويقولون: اسمعوا هذا التفسير العصري، حتى إذا قلت لهم: من أين جئتم بهذا الذي سميتموه علماً؟ فسروا لك الماء بالماء، والتراب بالتراب، والشيء بالشيء، وهو شأن العابثين الذاهبة عقولهم، الضائع وعيهم.
فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف:٥] أي: هل هناك أكثر ضلالاً من إنسان يعبد وثناً أو يعبد ملكاً أو يعبد بشراً ويدعوه، ويوم القيامة لا يستجيب له؟ إذا قال له: ارزقني لم يجبه، وإذا قال له: عافني لم يجبه، فهو يعجز عن ذلك وهو أضعف من ذلك، وهؤلاء المدعوون والمعبودون من دون الله عن دعاء هؤلاء الوثنيين المشركين غافلون، لا يحسبون لهم حساباً ولا يهتمون بهم ولا يلتفتون إليهم، وذكر الله (من) التي تطلق على العقلاء، وقد يشترك فيها العقلاء وغير العقلاء ولم يقل: (ما)، ﴿لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف:٥].
وكل هؤلاء العاقلين وغير العاقلين لا يملكون لهؤلاء العابدين ضراً ولا نفعاً، قال ربنا: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٦].
فقوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ﴾ [الأحقاف:٦] أي: جاء يوم الحشر وحشر الناس يوم القيامة للعرض على الله للحساب والعقاب للجنة والنار، كان هؤلاء المعبودون أعداءً لهم.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٦] أي: كفروا بعبادتهم وقالوا لهم: ما عبدتم إلا الأوهام والتخيلات، وعبدتم ما لم ينزل الله لكم به من سلطان، أما نحن فنحن عبيد أذلاء تحت إحاطة الله وقدرته، وكما قال ربنا في أفضل هؤلاء المعبودين: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة:١١٦]، ليس له بحق، وليس له أن يقول ما ليس له بحق: بأنه إله معبود، قال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة:١١٧] بأنه عبد الله، وبأنه رسول الله وما سوى ذلك فكذب وباطل وضلال.
فمن المفسرين من قال: هذه الآية تشتمل على المعبودات الجمادية، الآية الآتية لا تنطبق على ذلك: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٦]، فكيف يكفر الحجر والجماد بعبادة هؤلاء ويكونون لهم عدواً؟
الجواب
إن العداوة تكون من معبودين عقلاء، فمن الملائكة من عبد من دون الله، ومن الجن كذلك، ومن البشر مريم وعيسى وغيرهما كذلك.
فالجمادات لا تجيب ولا تستجيب لدعاتها وعبادها يوم القيامة، ولا تنفعهم ولا تضرهم ولا تشعر بهم فهي جمادات، ويوم القيامة أولئك العاقلون من المعبودين يكونون أعداءً لهم، ويكونون كافرين بعبادتهم، وواقع الحال في الدنيا هكذا، فمن المشركين من عبد البشر، ومنهم من عبد الملك، ومنهم من عبد الجن، ومنهم من عبد الحيوان، ومنهم من عبد الجماد.
فكل هذه المعبودات يقال لها معبودات بغير حق ومعبودات باطلة، وكلها لا تستجيب لعابديها ولا تضرهم ولا تنفعهم، وكل واحد من هؤلاء المعبودين سواءً كان ملكاً أو نبياً أو جناً لا يملك مع الله شيئاً، إن هو إلا عبد له خاضع لقدرته ولجلاله ولإرادته جل وعلا.
следующие страницы →