← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

تفسير سورة محمد [٨ - ١٤] عندما يذكر الله تعالى في القرآن الكريم أوصاف المؤمنين يتبع ذلك بذكر أوصاف الكافرين، فكأنه يعقد مقارنة بين حياة المؤمن في الدنيا وجزائه في الآخرة من جهة، وبين حياة الكافر في الدنيا وجزائه في الآخرة من جهة أخرى، وأنه يأكل في الدنيا ويتمتع كما تفعل الأنعام والدواب.

стр. 2347

تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا فتعساً لهم وأضل أعمالهم) قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٨]. أي: ما تقدم صفة المؤمنين، وهذه حال الكافرين، فقوله تعالى: ((فَتَعْسًا لَهُمْ) أي: فهلاكاً ودماراً وخيبة لهم، وهذا دعاء من الله عليهم بالخيبة والدمار والتعاسة والشقاوة. وقوله تعالى: ((وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)) أي: أبطلها ولم يقبلها، وضرب بها وجوههم.

стр. 2348

تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩]. لم أتعسهم الله وأشقاهم وأبعدهم عن رحمته؟ لأنهم كرهوا ما أنزل الله، أي: كرهوا كتاب الله والعمل بما جاء به، وكرهوا الرسالة والرسول، وطاعتها وطاعته، وكرهوا الإيمان والصلاح والتقوى، فكان الجزاء أن أحبط الله أعمالهم، أي: أضلها وأضاعها، وجعلها هباء منثوراً.

стр. 2349

تفسير قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد:١٠]. يقول تعالى عن هؤلاء: أليست لهم أقدام يسيرون بها على الأرض، ويتجولون ويسيحون بها فيرون عاقبة الأمم والشعوب قبلهم ممن كفروا بالله، وخرجوا عن دينه، ويرون كيف دمر الله عليهم؟ يقال: دمره، ودمر عليه، والتدمير: الهلاك والاستئصال. ففي الآية أمر للكفار بأن يضربوا في الأرض، وينظروا إلى آثار من مضى من الأمم الكافرة والشعوب الضالة، التي لا تزال آثارها في الأرض، ممن أغرقهم الله وأرسل عليهم زلازل، وريحاً عقيماً، وجعل أرضهم عاليها سافلها، وأخذتهم الصيحة، وكأنهم لم يغنوا بالأمس، فآثار هؤلاء لا تزال ماثلة للعيان، يراها كل من وصل لأرضهم ووقف على آثارهم فيتعظ بذلك، ويتأمل كيف فعل الله بهؤلاء الذين أرسل الله إليهم رسله عليهم الصلاة والسلام، فكذبوهم، وكذبوا كتبهم، وكيف دمر الله عليهم دورهم وقراهم وحضارتهم، فكأنهم لم يكونوا يوماً. وقوله تعالى: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد:١٠] هذا مغزى الآية الذي لفت الله الأنظار إليه، أي: كذلك يفعل بأمثالهم من الكافرين الذين يأبون إلا الكفر والعصيان، وإلا الردة والاستمرار على الوثنية والشرك، فهؤلاء يوشك الله أن يعاملهم معاملة من سبقهم من الأمم التي كفرت كفرهم وأشركت شركهم.

стр. 2350

تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم) قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١]. كان هذا في نصر الله للمؤمنين وخذلانه للكافرين، أي: أن الله مولى الذين آمنوا، وناصرهم ومؤيدهم وراحمهم في دنياهم وأخراهم، وأن الكافرين لا معين لهم ولا ناصر من دون الله. ُمُحِصَّ المسلمون في غزوة أحد نتيجة مخالفة الرماة لأمر رسول الله ﷺ ، وذلك حين أمرهم بأن يبقوا على رأس الجبل، لا ينزلون منه ولو رأوا الصحابة يقطعون، ولو رأوا الغنائم تكاد أن تعلو التلال والجبال فليلزموا مواقعهم، ولكنهم خالفوا، فرأوا الغنائم وأن النصر لهم في البداية، فتركوا الجبل ونزلوا إلى الأرض ليأخذوا الغنائم، وإذا بصوت أبي سفيان: احتلوا الجبل الذي كان موقعاً حربياً من قبل جند الإسلام، فدالت الدولة وانقلبت المعركة على المسلمين، وقتل من قتل، ومثل بمن مثل، كـ حمزة عم النبي ﷺ ، وجرح رسول الله ﷺ وكسر رباعيتيه فداه نفسي وأهلي وولدي ومالي. وبعد نهاية المعركة وقف أبو سفيان رئيس الكفر وقائد جيش الكافرين المهاجم للمدينة فقال: أفيكم محمد؟ أفيكم أبو بكر؟ أفيكم عمر؟ فلم يجبه أحد. فقال: قد كفيتم هؤلاء وماتوا. فإذا بـ عمر يقول له: كذبت يا عدو الله! فلك من هؤلاء يوم، فعاد فقال: يوم بيوم بدر، أي: هزموا في معركة بدر، وهم الآن يهزمون في معركة أحد، فقال: يوم بيوم، وستجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني، ثم عاد فأخذ يرتجز، ويقول: اعل هبل، اعل هبل -وهبل أحد أصنامهم- فقال النبي ﵊: (أفلا تجيبوه) فقالوا: بماذا نجيبه؟ فقال: (قولوا: الله أعلى وأجل). وقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال لهم النبي ﷺ : (أجيبوه: الله مولانا ولا مولى لكم). وهكذا يقول ربنا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١] فالمؤمنون الله مولاهم وناصرهم، ومعينهم، والكافرون همل لا ناصر لهم ولا معين ولا مساند من قضاء الله وأمره، فهم أذل من ذلك وأحقر.

стр. 2351

تفسير قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار) قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد:١٢]. يقارن الله بين حياة المؤمن وحياة الكافر. فيقول عن المؤمن: ((إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا)) أي: آمنوا بالله رباً، وبكتابه ودينه ورسله. وقوله تعالى: ((وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) أي: ضموا إلى الإيمان بالله عملاً صالحاً، من القيام بالأركان من صلاة وصيام وحج وزكاة وغيرها. فهؤلاء الذين آمنوا بالله وعملوا الصالحات جزاؤهم عند ربهم أن يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، فيكرمهم بجنات لا جنة واحدة، جنات تجري من تحتها الأنهار، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. أما الكافر فقال تعالى عنه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ﴾ [محمد:١٢]. أي: الذين كفروا بالله يتمتعون في دنياهم تمتع الدواب والأنعام، فيأكلون كما تأكل ويعيشون كما تعيش، لا هنأ لهم في الحياة ولا هدف ولا غاية، إلا أن يملئوا البطون ويرغبوا الفروج، ويلبسوا الظهور، ولا فكر في آخرة ولا في عبادة، ولا في الله ﷻ ، وما أنزله من كتب وملائكة ورسل، وحال هؤلاء كما يقول عنهم النبي ﷺ : (المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء). فالمؤمن يأكل ليعيش، والكافر يعيش ليأكل. المؤمن يعيش ويحتاج في العيش لزاد يتزود به لعبادة ربه وامتثال أمره، ولطاعة نبيه وامتثال أمره، وليتم ذلك فليأكل ليعيش للعبادة. وأما الكافر فهدفه من الحياة الأكل والشرب والظهر والفرج، ولا شيء سوى ذلك، يعيشون هملاً مع أنفسهم، لا يفكرون فيما سوى بطونهم وفروجهم وظهورهم، يعيشون للمتعة وللذة زائلة وحياة غير دائمة، فلا يفكرون في اليوم الآخر ولا في العرض على الله، وكأنهم الأنعام والدواب، بل الأنعام أشرف منهم، وهم أضل منها، كما قال الله: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩] فهم أبعد عن المنطق، وعن الخير، فلا يحرمون حراماً ولا يحلون حلالاً، والأنعام نستفيد من بطونها وظهورها وأوبارها وضروعها، وهؤلاء يكونون كلاً على الناس، وجودهم في بطن الأرض خير لهم من ظهرها، فلا ينتج عنهم إلا الضرر والشقاء وأذية الإنسان. وقوله تعالى: ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] أي: هؤلاء مقامهم ومثواهم ومنزلتهم يوم القيامة النار، جزاء وفاقاً لكفرهم وخروجهم عن أمر الله ودينه.

стр. 2352

تفسير قوله تعالى: (وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك) قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد:١٣]. عندما اضطر نبي الله ﵊ للخروج من مكة، أعلن الكفار أن من جاء به حياً وميتاً فله مائة ناقة، دية قتيل من الناس، ولذا ذهب إلى غار ثور يختفي أياماً ليتابع رحلته ومسيرته إلى دار الهجرة المدينة المنورة، وصل للغار متألماً حزيناً، وخاطب مكة قائلاً: (ما أحبك إلى الله، وما أحبك إلي، ولولا أن المشركين أخرجوني منك لما خرجت) فأنزل الله عليه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد:١٣]. قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [محمد:١٣] أي: كم من قرية، أو كم من مدينة أهلها أشد سلطاناً وأكثر غنى، وأوسع حضارة من قريتك ومن بلدك التي أخرجت منها، ومع ذلك أهلكناهم ودمرناهم، وجعلناهم عبرة للمعتبر. فهؤلاء الذين أخرجوك لقد كانوا أقل ممن سبقهم شأناً وأضعف سلطاناً وأقل حضارة، فلا يعجزوننا، كيف ولم يعجزنا من هم أشد منهم قوة وأكثر سلطاناً، عندما أخرجوا نبيهم، وكفروا بدينه، وكذبوا كتابه، والرسالة المرسل بها أنبياؤهم. وقوله تعالى: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد:١٣] أي: فلم يكن لهم ناصر، وأصابهم منا الدمار من غرق ومن جعل الأرض عاليها سافلها، ومن رياح عقيمة ومن صواعق من السماء، وزلازل من الأرض، فلم يجدوا ناصراً ولا معيناً ولا مسانداً ينصرهم من أمر الله وقضائه، وهيهات هيهات أن ينصر مشرك وعدو لله!

стр. 2353

تفسير قوله تعالى: (أفمن كان على بينة من ربه) قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٤]. يا رسول الله، يا محمد، يا أنصاره من الموحدين المؤمنين، اضربوا مقارنة ومثالاً: هل من آمن بالله على بينة من ربه، وآمن بكتاب الله، أصلح أم الذين زين لهم الشيطان سوء عملهم فظنوا أنهم على شيء وهم ليسوا على شيء؟ أهؤلاء خير أم أولئك؟ فكانت نتيجة من أبطل الله أعمالهم وأحبطها وقضى عليها، أن أعمالهم التي حفظوها لأنفسهم من صدقة وصلة رحم وعطف على مسكين ونحوها قد جعلها الله هباء منثوراً؛ لأنها أعمال لم يرد بها وجه الله، ولو أريد بها وجه الله لآمن أصحابها بالله وأطاعوه في أمره، واجتنبوا نهيه. وقوله تعالى: ((وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ)) أي: جعلوا إلههم هواهم، واتبعوا ما تقوله لهم أهواؤهم من شهوات ونزوات وفسوق وعصيان، فلم يشرعوا إلا في الباطل، ولم يطيعوا الله يوماً، ولم يقولوا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، عاشوا أنعاماً دواب، وبقوا كذلك، إلههم هواهم، لا يحللون ولا يحرمون. أفيمكن أن يسوى أولئك الدواب والأنعام بذاك المؤمن الذي آمن بالله إيماناً مبنياً على أدلة عقلية ونقلية، وعبد الله على يقين، ولم يتبع هوى، ولم يعش لا لبطن ولا فرج، كعيشة الدواب والهوام والأنعام؟

стр. 2354

تفسير سورة محمد [١٥ - ١٩] يصف الله تعالى جنته وما أعد فيها للمؤمنين من النعيم المختلف، فكلما ذاقوا نعيماً انتقلوا إلى غيره فوجدوه خيراً منه، ومن ذلك ما جعل الله فيه من أنهار الماء والخمر والعسل واللبن التي يحصل شاربها على منتهى اللذة دون أذى. وفي المقابل أعد لأهل النار ماء من حميم يقطع أمعاءهم، وذلك جزاء نفاقهم وكفرهم وإعراضهم عن سماع الحق والعلم بشهادة التوحيد.

стр. 2355

تفسير قوله تعالى: (مثل الجنة التي وعد المتقون) قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥]. هذه الآية الكريمة يصف الله فيها ما جعل في الجنة التي وعد بها المؤمنين الصادقين، الذين اتقوا الله في عقيدتهم وفي أعمالهم، فجعلوا بينهم وبين الحرام وقاية وحاجزاً وأطاعوا ربهم ونبيهم، وعملوا الصالحات مما أمروا به، واجتنبوا الفواحش ظاهرها وباطنها، وعاشوا وماتوا في سبيل الله. فالجنة التي وعد الله هؤلاء وأمثالهم، أخذ الله يصفها بقوله: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد:١٥] الحياة بلا ماء لا تكاد تؤنس ولا تسر ولا تقر العين. والله يصف ما أكرم به المؤمنين في منازلهم الدائمة في جنات عدن فقال: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد:١٥]. قوله: (غير آسن): أسن يأسن إذا تغير وأنتن، ففي الجنة مياه غير منتنة، ولا متغيرة، فليست كالماء الذي يركد في بقعة أو في آنية، وإذا به مع مرور الزمن والوقت يتغير وينتن ويستكره شرباً واستعمالاً، أما هذه الأنهار التي في الجنة فليست كذلك، بل هي في صفاء الدر، وفي برد الثلج، وفي لذة المياه التي تلذ شديد العطش في أرض حر. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد:١٥]. أي: وفيها أنهار جارية من اللبن الذي لم يتغير طعمه، وعادة اللبن إذا مضت عليه فترة أنه يحمض ويتغير وينماع ويذهب دسمه، أما هذا فيبقى أبيض دسماً، غير متغير الطعم، بل هو من ألذ ما يشرب الإنسان ويتذوق. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد:١٥]. أي: وفيها الأنهار من الخمر، والخمر الذي تسمى في الدنيا خمراً، لكن خمر الآخرة ليست كخمر الدنيا، فليس لها صداع ولا مرارة ولا قذارة، ولم تعجن بالرجل ولا اتسخت باليد، وليس فيها ما ينزف العرق والصحة ويشق على الإنسان، وإنما هي خمر لذة للشاربين، ومعنى: (لذة) أي: لذيذة بمعنى: أنها لذيذة للشارب، فلا يجد لها صداعاً، ولا ألماً، ولا مرارة، ولا وساخة ولا قذارة، بل هي من أصفى وألذ وأصح ما يكون. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد:١٥]. أي: وفيها الأنهار السائحة الجارية من عسل مصفى، لم تصفه نار، ولكن هكذا خلقه الله مصفى، ليس فيه قذارة، وليس فيه أرجل ولا أجنحة للنحل، وكما قال ﵊: (في الجنة بحور: بحر من ماء، وبحر من خمر، وبحر من لبن، وبحر من عسل مصفى، وتجري من هذه البحار جداول وأنهار سائحة على أبواب قصور ومنازل سكان الجنة وأهلها). ولبنها أيضاً لم يخرج من ضروع الأنعام، والعسل لم يخرج من بطون النحل، والخمر لم يخرج من شجر أو غيره، ولم يشعل ولم يستخدم بالأقدام، ولكن الله خلق ذلك في أرض الجنة لسكانها، كما خلق المياه والعسل، واللبن كذلك، يقول أنس بن مالك ﵁: (ليست أنهار الجنة تجري في أخدود من الأرض، ولكنها سائحة حافتها جبال من لؤلؤ، وطينها المسك الأذفر)، وهذا من النوع الذي يقول عنه العلماء: لا مجال فيه للرأي، أي: لم يكن أنس ليقوله إلا إن سمعه من رسول الله ﵊.

стр. 2356

جماع وصف الجنة هذه الأنهار التي خلقها الله في جنته، هي جزء من نعوتها وصفاتها، وإلا فقد أجمل الله وقال: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧١] حتى إن بدوياً قال: (يا رسول الله! إني أحب الخيل، أفيها الخيل؟ قال: إن دخلت الجنة ستجد الخيل، وتركب حيث شئت فيها. وقال آخر: يا رسول الله! إني أحب الإبل، فهل أجد في الجنة الإبل؟ قال: نعم، إذا دخلت الجنة ركبت من الإبل ما تشاء)، وهذا ما أجمله الله وعممه دون تفاصيل. وقوله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ [الزخرف:٧١]، هذا ما زاده تفسيراً وبياناً رسول الله ﷺ حيث يقول: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر). وشربة ماء من حوض رسول الله ﷺ لا يعطش الإنسان بعدها أبداً، لونه أشد بياضاً من اللبن، وأكثر حلاوة من العسل. وهذا من تفاصيل ما في الجنة من نعيم. ففيها ما لا عين رأت، والإنسان في الدنيا رأى بعض ما ذكر فيها، فقد شربنا الماء ولا نستغني عنه، وشربنا اللبن ولا نستغني عنه، وكذلك العسل ولا نستغني عنه، وأعاذنا الله من خمر الدنيا، ولكن النبي يقول ﵊: (ما لا عين رأت) ونحن قد رأينا هذا، (ولا أذن سمعت) وقد سمعنا به، (ولا خطر على قلب بشر) ومعنى هذا: ما قاله حبر القرآن ابن عم رسول الله ﷺ عبد الله بن عباس ﵁: (كل ما ذكر الله في جنته ليس منه في الدنيا إلا الأسماء) أما المسميات فهي في الآخرة غير ما يخطر بالبال، وغير ما رأت العين، وغير ما سمعت الأذن، وهذا يتم بياناً وشرحاً وتفسيراً لحديث رسول الله ﷺ : (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر). وقال ﷺ : (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه في أوسط الجنة، وفي أعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن). قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد:١٥]. فهذه أنهار الماء والعسل والخمور والألبان لهم مع ذلك وفوقه المغفرة من ربهم، يغفر الله ذنوبهم وآثامهم، وما ملّكهم الجنة، وجعلهم من أهلها حتى غفر ذنوبهم، وكشف كروبهم، وأزال سيئاتهم. ولهم فيها من الثمار ما لا يخطر ببال إنسان، كذلك في أرضنا يوجد من الثمار والفواكه ما ليس في أرض أخرى، وقد رأيت في آسيا القصوى وفي أقطار أخرى بعيدة وقريبة من الفواكه والثمار ما لم يُعرف في بلاد العرب، وهو من ألذ ما يؤكل، ومن ألذ ما تتمتع به النفس؛ أما الآخرة ففيها من أنواع الثمار والفواكه بجميع أشكالها ومما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، مع مغفرة الله وتكفيره لسيئات أهل الجنة، وما أدخلهم حتى كفّر سيئاتهم، وغفر لهم ذنوبهم. قال تعالى: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥]. أي: فمن هو خير؛ أهذا الذي دخل الجنان وكان له فيها من الأنهار أنواع وأشكال، وغفر الله ذنبه وستر عيبه وكشف كربه، أم الكافر الذي إذا دخل النار سُقي من الحميم الشديد الغليان الذي إذا شربه قطّع أمعاءه وخرج من دبره؟ وهكذا كلما نضجت جلودهم بُدلوا جلوداً غيرها؛ ليذوقوا العذاب وليزدادوا عذاباً وعقاباً جزاءً وفاقاً على كفرهم وشقاقهم في دار الدنيا.

стр. 2357

تفسير قوله تعالى: (ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك) قال ربنا ﷻ : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٦] قوله: ((وَمِنْهُمْ)) أي: من أنواع الكفّار المنافقون الذين يظهرون الإيمان مظهراً ويخفون الكفر باطناً. ((مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ)) أي: يحضر مجلسك، ويدخل مسجدك، ويسمع خطبك ومواعظك، وأوامرك ونواهيك، حتى إذا خرج من مجلسك وقد سمعك تشتم المنافقين وتذل الكافرين، وتذكر ما أعد الله لهم في الآخرة من عذاب ومحنة إن بقوا على ذلك ولم يتوبوا، أخذ يسأل أولي العلم: ماذا قال آنفاً؟ يقصدون رسول الله ﷺ . وقد سألوا عبد الله بن مسعود كما قال عن نفسه، وسألوا عبد الله بن عباس كما قال عن نفسه، وسألوا غيرهما. قوله: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد:١٦] أي: ماذا قال رسول الله الآن؟ آنفاً: أي في الزمن الحاضر، وهو من الأنف، وأنف كل شيء أوله، ومنه الروض الأنف للإمام السهيلي الأندلسي. ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد:١٦] وهم يسألون سؤال المستهتر الذي لم يلق بالاً ولم يكن يهتم بما يقول رسول الله؛ لأنه ليس بمؤمن؛ بل منافق وكاذب، فهو عندما يخرج يكشف عن نفسه: ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم تكشفه فلتات لسانه، ونظرات عينيه، وحركات شكله في وجهه ومقاطعه. قال تعالى عن هؤلاء: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٦]. أي: أولئك المنافقون المستهترون الذين تظاهروا بالإسلام كذباً ونفاقاً، وحضروا مجالس رسول الله ﷺ ، واستهتروا بها، ولم يعطوها أذناً صاغية، وعندما خرجوا أخذوا يتساءلون سؤال المستهتر غير المصدّق الكاذب المنافق؛ فقال الله عنهم: ((أُوْلَئِكَ)) أي: هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات ((الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ)) أي: طبع الله عليها بأقفالها فلا يفقهون ولا يعون ولا يهتدون، زادوا ضلالاً على ضلال، وركبهم الجهل فوق الجهل، وأصبح جهلهم وكفرهم مركباً، هؤلاء الذين اتبعوا أهواءهم ونزواتهم وشهواتهم لم يتبعوا الله، ولم يؤمنوا برسول الله، ولم يطيعوا أمراً لا في كتاب ولا في سنة، أولئك عبدة الأهواء، أولئك الذين إلههم هواهم. أولئك الذين طبع الله على قلوبهم فلا يعون ولا يفقهون، كانوا من الضلّال أزلاً، وكانوا من الكفار، حيث سجّلوا كذلك في اللوح المحفوظ.

стр. 2358

تفسير قوله تعالى: (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم) قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]. ((وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا)) أي: والمؤمنون الذين اهتدوا إلى طريق الهداية، فآمنوا بالله، وبرسول الله، وبكتاب الله، فهؤلاء زادهم الله هدى وإيماناً، وعلماً وتوفيقاً، وزادهم إنارة قلب وسعة صدر، وزادهم فهماً ووعياً لكتاب الله وحديث رسول الله. قوله: ((وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ)) أي: أكرمهم بالتقوى، وأثابهم عليها، وجزاء التقوى الجنة، هؤلاء هم الذين وعدوا بالجنة التي مضى الكلام عليها آنفاً بأنهارها وثمارها.

стр. 2359

تفسير قوله تعالى: (فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة) قال ربنا ﷻ : ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد:١٨]. قال الله عن هؤلاء الذين التزموا الكفر وأصروا عليه، وثبتوا عليه، ماذا ينتظرون في التوبة؟ وماذا ينتظرون في العودة عن كفرهم؟ ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: فهل ينتظر هؤلاء إلا أن يُفاجئوا بغتة بقيام الساعة. وقوله: ((فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا)) أي: فإن لم تأتهم الساعة بعد فعلاماتها وأماراتها وأشراطها قد أتت، قال هذا ربنا، والقرآن لا يزال ينزل على قلب نبينا ﵊ في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وكان هو ﷺ من أشراطها الأولى، كما جاء في حديث سهل بن سعد الساعدي كما في صحيح البخاري قال: قال رسول الله وأشار بالوسطى والتي تلي الإبهام: (بُعثت والساعة كهاتين) فما بين الساعة وإرسال رسول الله وبعثته إلا كما بين السبابة والوسطى. وقل لي: كم مضى في السبابة من قرن وكم بقي من الساعة؟ ذلك مما لا سبيل إليه، فعلم الساعة مما استأثر الله به، ولا يعلمها إلا هو. وعندما سئل المصطفى ﷺ من جبريل، وقد أتاه إلى المسجد النبوي في صورة الرجل الغريب، جميل الثياب -أبيضها ونظيفها- فجلس بأدب بين يدي رسول الله ﷺ ، وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ويديه على فخذيه، وأخذ يسأل: يا محمد! ما الإيمان؟ فأجاب، ما الإسلام؟ فأجاب، ما الإحسان؟ فأجاب، وهو الحديث المشهور في الصحاح وأمهات السنن، يُقال عنه: حديث عمر، وحديث جبريل، ثم سأل عن الساعة؟ فأجاب: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) أي: لست أعلم منك بها، فعلمي كعلمك قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف:١٨٧] ﷻ ، وعزّ مقامه. ولكن أشراطها -جمع شرط- أي: علاماتها وأماراتها، وهي ما سأل جبريل رسول الله ﵊ فقال: (ما أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة الرعاة الشاه يتطاولون في البنيان). وقال أنس في روايته كما في صحيح البخاري: (ومن شرائط الساعة أن يُرفع العلم، ويكثر الجهل، وينتشر الزنا، ويكثر شرب الخمر، وأن تكثر النساء ويقل الرجال حتى يُصبح للرجل الواحد خمسون امرأة). وكل هذا قد ابتدأ في عصرنا وفي عصور مضت، وأكثر سكان الأرض النساء، حيث تذكر الصحف دوماً في الإحصائيات الدولية الشعوبية أن أكثر الناس النساء، ومنذ يومين قرأت عن روسيا أن النساء تزيد فيها عن الرجال بثلاثين أو أربعين مليون امرأة، وبعضهن لا يجدن رجلاً حتى في الفساد والزنا؛ ولهذا عندما شرّع الله ﷻ شريعة الإسلام أباح للرجل أربع نساء وقال: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] أباح الأربع وأذن بها، وأباح ملك اليمين. ونحن في عصر لو وزّعت أربع نسوة على كل رجل لبقيت الملايين لا يجدن رجلاً، ولا ينفع بعد ذلك إلا ملك اليمين، ولا تكون ملك اليمين إلا بعد حروب تنتصر بها الجيوش الإسلامية، ويجعلونهن جواري وإماءً، وذاك لخيرهن وصيانتهن وعيشهن وسترهن، والحفاظ على كفالتهن. وأكثر ما يكون النساء في ديار الكافرين، وإن كانت بعض ديار المسلمين أخذت تلحق بهم، فنجد أكثر من خمسين في المائة لقطاء لا والد لهم، أباحوا الزنا قانوناً، وشرّعوه دستوراً، وأباحوا العشيقة، ونشروا الزنا مباحاً، فانتشرت بذلك البلايا والمصائب؛ ولذلك انتشر مجموعة من الغلمان الذين نشئوا بلا عطف، لأنهم فقدوا عطف الأب وبعضهم فقد عطف الأب والأم، فعاشوا في الشوارع عيشة الكلاب الضارية، وعيشة الخنازير السائبة، فكثر حقدهم بعد أن ميّزوا ذلك وأدركوه على كل رجل وامرأة، فظهر فيهم الفساد. وكانت قوانين الأرض والسماء لا تُبيح معاقبة من لم يبلغ الرشد بعد، ولكن ما يحصل عن هؤلاء من أنواع الفساد والإجرام قتلاً وتعذيباً وتحريقاً وإفساداً لم يصدر مثله من الكبار، فتحايلوا على القوانين وجعلوا سجوناً، وقالوا عنها: دور الأحداث ودور التأجيل، وهي سجون فيها من أنواع العذاب ما لا يوجد في سجون الرجال، وهؤلاء الذين نشئوا نتيجة الفاحشة ونتيجة فساد المجتمعات كانوا لعنة آبائهم وأُمهاتهم في هذه الأرض. ومن هنا نرى حديث أنس، وأن من أشراط الساعة أن يكون للرجل الواحد خمسين امرأة، ولو أردت أن توزّع النساء اليوم على الرجال لكان لكل رجل خمسون امرأة، والكثير منهم قد أعجزته امرأة واحدة، فكيف يقوم بخمسين فراشاً أو كسوة أو سكناً أو طعاماً؟ هو أعجز من ذلك؛ ولذلك أصبحت المرأة تجري خلف الرجل لكل هذه المعاني، وابتدأ هذا وكثر حتى في ديار الإسلام، وصدق رسول الله ﵊ القائل: (لتتبعن سنن من قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قيل: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن إذاً؟) هم بلاء وفساد الأرض، ومصدر لكل فساد وكفر وسفك دم ونشر فساد في المجتمعات بين الرجال والنساء والأطفال والشيوخ كذلك والعجزة. قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨]. فمن أشراطها الأولى نبي آخر الزمان الذي لا نبي بعده ولا رسول، ولا وحي بعده ولا كتاب بعد كتابه ﷺ ، وقد بيّن هذا رسول الله فقال: (بُعثت والساعة كهاتين) فكان هو من أشراطها ومن علاماتها وأماراتها. قال تعالى: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد:١٨] أي: إذا جاءت الساعة فكيف يتذكّرون؟ وكيف يفكّرون؟ وهل تنفعهم ذكرى أو فكرة وقد قامت الساعة؟ بل الإنسان إذا وصلت روحه إلى الغرغرة ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨] فكيف يتذكّر هؤلاء يوم القيامة وقد قامت الساعة؟ وهل تنفعهم ذكرى أو فكرة آنذاك؟ هيهات هيهات! الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.

стр. 2360

تفسير قوله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك) قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد:١٩]. ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]. أي: فاعلم يا محمد واعلموا أيها الناس أنه لا إله إلا الله. الخطاب هنا لنبينا ومعناه: اثبت على لا إله إلا الله، ودم عليها، واعلم أنه لا دين سواها، ولا حقيقة في الحقائق غيرها. ثم هو كذلك خطاب لأتباعه، وأن الحياة هي لا إله إلا الله: (أفضل ما قلته أنا والنبيون قبلي: لا إله إلا الله). وعن أبي بكر الصدِّيق عن رسول الله ﷺ قال: (قال الناس: لا إله إلا الله، واستغفروا لذنوبهم، فأغواهم الشيطان بالذنوب والمعاصي، فعادوا واستغفروا وقالوا: لا إله إلا الله، فأغواهم بالأهواء حتى ظنوا أنهم على شيء ويحسبون أنهم على شيء وما هم على شيء) أو كما قال المصطفى ﵊. وفُسّرت الآية: ((فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا)) ((فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)): أي: إذا حضرت الساعة فجأة فلا ملك ولا حكم، ولا ملوك ولا حكام، ولا شيء في الوجود إلا الله، لا يبقى إله مزيّف، ولا إله باطل، وإنما هو الله الحق الصدق ذو الجلال ﷻ . والمعنى على هذا صحيح جداً، فإنه إذا قامت الساعة يتساءل ربنا ويقول: أين ملوك الأرض؟ أين الجبابرة؟ فلا يجيبه أحد، فيجيب الله نفسه ويقول: أنا الملك! أنا ملك الملوك! أنا الجبار! ﷻ ، وعزّ مقامه. ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً * فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٨ - ١٩] أي: إذا برزت الساعة فليس هناك دين ولا عمل، فليس إلا الله والدار الآخرة، وقضاء الله بين الخلق إما إلى جنة وإما إلى نار: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥]. وقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] كقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر:١ - ٣]. فالاستغفار مطلوب في نهاية الأعمال مما يمكن أن يكون من نقص أو خلاف أولى أو خطرات فكر، أو ما لا يليق مما هو من الخطرات، ومما لا ينبغي أن يكون؛ لأنه خلاف الأولى. ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] وقد بيّنوا في معنى الآية أنه: استغفر الله واشكره حيث غفر ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١ - ٢]. وذنوب رسول الله ليست هي معاصي وآثاماً، فالنبي ﷺ معصوم عن الصغائر والكبائر، ولكن هي من النوع الذي يُقال عنه: خلاف الأولى، ومنه ما مضى من قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال:٦٧] لم يكن من الله أمر لنبيه ألا يتخذ أسرى فاتخذهم فيكون ذلك ذنباً ومعصية؛ ولكن الله أراد من عبده ألا يفعل خلاف الأولى، وكان الأولى به وبمقامه ألا يتخذ أسرى حتى يُثخن في الأرض، ويكثر القتل في الأعداء. وكان يقول ﵊: (إني لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة). وقد ورد في الأذكار النبوية الاستغفار كثيراً في مدخل البيت، والمخرج من البيت، واستقبال النهار، وتوديع النهار، وعند النوم، وعند الصحو من النوم، والاستغفار على أي حال؛ وقد كان يقول خلف الصلوات ﷺ : (اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي لا إله غيرك، ولا إله إلا أنت). وهذا تعليم لنا نحن العصاة الخطائين المذنبين، هو إمامنا المعلم، ونبينا المرشد، ورسولنا الهادي ﷺ ، وقد أمرنا الله باتباعه فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] جعله أسوتنا وقدوتنا ومرجعنا، وإمامنا الذي نتأسى به في الحركات والسكنات والفرائض والنوافل والآداب والرقائق، وجميع شئون الحياة إلى لقاء الله. فقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩] من رحمة الله بعباده المؤمنين أن أمر نبيهم وشافعهم ورسولهم أن يستغفر لنفسه ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات، جاء بدوي اسمه لقيط بن عامر إلى رسول الله ﷺ فآمن به واتبعه فقال هذا البدوي: غفر الله لك يا رسول الله. أي أنه دعا لرسول الله بالمغفرة، والصلاة منا كذلك دعاء، فلا يستغني عبد عن دعاء، والنبي ﷺ هو في الدرجات العلى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى﴾ [الضحى:٤] ويزيده الله مقامات على مقاماته، ومنازل على منازله مدة الدنيا والآخرة. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩] وإذا استغفر النبي ﷺ لعبد -أي: طلب أن يغفر الله له- فتلك شفاعة منه إلى الله لهذا العبد المؤمن المسكين. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد:١٩]. ((وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ)) أي: تصرفكم في نهاركم، ومقامكم في داركم وقت منامكم، يعلم متقلبكم في بطون أمهاتكم جداً لجد لأب لابن، لجدة فأم مباشرة، يعلم كيف تسلسلت نطفنا في أصلاب آبائنا، وفي أرحام أمهاتنا إلى أن خرجت بشراً سوياً مؤمناً بفضل الله. ((وَمَثْوَاكُمْ)) أي: ومقامكم وآخرتكم وسؤالكم في قبركم.

стр. 2361

تفسير سورة محمد [٢٠ - ٢٤] كان المؤمنون يتمنون على الله أن ينزل سورة، فلما أنزل سورة محكمة وذكر فيها القتال إذا بالمنافقين ينكصون عن الجهاد ويخذلون الإسلام والمسلمين، وكان خيراً لهم لو أطاعوا فآمنوا وجاهدوا. ومن أهمية القتال في سبيل الله أن الله تعالى يربط بين ترك الجهاد وانتشار الفساد وقطيعة الأرحام.

стр. 2362

تفسير قوله تعالى: (ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة) قال الله ﷻ : ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:٢٠]. قوله: ((وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ)). أي: يقول المؤمنون: هلا نزّلت سورة تشرع القتال، وتدعونا إلى القتال وتفرض علينا القتال لنجاهد في سبيل الله، وننصر الإسلام والمسلمين، وندافع عن المستضعفين من النساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة؟ هؤلاء المؤمنون المصلحون الصادقون يتمنون على الله، ويقولون: يا ربنا! هلا أنزلت علينا سورة فيها شرعية القتال والجهاد لنقاتل أعداءنا وأعداء الإسلام؟ يقول ربنا: ((فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ)). أي: فلما نزلت السورة وكانت سورة محكمة غير منسوخة، ونزل فيها القتال فرضاً لازماً واجباً على المسلمين، إذا بالذين في قلوبهم مرض، أي: المنافقون، فإذا قيل: فلان في قلبه مرض أي: فيه ضغن وحقد على الإسلام، وفيه نفاق بالتظاهر بالإسلام وهو كاذب غير صادق فيما يتظاهر به. ((فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ)) نزلت السورة التي يطلبها هؤلاء المؤمنون، وكانت محكمة مسبوكة الأطراف، مشروعة الأحكام، ومن الأحكام في الدرجة الأولى شرعية القتال والجهاد، إذا كان ذلك: ((رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)) أي: رأيت المنافقين ((ينظرون إليك)) نظر المرض والحقد والجبن، ونظر الخوف من القتال ((نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ)) وكأن غشية الموت أخذت تستولي عليه فتأخذه سكرات الموت وتستولي على نفسه، ويفقد الصبر، وكأنه ينظر نظر المحتضر الشاخص بصره لا يرى ما أمامه، وإنما هو تائه مغشي عليه: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:١٩٨]. قوله: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ أي: قرب الهلاك منهم، وهي كلمة تهديد ووعيد تُقال في مثل هذه المناسبات لمن يكفر بالله، ومن ينافق في دين الله. ومعنى الآية: أنه تمنى المؤمنون على الله أن ينزل سورة تُشرّع القتال والحرب؛ ليكونوا جنداً متراصين في حرب أعداء الله، وفي حرب الكافرين المنافقين، ولكن عندما تنزل السورة المطلوبة عند المؤمنين، ويذكر فيها القتال، إذا بمرضى القلوب من المنافقين تأخذهم غشية الموت، وتأخذهم نظرات الحقد والجبن والرعديدة من القتال، فهم لا يريدون قتالاً، لأنهم جبناء ومنافقون، لا يؤمنون بقتال في سبيل الله، ولا لإعلاء كلمة الله؛ ولذلك ينكشفون عندما تنزل مثل هذه الأوامر في الدعوة إلى الجهاد والقتال. وقد مثّل الله بهم تمثيلاً؛ لأنهم إذا فرض القتال تجدهم لا يكادون يبصرون، ولا يكادون يعقلون جبناً ونفاقاً وعداوة للإسلام ورسول الله والمسلمين. وقد قال الإمام قتادة: كل آية ذُكر فيها القتال فهي محكمة، فليس في آيات القتال آية منسوخة ألبتة. وكذلك قالوا: ما من آية نزلت وذُكر فيها الجهاد إلا وكانت كاشفة فاضحة لأعداء الله المنافقين؛ لأنهم يريدون أن يؤمنوا بما يكون عليهم هيناً سهلاً، لا كلفة فيه ولا نفقة، فضلاً عن بذل حياة وعمر وموت في سبيل الله، فهم لا يؤمنون بذلك، فكيف يعملونه؟ وكيف يقومون به؟

стр. 2363

تفسير قوله تعالى: (طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر) قال تعالى: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد:٢١]. قُرئ: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد:٢٠ - ٢١] ومعناه: أولى بهؤلاء المنافقين أن يقولوا طاعة لما يأمر به الله ورسوله، وأن يقولوا قول معروف، أي: يقولوا القول المعهود المعروف المقبول الذي لا يخرجون فيه عن أمر، ولا يقومون فيه بنهي، يكونون عند أمر الله فعلاً، ويكونون عندما يُنهون عن شيء ينتهون، هذا إذا وصلنا فقرأنا: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد:٢٠ - ٢١] أي: أولى بهم الطاعة والقول المعروف المقبول من النفاق ومرض القلوب. فإذا فسّرناها منفصلة: ((فَأَوْلَى لَهُمْ)) أي: ما أقربهم للهلاك بهذا الموطن، ثم بدأنا: ((طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ)) أي: شأنهم طاعة وقول معروف يجب عليهم، وإلا كانوا قد كشفوا نفاقهم وكفرهم، وحلّت عليهم اللعنة التي تحل على المنافقين والكافرين. ((فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ)) فإذا كان الأمر عزيمة كان واجباً، وكان الأمر بتاً لا منحى عنه ولا مهرب منه، إذا عزم القتال ووجد ولزم القتال ((فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ)). فعندما يصبح القتال عزيمة وأمراً واجباً خير لهم أن يصدقوا الله ويستجيبوا لأوامر القتال، فيقاتلوا ويجاهدوا باذلين أرواحهم كما يبذلها المؤمنون، وهم إن لم يفعلوا حلّت عليهم اللعنة التي تحل على أمثالهم من الكافرين والمنافقين.

стр. 2364

تفسير قوله تعالى: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:٢٢]. أي: إن أنتم تركتم الجهاد والقتال، وإن أنتم أعرضتم وابتعدتم عنه ورفضتموه ولم تقوموا به عم الفساد في الأرض وقطعت الأرحام. والفساد: هو نشر أنواع الفجور والفسوق، وسفك الدماء، واستحلال الأموال، وقطع كتاب الله، وقطع الطرق، وفقد الأمن ونشر الجوع. وقطيعة الأرحام، أن يقطع المؤمن أرحام ذويه من أخ وابن عم وقريب وحمٍ، وهكذا ترك الناس الجهاد فابتلوا بهذه البلايا، وعم الفساد في الأرض من كل نوع، وقُطعت الأرحام في كل بلد، وعاد المؤمنون إلى جاهليتهم الأولى وكأنهم لم يقولوا يوماً: ربي الله، وكأنهم لم يعترفوا لله بالوحدانية ولا بمحمد ﷺ بالرسالة، وتركوا الجهاد، واشتغلوا ببعضهم، فساد منتشر، وقطيعة أرحام عامّة، وجرائم يمسك بعضها بكلابيب بعض، وكأنهم لم يكونوا مسلمين يوماً؛ هذا تفسير. والتفسير الأقرب للمعنى والذي تدل عليه ظواهر الآية: ((فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ)) أي: إن وليتم الحكومات، وقمتم بالدول، وأصبحتم ولاة وحُكّاماً عوضاً عن أن تشتغلوا بالقتال وجهاد أعدائكم، وجهاد اليهود والنصارى والمنافقين، إن أنتم لم تفعلوا ذلك وأصبحتم حُكّاماً وولاة ودولاً: ((فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ)) وأن تنشروا الفساد في الأرض، وتنشروا أنواع الخمور والزنا، وقطع الطريق وزوال الأمن، ونشر الجوع، وضياع الاقتصاد، وضياع المال، وقطيعة الأرحام، ألا يرحم أخ أخاً ولا يبر ولد أماً ولا أباً، ولا تبر أخت ولا خالة ولا أم ولا عمة ولا ذو رحم محرماً. وهذا الذي أنذر الله قد كان؛ فقد ترك المسلمون الجهاد، وولوا الحكومات والولايات والدول، وتركوا العدو بجانبهم وعلى حدودهم يستبيح دماءهم وأعراضهم، ويذلهم، ويهدم عليهم دورهم ومبانيهم وقصورهم، ويستهتر بأحكامهم حتى أصبحت دماء المسلمين أهون دماء الناس في الأرض، دماء تراق في لبنان، ودماء تراق في فلسطين، ودماء تراق في بلاد العرب والمسلمين، ودماء تراق في الفلبين، ودماء تراق في الأفغان، ودماء تراق في إريتريا، ودماء تراق في الصحراء. فدماء المسلمين قد استُبيحت وكأنها دماء كلب لا شأن لها ولا حرمة ولا مقال، وكل ذلك قد أنذرنا الله ولم نقم بالنذارة، ولم نهتم بذلك، واستهترنا بأمر الله وبما أوجب الله، فكان ما أنذرنا به. ولم يكن هذا فقط اليوم، فقد كان في عصور مضت مختلفة، ولكن عندما يعود الناس لدينهم ولجهاد أعدائهم يتوب الله عليهم، ويعيدهم لعزهم وكرامتهم وشرفهم، فإن عادوا عاد الله إلى عقوبتهم كما في عصرنا هذا. ((فَهَلْ عَسَيْتُمْ)) أي: قد قارب ذلك، وهذا التقارب قد حدث وتم كما كان في النذارة الإلهية في عصور مختلفة، وفي عصرنا أشد وأنكى، فالمسلمون عددهم مليار من الناس ولكنهم غثاء كغثاء السيل؛ لحبهم الدنيا وكراهيتهم الموت. ((فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ)) وها نحن أولاء نرى ما أنذر الله به منذ (١٤٠٠) عام كيف انتشر الفساد في البر والبحر! وكيف انتشرت قطيعة الأرحام في كل مكان! وقد قال ﵊ في فساد هذا الزمن: إنه يقل العمل، ويكثر القول، وتتصاخب الألسن، وتتباغض القلوب، وأن يقطع كل ذي رحم رحمه، عند ذلك قال ﷺ : (لعنهم الله وأصمهم وأعمى أبصارهم) فعندما انتشر الفساد، وانتشرت القطيعة كان الجزاء من الله جزاءً وفاقاً، فعميت الأبصار ما عادت تُدرك ولا ترى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:١٩٨] وترى بهم صمماً وما فيهم من صمم، فلا يسمعون حكمة، ولا يستفيدون من آية، ولا يعملون بحديث، وإذا رأوا من ينفعهم ويقودهم للخير عميت عنه أبصارهم، وزادت بصائرهم طمساً وعمى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩]. والأرحام قال ﷺ : (إن الرحم تعلقت بالله وقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة) أي: لقد قُطعت (فقال الله لها: قطع الله من قطعك، ووصل من وصلكِ). وجاء رجل إلى رسول الله ﵊ فقال: (يا رسول الله! إن لي أرحاماً أُحسن إليهم ويسيئون إليّ، وأصلهم ويقطعونني، أأفعل مثلهم؟ قال: إذاً تُتركون كلكم) أي: يتخلى الله عن هؤلاء الذين سيتبادلون قطع الأرحام والفساد في عدم العناية بالرحم، وعدم إكرامها والعناية بها ومواصلتها. وقال ﵊: (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه) فصلة الأرحام تُطيل الأعمار، وتُكثر الأرزاق. وقال ﵊: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) ارحموا الرحم، فمن قطعها قطعه الله، ومن وصلها وصله الله. وقال ﵊: (ليس الواصل بالمكافئ، ولكن من إذا قطعته رحمه وصلها) أي: ليست صلة الأرحام على المكافأة، زرني لأزورك، وجاملني لأجاملك، فتلك مجازاة، ولكن صلة الأرحام أن تصل رحم من قطعك، وهي صلة أمر الله بها أن توصل، فهي عبادة لله في حد ذاتها، وما يتعلق بالأرحام يأتي بعد ذلك؛ ولذلك ربط الله ﷻ بين الفساد في الأرض وقطيعة الأرحام، وبين قيام الجهاد. وتمنى المؤمنون على الله أن تنزل سورة ذكر فيها القتال، فلما نزلت إذا بالمنافقين ينفرون من ذلك وينظرون لرسول الله والمسلمين نظر المغشي عليه من الموت، الكاره للقتال والجهاد، وهكذا فروا من القتال إلى أن عم ذلك الأرض وطم، فكان الكفرة بالله المتظاهرون بالإسلام طائفة، وكان الأذلة الضعاف الفارين عن أمر الله والامتثال لرسول الله فئة ثانية، وكان التواكل والتخاذل من الفئة الأخرى الثالثة، وهكذا انتشر الفساد في الأرض شعوباً وحكومات بما أنذر الله وقال: ((فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ)) أي: إن أصبحتم ولاة وحُكاماً ومسئولين عن إدارة شعوب وإدارة دول لترككم الجهاد (أن تفسدوا في الأرض وتقطّعوا أرحامكم) وزيادة المبنى -كما تقول لغة العرب- تدل على زيادة المعنى، أي: تكون قطيعة الأرحام شاملة في كل بيت ومدينة، وفي كل شعب وإقليم من أرض المسلمين مشارق ومغارب، وكل ما أنذر الله به قد كان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 2365

تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم) قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٣]. أولئك المنافقون الناكصون عن الجهاد، أولئك الذين إذا نزلت سورة محكمة وذُكر فيها القتال رأيتهم ينظرون إلى المؤمنين نظر الجبان الرعديد الذي أخذته غشية الموت، وأخذ يحتضر رعدة وجبناً وعدم شجاعة، ونفاقاً وبعداً عن الله، وإذا نزل القتال والأمر به لم يصدقوا الله ما أمرهم به ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ)) أي: طردهم من رحمته وأبعدهم عن جنته ((فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ)). أي: أصابهم بالصمم عن أن يسمعوا حقاً، أو أن يسمعوا حلالاً أو حراماً، أو أن يسمعوا آية أو موعظة من كتاب، أو أن يسمعوا سنة محكمة وردت عن رسول الله ﷺ ، فهم قد عميت منهم البصائر، وصُمّت منهم الآذان، فلا يسمعون ولا يبصرون إذا رأوا النور لم يشعروا إلا بالظلمة، وإذا رأوا الهداية لا يشعرون إلا بالضلال، هم إلى الكفر أقرب منهم للإيمان. ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ)) أي: أولئك المنافقون ضعاف القلوب الذين تركوا أعداء الله ينتهكون أعراض المسلمين، وأوطان المسلمين، وأموال المستضعفين من الرجال والنساء والولدان من الشعوب المسلمة.

стр. 2366

تفسير قوله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]. هؤلاء عندما يسمعون آية وعندما تُقرأ عليهم سورة ألا يتدبرونها؟ ألا يتمعنون فيها؟ ألا يفهمونها ويقومون بما فيها من مفهوم ومنطوق؟ أليست لهؤلاء عقول تدرك أو قلوب تعي وتفهم ((أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا))؟ فسّروا (أم) هنا بـ (بل) أي: بل على القلوب أقفالها. والأقفال: جمع قفل، وهو القفل المعروف. يمثّل الله بعمى قلوب هؤلاء كمن لو جيء بقفل فرُبط على قلبه فلا يفهم، ولا يدرك، ولا يعي، ولا يفقه شيئاً، فالقلوب مصمتة، والآذان مغلقة، أصابها الصمم فصُكّت كأنها غطيت، وكأنها غلفت بحديد ومواد حالت بينها وبين السماع. ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)) وهذا يعم كل من يسمع القرآن أو يتلوه فلا يتدبره ولا يتفكر في معناه: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤] ويأمر التالي للقرآن والمنصت للقرآن أن يتمعن في معانيه، وأن يعي أحكامه وآدابه ورقائقه وعقائده، وكل ما نطق به.

стр. 2367

تفسير سورة محمد [٢٥ - ٣٠] النفاق داء عضال ينخر في جسد الإسلام، والمنافقون أنواع وأقسام، فمنهم المرتدون والزنادقة، وقد كاد الله أن يكشفهم لرسوله ﷺ بأسمائهم، ثم أخبره أنهم يعرفون بلحن القول، فيجب الحذر منهم على الدين والإسلام.

стр. 2368

تفسير قوله تعالى: (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى) قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:٢٥]. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ هذا ينطبق على فئتين من الناس أو ثلاث: على قوم أسلموا ثم نافقوا وأصبح إسلامهم ظاهراً، فهم يُبطنون غير ما يُظهرون، ويُظهرون غير ما يُبطنون، فهم المسمون بالمنافقين. والفئة الثانية: فئة أسلمت عن صدق وإخلاص، ثم تلاعب بها الشيطان، وأساتذة الكفر والسوء والبيئة الفاسدة من أمومة وأبوة ومدرسة وأستاذية، فارتدوا عن الإسلام وأصبحوا شيوعيين أو اشتراكيين أو قاديانيين أو وجوديين أو بهائيين، أو على أي ملة من ملل الكفر، هؤلاء كذلك ينطبق عليهم أنهم ارتدوا بعد أن علموا الحق وسمعوه ووعوه وآمنوا به. والفئة الثالثة: أهل الكتاب من اليهود والنصارى، أنزلت كتبهم على أنبيائهم التوراة والإنجيل والزبور، وفيها جميعاً النذارة بالنبي ﵊ وبأنه سيأتي، والإخبار بنبي آخر الزمان الذي يظهر في جبال مكة وفي أرض الحجاز، وأنه لا نبي بعده ولا رسول، يدعو البشر كلهم مشرقهم ومغربهم أبيضهم وأسودهم إلى الله الواحد. فعندما ظهر ﵊ أعرضوا عنه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد:٢٥] أي: من بعد ما ظهر لهم الحق والهدى والنور، وزال الظلام والباطل بما عرفوه في الكتب السابقة، وما عرفوه بعد ذلك في الكتاب الخاتم القرآن الكريم، وما نطق به خاتم الأنبياء وإمامهم ﷺ . قوله: ﴿ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ [محمد:٢٥] أي: إلى الخلف والوراء، وصفهم بالرجعية و (أدبارهم) جمع دبر أي: عادوا للخلف وعادوا للكفر والنفاق. قوله: ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:٢٥] أي: هؤلاء إنما سول لهم الشيطان وزين لهم باطلهم وردتهم، وكفرهم وضلالهم، وأملى لهم الأماني، وأطمعهم وأنهم على حق، فزين لهم أعمالهم، وأملى لهم وأغراهم بطول البقاء أغراهم بأن الحق لهم وما كانوا إلا مرتدين، وعن الحق معرضين، وإلى جهنم مقدمين.

стр. 2369

تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم) قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٦]. (ذلك) أي: ردتهم ونفاقهم وحالهم ذلك كان بسبب أنهم: ﴿قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ﴾ [محمد:٢٦] أي: قالوا للكافرين ولليهود من أهل المدينة؛ ولا يكره ما نزل الله إلا كافر أو منافق، وكلاهما سواء إلا أن المنافق في الدرك الأسفل من النار. قوله: ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ﴾ [محمد:٢٦] أي: قالوا لهؤلاء الكفرة: سنتبعكم في بعض الأمر ونمالئكم على محمد، ونتجسس لكم على الإسلام وجيوشه ودولة الإسلام، ودواخل الإسلام، وبواطن المسلمين. هؤلاء الذين نافقوا أظهروا وجهاً وأبطنوا وجهاً آخر، وتعهدوا للكفار والمنافقين أنهم سيطيعونهم في بعض أمرهم، بأن يتجسسوا لهم ويخبروهم بأعمال المسلمين في حياة رسول الله، ويخبروهم عن رسول الله ﷺ والمسلمين، هؤلاء الذين يفعلون ذلك يكونون كفرة مثلهم ومنافقين يحل عليهم ما يحل على أمثالهم من اللعنة والغضب والعقاب. قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٦]، أو (أسرَارَهم) وهي قراءة ثانية أي: هم قالوا ذلك سراً متآمرين، وخشوا أن يبلغ الأمر في دولة الإسلام لنبي الله ﵊ من أصحاب من جيشه ومن أتباعه من مسلمين في كل عصر وزمان، ولكن الله يعلم السر وأخفى، فكشفهم وأعلن أسرارهم لنبي الله والمؤمنين، كما يكشف حال المنافقين للمسلمين أيؤدبونهم ويقتلونهم ويطردونهم من أوساطهم ومن مجتمعات المسلمين ويعاقبونهم بما هم أهل له من القتل؟ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٦] أو يعلم إصرارهم.

стр. 2370

تفسير قوله تعالى: (فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم) قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٧]. أي: كيف حال هؤلاء إذا بقوا على هذا، ولم يجددوا التوبة، ولم يرجعوا إلى الله، ولم يخافوا من عذاب الله؟ كيف بهم إذا حضرهم الموت، وحضرتهم ملائكة الموت، وهم يستخرجون أرواحهم من أجسادهم وشرايينهم وخلايا أجسامهم وهي تأبى الخروج وإذا بالملائكة يخرجونها عنفاً بالضرب على الوجه، والضرب على الأدبار، والسحب من الرأس ومن الرجل حتى تزهق الروح وتذهب إلى لعنة الله إلى جهنم وبئس المصير؟ كيف يكون حال هؤلاء الذين عاشوا على النفاق والكذب، وعلى التجسس على المسلمين، وعلى كشف عورات المسلمين؟ يعيشون مع إخوانهم بوجه ومع الكفار بوجه؛ هؤلاء عليهم لعنات الله تترا إذا بقوا كذلك، وحضرتهم ملائكة الموت تراهم ينزعون منهم أرواحهم بالعنف والضرب على الوجه والأدبار، وكذا تراها حتى تزهق الروح إلى بارئها إلى جهنم وبئس المصير!

стр. 2371

تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه) قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٨]. أي: عندما تضربهم الملائكة على الوجوه والأدبار؛ فذلك بأنهم كرهوا ما يرضي الله. قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد:٢٨] أي: سبب ذلك بأنهم اتبعوا كل نقيصة ورذيلة، واتبعوا كل مصيبة فيما يسخط ربهم عليهم ﴿وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد:٢٨]، أي: كرهوا أن يرضى الله عليهم وكرهوا أن يدخلهم الله الجنة كرهوا أن يكونوا مؤمنين صادقين مؤمنين مخلصين! وسبب نزع ملائكة العذاب الأرواح وضربهم على وجوههم وأدبارهم وسبب ذلك أنهم ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد:٢٨] أي: اتبعوا كل رذيلة كل سيئة كل مصيبة كل الكبائر والصغائر: ﴿وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٨] أي: أحبط أعمالهم وجعلها هباءً منثوراً، لم يقبل منهم صدقة، ولم يقبل منهم صلة رحم ولا أي عمل لم تسبقه لا إله إلا الله، ولم يسبقه توحيد، فهم يعيشون منافقين كفاراً، فإذا فعلوا شيئاً يعتبر في مجتمع ما يعتبر صلة رحم وصدقة، لا يقبل ذلك؛ فتحبط أعمالهم، أو كانوا مؤمنين يوماً فارتدوا؛ فتحبط جميع أعمالهم، فلا صلاة ولا زكاة، ولا أي عمل قدموه، قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] وهذا من ذاك!

стр. 2372

تفسير قوله تعالى: (أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم) قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ [محمد:٢٩]. أي: أحسب المنافقون الكذبة أظن الكفرة ذوو الوجهين وجه مع المؤمنين ووجه مع الكافرين: ﴿أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ [محمد:٢٩]. والأضغان: جمع ضغن، والضغن: الحقد والحسد والبغضاء والنفاق. يقول الله عن هؤلاء: أحسب هؤلاء وظنوا أن الله لا يكشف نفاقهم ولا أحقادهم ولا يكشف بغضاءهم حتى يراها القريب والبعيد، قال رسول الله ﷺ : (من أسر سريرة ألبسه الله رداءها). المنافق يكاد وجهه يعرب عنه، وفلتات لسانه تخبر عنه، من أسر سريرة وكتم شيئاً خاصاً بينه وبين نفسه من البغضاء للإسلام والحقد على المسلمين يلبسه الله رداء ذلك النفاق حتى يتبين -كما يقول عثمان - في لفتات وجهه، وفلتات لسانه، هذا المنافق تشعر بنفاقه بنظرة شزراء وبوجه أصفر مقيت، وبحركات تعرب عن نفسها أن صاحبها كافر غير مؤمن، منافق غير مخلص، وهكذا كان هؤلاء المنافقون!

стр. 2373

تفسير قوله تعالى: (ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم) قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٠]. يقول الله لنبيه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾ [محمد:٣٠] أي: لو أردنا لو صدرت مشيئتنا وإرادتنا ﴿لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ [محمد:٣٠] أي: لعرفناك بهم واحداً واحداً، ولكشفنا لك عن سرائرهم ودخائلهم. ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمد:٣٠] يقول الله لنبيه: لو نشاء لكشفنا لك عن هؤلاء المنافقين، ولعرفتهم بسيماهم وبعلامتهم وبفلتات لسانهم في تقاسيم وجوههم، وبنظرات كلامهم. ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠] يقول الله لنبيه ويلفت نظره: (ولتعرفنهم) يؤكد عليه بلام الابتداء والنون المؤكدة الثقيلة فستعرفهم ﴿فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠] اللحن يكون بمعنى: الميل عن الصواب، ومجانبة الصواب، واللحن يكون بمعنى: التعريض، ففي الحديث الصحيح: (لعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من أحد) أي: يكون أبين وأفصح وأعرف إبانة للدليل والبرهان من غيره. واللحن: الكلام بالتعريض والكلام بالإشارة والرمز، وهو يعتبر في لغة العرب من رفيع الأدب وبديع رموزه، ويعتبر في لغة المنافقين من النفاق الواضح النفاق البائن النفاق المرسوم الذي لا يكاد يخفى على أحد. يقول الله لنبيه: لو نشاء لعرفناكهم وستعرفهم بسيماهم، وستعرفهم في لحن القول، عند ذاك كان النبي ﵊ ينتبه لكلام هؤلاء، وأنه كله معاريض، يقولون شيئاً ويقصدون غيره، ويقولون غيره ويقصدونه بالذات، كالكلام بالإشارة وبالرمز. قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٠] أي: يعلم عمل كل واحد منا، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وإن صدقاً فصدق، وإن نفاقاً فنفاق، لا تخفى عليه ﷻ خافية. قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمد:٣٠]، الله علق مشيئته على (لو) لم يعد وعداً مطلقاً بأننا سنعرفك إياهم، قال بعض المفسرين: كان ذلك من الله ستراً لهؤلاء المنافقين أو لبعضهم؛ عسى أن يتوبوا ويئوبوا، حيث إن الله لم يعرفه بهم جميعاً كما عرفه ببعضهم، ولكنه أشار إليه بسيماهم ولحن قولهم. ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ [محمد:٣٠] أي: رأي العين فقلنا: هم فلان فلان فلان ابن فلان! عشيرة فلان. ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمد:٣٠] أي: في تقاطيع وجوههم بألوانهم وطولهم وأشخاصهم حتى كأنهم معك، وذلك مثلما شخص له الجنة والنار في قبلته وهو يصلي حتى رآهما، ولكن الله قال له بعد ذلك: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠] فأشار إليه بأنه سيعرفهم في معارض كلامهم، وفي إشارات حركاتهم، وفي نظرات قولهم، وفي مقاطع وجوههم، أعطاه علامة فيه ليعرفها وليعرفهم بها. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٠]، يعرف عمل المخلص من عمل المنافق، يعلم عمل الخائن من عمل الصابر، ويعلم كل شيء ﷻ . يقول عقبة بن عامر كما في مسند أحمد: (خطبنا رسول الله ﷺ يوماً وإذا به يذكر المنافقين فقال: فيكم منافقون فسأعرفكم بهم، وأخذ يقول وهو على المنبر يوم الجمعة: قم فلان! قم فلان!)، إلى أن أقام ستة وثلاثين رجلاً وطردهم من المسجد، وأعلن نفاقهم، ومع ذلك عاد فقال للحاضرين: (وفيكم منافقون) كشف من المنافقين ستة وثلاثين واحداً، وسكت عن منافقين أخر إما ستراً من الله لهم أو ستراً من النبي ﵊ رجاء أن يتوبوا عن نفاقهم، ويعودوا للإخلاص والإيمان الحق. قال: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾ [محمد:٣٠]، ولم يقل: شئنا أن نكشفهم لكم، لأن هؤلاء ما يزالون مستمسكين بلا إله إلا الله، ولم يظهر ذلك ظهوراً بيناً، وبقي في القلوب. وهذا أسامة بن زيد ﵁ قتل رجلاً بعد أن قال: لا إله إلا الله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : (أقتلت رجلاً قال: لا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله! إنما قالها فراراً من السيف، قال: هل شققت عن قلبه)، القلوب متروكة لله، وهو أعلم ببواطنها، فنحن أمرنا أن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر ما لم يكشف الإنسان عن نفسه. ولي عمر بن الخطاب الخلافة بعد أبي بكر، فكانت خطبة الخلافة أن قال: أيها الناس! الوحي انقطع، ولا يعلم ما في القلوب إلا الله، ولا يعلم الغيب إلا الله، من أظهر لنا خيراً عاملناه به، ومن أظهر لنا غير ذلك عاملناه بما أظهر، ونكل بواطنهم وقلوبهم لخالقهم. لو جاءني إنسان قال: فلان كافر! فناديته أصحيح أنت كافر؟ قال: أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولم يثبت عليه شيء يدعو إلى ردته، فقد يأتيك من يقول: رأيته يقول: كلمة كفر أو رأيته يصنع صنيع كفر، فما دام الأمر لا يزال قاصراً عليه فيترك لله، ولكن هؤلاء الستة والثلاثون الذين كشفهم رسول الله ﷺ وطردهم من المسجد كانوا أظهر نفاقاً من غيرهم، وأكثر أذى من غيرهم، وكانوا سماً مدسوساً بين أوساط المسلمين، يتجسسون في مجالس رسول الله عن رسول الله والمؤمنين ويذهبون في ذلك للمنافقين. فكشفهم النبي ﷺ لكي لا يؤذى بهم أحد بعد؛ ولكي لا يغتر بهم أحد بعد، والمنافقون الأخر لم يكونوا كذلك، كانوا في أنفسهم مترددين متشككين غير مطمئنين، وإلا فبعد وفاة رسول الله فما حمل عشرات الآلاف من الخلق على الردة إلا أن بعضهم كانوا منافقين، وكان بعضهم ضعاف إيمان مترددين، فعندما توفي النبي ﵊ ظنوا أن الإسلام قد انتهى لن يعود، وسيصبح الأمر لفارس والروم. ولكن الله تعالى قد سبق في كتابه المحفوظ وعلمه الأزلي السابق أن ينشر الإسلام مشارق ومغارب، وأن يذل عدوه وينصر دينه، وأن يكون اسم محمد مقترناً باسمه جل وعلا، وصلى الله على نبينا في مختلف بقاع الأرض وقاراتها، فلا تقال: لا إله إلا الله، إلا ويقال بجانبها: محمد رسول الله، ولا يتم إيمان مؤمن إلا بذلك، وهكذا وإلى اليوم تذهب إلى بلاد الكفار فتجد المؤذن يؤذن على المآذن بشهادة الحق: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ﷺ . هذا المنافق في عصر النبي ﷺ قد علمه الله ما علمه بما لم يعلمه غيره، وقد تنازع الفقهاء في حكم المنافق بعد رسول الله ﵊، وهو ما يسمى في الفقه بالزنديق، فما حكم الزنديق؟ أي: ما حكم المنافق؟ فجمهور الأئمة والفقهاء في طليعتهم الإمام مالك يقول: يقتل الزنديق ولو قال: أنا تائب؛ لنفاقه وعدم إخلاصه، ولتلاعبه في القول؛ فإنه يقول صباحاً ما يخلفه مساءً ويقول مساءً ما يخلفه صباحاً، فهو لا يوصف بالإيمان، ولا بتوبة، ولذلك كان من صالح المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية أن يقتل، وأمره بعد ذلك إلى الله. ولكن النبي ﷺ لم يقتل منافقاً، بل طرد هؤلاء الستة والثلاثين وما قتل منهم واحداً، وكان رأس المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول - أبي أبوه، وسلول أمه- وطالما حرض عمر رسول الله على قتله، والنبي يأبى؛ لأن عبد الله بن أبي لا يكاد يبلغه أن النبي ﷺ بلغه شيء عنه إلا وجاء مسرعاً يكذب ذلك، ويقسم الأيمان الفاجرة على صدقه، وعلى إيمانه وإخلاصه. ولم يكشف ألبتة إلا بعد موته وهلاكه، حيث صلى عليه رسول الله ﷺ مجاملة لولده عبد الله المؤمن المخلص الصادق، فعندما صلى عليه جاء أمر الله في نهييه عن ذلك مرة ثانية فقال: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤]، حكم عليه بالكفر وكشف أمره، ولو كشف هذا حال حياته لما صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله. ولذلك المنافق لا يعاد، ولا يصاهر، ولا يشارك، ولا يزار قبره، ولا يرد عليه سلام، والنفاق قد كثر في الأرض اليوم، فكل من يقول: هو شيوعي أي: هو كاذب منافق تجد اسمه إسلامياً، وتجده متزوجاً مسلمة، فلا يجوز ذلك في حال، لا يزوج، ولا يصاهر، لا تعطه، ولا تأخذ منه، ولا يشارك، ولا يصاحب، ولا يسلم عليه لا بداية ولا جواباً، وإذا كثر النفاق في قوم وجب الجهاد في الداخل قبل الخارج، وماذا يقول الإنسان؟ لقد كثر الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد كثرت الذنوب والآثام، وكثر البعد عن الإسلام مجتمعات وهيئات وأفراداً ونساء ورجالاً وحكومات، ضل من ضل، ونرجو الله تعالى أن يمن على عباده المسلمين بالتوبة والصلاح والإخلاص.

стр. 2374

تفسير سورة محمد [٣١ - ٣٥] إن الله قد أعد للمؤمنين جنات النعيم، لكن لابد من الابتلاء والتمحيص حتى يعلم الصادق من الكاذب والمجاهد من المخذل. وأما الكفرة الذين يحاربون دين الإسلام ورسوله وأتباعه، فإنهم لا يضرون الله شيئاً، لكنهم بكفرهم تحبط أعمالهم ويستحقون العذاب الشديد في الدنيا والاخرة.

стр. 2375

تفسير قوله تعالى: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين) قال الله ربنا ﷻ : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١]. بعد أن حدثنا الله ﷻ عن المنافقين والكافرين، وكشف أفكارهم، وأعلم بها نبينا ﷺ ، فطرد بعضاً وسكت عن بعض لعلهم يتوبون ويرجعون؛ يقول الله لنا: (ولنبلونكم) أي: لنختبرنكم، واللام: هنا للقسم، وأكده بنون التوكيد الثقيلة. يقول ﷻ : إنه يمتحن ويختبر الناس ليعلم منهم المجاهد الصادق والصابر على الجهاد. ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١] أي: ويعلم الأخبار الظاهرة والباطنة، الخفية والمعلنة، والله ﷻ هو يعلمه منذ أمر الملائكة بكتبه في اللوح المحفوظ، ولكن معنى العلم هنا الرؤية، كما يقول عبد الله بن عباس؛ أي: ولنبلونكم لنرى أعمالكم، ونرى ما تقومون به بعد الأمر والنهي. يقول الإمام القرطبي: الله ﷻ لا يعاقبه على علمه، وإنما يعاقبه على الأعمال؛ ولذلك خلق الخلق واختبرهم بالأعمال وهو يعلم ماذا سيعملون قبل، ولكنه لا يعاقبهم إن أساءوا ولا يحسن إليهم إن أحسنوا حتى يعملوا، فيكون جزاؤه حسب أعمالهم وامتثالهم، وحسب إيمانهم.

стр. 2376

تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول) قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٣٢]. يقول ربنا ﷻ بعد الاختبار والابتلاء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد:٣٢] أي: كفروا ومنعوا الناس من الإيمان، ودفعوهم عن الإسلام، وزينوا لهم الأهواء والوساوس، وما يسخط الله ﷻ ؛ فهؤلاء كفروا في أنفسهم، ونشئوا بين غيرهم صادين ومنفرين الناس عن سبيل الله، وعن الإيمان والإسلام والطاعة والامتثال. قوله: ﴿وَشَاقُّوا الرَّسُولَ﴾ [محمد:٣٢] أي: خرجوا عن شقه، فشقوا الطاعة عليه، وعصوه وخالفوه. قوله: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٣٢] هؤلاء الذين كفروا بالله، ثم ازدادوا كفراً فصدوا عن سبيل الله، ثم ازدادوا شركاً وكفراً بالله فشاقوا الرسول خرجوا عن طاعته، وكان الرسول في شق وجانب وكانوا هم في شق وجانب، هؤلاء لن يضروا الله شيئاً، إنما ضررهم يعود على أنفسهم؛ لكفرهم وخسرانهم أنفسهم في الدنيا والآخرة. وفي الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً) أي: لو كفر أهل السماء والأرض فلن يضر كفرهم إلا أنفسهم، ولن يجنوه إلا على أنفسهم، ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧] المتقي المؤمن الصالح هو الذي ينفع نفسه، والكافر لا يضر إلا نفسه. قوله: ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٣٢] أي: هؤلاء الكفرة المرتدون عن سبيل الله، المشاقون المخالفون لرسول الله ﴿سَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٣٢] أي: سيبطلها ويجعلها هباءً منثوراً، ولن يضروا إلا أنفسهم. والله جمع بين طاعته وطاعة نبيه، وهذا زيادة في التأكيد، على أن التوحيد لا يتم إلا بالإيمان بالله واحداً وطاعة الله، وإلا بالإيمان بمحمد عبداً ورسولاً، وطاعته وعدم الخروج عنه، ومن لم يفعل ذلك فضر نفسه وأحبط عمله، ولا يلومن أحد إلا نفسه إن خرج عن الهدى والتقى والصلاح.

стр. 2377

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]. يأمر الله ﷻ بطاعته وطاعة رسوله، وكما يقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، فطاعة الرسول طاعة لله، والطاعة لله هي كذلك طاعة لرسول الله؛ لأن الرسول جاء عن الله، وبلغ كتاب الله، وبلغ رسالة الله، فطاعته طاعة لله، والخروج عنه خروج عن الله. فالله يؤكد ذلك ويأمر ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣] أي: لا ترتدوا عن دينكم بعد الهداية، ولا ترتدوا عن الطريق المستقيم بعد معرفتكم به، لا ترتكبوا الكبائر والفواحش فيخاف على إيمانكم إن أنتم زدتم في ذلك وأغرقتم فيه. قال بعض الصحابة: إبطال الأعمال في ارتكاب الكبائر، فأخذوا يحرصون على الاجتناب عن الكبائر زناً وسرقة، ورباً وفاحشة، وكل كبيرة حذر الله منها وبنى عليها حداً، ورتب عليها اللعنة والطرد عن الله ورحمته؛ قال: وإذا بنا بعد ذلك ينزل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فعادت إلينا نفوسنا، وعلمنا أن الكبائر لا تكفر صاحبها، ولكننا مع ذلك بقينا بين الخوف والرجاء؛ لعل الله يقبل أعمالنا، لعل الله لا يحبط أعمالنا، والإحباط هنا هو الكفر، والإحباط الردة، فإسقاط الأعمال يكون بالردة والخروج عن الإسلام، وقد يكون ذلك بكلمة يقولها الإنسان لا يلقي لها بالاً، كما قال نبينا ﵊: (إن أحدكم ليقول الكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في قعر جهنم سبعين خريفاً). قد يقول القائل كلمة يظن أنه يمزح، ولكن المزاح لا يكون مع السماء، وإذا به يقول كلامه الذي يخرجه عن الإسلام ويهوي به في قعر جهنم، ويستمر هويه سبعين عاماً؛ لأن السنة ليس فيها إلا خريف واحد. ثلاثة من الشباب الفقهاء العلماء كانوا في الأندلس، وإذا بأحدهم يريد أن يمزح، وكانت السماء قد أخذت تمطر وترش رذاذاً خفيفاً فقال أحد هؤلاء: إن الدباغ يرش جلوده، وكانوا يمزحون، وإذا بالاثنين الآخرين يلتفتان إليه ويقولان له: أنت تمزح أرضاً وإذا بك تناولت الذات العلية بما ارتددت وخرجت عن الإسلام، ورفعوا به قضية، وإذا به يقول: كنت أمزح، أيكون المزاح بالكفر؟ أيكون المزاح بقلة الأدب مع الذات العلية؟ فما أتم يومه إلا مفصولاً رأسه عن جسده. وهكذا من يقول عن الله ما لا يليق بجلال الله، ومن لا يتأدب مع رسول الله ﷺ ، يلقى نفس العقاب والعذاب. فهم الفقهاء من قوله تعالى: ((وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ)) كما فهم الإمام مالك وجماعة من الأئمة: أن النوافل عند الشروع فيها تصبح ملزمة، ولا يجوز إبطالها، فمن صام نافلة فلا يجوز له أن يلغي صومه؛ لأنه يكون قد أبطل عمله، ومن ابتدأ صلاة نافلة لا يجوز له قطعها، وإلا كان قد أبطل عمله. ولكن الإمام الشافعي له فهم آخر قال: المتنفل عندما صام وصلى لم يكن الأمر واجباً عليه، فهو إن شاء صام، وإن شاء أفطر، أما في الصيام فالدليل مع الإمام الشافعي، لقد قال ﵊: (المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر) ومن أجل ذلك في مذهب الإمام الشافعي: من أكل وهو صائم ناسياً لا إعادة عليه، وأكثر من ذلك من دعي إلى صديق فأصر عليه بالطعام عنده، له أن يفطر وليسر صديقه بذلك. والآية عامة، ولكن الصيام مستثنى: (المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر).

стр. 2378

تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله) قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [محمد:٣٤]. يقول ربنا تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد:٣٤] أي: كفروا بالله، وبكتاب الله، وبرسول الله. ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد:٣٤] أي: صدوا عن الله وطاعته، وعن رسول الله والإيمان به. ﴿ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [محمد:٣٤] أي: عاشوا كافرين صادين عن الله، وماتوا وهم كافرون. ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [محمد:٣٤] وهذه الآية كالآية الأخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] وحرم الله الجنة على الكافرين، فمن مات على كفره وضلاله ولم يقل قبل أن يغرغر: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإذا بعث ومات على الكفر لن يغفر الله ذنبه، ويخلد في النار أبد الآبدين، ودهر الداهرين.

стр. 2379

تفسير قوله تعالى: (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون) قال تعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥]. يقول الله للمؤمنين وهم أهل العزة والكرامة والسيادة، وهم سادة الأرض، وهم أنصار الله ورسوله، وهم المؤمنون المتبعون الحق، لقد قال ربنا: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨]. يقول تعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ [محمد:٣٥] أي: فلا تضعفوا أمام العدو، ولا تذلوا له، ولا تطأطئوا إليه، ولا تهابوه، ولا تبتدئوا بطلب الصلح، بل ولا تطلبوا الصلح في حال كونكم أقوياء. قوله: ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ [محمد:٣٥] من الوهن وهو الضعف. ((وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ)) السَلم والسِلم قراءتان سبعيتان متواترتان والمعنى: لا تضعفوا فتدعوا عدوكم وتنادوه إلى الصلح والسلام، ذاك ضعف، وذاك هوان، وذاك ذلة لا يزيد الله فاعلها إلا ذلاً وهواناً، ويكون عاصياً لربه وخارجاً عن أمره. قوله: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ [محمد:٣٥] أي: أنتم الأعلى والأشرف؛ لأنكم المؤمنون الموحدون؛ لأنكم أصحاب الأرض وليس لغيركم ما أخذه إلا بحسب العارية، ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر:٦] ما أعاد وأرجع، فما في يد الأعداء هو للمؤمنين أصلاً، ويجب أن يعود للمؤمنين وليس للكافرين في ذلك حق، فإن أخذه فبسيف القوة، بل ولتذلل المسلمين وضعفهم، وعدم جهادهم للعدو وقتالهم واسترجاع ما أخذ منهم. قوله: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد:٣٥] ومن كان الله معه كان معه النصر، وكان معه التأييد، وكان معه أهل السماء والأرض، ولا يضر المؤمن بعد ذلك أن يكون الشيطان وحزب الشيطان ضده. كانت جماعة من الصحابة ينتضلون، أي: يتعلمون الرمي والجري والسباق على الخيل، فيمر بهم رسول الله ﷺ فقال لطائفة: (ارموا بني إسماعيل وأنا معكم؛ فكف الآخرون أيديهم وقالوا: يا رسول الله! إن كنت معهم فهم الحزب الأقوى، فعاد فقال: ارموا أنا معكم جميعاً) عند ذلك تسابقوا وعادوا وقد تعلموا الرمي والمسايفة وما إلى ذلك، فمن كان الله معه غلب كل شيء، ومن كان الله عليه غلبه كل شيء، والمؤمن الله معه. قوله: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥] أي: لن ينقصكم أعمالكم، فمن عمل خيراً زاده على كل حسنة عشر حسنات إلى أضعاف كثيرة إلى سبعمائة ضعف إلى ما يريد الله ﷻ ، ومن كرمه أنه لا يجازي على السيئات إن لم يغفرها إلا بسيئة واحدة. ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥] يقال: وتره إذا نقصه، ومنه الحديث النبوي: (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) أي: كأنه فقد الأهل والمال، فمن فاتته العصر بلا سبب حتى غربت الشمس يكون حاله بين الناس كحال من فقد الأهل والمال، وكيف بمن فقد الأهل والمال؟ ولم التأكيد على العصر بالذات؟ لأنها الصلاة الوسطى كما في الصحاح: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قبورهم ناراً). ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] أمر بالصلوات بصفة عامة، وأمر بالوسطى بصفة خاصة، فكانت العناية فيها أكثر أجراً وثواباً والتفريط فيها أكثر إثماً وعذاباً. قوله: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥] أي: لن يفقدكم إياها، ولن ينقصكم منها، هكذا عفو الله، وهكذا كرم الله ﷻ .

стр. 2380

تفسير سورة محمد [٣٦ - ٣٨] يتسابق الناس على الدنيا ويتزاحمون على حطامها، ويحرصون على جمعها، وهي في الحقيقة لعب ولهو، وإن معرفة المؤمن لدين الإسلام خير من الدنيا وما فيها، ولذلك ينبغي على المسلم ألا يبالي بالدنيا، بل ينفقها في سبيل الله، ويسخرها فيما يقربه من الله، فذلك خير له من جمعها والشح بها، فمن شح وبخل فعلى نفسه.

стр. 2381

تفسير قوله تعالى: (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا) قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٦]. حث الله على طاعته وطاعة نبيه، ووعد على ذلك برضاه ورحمته وجنته، ثم بعد ذلك حذر من الدنيا ونفر عنها وقال: (إنما) بأداة الحصر ﴿إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد:٣٦] أي: كل ما في الدنيا سوى ذكر الله وطاعة الله (لعب ولهو) فهو باطل في باطل، يلهي الإنسان زمنه، ويضيع عمره، ويبدد أيامه، وإنما هو يلعب ويلهو كما يلعب الأطفال ويلهون، ولا يحفظ له ولا يسجل له إلا الركيعات التي يقوم بها، والأيام التي يقوم فيها، والطاعات التي يلتزمها من طاعة لله، وطاعة لرسوله ﷺ . قوله: ﴿إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ [محمد:٣٦] أي: إن تؤمنوا بالله وتتقوا المعاصي فلا ترتكبوها، وتجعلوا بينكم وبين المعاصي وقاية تحفظكم من اكتسابها وفعلها. قوله: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ [محمد:٣٦] أي: ليس لكم في الدنيا إلا الإيمان والتقوى والعمل الصالح، والبعد عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن. وضابط الطاعة كما في النص النبوي: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا) الفعل: هو أوسع من قدرة الإنسان، أما الترك فهو في وسع الإنسان، ولا يحتاج إلى إرادة، اترك الفواحش جميعها دون ذكر التفاصيل، ليس بينك وبين ذلك إلا قوة إرادة وعزم، نهى الله عن الفواحش، وهي ما عليها حد وما عليها لعنة أو تحذير، فأنت حيث لا تفعل فقمت بما وجب عليك، ولم يحتج ذلك منك إلا لإرادة وعزيمة. قوله: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ [محمد:٣٦] أي: يثيبكم بالجنة وبالرحمة. ﴿وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٦] الأموال عزيزة على الناس، وهي أحياناً تكون عند بعض الناس أعز من الأكباد والأولاد، وهي عند المؤمن نعمة أتى الله بها إليه ليستعين بها على الطاعات، ونفقة الأهل والأولاد، والصدقة على الفقراء والمساكين والمحاويج، وأن تصل به الأرحام، وكما وصف الله المؤمن: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥]. وقد جمع الله بين حقه وحق الفقراء من العباد: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]. وأول حرب أهلية في الإسلام الحرب على مانعي الزكاة، وعندما خولف أبو بكر لأول مرة حاجهم وانتصر عليهم وفلجهم أصبح ذلك إجماعاً، وقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ما استمسك السيف في يدي. فأي قرية أو بلدة أو شعب تواطئوا على منع الزكاة فيجب أن يؤدوها، وإلا قوتلوا كما قاتل أمثالهم أبو بكر والصحابة، وكذلك إذا تواطأ أهل قرية على منع الصلاة قوتلوا حتى يصلوا. قوله: ﴿وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٦] طلب الله منا أعمالاً بدنية، أما المال فإنما طلب منا شيئاً قليلاً لا يكاد يذكر، فقد طلب ربع العشر فقط. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٦] أي: الأموال التي تحبونها وتحرصون على كنزها لم يطلبها جميعاً، وإنما سيطلب منها سهماً للفقراء والمساكين والمحاويج، وهذا بعد النفقة على العيال.

стр. 2382

تفسير قوله تعالى: (إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم) قال تعالى: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ [محمد:٣٧]. أي: إن يطلب منكم أموالكم جميعها زائدة على الزكاة (تبخلوا). طلب الله الزكاة وهي شيء لا يكاد يذكر ومع ذلك تركوا الزكاة، ومنعوا الفقراء حقوقهم، فكان الجزاء من جنس العمل في الدنيا قبل الآخرة، ولعذاب الله أشد وأنكى، فسلط الله الحكومات تأخذ من الضرائب ما يتجاوز الأربعين أو الخمسين أو الستين في المائة بلا كرامة وبلا أجر ولا ثواب، وسلط الشيوعيين فأخذوا المال كله، ولم يتركوا لأحد إلا ما قل، جزاء وفاقاً، لمنعهم الزكاة وخروجهم عن أمر الله، امتنعوا أن يعطوا القليل؛ فسلط الله عليهم من يأخذ الكثير الكثير، بل ومن يأخذ الكل. قوله: ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ [محمد:٣٧] الإحفاء: الإلحاح في السؤال. وقد علم الله حقيقة خلقه فلم يطلب منهم جميع مالهم. قوله: ﴿فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ [محمد:٣٧] أي: يكون ذلك سبباً لخروج الأضغان وإظهارها. والأضغان جمع ضغن: وهو الحقد والعداوة. وقد امتنعت طائفة من أداء الزكاة بعد موت النبي ﵊، وقالت: الزكاة أخت الجزية، وكنا نعطيها لرسول الله، أما لأحد بعده فلا، ولكن الخليفة الأول رضوان الله عليه وجد أن ركناً من أركان الإسلام الخمسة سيعطل، ويوشك أن تعطل بقية الأركان، وإذا به يعزم ويشد الرواحل ويرسل الصحابة كبارهم وصغارهم تحت قيادة خالد بن الوليد سيف الله، وقاتل الممتنعين من الزكاة، فانتصر، ونصر الله دينه، ومات من مات منهم على جريمته ومخالفته، وتاب من تاب الله عليه وعاد للطاعة والإيمان بالأركان كلها والعمل بها جميعاً.

стр. 2383

تفسير قوله تعالى: (هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله)

стр. 2384

معنى قوله تعالى: (هاأنتم هؤلاء) قال تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد:٣٨]. قوله: ﴿هَاأَنْتُمْ﴾ [محمد:٣٨] الله لم يطلب الكل، ومع ذلك خاطبهم بـ (ها) التنبيه: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد:٣٨]. أي: يا هؤلاء أيها المؤمنون دعاكم الله ورسوله لتنفقوا في سبيل الله، والنفقة: هي الزكاة الواجبة، وهي النفقة الواجبة على الأهل والأولاد، وهي الاستجابة للسائل والمحروم، يقول النبي ﵊: (للسائل حق ولو جاء على فرس) لو صدق السائل ما أفلح المسئول إن امتنع عن الاستجابة في العطاء. قوله: ﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ﴾ [محمد:٣٨] أي: دعيتم فمنكم من بخل ولم يؤد الزكاة، فإن كان هذا وقت نزول الآية فما بالك في عصرنا الذي يكاد المسلمون أن يعطلوا هذه الفريضة، وهذا الركن من أداء الزكاة، ولو أن أهل مدينة وقرية أدوا الزكاة الواجبة كما فرضها الله لما وجد في تلك القرية والمدينة فقير ولا محتاج. والمجتمع المسلم لا يكون فيه فقير إن أدى الناس زكاتهم الواجبة، ففي الحديث النبوي يقول ﵊: (إن الله فرض في أموال الأغنياء ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا أو عروا فبمنع الأغنياء، وحق على الله أن يحاسبهم ويعاقبهم على ذلك) أي: على امتناعهم من كفاية الفقير والمحتاج. ولذا يجب منع التسول، التسول يقوم به الأجانب، ولو كان الأغنياء يؤدون واجباتهم وزكاتهم المفروضة لما وجد متسول، فواحد يموت في التخمة، ويكاد يأكل الذهب والفضة ويتمرغ في الحرير والدمقس والديباج، وآخر يموت جوعاً وهو على مرمى حجر منه؛ لا ينتفع بماله إلا ضال مضل، ولا تصرف أمواله إلا في الفساد والفاحشة، وفي البنوك الربوية، وفي الرشوة، وفي المناسبات من الأفراح والحفلات والعزائم التي لا تكون لله، ولا ليأكل منها الفقير المحتاج، ولا تكون إلا مباهاة وضياعاً لأموال الفقراء والمساكين.

стр. 2385

معنى قوله تعالى: (ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه) قوله: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد:٣٨]. يقول ربنا: هؤلاء الذين بخلوا بأداء زكاة أموالهم هم في الحقيقة إنما يبخلون على أنفسهم؛ لأنهم سيضرونها، وسيحاسبون على منع الزكاة، وسيعاقبون، وكما قلت وأقول دوماً: العقاب كان من جنس العمل في الدنيا قبل الآخرة، سلط الله الحكومات فأخذت الضرائب التي لم ينزل الله بها من سلطان، أخذت خمسين في المائة وستين وسبعين، وسلط الله الشيوعية -وتكاد تعم ثلثي سكان الأرض- فأخذت المال كله، وأفقرت الغني، وما أغنت الفقير قط، وما كان ذلك إلا جزاءً وفاقاً لمنع الأغنياء حقوق الفقراء والمحاويج والسائلين والمحرومين، ولعذاب الله يوم القيامة أشد وأنكى. قوله: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد:٣٨] أي: سيكون بخله في الحسنات التي سينالها، في الأجر والثواب الذي أعده الله للمطيعين السميعين، الذين أدوا زكاة مالهم طائعة بها أنفسهم، دون إكراه ولا رياء ولا سمعة.
следующие страницы →