Полный текст (2 442 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
تفسير سورة الفتح [١٧ - ٢٠]
لقد عذر الله تعالى أصحاب العاهات والأمراض في عدم خروجهم في صلح الحديبية وغيرها من الغزوات، وذلك لعدم استطاعتهم ذلك، وقد ينفعون في أمر آخر مثل المشورة والرأي والتدبير، وقد وعد الله تعالى المؤمنين بأنه سيسخر لهم مغانم كثيرة يأخذونها، وهذا ما كان فقد أخذوا غنائم اليهود في خيبر، وفتح الله عليهم فيما بعد خزائن الفرس والروم.
стр. 2312
تفسير قوله تعالى: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج)
قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح:١٧].
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [الفتح:١٧]، عندما نزلت آيات توبيخ الذين تخلفوا عن حضور صلح الحديبية وعمرة الحديبية، كان فيمن تخلف مرضى وعميان وعرج، فقال هؤلاء: يا ربنا كيف بنا ونحن لم نتخلف إلا لعجزنا وحبسنا المرض، فنزل قول الله تعالى يعذر هؤلاء ويقبل عذرهم ولا يجازيهم إلا بالخير حسب قلوبهم: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ [الأنفال:٧٠]، وقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ [الفتح:١٧]، والأعرج هو من مرضت إحدى رجليه فأصبح يعرج مشياً، ولا يصلح لقتال ولا لجري ولا لعدو، ﴿وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح:١٧] بأي مرض من الأمراض بحيث يطرحه فراشاً، ففي مدة مرضه هو معذور إلى أن يشفى ويعود للعافية.
وأما إذا كان مرضه مرضاً مزمناً ملازماً فهو معذور كذلك عن حضور القتال، بل هو في الأصل لا يصلح للقتال، وإن كان يصلح للرأي وللتدبير، وللإدارة وللفكر، كما يقال في الأمثال: من لا يصلح قربة يصلح دلواً، فمن لا يصلح لحمل السلاح وللجري على الخيل والركائب وسوق الدبابات والطائرات، يصلح للفكر وللإدارة بما يعين المجاهدين والمقاتلين.
ومعنى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [الفتح:١٧] هذا عام، أي: لا حرج عليه، فلا يشدد عليه، ولا يكلف فيما ليس هو في قدرته وطاقته.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:١٧]، يذكر تعالى عن هؤلاء فيما هم عاجزون عنه أنهم لا يطالبون بذلك لمرضهم ولعماهم ولعرجهم، ولكن الطاعة لله ولرسول الله ﷺ لا بد منها، ولم يأمرهم الله ورسوله إلا بما يستطيعونه، فإن عجزوا عن حمل السلاح فلا يعجزون عن الإعداد للحرب بالفكر والإدارة.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الفتح:١٧] أي: يطيع الله في كتابه ويطيع رسوله في سنته وفي الأمر والنهي، ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [الفتح:١٧] أي: يجازيه الله بدخول الجنات ذات الأنهار الجارية، والمياه الدافقة من كل نوع؛ أنهار من عسل مصفى، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من ماء كأنه سلسبيل، وأنهار تجري من كل جانب، حصباؤها اللؤلؤ، وطينتها المسك.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:١٧].
أي: والذي يعرض ويعصي ويخالف يعذبه الله عذاباً أليماً بالغضب عليه في دار الدنيا، وبلعنته في الآخرة يوم القيامة، وبتعذيبه عذاباً مهيناً مؤلماً موجعاً، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦].
стр. 2313
تفسير قوله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة)
قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨].
قال رسول الله ﵊: (كل من حضر بيعة الرضوان مغفور له)، ثم قال لهم: (أنتم خير من على وجه الأرض)، هذا ما قاله الله ﷻ وحياً لرسوله ﷺ ، وصرح به في هذه السورة الكريمة فقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]، ولذلك سميت هذه البيعة بيعة الرضوان، أي: بيعة رضا الله ورضا رسول الله، وبيعة المغفرة والرحمة وسكنى الجنة، وقصة الشجرة والبيعة ذكرناها في سبب نزول السورة: وهي أن النبي ﵊ كان يتبادل الرسل والسفراء مع أهل مكة، فأرسل عثمان بن عفان ليبلغ قريشاً أن النبي ﷺ والمؤمنين لم يأتوا لقتال، ولا لحرب، ولا لانتهاك حرمة، وإنما جاءوا معتمرين محرمين، فلم يحملوا معهم إلا السيوف في قرابها وغمدها.
والذي يريد الحرب لا يقتصر على ذلك، إنما يأتي بالخيل وبالدروع وبالنبال وبالحراب وبالسهام، وبأنواع أسلحة الحرب والقتال آنذاك، ولكن النبي ﷺ وأصحابه لم يحملوا إلا السيوف؛ احتياطاً للطوارئ، والسيوف موضوعة في أغمادها وليست مسلولة.
فقالوا لـ عثمان: طف أنت، قال: لن أطوف حتى يطوف رسول الله ﷺ ، وجاء رجل إلى النبي ﷺ غامزاً في عثمان أنه طاف بالبيت، فقال له النبي ﷺ : (لو أقام دهراً لم يطف حتى يطوف رسول الله ﷺ ، هكذا كان عثمان، يرفض الطواف ما لم يطف رسول الله ﷺ ، ثم حبسوه وشاع أن عثمان قتل.
وإذا بالنبي ﵊ ينادي مناديه: أيها القوم! من المهاجرين والأنصار والأعراب ومن تبعنا لهذه العمرة، إن رسول الله ﷺ تحت الشجرة في أرض الحديبية، فتحلقوا حوله، فأتوا إليه وهو مستظل بظلال تلك الشجرة، فقال: بايعوني، فبايعوه على الموت، وهو عدم الفرار، ومعنى بايعوه: أي: باعوا أنفسهم طاعة لله، ثم طاعة لقتال أهل مكة إن كانوا قد قتلوا عثمان حقاً، فلن يغادروا المنطقة ما لم يؤدبوهم ويقاتلوهم ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ:٢٦]، ولكن النبي ﵊ وكأنه كان مطمئن النفس أنهم لم يقتلوه، فكل تقدم إلى رسول الله ﷺ ووضع يده في يده المبايعين له بذلك، وإذا بالنبي ﵊ يضع يمناه في يسراه والعكس؛ نيابة عن عثمان، وقال: (هذه بيعة عثمان)، فكانت يد رسول الله ﷺ نائبة عن يد الله، والأخرى نائبة عن يد عثمان.
ومن بايع النبي ﷺ نيابة عن عثمان وحضرها فله أجرها وثوابها ومغفرتها، وفضل المبايعين فيها، فبايع جميع الصحابة إلا الجد بن قيس، فقال عنه النبي ﵊: (كلكم مغفور له إلا صحاب الجمل الأحمر)، فأخذ الأصحاب يبحثون عن صحاب الجمل الأحمر وإذا بهم يجدون أعرابياً يمسك بيده جملاً أحمر، فقالوا له: ويلك يا أعرابي تقدم بايع رسول الله ﷺ فقال: ما بي في البيعة من حاجة؟ إنما افتقدت بعيري وراحلتي فجئت أبحث عنها ووجدتها هنا.
فتبين أنه لم يكن مسلماً، ولم يحضر ضمن أصحاب رسول الله ﷺ ، وإنما جاء مفتقداً لراحلته الضائعة ووجدها ضمن رواحل الأصحاب، ولذلك استثنى من المغفرة ﷺ صاحب الجمل الأحمر.
وهذه الشجرة قال قوم: إن عمر قطعها، وقال أقوام -وهو الصحيح-: فقدت ولم تعرف؛ فربما جاءها أعرابي يريد حطباً وخشباً فاحتطبها وأزالها أو حصل لها ما حصل.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] أي: رضي الله عن بيعتهم، وهو أيضاً ما قاله ربنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة:١١١].
فهذه البيعة التي أعاد الله ذكرها في سورة الفتح هي البيعة التي بايعها الأصحاب أهل صلح الحديبية المهاجرون والأنصار الذين حضروا لعمرة الحديبية، يقول الله عنهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:١٨] أي: رضي عنهم ورضي فعلهم وقبل بيعتهم، وقال أكثر من هذا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، فاعتبر الله ﷻ يد النبي التي كانت فوق أيديهم بيعة للقتال، وموتاً في سبيل الله، وعدم الفرار من المعركة، اعتبرها نائبة عنه ﷻ وعز مقامه، فبيعة رسول الله هي بيعة لله.
وهذا كقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، والرسول ﵊ ما جاء لنفسه ولا لأمرها ولا لعبادتها حاشا لله، وإنما جاء رسولاً آمراً وناهياً عن الله، ولذلك فإن أبا بكر عندما حضر الوفاة النبوية وجد رسول الله ﷺ مسجىً في غرفة زوجته عائشة، فقبل جبينه الطاهر وقال له: طبت حياً وميتاً يا رسول الله! ثم صعد المنبر فوجد في درجته الأولى عمر قائماً شاهراً سيفه ويقول: من قال: إن محمداً قد مات قتلته بسيفي هذا، فجاء أبو بكر وأقعده وصعد إلى أعلى درجة في المنبر، وقال: من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ومن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤].
فالله أرسل محمداً نائباً عنه ومفوضاً في أرضه، يدعو الناس لتوحيده ولعبادته، وللتخلق بمحاسن الأخلاق، ويدعوهم للبعد عن الشرك والرياء والسمعة في العبادة.
ولذلك كانت بيعته بيعة لله، وطاعته طاعة لله، وامتثال أمره امتثالاً لأمر الله، واجتناب نهيه اجتناباً لنهي الله وهكذا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠].
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] هذه الشجرة سجلت وخلدت في كتاب الله، فشرفت وأصبح ذكرها قرآناً يتلى، لأن النبي ﵊ بايع أصحابه تحتها، فسجلت قصتها وخلدت.
стр. 2314
تعريف السكينة
وقوله تعالى: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨].
السكينة: هي الطمأنينة والوقار، وقال أصحاب الرقائق والآداب: هي شيء يشمل على ثلاثة معان: النور، والقوة، والروح، وما تكاد السكينة يكرم بها أحد إلا ووجد يقيناً في نفسه، وسكينة في أعضائه، وقبولاً لأمر ربه ورضاً بما قسم له، فلا يكون قلقاً ولا مضطرباً، ويصبح أمام أمر الله وما صنع الله به من خير أو غيره في موضع سكينة، وهكذا باستمرار مادام ممتعاً بنزول السكينة على قلبه.
ولذلك قال أصحاب الرقائق والآداب: لا تنزل السكينة إلا على قلب نبي أو ولي.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨].
أي: أنزل الله السكينة على المؤمنين فاطمأنت الجوارح، وقد كانوا قلقين من معاهدة الحديبية ومن موادها ومن أحكامها، فلم يفهموا لها معنى ولا مغزى، ولكن بعد نزول السورة الكريمة ونزول السكينة عليهم اطمأنت جوارحهم، وزال قلقهم واضطرابهم، ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨] كان الفتح القريب هو: معاهدة الحديبية، والفتح البعيد هو: فتح مكة والطائف والروم وفارس والقسطنطينية والبربر، وكل فتح فتحه الله بعد ذلك.
ولكن البداية كانت في هذا الفتح المبين والعظيم: صلح الحديبية، الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١]، ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح:٣]، فكان صلح الحديبية فتحاً عظيماً ونصراً عزيزاً، وتتابع النصر بعد ذلك هيناً ليناً بلا مشقة ولا تعب ولا ما يزعج أو يقلق، وهكذا دام الأمر بينهم.
стр. 2315
تفسير قوله تعالى: (ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزاً حكيماً)
قال الله تعالى: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح:١٩].
في صلح الحديبية لم تكن هناك مغانم ملموسة ولكن كانت مغانم معنوية: من النصر المؤزر، والمغفرة من الله، والرضا منه على هؤلاء، ولكن الله وعدهم فيما بعد الحديبية بمغانم كثيرة يأخذونها، قال تعالى: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح:١٩]، وبداية المغانم والأرباح والمكاسب كانت في حرب خيبر، فمعاهدة الحديبية كانت في شهر ذي القعدة من السنة السادسة من الهجرة، وكانت غزوة يهود خيبر في شهر محرم من السنة السابعة للهجرة، وكانت هي المغانم القريبة.
وخص نبي الله امتثالاً لأمر الله في هذه الآية مغانم خيبر من حضر معاهدة الحديبية، ولم يعط من تلك المغانم أحداً ممن لم يحضرها، وكان ذلك عطاء من الله، وتعويضاً لهؤلاء حيث تركوا زراعتهم وتجارتهم وجاءوا زمناً، وحبسوا أنفسهم زمناً عند الحديبية؛ طاعة لله، وامتثالاً لأمر رسول الله، ورغبة في الجهاد والقتال، فجازاهم الله بالمغانم الحسية كما جازاهم بالمغانم المعنوية، فتملكوا مغانم أرض خيبر، وكانت شيئاً عظيماً، كانت أرضاً وعقاراً وإبلاً وخيلاً وذهباً وفضة وكانت وكانت.
وهذه الغنائم هي ما طمع فيها أولئك المخلفون من الأعراب، وقالوا لهم عندما انطلقوا إلى حرب خيبر: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ [الفتح:١٥]، فمنعهم رسول الله بأمر الله عن أن يحضروا، ولا أن يأخذوا من الغنائم قليلاً ولا كثيراً، ووعدهم أنهم إذا دعوا لقتال قوم ﴿أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح:١٦] أي: يقاتلونهم إلى أن يسلموا أو يستسلموا، فإن استجابوا وأطاعوا غفر الله ذنبهم، وكفر عنهم سيئاتهم إن أخلصوا العمل لله، وإذا أعرضوا كما أعرضوا من قبل ضوعف لهم العذاب الأليم الموجع.
وقوله تعالى: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح:١٩] هذا الغنائم كانت خاصة لمن حضر صلح الحديبية من المهاجرين والأنصار والبدو، ووصفها الله بالكثرة، وهي: مغانم خيبر وما جاء بعدها من غزوات اليهود وحرب فارس والروم.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح:١٩] العزيز: الذي لا يمانع ولا يغالب، فكل من سواه ذليل بين يديه وتحت قهره، فهو القاهر لعباده، الحكيم في أعماله، فلا يضع الأمور إلا بالحكمة في الدنيا والآخرة.
стр. 2316
تفسير قوله تعالى: (وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها)
قال الله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح:٢٠].
فقوله تعالى: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح:٢٠] أي: جعل لكم من الغنائم المعجلة المسبقة المقدمة غنائم خيبر.
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ [الفتح:٢٠] كانت رعاية الله وعنايته برسول الله ﷺ والمؤمنين معجزة، فقد خرج إلى مكة يريد الدخول عليهم إلى عقر دارهم في قلة، فقال البدو والأعراب: ذهب محمد وأصحابه للهلاك، فظنوا ظن السوء، وعليهم كانت دائرة السوء، فقد ذهب ﷺ راضياً مرضياً، ورجع منصوراً مظفراً مفتوحاً عليه متمماً الله نعمته عليه، وترك اليهود في المدينة وكان من الممكن جداً أن ينتهزوا غياب رسول الله عن المدينة فيهجموا عليها هجمة واحدة، فيقتلوا البقية الباقية من المسلمين، وينتهكوا الحرم، ويحاربوا عاصمة الإسلام الأولى، ومنزل الوحي الثاني، وقد فعلوا ذلك ورسول الله في المدينة بين أظهرهم في غزوة الأحزاب، حيث جمعوا عليه قريشاً وغطفان وأهل نجد وقبائل جزيرة العرب.
ثم حاولوا أن يحاربوه من خلفه، ويحاربه الكفار من أمامه، فصنعوا صنيعهم، ولكن الله ﷻ نصره عليهم نصراً عزيزاً مؤزراً، أفلا ينصره الله وهو خارج المدينة بعشرات الأميال؟! فلم يفعلوا ذلك وهابوا رسول الله وهابوا قوة الجيش النبوي هيبة قلبية زرعها الله في قلوبهم، فخافوا ووجلوا.
وامتن الله على نبيه وعلى المؤمنين بأنكم عندما خرجتم لمعاهدة الحديبية كف الله عنكم أيدي أعدائكم من يهود المدينة، ومن كفار المدينة المنافقين، فلم يقاتلوكم ولم يحاولوا ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح:٢٠] أي: لتكون معجزة على قدر الله بين المؤمنين، فاليهود على قوتهم وهم يساكنون رسول الله في المدينة عقر داره، وتركها لما خرج هو وأصحابه إلى الحديبية، فلم يقاتلوه ولم يغدروا به ولم يهجموا على من هناك، فخوفهم أرهبهم فقد هابوا المسلمين، وكبروا في أعينهم، وعجزوا في أنفسهم أن يناجزوهم حتى ولو هم غائبون.
فكف أيدي الكفار واليهود عن حربكم وقتالكم وغدركم آية وعلامة ومعجزة بينة على قدرة الله، وذلك برعاية الله لكم ونصرته.
وقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح:٢٠] أي: ليزيدكم هداية على هداية وفتحاً على فتح، وإيقاناً على إيقان، ويثيبكم نصراً على نصر.
стр. 2317
تفسير سورة الفتح [٢١ - ٢٥]
يذكر الله تعالى أن كفار مكة لو قاتلوا المؤمنين في قصة الحديبية فإنهم سيولون الأدبار، ولن يجدوا لهم ولياً ولا نصيراً، وقد قاموا بأفعال سيئة أخرى غير كفرهم، فقد صدوا الرسول والمؤمنين عن المسجد الحرام، وأخذت حمية الجاهلية تثور في نفوسهم، فثبت الله تعالى المؤمنين، وأنزل السكينة على قلوبهم، ونصرهم وفتح لهم.
стр. 2318
تفسير قوله تعالى: (وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها)
قال الله تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الفتح:٢١].
هذه الآية مرتبطة بالآية السابقة: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الفتح:٢٠ - ٢١].
فالله ﷻ وعد المؤمنين من أهل الحديبية الذين لم يأخذوا غنائم في صلح الحديبية، بأن يأخذوا غنائم كثيرة معجلة، وهي غنائم غزوة خيبر، هذه المعركة التي قام بها اليهود فأدبهم المصطفى ﵊، فأرسل جيوشه وكان على رأسها وحمل الراية فيها: أبو بكر ثم عمر، ثم قال رسول الله ﷺ : (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) وأعطاها لـ علي، فكان النصر وكان فتح خيبر على يده.
وعندما خرج اليهود صباحاً بمساحيهم وفئوسهم للعمل والزراعة إذا بهم يرون رسول الله ﷺ وجيشه، فيتصايحون: محمداً والجيش، فقال ﵊: (إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين).
وكان المنذرون هم هؤلاء اليهود، فنصر الله عبده ونبيه ﷺ والمؤمنين نصراً عزيزاً مؤزراً، والغنائم كانت كثيرة: كانت عقاراً وأرضاً وذهباً وفضة، وجعل كل ذلك ﵊ من نصيب من حضر صلح الحديبية وعمرتها، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح:٢٠] إلى أن قال ربنا: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ [الفتح:٢١].
فهذه معركة جديدة وغنائم جديدة لا تعجزنا، ولم تفكروا يوماً بقدرتكم عليها، ولكن الله جلال جلاله قد أحاط بها قدرة وعلماً، فجعلها من نصيب عباده المؤمنين.
وقال ابن عباس: كانت هذه التي لا يقدرون عليها هي حرب فارس والروم، والغنائم التي بشره الله بها هي غنائم حرب فارس والروم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ [الفتح:٢١] أي: أحاط بها علمه وقدرته، فهو قادر ﷻ أن يقويكم وينصركم لتقاتلوا هؤلاء الذين لم تحدثوا أنفسكم يوماً بحربهم وقتالهم، ولكن الله قد أحاط علمه بهذه الغنائم التي ما حدثتم أنفسكم فيها يوماً.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الفتح:٢١] أي: كان الله على كل شيء قديراً لا يعجزه شيء، وكل ما يريده يقول له: كن فيكون.
ولقد حارب المؤمنون فارس والروم، ففتحوا فارس، وأذلوا الروم، وكانت غنائم عظيمة غنمها المسلمون، قال ابن عباس وقتادة في قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ [الفتح:٢١] هي الفتوة الآتية والمقبلة، وهي كل ما يفتح في الأرض للمسلمين من أرض فارس والروم والقسطاط والبربر والهند والقسطنطينية وفرنسا وجميع دول الكفر التي فتحها المسلمون وغنموا غنائمها، وكانوا قبل الإسلام لا يقدرون عليها، فقدروا عليها ببركة الإيمان وقوة الإسلام، فكان لهم ما أرادوا.
стр. 2319
تفسير قوله تعالى: (ولو قاتلوكم الذين كفروا لولوا الأدبار)
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [الفتح:٢٢].
يقول تعالى عن كفار مكة عندما ذهب النبي ﷺ والمؤمنون للعمرة ثم توقفوا في الحديببية: لو قاتلكم كفار مكة وحاولوا أن يصدوكم بحرب وقتال لعجزوا، ولما استطاعوا على قتالكم، ولفروا وذهبوا عاجزين عن حربكم غير قادرين عليها ولهزموا، ولا يجدون من العرب من يواليهم أو يناصرهم أو يعززهم.
فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [الفتح:٢٢] أي: لا يجدون مؤازراً ولا معيناً ولا ناصراً حتى بالقول واللسان، فلو قاتلوكم لولوا الأدبار منهزمين، ولا يجدون من يواليهم أو يناصرهم عليكم.
стр. 2320
تفسير قوله تعالى: (سنة الله التي قد خلت من قبل)
قال الله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح:٢٣] أي: سنة الله التي قد خلت وقد سبقت وقد مضت، وسنة الله هي طريقته وعادته ﷻ في نصره لرسله وللمؤمنين، ولن يتخلف ﷻ عن سنته وعادته في هزيمة الكافرين، ونصرة المسلمين حقاً، الذين ناصروا ربهم، وقاموا بدينهم، وكانوا كاليد الواحدة على أعدائهم، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح:٢٣].
стр. 2321
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي كف أيديهم عنكم)
قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الفتح:٢٤].
يمتن الله على عباده المؤمنين من أهل الحديبية الذين خرجوا مع رسول الله ﷺ لعمرة القضاء، بأنه كف أيدي الكفار عنهم، فلم يحاربوهم ولم يقاتلوهم ولم يخرجوهم من حدود الحرم، ولو شاءوا لاستطاعوا، ولكنهم لو فعلوا لأدبروا ولهزموا.
فالله كف أيديهم عنكم، أي: منعها من الحرب والقتال لكم، كما كف أيديكم عنهم، أي: كما منعكم من قتالهم، لأن هذا القتال لم يكن لكم فيه خير، وسيكون عليكم وبالاً، ولذلك كان الصلح خيراً، وكان هذا الموقف الذي ألهم الله نبيه والمؤمنين أن يقوموا به هو الذي ارتضاه الله لهم، ففيه نصرهم وعزهم ومصلحتهم.
وقوله تعالى: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح:٢٤] بطن مكة هو داخل حدود الحرم عند الحديبية حيث نزل ﷺ بخيامه وجنده، فالله كف أيدي الكفار عن المؤمنين، وأيدي المؤمنين عن الكافرين.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٢٤] أي: من بعد أن ظفر المسلمون بجماعة منهم، ولكن النبي ﵊ أطلق سراحهم.
وذلك بينما كان النبي ﵊ في قومه وأنصاره إذا بثمانين كافراً أتوا من مكة للجهاد، وأرادوا أن يجدوا غرة وغفلة في رسول الله وأصحابه؛ ليجهزوا عليهم ويقاتلوهم، وطمعوا في أن يقوموا بمذبحة فيهم، فكان المسلمون على حيطة وحذر، فانتبهوا لهم فابتدروهم وأتوا بهم أسرى بعد أن نزعوا سلاحهم وسيوفهم، وجعلوهم بين يدي رسول الله أسرى في الحبال والسلاسل.
وهذا معنى قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٢٤]، فقال لهم النبي ﷺ : (هل بيني وبينكم عقد ذمة؟ قالوا: لا، قال: هل عاقدتم أحداً من المؤمنين من أصحابي وأعطاكم الذمة والسلام؟ قالوا: لا، قال: إذاً: إن شئنا قتلناكم، قالوا: نعم، قال: اذهبوا)، فأطلق سراحهم، وامتن عليهم بلا فداء ولا تعويض، وقد كان منهم معاوية وأبوه أبو سفيان.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الفتح:٢٤] أي: كان الله بما تخلصون به، وما تعملون وما تتحدث به أنفسكم بصيراً وعليماً وناظراً، فالله لعلمه بصدقكم وإخلاصكم وتقواكم اختار لكم النصر والعز بلا حرب ولا قتال، وأذل عدوكم، وصالحكم معهم، وأخضعهم لشروطكم، وأخضعهم لما سيكون بعد ذلك وبالاً عليهم.
стр. 2322
تفسير قوله تعالى: (هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام)
قال الله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:٢٥].
يقول الله لنبيه: بأننا كففنا يديك وأيدي المسلمين عن حرب قومك وحرب أهل مكة؛ لأنه كان فيهم مؤمنون مستضعفون يكتمون إسلامهم رجالاً ونساء، وأنت لا تعلم هؤلاء ولا قومك، فيوشك لو تدخلون مكة أن تطئوا هؤلاء قتلاً وأسراً وتعذيباً، وهم مؤمنين مثلكم يوحدون الله كما أنتم كذلك، فإن فعلتم أصابتكم بذلك معرة وإثم وعيب.
وبما أنكم لم تعلموهم، والله لم يميز منهم الكافر من المؤمن كف الله أيدي الكفار عنكم وكف أيديكم عنهم، فكانت تلك الحكمة وتلك المصلحة.
قال الله عن أعداء النبي من أهل مكة: لقد تولوا وارتكبوا جرائم، فهم الذين كفروا بالله وبالرسول وبالإسلام، فهذه جريمة ولا جريمة بعدها ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الفتح:٢٥]، ثم زادوا على الكفر ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح:٢٥] أي: منعوكم ودفعوكم عن دخول المسجد الحرام معتمرين طائفين ساعيين عابدين الله ﷻ ، فقد ارتكبوا الكفر ثم ارتكبوا الصد والظلم عن بيت الله، والإحالة بين المؤمنين وعبادة ربهم.
وقوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح:٢٥] أي: وصدوا الهدي.
والنبي ﵊ جاء للعمرة ومعه سبعون بدنةٍ هدياً بين يدي المسلمين؛ يقدمونها ذبائح لله ونسكاً للعمرة، وإذا بهؤلاء الكفار منعوا الهدي من الدخول لمكة، كما صدوا المسلمين من الدخول لمكة ولبيت الله الحرام لأداء العمرة والطواف والسعي، ومنعوا الهدي من بلوغ محله، ومحله المكان الذي يصبح فيه حلالاً فينحر أو يذبح.
وكان معهم أبل وبقر، وجعل ﷺ لكل سبع منهم بدنة، والبقرة يقال عنها بدنة، والجمل والناقة يقال عنهما: بدناً، فهذه البدن التي جاء بها رسول الله والمؤمنون لتكون نسكاً بين يديهم، ويذبحونها وينحرونها داخل مكة، حال المشركون بين المؤمنين وعبادة ربهم، وحالوا بين المؤمنين وتقديم الهدي والمناسك لعبادة لله وبين يدي عمرتهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ [الفتح:٢٥].
أي: لولا أنه في مكة رجال مؤمنون مستضعفون لا تعلمونهم، ونساء مؤمنات لم تعلموهن، والمحذوف مقدر يدل عليه السياق، قال ابن مالك: وحذف ما يعلم جائز.
أي: لولا وجود هؤلاء المؤمنين والمؤمنات وعدم علمكم بهم، فإنه يخاف منكم أن تدوسوهم بالأقدام إذلالاً وقتلاً.
وقوله تعالى: ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الفتح:٢٥] أي: فتصابون بسبب وطئكم لهم إثم ومذمة من الناس ومن الله.
فيقول الناس: جاء هؤلاء من المدينة إلى مكة ليقتلوا إخوانهم المسلمين وأخواتهم المسلمات، وبما أنهم اختلطوا فلم يعلمهم رسول الله ولا المؤمنون، لذا صان الله دماء الكفار ببركة هؤلاء المؤمنين الذين هم بينهم.
لولا ذلك لأطلقنا أيديكم عليهم فقاتلتموهم، وأخذتم منهم ثأركم، وعاقبتموهم للصد وللكفر وللظلم، ولكن الله صان دماءهم ببركة هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء الذين كانوا بينهم وأنتم لا تعلمونهم.
قال الله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الفتح:٢٥] أي: ليدخل هؤلاء المؤمنون والمؤمنات في رحمته، فيدخلون الجنة.
قال الله تعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:٢٥] أي: لو تميز الكافر من المؤمن، ومعنى ذلك: أن المحذوف يتعلق بالأمرين، أي: لولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات، ولو تميز الكافر من المؤمن لسلطكم الله عليهم فعذبتموهم العذاب الأليم: قتلاً وأسراً وإذلالاً ومهانة، ولعذاب الله يوم القيامة لهم أشد وأنكى، وبما أنهم قد اختلطوا بالمؤمنين فلم يتميزوا، فالمرأة هي المرأة ولا تعلم أمؤمنة هي أم كافرة؟ وكذا الرجل أهو مؤمن أو كافر؟ لأن الكثير من أهل مكة كانوا قد أسلموا نساء ورجالاً وغلماناً وإماء، ولكنهم مستضعفون لم يستطيعوا التواصل بالنبي ﵊ في المدينة المنورة ولا الهجرة إليه، فقد كانوا أضعف وأعجز من ذلك، ولذلك كان النبي ﷺ يدعو للمستضعفين من مؤمني مكة، وكان منهم: أبو جندل بن سهيل بن عمرو العامري الذي كان أبوه كاتب الصلح وسفير أهل مكة في عقد الصلح مع النبي ﷺ والمؤمنين.
فعندما جاء أبو جندل والرسول ﵊ وسهيل يكتبان العقد، رمى بنفسه بين يدي رسول الله ﷺ ، وإذا بأبيه يصيح في وجه ولده ويضربه على وجهه، فيقول له النبي ﵊: (دع لي هذا، فنحن لم ننته فيما بعد من العقد، قال: بل قد أتممناه فإما أن تسلمني وإما لا صلح بيننا) فألح رسول الله وألح سهيل، فما وسع رسول الله ﷺ بعد ذلك إلا أن يوافق مكرهاً، وكاد ذلك أن يكون فتنة للمسلمين، فأخذ أبو جندل يصيح: يا معاشر المسلمين! أتردونني إلى الكفار ليفتنوني عن ديني! وتقدم إليه عمر بسيفه وسحب الغمد من مكانه؛ ليمد أبو جندل يديه للسيف فيضرب أباه، ولكن أبا جندل لم يفعل ولم يجرؤ، وقال النبي ﵊ لـ أبي جندل: (سيجعل الله لك ولأمثالك فرجاً ومخرجاً).
стр. 2323
تفسير قوله تعالى: (إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية)
قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الفتح:٢٦].
فقوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح:٢٦] أي: وقت أن حمي الكفار وجعلوا في قلوبهم الحمية والنصرة والأنفة، وكانت هذه الحمية والأنفة وهذا السكر والتعالي وهذا العمل الجاهلي عندما جاء كاتبهم وسفيرهم في الصلح، فمنع رسول الله ﷺ أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم، وقال: لا أعلم ما الرحمن ولا الرحيم؛ ليظهر ما كان يكتب سلفه وقومه: باسمك اللهم، فأمر النبي ﷺ علياً -وكان كاتب العهد- أن يكتب: باسمك اللهم.
ثم قال: هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله، فأخذته الأنفة وقال: لا نقر أنك رسول الله، ولو علمنا أنك رسول الله لما قاتلناك.
فحمية الجاهلية: الأنفة والاستعلاء بالباطل وبالكفر، فمنعوهم عن دخول البيت زاعمين بأن ذلك سيذلهم عند العرب، الذين يعتبرون أن قريشاً قد ذلت فخضعت لعدوها محمد وللمؤمنين، فكانت تلك الحمية الجاهلية كما سماها الله.
والله لم يجعل المؤمنين تأخذهم الحمية أو العصبية فيما يتعلق بشأنهم؛ لأن الحكمة ستضيع بذلك، فقال ربنا: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٦] أي: أنزل الطمأنينة على قلب عبده وحبيبه محمد ﷺ ، وأنزل هذه الطمأنينة وهذا الوقار على قلوب المؤمنين فلم يبادروا أهل مكة حمية بحمية، ولا عصبية بعصبية، ولا أنفة بأنفة، فالنبي ﵊ ترك ذلك لله.
فشعار المسلمين: بسم الله الرحمن الرحيم أو عبارة باسمك اللهم يدعوان للإيمان، فكلاهما نداء لله وتبركاً باسمه.
وأما نفيهم أنه رسول الله فلن يضير ذلك رسول الله في شيء، فهو رسول الله حقاً شهد الله له بذلك وملائكته والمؤمنون، وهم أنفسهم سيشهدون بعد ذلك وسيخضعون للإسلام وكلمته.
ولذلك فإن الله أنزل طمأنينته ووقاره على قلوب المؤمنين، فلم تكن لهم حمية، ولو كان هناك حمية واصطدام وتقاتل لذهبت الغاية من الصلح.
وقوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح:٢٦] أي: أوجب عليهم كلمة التقوى، فقد وفقهم لالتزامها حضراً وسفراً، سلاماً وحرباً، رضاً وغضباً، وكلمة التقوى هي: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
فما قالها إنسان إلا ووقي العذاب، ووقي النار، ووقي اللعنة والغضب، وجعل بينه وبين عذاب الله وغضبه وجحيمه سداً يحفظه من اللعنة ومن العذاب، فلما كان رسول الله والمؤمنون معه قد أنزل الله سكينته على قلوبهم فاطمأنت وزال قلقها واضطرابها، والتزموا كلمة التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله، لم يبادلوا كفار مكة حمية بحمية، ولا أنفة بأنفة، ولا عصبية بعصبية.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح:٢٦] أي: كان رسول الله والمؤمنون أحق بكلمة التقوى، وأجدر بها من كفار مكة الذين قاتلوها ورفضوها، وامتنعوا أن يقروا لقب رسول الله في المعاهدة، وأبوا أن يفتتح الصلح بالشعار الإسلامي: بسم الله الرحمن الرحيم، ولكن رسول الله والمؤمنين بما التزموا به من كلمة التقوى: لا إله إلا الله، وبما طمأنهم ربهم به من سكينة ووقار: لم يحموا ولم يتعصبوا.
وأهلها هم الملتزمون بها، القائمون عليها، الداعون إليها، فهم أهل: لا إله إلا الله، وكل من قالها هو من أهلها، أدامنا الله عليها، وأحيانا عليها، وأماتنا عليها، وحشرنا مع سيد المرسلين تحت لوائه.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الفتح:٢٦] أي: وكان الله عليماً بكل شيء، عليماً بحال الكافرين ظواهرهم وبواطنهم، وبحال المؤمنين ظواهرهم وبواطنهم، فسيجزي الكافرين على كفرهم، والمؤمنين على إيمانهم.
стр. 2324
تفسير سورة الفتح [٢٧ - ٢٩]
لقد وصف الله تعالى رسوله محمداً ﷺ والمؤمنين الذين معه وصفاً عظيماً، فهم أشداء على الكفار رحماء بينهم، ترى سيما الخير والصلاح على وجوههم من أثر السجود والطاعة، وتراهم متآلفين متآخين فيما بينهم متعاونين، يحب أحدهم لأخيه ما يحبه لنفسه.
стр. 2325
تفسير قوله تعالى: (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق)
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:٢٧].
سبق في بداية السورة أن سبب نزولها أن النبي ﵊ قال للمؤمنين: لقد رأيت رؤيا وهي: أنكم ستدخلون المسجد الحرام آمنين معتمرين محلقين ومقصرين، لا تخافون، أي: لا خوف ولا اضطراب، وكانت هذه الرؤيا في معاهدة الحديبية من أسباب الفتنة، فقد أخذ رسول الله ﷺ يميل إلى الصلح وعدم القتال منذ أن بركت ناقته، فقال الناس: خلأت القصوى، أي: حرنت القصوى، فقال رسول الله: (ليس ذلك لها بخلق وما خلأت، ولكن حبسها حابس الفيل) وهو الله الذي حبس الفيل عن هدم الكعبة عندما جاء أبرهة وجيشه في عام الولادة النبوية ليهدموا الكعبة، وهو أيضاً أمر الناقة ألا تدخل مكة هذا العام، وهكذا تبادل السفراء مع كفار مكة إلى أن حضر كاتب العهد سهيل بن عمرو العامري، فعندما حضر وأخذ يكتب هو عن نفسه وعلي عن رسول الله ﷺ ضج عمر وفقد صبره، وقال لـ أبي بكر: (أليس رسول الله رسول الله حقاً؟ قال: بلى، قال: ألسنا المؤمنين حقاً؟ قال: بلى، قال: فلمَ نعط الدنية في ديننا؟! قال: لا يختار الله لنبيه إلا خيراً، ثم عاد فقال له: ألم يقل لنا سندخل مكة آمنين محلقين رءوسنا ومقصرين لا نخاف، أين ذلك؟ هانحن أولاء في الأبواب ومنعنا من الدخول فلا حلق ولا تقصير، قال: هل قال رسول الله في أي عام؟ قال: لا، قال: الزم غرزه فستدخل مكة، وستعتمر وستحلق أو تقصر غير خائف، فذهب إلى رسول الله ﷺ وقال له: (يا رسول الله! ألست رسول الله حقاً؟ قال: بلى، قال: ألسنا المؤمنين حقاً؟ قال: بلى، قال: ألم تعدنا بأن ندخل مكة غير خائفين آمنين محلقين رءوسنا ومقصرين، قال: أقلت لكم في هذا العام؟ قال: لا، قال: ستدخل مكة معتمراً محلقاً أو مقصراً آمناً غير خائف).
وهكذا يقول تعالى في هذه السورة التي نزلت بعد الحديبية وقبل العمرة من السنة القابلة، ونزلت على رسول الله في الطريق بين مكة والمدينة: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح:٢٧]، ومن المعلوم أن رؤيا الأنبياء حق ووحي، فعندما قال النبي للمؤمنين: (رأيت أنا داخل مكة غير خائفين محلقين ومقصرين) علموا أن هذا سيكون قطعاً ويقيناً، ولكنه لم يقل لهم في هذا العام، ولم يحدد الوقت والزمن، والأمر سيكون كذلك؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فالله يؤكد هنا لرسوله رؤياه وأنها حق، وأن الله تعالى سيجعلها صدقاً، فسيعتمرون وسيدخلون مكة محرمين، وبعد ذلك سيحلقون أو يقصرون غير خائفين ولا وجلين.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ﴾ [الفتح:٢٧] قال المفسرون: هذه حكاية لقول رسول الله لقومه، وهو أنه قد سبق أن قال لهم: لتدخلن المسجد الحرام، فهو قول رسول الله حكاه وأعاده الله في الآية.
﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ﴾ [الفتح:٢٧] أي: إذ يقول محمد لتدخلن، ومن هنا جاءت ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧] فالاستثناء من رسول الله، وهذا من باب التأدب مع الله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]، فوعد الله سيقع حقاً، والمشيئة قد تعلقت، ولكن من يدري من سيموت من هؤلاء ومن سيعيش، ولذلك تعلقت المشيئة بالأحياء، وأما الذي مات فقد انتهى عمله.
وقال آخرون: القول قول الله، و (إن شاء الله) بمعنى (إذ) فليست هي شرطية، إذ شاء الله أي: شاء وسبق في علمه ذلك.
قال: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح:٢٧] اللام هنا: لام التوكيد الموطئة للقسم، والمؤكدة بالنون الثقيلة، فقوله: (لتدخلن المسجد الحرام) بمثابة: والله لتدخلن المسجد الحرام.
قال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧] فلا خوف ولا وجل.
قال: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ﴾ [الفتح:٢٧] فأكد الأمن بقوله: (لا تخافون) فذكر المنطوق والمفهوم تأكيداً على الأمن والسلام وعدم الخوف والوجل.
стр. 2326
المقصود بالفتح في هذه الآية
قال: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ [الفتح:٢٧] من المعاهدة، وأنها في حقيقتها وفي ما كتب من موادها لصالحكم، فقد لعبتم بأعدائكم وخدعتم أعداءكم؛ لأنهم لم يفهموا أسرارها، ولم يفهموا عواقبها، ولكن الله قد علم أن المعاهدة كانت في صالحكم، وكانت نصراً عزيزاً مؤزراً لكم، كانت قضاء مبرماً على عدوكم، وقد ذكرت أسرارها في بداية السورة، فلم يكن كفار مكة معترفين برسول الله ﷺ طرفاً موازياً، فأصبحوا يعتبرون أنفسهم في جانب، ومحمداً وصحبه في جانب ﷺ ، وهو ما يقال له اليوم: الاعتراف السياسي، فقد اعترفوا به ككتلة وجماعة قائمة بنفسها، وليس هذا بالشيء القليل، وقد كانوا من قبل يقولون له: الصابئ، خرج عن دين قومه، وتآمروا لقتله، وتآمروا لسجنه، وتآمروا لنفيه، وإذا بهم الآن يعاملونه معاملة الند للند، فهذا سفير منهم وسفير من رسول الله، ومواد لهم ومواد في المعاهدة عليهم، وهنا يشير الله لها بقوله: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:٢٧]؛ ولذلك استحقت المعاهدة أن ينزل عقبها ليلاً والنبي عائد إلى المدينة: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح:١ - ٣]، وعندما تلا رسول الله هذه الآيات لـ عمر عجب وقال: (أفتح هو يا رسول الله؟! قال: إي والله إنه لفتح)، ومن ذلك اليوم وعمر يقول: لقد أكثرت من الصدقات، ومن عتق الرقاب، ومن التوبة والاستغفار، لعل الله يغفر لي موقفي ذاك من المعاهدة، وأنا إلى يومي هذا -وكان قد أصبح خليفة- أدعو الله ألا يؤاخذني، وأن يغفر لي زلتي وخطيئتي، وهو ما قال الله: ((فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا)).
وكان من هذه المواد - وهي المادة التي أقامت الأصحاب وأقعدتهم -: أن من جاء من المسلمين إلى رسول الله رده إليهم، ومن جاء من رسول الله إلى الكفار لا يردونه، وبالفعل فقد جاء أبو بصير -وهو رجل قرشي، جاء مسلماً- فقال له النبي ﵊: (بيني وبين القوم عهد ولن أغدر) وإذا بقرشيين يقفان على رأس رسول الله ويقولان: يا رسول الله! العهد، فمكنهم منه وذهبوا به، وإذا به وهم بذي الحليفة في البئر التي نحرم منها يرى سيفاً في يد أحدهما فيقول: سيفك سيف بتار أرنيه، فاغتر ذاك ومكنه من سيفه مسلولاً، فأخذه وضربة على عنقه ففصل رأسه عن جسده، وفر الآخر وذهب إلى رسول الله وقال: قد قتل صاحبي، وإذا بـ أبي بصير يأتي فيقول له رسول الله: (ويل أمه مسعر حرب، لو كان معه رجال) أي: يا ويله! سيسعر الحرب بيني وبين أعدائي، لو وجد من يرشده ومن ينصحه، والنبي لم يرد أن يزيد على هذا؛ لكي لا ينقض العهد، وإذا بـ أبي بصير يتأكد بأن النبي مسلمه إلى الأعداء مرة ثانية فذهب إلى شاطئ البحر في طريق قوافل مكة للشام، وأقام هناك فسمع به المستضعفون من المؤمنين بمكة فاجتمعوا حوله إلى أن بلغوا سبعين رجلاً، وإذا بهم يقفون في الشاطئ لا تمر قافلة، ولا يمر قرشي بسلعة أو بتجارة من الشام أو من مكة إلى الشام إلا قتلوه وسلبوه، إلى أن جاءت قريش بكبارها وقادتها يرجون رسول الله أن يضمهم إليه مقابل تنازلهم عن هذه المعاهدة، فتبين بأسرع وقت أن المعاهدة كانت لهم لا عليهم؛ ولذلك يقول الله تعالى: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:٢٧].
لقد كان الفتح الأول هو فتح الحديبية وكتابة هذه المعاهدة، وكان الفتح الآخر هو فتح مكة، وكان ذلك بعد عامين من صلح الحديبية الذي وقع في السنة السادسة للهجرة، وفي السابعة جاء رسول الله ﷺ معتمراً حسب العهد والسيوف في أغمادها، وعندما دخلوا مكة اختفى الرجال واختفى القادة حقداً وعداوة وبقي الأطفال والنساء والعجزة والكبار، فرأوا أصحاب رسول الله بين متعب وبين جار قدمه، وبين من يمشي وهو يكاد يقع، فذهب الغلمان والأولاد وقالوا: انظروا، هؤلاء الذين يزعم محمد أنه سيفتح بهم العالم، لا يستطيعون مشياً في الأرض وإنما يزحفون زحفاً، وإذا بالنبي ﵊ يسمع ذلك وينتبه له، فيأمر أصحابه بأن يهرولوا عند الطواف في الثلاث الأشواط الأولى، وهو أصل الهرولة في الطواف في الأشواط الثلاثة الأولى؛ ذكرى لهذا اليوم العظيم، وقال لأصحابه: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير)، فلما خرج الكبار ليستهزئوا بهم وجدوا الكبار والصغار يهرولون ويجرون، فقالوا لأولادهم وغلمانهم: خيبكم الله! أتقولون هذا والقوم يقفزون ويهرولون هرولة الآساد في العرين، والنمور في البراري، أيفعل الشباب مثل هذا؟! ولذلك فإن الله يثيب المؤمن على ما يغيظ به الكافر ولو بحركة أو نظرة.
وقف عمر في خلافته قبل أن يبتدئ الطواف وقال: كنا نهرول إغاظة للكفار والآن مكة دار إسلام، ثم عاد فقال: شيء صنعناه مع رسول الله لا نغيره، وهرول بدوره، وهي ذكرى، فأكثر أعمال الحج ذكريات إما من أيام إبراهيم، أو من أيام رسول الله ﵊، وأهمها وأعظمها: السعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار في جمرات منى، إذ كان إبراهيم قد أمر بذبح ولده إسماعيل؛ وكان إسماعيل لا يزال رضيعاً، وبحثت أمه عن الماء لتسقيه فأخذت تسعى بين الصفا والمروة؛ لعلها تجد أحداً مسافراً غادياً أو رائحاً فتأخذ منه شربة ماء لولدها، وإذا بالله الكريم يفجر زمزم تحت قدمي إسماعيل، وإذا بالله الكريم يفدي إسماعيل بكبش، وهو أصل الأضحية والضحايا، فيعيش إسماعيل ويذبح الكبش مكانه، فأصبح رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة ذكرى لإحياء الله إسماعيل، فلم يمت عطشاً، ولم يمت ذبحاً، ولو مات عطشاً ومات ذبحاً لما كان من سلالته محمد سيد البشر إمام الأنبياء بعد ذلك، فإذا مات الأب قبل أن يلد فأين الولد؟! فهي ذكرى لحفظ الله لإسماعيل ليلد إسماعيل أولاداً، وليلد الأولاد أولاداً، وليكون بعد ذلك سليله عظيم الأنبياء وكبير الرسل ﵊.
﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:٢٧] فكان الفتح الأول: الحديبية، والفتح الثاني: فتح مكة، والثالث: فتح الطائف، فقد كانت فيها قبائل شديدة الحقد على رسول الله ﷺ ، والمعركة في بدايتها كانت على المسلمين ثم نصر الله المسلمين وأذل الكافرين وهزمهم، فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً.
стр. 2327
تفسير قوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله)
ثم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨].
يعد الله في هذه الآية المؤمنين الأولين والآخرين فيقول: هو الذي أرسل رسوله بالهدى والنور الذي يبدد الظلمات والباطل؛ ليسود على الأرض ويعم الكون بأسره.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الفتح:٢٨] أي: ليؤيده وينصره على جميع الأديان: على الديانة النصرانية، والديانة اليهودية، وبقية الأديان الباطلة الوثنية والشيوعية وما إلى ذلك، وقد كان ذلك في عصر من العصور، وسوف يعود النصر والتمكين، وسينشر الله دينه ويخضع له جميع أمم الأرض وجميع شعوبها، وذلك قول رسول الله ﷺ بياناً لهذه الآية عندما قال: (والذي نفس محمد بيده لا تنتهي الدنيا حتى يبلغ هذا الدين مبلغ الليل -والليل يبلغ الأرض كلها- ولا تقوم الساعة حتى يبلغ هذا الدين مبلغ النجم -والنجم مشرف على الأرض كلها- والذي نفس محمد بيده! لا تقوم الساعة حتى يبلغ هذا الدين مبلغ كل حجر ومدر ووبر) وأرض الحجر أرض الحضارة، وأرض المدر أرض القرى والبداوة، والخيام هي أرض البدو الرحل، أي: لا تنتهي الدنيا حتى يعم دين الإسلام جميع طبقات الأرض، وجميع سكان الأرض، فذاك وعد الله الذي لا يخلف الميعاد.
يقول تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨] وكأن قائلاً يقول: من يشهد على هذا القول؟ كيف يكون ذلك والكفر ضارب أطنابه، والمسلمون مستذلون في مختلف بقاع الأرض؟! فيقول ربنا: (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) فيكفي أن يشهد على هذا خالق الكون، ومدبر الأرض، ورازق العالم، والذي بيده الأمر والخلق ﷻ ، وعز مقامه.
стр. 2328
تفسير قوله تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم)
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩].
قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩] فإذا أنكر أولئك أن محمداً رسول الله فالله يشهد بأن محمداً رسوله، آمن أولئك أو كفروا، فلن يزيد إيمانهم في الدنيا شيئاً، ولن ينقص كفرهم من الدنيا شيئاً، (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً).
قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، والذين معه هم أصحابه من المهاجرين والأنصار وبقية المؤمنين.
قال: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ فهم على الكفار غلاظ شداد، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين لا العكس كما يفعل منافقو العصر، فتجده مع الكفار في غاية ما يكون من الذل والهوان والحقارة، وتجده مع المسلمين على غاية ما يكون من التعاظم والتجبر والطغيان، وهذه صفة الكافرين.
قال: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ) (محمد رسول الله) مبتدأ وخبر.
(وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ) مبتدأ وخبر، يصف أصحابه بأنهم على الكفار أشداء غلاظ.
(رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) خبر ثان، فهم مع بعضهم يرحم بعضهم بعضاً، فكأن الكبير والد وكأن الصغير ولد، فيرحمون بعضهم لساناً ومواساة وعطفاً، ويحسن بعضهم لبعض.
قال: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح:٢٩] يصف أصحاب رسول الله بأنهم كثيرو الركوع، كثيرو السجود، أي: كثيرو الصلاة، فيصلون الفرائض، ويصلون النوافل حتى يكثر ركوعهم وسجودهم، ويصفهم بملازمة العبادة وبكثرة التهجد، ومن كان كذلك كان أقرب إلى ربنا، وفي الحديث القدسي: (لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به) إلى آخر الحديث.
قال: (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا) فركع: جمع راكع وهي صيغة مبالغة، وسجد: جمع ساجد، ويقال أيضاً: سجاد وركاع، أي: كثير الركوع والسجود، أي: كثير الصلاة من فرائض ونوافل، ليلاً ونهاراً.
قال: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح:٢٩] وهم في صلاتهم، وهم في عبادتهم، وهم في تهجدهم يبتغون ويريدون فضلاً من الله، والفضل: الجنة والإفضال والإكرام، يريدون من الله ويبغون أن يرحمهم بالجنة، وأن يكرمهم بالرضا، وأن يتفضل عليهم بالجنان، ويبتغون ما هو أعظم، وأعظم من الفضل والجنة رضا الله تعالى، ولا يرضى الله على عبد يوم القيامة حتى يتجلى له، ويراه عياناً كما نرى القمر في السماء، كما قال ﷺ : (قيل: يا رسول الله! نحن أعداد متوافرة والله واحد فكيف نرى ربنا؟ قال: كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته)، وهذا من تشبيه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي.
قال تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح:٢٩] علامتهم في وجوههم من أثر السجود، وهذه العلامة هي إشراق على الوجه، نور على الوجه، بريق على الوجه، له جاذبية بحيث أن من رآه أحبه، ومن رآه انجذب إليه من نور الإسلام وبهاء الإسلام وكثرة العبادة، وكثرة التهجد، ذلك كله يتجلى على وجهه، وكما قال ﵊: (من أسر سريرة ألبسه الله رداءها)، ورداء هذا يكون نوراً ويكون إشراقاً، ويكون حسناً، ويكون جمالاً، قال البعض: هي تلك التي تكون في الجبهة من أثر السجود على التراب والحجر، ولكن قال السلف: قد تجد تلك العلامة في بعض الناس وهم أشد قسوة على المؤمنين من الكافرين، ولكن العلامة هي نور وإشراق وحسن يتجلى على وجوه هؤلاء العابدين المؤمنين، ونرى هذا في عابديه من المؤمنين المتهجدين الزاهدين.
قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح:٢٩] ذلك نعتهم في التوراة؛ فقد ورد في التوراة ذكر رسول الله، وصفة أصحابه، قال الله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح:٢٩] أي: هذا الذي ذكر هو وصفهم ونعتهم في التوراة.
قال تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾ [الفتح:٢٩] كزرع زرعته فأخرج شطأه، والشطء: هي تلك الفروع التي تصدر عن ذلك العرق الأول، فتجده قد انضم إليه ونبتت معه الكثير من الفروع والكثير من الجذور، فتزرع نخلة وإذا بها تصبح عشر نخلات.
قال (وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ) أي: نعتهم وصفتهم في الإنجيل المنزل على عيسى، (وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ) أعطى ثمره، وخرج معه ولدانه، وخرج معه فتيانه وأفراخه، وخرجت معه تلك الفروع التي أصبحت الشجرة بها أشجاراً.
قال تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾ [الفتح:٢٩] أي: آزر الشطء الزرع فقواه وسانده ونبت معه وكاثره.
قال: ﴿فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح:٢٩] (استغلظ) أي: كبر الفرع، وكبرت معه الفروع والأفراخ، وأصبحت الشجرة أشجاراً، والفرع فروعاً.
(فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ) تم وكمل وأعطى الثمرة، وسوقه: جمع ساق، أي: استوى على ساق الشجرة التي نبت عليها وعلا بها، فأصبحت متكاثرة متآزة ناضجة تؤتي ثمرها بإذن ربها في كل حين.
قال: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ [الفتح:٢٩] يعجب الزارع أي: من زرعه، فيسر ويفرح بذلك، وأن إنتاجه لم يضع، وأن ما زرعه قد أثمر.
قال: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] ولم يقل: ليغيظ بها الكفار، أي: بالزرع والشطآن، بل استرجع الضمير للمعنى، أي: هؤلاء المؤمنون في بدايتهم ونهايتهم كالشجرة الواحدة، فقد كان محمد ﷺ هو المؤمن الوحيد، ولمدة ست سنوات في مكة ولم يؤمن معه أكثر من أربعين رجلاً، فقد ابتدأ الإيمان بـ خديجة ثم بـ علي وأبي بكر ثم تتابع الناس، وكان المؤمن واحداً فأصبحوا اثنين، فأصبحوا ثلاثة، فأصبحوا عشرة، فأصبحوا ألفاً، واجتمع في صلح الحديبية ألف وأربعمائة مؤمن، وإذا بهم يأتون بعد عامين في فتح مكة في عشرة آلاف مقاتل دون ما تركوه في المدينة، ودون ما تركوه في الجزيرة، وهكذا كان هذا الزرع واحداً فتكاثر، فاجتمعت الشطآن فغاظ الكفار نباته.
стр. 2329
تفسير سورة محمد [١ - ٣]
سميت سورة محمد باسم نبينا ﷺ لما فيها من أن الإيمان لا يتم إلا بالإيمان به، وهذا من تشريفه ﷺ .
وسميت أيضاً بسورة القتال لما فيها من ذكر القتال في سبيل الله وبعض أحكامه.
стр. 2330
تفسير قوله تعالى: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم)
قال الله ﷻ : ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ [محمد:١ - ٢].
هذه سورة محمد ﵊، وتسمى كذلك بسورة القتال، وآياتها ثمان وثلاثون آية، وهي مدنية.
وسميت باسم النبي ﵊ لما في الآية الثانية من أن الإيمان لا يتم إلا بالإيمان به ﷺ .
وسميت بسورة القتال لما ذكر فيها من القتال والحض عليه والدعوة إليه والجزاء بالجنات وبالرضا وبالشهادة لمن استشهد في سبيل الله.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:١].
أي: الذين كفروا بالله وأشركوا بجلاله ووحدانيته وصدوا عن سبيله ونفروا الناس عن الإيمان به، ودفعوهم للبعد عنه وعن الإيمان به وبأنبيائه هؤلاء يبطل الله أعمالهم ويضلها ويمحقها ويذروها حتى تصبح هباء منثوراً، فلا يقبل منهم حتى ما يعتبر إحساناً أو صلة رحم أو صدقة أو ما أشبه ذلك؛ لأن قبول هذا متعلق بالإيمان بالله، ومن لم يؤمن بالله فلن يقبل منه.
стр. 2331
تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [محمد:٢].
أي: والذين آمنوا بالله وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ﷺ ، فهؤلاء يغفر الله سيئاتهم ويكفرها ويقبل منهم، كما قال تعالى: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ)).
والمعنى: من جمع مع الإيمان بالله الإيمان بمحمد رسول الله ﷺ وما نزل عليه من كتاب ورسالة، فهؤلاء يجازيهم الله بتكفير سيئاتهم ورفع درجاتهم وإصلاح بالهم وشئونهم وأمورهم، ولا يشغل بالهم بشيء.
стр. 2332
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل)
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ [محمد:٣]: ذلك: سبب هذا، أي: سبب جزاء المؤمن بالله وبرسوله ﷺ أن تكفر سيئاته ويصلح باله، وسبب دخول من كفر بالله ولم يؤمن برسول الله ﷺ ولا كتاب الله النار أن الذين كفروا اتبعوا الباطل والذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم، فهذا سببه أن الكافر في كفره اتبع الباطل والشيطان، واتخذه إماماً وقدوة ومثالاً، وذلك سببه أن المؤمنين اتخذوا الحق واتبعوه وجعلوه ديدنهم ودينهم، والحق هو الله ورسوله ﷺ وكتابه.
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ [محمد:٣].
كذلك: أي كما بين الله وفصل حال المؤمنين والكافرين يضرب لهم الله أمثالهم، أي: أشباههم، أي: ما يشبه فيه الكافر الكافر والمؤمن المؤمن، فيتبع الكافر أمثاله والمؤمن أمثاله، هذا إلى النار وهذا إلى الجنة؛ حذو القذة بالقذة!
стр. 2333
تفسير سورة محمد [٤ - ٧]
شرع الله للمؤمنين الجهاد في سبيله وقتال الكفار، وحضهم سبحانه على ضرب رقاب الكفار عند القتال حتى إذا أثخنوهم شدوا الوثاق، ثم هم مخيرون فيهم بين القتل والاسترقاق والمن والفداء بمال أو مبادلة بأسرى.
стр. 2334
تفسير قوله تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب)
стр. 2335
معنى قوله تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب)
قال تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٤].
هذه آية القتال التي بسببها سميت السورة سورة القتال، وقد علمنا الله فيها كيف نقاتل الكفار والأعداء، فقال تعالى: ((فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ)) أي: فإذا قابلتموهم في الحرب زحفاً هم أمامكم وأنتم تجاههم فاضربوا الرقاب.
فقوله: ((فَضَرْبَ الرِّقَابِ)) نصب على أنه مفعول مطلق لفعل مقدر، والتقدير: اضربوا منهم الرقاب ضرباً، أو منصوب بالإغراء، أي: يغري الله المجاهدين المؤمنين بأن يضربوا من الأعداء رقابهم؛ لأن ضرب الرقاب أقرب إلى الموت وإلى الفناء وإلى التأديب وإلى معاملة الأعداء حسب شركهم وكفرهم بما هم له أهل، فإذا التقى الجيشان المسلم والكافر فليبادر الجيش المسلم الأعداء بضرب رقابهم وفصلها عن أماكنها؛ لأن ذلك أردع لأمثالهم وأنسب في عقوبتهم فهو يوافق ما كانوا عليه من شرك وكفر بالله.
قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد:٤].
أي: فلا ترفعوا السيف عنهم حتى تثخنوهم وتكثروا القتل فيهم وتبالغوا بالقتل حتى يموت منهم من يموت بأن تقتل كبارهم وتفنى زعماؤهم وتبقى غوغاؤهم ممن لا رأي لهم في حرب ولا إدارة ولا قتال.
والإثخان: المبالغة في القتل، والإكثار منه، أي: بالغوا في قتالهم وضرب رقابهم حتى يكثر منكم قتلهم وتبلغوا منهم قتل القادة والزعماء.
والوثاق: الرباط الذي يربط به الأسير في الحرب، أي: حتى إذا هزمتموهم وقتلتم كبراءهم واستأصلتم شأفتهم عند ذلك انتقلوا من الحرب إلى الأسر، فقد أصبح الجيش تحت قهركم وغلبتكم، أي: حتى إذا أسرتموهم وأصبحوا تحت أسركم وسلطانكم واستيلائكم ((فَشُدُّوا الْوَثَاقَ)) أي: اربطوهم ربطاً شديداً بالحبال والسلاسل وسوقهم بعد ذلك أسرى، وإياكم أن تأسروهم قبل أن تقتلوا كبارهم وضباطهم وزعماءهم؛ لأنه يوشك أن تنتهي المعركة ولا تنتهي الحرب، فينتقلون إذ ذاك من معركة إلى أخرى، ويوشك أن تنقلب الحرب عليكم بعد أن كانت لكم، فلا ترفعوا السيف عنهم حتى تكثروا من القتل فيهم، ثم بعد ذلك أسروهم وشدوا وثاقهم ورباطهم بالحبال والسلاسل بعد الحرب والأسر.
стр. 2336
معنى قوله تعالى: (فإما مناً بعد وإما فداء)
قال تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ﴾ أي: أنتم مخيرون إذ ذاك بين أن تمنوا على هؤلاء الأسرى بأن تطلقوا سراحهم مناً منكم وتفضلاً بلا فدية وبلا مبادلة وبلا استعباد وبلا استرقاق.
((وَإِمَّا فِدَاءً)) أي: وإما أن تفادوهم بأمثالكم من أسراكم أو بمال يقدمونه أو بعمل يقومون عليه.
قال تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ﴾ [محمد:٤] حتى غائية، أي: تفانوا في قتال الأعداء وضرب الرقاب منهم وإثخانهم في القتل وشدته وأسرهم وتشديد الرباط والسلاسل على أسراهم، ثم بعد ذلك فالأمر والخيار لكم بحسب ما ترونه من المصلحة، فإما أن تمنوا عليهم وتطلقوا سراحهم بلا مكاتبة وبلا عمل وبلا مال، وإما أن تفدوهم بأن تأخذوا فدية مقابل كل أسير حسب ما ترونه من المصلحة لجيشكم ولدولتكم، ويبقى هذا باستمرار حتى تضع الحرب أوزارها، أي: ليكون هذا في كل حرب وإلى نهاية الحروب في الأرض بينكم وبين أعدائكم.
والأوزار: جمع وزر بمعنى: الثقل، أي: حتى تضع الحرب وتنزل عن كاهلها أثقالها ومشاقها ومتاعبها، ويكون ذلك إما بنهاية الحرب القائمة، أو بنهاية سلسلة الحروب مع الأعداء، والحرب لن تنتهي إلى قيام الساعة بين المؤمنين والكافرين.
وقد أراد بعضهم أن يفسر: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد:٤] بأن الحرب ستنتهي، فقال النبي ﵊: (الجهاد قائم منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال)، والدجال من العلامات الكبرى لقيام الساعة، فمعنى ذلك: أن يبقى الجيش المسلم مجاهداً مقاتلاً لإعلاء كلمة الله إلى يوم القيامة.
وأما متى تضع الحرب أوزارها، فقالوا: إن ذلك عند نزول عيسى ابن مريم ﵇، والأحاديث بذلك مستفيضة ومتواترة، وعند ذلك يصبح الدين واحداً والدولة واحدة، فعيسى ﵇ سيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويخرب البيع والكنائس ويقتل اليهود والنصارى والمشركين، ولا يدع في الأرض إلا موحداً مؤمناً مسلماً يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وعند ذاك تضع الحرب أوزارها وأثقالها ومشاقها ومتاعبها، ولا حاجة للحرب بعد ذلك.
стр. 2337
معنى قوله تعالى: (ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم)
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ [محمد:٤].
(ذَلِكَ) أي: الأمر بقتال الكافرين وضرب رقابهم، والإثخان في قتلهم، ثم المن أو الفداء.
﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ أي: ولو شاء الله لما أمر بحرب ولا قتال ولانتقم من الأعداء بلا حرب ولا قتال، ولو فعل ذلك لفعله مع حبيبه وآخر أنبيائه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو لم يفعل، فقد قاتل ﵊ الأعداء، وجرح وقتل منهم، وكانت الحرب سجالاً بين المؤمنين والكافرين، يوم لهم ويوم عليهم، وهكذا إلى أن أدال الله للمسلمين وهزم الكافرين، وكانت العاقبة لنبيه ﷺ والمؤمنين.
ولكن الله فعل ذلك لحكمة، وهي ما قاله تعالى: ((لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ)) أي: ليختبر المؤمن بالكافر والكافر بالمؤمن وليفتن بعضهم ببعض، وليرى -وهو العالم قبل ذلك- من الذي سيقاتل ممتثلاً لأمر الله حتى يبذل حياته رخيصة في سبيل الله ومن سيجرؤ من الكفار فيقاتل من يقول: لا إله إلا الله، غير عابئ بشيء لا بالأوامر ولا بالزواجر والروادع الواردة عن الأنبياء وفي كتب الله، فهو يبتلي المؤمنين بالكافرين، فيعاقب الكافرين بالنار واللعنة، ويجازي المؤمنين بالجنة والرحمة.
стр. 2338
فضل الشهادة في سبيل الله
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد:٤].
أي: والذين استشهدوا في سبيل الله وقتلوا من أجل دين الله.
﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٤] أي: لن يبطلها، وسيجازيهم عليها بالجنان وبالمغفرة وبالشهادة.
فقد أمرهم الله أن يبذلوا أرواحهم في سبيله، واشتراها منهم رخيصة، فاستجابوا وباعوها، وبذلوا أنفسهم وأرواحهم فأخذوا الثمن الجنة، كما قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة:١١١].
فالمؤمن لا يملك نفسه ولا حياته، فقد باعها من الله والثمن الجنة، وهذا وعد من الله على لسان الأنبياء السابقين في الكتب المنزلة عليهم من التوراة والإنجيل والقرآن الكريم، قال ربنا: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] أي: ومن أكثر وفاء بالعهد من الله؟ أي: لا أوفى منه ﷻ .
﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة:١١١] أي: خذوا البشرى عن الله وأبشروا بهذا البيع المربح الناجح، الذي بعتم فيه أرواحكم -وهي ميتة لا محالة سواء بعتموها أو لم تبيعوها- وأخذتم ثمنها الجنة ورضا ربنا، والله لا يبطل أعمال الذين بذلوا أرواحهم في سبيل الله، وسبل الله كثيرة، منها: القتال في سبيل تحرير أوطان المسلمين، والقتال في سبيل العقيدة وقوانين الإسلام، والقتال في سبيل المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة، وكلمة الحق يقولها المسلم في وجه سلطان جائر فيقتله فيموت شهيداً، ويكون ثاني الشهداء بعد حمزة سيد الشهداء.
стр. 2339
خلاف العلماء في بقاء حكم المن والفداء في القتال
وهذه الآية الكريمة اختلف المفسرون فيها: هل هي محكمة أو منسوخة؟ فقال أبو حنيفة وطائفة معه في رواية عنه: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥] قال: وهذه الآية التي في سورة التوبة مدنية نزلت عند حجة الوداع، ولذلك فالمشهور في مذهب أبي حنيفة: أنه لا أسر ولا من، وليس إلا القتل والقتال، فالأمر بالقتال واجب لإعلاء كلمة الله وسبيله، ومن أسر فليس له إلا القتل، وليس له من ولا استرقاق ولا فداء.
وقال الإمام مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وطوائف من أئمة الاجتهاد وأعلام الإسلام: إن الآية محكمة وليست منسوخة؛ لأن الله أمر بالقتال والإثخان في القتل؛ حتى يكثر القتل في صفوف الأعداء، فتقتل القادة والزعماء والضباط، فلا يبقى إلا أتباع ورعاع لا يقودون جيشاً ولا يدبرون حرباً ولا يستطيعون إلا الامتثال لآمريهم، فهؤلاء ائسروهم وشدوا وثاق أسرهم، واربطوهم ربطاً محكماً بالحبال وبالسلاسل؛ حتى لا يفروا؛ وبعد ذلك الأمر لكم حسب مصلحتكم ومصلحة الإسلام والدولة الإسلامية والجيوش الإسلامية، فإما أن تمنوا على أسراهم فتطلقوا سراحهم بلا مقابل، وإما أن يكون ذلك مبادلة بأسرى آخرين، وإما أن تطلقوا سراحهم بالفداء من مال أو عمل أو مبادلة بأسرى لكم عندهم، ويبقى هذا مستمراً إلى أن تنتهي الحرب ويهزم العدو ويستسلم وينكس رايته ويخضع لسلطانكم وأمركم ونهيكم، وإذا لم يتم ذلك فلا ترفعوا السيف عن رقابهم ولا الأسر عن أسراهم.
هذا قول الجمهور، وهو ما كان يفعله ﵊ في حروبه، فقد أسر في غزوة بدر قبل أن يثخن في الحرب فعاتبه الله على ذلك، وهدد وأوعد الجيش الإسلامي إن هو عاد، ولولا كلمة من الله سبقت لكان الجيش الإسلامي في خبر كان، ولكان الإسلام وكأنه لم يكن، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٧ - ٦٨].
وهذه الآية نزلت في أسرى غزوة بدر، فقد انتصر ﷺ والأصحاب الكرام انتصاراً ساحقاً على أعدائهم وقتلوا وشردوا وأسروا، ولكنهم أخذوا كبار الجيش وقادة الحرب وزعماء المعركة أسرى، وكان عددهم اثنين وسبعين زعيماً، فأسرهم النبي ﵊ وشد وثاقهم واستشار فيهم أصحابه، فقال له أبو بكر: يا رسول الله! قومك، دعهم لعلهم يسلمون ويخرج من أصلابهم من يؤمن بك وينصرك وينصر دينك.
وقال عمر: يا رسول الله! اذكر صنع هؤلاء معك ومع المسلمين، شتموك وآذوك وأخرجوك، وتآمروا عليك، وقالوا عنك وقالوا، وأدموا عقبيك، وهجروك سنوات، وقتلوا من أصحابك وشردوا، وعذبوا وقتلوا، فأعط كل واحد منا قريبه يقتله؛ ليعلم الله أن ليس في قلوبنا محبة للمشركين.
وكان في الأسرى العباس عم النبي ﷺ ، وكأن عمر يقول له: أعطني أخي أقتله أنا، واقتل أنت عمك العباس، ويقتل علي أخاه عقيلاً، وهكذا بقية القادة.
وقال عبد الله بن رواحة: هذا الوادي مر بأن يملأ حطباً ثم ألقهم فيه، فسكت النبي عنهم، ودخل عريشيه، وبعد ليلة أو أكثر عاد إليهم، فقال: ليؤد كل واحد من هؤلاء الأسرى فدية لنفسه، ومن لم يكن له هذا المال فلتؤد عنه عشيرته، ومن كان قارئاً فليعلم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة.
انظر هذا العلو والحضارة ونشر العلم في الإسلام، ففي في أول معركة انتصر فيها الإسلام هذا الانتصار، جعل النبي ﷺ من مواد الصلح أن يعلم كل واحد من قرائهم عشرة من الأميين من المسلمين، وهكذا كان.
وإذا بالآية الكريمة تنزل في اليوم الثالث، وهي قوله تعالى: ((مَا كَانَ لِنَبِيٍّ)) أي: لا ينبغي لنبي ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧] أي: لا يليق به أن يتخذ أسرى وهو لم يقتل بعد ويبالغ في القتل، ويستأصل القادة والزعماء؛ لأنه قد تكون معركة حدثت ويؤسر القادة، ثم سيطلق سراحهم ويعيدونها جذعة، ويتداركون الأخطاء الماضية، وتكون العاقبة على الجيش المسلم خطيرة؛ ولذلك هدد الله وأنذر، ثم امتن وتكرم فقال: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال:٦٨] أي: لولا أن الله سبق في علمه وفي كتابه المكنون أنه ناصر دينه ونبيه لأصاب هؤلاء عذاب عظيم، أي: لهزموا، ولأصبح الإسلام والرسالة المحمدية في خبر كان، وكأنها لم تكن.
والفائدة من الآية: أن ما مضى قد عفا الله عنه تكرمة لسيد البشر ﷺ .
стр. 2340
بقاء حكم المن والفداء في الأسرى
ولكن قال تعالى لمن يأتي بعده: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد:٤] أي: إذا قابلتم عدوكم في معركة، فاضربوا منهم الرقاب، أي: قاتلوهم قتال الصناديد الأشاوس الشجعان، قتال من دخل الحرب وهو لا يريد أن يخرج منها إلا قاتلاً أو مقتولاً.
فاقصدوا في ضرب أعدائكم رقابهم؛ لكي لا يفكروا في الحياة بعد ذلك؛ لأن في قتل الكافر حياة للمسلمين، والسيف شعار للقوة، فضرب الرقاب في كل عصر بحسب سلاحه، فضرب الرقاب كان بالسيف وقتها، والسيف هو سلاح القائد، وضرب الرقاب أيضاً بالقنابل وبالصواريخ وبالمدافع وبالطائرات وبالغاز الخانق، وبكل ما يوصل إلى سحق العدو وقتله، ونصر الإسلام والمسلمين، أشخاصاً وعقيدة وأوطاناً.
والنبي عليه الصلاة السلام فعله وعمله في حروبه وفي غزواته، وهو ما فهمه الأئمة: مالك والشافعي وأحمد، وفي رواية: أنه عاد لقولهم أبو حنيفة وهو رأي الجماهير، والآية محكمة وليست بمنسوخة.
قال تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد:٤] الكافر: هو كل من لم يؤمن بالله وبرسوله ﷺ ، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد:٢] فلا يتم الإيمان إلا أن يكون مع عمل الصالحات، وإيماناً بمحمد رسول الله ﷺ .
ومعنى: ((وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ))، أي: محمد هو الحق، وما أنزل عليه من كتاب حق، والمنزل عليه حق، ﷻ وعز مقامه.
стр. 2341
ما فعله رسول الله ﷺ مع الأسرى في حروبه
والنبي ﷺ في حروبه أسر، ومنَّ، واسترق، وفدى، كل ذلك قد فعله ﵊، ففي غزوة حنين عندما أسر ستة آلاف ظعينة -أي: امرأة وطفل- من هوازن، ثم من عليهم وأطلق سراحهم بلا مقابل، وما كان قد أعطى المجاهدين من الأنصار والمهاجرين أرضاهم ﷺ وأطلق سراحهم أيضاً.
وفي غزوة بدر جعل للأسرى فداء، فيفادي بعمل أو مال، وقد أخذ الجزية من كل أسير أربعمائة دينار، ومن لم يملك هذا المال وكان مقرئاً أمره بتعليم عشرة من أميي المسلمين القراءة والكتابة، فهو فداء بمال وفداء بعمل، والاختيار وارد في قوله: (إما مناً) ومفهومه: أو لا تمنوا، وعدم المن يكون بالقتل، فلا يطلق سراح، ولا يفادى بمال، ولا بأعمال.
وفي غزوة بدر قتل ﷺ من الأسرى: عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث، وعندما قدم عقبة للقتل قال: (من للصبية يا محمد؟ قال: النار)، وهكذا كان شرعاً من رسول الله ﷺ أن المجاهدين أو قواد الجيش مخيرون بين كل ما فعله ﵊.
والقتال فرض عين عندما يهاجم العدو ديار الإسلام كحالنا اليوم، ومع ذلك نرى أن لا حرب ولا قتال، وإنما نرتع بين الشهوات والنزوات والمناكح وبناء القصور، وجمع الملايين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وما يتبع ذلك، ونسينا الله فنسينا، وسلمنا لأذل أعدائه وأحقرهم، إخوة القردة والخنازير وعبدة الطاغوت عليهم لعنات الله المتتالية.
إذاً: فالنبي ﵊ أسر، وبعد الأسر قتل، وفدى بالمال والعمل، وفدى بالمبادلة من بني عقيل، الذين أسروا منه ﷺ أسيرين، وأسر منهم أسيراً، فبادل أسيرهم بأسيرين.
واسترق ﷺ عندما حارب يهود خيبر ويهود بني قينقاع، وعشائر اليهود، وأسر منهم، فقتل من قتل واسترق من استرق، وأخرج من البلاد من أخرج؛ ولذلك فالدولة مخيرة في القتال بين أن تطرد وأن تستعبد، أو أن تمن بلا مقابل، أو أن تمن مقابل فدية من مال أو أعمال، وهكذا، فالآية محكمة واضحة صريحة، والسنة النبوية المطهرة أيدتها بالقول وبالعمل.
стр. 2342
معنى الألفاظ الواردة في آية القتال
وقوله: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد:٤] أي: إذا لقيتم الكفار في ساحة الحرب والمعركة فابتدئوا بضرب رقابهم، أي: بمقاتلهم حيث تقضون عليهم لأول هجمة لا للجرح والكسر فقط، بل للقتل والقضاء المبرم، ويبقى ذلك مسترسلاً ((حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ)) أي: إلى الإثخان والمبالغة في القتل، وقتل الزعماء والقادة والضباط والكبار.
وقوله: ((فَشُدُّوا الْوَثَاقَ)) أي: اربطوهم بالسلاسل والحبال بشكل محكم، وربط تام كي لا يفروا.
وقوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد:٤] أي: بعد الأسر والقتل والإثخان، فلكم المن أي: بأن تمتنوا عليهم وتطلقوا سراحهم، وتفادوا بهم بمال أو عمل.
وقوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد:٤] أي: حتى تضع الحرب التي أنت فيها أثقالها ونهايتها، وذلك باستسلام العدو وتنكيس الراية منه، وقبوله الخضوع لحكم الإسلام دون قيد ولا شرط.
وقوله: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ [محمد:٤] أي: ولو شاء الله لانتقم منهم بلا حرب ولا قتال، وانتصر للمسلمين بداهية تنزل على أعدائهم، إما بزلزال من الأرض، وإما بصواعق من السماء، وإما بريح عاصف.
وقوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد:٤] أي: أمر بالقتال والجهاد ليختبركم ويفتن بعضكم ببعض، ليعلم الصادق من الكاذب، والمؤمن من الكافر، وهو من قبل أعلم بهم ﷻ وعز مقامه.
стр. 2343
ضابط القتال في سبيل الله
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٤].
أي: الذين قتلوا من المسلمين في سبيل الله لا لوطن أو لقوم أو لغنائم أو لإبراز شجاعة.
وقد سئل ﷺ عن الرجل يقاتل حمية -أي: وطنية قومية- ويقاتل ليقال: شجاع وبطل، ويقاتل للغنائم، ويقاتل في سبيل الله، أيهم الذي إذا مات كان شهيداً أو في سبيل الله؟ فقال ﵊: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).
وسبل الله كثيرة، فكما قال الإمام مالك: الدفاع عن الأطفال والمستضعفين من المؤمنين، ورفع الظلم، والدفاع عن الإسلام وعن وطنه وأحكامه، والدفاع عن كل ما يمت للمسلمين والإسلام بسبب، هو في سبيل الله، ومن مات في سبيل ذلك مات شهيداً، ودخل تحت قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٤] أي: لن يبطل أعمالهم من صلاة وزكاة، وحج وأعمال صالحات، فهم في كل ذلك يجازون الجزاء الأوفى، ويدخلون الجنان؛ لأنهم الذين باعوا لله أرواحهم رخيصة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١].
باعوا الأنفس لله، وكان الثمن الجنة، ويا سعد من باع، ويا سعد من قبل الثمن، على أن الكل ميت: من باع ومن لم يبع، ومهما طال بالمرء زمن وحياة، فهو ميت لا محالة، قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
стр. 2344
تفسير قوله تعالى: (سيهديهم ويصلح بالهم)
قال تعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد:٥].
أي: سيهديهم الله إلى طريق الجنة، وإلى سواء السبيل يوم القيامة.
وقوله: ﴿وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد:٥] أي: يصلح أمورهم؛ لأن الله يغفر سيئاتهم ويكفر زلاتهم.
قال تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد:٦] أي: يهديهم إلى الجنة، ويقودهم لها.
وقوله: ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد:٦] أي: الملك الملازم له في الحياة الدنيا يكون أمامه يدخل به الجنة، فيعرفه طريقها، ويبين له قصوره ونساءه، وغلمانه وخدمه وممتلكاته فيها، وقد قال ﵊: (إن ساكن الجنة يعرفه الله الجنة، ويعرفه منازله فيها، حتى ليكون أحدهم أعرف بمنازله في الجنة من معرفة أحدكم بمنزله في دار الدنيا).
فيعرف طريقها وجنانها وقصورها وأزواجها وحور عينها.
стр. 2345
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم)
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧].
ينادي الله عباده المؤمنين، ويقول لهم: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ)) هذا وعد من الله ومن أوفى بعهده منه سبحانه؟! يقول الله للذين آمنوا: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]، وكيف نصر الله؟ يكون بأن ننصر دينه، وعباده المسلمين، ونقاتل في سبيل الله، ونبذل الحياة رخيصة له سبحانه، فإن نحن قمنا بذلك وفعلنا الشرط، حصلنا جوابه، وقد ذكر الله الشرط وجزاءه، فقال: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧] أي: إن نحن نصرنا دينه وعباده ونبيه وكتابه، وبذلنا الأرواح رخيصة في سبيله سبحانه، فإنه سينصرنا.
فإن رأيت أن الله لم ينصرنا على كثرة عددنا، حتى إننا غثاء كغثاء السيل، كما أنذر بذلك المصطفى ﵊، فبسبب أننا لم ننصر ديننا، كيف تقوم شرذمة من اليهود عبدة الطاغوت، أحقر الخلق وألعنهم عند الله فيحاربون أمة الإسلام، وهم مليار من الخلق؟! فتقوم معهم أمريكا وأوروبا وجميع دول الأرض، ومعهم جميع الشياطين والقردة، أما من كان الله معه فلا يحتاج لسواه، ومن كانت نصرة الله معه فلن ينتظر ويحتاج لنصر أحد، كما قال بعضهم: ومن تكن برسول الله نصرته إن تلقه الأسد في آجامها تجم فمن سينتصر بالله وبرسوله وبدينه، إن تلقه الأسود والوحوش الضارية في الغاب؛ فإنها تفر وتخاف منه، وهكذا الأمر، ولكننا عندما كنا غثاء لم ننصر الله في شيء، لا في عقيدة، ولا في وطن، ولا في عباد صالحين، ولا في مستضعفين من رجال ونساء وولدان، وما يفعله العدو يهودياً كان أو نصرانياً من منكر نفعله ونزيد عليه، فهو تبرج وخرج بعوراته مكشوفة، والمسلمون فعلوا ذلك، واليهود والنصارى كفروا بالله واتبعوا طواغيتهم، والمسلمون تركوا دين الله وقيادة رسول الله وكتاب الله خلفهم ظهرياً، واتبعوا كل شيطان مارد: من شيوعي وبهائي ووجودي، ومن بقية ملل الكفر من اليهود والنصارى والمنافقين.
ومنا من يقول: لم نصر الله العدو ولم ينصرنا؟ ف
الجواب
لم ينصرنا لأننا لم ننصره تعالى، لم نكن مسلمين حقاً، لم نبذل الأرواح رخيصة في سبيله، غدرنا ونكثنا بالعهد، والمفروض في كل مسلم أن الله اشترى منه نفسه وحياته، وبذل له الثمن الجنة، فنحن بذلت لنا الجنة وبعنا أنفسنا، ثم عدنا فاسترجعناها وأعطيناها لليهود والنصارى، يستبيحون الأعراض والأديان والأموال، ويستبيحون الكرامة والشرف، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧].
ينادي الله عباده المؤمنين، يحضهم ويحرضهم على نصرة دينهم، وكتاب ربهم، ونبيهم ﵊، فإن هم فعلوا نصرهم الله في دنياهم على عدوه وعدوهم.
وقوله تعالى: ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧] أي: يثبتكم على الإسلام، وعلى الهداية والصلاح والتقى، لتكونوا كمن رسخت قدمه لا يخاف زعزعة ولا ميلاً، ولا ردة ولا انفراطاً، وعن نبي الله ﵊ أنه قال: (من بلغ ذا سلطان حاجة من لم يستطع تبليغها ثبت الله قدمه على الصراط يوم القيامة).
وهذا من ذاك، فمن كان عوناً للمسكين الذي لا يستطيع الاتصال بذي السلطان ليرفع إليه شكواه ومطالبه، ثبت الله قدمه على الصراط، فلا يزل ولا يقع.
стр. 2346
تفسير سورة محمد [٨ - ١٤]
عندما يذكر الله تعالى في القرآن الكريم أوصاف المؤمنين يتبع ذلك بذكر أوصاف الكافرين، فكأنه يعقد مقارنة بين حياة المؤمن في الدنيا وجزائه في الآخرة من جهة، وبين حياة الكافر في الدنيا وجزائه في الآخرة من جهة أخرى، وأنه يأكل في الدنيا ويتمتع كما تفعل الأنعام والدواب.
стр. 2347
تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا فتعساً لهم وأضل أعمالهم)
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٨].
أي: ما تقدم صفة المؤمنين، وهذه حال الكافرين، فقوله تعالى: ((فَتَعْسًا لَهُمْ) أي: فهلاكاً ودماراً وخيبة لهم، وهذا دعاء من الله عليهم بالخيبة والدمار والتعاسة والشقاوة.
وقوله تعالى: ((وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)) أي: أبطلها ولم يقبلها، وضرب بها وجوههم.
стр. 2348
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم)
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩].
لم أتعسهم الله وأشقاهم وأبعدهم عن رحمته؟ لأنهم كرهوا ما أنزل الله، أي: كرهوا كتاب الله والعمل بما جاء به، وكرهوا الرسالة والرسول، وطاعتها وطاعته، وكرهوا الإيمان والصلاح والتقوى، فكان الجزاء أن أحبط الله أعمالهم، أي: أضلها وأضاعها، وجعلها هباء منثوراً.
стр. 2349
تفسير قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم)
قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد:١٠].
يقول تعالى عن هؤلاء: أليست لهم أقدام يسيرون بها على الأرض، ويتجولون ويسيحون بها فيرون عاقبة الأمم والشعوب قبلهم ممن كفروا بالله، وخرجوا عن دينه، ويرون كيف دمر الله عليهم؟ يقال: دمره، ودمر عليه، والتدمير: الهلاك والاستئصال.
ففي الآية أمر للكفار بأن يضربوا في الأرض، وينظروا إلى آثار من مضى من الأمم الكافرة والشعوب الضالة، التي لا تزال آثارها في الأرض، ممن أغرقهم الله وأرسل عليهم زلازل، وريحاً عقيماً، وجعل أرضهم عاليها سافلها، وأخذتهم الصيحة، وكأنهم لم يغنوا بالأمس، فآثار هؤلاء لا تزال ماثلة للعيان، يراها كل من وصل لأرضهم ووقف على آثارهم فيتعظ بذلك، ويتأمل كيف فعل الله بهؤلاء الذين أرسل الله إليهم رسله عليهم الصلاة والسلام، فكذبوهم، وكذبوا كتبهم، وكيف دمر الله عليهم دورهم وقراهم وحضارتهم، فكأنهم لم يكونوا يوماً.
وقوله تعالى: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد:١٠] هذا مغزى الآية الذي لفت الله الأنظار إليه، أي: كذلك يفعل بأمثالهم من الكافرين الذين يأبون إلا الكفر والعصيان، وإلا الردة والاستمرار على الوثنية والشرك، فهؤلاء يوشك الله أن يعاملهم معاملة من سبقهم من الأمم التي كفرت كفرهم وأشركت شركهم.
стр. 2350
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم)
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١].
كان هذا في نصر الله للمؤمنين وخذلانه للكافرين، أي: أن الله مولى الذين آمنوا، وناصرهم ومؤيدهم وراحمهم في دنياهم وأخراهم، وأن الكافرين لا معين لهم ولا ناصر من دون الله.
ُمُحِصَّ المسلمون في غزوة أحد نتيجة مخالفة الرماة لأمر رسول الله ﷺ ، وذلك حين أمرهم بأن يبقوا على رأس الجبل، لا ينزلون منه ولو رأوا الصحابة يقطعون، ولو رأوا الغنائم تكاد أن تعلو التلال والجبال فليلزموا مواقعهم، ولكنهم خالفوا، فرأوا الغنائم وأن النصر لهم في البداية، فتركوا الجبل ونزلوا إلى الأرض ليأخذوا الغنائم، وإذا بصوت أبي سفيان: احتلوا الجبل الذي كان موقعاً حربياً من قبل جند الإسلام، فدالت الدولة وانقلبت المعركة على المسلمين، وقتل من قتل، ومثل بمن مثل، كـ حمزة عم النبي ﷺ ، وجرح رسول الله ﷺ وكسر رباعيتيه فداه نفسي وأهلي وولدي ومالي.
وبعد نهاية المعركة وقف أبو سفيان رئيس الكفر وقائد جيش الكافرين المهاجم للمدينة فقال: أفيكم محمد؟ أفيكم أبو بكر؟ أفيكم عمر؟ فلم يجبه أحد.
فقال: قد كفيتم هؤلاء وماتوا.
فإذا بـ عمر يقول له: كذبت يا عدو الله! فلك من هؤلاء يوم، فعاد فقال: يوم بيوم بدر، أي: هزموا في معركة بدر، وهم الآن يهزمون في معركة أحد، فقال: يوم بيوم، وستجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني، ثم عاد فأخذ يرتجز، ويقول: اعل هبل، اعل هبل -وهبل أحد أصنامهم- فقال النبي ﵊: (أفلا تجيبوه) فقالوا: بماذا نجيبه؟ فقال: (قولوا: الله أعلى وأجل).
وقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال لهم النبي ﷺ : (أجيبوه: الله مولانا ولا مولى لكم).
وهكذا يقول ربنا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١] فالمؤمنون الله مولاهم وناصرهم، ومعينهم، والكافرون همل لا ناصر لهم ولا معين ولا مساند من قضاء الله وأمره، فهم أذل من ذلك وأحقر.
следующие страницы →