Полный текст (2 442 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
تفسير سورة الأحقاف [١ - ٦]
إن الله بعث إلى عباده الرسل لينذروهم ويحذروهم من الإشراك به تعالى، لكن من هؤلاء العباد من أعرض واتخذ مع الله شريكاً لا ينفعه ولا يضره وإنما يتبرأ من عبادته يوم القيامة ويخاصمه عند الله أنه إنما كان عن عبادته غافلاً، وبدت عند ذلك العداوة بين العابد والمعبود.
стр. 2242
تفسير قوله تعالى: (حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم)
قال الله تعالى: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الأحقاف:١ - ٢].
كثيراً ما يقرءون ويقولون: قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم﴾ [الأحقاف:١].
وهذا ليس بصحيح؛ لأن البسملة إنما وردت بعض آية من كتاب الله في سورة النمل: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠].
وسورة الأحقاف سورة مكية اشتملت على خمس وثلاثين آية، ولكن هذا لا ينفي أن تكون ثم آية أو آيتان مدنيتان ضمن الآيات المكية، إذ كان من عادة نبي الله ﵊ عند تنظيم كتاب الله وتصويبه أن يقول: (ضعوا هذه الآية في سورة كذا، وضعوا سورة كذا بعد سورة كذا).
﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الأحقاف:١ - ٢]، تنزيل هذا الكتاب عن طريق الوحي، والوحي: ما أنزل من عند الله على قلب محمد ﷺ ، لا شك في ذلك ولا ريب ولا مين.
﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الأحقاف:٢] العزيز الذي لا يغالب ولا يمانع، والحكيم في أقواله وفي أفعاله وفي قدره، الذي يضع الأمور في مواضعها، ولا أحد يفعل ذلك إلا الله تعالى ﷻ ، قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الأحقاف:٢].
стр. 2243
تفسير قوله تعالى: (ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق)
قال تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣].
أي: ما خلق ربنا السماوات والأرض وما بينهما من كواكب ومن مجرات إلا بالحق، لم يخلقه عبثاً ولا باطلاً، بل خلقه لحكمة، خلقه ليعلم وليعرف وليعدل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] خلق الإنس والجن ليعبدوه، وسخر للإنسان السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما، سخر له ما في السماوات من أرزاق وأمطار، وسخر له ما في الأرض من مياه وطير ودواب وفاكهة وخضرة.
فقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأحقاف:٣] أي: إلا بالعدل والحكمة، لم يكن شيء من ذلك باطلاً ولا عبثاً، بل خلقه لأجل مسمى، ولم يخلقه للأبد، بل خلقه للفناء، والأجل المسمى: يوم القيامة.
فهذه الدنيا بدايتها يوم خلقها ربها، وتنتهي بقيام الساعة، وقوله: (لأجل) لغاية أو لزمن أو لوقت معلوم عند الله، ويوم القيامة لا يعلم تحديده ووقته إلا الله، وإنما علمنا أماراتها وشرائطها، أما تحديدها بالضبط فلا يعلم ذلك إلا الله جل وعلا.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣]، مع كل هذا ومع انفراد الله بالخلق وقدرته عليه، وخلقه السماوات والأرض وما بينهما لأجل مسمى عنده، مع هذا كله فالكافرون عما أنذروا معرضون.
فالمشركون معرضون عن الذي أنذروا به، أي: عن الذي خوفوا به من كتاب الله تهديداً ووعيداً، تخويفاً وإنذاراً، لكي يتوبوا ويئوبوا إلى الإيمان والتوحيد، ولكنهم مع ذلك غافلون عن كل هذا، لا يلتفتون لنذارة ولا لبشارة ولا لرسالة ولا لكتاب نزل من عند الله مبشراً ومنذراً.
стр. 2244
تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض)
قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف:٤].
جمعت هذه الآية الكريمة بين مسالك الأدلة العقلية والنقلية، فالله ﷻ يخاطبنا في كتابه بما لا ترده العقول ولا النقول، بل كل ذلك يتفق مع الأدلة والبراهين، ومع ما جاء عن الله في الكتب السابقة وما ينطق به العقل في إحقاق الحق وإبطال الباطل، فقال: قل يا محمد! (أرأيتم ما تدعون من دون الله).
هؤلاء الذين تدعونهم من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض، ما الذي رأوا عند هؤلاء المعبودين، وعند هذه الأصنام والأوثان، أخلقت أرضاً؟ هل أشركت الله في خلق جزء من الأرض؟ إن كان هذا كذلك فأروني مكانه وأروني موضعه، وأين هو من مشرق أو مغرب، أين هو من شمال أو جنوب.
قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [الأحقاف:٤] أي: هل أصبحوا شركائي في خلق سماء من السماوات السبع، أو في خلق الملائكة الموجودين في السماء، أو في خلق الأفلاك والكواكب بين السماء والأرض، أروني وأطلعوني وأعلموني.
أم لهم شرك في السماء خلقوه وانفردوا بخلقه، هل خلقوا معي جزءاً من الأرض؟ وإن كان كذلك أروني أين هذه الأرض التي خلقوها؟ قال تعالى: ﴿اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [الأحقاف:٤] بعد سرد الأدلة العقلية يقول الله: أم لكم على ذلك أدلة نقلية في كتب رويتموها وأثرتموها عن السابقين.
فقوله: ﴿اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [الأحقاف:٤] أي: هل نزل عليكم أو على آبائكم أو على من سبقكم كتاب يخبر بأن هؤلاء شركاء وأرباب من دون الله، والاستفهام إنكاري تقريعي، والجواب عن كل فقرة من الآية: لا دليل ولا خلق لهؤلاء المدعوين المعبودين من دون الله، لم يخلقوا جزءاً من الأرض وليس لهم شرك في السماء، ولا عند هؤلاء المشركين كتاب ثابت ينص على هذا.
قال تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف:٤] أو بقية من علم أو أثر أو رواية، فكل الطرق التي يسلك بها إلى الأدلة العقلية والنقلية جمعها ربنا ﷻ في هذه الآية البليغة، وهذا سبب من أسباب إعجاز القرآن وبلاغته وفصاحته.
و
الجواب
لا يوجد شرك ولا كتاب ولا بقية من علم، ولكنكم رويتموها أثراً عمن سبقكم من علمائكم وآبائكم وأجدادكم.
وقوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف:٤] أي: أثر، ومنه سمي الحديث بعلم الأثر، لأنه رواية تروى وأثر يؤثر عن شيوخنا وشيوخهم، عن آبائنا وآبائهم إلى العصور الثلاثة المفضلة، إلى النبي ﷺ ، إلى جبريل رسول الملائكة إلى الرسل من البشر، إلى رب العزة ﷻ وعز مقامه.
ففي هذه الآية دليلان عقليان، ودليلان نقليان، الدليلان العقليان: أنتم تعبدون أشياء لا تضر ولا تنفع حتى نفسها، فلم عبدتموها؟ هل رأيتموها خلقت معي جزءاً من الأرض؟ أروني أين هو؟ أم أنها أشركتني في جزء من السماء؟ أروني إياه، وأطلعوني عليه، فإن لم يكن هناك دليل عقلي فهل عندكم دليل نقلي؟ ﴿اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [الأحقاف:٤] ائتوني بكتاب من السماء توراةً أو إنجيلاً أو زبوراً أو غيرها من الكتب الإلهية، فقولوا هذا عني، وأسمعوني (أثارة من علم) أي: بقية، وروي في القراءات السبع: (أُثرة) و (أَثرة).
والجواب في هذا موجود دل عليه الكلام المقدم: أنه لا شرك ولا شريك ولا كتاب ينكر هذا ولا رواية من علم ولا أثارة.
فمعنى قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف:٤]، أنهم ليسوا بصادقين، فهم الكذبة الفجرة الذين كفروا بالله بلا دليل ولا برهان، وهذا شأن الكفر، وقد ابتلي الكافرون الجدد ببليتين: بالكفر نفسه، ثم هذا الكفر قلدوا به من سبقهم، فهم رجعيون رجعوا إلى سابق، ولم يستطيعوا أن يأتوا بكفر جديد وإنما كرروا كفر من سبقهم وشرك من سبقهم.
أن هؤلاء لما يأتوا بدليل من نقل، فكانوا بذلك هم الكاذبون الفاجرون الذين يدينون الله بدين باطل ما أنزل الله به من سلطان ولا دليل عليه من عقل.
стр. 2245
تفسير قوله تعالى: (ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة)
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف:٥]، أكد ربنا ذلك وزاده تقريعاً وتوبيخاً؛ ليكون ذلك أدعى للسامع في اجتناب هذه المفاهيم الباطلة والأقاويل المتهافتة، وهذا الكلام الذي لا دليل عليه لا من عقل ولا من نقل.
فقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ [الأحقاف:٥] أيضاً
الجواب
لا أحد، وأضل الخلق: أكثرهم ضلالاً وجهالة وبعداً عن العلم، يكفرون ويقولون كفراً علمياً، يسمون الأسماء بغير اسمها، يكذبون ويجهلون ويضللون ويقولون: نخاطبكم بالعلم، ويعنون بالعلم: الجهل، فالضلال: الباطل.
ونبغت نابغة من الجهلة الضالين زعموا أنهم يريدون أن يفسروا لنا كتاب الله تفسيراً علمياً عصرياً، فجاءونا بالعفن وجاءونا بالطوام وبالبلاء في تحريف كلام الله.
ومن العجيب! أن يجد أمثال هؤلاء المعطلون الشيوعيون تلامذة اليهود والنصارى والمنافقين مرتعاً لهم في أجهزة الإعلام المنظورة والمسموعة والمقروءة، تفتح لإفكهم ولشركهم ويقولون: اسمعوا هذا التفسير العصري، حتى إذا قلت لهم: من أين جئتم بهذا الذي سميتموه علماً؟ فسروا لك الماء بالماء، والتراب بالتراب، والشيء بالشيء، وهو شأن العابثين الذاهبة عقولهم، الضائع وعيهم.
فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف:٥] أي: هل هناك أكثر ضلالاً من إنسان يعبد وثناً أو يعبد ملكاً أو يعبد بشراً ويدعوه، ويوم القيامة لا يستجيب له؟ إذا قال له: ارزقني لم يجبه، وإذا قال له: عافني لم يجبه، فهو يعجز عن ذلك وهو أضعف من ذلك، وهؤلاء المدعوون والمعبودون من دون الله عن دعاء هؤلاء الوثنيين المشركين غافلون، لا يحسبون لهم حساباً ولا يهتمون بهم ولا يلتفتون إليهم، وذكر الله (من) التي تطلق على العقلاء، وقد يشترك فيها العقلاء وغير العقلاء ولم يقل: (ما)، ﴿لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف:٥].
وكل هؤلاء العاقلين وغير العاقلين لا يملكون لهؤلاء العابدين ضراً ولا نفعاً، قال ربنا: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٦].
فقوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ﴾ [الأحقاف:٦] أي: جاء يوم الحشر وحشر الناس يوم القيامة للعرض على الله للحساب والعقاب للجنة والنار، كان هؤلاء المعبودون أعداءً لهم.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٦] أي: كفروا بعبادتهم وقالوا لهم: ما عبدتم إلا الأوهام والتخيلات، وعبدتم ما لم ينزل الله لكم به من سلطان، أما نحن فنحن عبيد أذلاء تحت إحاطة الله وقدرته، وكما قال ربنا في أفضل هؤلاء المعبودين: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة:١١٦]، ليس له بحق، وليس له أن يقول ما ليس له بحق: بأنه إله معبود، قال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة:١١٧] بأنه عبد الله، وبأنه رسول الله وما سوى ذلك فكذب وباطل وضلال.
فمن المفسرين من قال: هذه الآية تشتمل على المعبودات الجمادية، الآية الآتية لا تنطبق على ذلك: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٦]، فكيف يكفر الحجر والجماد بعبادة هؤلاء ويكونون لهم عدواً؟
الجواب
إن العداوة تكون من معبودين عقلاء، فمن الملائكة من عبد من دون الله، ومن الجن كذلك، ومن البشر مريم وعيسى وغيرهما كذلك.
فالجمادات لا تجيب ولا تستجيب لدعاتها وعبادها يوم القيامة، ولا تنفعهم ولا تضرهم ولا تشعر بهم فهي جمادات، ويوم القيامة أولئك العاقلون من المعبودين يكونون أعداءً لهم، ويكونون كافرين بعبادتهم، وواقع الحال في الدنيا هكذا، فمن المشركين من عبد البشر، ومنهم من عبد الملك، ومنهم من عبد الجن، ومنهم من عبد الحيوان، ومنهم من عبد الجماد.
فكل هذه المعبودات يقال لها معبودات بغير حق ومعبودات باطلة، وكلها لا تستجيب لعابديها ولا تضرهم ولا تنفعهم، وكل واحد من هؤلاء المعبودين سواءً كان ملكاً أو نبياً أو جناً لا يملك مع الله شيئاً، إن هو إلا عبد له خاضع لقدرته ولجلاله ولإرادته جل وعلا.
стр. 2246
تفسير سورة الأحقاف [٧ - ٩]
إن الله أرسل رسوله محمداً ﷺ للناس كافة وأمرهم باتباعه وتصديقه وبين لهم أنه ليس أول نبي وأن رسالته ليست أول رسالة بل سبقه إلى الدعوة إلى التوحيد الكثير من الأنبياء والرسل ولكنه كان آخرهم وخاتمهم وكانت رسالته ودعوته المهيمنة على رسالتهم ودعوتهم.
стр. 2247
تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات)
قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف:٧]، أي: إذا أتت آيات الله، وإذا تليت وقرئت وقرعت آذان هؤلاء المشركين بما قال ربنا في كتابه، وبما بين نبينا ﷺ في سنته، مما تأتي به الآيات البينات الواضحات المشروحات المفسرة الذي لا يغيب بيانها عن عقل عاقل، ولا إدراك مدرك، ولا طلب طالب، فالمؤمن يقول: سمعنا وأطعنا، والكافر يقول: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف:٧]، فلما جاء هذا الحق البين، وهذه الآيات البينات بالدلائل القاطعات والبراهين الواضحات عجز الكافرون عن الاستدلال نقلاً أو عقلاً، فأخذوا بالبهتان والإفك.
فقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [الأحقاف:٧] الحق: القرآن الكريم، والحق: الرسول ﷺ ، والحق: الرسالة المحمدية كما الرسالات السابقة، فالكافرون قالوا عن القرآن: هذا سحر، وقالوا عن المعجزات النبوية: هذا سحر، وقالوا عن السيرة النبوية العطرة وما فيها من دلائل: هذا سحر، وكذبوا بالرسول ﷺ مع أنهم عاشروه وساكنوه، وهو ولد من أولادهم، وعاش بينهم مدة أربعين عاماً، عرفوا أباه وأمه وعمه وجده، وعلموا صدقه وأمانته، حتى ما كان أحد يذكره إلا يقول: الصادق الأمين.
فكيف بعد ذلك يصبح ساحراً، ويزعمون أن كلام الله سحر فهؤلاء القدامى كالمحدثين يحملون جهلاً مركباً يعصم الله عنه الحيوان، فالحيوان أعقل منهم، وأفهم للأمر منهم، فالحمار الذي نضرب به المثل في البلادة ترونه يلعب في الملاعب الحيوانية، فتجدونه يمتثل للحركة التي يأمره بها مربيه، فالحمر تعقل عنه وتسمع وتعي، ولكن هؤلاء البشر لا يكادون يعقلون ولا يدركون، فقدماؤهم كمحدثيهم، النعل بالنعل، والقذة بالقذة، وحق هذا المثل فيهم.
стр. 2248
تفسير قوله تعالى: (أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئاً)
قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس:٣٨] أي: هل يوجد فيهم من يقول: إن هذه الرسالة افتراها محمد ﷺ ، وهذا القرآن كتبه هو وأتى به من عند نفسه.
ولقوة دليل القرآن وبراهينه يعيد قول الكافرين ليقضي عليه بالحجة والبرهان، وليزيف هذه الأقاويل، ويميز الحق من الباطل، وليعلم المؤمن أنه مؤمن عن دليل وبرهان، وعن حق ومنطق بما يقبله العقل أولاً، وليس إيمانه عن هراء أو استسلام لا دليل له ولا برهان، لم يكن ذلك أبداً، فكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ يحملان المنطق الساطع، عقلاً ونقلاً وبياناً، ولا ينكر ذلك إلا أعمى البصيرة قبل أن يكون أعمى البصر.
فأهل الكفر والإلحاد في الماضي والحاضر قالوا كل ذلك، قالوا: سحر، وقالوا: افتراه، وقالوا: ﴿أَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان:٤]، ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان:٥] أي: صباحاً ومساءً.
كل هذه الأضاليل التي نسمعها اليوم من كتبة العصر؛ شيوعيين وماسونيين واشتراكيين وقاديانيين وجميع ملل الكفر كلهم حمقى رضوا بهذا الكفر دون دليل ولا برهان، واستمسكوا به استمساك البليد الجاهل بلا علم ولا منطق، وكرروه صباحاً ومساءً، وهو وصف للضعاف من الشباب، والضعاف من الكهول الذاهبة عقولهم وأديانهم، قالوا: هذه أشياء تقدمية، وأشياء تجددية، ونحن لا نعيش في الماضي المتخلف الذي مضى عليه ألف وأربعمائة عام.
نقول لهم: وبماذا أتيتم أنتم؟ أتيتم بكفر قوم نوح الذي مضى عليه آلاف السنين.
من قلدتم واتبعتم؟ أي بصيرة سلكتم؟ أي نقل من الكتب السابقة اتبعتم؟ اتبعتم كفرة اليونان والروم والفرس، فيزيدون كفراً وعناداً.
فقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [الأحقاف:٨]، افتراه: كذبه، ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الأحقاف:٨].
أي: قل لهم يا محمد: إن أنا كذبته وافتريته على الله، فإنكم لا تملكون لي من الله شيئاً إن أراد تعذيبي وعقابي، وما بالكم أنتم أفأفتري على ربي من أجلكم؟ وهذا من الضلال البين، فإن سيرة النبي ﵊ تواترت واستفاضت أجيالاً بعدها أجيال، وقروناً بعدها قرون على أنها كانت بينة وواضحة، عرفت قبل النبوءة بأربعين عاماً بالصدق والأمانة واليقين والغيرة والشفقة والشجاعة، فهل الذي لا يكذب على مخلوق مدة أربعين عاماً يكذب على ربه أو يكذب عليكم بعد سن الأربعين؟! وأيضاً جاءكم بالكتاب المبين وبالأدلة عليه، وبالدلائل القاطعة والمعجزات التي لم يأت بها أحد قبله، ولن يأتي بها أحد بعده.
أبعد كل هذا يأتي من يقول بعد ألف وأربعمائة عام: أن هذا القرآن صنعه محمد وأصحابه؟ وأكبر معجزة لنا نحن في هذا العصر ومن سبقنا ومن يأتي بعدنا: قول الله عن كتابه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، غيرت التوراة وهي كتاب الله، وحرفت الإنجيل وهي كتاب الله، وبدلت الزبور وهي كتاب الله، والقرآن على كثرة أعدائه في كل عصر وفي كل زمان ومن كل ملة ومن كل شعب لم يستطع أحد أن يزيد فيه آية أو ينقص آية، أو يغير تنظيماً لها أو ترتيباً، فهم أعجز من أن يفعلوا ذلك، وقد حاولوا أن يفعلوا ذلك في عصور مختلفة فما عادوا إلا بالخزي والذل والهوان، ومن يتأل على الله يقصمه الله.
ويقول تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [الأحقاف:٨]، هو ربنا أعلم بما تخوضون فيه من الكذب والضلال والباطل والقول الغث، مما لا يقبله منطق، ولا يخضع له عقل، ومنه الإفاضة أي: أفاضوا واندفعوا.
وهكذا هؤلاء اندفع بعضهم خلف بعض كاندفاع الحمر الشاردة، يقولون ما لا يعلمون، ويهرفون بما لا يعرفون، ويفيضون بالكذب، ويخوضون في الباطل، ويقولون: هذا افتراء، والرسالة كذب، والقرآن كذب، وحاشى الله من ذلك، وحاشى كتابه ونبيه.
قال تعالى: ﴿كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الأحقاف:٨].
أي: يكفي إن لم تقبلوا أي شهادة على صدقي أن يكون الله شهيداً بيني وبينكم، يشهد كذبكم ويشهد فجوركم، ويحضر سماعه ﷻ ، وهو يشهد عليكم بما أنتم فيه من باطل، ويشهد بصدقي وأمانتي وبصدق رسالتي، وبصدق تبليغي لكتاب ربي.
﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الأحقاف:٨]، والله ﷻ رحمةً بنا يخاطب أعداءه الجاحدين الكافرين والمبهتين لأنبيائه، يجرهم إليه، ويدعوهم إليه، ويطمعهم في مغفرته ورحمته، فهو الغفور إن تبتم عن هذه الأقاويل الكاذبة والأقاويل الباطلة، وهو الرحيم بكم إن تبتم فلا يعذبكم ولا يدخلكم النار، ولا يحاسبكم بما مضى من ذنوب قبل التوبة والإنابة، وهو الغفور للمؤمنين والرحيم بهم، وباب الإيمان مفتوح على مصراعيه، فكل من قال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله فتحت له أبواب المغفرة والرحمة، فيدخل من أيها شاء، تعالى ربنا وجل سبقت رحمته غضبه، وأرسل نبيه رحمة للعالمين.
стр. 2249
تفسير قوله تعالى: (قل ما كنت بدعاً من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم)
قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف:٩].
قل يا محمد: ما كنت بدعاً من الرسل، لم هذا العجب؟ ولم هذه الضجة الكبيرة؟ ولم هذا الكذب الذي تفيضون فيه، تارة تقولون: سحر، وتارة ساحر، وتارة كذب، وتارة كاذب، وتارة مريض، وتارة يريد نساءً، يريد ويريد، لم كل هذا؟ فقوله: ﴿مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٩] أي: لست أول رسول جاء إلى الأرض، لم التعجب والاستغراب؟ كلكم سمعتم أن هناك أنبياء كثيرين سبقوني، قالوا ما قلت، ونزل عليهم ما نزل علي، ودعوا شعوبهم كما دعوتكم، ومع ذلك لم يقل الناس كلهم لهم: أنتم سحرة، أنتم كذبة، أنتم مفترون، بل آمن من آمن، وكفر من كفر، وما كانوا جميعاً على وتيرة واحدة.
ولا تنسوا أن السورة مكية، ولا يزال المسلمون قلة مضطهدين، بين قتيل وشريد وطريد.
فقوله: ﴿مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٩] البدع: الأول، والبدع: المبتدع، والشيء الذي لم يكن له سابقة، فالنبي ﷺ لم يكن أول نبي في الأرض، بل هو آخر الأنبياء، سبقه ثلاثمائة وثلاثة عشر نبياً رسولاً، وسبقه الآلاف من أنبياء الله، ممن أوحي إليهم بشرع ولم يؤمروا بتبليغه، فلم العجب؟ ولم هذا الضجيج؟ ولم هذه الزوبعة في غير مكانها؟ لم يكن بينه وبين آخر من سبقه من الرسل أكثر من ٦٣٠ عاماً.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:٩]، هذه الفقرة الكريمة من هذه الآية العظيمة ظل فيها أقوام، فقد زعم قوم من المفسرين أنه عندما قال النبي ﵊ ذلك فرح لذلك الوثنيون وأهل الكتاب من اليهود فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل الذي يعترف بأنه لا يعلم ما سيجري له، فضلاً عن غيره، ويقول لنا: سيكون لكم ويكون لكم، وهنا يعترف بأنه لا يعلم ما سيجري له.
وهذا النقل ليس بصحيح، إذ إن الآية ليست بهذا المعنى، والقرآن يفسر، ولكل علم أصول، وأصول القرآن أن تفسر الآية بالآية، فإن لم نجد فسرت الآية بالحديث الصحيح، فإن لم يوجد فبإجماع الصحابة، فإن لم يوجد إجماع فبما دلت عليه قواعد اللغة العربية نحواً ولغةً وبلاغةً وبياناً، ومن خرج عن هذه القواعد الأربع ضل وأضل، وأتى بالباطل والزور من القول، وكان تفسيره كما يفسر اليهود توراتهم والنصارى إنجيلهم فبدلوا وحرفوا وغيروا، ومن هؤلاء تقريباً جميع مفسري هذه العصور المتأخرة، إلا أفراداً معدودين، فمن الشيوعيين من زعموا أنهم أسلموا، فرأوا بهذه الطريقة أنهم يستطيعون التخريب، فنشروا الرسائل، وأذاعوا في الأجهزة المسموعة والمقروءة والمنظورة أفكاراً لا يقول بها حيوان، ويجدون أحياناً آذاناً صاغية وعقولاً واعية، ولكن الله لا يضل إلا من كتب عليه الضلالة يوم وضع جنيناً في بطن أمه.
فمعنى قوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:٩] المعنى بسيط وواضح، فمن الأنبياء من قتل، ومنهم من طرد، ومنهم من لم يؤمن به إلا الواحد والاثنان، وأممهم منهم من شردوا، ومنهم من أغرقوا، ومنهم من صعقوا، ومنهم من خسف الله بهم الأرض، ومنهم من جعل الله أرضهم عاليها سافلها، وأنا الآن أدعوكم، وأحرص على هدايتكم وتبليغكم، وأنتم تحرصون على عصياني والكفر بي، ولا أدري النتيجة والنهاية، هل سأقتل؟ هل سأخرج من بلدي؟ هل سينزل الله عليكم صاعقة لا تذر كبيراً ولا صغيراً؟ فالكلام متعلق بهذا المعنى.
ثم أيضاًً لو أعلمه الله -وقد أعلمه- فهو ليس علماً ذاتياً، فالنبي بذاته لا يعلم الغيب، ولا يعلم ما في الغد.
ومن أدب النبي أن يقول ذلك، وما علمه النبي ﷺ من الله لم يكن ذاتياً، بل هو من تعليم الله له ومن إكرام الله له، ولنستعرض حياة رسول الله، وما قاله رسول الله، وما قاله القرآن، فسنجد أن المعنى في هذه الفقرة لا يتجاوز هذه المعاني الدنيوية، هل سيقتل؟ هل سيخرج؟ وهذا ما قاله الحسن البصري ﵀.
قال تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى﴾ [الأحقاف:٩]، أي: لا أتبع إلا ما يوحى إلي، لست بدعاً من الرسل، ولا أضع رسالة ولا شرعاً، ولا آتي بقرآن، ولكن الذي أوحي إليَّ فأنا أشرعه ممتثلاً له، شأني شأن من سبقني من آبائي الأنبياء.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف:٩] أي: لست إلا نذيراً من قبل الله، مخوفاً للكافرين، مهدداً لهم، متوعداً إياهم على خلافهم وخروجهم عن أمر الله وطاعته.
أقول يا قوم: آمنوا بالله، وإلا فالنار تنتظركم، وغضب الله قريب منكم، فخذوا العبرة من الأمم السابقة.
стр. 2250
الفوائد المستنبطة من قوله تعالى: (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم)
قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤] أخبر الله في كتابه النبي ﷺ بنصره وتأييده، وأخبره بسخط أعدائه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣] فالله وعد نبيه وذكره بأنه رسول للهدى، أرسله بالنور ليمحو بهداه الضلالة وبنوره الظلمة، وليظهره على الدين كله، وأرسله بدين الحق لا بالأديان الباطلة التي زعمها الأفاكون من المشركين والوثنيين الضالين المضلين؛ لتصبح الغلبة له على الدين كله، فالألف واللام ألف العموم، أي: جميع الأديان، وقد مضى محمد ﷺ وعاش الإسلام قروناً، لم يكن يذكر في الأرض إلا الإسلام ودولته وقادته وأئمته وعلماؤه، وهذا عائد لا محالة، ونحن في بداية القرن الخامس عشر الذي يقول عنه المصطفى ﷺ : (إن الله ليرسل لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها)، فهو قد أخبرنا وبشرنا بأن تجديداً يحدث عند كل مائة عام، وسيحدث هذا بصورة أشمل وأعم أيام نزول عيسى بن مريم إلى الأرض، فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويخرب الكنائس والبيع، ولا يقبل إلا الإسلام، ولا يدع يهودياً ولا نصرانياً إلا إذا أسلم وإلا قتله، وهكذا ستنتشر كلمة التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله عامةً شاملةً، كما سبق أن كانت، ولا يفعل عيسى ذلك إلا بأمر من النبي ﵊، فهي ليست رسالة مستقلة ولا وحياً انفرد به، ولكنه أمر من رسول الله بأن عيسى ينزل إلى الأرض وهو على دين الإسلام وعلى ملة محمد ﵊، ومن هنا ترجم له أعلامنا في كتب الصحابة؛ لأنه يتصف بصفة الصحابي، وقد اجتمع برسول الله حياً وآمن به، وسيموت على ذلك.
في يوم من الأيام صلى ﵊ الصبح في مسجده، ثم صعد المنبر، فبقي يخطب إلى أذان الظهر، ثم نزل فصلى الظهر، ثم صعد المنبر فلا زال يخطب حتى صلى العصر، ثم عاد إلى المنبر فبقي يخطب حتى أذن للمغرب فنزل فصلاها واكتفى بما صنع.
وهذه الخطبة قد توزعت في كتب الفتن وأبوابها، وفي المعجزات النبوية في كتب الصحاح والسنن والمسانيد، وجميع أمهات كتب السنة، قال رواة الحديث: وهو من الأحاديث المتواترة التي توجد في الصحاح كلها، رواها أكثر من عشرة من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وغيرهما ﵃ أجمعين.
قال هؤلاء الرواة: حدثنا بما كان وما سيكون إلى قيام الساعة، حتى إنه ما من صاحب فتنة ومعه رجل أو رجلان إلا وحدثنا ﷺ عن اسمه ونسبه وعصره ومن معه، حتى ما من طائر يطير في السماء إلا وحدثنا عنه.
وقال حذيفة: حدثنا رسول الله ﷺ بما كان وما سيكون، فكان أعلمنا أحفظنا، ومجموع ما حفظوه كان خطبة كاملة، وجميع ما حدثنا عنه ﷺ قد حدث بعد موته كما في الصحاح.
فقد حدثنا ﵊ بقتل عمر وعثمان وعلي والحسين.
وحدثنا بقيام عائشة على علي، وقال: (ويحكن أيتكن تنبحها كلاب الحوأب)، وحدثنا أن الخلافة بعده ثلاث وثلاثون سنة، ثم تصبح ملكاً عضوضاً، كما في إجماع المؤرخين والمفسرين والمحدثين والعلماء فقد ختمت الخلافة الراشدة الأولى بعده ﷺ باستشهاد الحسن بن علي ﵄، وأخبرنا ﵊ عن شرائط الساعة الصغرى والكبرى، وعن تغلب المسيح عيسى على المسيح الدجال، وعن قتال اليهود، وعن تخلف المسلمين.
стр. 2251
تفسير سورة الأحقاف [١٠ - ١٤]
إن الله بعث الكثير من الأنبياء إلى بني إسرائيل فكفر أكثرهم بالله وعصوا الرسل وكذبوهم وقتلوا فريقاً منهم، إلا أن منهم -على قلتهم- من آمن بالله ورسله، فلما جاء النبي محمد ﷺ برسالته الخاتمة سارعوا إلى إجابته والإيمان به فآتاهم الله أجرهم مرتين.
стр. 2252
تفسير قوله تعالى: (وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم)
ورد في صحيح البخاري وصحيح مسلم، وفي سنن النسائي عن أبي النضر عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد بن أبي وقاص أنه قال: (ما رأيت أحداً على وجه الأرض بشره النبي ﷺ بالجنة إلا ما كان من عبد الله بن سلام، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف:١٠]).
ويقول عبد الله بن سلام بسند صحيح في مستدرك الحاكم: (جئت رسول الله ﷺ ، وآمنت به، وشهدت شهادة الحق، وقلت: لا إله إلا الله، محمد رسول الله).
وكان عبد الله بن سلام أحد أحبار اليهود وربانيهم، وبعد أن أسلم ابن سلام قال لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله! أخفني في مكان وادع اليهود واسألهم عني، ثم قل لهم بعد ذلك وقد أسلمت، واسمع ماذا سيقولون)، ففعل ذلك ﷺ وسألهم، وقد دعاهم لمجلسه: (ماذا ترون في عبد الله بن سلام؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا، وعالمنا وابن عالمنا، قال: أرأيتم إن أسلم، قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله بن سلام وقال لهم: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإذا بهم بهتوه، وعادوا عن قولة الحق بقولة الباطل، فقالوا: هو شرنا وابن شرنا، وكذبوه، وشتموه).
وهكذا عادة اليهود، فهم قوم بهت.
يقول عبد الله بن سلام: وفيَّ نزل قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف:١٠]، فكانت الإشارة في هذه الآية الكريمة إلى عبد الله بن سلام صحابي من أصحاب النبي ﵊، وحبر من أحبار بني إسرائيل الذين اهتدوا، وكان قد آمن عندما شهد بشهادة الحق بصدق القرآن وبصدق رسول الله ﷺ ورسالته.
فيا من أشركتم بالله وكفرتم بهذا الكتاب ولم تؤمنوا بالرسول المنزل عليه، إذا كان حقاً وقد كفرتم به فكيف سيكون حالكم يوم القيامة؟ كيف تكفرون به وقد شهد شاهد من أحبار بني إسرائيل على صدق هذا الكتاب، فآمن به وصدقه، وبقيتم أنتم مستكبرين عن شهادة الحق، وقصة إسلام عبد الله بن سلام وشهادته بالحق رويناها عن عوف بن مالك، وسعد بن أبي وقاص، بل وعن عبد الله بن سلام نفسه، كما في الصحاح والسنن ومستدرك الحاكم.
وزعم قوم أن هذه السورة مكية، وعبد الله بن سلام مدني، والنبي لم يكن قد هاجر بعد إلى المدينة المنورة، وعبد الله بن سلام لم يكن بعد قد أسلم.
هكذا قال قوم وزعموا أن المقصود بقوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف:١٠]، هو موسى بن عمران، (على مثله) أي: من قومه بني إسرائيل.
أي: وشهد شاهد قبلكم بشهادة الحق، فآمن بالقرآن حسب نعت الله له في التوراة المنزلة عليه، فآمن به كتاباً من عند الله، وآمن بمحمد رسولاً من عنده صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وهذا كلام حق في نفسه، ولكن أن يكون بياناً وتفسيراً للآية ففيه جزاف وتكلف، كيف والحديث الذي رويناه عن مالك بن أنس أخرجه البخاري في الصحيح وأخرجه مسلم في الصحيح، وأخرجه الحاكم في الصحيح، وأخرجه النسائي في الجامع، ورويناه عن جماعة من الصحابة: عبد الله بن سلام نفسه، وسعد بن أبي وقاص، وعوف بن مالك، وعبد الله بن عباس كذلك.
صحيح أن السورة مكية، ولكن كان من عادة رسول الله ﷺ في ترتيب القرآن وتنظيمه أنه يقول للصحابة بأمر الله: (ضعوا هذه الآية في سورة كذا، وهذه الآية في سورة كذا)، وكثير من السور مدنية وفيها آيات مكية، وهناك سور مكية فيها آيات مدنية، وهذا لا عجب فيه ولا غرابة، وقد صرح بهذا النص سلف من الصحابة والتابعين، فهذه الآية مدنية ضمت في سورة مكية بأمر من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وسياق الآية وبيانها يؤكد هذا الذي رويناه عن الصحاح والسنن، وعن جماعة من الصحابة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف:١٠]، من فعل هذا بنفسه فقد اعتدى عليها وظلمها بالشرك والكفر والنفاق، وليس بعد هذا الظلم ظلم.
стр. 2253
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه)
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف:١١]، وهذه هي عادة الكفار عند بعدهم عن الحق، حتى إذا تبين لهم أن من هم أقل منهم منزلة قد آمنوا، فإنك تجدهم يعزفون عن الحق ويتمسكون بالباطل.
فقوله: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف:١١] أي: قال الذين كفروا لمن آمن من أصحاب رسول الله ﷺ : لو كان هذا الإنسان حقاً ما سبقنا إليه عبيدنا ودراويشنا وعمالنا وولداننا، ولو كان حقاً لسبقناهم إلى هذا الحق، ولأمسكنا به إمساكنا بالعزيز من الأمور.
وهكذا قالوا عندما رأوا بعض المستضعفين كـ صهيب وبلال وأبي ذر وسلمان الفارسي سبقوهم إلى الإسلام، وهم ينظرون إليهم على أنهم عبيد لهم، أو موالٍ قد أعتقوا، أو أقوام ليسوا بالذروة من قبائل قريش أو من قبائل بني هاشم، فقالوا عند ذلك: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف:١١] أي: لو كان القرآن خيراً، ولو كان الإسلام خيراً، لما سبقنا هؤلاء العبيد الذين ليسوا في الذروة من الشرف والأنساب والأحساب من قريش والعرب.
ويقول الله عنهم: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف:١١]، ولما كانوا لم يهتدوا به، لم يؤمنوا به ولم يخرجوا من الظلمات إلى النور، بل زادهم لعنةً وظلاماً، فهم عند ذلك سيقولون: ﴿هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف:١١] أي: هذا كذب وأساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه.
وكما يقولون في المثل: من جهل شيئاً عاداه، وقد سئل مفكر: هل جاء في كتاب الله ما يطابق المثل: من جهل شيئاً عاداه؟ فقال: جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف:١١]، عندما جهلوه وعادوه وتنكروا له وأخذوا يقولون عنه الأقاويل والأباطيل، ويقولون: ﴿هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف:١١]، أي: كذب قديم وأساطير طلب كتابتها وهي تملى عليه ويقصها بدوره.
هكذا يقول الكفرة، وهكذا يقول الضالون بلا منطق ولا فهم ولا إدراك.
стр. 2254
تفسير قوله تعالى: (ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة)
﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف:١٢].
فقوله: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ [الأحقاف:١٢] أي: من قبل القرآن أنزل الله تعالى كتابه التوراة على يهود، ومع ذلك كفر به الكثير، وأشرك بالله الكثير، وهؤلاء المشركون كذلك لم يبادروا إلى الإيمان بالله، والإيمان بأحقية هذا الكتاب، وأنه من الله.
فالمشركون هم أشباه اليهود في كفرهم وشركهم واليهود أصل الفساد في الأرض.
وهكذا في عصرنا كذلك، ما من كفر قديم ولا حديث إلا وأئمته وقادته وموجهوه هم اليهود عنصر الفساد في الأرض، الذين كان الحق لهم عدواً، وكان الإيمان لهم عدواًَ، وكانوا بذلك في غاية الضلال والشرك المبين.
قوله: ﴿كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ [هود:١٧]، كان إماماً لبني إسرائيل، ولكن أكثرهم كفروا به وعتوا عن أمر ربهم، وكفروا بنبيهم وبكتاب ربهم، وقد كان الكتاب الذي أنزل على موسى إماماً يؤمهم إلى الهدى والنور، ولو آمنوا به لرحمهم الله بما فيه.
﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ [الأحقاف:١٢]، وهذا كتاب جاء بعد كتاب موسى مصدق للكتب التي قبله، كالتوراة والإنجيل والزبور وصحائف إبراهيم، على أنها قد كانت يوماً حقاً، ولكن من أنزلت عليهم من أتباع الأنبياء بدلوا وغيروا وحرفوا، وأشركوا وعادوا للوثنية التي جاء الأنبياء للقضاء عليها.
وقوله: ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ [الأحقاف:١٢] أي: فصيحاً بيناً، معجزاً واضحاً، يفهمه كل من يفهم العربية، ومن درس العربية يفهم منه أوامر الله ونواهيه.
قال: ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف:١٢].
أي: ليخوف الذين ظلموا وليهددهم وليعدهم بعذاب الله ولعنته وغضبه إن هم أصروا على الكفر وعلى الشرك.
قوله: ﴿وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف:١٢] أي: هذا القرآن بشرى لمن أحسن ولمن آمن وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، يبشره بالجنة وبرحمة الله ورضوانه.
стр. 2255
تفسير قوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف:١٣] فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الأحقاف:١٣] أي: الذين قالوا: ربنا الله لا سواه، وهو واحد لا ثاني له، ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [الأحقاف:١٣]، أي: أقاموا على الطريقة المثلى، واستقاموا على الحق المبين الواضح من طاعة ربهم وطاعة نبيهم وعمل الصالحات، وترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
قال تعالى: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف:١٣] فهؤلاء إن جاءوا يوم القيامة قد آمنوا بالله وعملوا الصالحات واستقاموا في أعمالهم وفي سلوكهم، ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف:١٣] أي: فلا يخافون يوم يخاف الناس، لا يخافون من النار ولا من غضب الله ولا من عقابه، ولا حزن عليهم بل لهم المسرة ولهم الفرحة، ولا خوف عليهم بل يجدون ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، يجدون من أنواع الأفراح والمسرات والحبور ما يزدادون به حبوراً وانشراحاً.
стр. 2256
تفسير قوله تعالى: (أولئك أصحاب الجنة)
قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف:١٤]، أولئك الذين أتوا يوم القيامة وهم مؤمنون بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماماً، وبالمؤمنين إخوةً، وبالكعبة قبلةً، هم أصحاب الجنة أي: سكانها وأهلها، وهم المالكون لها أبداً سرمداً جزاءً وفاقاً لعملهم قولاً بالإيمان بالله، ولعملهم فعلاً بالطاعات من صلاة وصيام وحج وزكاة وفعل الخيرات هؤلاء لهم الجنات جزاء أعمالهم الصالحة؛ لأنهم أُمِروا فأتمروا، ونهوا فانتهوا، ودعوا للإيمان فآمنوا، ودعوا لترك الكفر فنبذوه وتركوه.
стр. 2257
تفسير سورة الأحقاف [١٥ - ١٧]
إن بر الوالدين من أعظم ما يتقرب به إلى الله وتطلب به جنته، فقد قرن الله بين الإيمان به وبين بر الوالدين في غير ما آية من كتابه العزيز، وما ذاك إلا لعظم فضل الوالدين على ولدهما، فهما سبب وجوده في هذه الدنيا بإرادة الله ، وما بلغ مبلغ الرجال حتى استنفذ منهما الوسع والطاقة في رعايته والحنو عليه وبذل أسباب العيش له.
стр. 2258
تفسير قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً)
قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف:١٥].
هذه الآية في بر الوالدين، وبر الوالدين ذكره الله في كتابه في كثير من الآيات عقب دعوته الناس للإيمان به وتوحيده وطاعته، والأمر بالإيمان بكتبه ورسله، وقد قال ربنا كذلك: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤]، قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ [الأحقاف:١٥]، وصينا الإنسان أي: أمرنا الإنسان ووجهناه.
ومن هنا نعلم أن كل إنسان سواءً كان كافراً أو مسلماً قد كلف بفروع الشريعة كما كلف بأصولها، ولكن قبول الفروع لا يتم إلا بأصول، فمن لم يقل: لا إله إلا الله ولو صلى وصام وزكى وحج، ولو فعل ما عسى أن يفعله، لن يقبل منه ذلك؛ لأن شرط قبول الطاعة الإيمان بالله أولاً.
قوله: ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾ [الأحقاف:١٥] أي: بأبيه وأمه، أمر الله ﷻ بالإحسان إليهما.
قرئ: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ [الأحقاف:١٥]، وقرئ: (حسناً)، وكلاهما قراءتان سبعيتان متواترتان.
والحسن مقابل القبح أي: أن يبر والديه بأحسن الأشياء وبأنبلها وأكرمها، ويبعد عنهما قبيحها ورذيلها، وما لا يليق بهما، ومن الإحسان إلى الوالدين عدم رفع الصوت عليهما، وألا تقول لهما: أف، وهي أقل كلمة تقال.
أما رفع الصوت من قبل الوالدين ومعارضتهما للولد لا تكون إلا في صالحه، والوالدان لا يأمران الأولاد إلا بما يعود عليهم بالخير، فعليك أن تحسن إليهما الإحسان الذي يرضيهما في دار الدنيا، ولا تعصي أحدهما ما لم يأمر بشرك أو يأمر بمعصية.
وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥].
فالأبوان لا يُعصيان إلا إذا أمراك بالشرك أو بمعصية الله، حينها لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فلا يطاع حاكم ولا شيخ ولا والد ولا أم إن هم أمروك بمعصية الله، وبالخروج عن طاعة الله، كأن تقول لك زوجتك: لا تصل ولا تصم، وكأن يأمروك بالكفر والشرك، فلا طاعة لهم، بل ولا بيعة لهم ولا كرامة.
أسلم سعد بن أبي وقاص وبقيت أمه كافرة، فقالت له: ألم يأمرك دينك بالبر بي وطاعتي؟ قال: نعم.
قالت: رأسها من رأسه حرام وألا يظل سقف رأسها ما لم يكفر بمحمد وبدين محمد، فقال لها: يا أماه إلى هنا فلا طاعة، والله لو بقيت دهراً تحت شمس تحرقك، ولو بقيت في مجاعة تقتلك، أو عطش يخنقك لما رجعت عن إيماني بالله، وإيماني بمحمد رسول الله، فقدمي أو أخري، وإذا بها بعد قليل تقول: ما ثبت ولدي على هذا وهو الذي عودني البر والطاعة إلا لأنه الدين الحق، فأنا كذلك مع ولدي، فقالت: أشهد أن لا إله ألا الله، وأن محمداً رسول الله، ولذلك فإن الثبات على الأشياء لا يأتي إلا بالخير، والتزعزع والتذبذب لا يأتي على الإنسان إلا بشر.
فقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان:١٤]، أي: أوصى الله الإنسان أن يحسن لوالديه إذا استطعماه واستسقياه واستسكناه، وفي كل ما يتعلق بأمور الدنيا، ومن باب أولى إذا أمراه بالمزيد من الطاعة والتهجد والعبادة والصدقات، فطاعتهما في هذه الحالة يصبح براً، وهو في الأصل طاعة لله وامتثال لأوامره، فيجتمع بذلك طاعة الله وبر الوالدين.
قال تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف:١٥]، أي: وللأم زيادة على الأب في ذلك، الأب أنزله لذة، والأم حملته كرهاً ووضعته كرهاً، وعاشت دهراً وهي تتعب نفسها معه وليداً وحابياً وصغيراً، إلى أن أصبح شاباً يافعاً، وأصبح إنساناً قوياً، ومن هنا قال ﵊ عن الأم: (الجنة تحت أقدام الأمهات).
ولها قراءتان القراءة الأولى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف:١٥]، والقراءة الأخرى: (كَرهاً) والمعنى واحد، أي: حملته تسعة أشهر، وهي تجد وحمه وثقله وغثيانه ووجع الرأس الناتج عن حملة، وتفتقد صحتها إلى أن يولد، وفي الولادة يشتد وجعها ومخاضها، وقد يبقى أياماً وقد يبقى ساعات، ولا يكاد يخرج منها حتى ترى الموت أمامها.
فلهذه المشقة ولحملها به وولادتها له أمر الله بمزيد العطف والعناية بالأم، وللأب طاعة مطلقة، إذ هو الذي يربيك ويعلمك، فالأم تعيش معك بالعاطفة، والأب يعيش معك بالعقل والمنطق، فلو تركت لأمك لما حضتك على دراسة ولا على شيء يشق عليك، ولأصبحت جاهلاً لا تعرف شيئاً من أمور دنياك ودينك.
أما الوالد فيشرف عليك مع محبته لك والعطف عليك، لكنه يغلب عليه جانب القسوة؛ ليكون ذلك أقوم لنشأتك ولتربيتك، ولتكون إنساناً تعرف أمور دنياك فلا تحتاج إلى أحد، وفي آخرتك يرضى عنك ربك ويدخلك جنته.
قال تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥]، أيضاً هذا متعلق بالأم.
يروى أن الإمام علياً كرم الله وجهه بلغه أن عثمان بن عفان يريد رجم امرأة ولدت لستة أشهر، فأقبل على عثمان فقال: يا أمير المؤمنين! ألم تقرأ كتاب الله؟ قال: بلى، قال: اقرأ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥]، وقال الله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣]، فـ علي ﵁ أخذ الدليل من نصين من كتاب الله، إذا كان الرضاع حولين كاملين، أي: أربعة وعشرين شهراً، فإنه سيبقى من مجموع ثلاثين شهراً ستة أشهر، وهذا دليل على أن المرأة تلد لستة أشهر، وكانت المرأة التي أراد عثمان رجمها تبكي، وتقول: لا والله ما مسني أحد من خلق الله إلا زوجي، وهم يقولون لها: لا تلد امرأة لستة أشهر، لكن القرآن يقول ذلك، ولا يقول القرآن إلا حقاً.
قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥]، أي: حمله وفطامه من الرضاعة ثلاثون شهراً.
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ [الأحقاف:١٥].
يتدرج الإنسان في الشدة والقوة من السنة الثامنة عشرة إلى الأربعين حيث تكتمل رجولته وقوته.
فقوله: ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأحقاف:١٥]، أي: بلغ قوته وقدرته ورجولته، وقوله: ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف:١٥] أي: بلغ مبلغ الرجال الأقوياء الذين بلغوا شدة رجولتهم وشدة قوتهم.
يعني: حتى إذا بلغ هذه الرجولة وهذه القوة أخذ يدعو ربه ويقول: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ [الأحقاف:١٥] أي: ألهمني، رب ألهمني ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ [الأحقاف:١٥] أي: أن أشكرك على ما أنعمت به علي من إيمان وإكرام وعطاء وغير ذلك، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤].
قوله: ﴿وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ [الأحقاف:١٥]، بأن جعلهما مؤمنين صالحين، إذ ربيا أولادهما على الإيمان والإحسان والأخلاق الفاضلة، فهو يشكر الله لنفسه، ويشكر لأبويه، قوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ [الأحقاف:١٥].
أي: ويرجو من الله أن يلهمه أن يدعو الله بأن يعمل صالح الأمور التي يرضاها عنه، لا التي ترضاها نفسه، أو يرضاها هواه، أو يرضاها فلاسفته، أو الضالون المضلون من أدعياء العلم والفلسفة، بل يدعو الله أن يعمل الصالح الذي يرضاه الله عنه، من صلاة وصيام وزكاة وحج، وترك للمنكرات ما بطن منها وما ظهر.
قوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف:١٥]، وهذا شأن من يتزوج في أول شبابه، حتى إذا بلغ الأربعين سنة قال: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف:١٥] أي: اجعل الصلاح والهداية والإيمان فيهم، بأن يكونوا جميعاً موحدين مؤمنين بك رباً وبنبيك رسولاً، وبالكتاب المنزل عليه حكماً ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ [الأحقاف:١٥]، وهذا شأن الإنسان حين يكبر ويكبر أولاده ويأتي أحفاده، إذ يكون قد أدى مهمته في هذه الحياة، ويوشك أن يدعى فيجيب، ومن اللائق بالمؤمن أن يبادر بالتوبة، وهو على أبواب الدار الآخرة ليكون آخر عمله توبة، والاستغفار والندم على ما فات علمه أو لم يعلمه.
قوله: ﴿وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف:١٥]، أي: من الذين استسلموا لك، فقد أسلمت وجهي إليك، لا منجى ولا مفر إلا إليك، أنت خالقي، وأنت رازقي، منك أطلب العون والمغفرة.
стр. 2259
تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا)
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦] أي: أولئك الذين آمنوا بالله رباً وبمحمد نبياً ورسولاً، وبروا بأبويهم، وأحسنوا إليهما وأطاعوهما في المعروف، ودعوا الله بالعمل الصالح، وأن يعطيهم الذرية الصالحة البعيدة عن الخنا وما لا يليق، فهم مسلمون إلى لقاء الله، فهؤلاء ﴿نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف:١٦] أي: يقبل الله أحسن أعمالهم، ويجازيهم عليها أحسن الجزاء، ويتجاوز عن سيئاتهم ويمحوها كأن لم تكن، ويتقبل الحسنات ويجعل من الحسنة الصغيرة عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف وإلى ما شاء الله من أضعاف.
قال تعالى: ﴿وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ [الأحقاف:١٦]، أي: يتجاوز الله عن سيئاتهم في أصحاب الجنة، أي: هم من أهلها ومن سكانها.
ثم قال تعالى: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦] أي: وعدهم وعد الحق الذي لابد أن يكون، وعدهم بالجنة والمغفرة والرضوان، وقبول الصالحات والتجاوز عن السيئات.
стр. 2260
تفسير قوله تعالى: (والذي قال لوالديه أف لكما)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأحقاف:١٧].
هذه آية العققة والكفرة الذين عصوا ربهم.
ولهذه الآية أسباب، وقديماً قال علماء الأصول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فقد قالوا عن آية البررة، ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [الأحقاف:١٥] أنها نزلت في أبي بكر الصديق وانفرد بها من بين الأصحاب، إذ آمن أبواه كلاهما، وأسلم أولاده جميعاً، واستجاب الله له فيهم، وكان من البر إليهم والإحسان إليهم ما أصبح المثل المضروب فيه بين الأولاد البررة.
ولكن هذا -وإن كان سبباً- فالآية تعم كل بار بوالديه، وكل من أطاع وأناب وأحسن إليهما.
أما النوع الآخر: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ [الأحقاف:١٧]، هذا العاق قال لأبويه: (أف لكما) لم؟ عندما دعواه إلى الله وإلى الإيمان به، وهما يصرخان في وجهه، ويستغيثان الله له بأن يتوب عليه، وأن يعيده إلى الإيمان والبر بهما، ومن العقوق أن يقول لهما: (أف لكما) وأف: كلمة تضجر وتضايق، كأنه يقول: ضقت بكما، وتضجرت في وجوهكما، وإن صحب ذلك صوتاً مرتفعاً سيكون أكثر في العقوق وأقبح في المعصية والكبيرة.
قال: ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ [الأحقاف:١٧] أي: أتجعلان لي موعداً وعهداً بأن أخرج لهذا الوجود بعد الموت وأحيا مرة ثانية؟ ﴿وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ [الأحقاف:١٧] أي: ولم نر أحداً منهم، ولم يعش أحد منهم، وأخذ يقول لأبويه: أين هؤلاء؟ أين كبار قريش وزعماؤها؟ أين ذوو الرأي فيها؟ أين فلان؟ وأين فلان؟ وقد مضت عليهم قرون، والقرون: جمع قرن، فإنما تقولان شيئاً لا يعقل.
قال تعالى: ﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ﴾ [الأحقاف:١٧]، الواو واو الحال، أي: وهما يستغيثان الله أن يصلحه وأن يعيده للإيمان، ويناديان في وجهه: ويلك آمن، أي: سيصيبك الويل إن بقيت كذلك، والويل وادٍ في جهنم.
قال تعالى: ﴿فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأحقاف:١٧]، ما وعدتموني به من حياة بعد الموت وأن هناك إيماناً، وهناك داراً ثانية أساطير الأولين، والأساطير: جمع أسطورة، أي: خرافة وقصة لا معنى لها من قصص الأولين.
وزعموا أن هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وأنه هو الذي دعاه والده ودعته أمه إلى الإيمان بالله، وهو يصرخ في وجههما، وهذا قول لا أساس له من الصحة، قال تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الأحقاف:١٧]، وعد الله بأن الدار الآخرة قائمة، وأن يوم البعث آت، وآن الآخرة لا شك فيها ولا ريب، فيجيب ويقول: ﴿مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأحقاف:١٧] أي: خرافات حفظتموها ونقلتموها عن القرون الخالية وعن الآباء الماضية.
стр. 2261
ذكر ما حصل بين مروان بن الحكم وعبد الرحمن بن أبي بكر في شأن هذ الآية
كان مروان بن الحكم أميراً لـ معاوية على المدينة المنورة، وهو يخطب يوم جمعة في المسجد النبوي، فقرأ الآية وقال: نزلت في عبد الرحمن قبل ذلك، وذلك لأنه دعاهم إلى أن معاوية يريد أن يتخذ سنة أبي بكر وعمر في أن يجعل ولده يزيد ولي عهده من بعده، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: يا هذا! لا تقل: سنة أبي بكر وعمر، قل: سنة هرقل وقيصر، فـ أبو بكر وعمر لم يعهدا لأولادهما ولا لعشائرهما ولا لواحد من حوضهما، ولكنك تريدها قيصرية هرقلية، وإذا به ينادي الحرس: خذوه، فدخل عند أخته أم المؤمنين عائشة، وكان البيت لا يزال في المسجد النبوي ثم قال مروان: هذا الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ [الأحقاف:١٧]، فإذا بـ عائشة تسمعه من وراء الباب فقالت له: كذبت، أشهد لقد لعن أبوك وأنت في صلبه، وهذا الذي قالته عائشة تواترت به الأحاديث، وصح عن جماعة من الصحابة، وقالت عائشة: لم ينزل فينا شيء إلا ما كان من عذري عندما عذرني الله في رد الإفك على أهله، ولو شئت أن أقول فيمن نزلت هذه الآية لذكرت اسمه واسم أبيه، ولكن عائشة لم تذكر اسمه، وكلام مروان هذا الذي أعلنه على المنبر اغتر به الكثيرون فنشروه ورووه، وتجدونه الآن منشوراً ومنقولاً عن الكثير من المفسرين والرواة، وصدقت عائشة، فإنه ليس لذلك أساس من الصحة.
فـ مروان قال ما ليس بحق وعائشة صديقة صحابية جليلة عالمة فاضلة، ومروان لم يكن شيئاً من ذلك، ومروان عندما قال: سنة أبي بكر وعمر ما قال إلا الكذب، ولكن عائشة لنبلها وفضلها لم تذكر اسم هذا الذي قال هذا؛ لأنه قد أسلم، والإسلام يجب ما قبله، فلم تر ذكر اسمه بعد إسلامه مقبولاً، وعبد الرحمن قد أسلم بإجماع العلماء، فكان لـ أبي بكر من الأولاد عبد الله ومحمد وعبد الرحمن وأسماء وعائشة وأم كلثوم، ولم يمت أبو بكر حتى كان والداه مسلمين وأولاده ذكوراً وإناثاً جميعهم مسلمين؛ ولذلك فإن هذه الآية لم تنزل في عبد الرحمن.
وقال البعض: نزلت في عبد الله.
وليس الأمر كذلك، بل نزلت في شخص لم تذكره عائشة وسكتت عنه.
стр. 2262
تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين حق عليهم القول)
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [الأحقاف:١٨].
أولئك الذين كفروا بالله وقالوا عن كتبه أساطير الأولين، أولئك الذين عقوا الآباء وقالوا لهما: أف وكذّبوهما ورفضوا دعوتهما إلى الإسلام، فهؤلاء قد خلوا من الأمم الكافرة والأمم الضالة من الجن والإنس، ومن الأمم التي أدخلها الله النار من الجن والإنس.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [الأحقاف:١٨] فتلك الأمم وتلك الشعوب التي كفرت بالله وعقت الآباء قد خسروا دنياهم وآخرتهم وكانوا من أهل النار.
стр. 2263
تفسير سورة الأحقاف [١٨ - ٢٥]
إن من حكمة الله أن يبعث الرسل إلى الناس ليقيموا عليهم الحجة، وقد ذكر الله لنبيه ﷺ قصص الأنبياء وتكذيب أقوامهم لهم، وما تبع ذلك من عقاب الله لهم، ومن أولئك قوم عاد الذين أرسل الله عليهم الريح العقيم التي ما تركت منهم عيناً تطرف، فجعلهم الله آية لمن بعدهم.
стр. 2264
تابع تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين حق عليهم القول)
قال الله ﷻ : ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [الأحقاف:١٨] يقول ربنا عن هؤلاء العققة الكافرين الذين أشركوا بربهم وعقوا أبويهم وخرجوا عن دين الله، جزاؤهم أنه قد حق عليهم القول ووجب عليهم لعنة الله، حيث قال ﵊ في الحديث القدسي: قال الله : (هؤلاء إلى النار ولا أبالي، وهؤلاء إلى الجنة ولا أبالي).
هذا القول صدر عن الله في عذاب كل كافر وفي عذاب كل عاق، إذا هو لم يؤمن بالله ويتب مما أذنب فسيكون حاله كذلك عندما يبعث يوم القيامة.
فقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ [الأحقاف:١٨] أي: وجب عليهم العذاب في قول الله تعالى بأن هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار.
فقوله تعالى: ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأحقاف:١٨] أي: مع أمم وشعوب قد كفرت بالله وقد سبقت ومضت وهلكت وبادت ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأحقاف:١٨] أي: ضمن أمم خلقت وسبقت من قبلهم من الجن والإنس ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [الأحقاف:١٨] فهؤلاء الأمم خسروا دينهم ودنياهم وأنفسهم في الدنيا والآخرة.
стр. 2265
تفسير قوله تعالى: (ولكل درجات مما عملوا)
قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف:١٩] وقرئ: (وَلِيُوَفِّيَنّهُمْ أَعْمَالَهُمْ) وهاتان قراءتان متواترتان سبعيتان والمعنى واحد.
قوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف:١٩] هذا التنوين يقال عنه في النحو وفي لغة العرب: تنوين العوض، أي: لكل أمة ولكل فرد درجات وجزاء ومنزلة، فبعمله يجازى إن خيراً فخير وإن شراً فشر، ودرجات الصالحين تعلو ودركات الكافرين تسفل فيقال عن منازل الصالحين: درجات، حيث تعلوا درجة بعد درجة، ومنازل الكافرين يقال عنها: دركات وتنزل إلى قعر جهنم، فأولئك يعلون، والكافرون ينزلون ويسفلون.
قوله: ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ﴾ [الأحقاف:١٩] أي: ليعطيهم أجورهم وليجزيهم أعمالهم كاملة غير منقوصة، فالوفاء غير النقص حال كونهم لا يظلمون، فلا ينقص من عمل صالح ولا يزاد في عمل كافر، إن هو إلا العدل المطلق والقسطاس المستقيم.
стр. 2266
تفسير قوله تعالى: (ويوم يعرض الذين كفروا على النار)
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف:٢٠] يقال لأهل النار يوم القيامة وقد عرضوا عليها وجروا إليها: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف:٢٠] أي: قد جاوزتم الحد في دنياكم من الإسراف وأكل الباطل وأكل الحرام والشهوات، فافتقدتموه في الآخرة، وأنتم بذلك قد أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا وأنهيتموها فلا حياة طيبة ولا متعة بعد ذلك، فقد تمتعتم بالكفر والشرك بالله وعدم حمده على نعمه، وعدم الإيمان به.
قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأحقاف:٢٠] أي: تجزون عذاب الهون والعذاب المهين المذل، ثم ذكر الله سبب استحقاقهم هذا العذاب، فقال: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأحقاف:٢٠] فالباء سببية أي: بسبب تعظيمكم للحياة الدنيا وتكبركم على الناس بغير حق، فالكبر لا يجوز بحال، فكيف إذا كان بلا حق ولا سبب؟! فهو كفر وشرك وخسران؛ ومع ذلك تكبروا بكفرهم، وتعاظموا بشركهم، ورفضوا أمر ربهم، وظلموا المؤمنين وتعالوا عليهم.
قوله: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف:٢٠] والفسوق: الخروج عن الحق والخير، والخروج عن كل فضل وإيمان وعن كل ما يدعوك للطاعة وللامتثال.
ثبت في الأثر أن عمر بن الخطاب ﵁ بلغه أن رسول الله ﷺ قد هجر نساءه أو طلقهن، فصعد إلى علية حيث كان رسول الله ﷺ مقيماً لمدة تسعة وعشرين يوماً، واستأذن عليه أولاً وثانياً وثالثاً فأذن له ولما يكد، فعندما دخل عليه لم يجد في الغرفة ما يرفع البصر فقال عمر لرسول الله ﷺ : أهكذا أنت؟ وأنت رسول الله في هذا الجرف في شظف من العيش وكسرى وقيصر يرفلون في الخيرات والنعم! وكان رسول الله ﷺ متكئاً فجلس وقال: (يا ابن الخطاب! أفي شك أنت؟ أولئك عجلت طيباتهم في الحياة الدنيا فقال عمر: استغفر لي يا رسول الله! قال: غفر الله لك)، وقال نبي الله ﵊: (لقد أخفت في الله حيث لم يخف أحد، وأوذيت في الله حيث لم يؤذ أحد، ولقد كان يمضي عليَّ الثلاثون يوماً وليس عندي ما آكل إلا تمرات يحملها بلال تحت إبطه) هكذا كان رسول الله ﵊، وهكذا الأخيار من الأنصار والمهاجرين زهدوا في الحياة الدنيا وفي الطيبات وفي المتع رجاء ما عند الله، وخوفاً من أن يدخلوا ضمن هذه الآية، ولقد قالت عائشة أم المؤمنين ﵂: (لقد كان يمر على آل محمد الشهر والشهران ولا نوقد فيه ناراً، إن هو إلا الأسودان: التمر والماء) فما كانوا يجدون ناراً ينضجون عليها لحماً أو إداماً من زيت أو سمن أو لبن، وكان أكثر طعام رسول الله ﷺ خبز الشعير.
وقال أبو هريرة: لقد كنا أهل الصفة ثلاثمائة رجل ما عند أحدنا إلا رداء أو إزار يسفر نصف ساقه أو يصل إلى الكعبين ويمسكه بيده خوف أن تكشف عورته، وكان يمضي عليهم الأيام الطوال لا يأكلون فيها شيئاً، وكان سيدهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمكث الأيام الطوال لا يجد طعاماً، ويربط على بطنه الحجر من الجوع، وكان ذلك عن رضاً منه واختيار منه، فقد عُرضت عليه جبال مكة وجبال المدينة على أن تكون له ذهباً وفضةً فأبى، وعُرضت عليه مع النبوة والرسالة الملك فقال: (لا، إن أنا إلا عبد رسول، أجوع يوماً فأصبر، وأشبع يوماً فأشكر) وهكذا كانت حياة الصحابة أيام رسول الله ﷺ ، ومع ذلك كانوا سادة الناس، فقد نشروا الدين في المشارق والمغارب، وقد كان يقول لهم رسول الله ﷺ وهم يذوقون مرارة الجوع: (لست أخاف عليكم الفقر، ولكنني أخاف عليكم الغنى فتغنون فتتنافسون على الدنيا فيقتل بعضكم بعضاً) وهذا الذي توقعه ﵊ وخافه على أمته هو الذي حدث، فلم يكد ﵊ ينتقل إلى الرفيق الأعلى وتمضي بضع سنين حتى استشهد عمر ثم استشهد عثمان ثم استشهد علي ثم استشهد الحسن، وقامت الفتن وقتل فيها عشرات الآلاف من عباد الله الصالحين خير الخلق بعد الأنبياء، ملكوا المشارق والمغارب فتنافسوها فتقاتلوا عليها وأراق بعضهم دماء بعض في سبيلها، ولقد كانوا كما قال ﵊ في حال فقرهم أعظم شأناً من حال غناهم وحال انتشار ملكهم وسلطانهم.
стр. 2267
تفسير قوله تعالى: (واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف)
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف:٢١] واذكر لقومك قصة أخي عاد، وأخو عاد هو نبيهم هود بن عبد الله بن رباح العادل، اذكر قصته مع قومه وما لقيه من كفر ومن تكذيب، ويقال للإنسان من العشيرة: أخ لها، ويقال: يا أخا قريش أي: يا قرشي يا أخا هاشم: أي يا هاشمي يا أخا أمية أي: يا أموي يا أخا المغرب أي: يا مغربي.
قال تعالى: ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف:٢١] أي: إذ خوفهم بالله وأنذرهم عذابه وفتنته في أرض الأحقاف، والأحقاف: جمع حقف، وهي أرض في حضرموت يقال لها: الشحر ويقال لها: الرمال، فهناك أرسل هود إلى قوم عاد وهم من أهل اليمن الحضارمة، دعاهم إلى الله وأنذرهم غضبه ونقمته وخوفهم، فلم يطيعوا ولم يوحدوا الله سبحانه، على أن هوداً لم يكن بدعاً من الرسل، فقد مضت نذر من قبله من بين يديه ومن خلفه.
والنذر: جمع نذير، والرسول نذير وبشير.
فقد خلت قبله رسل وجاءت بعده رسل أنذروا أقوامهم وعشائرهم وأمروهم عن أمر الله بطاعة الله ووحدانيته وترك الأصنام والأوثان، وكلهم قالوا ما قاله هود: أن اعبدوا الله وحده لا شريك له.
قال تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف:٢١] خوّفهم يوم القيامة وأنذرهم يوم القيامة وقال لقومه شأنه شأن النبي الناصح الأمين: إني يا قوم! أخاف عليكم عذاب الله في يوم عظيم، أي: يوم القيامة ويوم البعث والنشور.
وكان عاد أقواماً طوالاً عراضاً ذوي قوة وأيد وحضارة، وذوي قصور شاهقات يبنونها بالسهل وينحتونها من الجبال، وكانوا يعمّرون المئات من السنين، وقد جعل الله لهم سمعاً وأبصاراً واعية عاقلة، ولكنهم مع كل ذلك كانوا جاهلين ولم تنفعهم عقولهم في الإيمان والتوحيد، شأنهم شأن الناس في هذا العصر الذي يقال عنه: عصر الحضارة، فقد سبقته حضارات وسبقته اختراعات وأشياء ليست موجودة في بال أحد من معاصرينا لا يهوداً ولا نصارى ولا معطّلين ولا ملاحدة، ومع ذلك كانوا عمي الأبصار والبصائر، صم الآذان، غلف القلوب، إذ سخروا من الأنبياء واستهتروا بهم؛ وهكذا عندما جاءهم ابن عمهم وأخوهم هود ودعاهم إلى الله وإلى الإيمان به وإلى ترك الأوثان والأصنام.
قال تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحقاف:٢٢] أي: يا هود! أجئت إلينا تنذرنا وتخوّفنا لتأفكنا وتصرفنا وتبعدنا عن آلهتنا؟ أتريد منا أن ندع آلهتنا ونعبد إلهك؟ ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحقاف:٢٢] فاستعجلوا بالعذاب وتحدوا نبيهم ﵊، فقالوا ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ [الأحقاف:٢٢] ويعنون: الوعيد.
قوله: ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحقاف:٢٢] أي: أرادوا أن يعلموا صدقه وصدق رسالته في أنفسهم وعقولهم، وإذا بالله ﷻ يعجّل ما استعجلوه، فقال لهم نبيهم: ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف:٢٣] فأجابهم وقال: إنما العلم عند الله ولست أنا إلا رسولاً وعبداً للذي أرسلني ﷻ ، فالعلم في تعجيل العذاب أو تأخيره أو ترككم زمناً بيد الله وفي علم الله، إن أنا إلا عبد مثلكم ولكنني رسول من الله إليكم أبلغكم ما أرسلت به، والذي أرسلت به هو ما بلغتكم إياه من تخويفي لكم عذابه ونقمته واليوم الآخر، أما وقد استعجلتم العذاب وأصررتم على كفركم فالأمر لله يفعل ما يشاء.
ثم قال لهم: ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف:٢٣].
قال لهم ثلاث كلمات بليغات مختصرات فيها معان كثيرات: ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٢٣] إن شاء عجّل عذابكم وإن شاء أخره.
﴿وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ [الأحقاف:٢٣] ليس من شأني إلا ذلك ولست معجّلاً لعذاب ولا مؤخراً له.
﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف:٢٣] اتهمتموني بالجهل وبعدم الفهم وبعدم الوعي! وكان بإمكانكم أن تسألوني مستفسرين عن صدقي أن آتيكم ببينة أو آتيكم بمعجزة أو آتيكم بما يصدِّق قولي، ولكنكم رغم كونكم تعلمون صدقي وأمانتي وقد عشت دهراً بينكم وما رأيتم سوى ذلك؛ بادرتم بالتكذيب والإصرار على عبادة الآلهة المزيفة الباطلة.
стр. 2268
تفسير قوله تعالى: (فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا)
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف:٢٤].
قال لهم نبيهم: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف:٢٤].
لا تكاد تمضي أيام حتى رأوا ريحاً جاءت من جهة الجنوب، قال ﵊: (نصرت بالصبا وأهلكت قوم عاد بالدبور) والدبور ريح الجنوب، وتكون عادة ريحاً عقيماً مدمرة، أما الصبا فهي عادةً ريح خير وغيث، فرأوا الريح قد جاءتهم من الجنوب ولم ينتظروا ليميزوها، إنما رأوا عوارض الريح قد أقبلت فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف:٢٤] أي: هذا سحاب قد عرض لنا سيمطرنا ويغيثنا، وقد مضت عليهم سنوات لم يمطروا فيها ولم يغاثوا فيها وأجدبت الأرض ويبس الشجر وجف الضرع وقل الكسب وضعفت التجارة وقلت الصناعة، ولو آمنوا بالله وصدّقوا نبيهم هوداً لكان ما رجوه من رحمة ومن غيث، ولكنهم أبوا إلا الكفران والجحود.
قوله: ﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ [الأحقاف:٢٤] أي: رأوا السحاب مستقبل أوديتهم -جمع واد- ولما رأوا العارض مستقبل وديانهم ودروبهم وتلالهم ومزارعهم استبشروا خيراً، وكان ينبغي أن يستبشروا بالشر، ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف:٢٤] أي: هذا السحاب آت بالمطر والغيث والخيرات والأرزاق، وإذا بنبيهم يقول لهم: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف:٢٤ - ٢٥].
فهؤلاء عندما طغوا وتحدوا نبيهم واستعجلوا العذاب الذي خوّفهم منه أصابهم الله بما استعجلوا به وسلّط عليهم ريحاً عقيماً.
فقوله: ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف:٢٤] أي: عذاب مؤلم مخز موجع.
وقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥] رأوا خيامهم تتطاير، والأطفال والنساء تتطاير بهم العواصف كما تتطاير بالجراد وخفيف الطير، فأغلقوا عليهم بيوتهم، وإذا بالريح تشتد فتقلع الأبواب، وكان الواحد منهم تحمله الريح العاصف مئات من الأمتار فيلقى في باطن واد أو على شاهق جبل، فيجمع له بين الريح العقيم وبين الدهدهة من رأس الجبل إلى أسفل الحضيض؛ وهكذا حتى لم يبق فيهم عين تطرف أو روح تتحرك لا من إنسان ولا من دابة ولا من ماشية ولا من طير.
قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥] أي: لم تبق إلا المساكن خربة وخاوية وينعق فيها الطير والغراب، ذكر الله هذا وذكر المغزى في آخر الآية فقال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف:٢٥] أي: وكما فعلنا بقوم عاد، والخطاب لقريش حاضراً ولأمة محمد كلها عربهم وعجمهم، حاضرهم وغائبهم، وهذا العقاب لا يزال قائماً بين عربنا وعجمنا، وبين مؤمننا وكافرنا، وبين أبيضنا وأسودنا وأحمرنا، وما نرى من هذه الآفات والمصائب، وما نرى من هذه الطوام هي جزء من هذا العذاب الذي أنذر الله به الأمم والشعوب، فقد أنذر الأمة المحمدية وضرب لها الأمثال والأشكال فيما صنعه بقوم عاد وبقوم ثمود وبقوم لوط وبقوم إبراهيم وبقوم فرعون، وبجميع الأمم الماضية الخالية ممن أشركت بالله وكفرت بنعمه وخيراته وأرزاقه، وهذا الحق الذي لا مين فيه ولا شك آمن به من آمن وكفر به من كفر.
فقوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف:٢٥] أي: كما جازى الأولين بكفرهم وشركهم كذلك يجازي أمثالهم من كل قوم مجرمين، والإجرام هنا: الشرك.
стр. 2269
تفسير سورة الأحقاف [٢٦ - ٢٨]
إن تكذيب الرسل ورفض الرسالات سنة مضى عليها أكثر الأولين، فما من نبي أرسله الله إلى قوم إلا وكذبه أكثرهم، وما آمن معه إلا قليل، فكان نتيجة ذلك أن دمر الله المكذبين فمنهم من أرسل عليهم الريح، ومنهم من أغرقوا في البحر، ومنهم من أهلكوا بالطاغية، ومنهم من جعل أرضهم عاليها سافلها وأمطرهم بحجارة من سجيل، وما ربك بغافل عما يعملون.
стр. 2270
تفسير قوله تعالى: (ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الأحقاف:٢٦] أخبر ربنا عن قوم عاد هؤلاء الذين أذلهم وعاقبهم وشردهم ودمرهم: أنهم لم يكونوا قوماً عاديين، بل كانوا شيئاً لم يبلغه أحد منكم ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ [الأحقاف:٢٦] فما موصولة، والمعنى: ولقد مكناهم في الذي لم نمكنكم فيه، أي: مكناهم بالقوة وبالسلطان وبالجاه، وإلى اليوم لا نزال نجد في حفريات حضرموت وحفريات الشحر وفي نواحي اليمن ووديانها وتلالها وجبالها آثار حضارة هؤلاء، فقد كانوا يبنون القصور في السهول وكانوا ينحتون الجبال بيوتاً وقصوراً، وهذه القصور موجودة عندنا في المغرب ودخلتها ونزلت فيها وأقمت فيها أسابيع، ولها خصائص عجيبة، ففي وقت الشتاء تكون دافئة؛ لأن فيها مدافئ، وفي وقت الصيف تكون باردة؛ لأن فيها مكيفات وأدوات تهوية، وكان هؤلاء هم أول من اخترع ذلك وصنعه؛ ولذا فإن في مكة كثيراً ما كانوا يأتون إلى الجبال فينحتون منها القصور والبيوت يتحصنون فيها من أعدائهم.
وكذلك بلاد اليمن باردة شديدة البرد أيام الشتاء، شديدة الحرارة في أيام الصيف، فسكناهم في قصور الجبال المنحوتة، ومن هنا يخبر الله أنه رزقهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة، سمعاً يستفيدون منه، وبصراً يستفيدون منه، وقلوباً يعون بها ويدركون، إلا ما كان من الإيمان بالله ككفرة هذا العصر.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ [الأحقاف:٢٦] أي: مكناهم في أشياء لم نمكن لكم فيها، فقد كان طول الرجل منهم يتجاوز الأربعة والخمسة أمتار والمرأة قريبة من ذلك في عرض مناسب وتقاطيع مناسبة، وكانوا في غاية الجمال والبهاء والقوة والأيد، فقد كان الرجل منهم يمكنه أن يقتلع شجرة أو أن يلوي حديداً، لكن هذه القوة وما رزقوا من الوعي ومن التبصير والفهم اتخذوه لدنياهم كما اتخذه أهل هذا العصر، إذ لم يستفيدوا من اختراعاتهم ولا من حضارتهم إلا الكفر بالله والشرك به وارتكاب المعاصي بكل أنواعها مما لا يكاد يخطر على بال أهل الجاهلية الأولى؛ لذلك فإن الله حقّر الجاهلية، وأمر النساء بقوله: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] وقد علّق ابن عباس مفسّراً فقال: ما ذكر الله الجاهلية الأولى حتى كانت هناك جاهلية ثانية، ونحن نعيشها اليوم، وهي أقبح من الجاهلية الأولى، إذ لم يذكر التاريخ أن الأب كان يسمح لابنته أن تخرج عارية في الشوارع ويعرضها للزوار وتختلي بهم إلا في هذا العصر، ولم يذكر التاريخ جاهلياً عربياً ولا أعجمياً يجعل زوجته تخرج عارية فيطوف الغير بها ويختلي بها ويراقصها، وهم مع ذلك رؤساء دول وزعماء فقدوا العلم والدين والشرف والرجولة، وبذلك فهذا العصر عصر جاهلية ثانية لو رآها أهل الجاهلية الأولى لاستعاذوا بالله منها ومن أهلها.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٦] أي: خلق الله لهم سمعاً مفيداً وبصراً مفيداً وأفئدة واعية مدركة، واستفادوا من هذه الأشياء الثلاثة السمع والبصر والفؤاد في شئون دنياهم.
وقال ربنا: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٢٦] أي: لم ينتفعوا بهذا السمع في شئون الآخرة وفي شئون الدين والحياة الأخرى، والسبب كما قال تعالى: ﴿إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٢٦] أي: يكفرون بقدرة الله وبالأدلة القاطعة الواضحة على وحدانيته وقدرته وإرادته.
فبسبب كفرهم ومعصيتهم وخروجهم عن أمر الله سلّط الله عليهم الريح العقيم، قال تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥] وكانت الغاية والنتيجة: ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥] ذهب الإنس وذهب الوحش والطير، وخلت الديار من ساكنيها ولم يبق إلا النسر والغراب ينعق ولا مجيب لها من ساكن.
والله ذكر ذلك إنذاراً لنا ولأمثالنا ممن سبقنا وممن عاصرنا وممن يأتي بعدنا؛ ولذلك ضرب المثل فقال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف:٢٥] أي: وكما فعلنا بقوم عاد نفعل بكل قوم مجرمين مشركين عصاة خارجين عن أمر الله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الأحقاف:٢٦] وهكذا شأن الكفر الجديد، وليس كفراً جديداً، بل هو كفر قديم ورجعي وكفر أثري تاريخي، وكل ما تقوله الشيوعية اليوم والاشتراكية والماسونية والبهائية والوجودية وجميع ملل الكفر حتى الكتابية من اليهود والنصارى إنما عادوا به للكفر القديم، وقد قصه الله علينا في كتابه عن قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط وقوم إبراهيم وقوم موسى وهارون وقوم عيسى، والأمم التي مضت وخلت، فالله أتى بذكرها ليضرب بها الأمثال، ويجعل منها الأشكال، حتى إذا فعل فعلهم من فعل من المؤمنين من أتباع محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم عوقب عقابهم ودُّمِّر دمارهم.
стр. 2271
تفسير قوله تعالى: (ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف:٢٧].
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ [الأحقاف:٢٧] الخطاب لأهل مكة ولأهل الحجاز إذ كانوا السبب في نزولها، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ ولذلك قل ما أذكر السبب، حتى لا يفهم أحد أن هذا القرآن في أحكامه وما أنذر به من أنذر خاص بالعرب، وقد قال هذا بعض الجهلة والكفرة.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ [الأحقاف:٢٧] يقول الله لأهل الحجاز ولقريش: قد أهلكنا ما حولكم من القرى الذين ظلموا وأشركوا وكفروا قبلكم، فأهلك أصحاب صالح وهم في الحدود بين الحجاز والأردن، وأهلك قوم لوط وهي في أرض فلسطين عند البحر الميت، فهي كذلك حول حدود الجزيرة وحول أرض الحجاز، وأهلك حضرموت قوم عاد الذين دمرهم الله بالريح العقيم، وكذلك أرض شعيب في مدين وهي على مشارف وحدود أرض الحجاز، فتلك قرىً أشار الله إليها بأنه أهلكها ودمّرها، وأنتم يا معاشر قريش! تمرون عليها عند كل صيف وشتاء، قال تعالى: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش:١ - ٢] ومر عليها ﷺ بجيشه المنتصر في أرض ثمود، فوجدهم قد سقوا من مياهها وآبارها وعجنوا وطبخوا، فقال لهم: (اقذفوا كل ذلك، وإذا مررتم بهذه الأرض فابكوا فإن لم تستطيعوا فتباكوا حتى لا يصيبكم ما أصاب قومها من قبل، قوم صالح عشائر ثمود) فأكفئوها وأطعموها لدوابهم ورواحلهم.
قوله تعالى: ﴿وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف:٢٧] أي: فرقنا الآيات الواضحات والدلائل القاطعة على صدق الرسالة وصدق هذا الكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 2272
تفسير قوله تعالى: (فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة)
قال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف:٢٨].
يقول ﷻ عن هؤلاء: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ [الأحقاف:٢٨] هل نصر قوم عاد من بطشنا وعقابنا وتدميرنا لهم؟ أين هذه الآلهة التي قالوا عنها لهود: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ [الأحقاف:٢٢] أي: هل جئتنا لتصرفنا عنها وتصدنا عنها؟ وبعد أن دمّروا يقول الله لهم ولمن جاء بعدهم ممن يجب أن يأخذ العبرة والمثل منهم: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ [الأحقاف:٢٨] أي: فلم ينصرهم هؤلاء الذين اتخذوهم آلهة قرباناً إلى الله كما زعموا فقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣].
стр. 2273
تفسير سورة الأحقاف [٢٩ - ٣٢]
إن من سنة الله أن يرسل إلى خلقه من يدعوهم إلى عبادته والتزام أمره واجتناب نهيه، ولما كانت رسالة محمد ﷺ خاتم الرسالات وكان هو آخر المرسلين بعثه الله للخلق كافة عربهم وعجمهم وإنسهم وجنهم، وكما آمن له من الإنس أقوام كذلك آمن معه من الجن مثلهم.
стр. 2274
تفسير قوله تعالى: (وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن)
قال الله ﷻ : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩].
أي: واذكر يا محمد يوم صرفنا إليك طائفةً من الجن سمعوا منك القرآن وآمنوا بك وتدبّروا قولك وبلغوا دينك، ومعنى ذلك: يا معشر العرب! ويا معشر أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم! لا يزال فيكم الكثير ممن لم يؤمن، ولا يزال فيكم من هو مصر على الكفر، فهذه الجن قد سمعت القرآن وتدبّرته وآمنت به، وآمنت بالرسول الذي أتى به، فهم ضُرب بهم مثلٌ لمن أصر على الكفر من بني آدم.
قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف:٢٩] أي: وإذ أرسلنا إليك وبعثنا ووجّهنا إليك نفراً أي: جماعة من الجن، والجن: خلق من خلق الله خُلقوا من نار كما خلق الإنسان من تراب، وكما خلق الملائكة من نور.
﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ [الأحقاف:٢٩] فلما حضرت هذه الطائفة إلى رسول الله ﷺ وجلسوا في حضرته وبين يديه لسماع القرآن أخذ بعضهم يقول لبعض: ﴿أَنْصِتُوا﴾ [الأحقاف:٢٩] أي: اسمعوا وعوا ولا تشتغلوا باللغو وبضياع الوقت، بل أنصتوا لما يقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩] أي: فلما فرغ النبي ﷺ من إسماع هذا النفر من الجن تلاوة القرآن ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩] أي: رجعوا إلى قومهم مخوِّفين بما سمعوه من كتاب الله، وبما هدد وأوعد من أشرك بالله ومن بقي على الكفر والوثنية، إذ يعذّبه الله عذاباً لا يعذّبه أحداً مثله.
стр. 2275
قصة النفر الذين حضروا لسماع القرآن من الجن
يقول ابن عباس ﵄: كان ذلك عند ذهابه ﵊ للطائف ليدعوهم إلى الله وينشر بينهم الدين، ففي بطن نخلة في الطريق إلى عكاظ أخذ يصلي صلاة الغداة -أي: صلاة الصبح- وإذا بنفر من الجن حضروا ليسمعوا القرآن وهو يقرؤه في الصلاة، ومن المعلوم أن الجن كانوا يسترقون السمع في السماوات، فيسمعون الكلمة الحق من الملائكة ينصتون إليها سارقين للسمع فيزيدون عليها تسعاً وتسعين كذبة، فيذهبون إلى كهنتهم ورهبانهم وحاخاماتهم، ويوهمونهم أنهم أتوهم بالحق، يفعلون ذلك كذباً وزوراً وافتراء ونشراً للأكاذيب على عادة الجن في عداء الإنسان، وإذا بهم يوماً حاولوا الذهاب والعلو إلى السماوات وإلى الأجواء ينصتون كعادتهم، وإذا بهم يُضربون بشهب من السماء وبنيازك نارية تقتل من تقتل وتشرّد من تشرّد، وإذا بكبيرهم إبليس يقول لهم: ما هذا إلا لحدث عظيم، اذهبوا واضربوا في مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ماذا حدث؟ وإذا بهم وهم في طريقهم إلى أرض تهامة إلى الطائف يسمعون ويرون رسول الله ﷺ يقرأ ويتلو عند صلاة الصبح، فأنصتوا وتدبّروا وكانوا بين سبعة وتسعة أنفار، فذهبوا إلى كبيرهم وقصوا عليه ما سمعوا فقال لهم: إذاً: هذا الحدث الذي قطع بينكم وبين ما تسمعون، وهذا نبي جديد قد بُعث، والنبي ﷺ لم يرهم ولم يحضروا بين يديه أولاً، وإنما أوحي له بذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن:١] فالنبي قد قال ﵊ أي: قل يا محمد! أوحى الله إليّ أنه استمع طائفة من الجن لهذا القرآن واستمعوا لهذه الرسالة النبوية وعلموا الحقيقة، وقد رأوا ما الذي حدث وما الذي حال بينهم وبين السماء وما ينصتون إليه، ثم رجعوا إلى قومهم ينذرونهم ويخوفونهم ما سمعوا من كتاب الله، وما سمعوا من رسالة النبي ﵊، فقولهم: ﴿مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩] جمع منذر، أي: مخوفين مبلّغين مهددين.
стр. 2276
تفسير قوله تعالى: (قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى)
﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣٠] ذهبوا منذرين أقوامهم مخوّفين لهم ومهدديهم فقالوا: إنا سمعنا عجباً، سمعنا اليوم كتاباً أنزل من بعد موسى ويعنون القرآن الكريم، وهؤلاء كما قال ابن عباس: كانوا يهوداً من أتباع موسى ولا علم لهم بعيسى، وإلا فإن محمداً قد جاء بعد عيسى وهو أقرب الرسل إليه، ولم يكن بينه وبين عيسى إلا ثلاثون عاماً وستمائة عام، وكان بينه وبين موسى الآلاف من السنين، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف:٣٠] أي: من بعد زمنه وعصره جاء متأخراً، قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف:٣٠] أي: هذا الكتاب الذي أنزل بعد كتاب موسى جاء مصدقاً للكتب التي سبقته ومؤكداً صحتها؛ لأنها كانت في الأصل كتباً سماوية أنزلها الله على رسله وأنبيائه.
قوله: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ [الأحقاف:٣٠] أي: يخرجهم من الضلال إلى الهداية، ومن الظلمات إلى النور، ومن الجهالة إلى العلم، قال: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣٠] يهدي إلى الحق عقيدة، ويهدي إلى الحق سلوكاً، يهدي إلى الحق علماً وإلى طريق مستقيم ويهدي إلى المعاملات الجارية التي تكون على استقامة، لا كذب فيها ولا مين ولا دجل ولا ختل ولا تحايل، فمعناه: إلى كتاب عظيم أنزل من بعد موسى لا علم لكم به، وكان هذا الكتاب فيه من الهداية للخلق وفيه من الطريقة المستقيمة ما يهدي الناس إلى الحق وإلى الطريق المستقيم لا عوج فيه ولا أمتاً.
стр. 2277
تفسير قوله تعالى: (يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به)
عادوا فقالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣١] فهم قد أخبروهم بما وجدوا وبما أصابوا من أنهم استمعوا إلى كتاب هاد للحق وهاد لطريق مستقيم أنزل بعد عصر موسى، وبما أنه جاء بالهداية وبالطريق المستقيم قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف:٣١] هذا الذي استمعنا منه القرآن هو داعي الله، وهو الذي جاءنا به عن الله.
قوله: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٣١] أي: استجيبوا له وآمنوا برسالته ولا تكفروا بما جاء به.
قوله: ﴿وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف:٣١] أجيبوه حيث تؤمنون وتسلمون بأن هذا الذي أنزل عليه هو كلام الله حقاً، وبأنه جاء عن الله أتى به رسول حق من الله، فاستجيبوا لذلك وآمنوا به وصدقوه؛ صدّقوه جناناً، صدقوه ضميراً، صدقوه أعمالاً وحواساً.
قال تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣١] أي: إن أنتم فعلتم وأجبتم داعي الله محمداً ﷺ يجركم ويحفظكم وينقذكم من عذاب أليم فقوله: ﴿وَيُجِرْكُمْ﴾ [الأحقاف:٣١] الإجارة: الغوث والنصرة والتأييد.
стр. 2278
المعاني المفهومة من قصة النفر الذين استمعوا إلى القرآن
وهذه الآيات الكريمات لها معان أخذت من فصل الخطاب ومن مفهوم الكلام: أولاً: فهم من هذا أن النبي ﷺ كما هو رسول الله إلى البشر كافة كذلك هو رسول الله إلى الجن كافة؛ وهذا صريح القرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] خُلق الجن للعبادة كما خُلق الإنس بعدهم، ولا عبادة بغير علم ولا علم إلا برسول، وإلا كان ضرباً من الخط ومن الرجم بالغيب ما لم يكن ذلك حقيقة عن وحي من الله بإرساله رسله وإنزاله كتبه.
ونفهم من الآية أن في الجن منذرين ينذرون ويدعون، ومن العلماء من قال: ليس في الجن رسل، مستدلين بقوله الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ [يوسف:١٠٩] فالله تعالى ما أرسل من الرسل إلا الرجال، والرجال بشر، إذ لم يرسل امرأة رسولاً ولم يرسل جناً إلى أقوامهم، وهذا فهموه استنباطاً، وليس هذا بصريح القول؛ لأنهم قالوا: من خصائص النبي ﵊ أنه أرسل للجن كما أرسل للإنس، والرد على هؤلاء بقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فلما خلقهم للعبادة علمهم هذه العبادة، ولا يكون هذا التعليم إلا بإرسال رسل منذرين ومبشرين، وبكتب يأتون بها من الله تعلِّم وتهذّب.
ثانياً: هذا كان إخباراً من الله لنبينا ﵊، والسورة مكية، إذ لم يعلم بهم رسول الله ﷺ إلا بالوحي، وقيل: كذلك أخبرته الشجرة التي صلى عندها الصبح، ولكن الله أخبرنا بأنه أوحى إليه: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن:١] ولكن كما تتابعت الأخبار وتتابعت الأحاديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم عن عبد الله بن عباس وعن الزبير بن العوام وأكثر الروايات عن عبد الله بن مسعود أن الجن بعد ذلك تتابعت ووفدت على رسول الله ﵊ من ذي نوى في أرض العراق، ومن أقطار الأرض المختلفة، جاءت أفراداً وجاءت مئات وجاءت آلافاً يسألون رسول الله ﷺ كفاحاً وجهاً لوجه حديثاً مع حديث أذناً لفم، وقد حكى ابن مسعود ذلك قال: (قال ﵊: من يذهب معي إلى وفد الجن؟ فلم أكن إلا أنا فذهبت معه، وإذا بي أصل إلى مكان فيخط لي خطاً ويقول لي: لا تتجاوز هذا المكان بحال فجلست امتثالاً لأمر النبي ﵊، وإذا به يتقدمني ويبعد حيث لا أراه وإذا بي أرى أثوبة وأرى ضجة وأرى حركة وأرى أشياء تطير كأنها النسور مقبلة على رسول الله ﷺ ولها دوي كدوي النحل، فأخذني الفزع علي وعلى رسول الله ﷺ ، وكدت أذهب إلى رسول الله، لو أني تذكرت أن النبي أمرني بألا أتجاوز هذا المكان الذي خطّه لي، وبعد زمن طال أو قصر جاء النبي ﵊ وقال: هل عندك من وضوء؟ فوجد عنده ماءً نبت فيه تمر، فأخذه وقال: ماء وطهور وثمرة من الله، فتوضأ به) وهذا ما يعتمد عليه الحنفية من جواز الوضوء بالماء إذا تغير أحد صفاته الثلاثة لوناً أو طعماً أو ريحاً، ولكن هذه الزيادة أكثر أئمة الفقه وأكثر الحفاظ من أئمة الحديث لا يصححونها، ثم قال رسول الله ﷺ لـ ابن مسعود: (جاءوا إليّ وحكّموني في قتيل لهم فحكمت لهم بالحق، ثم سألوني طعاماً فأمرت لهم بكل عظم وكل شعرة وكل روث، فلا تستنجوا بعظم ولا روث ولا بعر فقال ابن مسعود له: وماذا يغنيهم هذا يا رسول الله؟! قال: هذا العظم عندما يصبح طعامهم يعود لحمه الذي كان عليه كما كان أولاً).
فالبعرة والروث يعود لهم حبه قبل أن تأكله الدواب كما كان من قبل وذاك يكفيهم، وحصل هذا في مكة المكرمة ولعله قرب المسجد الذي يسمى اليوم مسجد الجن، وحصل هذا في المدينة المنورة عند مقبرة بقيع الغرقد، وحصل هذا عند النخلة عند عكاظ في الطريق إلى الطائف، هذا ما روي، وقد يكون ذلك من تتابعهم وتكاثرهم لأنهم أمة النبي ﵊ كأمم الإنس، فهم بحاجة لأن يترددوا عليه وأن يسألوه عن عن الحلال والحرام وعن آداب هذا الدين وأخلاقه، فكان الاجتماع الأول إخباراً من الوحي لم يدر به ﵊ جاءوا فاستمعوا إلى القرآن ولم يظهروا بذواتهم للنبي ﵊، ولكن بعد ذلك اجتمعوا إليه وحدّثوه وخاطبوه.
والجن ثلاثة أصناف: جن يطير كما يطير الطائر، وجن يتكيف ويتلون كالحرباء، وجن يكون على شكل الأفاعي والحيات وما إلى ذلك من الهوام والحشرات، وإذا شك إنسان في شيء من هذا إن لم يؤذه ينصرف عنه، وإن آذاه فليتعوذ بالله ويبعده عن أذاه ولو بالقتل، وعلى نفسها جنت براقش والمبتدئ ظالم، وإنما فعل الإنسان ما فعل دفاعاً عن نفسه ودفعاً للظلم الذي حصل له.
فقوله تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣١] أي: آمنوا بالله واحداً لا ثاني له، وآمنوا بمحمد العربي التهامي نبياً رسولاً من الله، آمنوا بهذا القرآن أنه كلام الله الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فإن أنتم فعلتم ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣١] وسئل الأئمة المجتهدون وغيرهم: هل الجن يدخلون النار ويدخلون الجنة كالبشر؟ فقال أبو حنيفة: الإحسان للجن المسلم أن ينجيه الله من العذاب وأن يغفر ذنبه ثم يصبح تراباً بعد ذلك ولا يدخل النار، واستشهد بهذه الآية: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣١] ولم يقل: يدخلكم الجنة، ولكن الله قد قال هذا في الآيات عن البشر أيضاً، وذكر الإنقاذ من النار كما ذكر الإنعام بالجنة، وليس إلا الجنة والنار، فقال مالك وقال الليث وقال الجمهور: بل يدخلون الجنة ويتنعمون كما يتنعم الإنس، وقالوا كلاماً مفهوماً لا مستند له لا من آية ولا من حديث ولكن ما يفهم من ظواهر القرآن وظواهر السنة أنهم يدخلون الجنة وينقذون من النار، ويعذب في النار من عصى الله وكفر به، ودليل مالك: قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٣٩].
فهذه الآية ذكرت الجن في الجنة، وذكروا مع الحور كذلك، وهذا دليل مقبول، وهو حجة مالك والليث وكفى بهذه الآية حجة.
стр. 2279
تفسير قوله تعالى: (ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض)
قال تعالى: ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٣٢].
﴿وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٣٢] وهم يدعون قومهم الجن للإيمان بالله والإيمان بكتابه، ويبشرون من آمن بمغفرة ذنوبه وتكفير سيئاته والإنقاذ من العذاب، ويقولون المفهوم وقد جعلوه منطوقاً: ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٣٢] أي: ومن لم يستجب لرسول الله ﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ﴾ [الأحقاف:٣٢] أي: لم يكن ليعجز الله هرباً ولم يكن مفلتاً من عذاب الله سواء كان في أرض أو في جو أو في فلاة، فقدرة الله تصله حيث كان من أرض الله.
قوله: ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ﴾ [الأحقاف:٣٢] أي: ليس له من دون الله نصراء ينصرونه ويدفعون عنه ويؤيدونه ويوالونه وينقذونه من عذاب الله، هيهات هيهات أن يكون ذلك لأحد، فالله القادر على كل شيء وليس لأحد من خلقه التدخل في شيء، أو نصرة شيء أراد الله تأديبه أو أراد محنته وعذابه.
قوله: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ [الأحقاف:٣٢] أي: الذين خرجوا عن أمر الله ولم يستجيبوا لدعوة رسول الله، ولم يؤمنوا بكتاب الله ولم يؤمنوا بمحمد رسول الله، ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٣٢] أي: هؤلاء المنعوتون بهذه النعوت في ضلال وبلاء وجهالة، وفي ظلمات وضياع، فهو ضلال بيّن واضح ولا يحتاج للكثير من السؤال والبحث والاستدلال، فهم قد ضلوا وما اهتدوا عندما اختاروا الشرك على التوحيد، وعندما تركوا الإيمان بكتاب الله والإيمان بمحمد ﷺ رسولاً من الله وخاتماً.
стр. 2280
تفسير سورة الأحقاف [٣٣ - ٣٥]
إن رسل الله حين يأتون أقوامهم بدعوة التوحيد فإنهم يأتونهم بما هو جديد عليهم، فيجدون من أقوامهم الصد والنكران والكفر والإعراض، وقد نال النبي ﷺ من ذلك الحظ الأوفر فأمره الله بالصبر عليهم والتأسي بمن سبقه من الأنبياء أولي العزم.
следующие страницы →