← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

تفسير قوله تعالى: (قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى) ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣٠] ذهبوا منذرين أقوامهم مخوّفين لهم ومهدديهم فقالوا: إنا سمعنا عجباً، سمعنا اليوم كتاباً أنزل من بعد موسى ويعنون القرآن الكريم، وهؤلاء كما قال ابن عباس: كانوا يهوداً من أتباع موسى ولا علم لهم بعيسى، وإلا فإن محمداً قد جاء بعد عيسى وهو أقرب الرسل إليه، ولم يكن بينه وبين عيسى إلا ثلاثون عاماً وستمائة عام، وكان بينه وبين موسى الآلاف من السنين، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف:٣٠] أي: من بعد زمنه وعصره جاء متأخراً، قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف:٣٠] أي: هذا الكتاب الذي أنزل بعد كتاب موسى جاء مصدقاً للكتب التي سبقته ومؤكداً صحتها؛ لأنها كانت في الأصل كتباً سماوية أنزلها الله على رسله وأنبيائه. قوله: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ [الأحقاف:٣٠] أي: يخرجهم من الضلال إلى الهداية، ومن الظلمات إلى النور، ومن الجهالة إلى العلم، قال: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣٠] يهدي إلى الحق عقيدة، ويهدي إلى الحق سلوكاً، يهدي إلى الحق علماً وإلى طريق مستقيم ويهدي إلى المعاملات الجارية التي تكون على استقامة، لا كذب فيها ولا مين ولا دجل ولا ختل ولا تحايل، فمعناه: إلى كتاب عظيم أنزل من بعد موسى لا علم لكم به، وكان هذا الكتاب فيه من الهداية للخلق وفيه من الطريقة المستقيمة ما يهدي الناس إلى الحق وإلى الطريق المستقيم لا عوج فيه ولا أمتاً.

стр. 2277

تفسير قوله تعالى: (يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به) عادوا فقالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣١] فهم قد أخبروهم بما وجدوا وبما أصابوا من أنهم استمعوا إلى كتاب هاد للحق وهاد لطريق مستقيم أنزل بعد عصر موسى، وبما أنه جاء بالهداية وبالطريق المستقيم قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف:٣١] هذا الذي استمعنا منه القرآن هو داعي الله، وهو الذي جاءنا به عن الله. قوله: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٣١] أي: استجيبوا له وآمنوا برسالته ولا تكفروا بما جاء به. قوله: ﴿وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف:٣١] أجيبوه حيث تؤمنون وتسلمون بأن هذا الذي أنزل عليه هو كلام الله حقاً، وبأنه جاء عن الله أتى به رسول حق من الله، فاستجيبوا لذلك وآمنوا به وصدقوه؛ صدّقوه جناناً، صدقوه ضميراً، صدقوه أعمالاً وحواساً. قال تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣١] أي: إن أنتم فعلتم وأجبتم داعي الله محمداً ﷺ يجركم ويحفظكم وينقذكم من عذاب أليم فقوله: ﴿وَيُجِرْكُمْ﴾ [الأحقاف:٣١] الإجارة: الغوث والنصرة والتأييد.

стр. 2278

المعاني المفهومة من قصة النفر الذين استمعوا إلى القرآن وهذه الآيات الكريمات لها معان أخذت من فصل الخطاب ومن مفهوم الكلام: أولاً: فهم من هذا أن النبي ﷺ كما هو رسول الله إلى البشر كافة كذلك هو رسول الله إلى الجن كافة؛ وهذا صريح القرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] خُلق الجن للعبادة كما خُلق الإنس بعدهم، ولا عبادة بغير علم ولا علم إلا برسول، وإلا كان ضرباً من الخط ومن الرجم بالغيب ما لم يكن ذلك حقيقة عن وحي من الله بإرساله رسله وإنزاله كتبه. ونفهم من الآية أن في الجن منذرين ينذرون ويدعون، ومن العلماء من قال: ليس في الجن رسل، مستدلين بقوله الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ [يوسف:١٠٩] فالله تعالى ما أرسل من الرسل إلا الرجال، والرجال بشر، إذ لم يرسل امرأة رسولاً ولم يرسل جناً إلى أقوامهم، وهذا فهموه استنباطاً، وليس هذا بصريح القول؛ لأنهم قالوا: من خصائص النبي ﵊ أنه أرسل للجن كما أرسل للإنس، والرد على هؤلاء بقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فلما خلقهم للعبادة علمهم هذه العبادة، ولا يكون هذا التعليم إلا بإرسال رسل منذرين ومبشرين، وبكتب يأتون بها من الله تعلِّم وتهذّب. ثانياً: هذا كان إخباراً من الله لنبينا ﵊، والسورة مكية، إذ لم يعلم بهم رسول الله ﷺ إلا بالوحي، وقيل: كذلك أخبرته الشجرة التي صلى عندها الصبح، ولكن الله أخبرنا بأنه أوحى إليه: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن:١] ولكن كما تتابعت الأخبار وتتابعت الأحاديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم عن عبد الله بن عباس وعن الزبير بن العوام وأكثر الروايات عن عبد الله بن مسعود أن الجن بعد ذلك تتابعت ووفدت على رسول الله ﵊ من ذي نوى في أرض العراق، ومن أقطار الأرض المختلفة، جاءت أفراداً وجاءت مئات وجاءت آلافاً يسألون رسول الله ﷺ كفاحاً وجهاً لوجه حديثاً مع حديث أذناً لفم، وقد حكى ابن مسعود ذلك قال: (قال ﵊: من يذهب معي إلى وفد الجن؟ فلم أكن إلا أنا فذهبت معه، وإذا بي أصل إلى مكان فيخط لي خطاً ويقول لي: لا تتجاوز هذا المكان بحال فجلست امتثالاً لأمر النبي ﵊، وإذا به يتقدمني ويبعد حيث لا أراه وإذا بي أرى أثوبة وأرى ضجة وأرى حركة وأرى أشياء تطير كأنها النسور مقبلة على رسول الله ﷺ ولها دوي كدوي النحل، فأخذني الفزع علي وعلى رسول الله ﷺ ، وكدت أذهب إلى رسول الله، لو أني تذكرت أن النبي أمرني بألا أتجاوز هذا المكان الذي خطّه لي، وبعد زمن طال أو قصر جاء النبي ﵊ وقال: هل عندك من وضوء؟ فوجد عنده ماءً نبت فيه تمر، فأخذه وقال: ماء وطهور وثمرة من الله، فتوضأ به) وهذا ما يعتمد عليه الحنفية من جواز الوضوء بالماء إذا تغير أحد صفاته الثلاثة لوناً أو طعماً أو ريحاً، ولكن هذه الزيادة أكثر أئمة الفقه وأكثر الحفاظ من أئمة الحديث لا يصححونها، ثم قال رسول الله ﷺ لـ ابن مسعود: (جاءوا إليّ وحكّموني في قتيل لهم فحكمت لهم بالحق، ثم سألوني طعاماً فأمرت لهم بكل عظم وكل شعرة وكل روث، فلا تستنجوا بعظم ولا روث ولا بعر فقال ابن مسعود له: وماذا يغنيهم هذا يا رسول الله؟! قال: هذا العظم عندما يصبح طعامهم يعود لحمه الذي كان عليه كما كان أولاً). فالبعرة والروث يعود لهم حبه قبل أن تأكله الدواب كما كان من قبل وذاك يكفيهم، وحصل هذا في مكة المكرمة ولعله قرب المسجد الذي يسمى اليوم مسجد الجن، وحصل هذا في المدينة المنورة عند مقبرة بقيع الغرقد، وحصل هذا عند النخلة عند عكاظ في الطريق إلى الطائف، هذا ما روي، وقد يكون ذلك من تتابعهم وتكاثرهم لأنهم أمة النبي ﵊ كأمم الإنس، فهم بحاجة لأن يترددوا عليه وأن يسألوه عن عن الحلال والحرام وعن آداب هذا الدين وأخلاقه، فكان الاجتماع الأول إخباراً من الوحي لم يدر به ﵊ جاءوا فاستمعوا إلى القرآن ولم يظهروا بذواتهم للنبي ﵊، ولكن بعد ذلك اجتمعوا إليه وحدّثوه وخاطبوه. والجن ثلاثة أصناف: جن يطير كما يطير الطائر، وجن يتكيف ويتلون كالحرباء، وجن يكون على شكل الأفاعي والحيات وما إلى ذلك من الهوام والحشرات، وإذا شك إنسان في شيء من هذا إن لم يؤذه ينصرف عنه، وإن آذاه فليتعوذ بالله ويبعده عن أذاه ولو بالقتل، وعلى نفسها جنت براقش والمبتدئ ظالم، وإنما فعل الإنسان ما فعل دفاعاً عن نفسه ودفعاً للظلم الذي حصل له. فقوله تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣١] أي: آمنوا بالله واحداً لا ثاني له، وآمنوا بمحمد العربي التهامي نبياً رسولاً من الله، آمنوا بهذا القرآن أنه كلام الله الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فإن أنتم فعلتم ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣١] وسئل الأئمة المجتهدون وغيرهم: هل الجن يدخلون النار ويدخلون الجنة كالبشر؟ فقال أبو حنيفة: الإحسان للجن المسلم أن ينجيه الله من العذاب وأن يغفر ذنبه ثم يصبح تراباً بعد ذلك ولا يدخل النار، واستشهد بهذه الآية: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣١] ولم يقل: يدخلكم الجنة، ولكن الله قد قال هذا في الآيات عن البشر أيضاً، وذكر الإنقاذ من النار كما ذكر الإنعام بالجنة، وليس إلا الجنة والنار، فقال مالك وقال الليث وقال الجمهور: بل يدخلون الجنة ويتنعمون كما يتنعم الإنس، وقالوا كلاماً مفهوماً لا مستند له لا من آية ولا من حديث ولكن ما يفهم من ظواهر القرآن وظواهر السنة أنهم يدخلون الجنة وينقذون من النار، ويعذب في النار من عصى الله وكفر به، ودليل مالك: قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٣٩]. فهذه الآية ذكرت الجن في الجنة، وذكروا مع الحور كذلك، وهذا دليل مقبول، وهو حجة مالك والليث وكفى بهذه الآية حجة.

стр. 2279

تفسير قوله تعالى: (ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض) قال تعالى: ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٣٢]. ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٣٢] وهم يدعون قومهم الجن للإيمان بالله والإيمان بكتابه، ويبشرون من آمن بمغفرة ذنوبه وتكفير سيئاته والإنقاذ من العذاب، ويقولون المفهوم وقد جعلوه منطوقاً: ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٣٢] أي: ومن لم يستجب لرسول الله ﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ﴾ [الأحقاف:٣٢] أي: لم يكن ليعجز الله هرباً ولم يكن مفلتاً من عذاب الله سواء كان في أرض أو في جو أو في فلاة، فقدرة الله تصله حيث كان من أرض الله. قوله: ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ﴾ [الأحقاف:٣٢] أي: ليس له من دون الله نصراء ينصرونه ويدفعون عنه ويؤيدونه ويوالونه وينقذونه من عذاب الله، هيهات هيهات أن يكون ذلك لأحد، فالله القادر على كل شيء وليس لأحد من خلقه التدخل في شيء، أو نصرة شيء أراد الله تأديبه أو أراد محنته وعذابه. قوله: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ [الأحقاف:٣٢] أي: الذين خرجوا عن أمر الله ولم يستجيبوا لدعوة رسول الله، ولم يؤمنوا بكتاب الله ولم يؤمنوا بمحمد رسول الله، ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٣٢] أي: هؤلاء المنعوتون بهذه النعوت في ضلال وبلاء وجهالة، وفي ظلمات وضياع، فهو ضلال بيّن واضح ولا يحتاج للكثير من السؤال والبحث والاستدلال، فهم قد ضلوا وما اهتدوا عندما اختاروا الشرك على التوحيد، وعندما تركوا الإيمان بكتاب الله والإيمان بمحمد ﷺ رسولاً من الله وخاتماً.

стр. 2280

تفسير سورة الأحقاف [٣٣ - ٣٥] إن رسل الله حين يأتون أقوامهم بدعوة التوحيد فإنهم يأتونهم بما هو جديد عليهم، فيجدون من أقوامهم الصد والنكران والكفر والإعراض، وقد نال النبي ﷺ من ذلك الحظ الأوفر فأمره الله بالصبر عليهم والتأسي بمن سبقه من الأنبياء أولي العزم.

стр. 2281

تفسير قوله تعالى: (أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى) قال تعالى مخاطباً هؤلاء المشركين المنكرين للبعث والقيامة والمنكرين للجنة والنار: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف:٣٣]. والرؤية هنا رؤية القلب ورؤية العلم، أفلم يعلم هؤلاء المشركون والوثنيون والضالون المضلون أن الذي خلق هذه السماوات العلى والأرضين السفلى بما فيها وما عليها من كواكب ثابتات ومن جبال راسيات ومن جن وإنس وملائكة وما يتبع ذلك، ألم يروا أن الله الذي خلق كل هذا قادر على أن يحيي الموتى؟ بل الله القادر على كل شيء لا يحتاج لأكثر من أن يقول: كن فيكون ﷻ وعزّ مقامه، هل هذا الذي خلق هذه السماوات على كبرها وعظمتها وسعتها، هل إحياؤه الموتى وإعادته للأرواح وقد كانت، وللأجساد وقد كانت، أهون من ذاك وأقرب من ذاك؟ والكل على الله هين؛ ولذلك ضرب الله الأمثال في خلق السماوات والأرض: هل هي أكبر خلقاً وأكبر سعة أو هذا الجسم البشري الضئيل؟ هل هذا أهون في الخلق أو ذاك؟ والكل على الله هيّن، فالله قادر على إحياء الموتى كما خلق السماوات وخلق الأرض وهم يعتقدون ويقرون بأن الله خالق السماوات والأرض وأنه خالقهم ولكنهم كفروا بالحياة بعد الموت، وكفروا بالدار الثانية، وقالوا: إن عقولهم لم تقبلها. قوله: ﴿بَلَى﴾ [الأحقاف:٣٣] إضراب عن الكلام الماضي، هؤلاء آمنوا أم كفروا؟ أقروا أم اعترفوا؟ لا يغير نكرانهم ولا كفرهم من الحق شيئاً: ﴿بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف:٣٣] إن الله قادر على خلق الكبير والصغير، وخلق السماوات والأرض وخلق الأجساد بعد فنائها، وقادر على عودتها بعد أن تصبح رمماً بالية، وقادر على عودة الأرواح إلى أجسادها كما كانت في دار الدنيا.

стр. 2282

تفسير قوله تعالى: (ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق) قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأحقاف:٣٤]. يقول ربنا لنبيه وللناس من المؤمنين وغير المؤمنين: واذكروا يوم يعرض الكافرون على النار، يوم ذلهم وهوانهم، وعودتهم للإيمان بالحق يوم لا ينفعهم إيمان فقد فات الأوان، والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، فقوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ [الأحقاف:٣٤] لقد كانوا في دار الدنيا منكرين للآخرة ومنكرين لنعيمها ومنكرين لعذابها، وهم الآن في الدار الآخرة في عذابها يكتوون، فتقول الملائكة عن أمر الله أو يقول الله ﷻ : ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ [الأحقاف:٣٤] استفهام توبيخي تقريعي: هل يتمكن أحدكم بعد أن عاش في واقع ما كان يحذر منه أن ينكر هذا؟ وإذا بهم يبادرون ويقولون مقسمين: ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ [الأحقاف:٣٤] أليست الدار الآخرة حقاً؟ أليس البعث والنشور حقاً؟ أليست الجنة حقاً؟ أليست النار حقاً؟ إذاً: فيم كنتم تعيشون؟ أليس في باطل وفي ضلال وفيما لم ينزل الله به من سلطان؟ فأقسموا بربهم أن هذا حق وقالوا: ﴿بَلَى﴾ [الأحقاف:٣٤] استجابة بعد الإنكار قال: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأحقاف:٣٤] فعذبوا وأدخلوا النار وذلك بسبب كفرهم، قال تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأحقاف:٣٤] أي: بسبب كفركم وحرصكم مدة حياتكم على هذا النكران وعلى هذا الجحود.

стр. 2283

تفسير قوله تعالى: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف:٣٥] يخاطب الله عبده وحبيبه محمداً ﷺ ، ويقول له: اصبر، وهي آية مكية في سورة مكية، والنبي ﵊ مدة مقامه بمكة كان تحت اضطهاد قومه وتحت شتائمهم وتكذيبهم وإيذائهم له، فقد أدموا عقبيه ﷺ وهو الذي يفدى بالنفس والمال والولد، ورموا عليه جزوراً وتآمروا على قتله، ولبب في عنقه، وتآمروا على سجنه، وتآمروا على طرده، هذا مع التكذيب ومع ما كان يواجه به ﷺ ، وكان أحياناً يجد في نفسه شيئاً فالله يثبته ويقويه، فقال له: ﴿فَاصْبِرْ﴾ [الأحقاف:٣٥] أي: تحمل ذلك واصبر قليلاً والعاقبة لك والنصر لك، والعاقبة على أعدائك بأن لهم الذل والهزيمة، ولهم العذاب في الدنيا والآخرة. قوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] أي: فاصبر كما صبر من سبقك من أولي العزم والحزم والإرادة من رسل الله من آبائك ومن إخوانك، فلا تكن بدعاً بينهم ولا تخرج عن سننهم بل اصبر كما صبروا، ومنهم أولوا العزم. والجمهور يقول: هم خمسة: نوح ﵇، وإبراهيم ﵇، وموسى ﵇، وعيسى ﵇، ونبينا خاتمهم وإمامهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقال قوم: هم ستة، وقالوا: أكثر، وقالوا: جميع رسل الله أولوا عزم وحزم؛ فـ (من) هنا بيانية وليست تبعيضية كما تقول: اشتريت ثوباً من خزف، ولا تريد أن تقول: أخذت بعض الخزف فصنعته ثوباً، ولكنك تريد أن تبين أنك اشتريت ثوباً من خزف ليس قطناً ولا صوفاً، روي أن النبي ﷺ دخل على أم المؤمنين عائشة يريد طعاماً فلم يجد فقال لها: (نحن معاشر آل البيت لم يرد الله لنا الدنيا ولا تليق بنا الدنيا، ربي يأمرني بالصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل قبلي، فقد أمرني بالصبر على مكروه الدنيا وبالصبر عن محبوبها، ولذلك فلا حاجة لي في دنيا ولا نعيمها ولا رفاهيتها ولا يليق ذلك بي ولا بآل بيتي) هكذا كان يقول المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إلا أن النبي ﵊ قد حصل له بعض الضيق والتبرم من صنع قومه معه، فكأنه أراد أن يعجّل لهم العذاب، وهو بذلك يكاد أن ينفد صبره، فوجهه ربه ودله على الطريق الأنسب والأقوم له وأن العاقبة له فلا يستعجل، قال تعالى: ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف:٣٥] أي: لا تستعجل لقومك عذاباً، فلعلهم يعيشون أياماً أو أشهراً أو سنوات يتوب منهم من يتوب ويصبحون لك عوناً ولدينك أنصاراً، ولعلهم يعيشون أياماً وأعواماً يخرج الله من أصلابهم مؤمنين به داعين لرسالته أنصاراً لك. قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف:٣٥] هؤلاء القوم كأنهم يوم ينزل بهم ما أوعدوه من عذاب مقيم ومن محنة حالّة يستقصرون الزمن وكأنهم لم يعيشوا في دنياهم كلها إلا ساعة من نهار، وقت بسيط من الزمن كمن يجتمع بآخر للتعارف: من أنت؟ فلان بن فلان وأنا فلان بن فلان! وانتهى الجمع والزمن. فقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ [الأحقاف:٣٥] تشبيه ليس واقعاً ولكن هذا ندركه في دنيانا قبل أخرانا، فالمنتظر يقول: الانتظار شديد وصعب، والمنتظر لشيء مهما كان هذا الشيء تجده يستعجل الزمن، وتمر الأيام والأسابيع والشهور وكأنها ثوانٍ، والله شبّه الدنيا كلها بالنسبة لهؤلاء المعذّبين بقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف:٣٥]، وماذا عسى أن تكون هذه الساعة؟ ﴿بَلاغٌ﴾ [الأحقاف:٣٥] أي: كأنهم لبثوا وأقاموا مقدار ما يبلِّغ الإنسان كلاماً لآخر كُلّف بتبليغه، والأكثر على أن ﴿بَلاغٌ﴾ [الأحقاف:٣٥] خبر لمبتدأ محذوف، أي هذا القرآن بلاغ، جاء لتبليغ الناس بالإيمان بربهم وصلاح حياتهم وسيرتهم مع نظامهم في دنياهم ونظامهم عند آخرتهم، نظاماً أسروياً وشعبياً، ونظاماً يعيشون به مع العدو ومع الصديق، هذا القرآن جاء بلاغاً ومبلِّغاً لكل ذلك، فيه خبر من قبلكم ونبأ من بعدكم وهو الفصل ليس بالهزل، ما تركه من جبار إلا قصمه الله، هو الذي لا يبلى قديمه، وكأنك عندما تتلوه وتقرؤه تقرؤه لأول مرة لقوة المعاني التي تخطر ببالك وأنت تتلو، شريطة أن تتلوه وأنت متدبر ومنصت، وأنت تعيش في معاني ما تتلوه وتقرؤه. قال تعالى: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف:٣٥] قالوا: هذه أرجى آية في كتاب الله يرجوها إنسان، وهي كما قال نبينا ﵊: (لا يهلك على الله إلا هالك). فقوله: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ﴾ [الأحقاف:٣٥] استفهام تقريري يقرر الله لنا شيئاً: لا يهلك على الله إلا الكافر والذي خرج عن الإسلام ألبتة وأشرك بالله وكفر به، ومن عدا ذلك يرجو وينتظر ويأمل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فلا يهلك ولا يقضى عليه إلا الذي جاء الآخرة وهو لا يؤمن بالله ألبتة، وكما قال ﵊: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) وإلا فالصغائر يمحوها الله ما بين الأوقات مع الوضوء والغسل، ولكن المرتكب للكبائر هو الذي يحتاج للمغفرة ويحتاج للشفاعة، وقد وعدها رسول الله ﷺ أمته من أهل الكبائر، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] اللهم أطمعنا في رحمتك وشوقنا إليك ولا تجعلنا من الآيسين: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] فالمؤمن في خير على أي حال، فمن مات وهو يقول: لا إله إلا الله دخل الجنة، ومن مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة، ومن مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله أو يوقن بها جنانه فهو في الجنة لا محالة، إما أن يغفر الله له فيدخل الجنة بلا عذاب، وإما أن يدخل النار فيبقى فيها ما عسى أن يبقى، ثم بعد ذلك لا يخلد فيها فيخرج إلى الجنة ويعامل معاملة إخوانه من المؤمنين. وبهذا نكون قد ختمنا سورة الأحقاف ولله الحمد والشكر والمنة.

стр. 2284

تفسير سورة الفتح [١ - ٣] لقد كان صلح الحديبية فتحاً كبيراً وعظيماً للمسلمين، وإن كان بعض المسلمين لم يفهموا الغرض والحكمة منه في وقته، ولكنهم عرفوا نتائجه بعد ذلك، وقد أنزل الله سورة الفتح تتحدث أنه نصر من الله.

стр. 2285

بين يدي سورة الفتح سورة الفتح سورة مدنية، فقد نزلت بين مكة والمدينة عندما رجع رسول الله ﷺ من صلح الحديبية وقد كان في مشارف مكة المكرمة. وقد روى بعض الصحابة رضوان الله عليهم عن رسول الله ﷺ وهم جابر بن عبد الله والمغيرة بن شعبة وأنس بن مالك وعبد الله بن عباس أن النبي ﵊ قال: (نزلت علي سورة لهي أحب إلي من حمر النعم)، وفي رواية: (لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس)، وفي رواية: (لهي أحب إلي مما على وجه الأرض). وهذه السورة مشتملة على تسع وعشرين آية، وقد نزلت ليلاً في الطريق بين مكة والمدينة، وما كان كذلك فهو ينسب إلى أقربها نزولاً: مكة أو المدينة.

стр. 2286

سبب نزول سورة الفتح وسبب نزول السورة هو صلح الحديبية، وذلك عندما أخبر نبي الله ﵊ المهاجرين والأنصار بأنه يريد أن يدخل مكة المكرمة للحج والعمرة، وكانت مكة لا تزال دار كفر، ولا يزال كفار مكة الوثنيين هم أهلها وسكانها والمتسلطين عليها. فنادى النبي ﷺ البدو والحضر فتأخر من تأخر وحضر أربع عشرة مائة من الرجال سيوفهم في قرابها، وأخذ طريقه إلى مكة يريد الحج والعمرة، وأعلن للناس أنه لا يريد حرباً ولا قتالاً بأن جعل السيوف في قرابها، وساق معه الهدي، فلما وصل إلى عسفان إذا به يجد رجلاً مقبلاً من جهة مكة فقال له: ما وراءك؟ قال: إن قريشاً بلغهم مسيرك وخروجك وقد استقبلوك بالعوذ المطافيل يريدون منعك من دخول مكة، ويريدون صدك عن البيت. والعوذ جمع عائذ، والعائذ: الناقة الحديثة الإنتاج، والمطافيل: ذوات الأطفال والصغار من الإبل خرجوا بها كذلك، حتى إذا طال بهم العهد وناجزوا الحرب رسول الله ﷺ مانعيه من الطواف ومن دخول مكة فإنهم يجدون هذا اللبن زاداً لهم، فلا يحتاجون إلى الرجوع إلى مكة، فعندما قال الرجل هذا الكلام إذا برسول الله ﵊ يقول لمن معه: (أيكم يغير لنا الطريق فنحيط بهؤلاء قبل وصولي إلى مكة؟) فقال رجل خبير بالطريق: أنا يا رسول الله! فذهب بهم إلى طريق وعرة صعبة ذات حجارة وصخور، لقي الأصحاب منها عناء ومشقة، ولكنهم أحاطوا بأولئك الذين خرجوا مانعين رسول الله ﷺ . كما خرجت كوكبة من الخيل يقودها خالد بن الوليد وكان لا يزال على كفره، وفرقة أخرى يقودها ابن أبي جهل، وكان هذا في شهر ذي القعدة في العام السادس من هجرة رسول الله ﷺ إلى المدينة، هذا في شهر ذي القعدة، وإذا بهؤلاء العوذ المطافيل وركابها والخيل وقائديها عكرمة بن أبي جهل وخالد بن الوليد يقال لهم: محمد قد سبقكم إلى داخل مكة بجيش عرمرم، وإذا بهم يسرعون فارين إلى مكة خائفين من الإحاطة بهم والقضاء عليهم، ومناجزتهم وهم قله. فوصل رسول الله ﵊ إلى الحديبية وهي في مداخل الحرم، وعلم من أعلام الحرم ولا يزال فيها إلى الآن علامة بناء يبينها ويظهرها عند مدخل حرم مكة، وإذا بناقته القصواء ﵊ تبرك، فحاول تحريكها فلم تفعل، فقال الصحابة خلأت الناقة -أي: حرنت- فلم تبرح من مكانها، فقال رسول الله ﵊: (ما خلأت وما ذلك لها بخلق، ولكنه حبسها حابس الفيل) وصاحب الفيل: هم الحبشة الذين جاءوا في السنة التي ولد فيها النبي ﷺ لهدم الكعبة، فمنعهم الله وسلط عليهم الطير الأبابيل فجعلتهم كعصف مأكول. فمنع الله القصواء من الدخول إلى مكة لحكمة هو يعلمها، ثم عاد فقال ﵊: (والله ما عرضت علي قريش أمراً فيه احترام المقدسات وتقدير الحرمات إلا وأجبتهم إليه) فقد كان يظن من معه أنهم إذا منعوا من أداء العمرة قاتلوا ودخلوا عنوة، والنبي لا يريد ذلك، وإنما يريد عمرة، ويريد ما نقوله في حكمة عقد صلح الحديبية بعد تمام القصة. وصل رسول الله ﵊ وأمر بالنزول عند شجرة سمر هناك في الحديبية، فقالوا: يا رسول الله! ما هذا لنا بمنزل؛ لا ماء يكفي الناس، وكانت هناك آبار قليلة لا تكاد تكفي أفراداً من الناس، فجاء ﵊ إلى بئر منها وأخذ ماءً وتمضمض به ومجه فيه ووضع سهماً، وإذا بالبئر تجيش وتفور وكأنها العين الفوارة. قيل لـ جابر راوي هذه القصة: كم كنتم؟ قال: كنا ١٤٠٠ رجلاً، وقد كفتنا جميعاً، قالوا: وكيف كفتكم؟ قال: والله لو كنا مائة ألف لكفتنا شرباً وطبخاً ووضوءاً ولكل ما نحتاج له من الماء، وكان ذلك من معجزات الرسول ﷺ التي رآها كل من معه، وكان عددهم ١٤٠٠ رجلاً.

стр. 2287

أهم بنود صلح الحديبية لقد بعثت قريش سهيل بن عمرو، فلما رآه ﷺ قال: (قد سهل لكم أمركم)، ثم اتفقا على قواعد الصلح، فدعا رسول الله ﷺ علياً ليكتب الكتاب، فأملى عليه: (بسم الله الرحمن الرحيم)، وبسم الله الرحمن الرحيم في لغة الإسلام تساوي باسمك اللهم، أي: باسمك يا ألله! أفتتح كتابي، وماذا يضر لو بدّل بسم الله الرحمن الرحيم ببسمك اللهم؟ فتلك كانت معارضة حرفية من قريش لا تدل على فهم ووعي، وكان ذلك من سعة صدر رسول الله ﵊ وفهمه الأمور كما هي، وكتب: هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله، قالوا: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، اكتب اسمك واسم أبيك، فأمر علياً بذلك، فامتنع علي، وهذا فيه أنه التزم الأدب ولم يلتزم الطاعة، وهكذا عند أصحاب الرقائق وأصحاب الآداب إذا اجتمع أدب وطاعة يقدّمون الأدب على الطاعة، ثم محاها رسول الله بيده. وكون قريش والدنيا كلها لم تعترف بمحمد رسول الله ماذا عسى أن يكون؟ فهو رسول الله حقاً أكد ذلك الله ﷻ وصدّقه، وأرسل معه ملائكته وعززه بجبريل، وأوحى إليه بالقرآن وسانده وعززه وقواه ونصره على أعدائه، فلا يضيره ولا يضير المسلمين ألا يعترف سفير قريش بأنه رسول الله، وفي مستقبل الأيام سيسلم هذا السفير وسيكون أحد كبار الدعاة إلى الإسلام والمجاهدين في سبيله. قالوا له: من جاءك أرجعته ومن جاءنا لا نرده، أي: من جاء رسول الله فإن الرسول يرده، والمسلم مسلم حيث أسلم في أي بقاع الأرض، وما دام قد قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله سواء كان في مكة أو كان في المريخ أو كان في الأرض السابعة فهو مسلم، وسواء اجتمع برسول الله وسمع منه أو لم يسمع. وهانحن - ولله الحمد - جئنا بعد رسول الله بألف وأربعمائة عام وكوننا لم نجتمع برسول الله ما ضر هذا ديننا ولا إسلامنا ولا اعترافنا، فنحن مسلمون مؤمنون وملتزمون بالشهادتين، ثبتنا الله على ذلك إلى لقائه. ومن جاء من عند رسول الله لا يردونه؛ لأنه لا يترك الجيش النبوي ويذهب إلى المشركين إلا مرتد، وماذا عسى أن يفعل رسول الله ﷺ برجل قد ارتد؟ فلو عاد إلى المسلمين فإما أن يُجبر على الإسلام أو يُقتل ولا يستفيد المسلمون منه شيئاً. إذاً: فالمعاهدة كانت ضحكاً على قريش واستهتاراً بهم واستبلاداً لهم، وكان رسول الله ﷺ بعيد النظر جداً فلم يرد أن يذكر أسرارها، وقد خفيت على أصحابه، فلو كشفها لسمعها أعداؤه وزالت فائدتها ونتيجتها وحكمتها وما يراد منها. وفي المعاهدة: أن الهدنة بين المسلمين والكفار كانت عشر سنوات، وأنه يدخل مع محمد من شاء من القبائل ومع قريش كذلك، فأفسح المجال في هذه المدة ولم تمض على المعاهدة إلا سنتان حتى غدرت قريش، وكانت الكارثة عليها في هاتين السنتين، فقد انتشر الإسلام فيها انتشاراً عظيماً لم ينتشر قبله منذ بدء الإسلام: منذ اثني عشر عاماً في مكة وست سنوات في المدينة، أي: منذ (١٨ سنة)، فعدد الذين أسلموا في تلك السنتين كان أكثر من جميع من أسلم خلال السنوات الطوال الماضية. قال ابن إسحاق: خرج رسول الله ﷺ للعمرة ومعه (١٤٠٠) رجل، وفي السنة الثامنة بعد أن غدرت قريش بخزاعة التي كانت من أحلاف رسول الله، وكان ذلك منهم غدراً ونكثاً للعهد، دخل النبي ﵊ مكة فاتحاً بعشرة آلاف مقاتل، ومعظمهم من الذين آمنوا خلال هاتين السنتين من معاهدة الحديبية إلى سنة فتح مكة. فقد أُفسح المجال لرسول الله ﷺ أن يدعو إلى الله بلا صد ولا معارضة. وأما العمرة فلم تكن واجبة ولم تكن فريضة، وكون النبي لم يعتمر تلك السنة فقد اعتمر في السنة الثانية، فنشأ عن هذه المعاهدة نصر للمسلمين ولرسول الله معزز مؤزر لم يكن في جميع المعارك التي مضت حتى ولا في غزوة بدر. والشرط الذي قالوا: من جاء إلى رسول الله فإنه يرجعه، فكان نتيجة ذلك أن انقلب هؤلاء عليهم وقطعوا الطريق عليهم وحاربوهم ورسول الله غير مسئول ﵊؛ لأنهم من حيث المعاهدة ما زالوا على عهدة قريش، وقد فروا منهم وليس رسول الله مسئولاً عنهم. فكانت معاهدة الحديبية أول معاهدة عاهد فيها رسول الله أعداءه، فكشفهم واستصغر عقولهم، وكانوا بلداء في الفهم قصيري النظر في الإدراك، وكان رسول الله أعظمهم فهماً وبياناً. وقبل سنوات دُعيت إلى القاهرة لإلقاء سلسلة من المحاضرات في الدبلوماسية والسياسة النبوية في حروبه ودولته وجيوشه، فتكلمت عن هذه المعاهدة أياماً طوالاً، وكان يحضرها السفراء والوزراء المفوضون والدبلوماسيون من رتب كبيرة وصغيرة فبُهتوا وفتحوا أفواههم، هل هذا يوجد في المعاهدات النبوية؟ فهم لم يدركوا ذلك، ولن يدركوه؛ لأن الإسلام ما عاد يُدرك في الجامعات ولا المعاهد، ولا في معاهد العسكريين والسياسيين، فقد قطعوا بينهم وبين الإسلام البتة؛ ليسهل عليهم تنقيص الإسلام في صدورهم، وإبعادهم عن دينهم وعن نبيهم، فقد أصبحوا جهلاء في دينهم وتاريخهم، وأصبحوا أكثر جهلاً من أعداء الإسلام يهوداً ونصارى ومنافقين. هذه المعاهدة وأسرارها لا تنتهي وستبقى المثال العالي لكل سفير مسلم، ولكل وزير مفوض مسلم، ولكل سياسي مسلم.

стр. 2288

شبهة بعض المنافقين في جواز مصالحة اليهود وفي هذه الأيام العصيبة على المسلمين احتج بهذه المعاهدة بالذات منافقون من أدعياء الإسلام ومن أدعياء العلم واتخذوها حجة في الصلح مع اليهود، وقالوا: رسول الله قد صالح كفار مكة! فهذا كلام رجل منافق وجاهل ومضلل، وكلام قوم لم يمتوا للإسلام بصلة فضلاً عن العلم، والرد عليهم بما يلي: أولاً: مكة كانت دار هؤلاء وكان النبي واحداً من قريش، وهو الذي قام من بينهم وجاء بدين جديد عن أمر ربه، فزيّف أصنامهم وآلهتهم ومجتمعهم وحياتهم، وأما الصلح مع إخوان القردة والخنازير في أرض هي أرض المسلمين منذ جاء الإسلام منذ (١٤٠٠) عام، فتحها واستلم مفاتيحها عمر بن الخطاب والصحب الكرام، وهي للعرب قبل ذلك بقرون، وكون أنبياء بني إسرائيل أقاموا فيها زمناً، وأنبياء بني إسرائيل هم أنبياء الله، فلا صلة لهم بهؤلاء القردة والخنازير، وهم برآء منهم؛ لأنهم كفروا بهم، وقذفوهم، ولأنهم قالوا عنهم الأقاويل. ثانياً: جاء رسول الله عزيزاً مكرماً وأراد أن يأتي بعمرة فصدوه على أن يأتي مرة ثانية، فأخذ معهم معاهدة كان ذلها ووبالها عليهم، وكانت النتيجة أن أسلم جميع أهل مكة يوم فتحها رسول الله ﷺ بعد هذه المعاهدة بسنتين، ومن فر عن الإسلام عاد إليهم مغتبطاً مسلماً، حتى لقد أجمع أهل السير أنه لم يبق في قريش كافر ولا منافق. وأما اليهود الذين احتلوا بيت المقدس فقد كذبوا على الله وافتروا عليه، وقد أتى بهم الاستعمار الحديث فأدخلوهم قهراً للمسلمين، وحرباً عليهم، وتشتيتاً لوحدتهم، وبذر السوء والألغام في أوساطهم، وما يجري اليوم هو أثر ذلك. ثالثاً: إن اليهود احتلوا أرضاً مسلمة فيها القبلة الأولى، والمسجد الثالث الفاضل في الإسلام، ومليئة بأبناء الصحابة مهاجرين وأنصاراً، والعلماء والأولياء من كل لون في جميع القرون، فتنازل عنها حكام العرب وأعطوها للقردة والخنازير، وذهبوا إليهم وقالوا: قد جئناكم في عقر داركم، فمتى كانت القدس دارهم لتكون عقر دارهم؟ ثم بعد ذلك لم يقف الأمر عند المسالمة بل التحالف، فقد فتحت مصر أرضها للسفارة اليهودية، وهي البلاد ذات العلماء الصالحين وذات التاريخ العظيم في تاريخ الإسلام، وحُرِّف تاريخ الإسلام في مصر وأصبحوا يتحدثون عن فلسطين أنها أرض اليهودية، وأن قومها حرروها، وأن العرب والمسلمين كانوا فيها مستعمرين فكذبوا على الله، وارتدوا عن دين الإسلام، وتهودوا وخرجوا عن الدين الحق، وزيفوا الحقائق واخترعوا الأباطيل وقاموا بالهراء من القول. وأما احتجاجهم بمعاهدة المدينة المنورة: فلم تكن معاهدة مع يهودها فقط، بل كانت مع جميع ساكنيها من الأوس والخزرج واليهود ومن إلى ذلك، فكان هؤلاء أبناء البلد، وكانوا عرباً وليسوا طارئين ولم يكونوا أجانب عن ذلك، والنبي ﵊ هو الذي هاجر إلى المدينة وهو الذي جعلها دار نبوته ودار رسالته ودار دولته، وغدر اليهود فلم يحالفهم، ولم يرفع رايتهم في داخل البلاد، ولم يلفظ باسمهم، ولم يفتح لهم الأبواب، ولم يسلم المسلمين إليهم. فالتجاوز في الصلح والسلام قد يكون ردة إلى اليهودية وإلى اللعنة وإلى غضب الله. فالمعاهدة كانت نصراً مبيناً وفتحاً عظيماً، وقد كان عمر ﵁ الذي عارض بعض بنود الصلح عن عدم فهم يقول: لا زلت طوال أيامي أستغفر الله، وأتوب إليه، وأتصدق من مالي، وأُعتق من رقابي؛ لعل الله يغفر لي ذلك الموقف الذي فعلته عند المعاهدة، وهذا نتيجة عدم فهمي وعدم إدراكي وعدم وعيي.

стр. 2289

تفسير قوله تعالى: (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً) لقد كانت المعاهدة نصراً للإسلام عزيزاً مؤزراً؛ ومن هنا كان نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١] أي: إنا قضينا قضيتك، وجعلناها فتحاً مبيناً لك، فتحت لك بها القلوب والأمصار، وتمت نعمة الله عليك، وكان فتح مكة قبل صلح الحديبية بعامين.

стр. 2290

تفسير قوله تعالى: (ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) قال تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢]. أي: ليغفر الله لنبيه ما صدر عنه من خلاف الأولى مما عوتب عليه في شأن عبد الله بن أم مكتوم، وفي شأن أخذ الفداء من أسرى بدر، وما يشبه ذلك. وهذا لم يكن لأحد ممن مضى لا الأنبياء والرسل ولا غيرهم من الخلق، وكل ما ورد في أن الله يغفر من الذنوب ما مضى منها وما هو آت لم يصح بذلك حديث. فمعنى قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢] أي: من ذنب أبويك آدم وحواء، ومن ذنب المذنبين من أمتك. قال الله تعالى: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح:٢] أي: ليكون ذلك تمام نعمة الإسلام والنبوة والرسالة والأحكام والدولة، فقد أتم الله على نبيه ما أرسل من أجله، وما دعا الخلق إليه، ففرضت جمع الأركان، وتم النصر المبين، وخضعت مكة والجزيرة، ورُعبت الروم وفارس، ونصر الله نبيه مسيرة شهرين شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، وسحق أعداءه، ونشر دينه، ونصر الأنصار والمهاجرين وجعلهم سادة الأرض وأئمتها، وأتم الله عليه نعمته، وأتم عليه رسالته بتحقيق أحكامها وأهدافها وغاياتها، وما يتعلق بالنعمة في دار الدنيا وفي الآخرة. قال الله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح:٢] أي: ويزيد الله هدايتك للطريق المستقيم فيما يشرّعه لك من أحكام مدنية وعسكرية وعبادات ومعاملات داخل دولتك وأمتك، وخارجهما مع أعدائك ومع الناصبين لك العداء.

стр. 2291

تفسير قوله تعالى: (وينصرك الله نصراً عزيزاً) قال الله تعالى: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح:٣]. نصر الله بمعاهدة صلح الحديبية نبيه والمسلمين، ﴿نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح:٣] أي: نصراً عظيماً لا يُنال مثله ولا يوصل لمثله، فكان العز والنصر والتأييد في ركاب رسول الله والمؤمنين من أصحابه، فقال الأصحاب: هنيئاً لك مريئاً يا رسول الله نزول هذه الآية: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١]، هذا لك، فما أعد الله لنا؟ قال: أعد لكم: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٥]، فكذلك المؤمنون أكرمهم الله بدخول الجنان، وبتكفير السيئات، وبالفوز العظيم عند الله في الدنيا والآخرة، فالله أكرم الأكرمين، ومن هنا كانت بشارة المصطفى لأصحابه بأن بشر جميع أهل شجرة الرضوان بالجنة، وقال لهم: أنتم أفضل أهل الأرض ممن على وجه الأرض إذ ذاك، فهم من باب أولى أفضل ممن سيأتي بعدهم.

стр. 2292

تفسير سورة الفتح [٤ - ٩] عندما عاهد الرسول ﷺ كفار مكة على بنود صلح الحديبية كان في ظاهر بنودها الإجحاف والضرر بالمؤمنين، فقلق واضطرب كثير من المؤمنين، لكن الله تعالى أنزل السكينة في قلوبهم، وثبتهم فهدأت أنفسهم، وازدادوا إيماناً إلى إيمانهم.

стр. 2293

تفسير قوله تعالى: (هو الذين أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم) قال الله ﷻ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح:٤]. يقول تعالى بعد أن بشّر عبده ونبيه محمداً ﷺ بالفتح المبين، وبالهداية للصراط المستقيم، وبالنصر العزيز المؤزر، بأنه أنزل السكينة في قلوب المؤمنين وقد كانوا مضطربين وقلقلين ومنزعجين أمام مواد معاهدة الحديبية، حيث لم يفهموا مغزاها وأهدافها، وكان ذلك من الحكمة في أن قريشاً لم تنتبه لما ضُحك به عليها، وخُدعوا بذلك، والحرب خُدعة كما يقول ﵊. فالله أنزل الطمأنينة والوقار في قلوب الصحابة فزال قلقلهم واضطرابهم، ووثقت أنفسهم، وعادوا بما كانوا فيه من بشرى وسيادة وسعادة واطمئنان بهذه المعاهدة، فاطمأنت قلوبهم، وهدأت جوارحهم، وازدادوا إيماناً مع إيمانهم، وازدادوا يقيناً وثباتاً. قال عبد الله بن عباس ﵄: أمر الله بالشهادتين، ثم أمر بالصلاة فازدادوا إيماناً، ثم أمر بالصيام فزادوا إيماناً على إيمانهم، ثم أمر بالحج، ثم أمر بالزكاة فتم لهم الإيمان من كل أطرافه. وبهذه الآية استدل الإمام البخاري بأن الإيمان يزيد وينقص، فبعض الناس مؤمن حقاً ولكنه مع إيمانه غير مطمئن ومستيقن، وتجد آخر مؤمناً وهو يقول: والله لو كشف لي الحجاب لما ازددت يقيناً على ما أنا عليه. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الفتح:٤] أي: لو شاء الله لنصر عبده ونصر جنده بلا حاجة إلى معاهدة ولا حرب ولا قتال، فالله له جنود السماوات والأرض، فلو سلّط على هؤلاء ملكاً واحداً لجعل الأرض عاليها سافلها، ولمحقهم وسحقهم سحقاً، ولكن الله يبلو الناس بعضهم ببعض؛ ليختبر الصادق من الكاذب، والمخلص من المنافق، ويثبت الذي بذل حياته في سبيل الله بالجنة والرضا والرحمة، ويعاقب من خرج عن أمره بالعذاب المقيم. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح:٤] كان عليماً بخلقه وبعباده وبالصادق منهم من الكاذب، وبالمخلص من المنافق، وحكيم ﷻ يضع الأمور في مواضعها بما يعود بالنفع والصلاح على الناس بما يعلمه الله ﷻ .

стр. 2294

تعريف السكينة والسكينة عند المفسّرين هي: الطمأنينة تنزل على القلب، والوقار يلزم الجوارح، وهي عند أهل الآداب والرقائق تشتمل على ثلاثة أشياء: النور، والقوة، والروح. ولا تكاد تنزل السكينة على قلب إلا ونزل معها الاطمئنان واليقين والرضا بما قسم الله، وعدم المعارضة في شيء ظهر من أمر الله، فيكون المؤمن ضاحك السن، قرير العين، راضياً بقسمة الله، لا يحزن ولا يتألم، ويعد نفسه موضع جلال الله وجماله، وموضع سكينته التي أكرم بها المؤمنين، فلا تنزل السكينة إلا على قلب نبي أو ولي؛ فبعد أن قلق الأصحاب وانزعجوا ولم يفهموا مغزى هذه المعاهدة نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١] فتح على قلب نبيه ونصره وأعزه وهداه وولاه الصراط المستقيم، وكذلك أنزل السكينة على قلوب المؤمنين؛ ليزول اضطرابهم وقلقهم.

стр. 2295

تفسير قوله تعالى: (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها) قال تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٥]. لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١] قال الأصحاب لرسول الله ﷺ : هنيئاً لك مريئاً يا رسول الله! نصر الله لك، ورفعة لقدرك، ومغفرة ذنبك ما تأخر منه وما تقدم، وإتمام نعمته عليك، هذا لك فما لنا؟ قال تعالى: ﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٥]. فأتم الله لمحمد سيد البشر ﷺ تمام النعمة والنصر المبين، وتمام الهداية، وإتمام رسالته، وإذلال أعدائه، ووعد على المؤمنين بأنه سيدخلهم الجنة مؤمنين ومؤمنات، أزواجاً وزوجات، وغفر لهم ذنوبهم، وأخلدهم في الجنان أبداً سرمداً، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٥]، فدخول الجنة ومغفرة الذنوب فوز عظيم ونصر مبين، وهو كسب لرضا الله ورحمته، فلم ينس الله النبي ﵊ ومن كان معه من جنده أنصاراً ومهاجرين، وهذا من فضل الله ورحمته.

стр. 2296

تفسير قوله تعالى: (ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات) قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح:٦]. نصر الله نبيه النصر العزيز المؤزر، وأتم نعمته عليه، وجازى من كان معه من أهل الحديبية وعددهم ١٤٠٠ مجاهد جازاهم بدخول الجنان، وغفر سيئاتهم، وكان ذلك عند الله فوزاً ونصراً ونجاحاً وكسباً عظيماً جداً لا يذل بعده مؤمن، ولا يتعب بعده مسلم، ولا يجد إلا الرضا والسرور وقرة العين في الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وأما أولئك المشتتون من المنافقين فقد دعاهم رسول الله للخروج معه لمعاهدة الحديبية، فأبوا وتعللوا واعتذروا بأعذار باطلة. وأما المشركون والمشركات من أهل مكة فقد صدّوا رسول الله والمؤمنين عن دخول مكة، وعن القيام بأعمال العمرة: كالطواف بالكعبة، والسعي بين الصفا والمروة، فالمشركون صدّوا عن عبادة الله وطاعة الله، والامتثال لأوامر الله. وسبب النزول لهذه الآية - والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب - هم منافقو المدينة ومشركو مكة، ثم هي بعد ذلك لكل منافق ولكل مشرك في الأرض إلى أن يُنفخ في الصور. قوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ [الفتح:٦] بالدخول في النار، واللعنة والغضب وعدم المغفرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فالله لا يغفر للمشرك البين الواضح الذي أعلن كفره، وعبد اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، وجعل مع الله نداً وشريكاً في عبادته، وقال الكفر الذي ما أنزل الله به من سلطان، فهذا كافر مجاهر، وأما المنافق فهو ذو الوجهين الذي يبيت مع المسلمين مسلماً، ويظل مع المشركين مشركاً، فلا يستقر على حال، فهو في الدرك الأسفل من النار. وقوله تعالى: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح:٦] من المنافقين والمشركين، وظن السوء هو ظن الشر، وعندما دعا ﵊ أهل البوادي والأعراب حول المدينة وحول مدن الحجاز إلى العمرة حضر من أخلص الإيمان، وتأخر من كان منافقاً، وقد ظنوا به ظن السوء وأعجبهم ذلك، فظنوا أنه سيهلك، وأن قريشاً ستقضي عليه وعلى القلة المؤمنة التي معه، فكانوا بذلك قد ظنوا بربهم شراً وأنه غير ناصر دينه وغير مؤيد عباده المؤمنين ورسوله النبي الكريم، وظنوا بالنبي والمؤمنين شراً. يقول ربنا: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح:٦] أي: فهم الذين سيهلكون وهم الذين سيبيدون، ودائرة السوء ستدور عليهم، وسيكون الهلاك والهزيمة عليهم بمرض قلوبهم وفساد عقائدهم بالشرك الواضح من المشرك، والنفاق البيّن من المنافق، ومن حفر حفرة لأخيه وقع فيها. قال تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح:٦] غضب الله عليهم: طردهم من جنته ورحمته، ولعنهم: أخرجهم عن رضاه وعن رحمته وعن جنانه، وأعد جهنم ليوم القيامة لتكون منزلهم ومأواهم وعقابهم، والعقاب الموافي حسب ظلمهم وجزاء نفاقهم وشركهم، فمصيرهم وعاقبتهم ونهايتهم كانت سيئة، ودارت بهم دوائر السوء، وحلت بهم لعنة الله وغضب الله نتيجة أعمالهم من نفاق وشرك.

стр. 2297

تفسير قوله تعالى: (ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزاً حكيماً) وقال الله تعالى مؤكداً: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح:٧]. أي: لو شاء الله لما أمر بالجهاد ولا بالقتال من المسلمين، لأن جنده كثُر، فمن في السماوات جنده، ومن في الأرض جنده، ولو شاء لسلّط عليهم ملكاً واحداً فجعل الأرض عاليها سافلها وكأنهم لم يكونوا، كما سبق أن فعل ﷻ بقوم لوط وغيرهم. وجنوده جمع جند، وجند جمع جندي، فالجنود جمع الجمع، وكل خلق الله من ملائكة في السماوات أو في الأرض ومن جن ومن بشر كلهم جند الله، وتحت أمر الله وجلال الله، فيفعل فيهم ما شاء وكيف شاء، فهو الخالق المالك ﷻ وعزّ مقامه.

стр. 2298

تفسير قوله تعالى: (إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً) قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفتح:٨]. أي: يا محمد! أرسلناك بالحق رسولاً تُبلّغ عنا كتابنا القرآن، ورسالتنا الإسلامية، ولتكون بذلك شاهداً على الخلق من آمن ومن لم يؤمن، من أخلص ومن نافق، من آمن ومن أشرك، إذ أرسله الله ﷻ للناس كافة: أبيضهم وأسودهم وأحمرهم، شرقيهم وغربيهم، من عاصروه ومن سيأتون بعده وإلى قيام الساعة، فهو خاتم الأنبياء وخاتم الرسل فلا نبي بعده ولا رسول بعده؛ ولذلك كان العلامة الأولى الصغرى لقيام الساعة، فهو نبي آخر الزمان ولا نبي بعده، فكان يقول كما في الصحيح: (بُعثت والساعة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى). قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨] الرجال والنساء، الحاضرون والغائبون، العرب والعجم وكل من على وجه الأرض من أبناء آدم وحواء، بل وللجن أيضاً. وقوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفتح:٨] أي: مبشراً للناس بالجنة لمن أطاعك وآمن بك، ومنذراً ومهدداً بالنار وغضب الله لمن كفر بك وكفر بالله وكفر بكتاب الله؛ هكذا أرسل الله عبده وخاتم أنبيائه وسيد خلقه وإمامهم، أرسله ليكون شاهداً على الخلق من آمن ومن لم يؤمن، وليكون مبشراً بالجنة لمن آمن بالله وقبِل واستجاب للرسالة، ونذيراً بالنار لمن أنكر الرسالة وكفر بالله ولم يؤمن.

стр. 2299

تفسير قوله تعالى: (لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً) قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح:٩]. أرسل الله تعالى رسول الهدى محمداً سيد البشر وسيد الخلق شاهداً ومبشراً ونذيراً، لتؤمنوا بالله واحداً قادراً، وبمحمد نبياً ورسولاً لله وخاتم الرسل والأنبياء، وتعزّروه وتعينوه وتنصروه وتبذلوا النفس والنفيس، وتعظموه، وتوقّروه: من التوقير والوقار، فتحترمونه وتعظمونه وتتأدبون معه ﷺ ، فإذا ناديتموه فلا تنادونه كما يُنادي بعضكم بعضاً، قال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣]، بل قولوا: يا رسول الله يا نبي الله! وإذا ذُكر اسمه فقولوا: صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا تجعلوا ذكره كذكر غيره من الخلق. وقوله تعالى: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح:٩] أي: لتسبحوا الله ﷻ صباحاً ومساءاً وعشية، وتذكروا الله فتقولوا: سبحان الله، أي: ننزهه عن كل نقص لا يليق بجلال الإلوهية والربوبية، ونصفه بكل كمال لا يليق إلا بالربوبية والإلوهية، ونصلي له ونعبده صباحاً ومساءاً؛ وقد أمرنا بالصلوات الخمس فنصلي له فجراً إلى قبل طلوع الشمس بزمن، ونصلي صلاة العصر التي هي الصلاة الوسطى كما في الحديث الصحيح، ولا ننساه بين أطراف ذلك، ونسبّحه بكرة وزوالاً وأصيلاً ومغرباً وليلاً وفي جميع الأوقات، وإنما نُص على البكور والآصال لفضل الصلاة فيها، فقد قال الله عن صلاة الصبح والتلاوة فيها: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨] أي: تشهده ملائكة الله الصاعدون من الأرض والنازلون من السماء في البكور والآصال، وهم يتلون القرآن، وذُكرت الآصال؛ لأن صلاة العصر قد نص رسول الله عليها، فقال عن يهود بني قريظة: (أشعل الله قبورهم ناراً شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر)، وقال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨]، فأمر الله بالمحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها، ثم خصص الصلاة الوسطى التي بينها رسول الله ﷺ أنها صلاة العصر، وقد قال للتأكيد في ذلك والحث عليه: (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) أي: من فاتته صلاة العصر في وقتها فكأنما فقد الأهل والمال، فشبهه المصطفى ﵊ بمن وتر الأهل والمال.

стр. 2300

تفسير سورة الفتح [١٠ - ١٥] لقد كانت معاهدة الحديبية فتحاً مبيناً للمؤمنين على المدى القريب والبعيد، ولكن المشركين لم ينتبهوا للحكمة منها، وقد بايع الصحابة رسول الله ﷺ في الحديبية على القتال وعدم الفرار عندما بلغهم نبأ مقتل عثمان، وكان هذا النبأ غير صحيح، فرضي الله عن هؤلاء المبايعين، ووعدهم بالأجر العظيم.

стр. 2301

تفسير قوله تعالى: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:١٠]. سبب نزول السورة هو معاهدة الحديبية والصد القرشي المكي لرسول الله والمؤمنين عن العمرة في تلك السنة، ثم بعد ذلك أرسلوا رسلاً وهم: مكرز وحليس وعروة بن مسعود الثقفي وسهيل بن عمرو، وقبل وصول سهيل لم تتم الأمور، فأخذ بدوره ﵊ يرسل رسله إليهم، فأرسل عثمان يقول لهم: إن محمداً ﵊ لم يأت مقاتلاً ولا محارباً، وإنما أتى والسيوف في أغمادها، ولن نناجزكم حرباً ما لم تناجزونا، وما دعوتموني لصلة رحم ولا إلى احترام المقدسات والحرمات إلا استجبت لكم. فوصل عثمان ﵁ فحماه وأجاره أبان بن سعيد بن العاص، وبلّغ الرسالة لقادة قريش، فقالوا له: طف بالبيت إن شئت، قال: لا أطوف حتى يطوف رسول الله ﷺ ، ثم أمسكوه فشاع في الجيش النبوي أن عثمان قد قُتل، وإذا بالنبي ﵊ يقيم تحت شجرة سمرة عند الحديبية، ويقول لقومه وقد جمّعهم حوله وحلّقهم عليه: إن كان هذا حقاً فسنناجز قريش الحرب والقتال، فتعالوا بايعوني. فتقدم إليه (١٤٠٠) وقيل (١٣٠٠) وقيل (١٥٠٠) ولكن الذي في الصحيح وأكّدته رواية الصحابة أنهم (١٤٠٠) فبايعوه، قال البعض: بايعناه على الموت، وقال البعض: بايعناه على ألا نفر، والمؤدى واحد، فإذا بايعوه على عدم الفرار فسيبقون في المعركة ولا يفرون إلى أن يقتلوا أو يُهزموا أو ينتصروا، وإذا عاهدوا على الموت فسيبقون في المعركة ما لم يموتوا أو ينتصروا. فقال النبي ﵊: (كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر) فالتفت الأصحاب يبحثون عن صاحب الجمل الأحمر فوجدوا رجلاً في مؤخرة القوم، فذهبوا إليه وقالوا له: ويلك تقدّم إلى رسول الله فبايعه، قال: لا حاجة لي في بيعة، فقد فر جملي وأنا أبحث عنه، قالوا له: ويحك تقدّم بايع، فقال: لا حاجة لي في بيعة، فلم يكن منهم وإنما أُلحق بهم يبحث عن جمله الضائع منه، ولذلك قال لهم النبي: (كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر) فهذا الذي دخل فيهم ليس مؤمناً. ولما جاءت البيعة باسم عثمان مد رسول الله يده وبايع نفسه وضرب بيده على يده الثانية، وقال: (هذه عن عثمان، اللهم إنه ذهب في طاعتك ورسالة رسولك)، وما فعل رسول الله ذلك إلا وقد اطمئن على أن عثمان لم يُقتل، ولو علم أنه قُتل لم يبايع له، فإنه لا يُبايع عن مقتول، وفي هذه البيعة إشادة له ورفع لمقامه. قال الله لمحمد وصحبه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] أي: هؤلاء الذين بايعوك ووضعوا يدهم على يدك إنما بايعوا الله، ويد الله على أيديهم، وكقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] فبيعة رسول الله هي بيعة لله، وطاعة رسول الله هي طاعة لله، ويده المبايعة نائبة عن الله، وهم في الحقيقة قد بايعوا الله على أن يموتوا في سبيله، وعلى ألا يفروا من الزحف؛ إعلاء لكلمة الله، وطاعة لرسوله المرسل محمد ﷺ . وقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] أي: يد النبي ﷺ هي يد الله النائبة عن يده؛ لأن البيعة في حقيقتها كانت بيعة لله وطاعة لله وامتثال لأمر الله. عن عبد الله بن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ عن الحجر الأسود: (سيأتي يوم القيامة وله عينان ينظر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من لامسه بالحق، ومن لامسه فكأنما بايع الله) فهذا الحجر يشهد لله يوم القيامة ويُعطيه الله عينين يُبصر بهما من مسحه ومن التمسه ومن قبّله، ويقول النبي ﵊: (ومن لامسه فكأنما بايع الله).

стр. 2302

معنى البيعة والبيعة معناها أن يبيعوا نفوسهم وحياتهم لله، كما قال ربنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١] فهذه البيعة كتلك، والله ﷻ يعلم الصادق من الكاذب، والكاذب إنما يفر بنفسه ويُحرم هذا الخير، والصادق قد فعل هذا فما عليه إلا أن يلتزم به ويقف عنده، فالله اشترى أنفسنا وبذل لنا الثمن وأغلى فيه، أعطانا الثمن الجنة، وهذه الأرواح والنفوس هي ميتة لا محالة بعناها لله أو لم نبعها؛ ولكننا عندما نبيعها لله نقبض عليها الثمن، ويكون الثمن الجنة والرضا والرحمة. قال تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح:١٠] فمن نكث البيعة، ومن غدر العهد، ومن رجع عن الميثاق فإنما يغدر بنفسه، وينقض العهد على نفسه، وسيلقى جزاءه فلا يدخل الجنة لأنه لا يستحقها. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:١٠] أي: لم ينقض العهد، وإنما ثبت عليه، وقام بما أوجب على نفسه، وثبت على بيعته لله ورسوله، فسيأتيه الله يوم القيامة الأجر الكبير العظيم والثواب العالي، وهو ما بينته الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]، فالثواب العظيم والأجر الكبير هو الجنة، ويا سعادة من قال ذلك وعاهد عليه، وأوفى به، وأخذ الثمن من الله رضاً ورحمة وجنة. وقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] أي: أن يد النبي ﷺ نائبة عن الله، وهذا من نيابة الرسول عن المرسل.

стр. 2303

تفسير قوله تعالى: (سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا) قال الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الفتح:١١]. نقول: عربي، أي: حضري من العرب، ونقول: أعرابي، أي: بدوي من بلاد العرب، فالأعراب هم البدو، والعرب حضر الجزيرة، وأما في زماننا فقد تحضرت البلاد الناطقة بالعربية مشرقاً ومغرباً. وقد ذكرنا في سبب نزول السورة بأن النبي ﵊ عندما دعا قومه المهاجرين والأنصار للخروج معه، وأرسل إلى القبائل المحيطة بالمدينة ومدن الحجاز يدعوهم للذهاب معه للعمرة بمكة، حضر من كان مخلص الإيمان، وتأخر من كان منافقاً في إيمانه. وهؤلاء المخلفون الذين تركوا أنفسهم خلف ووراء ولم يحضروا مع رسول الله هذا الفتح العظيم، وهذه المعاهدة الفاتحة المعززة المؤزرة الموقرة، فقال الله لنبيه ذلك قبل أن يلتقي بهم وقبل أن يصل إليهم، ونزلت سورة الفتح في الطريق إلى المدينة قبل وصوله ﷺ إليها، قال الله لنبيه: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ [الفتح:١١] أي: عندما تؤنبهم وتوبخهم وتعتب عليهم: لِمَ لمْ تخرجوا معي عندما أمرتكم؟ فسيقول لك هؤلاء المخلفون الذين خلفوا أجراً وديناً وحضوراً عن بركة هذا الفتح العظيم. كنا في شغل في مزارعنا، وتجارتنا، فلم نجد من يخلفنا على الأهل والأولاد والزراعة والتجارة، فاستغفر لنا تخلفنا وسامحنا على عدم حضورنا، فهذا الذي منعنا عنك وخلفنا وراءك. يقول الله لنبيه قبل أن يجيبوه، وقبل أن يلتقي بهم، وقبل أن يصلوا إليه: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح:١١]. يقول الله ﷻ عنهم: هم منافقون، تقول الألسنة - جمع لسان - ما لا يعتقدونه في القلوب - جمع قلب -، فقالوا لك شيئاً وأبطنوا سواه، وأظهروا ما لم يكن حقيقة وأبطنوا الحقيقة، فلم يكن لهم عذر في هذا التخلف لا من مال ولا من زراعة ولا من تجارة. هؤلاء الذين تخلفوا قالوا: ليس محمد وصحبه إلا أكلة رأس، أي: قلة قليلة يكفيهم رأس للطعام، ومعناه: أنهم ذهبوا لقريش في عقر دارها، ولهم قيادة العرب وقوة ومناعة وغنى وحضارة، فذهب إليهم بهذا العدد القليل وهم هالكون ومستأصلون وميتون لا محالة، ونحن لا نريد أن نموت معهم، ولا أن نقضي على أنفسنا. ولذلك ذكر الله ذلك لنبيه ﷺ وكشف عن دخائل هؤلاء المنافقين: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ [الفتح:١١] أي: لو أراد الله بكم ضرراً فسيلحقكم هذا الضرر وهذا الهلاك وأنتم على فرشكم، وفي عقر داركم، حضرتم أو غبتم، ولو أراد بكم خيراً فسيصلكم وأنتم داخل المعركة والسيوف تصلصل والخيول تصهل، ولن يضركم ذلك شيئاً، ولكنكم نافقتم وأردتم لرسول الله ﷺ الهلاك، وحدثتكم أنفسكم بذلك، واشتهت نفوسكم ذلك، فأردتم أن تنجوا بأنفسكم وتبعدوها عن هذا الهلاك الذي ظننتموه وهيهات هيهات، فليست إلا أوهام خطرت في أنفسكم المريضة الضعيفة. وقوله تعالى: ﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الفتح:١١]، فيا هؤلاء! إن اعتذاركم كذب، وطلبكم المغفرة من رسول الله ﷺ كذب، فلا يهمكم استغفار رسول الله ﷺ ولا عدم استغفاره، ولكن تخلفتم عن الحضور إلى الحديبية خوف الضرر والهلاك، وأنتم تظنون محمداً هالكاً هو ومن معه؛ لقلة عددهم، وهيهات هيهات! تلك الأماني الباطلة سيعود ضررها وبلاؤها عليكم، فالله خبير بقلوبكم وبظواهركم، وبما تكتمون وبما تعلنون، فلا تخفى على الله خافية.

стр. 2304

تفسير قوله تعالى: (بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً) قال الله تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح:١٢]. ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ [الفتح:١٢] أي: لن يعودوا للمدينة، ولن تراهم زوجاتهم ولا أولادهم، فقد ذهبوا ليسلموا أنفسهم -لقلتهم وضعفهم- أسرى لقريش، هكذا حدثتم أنفسكم وهكذا تمنيتم. وقوله تعالى: ﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الفتح:١٢] أي: زينوا ذلك وأعجبهم واشتهوه وتمنوه في نفوسهم؛ لحقدهم على رسول الله ﷺ ولنفاقهم، وكانوا يتظاهرون بالإسلام وهم كفرة كذبة، والله خلفهم ليتطهر الذين مع رسول الله ﷺ من وجود منافق أو مشرك. وأما الذين خرجوا معه فهم أهل الجنة، وهم مغفور لهم، إلا صاحب الجمل الأحمر الذي جاء معهم باحثاً عن جمله الذي ضاع، وعندما قال له أصحاب رسول الله ﷺ : ويلك! بائع رسول الله ﷺ ، قال: لا حاجة لي ببيعته، إنما أريد جملي، فاستثناه الله من المغفرة والجنة، كما أبعد هؤلاء المنافقين فلم يحضروا ولا يستحقون ذلك. فزين لهم الشيطان وحسنه في نفوسهم وتمنوا ألا يرجع، وظنوا أن في ذلك فلاحهم ونجاحهم وغناهم، وهم في الحالة هذه في الذل والهوان وغضب الله. وقوله تعالى: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح:١٢] أي: ظننتم ظن الشر والبلاء، وهو ظنكم بالله أنه غير ناصر عبده وعبيده، وظنكم بمحمد أن ليس له من الفكر والدهاء ما يخدع به أعداءه حتى ينتصر عليهم النصر العزيز المؤزر، وأنه سيهلك مع أصحابه المؤمنين، وكنتم قوماً هلكى لا خير فيكم، يقال: فلان بائر، أي: هالك لا خير فيه، فلا ينتظر خيره ولا الاستفادة منه، فـ (بوراً) جمع بائر، والبائر: الهالك الذي لا خير فيه. أي: كنتم قوماً لا خير فيكم؛ لأنكم لم تؤيدوا جيشاً، ولم تقاتلوا عدواً، ولم تؤمنوا بدين، ولم تتخلقوا بخلق، وكنتم أهون من الدواب، بل كانت الدواب خيراً منكم.

стр. 2305

تفسير قوله تعالى: (ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيراً) قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ [الفتح:١٣]. يخاطب الله كفار الأرض ومنافقيها منذ نزول الآية وإلى قيام الساعة: من لم يؤمن بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماماً، وبالكعبة قبلة، وبالإسلام ديناً، وبالمؤمنين إخوة، فإن الله أعد له جهنم سعيراً يتسعر فيها ويحترق، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦]. وما خلق الله الجن والأنس إلا للعبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فمن ترك العبادة، وترك الغاية من وجوده كان عليه الغضب واللعنة، ومأواه النار خالداً مخلداً فيها أبداً.

стр. 2306

تفسير قوله تعالى: (ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفتح:١٤]. يقول الله للخلق كلهم وهو في غنى عنهم: من آمن فلنفسه، ومن كفر فعليها، فله ما في السماوات وله الأرض وما عليها وما بينهما، فالكل ملك له وعبد له وتحت ربوبيته وجلاله وقدرته. وقوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الفتح:١٤] أي: يغفر لمن تاب وأناب وقال: ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين، ويغفر لمن رجع عن الكفر إلى الإيمان، والإسلام يجب ما قبله. وأما الكافر فلا مغفرة ولا توبة له، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] أي: يغفر ما دون الكفر لمن شاء الله مغفرته، إما أن يغفر له ولا يدخل النار، وإما أن يغفر له بعد أن يمحص قليلاً أو كثيراً ثم يدخله الجنة، ولن يبقى في النار من يقول: لا إله إلا الله، ومن يعتقد أن لا إله إلا الله، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ [الفتح:١٤] للمستغفرين التائبين، ﴿رَحِيمًا﴾ [الفتح:١٤] بالمؤمنين، يرحمهم ولا يعذبهم، ويرضى عنهم فيغفر لهم.

стр. 2307

تفسير سورة الفتح [١٥ - ١٦] عندما أراد رسول الله ﷺ الخروج للعمرة أرسل إلى بعض القبائل المحاذية للمدينة للخروج معه لذلك، فلم يأت منهم إلا الصادقون المؤمنون وهم قلة، وتخلف الكثرة وهم منافقون، فلما أراد الخروج إلى خيبر وهي بلدة غنية بالإبل والزراعة والخيرات، أراد هؤلاء المخلفون أن يغزوا مع رسول الله ﷺ ؛ طمعاً في الغنائم، فمنعهم الله تعالى من ذلك، وجعل غنائم خيبر للمؤمنين الذين شاركوا الرسول في صلح الحديبية.

стр. 2308

تفسير قوله تعالى: (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم) قال الله ﷻ : ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الفتح:١٥]. وعد الله أهل الحديبية بمغانم؛ لأنهم عادوا بلا غنائم ولا مكاسب بينة واضحة، فوعدهم بحرب خيبر وأخذ المغانم منهم، وانفرادهم بها جزاء قتالهم وعهدهم ووجودهم وخروجهم لمعاهدة الحديبية حيث كان النصر المبين، فعندما سمع المخلفون ذلك قالوا: نريد أن نكون معكم (ذرونا نتبعكم)، فيريدون أن يشاركوا أهل الحديبية في حرب خيبر وكسب مغانمها، وهم واثقون بأنهم منتصرون لا محالة، ولكن الله أبعدهم عن ذلك وأمر نبيه ألا يقبل أحداً منهم. فقوله تعالى: ﴿إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾ [الفتح:١٥] أي: إذا انطلقتم وذهبتم وحاربتم لتأخذوا مغانم أهل خيبر وقد انتصرتم عليهم. وهذه السورة نزلت في الطريق بين مكة والمدينة ولم يكن شيء من ذلك بعد ولكنه سيكون، والله وعد أهل الحديبية بتلك المغانم فطمع هؤلاء المخلفون بأن يكونوا معهم، وأن يكسبوا كسبهم، ويغنموا غنائمهم، لكن الله أمر رسوله بألا يذهب أحد منهم معهم؛ لأنهم رفضوا أن يحضروا معاهدة الحديبية، ثم تعللوا بعلل كاذبة منافقة فقالوا: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح:١١]. فهؤلاء المنافقون كذبة لم يكن لهم عذر، ولم يطلبوا الاستغفار من رسول الله وهم يريدون التوبة والاستغفار، ولكنه كلام قالته الألسن وأنكرته القلوب، فلم يكونوا صادقين. وقوله تعالى: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ [الفتح:١٥] أي: اتركونا نتبعكم في هذه الغزوة. وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥]، وكلام الله كان قولاً ووحياً لرسوله في ألا يدع هؤلاء يذهبون معه للحرب والقتال، وإذا ذهبوا فلن يكسبوا غنائم، ولن يأخذوا ما يأخذه المحارب المجاهد الصابر. وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥] أي: يريدون تغييره ومعصيته وخلافه، وهيهات هيهات أن يمكنوا من ذلك. قال الله لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح:١٥] أي: لا ندعكم ولا نذركم تتبعوننا، فقد أمرنا ألا نقبلكم؛ لأنكم لم تحضروا معنا معاهدة الحديبية، ولن يقبل قولكم. قال الله لنبيه ﵊: ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ [الفتح:١٥] أي: فسيقول هؤلاء المخلفون من الأعراب للمؤمنين من الأصحاب: بل حسدتمونا في هذا الخير.

стр. 2309

تعريف الحسد والغيرة والحسد: تمني زوال النعمة عن الغير حصلت عليها أم لم تحصل، والغيرة: تمني أن يكون عندك ما عند الآخر، فالغيرة معروفة وفيها يتنافس العقلاء والمؤمنون، والحسد قبيح وهو صفة من صفات المنافقين وصفة من صفات المبغضين الحاقدين. فقوله تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ [الفتح:١٥] أي: سيجيبكم هؤلاء الأعراب بأنكم حسدتموهم، ولم تريدوا لهم الخير بأن طردتموهم من أن يكونوا شركاء في هذه الغنائم، وما ذلك إلا حسد منكم. قال الله تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الفتح:١٥] أي: ليس عندهم شيء يحسدون عليه فهم كذبة منافقون، ولكنهم قليلاً ما يفهمون، فلا يفقهون ديناً ولا فهماً ولا علماً، وإنما قالوا ذلك لجهلهم بحقائق الأمور، ولعدم إخلاصهم بالإيمان والإيقان. ومجمع تفسير الآية الكريمة: بأن النبي ﵊ عندما عزم على الذهاب للعمرة أرسل رسله وبعوثه للقبائل المحيطة بالمدينة مثل قبيلة: أسلم وخزيمة؛ ليعتمروا معه ﷺ ، وليدحضوا الطوائف والقبائل التي تصد رسول الله ومن معه عن الدخول إلى مكة معتمرين،، ليكونوا قد استعدوا لهم بالكثرة وبالجند وبالسلاح، فحضرت قلة من المؤمنين المخلصين، وتخلف الكثرة وتبين أنهم كانوا منافقين. ووعد الله المؤمنين بأنهم سيقاتلون أهل خيبر؛ لأنهم غدروا ونكثوا العهد، فقد ألّبوا على رسول الله ﷺ القبائل من أهل الجزيرة يريدون قتاله وغلبته، وهيهات هيهات أن يتم لهم ما يريدون، ولكن المخلفين عندما سمعوا بأن هؤلاء سيذهبون لقتال خيبر - وكانت خيبر غنية بالأموال وبالإبل وبالزراعة - طمعوا في الحضور؛ ليكسبوا من هذه الغنائم. وهم لم يحضروا من قبل معاهدة الحديبية؛ ظناً منهم أن النبي ﷺ والمؤمنين لا يعودون لأهلهم سالمين، فعندما كبتوا وعاد النبي ﷺ سالماً منصوراً نصراً عزيزاً مؤزراً، طمعوا في حضور معركة خيبر؛ ليأخذوا من غنائمها ومن أموالها، ولكن الله منعهم من أن يشاركوا نبيهم، وسيجيبون بعد ذلك رسول الله ﷺ والمؤمنين بأن الحسد هو الذي منعكم من أن تقبلوا حضورنا ووجودنا في غزوة خيبر؛ لكي لا نشرككم في الغنائم. فسخّف الله عقولهم وفهمهم، وقال: ﴿بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الفتح:١٥] أي: بل كان فكرهم وفهمهم واطلاعهم قليلاً، ولم يكن منهم إلا القلة المؤمنة المخلصة هي التي تفهم، وأما الكثرة المنافقة فقد كانت تهرف بما لا تعرف.

стр. 2310

تفسير قوله تعالى: (قل للمخلفون من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد) قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:١٦]. قال الله لهؤلاء المخلفين: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الفتح:١٦] أي: إلى قتال أقوام ذوي قوة وشدة، وحرب وبأس شديد، وسلاح كثير، فقاتلوهم ولا ترفعوا السيف عنهم حتى يسلموا، ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الفتح:١٦] أي: إن استجبتم لقتال هؤلاء القوم الأشداء ذوي البأس الشديد، وأطعتم أمر الرسول ﷺ فتحضروا هذه المعركة فإن الله سيثيبكم الأجر الحسن، ويغفر لكم ما مضى إن كنتم قد أخلصتم الإيمان والإسلام. ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ [الفتح:١٦] أي: إن تعصوا وتعرضوا كما أعرضتم وتوليتم وعصيتم من قبل؛ فامتنعتم من حضور معاهدة وصلح الحديبية، ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:١٦]. والذين سيدعى الأعراب إلى حربهم وقتالهم وهم ذوو بأس شديد، وقوة ومنعة في الحرب والقتال: اختلف الناس فيهم، فقال قوم: هم هوازن، وهم الذين حوربوا في السنة الثامنة من الهجرة بعد صلح الحديبية بسنتين، وهم أهل الطائف الذين حوربوا في غزوة حنين، وقال قوم: هم غطفان، وقال قوم: هم قوم سيأتون بعد ذلك لا يعلمونهم، وقال قوم: هم أهل فارس والروم، كما تقول اليوم: هم أمريكا وروسيا، فهؤلاء ما كان يخطر ببال العرب أنهم يستطيعون حربهم وقتالهم، والقدرة عليهم، والإتيان بمثل سلاحهم وبمثل جيوشهم وبمثل أنصارهم. فقد كان العرب أيام فارس والروم فئة متخلفة، وكانوا أعز من أن يحاربوا أو يقارعوا مثل دولتي الروم وفارس في ذلك الزمان، فقد كانتا أعظم دولتين وأقوى دولتين وأوسع دولتين، ولذلك فإن الآية تشير إليهما بلا شك. ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح:١٦] فستقاتلونهم حتى يسلموا ويقولوا: لا إله إلا الله أو يستسلموا لسلطانكم ولقوتكم ولجيوشكم، وهذا هو الذي كان بعد ذلك، فقد قاتل النبي ﷺ الروم في غزوة تبوك، وأرسل في غزوة مؤتة من يحارب الروم ويقاتلهم، وأمر عليهم ثلاثة من القادة: جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة ابتداء بـ زيد، فإذا قتل فـ جعفر، فإذا قتل فـ ابن رواحة، فاستشهد الثلاثة، وتولى القيادة خالد وأخبرهم النبي ﷺ بذلك قال: ولي القيادة خالد سيف من سيوف الله. وفي غزوة تبوك خرج النبي ﷺ بنفسه، ولكن الروم استهتروا بالجيش العربي المسلم وما ظنوا أنهم سيجرءون على حربهم وقتالهم فضلاً عن ابتدائهم بالحرب وهجومهم إلى حدودهم، فلم يحضروا بل كانت مناوشات لا تكاد تذكر. قال تعالى: ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الفتح:١٦] أي: إن أنتم دعيتم وأطعتم أمر نبيكم وأمر قادتكم فالله يؤتيكم الأجر الحسن في الدنيا من الغنائم، وفي الآخرة من المغفرة ودخول الجنان. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:١٦] أي: إن أعرضتم وعصيتم وخالفتم كما سبق أن خالفتم من قبل فلم تستجيبوا لحضور صلح الحديبية، فإن الله يعذبكم العذاب الأليم المهين. وبعد أن انتهى أبو بكر من حرب المرتدين وحرب مانعي الزكاة، أمر بخروج الجيوش لحرب هرقل ملك الروم، وتوفي ﵁ وجيوشه على أبواب دمشق. فجاء عمر الأسد الضرغام وإذا به يفيض على هؤلاء وينساب عليهم انسياب البحار وهيجانها، فيقاتل الروم والفرس والأقباط والبربر وينتصر عليهم، فتدخل الشام والعراق في الدولة الإسلامية وفي المجتمع المسلم، وينتزعونهما من الفرس والروم، وحاربوا فارس حتى أصبحت ولاية من ولايات المسلمين. وقد ذكر النبي ﷺ هذا قبل ذلك فقال: (إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده)، ثم أفاض إلى مصر وقضى على الأقباط وضم مصر للإسلام، ودخل البربر -وهي بلاد المغرب- وأخضعهم للإسلام، وتمت في ذلك النذارة الإلهية: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح:١٦]، فقاتل من قاتل، وتخلف من تخلف، وعذب من عذب، وتم نصر الله المبين. وكانت معاهدة الحديبية هي بداية النصر حيث بشر الله نبيه وقال له: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح:١ - ٣]، والانتصار على فارس والروم يعتبر النصر العام الشامل الكامل، وأما بداية النصر فكانت في غزوة بدر التي كانت في اليوم السابع عشر من شهر رمضان المبارك، كما كان فتح مكة في اليوم السابع عشر من شهر رمضان المبارك، كما كان استشهاد علي ﵁ في اليوم السابع عشر من شهر رمضان المبارك، فرمضان كله ذكريات طيبة للمؤمن، وفيه نزل القرآن، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وفيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر:٤]. فرمضان منذ اليوم الأول إلى آخر يوم فيه وهو شهر خير وبركة، وعز ونصر، وعبادة ومغفرة، وتقييد للشياطين بالسلاسل والأغلال، وهزيمة لأعداء الله من المنافقين والكفرة، ولو أن المسلمين جيشوا جيوشهم وقاتلوا اليهود وأنصارهم والمستسلمين لهم في شهر رمضان لنصرهم الله نصراً عزيزاً مؤزراً. وما اختار رسول الله ﷺ قتالاً لمشركي مكة في شهر رمضان إلا التماساً لبركة رمضان وخير رمضان وعز رمضان وفتح رمضان. قال تعالى: ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:١٦]، فهؤلاء الذين دعوا لقتال فارس والروم لو أعرضوا كما أعرضوا عندما دعوا لصلح الحديبية لعذبهم الله العذاب الأليم الموجع المهين.

стр. 2311

تفسير سورة الفتح [١٧ - ٢٠] لقد عذر الله تعالى أصحاب العاهات والأمراض في عدم خروجهم في صلح الحديبية وغيرها من الغزوات، وذلك لعدم استطاعتهم ذلك، وقد ينفعون في أمر آخر مثل المشورة والرأي والتدبير، وقد وعد الله تعالى المؤمنين بأنه سيسخر لهم مغانم كثيرة يأخذونها، وهذا ما كان فقد أخذوا غنائم اليهود في خيبر، وفتح الله عليهم فيما بعد خزائن الفرس والروم.

стр. 2312

تفسير قوله تعالى: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج) قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح:١٧]. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [الفتح:١٧]، عندما نزلت آيات توبيخ الذين تخلفوا عن حضور صلح الحديبية وعمرة الحديبية، كان فيمن تخلف مرضى وعميان وعرج، فقال هؤلاء: يا ربنا كيف بنا ونحن لم نتخلف إلا لعجزنا وحبسنا المرض، فنزل قول الله تعالى يعذر هؤلاء ويقبل عذرهم ولا يجازيهم إلا بالخير حسب قلوبهم: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ [الأنفال:٧٠]، وقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ [الفتح:١٧]، والأعرج هو من مرضت إحدى رجليه فأصبح يعرج مشياً، ولا يصلح لقتال ولا لجري ولا لعدو، ﴿وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح:١٧] بأي مرض من الأمراض بحيث يطرحه فراشاً، ففي مدة مرضه هو معذور إلى أن يشفى ويعود للعافية. وأما إذا كان مرضه مرضاً مزمناً ملازماً فهو معذور كذلك عن حضور القتال، بل هو في الأصل لا يصلح للقتال، وإن كان يصلح للرأي وللتدبير، وللإدارة وللفكر، كما يقال في الأمثال: من لا يصلح قربة يصلح دلواً، فمن لا يصلح لحمل السلاح وللجري على الخيل والركائب وسوق الدبابات والطائرات، يصلح للفكر وللإدارة بما يعين المجاهدين والمقاتلين. ومعنى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [الفتح:١٧] هذا عام، أي: لا حرج عليه، فلا يشدد عليه، ولا يكلف فيما ليس هو في قدرته وطاقته. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:١٧]، يذكر تعالى عن هؤلاء فيما هم عاجزون عنه أنهم لا يطالبون بذلك لمرضهم ولعماهم ولعرجهم، ولكن الطاعة لله ولرسول الله ﷺ لا بد منها، ولم يأمرهم الله ورسوله إلا بما يستطيعونه، فإن عجزوا عن حمل السلاح فلا يعجزون عن الإعداد للحرب بالفكر والإدارة. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الفتح:١٧] أي: يطيع الله في كتابه ويطيع رسوله في سنته وفي الأمر والنهي، ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [الفتح:١٧] أي: يجازيه الله بدخول الجنات ذات الأنهار الجارية، والمياه الدافقة من كل نوع؛ أنهار من عسل مصفى، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من ماء كأنه سلسبيل، وأنهار تجري من كل جانب، حصباؤها اللؤلؤ، وطينتها المسك. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:١٧]. أي: والذي يعرض ويعصي ويخالف يعذبه الله عذاباً أليماً بالغضب عليه في دار الدنيا، وبلعنته في الآخرة يوم القيامة، وبتعذيبه عذاباً مهيناً مؤلماً موجعاً، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦].

стр. 2313

تفسير قوله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨]. قال رسول الله ﵊: (كل من حضر بيعة الرضوان مغفور له)، ثم قال لهم: (أنتم خير من على وجه الأرض)، هذا ما قاله الله ﷻ وحياً لرسوله ﷺ ، وصرح به في هذه السورة الكريمة فقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]، ولذلك سميت هذه البيعة بيعة الرضوان، أي: بيعة رضا الله ورضا رسول الله، وبيعة المغفرة والرحمة وسكنى الجنة، وقصة الشجرة والبيعة ذكرناها في سبب نزول السورة: وهي أن النبي ﵊ كان يتبادل الرسل والسفراء مع أهل مكة، فأرسل عثمان بن عفان ليبلغ قريشاً أن النبي ﷺ والمؤمنين لم يأتوا لقتال، ولا لحرب، ولا لانتهاك حرمة، وإنما جاءوا معتمرين محرمين، فلم يحملوا معهم إلا السيوف في قرابها وغمدها. والذي يريد الحرب لا يقتصر على ذلك، إنما يأتي بالخيل وبالدروع وبالنبال وبالحراب وبالسهام، وبأنواع أسلحة الحرب والقتال آنذاك، ولكن النبي ﷺ وأصحابه لم يحملوا إلا السيوف؛ احتياطاً للطوارئ، والسيوف موضوعة في أغمادها وليست مسلولة. فقالوا لـ عثمان: طف أنت، قال: لن أطوف حتى يطوف رسول الله ﷺ ، وجاء رجل إلى النبي ﷺ غامزاً في عثمان أنه طاف بالبيت، فقال له النبي ﷺ : (لو أقام دهراً لم يطف حتى يطوف رسول الله ﷺ ، هكذا كان عثمان، يرفض الطواف ما لم يطف رسول الله ﷺ ، ثم حبسوه وشاع أن عثمان قتل. وإذا بالنبي ﵊ ينادي مناديه: أيها القوم! من المهاجرين والأنصار والأعراب ومن تبعنا لهذه العمرة، إن رسول الله ﷺ تحت الشجرة في أرض الحديبية، فتحلقوا حوله، فأتوا إليه وهو مستظل بظلال تلك الشجرة، فقال: بايعوني، فبايعوه على الموت، وهو عدم الفرار، ومعنى بايعوه: أي: باعوا أنفسهم طاعة لله، ثم طاعة لقتال أهل مكة إن كانوا قد قتلوا عثمان حقاً، فلن يغادروا المنطقة ما لم يؤدبوهم ويقاتلوهم ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ:٢٦]، ولكن النبي ﵊ وكأنه كان مطمئن النفس أنهم لم يقتلوه، فكل تقدم إلى رسول الله ﷺ ووضع يده في يده المبايعين له بذلك، وإذا بالنبي ﵊ يضع يمناه في يسراه والعكس؛ نيابة عن عثمان، وقال: (هذه بيعة عثمان)، فكانت يد رسول الله ﷺ نائبة عن يد الله، والأخرى نائبة عن يد عثمان. ومن بايع النبي ﷺ نيابة عن عثمان وحضرها فله أجرها وثوابها ومغفرتها، وفضل المبايعين فيها، فبايع جميع الصحابة إلا الجد بن قيس، فقال عنه النبي ﵊: (كلكم مغفور له إلا صحاب الجمل الأحمر)، فأخذ الأصحاب يبحثون عن صحاب الجمل الأحمر وإذا بهم يجدون أعرابياً يمسك بيده جملاً أحمر، فقالوا له: ويلك يا أعرابي تقدم بايع رسول الله ﷺ فقال: ما بي في البيعة من حاجة؟ إنما افتقدت بعيري وراحلتي فجئت أبحث عنها ووجدتها هنا. فتبين أنه لم يكن مسلماً، ولم يحضر ضمن أصحاب رسول الله ﷺ ، وإنما جاء مفتقداً لراحلته الضائعة ووجدها ضمن رواحل الأصحاب، ولذلك استثنى من المغفرة ﷺ صاحب الجمل الأحمر. وهذه الشجرة قال قوم: إن عمر قطعها، وقال أقوام -وهو الصحيح-: فقدت ولم تعرف؛ فربما جاءها أعرابي يريد حطباً وخشباً فاحتطبها وأزالها أو حصل لها ما حصل. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] أي: رضي الله عن بيعتهم، وهو أيضاً ما قاله ربنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة:١١١]. فهذه البيعة التي أعاد الله ذكرها في سورة الفتح هي البيعة التي بايعها الأصحاب أهل صلح الحديبية المهاجرون والأنصار الذين حضروا لعمرة الحديبية، يقول الله عنهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:١٨] أي: رضي عنهم ورضي فعلهم وقبل بيعتهم، وقال أكثر من هذا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، فاعتبر الله ﷻ يد النبي التي كانت فوق أيديهم بيعة للقتال، وموتاً في سبيل الله، وعدم الفرار من المعركة، اعتبرها نائبة عنه ﷻ وعز مقامه، فبيعة رسول الله هي بيعة لله. وهذا كقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، والرسول ﵊ ما جاء لنفسه ولا لأمرها ولا لعبادتها حاشا لله، وإنما جاء رسولاً آمراً وناهياً عن الله، ولذلك فإن أبا بكر عندما حضر الوفاة النبوية وجد رسول الله ﷺ مسجىً في غرفة زوجته عائشة، فقبل جبينه الطاهر وقال له: طبت حياً وميتاً يا رسول الله! ثم صعد المنبر فوجد في درجته الأولى عمر قائماً شاهراً سيفه ويقول: من قال: إن محمداً قد مات قتلته بسيفي هذا، فجاء أبو بكر وأقعده وصعد إلى أعلى درجة في المنبر، وقال: من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ومن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]. فالله أرسل محمداً نائباً عنه ومفوضاً في أرضه، يدعو الناس لتوحيده ولعبادته، وللتخلق بمحاسن الأخلاق، ويدعوهم للبعد عن الشرك والرياء والسمعة في العبادة. ولذلك كانت بيعته بيعة لله، وطاعته طاعة لله، وامتثال أمره امتثالاً لأمر الله، واجتناب نهيه اجتناباً لنهي الله وهكذا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]. ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] هذه الشجرة سجلت وخلدت في كتاب الله، فشرفت وأصبح ذكرها قرآناً يتلى، لأن النبي ﵊ بايع أصحابه تحتها، فسجلت قصتها وخلدت.

стр. 2314

تعريف السكينة وقوله تعالى: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨]. السكينة: هي الطمأنينة والوقار، وقال أصحاب الرقائق والآداب: هي شيء يشمل على ثلاثة معان: النور، والقوة، والروح، وما تكاد السكينة يكرم بها أحد إلا ووجد يقيناً في نفسه، وسكينة في أعضائه، وقبولاً لأمر ربه ورضاً بما قسم له، فلا يكون قلقاً ولا مضطرباً، ويصبح أمام أمر الله وما صنع الله به من خير أو غيره في موضع سكينة، وهكذا باستمرار مادام ممتعاً بنزول السكينة على قلبه. ولذلك قال أصحاب الرقائق والآداب: لا تنزل السكينة إلا على قلب نبي أو ولي. وقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨]. أي: أنزل الله السكينة على المؤمنين فاطمأنت الجوارح، وقد كانوا قلقين من معاهدة الحديبية ومن موادها ومن أحكامها، فلم يفهموا لها معنى ولا مغزى، ولكن بعد نزول السورة الكريمة ونزول السكينة عليهم اطمأنت جوارحهم، وزال قلقهم واضطرابهم، ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨] كان الفتح القريب هو: معاهدة الحديبية، والفتح البعيد هو: فتح مكة والطائف والروم وفارس والقسطنطينية والبربر، وكل فتح فتحه الله بعد ذلك. ولكن البداية كانت في هذا الفتح المبين والعظيم: صلح الحديبية، الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١]، ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح:٣]، فكان صلح الحديبية فتحاً عظيماً ونصراً عزيزاً، وتتابع النصر بعد ذلك هيناً ليناً بلا مشقة ولا تعب ولا ما يزعج أو يقلق، وهكذا دام الأمر بينهم.

стр. 2315

تفسير قوله تعالى: (ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزاً حكيماً) قال الله تعالى: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح:١٩]. في صلح الحديبية لم تكن هناك مغانم ملموسة ولكن كانت مغانم معنوية: من النصر المؤزر، والمغفرة من الله، والرضا منه على هؤلاء، ولكن الله وعدهم فيما بعد الحديبية بمغانم كثيرة يأخذونها، قال تعالى: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح:١٩]، وبداية المغانم والأرباح والمكاسب كانت في حرب خيبر، فمعاهدة الحديبية كانت في شهر ذي القعدة من السنة السادسة من الهجرة، وكانت غزوة يهود خيبر في شهر محرم من السنة السابعة للهجرة، وكانت هي المغانم القريبة. وخص نبي الله امتثالاً لأمر الله في هذه الآية مغانم خيبر من حضر معاهدة الحديبية، ولم يعط من تلك المغانم أحداً ممن لم يحضرها، وكان ذلك عطاء من الله، وتعويضاً لهؤلاء حيث تركوا زراعتهم وتجارتهم وجاءوا زمناً، وحبسوا أنفسهم زمناً عند الحديبية؛ طاعة لله، وامتثالاً لأمر رسول الله، ورغبة في الجهاد والقتال، فجازاهم الله بالمغانم الحسية كما جازاهم بالمغانم المعنوية، فتملكوا مغانم أرض خيبر، وكانت شيئاً عظيماً، كانت أرضاً وعقاراً وإبلاً وخيلاً وذهباً وفضة وكانت وكانت. وهذه الغنائم هي ما طمع فيها أولئك المخلفون من الأعراب، وقالوا لهم عندما انطلقوا إلى حرب خيبر: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ [الفتح:١٥]، فمنعهم رسول الله بأمر الله عن أن يحضروا، ولا أن يأخذوا من الغنائم قليلاً ولا كثيراً، ووعدهم أنهم إذا دعوا لقتال قوم ﴿أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح:١٦] أي: يقاتلونهم إلى أن يسلموا أو يستسلموا، فإن استجابوا وأطاعوا غفر الله ذنبهم، وكفر عنهم سيئاتهم إن أخلصوا العمل لله، وإذا أعرضوا كما أعرضوا من قبل ضوعف لهم العذاب الأليم الموجع. وقوله تعالى: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح:١٩] هذا الغنائم كانت خاصة لمن حضر صلح الحديبية من المهاجرين والأنصار والبدو، ووصفها الله بالكثرة، وهي: مغانم خيبر وما جاء بعدها من غزوات اليهود وحرب فارس والروم. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح:١٩] العزيز: الذي لا يمانع ولا يغالب، فكل من سواه ذليل بين يديه وتحت قهره، فهو القاهر لعباده، الحكيم في أعماله، فلا يضع الأمور إلا بالحكمة في الدنيا والآخرة.
следующие страницы →