Полный текст (2 442 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
تفسير قوله تعالى: (ولولا كلمة سبقت من ربك)
قال تعالى: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه:١٢٩].
وهذا من فصاحة القرآن وبلاغته، وفصاحة لغة العرب التي نزل بها القرآن، وتقدير الكلام: لولا أنه سبق في حكمه وفي إرادته أنه يرسل رسلاً مبشرين ومنذرين، وألا يعذب إلا بعد إرسال الرسالات والهداية والتعليم والتربية، للزم العذاب.
قوله: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ﴾ [طه:١٢٩].
أي: حكم وإرادة إلهية علية، فلولا حكم من الله سبق بأنه لا يعذب عباده قبل إرسال الرسل ولا يعذب عباده إلا بعد أن يمهلهم زمناً هو مدة أعمارهم وإلى يوم القيامة؛ لولا ذلك لعاقبهم الله في الدنيا قبل الآخرة، كما صنع ﷻ مع السابقين حيث عوقبوا في الدنيا قبل الآخرة.
ولكن تكرمة لنبينا ﷺ رفع المقت والغضب في الدنيا بمثل ما كان تعذب به الأمم السابقة، فلا خسف ولا مسخ ولا غرق ولا صواعق ولا زلازل تأتي على الأمة كلها كما أتى الغرق لقوم نوح ولقوم فرعون، والزلازل والصيحات لعاد وثمود، والصواعق والرجم من السماء لقوم لوط بحيث كانت الأرض ترفع ويجعل عاليها سافلها حتى تسمع أصوات الديكة إلى السموات، ثم يرمى بها إلى الأرض لفعلهم.
واليوم الناس يفعلون كل ذلك الذي أهلكت الأمم السابقة بسببه، ولكن سبق في علم الله أن هذه الأمة لا يقع عليها عذاب كالأمم السابقة.
قوله: ﴿لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه:١٢٩].
أي: لولا الحكم ولولا الإرادة الإلهية العلية التي سبقت من الله بضربه الأجل في العذاب وبإعطاء المهلة مدة الحياة لكان العذاب لازماً، ولكان العذاب مفاجئاً، ولكان العذاب في الدنيا قبل الآخرة بمثل ما عوقبت به الأمم السابقة التي نمشي في مساكنها ونرى آثار اللعنة والهلاك والدمار والخراب عليها.
ولولا: حرف امتناع لوجود، امتنع أن يعذب الله أمة محمد ﷺ في الدنيا بمثل ما كانت تعذب به الأمم السابقة، لوجود سبق عهده وحكمته وكلمته بذلك، فامتنع عذابها إلى حلول الأجل.
ومن هنا قال ﷺ : (إن الله يمهل ولا يهمل)، أي: يمهل العصاة المشركين ولكنه لا ينساهم ولا يهملهم، بل لهم أجل مفروض يوم يجمع الله الخلائق كلها فيأتون إلى الله حفاة حاسري الرءوس قلفاً، وإسرافيل ينفخ في الصور: يا أيتها العظام النخرة! يا أيتها الجلود الممزقة! يا أيتها اللحوم المبعثرة! أجيبوا داعي ربكم، فيأتون للعرض على الله وتراهم يتخافتون فلا تسمع إلا همساً.
والأجل الذي سماه الله هو يوم القيامة، فهو مسمى عند الله، لكن لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل، لا تأتيكم الساعة إلا بغتة، كما سأل جبريل نبينا ﵊ عنها فقال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، ولكنها مع ذلك محددة بيوم وساعة.
والله ﷻ قد ذكر لنا على لسان نبيه ﷺ أماراتها الصغرى والكبرى، وقد ذهب من الصغرى الكثير ونكاد نبتدئ في الكبرى.
وكان من العلامات الصغرى الرسالة المحمدية نفسها، قال فيها ﷺ : (أرسلت والساعة كهاتين)، أي: كان قريباً من الساعة كقرب السبابة من الوسطى، ولكن كم مضى من الدنيا لنعلم كم بقي؟ لا يعلم ذلك إلا الله.
فقوله: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا﴾ [طه:١٢٩]، أي: لكان العذاب لزاماً ملازماً قائماً مهلكاً.
стр. 282
تفسير سورة طه [١٣٠ - ١٣٢]
يأمر الله تعالى عبده ورسوله محمداً ﷺ أن يصبر على ما يقوله المشركون، وأن يسبح ربه بحمده ويصلي له الصلوات المفروضات، وأن يقنع بما آتاه الله من الدنيا ولا يطمع فيما عند الآخرين؛ لأنه قدوة للمؤمنين.
стр. 283
تفسير قوله تعالى: (فاصبر على ما يقولون)
стр. 284
معنى قوله تعالى: (فاصبر على ما يقولون)
قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه:١٣٠].
هذه الآية من الآيات التي جمعت الأمر والحث على الصلوات الخمس في كتاب الله.
قوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [طه:١٣٠]: الله ﷻ يسلي نبيه ﵊ ويدعوه للصبر على ما يسمع من قول الكافرين عنه إنه ساحر وكاذب وشاعر ومجنون؛ وحاشاه من كل ذلك، ولكنهم يرون وجوههم وأنفسهم في المرآة فيرون بذلك صورة الرسول ﷺ ولا يصفونه إلا بصفاتهم القائمة فيهم، فدعاه الله ﷻ للصبر، وكان هذا قبل الإذن بالقتال.
ولا ننسى ونحن في خواتم السورة أن سورة طه مكية، وفي مكة لم يشرع القتال، فلم يكن إلا دعوته للصبر والتحمل إلى أن يبلغ دين الله ولو إلى جماعة، ولكن الواحد من هذه الجماعة كألف، والألف كمليون.
وهكذا ثبت الإسلام عقيدة ونظاماً وحكماً وحلالاً وحراماً، ثبت بأصوله وفروعه عند المهاجرين في مكة، وما كادوا يذهبون إلى المدينة حتى وجدوا الأنصار قد سبقوهم بنصرة رسول الله بالقوة والسيف قبل اللسان، وأعدوا له المقام لينصروه بما ينصرون به أنفسهم وأهلهم وأموالهم وأولادهم، وأن يبذلوا الحياة والأرواح رخيصة في سبيله.
وأما مكة فكان يدعوه الله إلى الصبر؛ ولذلك صبر على الأذى وعلى الشتائم وعلى الهجران، وكان بدوره ﵊ يمر على أصحابه مثل عمار بن ياسر وأبيه ياسر وأمه سمية وهم يعذبون العذاب النكر، فلا يزيد على أن يقول لهم: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة).
وما أذن بالقتال إلا في المدينة إذ نزل قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩]، إلى آخر الآيات.
стр. 285
معنى قوله تعالى: (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها)
قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه:١٣٠]: التسبيح هنا الصلاة؛ لأن الصلاة مشتملة على التسبيح عند السجود، وعند الجلوس، وعند القيام، وعند الوقوف، وعند الركوع، فنحن عندما نقول: الله أكبر فقد سبحنا الله وعظمناه، وجعلناه الأكبر من كل ما يخطر بالبال وتراه العين.
وعندما نقول: الحمد لله رب العالمين نسبحه ونجعل الحمد المطلق الكامل له وحده لا أحد يستحقه معه.
وعندما نركع نقول: سبحان ربي العظيم، فنسبح الله العظيم الأعظم.
وعندما نسجد نقول: سبحان ربي الأعلى، فنسبحه ﷻ .
ومن هنا يقول تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه:١٣٠]، أي: صلاة الصبح، ووقتها قبل طلوع الشمس، والتسبيح قبل غروب الشمس صلاة العصر.
فاشتملت هذه الفقرة من الآية الكريمة على صلاة الصبح وصلاة العصر، وفي صلاة الصبح وصلاة العصر يقول النبي ﵊ كما في الصحاح عن جرير بن عبد الله: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فمن استطاع أن يصلي صلاة قبل غروب الشمس وصلاة قبل شروق الشمس فليفعل).
وعن عمارة بن رؤيبة في صحيح مسلم ومسند أحمد أن النبي ﷺ قال: (من لازم الصلاة قبل غروب الشمس وقبل طلوع الشمس دخل الجنة).
ومن هنا قال المالكية: الصلاة الوسطى صلاة الصبح، وقال الشافعية: الصلاة الوسطى صلاة العصر، أخذاً من هذه الآية الكريمة، والصلاة الوسطى هي التي قال الله عنها مؤكداً مخصصاً بعد تعميم: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨]، فأمر بالصلوات كلها ومنها الوسطى، ثم زاد فخصصها وأكدها لمزيد فضلها ووقتها.
وقال البعض: إنها الظهر، ولكن ثبت في صحيح مسلم بما لا يدع مجالاً للشك والريب أن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى.
стр. 286
معنى قوله تعالى: (ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار)
قوله: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه:١٣٠].
آناء: جمع آن، أي: الساعات والأوقات، وساعات الليل هي صلاة المغرب وصلاة العشاء، فصلاة المغرب تكون بعد غروب الشمس ونهاية النهار فهي من صلوات الليل، وصلاة العشاء كذلك.
ومن هنا يقال عن المغرب والعشاء إنها صلاة الليل، ويدخل في ذلك التهجد وإن كان الأصل هو الصلوات الخمس.
قوله: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه:١٣٠].
أطراف النهار هي صلاة الظهر، لأن الأطراف: جمع طرف فوقت صلاة الظهر زوال، فتأخذ طرفاً من أول النهار وطرفاً من ثاني النهار.
ومن هنا كانت الأوقات كلها عند الشروق وقبل الشروق وقبل الغروب وعند الزوال وفي بداية الليل وعند غروب الشمس، فعلينا أن نستقبل الكعبة متوجهين إليه ﷻ نناجيه ونخاطبه ﷻ بكاف الخطاب المفرد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، ونلتزم ذلك في كل ركعة ونحن نناجي الله، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
ولذلك قال أئمتنا وعلماؤنا: هذه الآية شملت الصلوات الخمس، والسنة النبوية هي شرح لكتاب الله وبيان وتفسير، فزادت هذه الآية بياناً عندما نزل جبريل من الله إلى نبيه ﷺ مبيناً له أوقات الصلوات الخمس: الوقت في أوله وفي وسطه وفي آخره، فصلى بالنبي ﵊ يومين، ففي اليوم صلى به الأول الصلوات الخمس في أول وقتها، وفي اليوم الثاني صلى به الصلوات الخمس في آخر وقتها، ثم قال له عن الله: (هذه أوقات وما بينها أوقات لهذه الصلوات)، ولكن النبي ﵊ قال: (أول الوقت رضوان من الله، ووسطه رحمة من الله، وآخره عفو الله).
وما كان رضاً فهو أكرم وأفضل من الرحمة، وما كان رحمة فهو أفضل وأكرم من العفو، والعفو فيه معنى المؤاخذة كقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣]، عفا الله عنك لم أخرت الصلاة إلى آخر الوقت؟ ومع ذلك يعتبر صلى الصلاة في الوقت.
ولكن العلماء والأئمة من سلفنا الصالح كرهوا للإنسان أن يلتزم الصلاة باستمرار في آخر الوقت، وسماها الرسول ﵊ بالنسبة لصلاة العصر صلاة المنافقين؛ وهي أن الإنسان ينتظر الشمس حتى إذا تضيفت للغروب قام فنقرها نقراً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً، أي: يسرع خوفاً من غروب الشمس.
стр. 287
معنى قوله تعالى: (لعلك ترضى)
قوله: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه:١٣٠].
أي: سبح آناء الليل وساعاته في المغرب والعشاء، وسبح أطراف النهار أي: الظهر، ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه:١٣٠]، وهذه كقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥].
والمعنى: لعلك تجد من الله ثواباً وأجراً بما يرضيك ويقر عينك، فالتزم هذا في نفسك، وأمر به غيرك من أمتك ابتداء من أهلك إلى آخر مسلم ممن تلقاه وتجتمع به، وأوص بذلك من عايشك واجتمع بك على أن يبلغ ذلك لأهله وأولاده ولمن يدركه بعدك، وهكذا
стр. 288
تفسير قوله تعالى: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم)
قال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١].
هذه الآية أمر لرسول الله ﷺ وهي أمر لأمته، وكما هي العادة في كتاب الله أن يؤمر النبي ﵊ وهو أمر للناس جميعاً.
قوله: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا﴾ [طه:١٣١]: مد العين: النظر مع التشوق وهو أزيد من النظر، فلا يقال: لا تنظر، ولكن يقال: لا تمد عينك، أي: لا تطمع لا تشتق لا تتمن أن يكون لك ما لأولئك مما أعجبك من نساء ودور وأموال وجاه وسلطان ونفوذ.
قوله: (أزواجاً): أي: أصنافاً من الناس.
وقد متعهم بذلك زينة وتفاخراً ومتعة، ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه:١٣١]، أي: ليكون ذلك فتنة واختباراً ليرى هل سيشكرون الله تعالى ويحمدونه على هذه النعم بأداء الحقوق فيزكون من جاههم وأموالهم ورفاهيتهم، ويشكرون الله بعد ذلك باللسان.
والزهرة: الزينة والزخرف والمتعة، وقد قال ﵊: (والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن زهرة الدنيا وزينتها).
كان الناس في الحياة النبوية على غاية ما يكونون من الحاجة والفقر وشظف العيش، وكان يقول لهم ﵊ وهم يشتكون الفقر ويطلبون منه أن يدعو الله لهم بالغنى: لا أخاف الفقر ولكن أخاف أن يغنيكم الله فتتنافسوا على الدنيا فيسفك بعضكم دماء بعض، أو كما قال ﷺ ، وهكذا حدث.
والمقصود: أن الخطاب للنبي، وهو خطاب لأتباعه ﷺ ، وإلا فالنبي ﵊ قد عرضت عليه الدنيا وعرضت عليه الجبال أن تكون ذهباً وفضة، وعرض عليه أن يكون ملكاً نبياً، فأبى كل ذلك وأعرض عنه، وطلب أن يكون عبداً رسولاً يجوع يوماً فيصبر، ويشبع يوماً فيشكر.
والنبي ﵊ أتته الدنيا غنائم وأموالاً، وكل ذلك كان يوزعه ويفرقه من ليلته ولا يدع عنده منها قليلاً ولا كثيراً.
كان ﵊ يلبس ما وجد، وينتعل ما وجد، فإذا لم يجد مشى حافياً، وكان ﷺ أحياناً يلبس القلنسوة بلا عمامة، وأحياناً عمامة بلا قلنسوة، وأحياناً لا تكون عنده عمامة ولا قلنسوة، وكان يقول: (نهينا عن التكلف).
كان يصبح فيقول: هل عندكم شيء يؤكل؟ فيقولون له: لا.
فيصوم إلى المغرب، وقد يبقى ليالي وأياماً لا يذوق فيها طعاماً.
وكان إذا اشتد به الجوع يربط على بطنه الحجر صلى الله عليه وعلى آله.
وفي ذات مرة دخل عليه عمر وهو في المشربة بعد أن هجر أهله شهراً، فوجده على حصير من النخل قد أثر في جنبه ﷺ فقال له: يا رسول الله! كسرى في أمواله وقيصر في رفاهيته وأنت في هذه الحالة! وكان متكئاً فجلس وقال: (أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا).
وهكذا عاش النبي ﵊ عبداً نبياً برضا منه واختيار، وهكذا عاش بعده الخلفاء الراشدون، ومن هنا كان يقول ﵊: (تمسكوا بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ).
وكانوا يلبسون الثياب المرقعة، وذات مرة جاءت عمر الغنائم فوزع على الكل ثوباً ثوباً، ثم خرج على المسلمين وعليه ثوبان اثنان فقال: يا أيها الناس! اسمعوا وأطيعوا.
فصاح أحد الحاضرين وقال: يا ابن الخطاب لا سمع ولا طاعة، قال: ولم؟ قال: هل وزعت على المسلمين ثوباً وأعطيت لنفسك ثوبين؟ فقال عمر: أهنا عبد الله؟ قال: نعم، قال: قم فأجبه، قال: يا هذا! إن الثوب الذي رأيته على أمير المؤمنين هو ثوبي؛ لأن ثوبه لا يكفيه لطول قامته، فقال الآخر: الآن يا أمير المؤمنين! السمع والطاعة.
وكان النبي ﵊ يعيش صائماً في أكثر أوقاته، ومع ذلك ما كان يتم صيام شهر كامل سوى رمضان، وأكثر ما يصوم في شهر شعبان، وشهر محرم، وكان يصوم الإثنين والخميس، وكان يصوم الليالي النيرة بالقمر وهي اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر.
وكان ﵊ إذا أعطى يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وكانت هذه سيرته وهي سيرة السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن اهتدى بهديهم ممن بعدهم.
قوله تعالى: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه:١٣١]، أي: لنبتليهم هل سيشكرون الله على هذه النعمة أم لا؟ ولذلك كان ﵊ يقول: (هلك المكثرون إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا)، أي: إلا من كان يوزع ماله وزكاته وصدقاته ونفقاته في القريب والبعيد.
وكان يقول ﵊: (نعم المال الصالح للرجل الصالح).
وكان يقول: (إن لله عباداً لا يصلحهم إلا الغنى ولو أفقرهم لأفسدهم، وإن لله عباداً لا يصلحهم إلا الفقر ولو أغناهم لأفسدهم).
وهذا شاهدناه ولا نزال نشاهده، فقد كان معنا أطفال ونحن أطفال في المدارس على غاية من التقى والصلاح، فلما كبروا أصبح لهم جاه ومال وسلطان فنسوا الله وتركوا الصلوات وكادوا يتركون الدين كله، فالفقر أصلح لهؤلاء، فمن العصمة أن تجد الفاجر يريد أن يفجر فلا يجد المال فيكون هذا من نعمة الله عليه وكرامته، لأنه لو أعطاه المال وصرفه في ذلك لكانت عقوبته مضاعفة، حيث صرف هذا المال في غير حله، ولا يشكر نعمة الله عليه مع فعل الفاحشة والذنب والمعصية.
قال تعالى: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١]: الرزق الحلال بالكسب الحلال خير من هذا المال الكثير الذي لا يزيد الغني إلا فتنة، وأبقى بما يقدمه من زكاة وصدقة ونفقة.
ورزق ربك في الآخرة -يا هذا الذي زهد في الدنيا عن طواعية وإذا أغناه الله صرف الغنى في حله ولم يرتكب به الحرام ولم يوزعه في أنواع الفواحش بأشكالها- خير وأبقى من ذلك المال الفاسد الذي ابتلي به من لم يطع الله ولم يتقه، وأبقى وأدوم من حيث الأجر والثواب من ذلك المال الفاسد.
стр. 289
تفسير قوله تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها)
قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢].
بعد أن أمرنا الله بالصلوات الخمس في أنفسنا؛ وبأن نسبحه ونصلي له قبل طلوع الشمس وقبل الغروب وفي آناء الليل وأطراف النهار، عاد فأمرنا أن نأمر غيرنا بالصلاة ولا نكتفي بأنفسنا، فقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ [طه:١٣٢]، فالأمر لنبينا أولاً ثم هو لنا.
ومنذ نزلت هذه الآية كان ﷺ يقوم من الليل فيطرق باب ابنته فاطمة وهي مع زوجها علي ويقول: الصلاة الصلاة، ويطرق أبواب زوجاته في غرفهن ويقول: الصلاة الصلاة، وكان يفعل ذلك أبو بكر، ويفعله عمر، ويفعله المسلمون ممن اهتدى وأطاع أمر ربه.
فنحن مأمورون بالصلاة في أنفسنا، ومأمورون أن نأمر بها أهلنا الذين هم تحت سلطاننا، والأهل بالنسبة لرسول الله ﷺ جميع أمته مع أهله الأولين، وبالنسبة للحكام جميع رعاياهم بعد أهلهم، ومن له شريك أو صاحب يأمره بذلك، وقبل ذلك أهله وأولاده.
والأهل هنا بداية من الزوجة إلى الولد إلى الأم إلى الأخت إلى بقية أفراد العشيرة، فيجب أن تأمرهم بالصلاة: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، أمرنا الله تعالى أن نقي ونحفظ أنفسنا من عذاب ناره، ونقي أهلنا هذه النار التي حطبها وفحمها الناس والحجارة.
ولا عذر لزوج يقول: أمرتها فلم تمتثل، ولا عذر لأب يقول: أمرت ولدي فلم يمتثل.
نعم، لا حق لك في القتل، وقد يكون أحياناً لك ولكن مع هذا هناك طرق في التأديب قد علمنا إياها النبي ﵊، فقال لنا عن الصلاة وتعليمها للأطفال: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر).
فمنذ السابعة وإلى العاشرة ثلاث سنوات تكون للتمرين وللتدريب؛ لأن من لم يتمرن على الصلاة من الطفولة حتى لو آمن بها فإنه لا يواظب عليها إذا كبر، ونعلم الكثير من أهل الخير الذين لم يمرنوا على الصلاة إلا بعد الكبر لا يصلون إلا وكأن الجبال على عواتقهم.
ونعلم الكثير من الناس الذين مرنوا على الصلاة من آبائهم ومربيهم وهم في الطفولة إذا حاولوا ليلة نتيجة مرض أو تعب أو أي سبب أن يؤخروا الصلاة إلى آخر الليل يصيبهم الأرق، ولو كان أحدهم مجهداً متعباً، فإذا قام ليتوضأ ويصلي شعر وكأن حملاً ثقيلاً قد ألقاه عنه.
ومن هنا كان ﵊ يقول لـ بلال: (أرحنا بها يا بلال)، أي: كان يرتاح ﵊ بالصلاة، وبها كان يجد اليقين، وفيها قرة عينه صلى الله عليه وعلى آله.
والصلاة عماد الدين من تركها فقد كفر، والفرق بين المسلم والكافر ترك الصلاة.
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢]، أي: اصبر على الصلاة في نفسك وفي أهلك ولازمها في جميع الأوقات صحة ومرضاً، حضراً وسفراً، قائماً وقاعداً، ولا تتركها في حال من الأحوال، فما هي إلا أيام وتجد ذلك زادك الوحيد عند الله يوم القيامة.
стр. 290
تفسير سورة طه [١٣٢ - ١٣٥]
المؤمن مأمور بالصلاة، ومأمور أن يأمر أهله بالصلاة، ثم الله يرزقه ويغنيه من فضله، ولكن الكافرين يتعنتون ويحتجون على الله، وقد أرسل الله الرسل وأنزل الكتب ليقيم عليهم الحجة.
стр. 291
تفسير قوله تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة)
قال الله جلت عزته: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢].
الله ﷻ لم يكتف منا بأن نصلي لأنفسنا فقط، فقال ﷻ : ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]، وأمرنا في العشرات من الآيات: أن أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة.
ومن هنا نفهم أن الإسلام اجتماعي وليس انعزالياً لا في عبادته ولا في نظمه ولا في دولته، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
فالله كما أمرنا بالصلاة في أنفسنا أمرنا بأن نأمر أهلنا بالصلاة وأن نصطبر على ذلك، والأهل يشمل الزوجة والولد والقريب والبعيد الذي أنت على صلة به، وخادمك وصديقك ومن له بك صلة من الصلات.
وهو بالنسبة لرسول الله ﵊ كل أمته، أي: وأمر أمتك وفي الدرجة الأولى نساءك وأصهارك وأحفادك وبني عمك وعشيرتك، ثم بقية المسلمين، وهو أمر لازم فرضه الله على كل مسلم، أعني أن يأمر بالصلاة زوجته وولده وبنته ومن له بصلة ما، فإذا لم يفعل وكان هؤلاء متهاونين بالصلاة فسيكون مسئولاً عنهم.
بل أمرنا النبي ﵊ أن نأمر بالصلاة أطفالنا وأولادنا وهم أبناء سبع، فقال: (مروا أولدكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر).
فأعطانا قيادة داخل الأسرة بأن ننشئ أطفالنا على الصلاة منذ السنة السابعة، وأن نبقى نأمرهم بذلك ليتدربوا وليعتادوا وليتمرنوا ثلاث سنوات، فإن هم بعد ذلك قصروا فليضربوا جزاءً وفاقاً، فإذا جاوز الأمر إلى حد البلوغ فيختلف الوضع.
فتارك الصلاة كسلاً يقتل عند المذاهب الثلاثة: مذهب الشافعي، ومذهب مالك، ومذهب أحمد، ويسجن أبداً حتى يصلي عند الحنفية، ويجلد عشر ضربات عند الظاهرية، فإذا انتهى من الضربات وبقي ممتنعاً من الصلاة أعيدت عليه، وتكون عشراً ثم عشراً إلى الصلاة أو الموت، ومعنى ذلك: أن تارك الصلاة يعتبر جسماً موبوءاً في المجتمع، إما أن يصلي وإما أن يبعد عن المجتمع بأن يدفن تحت التراب أو يسجن أو يجلد حتى الموت، أو الصلاة، بل جاء عند الحنابلة أنه يقتل كافراً.
وظواهر الأحاديث تدل على ذلك، وهو مذهب كثير من السلف صحابة وتابعين وأئمة مجتهدين، ومن هذه الأحاديث أن النبي ﵊ يقول: (الفرق بين المؤمن والكافر ترك الصلاة)، بمعنى: أن الصلاة عماد الدين فمن تركها فقد كفر.
قوله: ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢]، أي: اصطبر عليها في نفسك وأدها في وقت الحر ووقت البرد، وفي الليل والنهار، وفي الحضر والسفر، وفي الصحة والمرض، وفي البر وداخل البحر، وعلى الجبال والوهاد والصحاري.
ولا يعذر أحد في ترك الصلاة إلا أن يفقد عقله أو يصبح في عداد الأموات.
واصطبر عليها في دعوة أهلك لها، وفي دعوة ولدك فأدبهم عليها بحسب ما ترى من التأديب، والمرأة التي تمتنع من الصلاة مع الهجران والتأديب لا خير فيها، وعند الكثير من الأئمة تعتبر مرتدة، وعقد النكاح يعتبر مفسوخاً بردتها.
قوله: ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ [طه:١٣٢].
أي: نحن لا نسألك أن ترزق نفسك ولا أن ترزق غيرك، وإنما نسألك العبادة، ونسألك الصلاة وتفاصيلها وأوقاتها وركعاتها من أركان وواجبات وسنن ومستحبات، وقد بينتها السنة المطهرة.
قوله: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه:١٣٢].
فهم الشراح والمفسرون أن من أسباب الرزق ودوامه الصلاة والملازمة لها، فقد كان نبينا صلوات الله وسلامه عليه إذا اشتدت به الضائقة صلى وأمر أهله بالصلاة، ولذلك من التزم الصلاة والتزم القيام بها في أوقاتها من ليل أو نهار أتته الدنيا وهي راغمة، وفي الحديث الصحيح: (من جعل الدنيا همه فرق الله عليه أمره، ومن جعل الآخرة همه رزقه الله من حيث لا يحتسب وأتته الدنيا وهي راغمة).
والرزق مضمون للحي فكيف بالعابد المصلي وقد فرغ وقته لله، خاصة إذا رزق القناعة والشكر على ما أعطاه ربه ولم يمد عينيه إلى ما متع الله به أصنافاً من الناس زهرة الحياة الدنيا ليبتليهم بذلك.
قوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢].
العاقبة لأهل التقوى، ومهما رأيت أيها المؤمن من دنيا وجاه عند غيرك كافراً أو فاسقاً جاحداً أو مؤمناً عاصياً فالنهاية والعاقبة لمن كان مستقيماً، وعاقبة الأشرار البلاء والخزي والدمار في الدنيا والآخرة.
في الصحيح أن النبي ﵊ قال: (رأيت الليلة كأني في دار عقبة بن رافع وأتينا برطب من رطب ابن طاب فأولت ذلك، أن العاقبة لنا والرفعة في الدنيا، أن ديننا قد طاب).
وهكذا الرؤيا الصالحة لها أصول في تأويلها، وهي جزء من خمسة وأربعين جزءاً من النبوءة، ويقول ربنا ﷻ : ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٤]، وقيل: يا رسول الله! هذه البشرى في الآخرة فكيف هي البشرى في الدنيا؟ قال: (الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له).
стр. 292
تفسير قوله تعالى: (وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه)
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ [طه:١٣٣].
يقول الكافرون الجاحدون: هلا أتانا محمد بآية من ربه، وما هي الآية التي يطلبون؟ وما هي المعجزة التي يريدونها؟ فقد جاء ﷺ بالكثير من المعجزات مما لم يكن مثلها لنبي أو رسول، وإن كلم عيسى الأموات وأحياهم بإذن الله فقد كلم محمداً ﷺ الجماد، وحن الجذع إليه وهو خشب ميت لا حراك به حين تركه وكان منبراً يخطب عليه، حن حنيناً بحيث سمعه جميع الحاضرين في المسجد، وكانت أنواع الحيوانات تأتي إليه مسلمة ومصلية وساجدة أحياناً، وكان الشجر يسلم عليه، ومعجزاته كثيرة، وقد جمعت في مجلدات بحيث أصبح مجمعاً عليها.
وأعظم هذه المعجزات كتاب الله، ولكن هؤلاء مع ما يعلمون من تلك المعجزات وما رأوا يطلبون آية ومعجزة باقتراحهم، وما اقتراحهم إلا للتعنت، فقد طلبوا من نبي الله ﵊ أن يجعل لهم الصفا والمروة ذهباً، أن يزيح عن مكة هذه الجبال، وأن يستأذن ربه بأن تفجر أنهاراً وعيوناً ومياهاً وأن تنتقل من كونها أرضاً صحراء إلى أرض خصبة ذات زراعة وذات شجر وفواكه.
فهم إنما يتعنتون وإنما يقصدون التعجيز، وذلك لا يعجزه ﷺ فإن ربه يعطيه حتى يرضيه، ولكن عندما يكون الطلب للتعنت لا يكون منه فائدة، وحتى لو استجيب هؤلاء لما طلبوا فيطلبون معجزات وآيات أخرى، وإذا جاءت المعجزة ولم يؤمنوا دمرهم الله وقضى عليهم ولم ينذرهم ولم يمهلهم، ولكن النبي ﵊ كان أرحم بقومه منهم بأنفسهم، لذلك كان ينتظر بهم أن يؤمنوا، أو يخرج الله من أصلابهم مؤمنين يعز الله بهم هذا الدين وينتشر في آفاق الأرض.
قال الله جواباً لهم عندما قالوا: هلا يأتينا بآية من ربه: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ [طه:١٣٣].
أي: أو لم يأتهم يا محمد بيان ما في الصحف الأولى من كتب الله السماوية السابقة بأن أنزل عليه القرآن مصدقاً لما بقي حقاً في هذه الكتب ومكذباً لما حرف وبدل وغير، أولم تكن لهم بينة أن يذكر نبيهم في التوراة والإنجيل باسمه أحمد وبصفته ونعته، أولم يكف كل ذلك؟ وهذا لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت:٥١]، وهذا الكتاب معجزة المعجزات الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
هذا الكتاب الذي أعجز العرب وقد نزل بلغتهم، وكانوا أفصح الخلق وأبلغ الخلق، ولغتهم هي أوسع اللغات على الإطلاق بما تؤديه من معني يجري في النفس وتراه العين وتسمعه الأذن ولا يخطر على بال إنسان، وسعت كتاب الله بما فيه من أخبار الأولين والآتين، أخبار الدنيا الآخرة.
هذا الكتاب الذي معجزته ما انتهت ولن تنتهي إلى النفخ في الصور، هذا الكتاب الذي مضى عليه أربعة عشر قرناً ولا يزال الإعجاز قائماً بأنه لم يستطع أحد من الخلق أن يأتي بمثله.
هذا الكتاب الذي حوى علم الأولين وعلم الآخرين إلى أن يدخل الجنة من يدخلها ويدخل النار من يدخلها، أكل هذا لم يكفهم؟ فماذا يريدون؟ وقد اجتمعوا أكثر من مرة وأكثر من مجلس وفي أكثر من مدينة وهم يتفاوضون ويتخافتون ويتسارون: ما نوع هذا الكتاب؟ أهو شعر؟ فيجيب شاعرهم ويقول: علمنا الشعر قوافيه وبحوره وبدايته ونهايته، فما هو بالشعر.
أهو النثر؟ فيقول خطيبهم: علمنا النثر وقوافيه وسكتاته ومقاطعه وما هو به.
وإذا بأرباب العناد والكفر قالوا: هذا سحر، والسحر باطل وهباء لا يدوم ولا يبقى، وها نحن نرى القرآن قد أتى بهداية البشر أبيضهم وأسودهم، عربهم وعجمهم في جميع الدنيا مشارقها ومغاربها، ولا يزال هذا الكتاب الكريم يؤتي أكله وهدايته لكل من أكرمه الله بهدايته والإيمان به والعمل بما جاء فيه.
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ [طه:١٣٣] أي: في الكتب الأولى السابقة والصحف المنزلة كصحائف إبراهيم وزبور داود وتوراة موسى وإنجيل عيسى، وقد بشر بنبينا ﵊ في أكثر الكتب السماوية، وباليقين في التوراة والإنجيل باسمه أحمد وبصفته كذلك.
стр. 293
تفسير قوله تعالى: (ولو أنا أهلكناهم بعذاب)
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه:١٣٤].
أي: ولو أنا قضينا عليهم في الدنيا قبل الآخرة لجاءوا يوم القيامة وقالوا: يا ربنا أهلكتنا قبل إنذارنا، وقبل إرسال هذا الكتاب، وهاهم ينكرونه وقت نزوله، وكانوا قبل نزول القرآن عليهم يقولون: لولا أرسلت إلينا رسولاً يأتي بكتاب يدعونا ويهدينا، ويبشرنا وينذرنا، ويبعدنا عن شرنا في معاشنا ومعادنا.
ولكن الحجة البالغة لله؛ فلم يترك لهم أن يقولوا هذا، ففي دار الدنيا أرسل رسلاً مبشرين ومنذرين، منذ آدم وبعده نوح فإدريس فإبراهيم، فسلالة إبراهيم إسماعيل وإسحاق وهكذا إلى خاتمهم نبينا ﵊، فلم تبق حجة لأحد أن يقول يوم القيامة: لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك.
قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه:١٣٤].
أي: قبل أن نذل في الدنيا بنعت الكفر والشرك والجحود والعصيان والعيشة الضنك، وأن نخزى يوم القيامة بعذاب الله وبناره وبلعنته وطرده من رحمته، ولكن هذا لم يدعهم الله يقولون، فقد أرسل لهم الرسل والأنبياء قال الله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤].
وكان الأنبياء يبعثون إلى أقوامهم خاصة، وعندما ارتقت العقول البشرية أكرمها الله بأن أرسل لها خير الأديان وخاتم الأنبياء وسيد الرسل نبينا محمداً ﷺ ، وجعله الرسول الخاتم لمن سبقه، فلا كتاب بعده ولا رسالة ولا نبوءة.
فالكل أصبح ملزماً بأن يؤمن به وبما جاء به عن الله، فمن دفن في قبره وأتاه الملكان منكر ونكير وهما يقولان له: من ربك من نبيك ما دينك؟ لن يستطيع أن يجيب ويقول: لا أعلم، ولم يبق أحد على وجه الأرض في عصرنا هذا وقبله بأزمان لم يسمع بأن هناك نبياً ظهر في البلاد العربية، وكانت رسالته عامة شاملة خالدة إلى يوم القيامة.
стр. 294
تفسير قوله تعالى: (قل كل متربص)
قال تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾ [طه:١٣٥].
تبرص الكفار برسول الله الموت، وقد كانوا ينتظرون ذلك ويشتهونه ويتمنونه، ويتربصون أن ينتصروا عليه، فقال تعالى لرسوله ﷺ : قل لهم: ﴿كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا﴾ [طه:١٣٥].
أي: كل منتظر فانتظروا، أي: كل مؤمن وكافر وكل فئة وطائفة متربصة بالأخرى ومنتظرة النتيجة.
والتنوين في (كل) هو تنوين العوض، فهو عوض عن كلمة، وقد يكون عوضاً عن جملة.
وهذا تهديد من الله ووعيد، فيقول لهم: تربصوا وانتظروا فستعلمون يوم العرض على الله من الذي تربص بالآخر؟ ومن منكم على الصراط المستقيم والحق الواضح الذي ليس فيه طرق ملتوية، وليس فيه عقد وليس فيه أباطيل ولا أضاليل، فهو على المحجة البيضاء كما قال النبي ﵊: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يضل عنها إلا هالك).
والصراط السوي هو الصراط المستقيم والطريق النير الواضح البين، أي: وستعلمون يا هؤلاء المشركون! من الذي على الصراط المستقيم أنحن أم أنتم؟ ومن الذي اهتدى للحق وظفر به؟ ومن سيفوز بالرضا والجنة يوم القيامة؟ ومن الذي سيعود بالخزي واللعنة والنار؟ وذاك تهديد من الله ووعيد.
وفي آخر هذه الآية من سورة طه نكون قد ختمنا من القرآن الكريم ستة عشر جزءاً، وتجاوزنا النصف بجزء.
والحمد لله من قبل ومن بعد، والمرجو من الله ﷻ كما أعاننا على هذا في سبع سنوات مضت أن يعيننا على إتمامه في حياة طيبة وصحة كاملة للسامع والقائل، وللداعية والمدعو معاً، وأعظم شيء يكرم الله به الإنسان أن يتدارس كتاب الله، ولا مجلس أشرف من ذلك، خاصة إذا كان هذا التدارس في بيت الله الحرام منزل الوحي الأول، ومسقط رأس الرسول ﵊ وتجاه الكعبة المشرفة.
стр. 295
تفسير سورة الأنبياء [١ - ٢]
يخبر الله تعالى في مطلع سورة الأنبياء عن اقتراب الحساب وقيام الساعة، منذراً من كان غافلاً عنها حتى ينتبه، ومهدداً للكفار الذين ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون.
стр. 296
بين يدي سورة الأنبياء
سورة الأنبياء عدد آياتها ١١٢ آية، وهي من أوائل السور التي نزلت على نبينا ﵊.
وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: الإسراء والكهف ومريم وطه والأنبياء هي من قدامى السور وأوائلها، يعني: من قدامى السور التي نزلت في أول الإسلام وصدره في مكة المكرمة.
وكل هذه السور قد مضت مفسرة مبينة موضحة، وكلها مما نزل على رسول الله ﷺ في هذه الأرض المطهرة المقدسة، وفي هذه البقعة التي هي أشرف بقاع الأرض على الإطلاق والشمول والاستغراق.
ثم قال شاكراً لربه، متفاخراً بذلك، معدداً نعم الله عليه فقال: وهي من تلادي.
أي: من السور القديمة التي حفظتها وعلمت معانيها وأحكامها عن رسول الله ﵊ وأخذت منه تأويلها وتفسيرها.
стр. 297
تفسير قوله تعالى: (اقترب للناس حسابهم)
قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء:١].
تكلمنا عن البسملة كثيراً في أوائل السور، وندخل الآن للموضوع رأساً فنقول: قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء:١].
استضاف سعد بن أبي وقاص استضاف رجلاً من العرب فأكرمه، ثم عرفه برسول الله ﵊ ليؤمن به، واستقطع رسول الله أرضاً ووادياً، فجاء هذا الضيف إلى سعد، وقال: لقد أقطعني رسول الله أرضاً من وصفها ونعتها كذا وكذا، أريد أن أقطعك منها قطعة، قال: لا تفعل، ولا حاجة لي بها، فقد نزلت اليوم سورة ذهلت لها عقولنا، وكرهنا لها الحياة، وقد انتهت وقربت الساعة، قال: ما هي؟ قال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١].
هذه السورة ابتدأت بالكلام عن الساعة، وانتهت بالكلام عن قصص الأنبياء وما فيها من عبر وعظات تنذر الكافر وتبشر المؤمن.
﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء:١] أي: اقتربت الساعة وقرب وقتها وزمنها، (اقترب للناس) أي: اقترب من الناس، فاللام هنا بمعنى: من.
والمعنى آن الأوان، وأصبحت الساعة قريبة، لأن الحساب لا يكون إلا يوم القيامة.
﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١]، هذه الواو يقال لها: واو الحال، أي: حال كونهم معرضين عنها وعن أهوالها وعن عذابها وعن اليوم الذي هو كألف سنة مما تعدون، الناجي من المعروضين على الله لا يكاد ينجو حتى يصل إلى ما لا تطيقه نفس بشرية، ولو كانت الدنيا لا تزال لمات موتات قبل أن يعلم النتيجة، وأنه من الذين ﵃ وسيدخلون الجنة.
في هذا اليوم يشيب الرضيع، ويشتد البلاء على الناس، ويشتد العرق حتى يغرقوا في عرقهم، والبعض للركبة، والبعض للسرة، والبعض للثديين.
ومن هنا كانت مزية في هذا اليوم للمؤذنين، فقد قال ﵊: (المؤذنون يوم القيامة أطول الناس أعناقاً)، ومن لم يفهم ذلك لا يفهم الحديث، وما الجَمال في طول العنق أكثر من اللازم؟! فهنا يوم العرض على الله، يوم الشدة والكرب، من كان طويل العنق كما ذكره الله على المؤذنين، مهما غمر في العرق وفي المحنة والعذاب تبقى حواسه في منجاة من ذلك؛ العينان والأذنان والمنخران والفم.
وقيامة كل إنسان موته، فهو بموته تكون قد انطوت صحيفته في الدنيا، ويبتدئ حسابه في القبر، يسأله الملكان: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ فإن أجاب بما نجح به وفاز يريه عن يمينه ويقول له: هذا مكانك من الجنة، فيرى بعينه ما لا يحده البصر من أنواع النعيم بما تقر به عينه، وتلذ به نفسه، ويعيش بهذا النعيم ممتع الروح والنفس إلى البعث، ثم يقول له: انظر يسارك، هذا مكانك من النار فيما لو لم تكن جئت مؤمناً موحداً تائباً، فيزداد حمداً لله على أن أنجاه من النار، وأنقذه منها، والعكس بالعكس، يُرى ما على يساره للكافر وللعاصي فيزاد عذاباً في نفسه وروحه، ويزداد حسرة عندما يقال له: انظر على يمينك، لو أحسنت الجواب وعشت مؤمناً في دنياك أين كان سيكون مكانك ومقامك.
والرسالة المحمدية نفسها هي العلامة الأولى على قرب الساعة، وقد قال ﵊: (بعثت والساعة كهاتين: وأشار بالسبابة والوسطى) أي: ما بين القيامة وبين ما مضى كقدر ما بين السبابة والوسطى، ولكننا لا نعلم كم مضى لنعلم ما يأتي.
ومن هنا بقي يوم القيامة مجهولاً عند الخلق، فلا يعرفه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وفي حديث جبريل الذي جاء فيه نبي الله ﵊ يسأله، كان فيما سأله: (متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، ثم أخذ يذكر علاماتها.
ولها علامات صغرى وكبرى، وتكاد العلامات الصغرى كلها تكون قد مضت، ونحن ننتظر العلامات الكبرى، وهي من الهول بمكان، ومن الفتنة والبلاء بمكان، أنقذنا الله من فتنها وبلائها.
﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١] أي: حال كونهم معرضين غافلين عما يجب أن يكون عليهم من تقى، ومن تجديد توبة، ومن إيمان بالله وبرسله، ومن عمل بما جاء في كتب الله، وعن رسول الله بياناً وتفسيراً وشرحاً، فالله ينزل هذا على عبده محمد ﷺ ، ثم هو تنبيه لأتباعه من المؤمنين ليتعظوا ويبتعدوا عن الإعراض والغفلة، وقليل من يفعل ذلك.
стр. 298
تفسير قوله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم)
قال تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء:٢] الذكر هنا قد يكون القرآن، وقد يكون محمداً ﵊.
وعلى أي اعتبار إذا كان الذكر هو القرآن فالقرآن الذي نزل عليه ونطق به هو نبينا ﷺ ، وإن كان الذكر نبينا ﵊ فالمعنى واحد.
فهو الذي ذكّرنا وذكّر الأمم معنا والخلائق إلى يوم القيامة، فوعظهم، وأنذرهم، وبشرهم، وبين لهم ما ينفعهم مما يضرهم، ولم يذهب إلى الرفيق الأعلى حتى لم يترك شاذة ولا فاذة إلا بينها لأصحابه ليبينوها لمن يأتي بعدهم، كما في الحديث: (تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن يسمع منكم)، وفي الحديث الآخر: (نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها).
فالإسلام بلغه النبي ﷺ بنفسه إلى أمته من الصحابة المهاجرين والأنصار، وهم بلغوا من بعدهم من التابعين، والتابعون بلغوا تابعي التابعين، وهكذا حدث في مشارق الأرض ومغاربها، الآباء والأجداد نقلوا إلينا هذا الكتاب الذي حفظ في الصدور.
وليس هناك كتاب في الأرض -بما فيها التوراة والإنجيل- نقل هذا النقل المتواتر المستفيض المطبق عليه إلا القرآن، وليقرأ اليهودي من التوراة ويمكن أن يحرف زيادة على التحريف الماضي، ولا يجد من يقول له من قومه وجماعته وأحباره: أخطأت، قدمت أو أخرت! وقل مثل ذلك على النصراني في إنجيله.
أما القرآن فرغم تقصير الناس اليوم في حفظه ووعيه لا يكاد يتلو تال، أو يقرأ قارئ آية من كتاب الله فيغلط في حركة إلا ويجد الناس منبهين له، مرشدين له، داليه على أنه أخطأ، ومن هنا كان تمام الحفظ للقرآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء:٢].
إن كان وصف الحدوث للنبي ﷺ فالأمر واضح، فهو قد حدث ولم يكن صلى الله عليه وعلى آله موجوداً، وإن كان وصف الحدوث للذكر -أي: القرآن- فليس معناه الخلق، ولكن معناه التجديد، فالقرآن ليس بحادث ولا مخلوق؛ لأن القرآن كلام الله، ولا يليق أن يوصف القديم بحادث، فيكون ذلك شركاً، ويكون ذلك فساداً في العقيدة والتوحيد، وإن كنت أميل أن الذكر هو النبي ﵊ كما سيأتي في الآيتين بعد.
(وما يأتيهم) أي: العباد: ﴿مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [الأنبياء:٢] والنبي ﷺ جاء عن الله متكلماً، لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فالسنة المبينة المفسرة الشارحة لكتاب الله هي أيضاً وحي من وحي الله.
﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء:٢]، أي: جديد، والقرآن كان ينزل منجماً، وقد نزل دفعه واحدة في ليلة القدر من رمضان إلى سماء الدنيا، ثم كان ينزل به جبريل على قلب النبي ﵊ منجماً، وقتاً بعد وقت، وزمناً بعد زمن، حسب الحاجة إلى ذلك، وكانت أول آية في غار حراء، عندما جاءه وقال له: اقرأ إلى أن قال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] إلى آخر الآيات.
ثم أنزل قبل موت النبي ﵊ بشهرين أو ثلاثة في حجة الوداع قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] وكانت المسافة بين أول آية من القرآن وآخر آية من القرآن ما يزيد على عشرين عاماً، فهذا الذي ينزل آية بعد آية ما جاء منه متأخراً يكون جديداً بالنسبة لما جاء متقدماً، وكان أشد الآي في النزول هذه الآية المتممة، الخاتمة المنهية، وكان أقدمها في النزول: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، فمحدث هنا بمعنى: الجديد، لا بمعنى الحدوث والخلق، والمعنى: ما يأتي العباد من ذكر من ربهم جديد إلا استمعوه وهم يلعبون.
وهكذا قيلت هذه وقت النزول على نبينا ﵊، وأعرضت قريش، ثم أعرض العرب، وبعد ذلك أخذ الله يكرم من أكرمه بهدايته فآمن، ومن كفر منهم: إما ذهب في حال كفره، أو أصر وشرد وعذب، وإلى اليوم ولا يزال الكفار أكثر سكان الأرض، بل ولا يزال كثير من المؤمنين معرضاً، يستمع كتاب الله وسنة نبيه وهو يتلاعب، تقول له: قال الله، فيقول لك: وماذا أيضاً؟ تقول: قال رسول الله، فيقول لك: قال فلان قال فلان فيذكر أسماء قذرة نصرانية ويهودية ومنافقة، تقول له: أقول لك: قال الله وتأتيني بهذه الأسماء؟ فيهز كتفه، وكأن الأمر لا يعنيه وهو متلاعب! وهذه هي الردة الجديدة التي قال عنها بعض العلماء المعاصرين: ردة ولا أبا بكر لها، الردة الأولى وجدت في عهد أبي بكر فزجر وأدب وسل سيفه إلى أن ردع أهلها وأصحابها، فأعاد للحق من أعاد، ودفن في التراب من سبقت عليه الضلالة في علم الله.
ونحن اليوم نعيش في ردة جديدة، تحتاج إلى أبي بكر جديد، والله آت به، فنحن على رأس القرن الذي يقول عنه النبي ﵊: (إن الله ليبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها) فبيننا وبين أصل القرن عامان، مع تمام هذا العام وهذه السنة.
قال تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء:٢] أنصتوا إليه غير موقنين ولا عازمين على العمل، ولا مشمرين الأيدي للعبادة والطاعة، ولتحليل الحلال وتحريم الحرام، والتزام ما أمر الله بفعله، وترك ما نهى الله عنه.
стр. 299
تفسير سورة الأنبياء [٣ - ٥]
كان كفار قريش يستمعون الذكر لاهية قلوبهم، ولم يكتفوا بذلك، بل كانوا يتسارون ويتناجون فيما بينهم ويتهمون رسول الله ﷺ بالسحر والشعر والافتراء وغير ذلك.
стр. 300
تفسير قوله تعالى: (لاهية قلوبهم)
قال تعالى: ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء:٣].
حال كونهم تلهو قلوبهم وتلعب بما في الدنيا من زخارف: ﴿إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد:٣٦] فهو يغلب الفاني ويترك الباقي، ينسى نفسه ولا يطلب ما ينفعها يوم القيامة يوم العرض على الله، ويشتغل بالخزعبلات والأباطيل، ويشتغل بما لا يليق بالرجل العاقل من المؤمن أن يشتغل به.
﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء:٣].
(لاهية قلوبهم) أي: لاهية عقولهم، أي: الجوهر منهم الذي يدرك ويعي ويعقل، فهم يلعبون معرضون عن سماع الحق! وبالتالي عن العمل به.
قال تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء:٣] أي: لم يكتفوا باللهو واللعب، بل أخذوا يتخافتون ويتسارون والقرآن ينزل: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء:٣].
فشككوا بالنبوءة وكذبوا بها، وأخذوا يتسارون بالنجوى.
﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء:٣] أي: الكفار والمشركون، والكفر أشد أنواع الظلم، وقالوا في هذه النجوى التي تخافتوا وتساروا بها: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء:٣] أي: كيف يكون بشراً مثلكم ومع ذلك يكون نبياً ورسولاً، ويختص من بينكم بهذا؟! وهم كان في تصورهم الأعوج أن يكون النبي جنياً أو ملكاً.
ومع هذا كيف سيتلقنون الرسالة عن ملك لا يفهمونه ولا يفهمهم؟ وإذا أنزله الله ملكاً لجعله بشراً، ولجعله رجلاً، ولخاطبهم بالشيء الذي خاطبهم به نبي البشر فأنكروا وجحدوه.
﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء:٣] هذه الآية فيها تقديم وتأخير، والتقدير: الذين ظلموا أسروا النجوى، فـ (الذين ظلموا) مبتدأ، و (أسروا النجوى) خبر.
أو يقال: واو الجماعة في (أسروا) فاعل، و (الذين ظلموا) بدل منها.
أو يقال: (الذين ظلموا) فاعل، وتكون الواو في (أسروا) حرفاً يدل على الجماعة لا إعراب له، ولكن هذه اللغة يقول عنها النحاة لغة: أكلوني البراغيث؛ لأن الكلام -حسب ما يقولون في كتاب سيبويه وغيره من كتب النحو- كان ينبغي أن يقال: أكلني البراغيث، فسمعت بدوية صغيرة تصيح وتقول: أكلوني البراغيث، فصارت عربية فصحى واعتبروا هذا الكلام كلاماً معرباً لا لحن فيه، ولكن هذه لغة القرآن، وهذا في القرآن كثير، وقد تحمس له واستدل عليه ابن العربي المعافري الأندلسي في كتابه: أحكام القرآن، فقال: لغة أكلوني البراغيث ليست لغية، وليست لغة ضعيفة، بل هي لغة فصحى بليغة جاء بها القرآن في العشرات من الآي، ولذلك لا حاجة إلى تقدير.
قال تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء:٣] (أسروا) فعل ماض، والواو حرف يدل على الجماعة، (الذين ظلموا) هو الفاعل، ولكنهم مع ذلك حاولوا أن يجعلوا هناك متقدماً ومتأخراً، وقالوا: تقدير الكلام: (الذين ظلموا أسروا النجوى)، ولكن الله لم يقل هكذا، قال: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء:٣] وهذه لغة فصيحة وبليغة، فلا نحتاج فيها إلى تأويل، ولا تقديم ولا تأخير، وليس هناك حاجة إلى أن نقول: بدل، ولا إلى أن نقول: خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم الذين ظلموا.
القرآن بين واضح، والجملة لا تحتاج إلى بيان أكثر مما فيها، يقول الله فيها: الذين ظلموا أخذوا يتناجون بالكفر والشرك فيما بينهم، قالوا: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمَْ﴾ [الأنبياء:٣]، أي: وكيف تتصورون أن يكون البشر نبياً ورسولاً؟! لم لا يكون ملكاً؟! هكذا شاءت قريش أن تقول هذا بعد أن جاءتهم المعجزات، وطلبوا التأييد بالمعجزات متعنتين، وهم لا يريدون هداية ولا علماً، وإنما جحدوا وأرادوا أن يستمروا في هذا الجحود والإصرار.
قوله: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء:٣]، اعتبروا السحر هو القرآن الذي أتى به ﵊.
والسحر في اللغة العربية: ما لا ظل له من الحقيقة، وهكذا أرادوا، وسيزيدون كفرهم بياناً وتوسعة بكل أنواعه كما فضحهم الله وكشفهم، فكان مما قالوه: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء:٣] بنظر البصيرة، أي: وأنتم تعقلون وتعون، وأنتم تدركون، هكذا عقولهم الفاسدة! هكذا عيونهم التي أعماها الله وأعمى البصيرة قبل البصر! هكذا ينطقون وهكذا يتكلمون بعد المعجزات وبعد نزول الوحي! وبعد أن عاش بينهم نبينا ﷺ أربعين سنة ما عرف فيها إلا بالأمين والصديق! لم تخرج منه كذبة قط حتى في الشئون الخاصة بين الناس، ما كان إلا العاقل والأمين والصديق، أفبعد بلوغ الأربعين سيكذب؟ لم يكذب على الناس أفيكذب على الله، حاشاه ومعاذ الله من ذلك.
(أفتأتون السحر)، أي: الباطل، هذا الكلام يقولونه عن الذين آمنوا بالله واحداً، وبالنبي رسولاً، وبالقرآن كتاباً.
وهذه الآية تدل على أن الذكر قصد به النبي ﷺ .
стр. 301
تفسير قوله تعالى: (قال ربي يعلم القول في السماء والأرض)
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنبياء:٤].
أي: النبي ﷺ هو الذي قال: ﴿رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنبياء:٤]، أي: ربي ﷻ يعلم القول الصادر عنكم، وما جزاؤكم فيه، فهو يعلم الغيب في السماء والأرض، ويعلم أأنا صادق مرسل من قبله، وهل أنتم صادقون في تكذيبكم وجحودكم.
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنبياء:٤] السميع لأقوالي وأقوالكم، العليم بباطني وباطنكم، وسيجازي كلاً منا حسب قلبه وقوله وادعائه، وهذا نذير ووعيد، وهذا مما يؤكد أن الذكر في قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء:٢] وهو النبي ﵊.
﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ [الأنبياء:٥].
لم يكتفوا بهذا القول، بل أخذوا يزدادون في الكفر ويتنوعون في أقواله: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ﴾ [الأنبياء:٥] أخذ هؤلاء يقولون عن القرآن: ليس هو إلا أضغاث أحلام، والأضغاث جمع ضغث أي: التآويل والرؤى الباطلة، والتي لا ظل لها من الحقيقة، وأحلام: جمع حلم، وهو ما يرى في المنام، أي: إنما هذه منامات وأحلام رآها في المنام فيدونها وينطق بها.
﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ [الأنبياء:٥] أي: بل زادوا على الكفر بما تجاوزوا فيه الحد فقَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ.
(بل افتراه) أي: اخترعه ونسبه إلى الله كذباً.
والنبي هو أفصح العرب على الإطلاق ومع ذلك نجد ما بين كلام النبي ﷺ على فصاحته وبلاغته وما بين كلام الله في كتابه ما بين الخالق والمخلوق.
وقد أوتي النبي ﷺ جوامع الكلم حقاً، ومع ذلك أين بلاغته من بلاغة القرآن؟! أين فصاحته من فصاحة القرآن؟! فإذا صدق نزلت درجة بلاغته إلى حد السنة دون القرآن، وإذا هو أفترى وحاشاه من ذلك ارتفعت فصاحته إلى درجة الإعجاز، ومن يقول هذا آثم! إنما يقوله فاقد العقل ممرور النفس.
﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء:٥] حاروا ماذا يقولون، أخذوا يضربون أخماساً في أسداس، ويجددون التهمة بين الحين والحين، تارة هي أحلام، ومن قبل هو بشر، ثم افتراه، ثم هو شاعر.
وهكذا عنادهم وجحودهم وكفرهم! إلى أن أدبوا يوم بدر، بين شريد وقتيل وأسير في المعركة، إلى أن أعز الله دينه، فالنبي ﷺ لا يزال حياً بين ظهرانيهم، ومن هنا قال النبي في هذه الرؤيا: (رأيتني -رأيت الليلة- أننا في دار عقبة بن رافع وأتينا بتمر من تمر ابن طاب) فأولها ﷺ وكانت المعارك لا تزال حامية الوطيس بينه وبين كفار العرب، فقال: (أولتها: أن العاقبة لنا في الدنيا والرفعة، وأن ديننا قد طاب).
وهكذا كان الحال، رفع الله نبيه في الدنيا قبل الآخرة، ورفع المؤمنين، وكانت العاقبة لهم في الدنيا قبل الآخرة، وطاب دينهم واستوى وفرض وانتشر، وذل الكفر، وجئنا نحن بعد البعثة بألف وأربعمائة عام، ولا يزال الإسلام معلناً على المنابر والمآذن في مشارق الأرض ومغاربها: أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، رضي من رضي، أو كره من كره، ولا تزال بيوت الله في مختلف قارات الأرض عامرة، مع كثرة أعداء الله في الداخل والخارج من المنافقين والنصارى واليهود، ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق لا يضرها من خذلها.
стр. 302
تفسير سورة الأنبياء [٥ - ٩]
ينقم الكفار المشركون أن يكون رسول الله الذي أرسل إليهم بشراً، فهم يريدون ملكاً، وقد بين الله لهم بالحجة البالغة أنه ما أرسل قبله صلى الله عيه وسلم إلا رجالاً، وأمرهم أن يسألوا أهل الذكر فيما لا يعلمون.
стр. 303
تفسير قوله تعالى: (ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون)
قال الله جلت قدرته: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء:٥].
هؤلاء الكفرة لا يزالون على كفراتهم الصلعاء، وعلى جحودهم، وعلى ضربهم أخماساً في أسداس يتساءلون: من هذا الذي جاء بهذه الرسالة؟ تارة يتهمونه بالافتراء، وتارة بالشعر، وتارة ينقمون أن يكون بشراً، وفي تصورهم أنه لا يكون النبي إلا ملكاً، وأخيراً يقولون: ما باله لا يأتينا بآية كما أتى بها الأنبياء السابقون، ويعنون بالآية: ما كانوا اقترحوه وطلبوه حسب نزواتهم وأهوائهم من أن تكون الصفا والمروة ذهباً، ومن أن تزاح جبال مكة ويكون مكانها أشجار وغابات ومنخفضات، وأن تفجر مكة عيوناً، وهم مع ذلك لا يطلبون ذلك للإيمان والتصديق، وإنما يطلبونه عناداً، ويقولون: ما بال الأولين قد اقترحوا الناقة على صالح فكانت، واقترحوا واقترحوا مما ذكروه عن نوح وهود وصالح وموسى وإبراهيم؟ فكان جواب الله لهم: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء:٦].
أي: إن الأمم السابقة عندما اقترحوا هذه الآيات، وطلبوا من أنبيائهم هذه المعجزات فما آمنوا، أهلكهم الله ودمرهم، ولم يمهلهم ولم ينظرهم، فلو استجبنا لكم وأتتكم هذه البينات، وأنتم لا تؤمنون؛ فسيكون ذلك سبباً لهلاككم ودماركم، ولكن الله -تكرمة لنبيه- رفع ما كان قبل على الأمم السابقة، وعلى أتباع الأنبياء من الهلاك في الدنيا بغرق وصعقة وزلازل، ورجوم من السماء، بل أمهلهم علهم يؤمنون ويراجعون أنفسهم، أو لعلهم يعيشون فيأتي من ذرياتهم من يؤمن، وهكذا حدث، فأكثر هؤلاء الذين أصروا على الكفر أولاً آمنوا بعد ذلك أو آمن أولادهم وأصبحوا للإسلام قادة، وللدعوة المحمدية جنداً ودعاة بالأنفس والأموال.
وهكذا نصروا الإسلام في مختلف أقطار الأرض! ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء:٦]، أي: من أهل قرية أهلكناها، فما من أمة سبقت واقترحت على نبيها ما اقترحتم، ثم هي لم تؤمن إلا وأهلكت ودمرت، ولم يبق منها إلا الأحاديث والذكر، انتقلوا من جسوم ميتة إلى دروس متلوة، وكأنهم لم يكونوا.
قال تعالى: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء:٦].
أي: يا هؤلاء! أهم سيؤمنون إذا بعث نبينا ﷺ ، وأذن له بهذه الآيات التي يطلبونها ويقترحونها؟! فهذا استفهام ولكن معناه أنهم لن يفعلوا ولن يقوموا، ولكن الله لا يريد هلاكهم دون إنذار وإمهال، لعلهم يرعوون يوماً، أو يلدون من سيصبح مؤمناً داعية إلى دين الله.
стр. 304
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم)
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧].
هذا جواب لهم عندما قالوا: إن أنت إلا بشر مثلنا، فكيف نؤمن بك وأنت واحد من بيننا تأكل الطعام وتمشي في الأسواق؟! فيقول الله ﷻ لنبيه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء:٧] أي: لم يسبق أن أرسلنا لهؤلاء القوم والبشر منذ خلق أبيهم آدم إلى خاتمهم محمد ﷺ إلا بشراً من سلالة آدم وحواء، ولو أرسل الله لهم ملكاً للبس عليهم الأمر، إذ سيخاطبهم ويحاورهم وسيعاشرهم بشراً؛ لأنهم لا يستطيعون أن يعايشوه على صورته الملكية، فلا يفهمون، وقد يرعبون منه فيفرون.
وتلك من رحمة الله بعباده أنه ما أرسل لهم إلا بشراً مثلهم؛ ليفهموا ويعوا عنه، ويمكنهم المحاورة والأخذ والعطاء والسؤال والجواب معه.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ [الأنبياء:٧] أي: بشراً، وكلمة الرجال هنا لا يعنى بها استثناء من النساء، وإن كان ذلك لم يكن، فلم يرسل الله من البشر رسولاً إلا رجلاً، ولكن الصفة تعني الملك، والملك لا يوصف برجولة ولا أنوثة، ولا يقال رجل إلا لمن كان له ضد غير رجل، فتقول: رجل وامرأة، رجل وصبي، يا رجل، أي: لم يكن امرأة ولا صبي، وتقول: جاء رجل، لم يأت ملك؛ لأن الملك من جنس غير جنس الرجال، وذاك مقصود الآية، أن الله ما أرسل رسولاً إلا بشراً، ولم يرسل ملائكة.
وهنا توجد بحوث للمفسرين في أن الله تعالى لم ينبئ امرأة، وهذا الفهم هنا لا مكان له؛ لأن الله تكلم عن الرسالة في الآية ولم يتكلم عن النبوءات.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ [الأنبياء:٧] وكون الرسالة لا تكون إلا في الرجال هذا لا يختلف فيه مسلمان.
أما أن تكون المرأة نبية فذاك اختلفوا فيه، ولطائفة من العلماء أن ذلك قد كان، ابتداءً من حواء أمنا، إلى مريم أم عيسى، وتعريف النبي: هو عبد أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، فهو لم يرسل لأحد، والرسول: عبد أوحي إليه بشرع، وأمر بتبليغه لغيره.
وهذا معنى الرسالة، فالرسالة تعني رسولاً ومرسلاً، والنبي عبد نبئ بشيء وأخبر به لنفسه لا لغيره، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء:٧] لم يرسل الله ملكاً للبشر، ولم يسبق أن كان ذلك في الرسالة الإلهية.
ثم قال الله لهؤلاء الجهلة الذين يطلبون رسولاً ملكاً، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧].
زعم قوم أن معنى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل:٤٣]، أي: اسألوا أهل الكتابين السابقين من علماء اليهود والنصارى.
وليس الأمر كذلك، فليس هؤلاء بموضع الحجة حتى يسألوا، ولا يحيل الله إليهم ليسألوا، ولكن أهل الذكر هم أهل العلم، أهل القرآن، هم الذين درسوا وعلموا من الإسلام ما أصبحوا به أئمة هداة معلمين، ولقد اختار هذا المعنى من الآية علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وقال: أنا من أهل الذكر، أي: يقول الله ﷻ : اسألوا العلماء اسألوا من سبقكم إلى التمسك بهذا الدين والإيمان به، وقد درسوا القرآن ففهموه ووعوه وعلموا ما جاء فيه فاسألوهم هل سبق أن كان في أمة سابقة أن يكون الرسول ملكاً؟ فسيجيبونكم: لم يكن ذلك، ولم يكن الرسول بدعاً من بين الرسل، كانوا هم بشراً، وتريدون منه أن يكون ملكاً، ما كان ذلك ليكون.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء:٧]، يوحي إليهم بالرسالة والنبوءة، ودعوة الخلق إلى شريعة اختارها الله له، لكل جعلنا منكم شريعة ومنهاجاً: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧] والآية تصبح عامة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذه الفقرة من هذه الآية الكريمة يخاطب الله بها كل من لم يعلم مسألة في الإسلام، فما بالك بالعامي الذي لا يعلم من العلم شيئاً، فهؤلاء يقول لهم الله ﷻ : إذا أنتم لم تعلموا قضية في الإسلام أو مسألة في الشريعة فإياكم أن تفتوا بالجهل والضلالة حسب الهوى! فلا يكون ذلك إلا جهلاً، ففاقد الشيء لا يعطيه، فإذا احتجتم إلى قضية أسرية أو اجتماعية أو غيرها فاسألوا أهل الذكر، أي: فاسألوا علماءكم، واسألوا من علمهم الله فهم كتابه، وشريعته، والكل يسأل من يطمئن إليه، ثقة بدينه وعلمه.
ومن هنا نشأت المذاهب، فليس كل أحد يستطيع أن يدرس القرآن أو يدرس السنة أو الشريعة، وليس كل واحد يمكنه أن يتفرغ لذلك، وليس كل صغير اعتنى به أولياؤه وآباؤه ففرغوه للدراسة وقت الطلب صغيراً ووقت الكبر، فمن هنا جاءت المذاهب، فكان على كل عامي لم يستطع معرفة الحلال من الحرام أن يلتزم إماماً عالماً، وأن يسأل من يعلم.
وليس لكل أحد مع جهله باللغة، وجهله بالقرآن والسنة، وجهله بالوسائل الموصلة لذلك من نحو ولغة وبلاغة وأصول أن يستقل بالفهم، ولو حاول فلن يأتي إلا بالطوام والكوارث مما لا يقره عقل قبل أن يقره علم، وما أكثر ما يحدث ذلك من جهلة لا يكادون يبينون الكوع من البوع! فيتخرج عنهم أقوام في تحليل الحرام وتحريم الحلال، والبهتان على الله بما لم يقله، وعلى رسوله ﷺ بما لم يصدر عنه، ويقول: أنا مجتهد، فهو مجتهد في الجهل وبالهوى، مجتهد بما لا يعود على العقول إلا بالجنون والأوهام.
стр. 305
تفسير قوله تعالى: (وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام)
قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨].
يقول عن هؤلاء البشر الذين اختارهم أنبياء ورسلاً إنه ما جعلهم جسداً، والجسد هنا: الجنس الذي يعم الكل، أي: لم يجعلهم أجساداً وأبداناً لا يأكلون الطعام ولا يشربون، ولا يتناكحون ولا يلدون ولا يمرضون، وبالتالي: لا يموتون، وكان هذا جواباً أيضاً عن سخافات هؤلاء المشركين وما أكثر سخافاتهم قبل وبعد! وإلى عصرنا الحاضر وإلى يوم القيامة لا يزالون رجعيين في أنفسهم، يرجعون إلى الشبهة والمقولة التي كفر بها أسلافهم، وأئمة الكفر بينهم، فهم يتصورون أن الملك ينبغي أن يكون ملكاً، لا يأكل ولا يشرب، ولا يمرض ولا يموت، فأخذوا يتساءلون: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان:٧] عجبوا! واستكثروا على نبيهم أن يأكل الطعام، ويتجول في الأسواق، ويكون بشراً مثلهم في كل خصائص البشرية، بل ومن تمام النعمة أن أرسل الله للبشر أنبياء منهم؛ ليستطيعوا أن يفهموا عنهم ويعوا، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة:١٢٨] أي: من البشر، ومن نفس العشيرة والقوم، يعلمون جنسه، وأبوته وأمومته، ونشأته وتربيته، لو لم يكن كذلك لتساءلوا كما فعلوا، لم كان بشراً ولم يكن ملكاً؟ من هو هذا؟ نحن لا نعرفه، متى كان؟ ومن أين جاء؟ قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الأنبياء:٨] أي: بل جعلناهم جسداً يجوع ويشبع، ويمرض ويصح، ويتزوج ويلد، فهو واحد من البشر، ولكن الله أكرمه بالعصمة وبالنبوة والرسالة: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨] ولم يجعلهم الله أقواماً مخلدين، لا يموتون كما يموت كل حي، لا حي إلا الحي الدائم ﷻ : ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول الخلود لله، هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي لا نهاية له، ومن عداه ما هم إلا خلق كانوا عدماً فأوجدهم ربهم، وسيعودون إلى العدم، إلى أن يبعث الله يوم القيامة من يشاء من خلقه للعدل، حتى يقتص للجماء من القرناء.
стр. 306
تفسير قوله تعالى: (ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء:٩].
يخبر تعالى عن عباده المكرمين والرسل الطيبين أنه ابتلاهم ليزدادوا رفعة وكرامة، ولتتم البشرية بينهم وبين عشائرهم وأقوامهم، فابتلوا بهؤلاء الكفرة من أقوامهم، فجحدوهم، وكذبوهم، واتهموهم وآذوهم، ولكن العاقبة كانت لهم، فدمر الله أعداءهم، ونصرهم عليهم نصراً عزيزاً مؤزراً، والعاقبة للمتقين.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾ [الأنبياء:٩] والوعد الذي صدق الله به عباده المكرمين من رسله وأتباعه: أن يجعل العاقبة والنصر لهم.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنبياء:٩] أنجينا هؤلاء الرسل الكرام من أعدائهم، مما بيتوا لهم من ذلاقة لسانهم، ومن وقاحة قولهم، ومؤامراتهم عليهم، وقد فعلوا كل ذلك بالخاتم ﵊، فشتموه وقذفوه وأدموا القدمين، وكسروا رباعيته، ثم تآمروا على القتل والنفي والسجن، وأبى الله إلا أن ينصره ويذل عدوه، وأن يمكنه من رقابهم يوم بدر، ثم دخل فاتحاً إلى القرية التي طالما وقفت في وجهه من بين عشيرته من قريش في مكة، فكان النصر له ولمن شاء الله من أتباعه المؤمنين.
﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾ [الأنبياء:٩] صدق رسله ﴿فَأَنجَيْنَاهُمْ﴾ [الأنبياء:٩]، أنقذناهم من عداوة أعدائهم، وعداوة الجاحدين الكافرين ومن نشاء ممن تبعهم وآمن بهم، كما نص الله على أسمائهم في القرآن الكريم، وكان الإيمان الكامل لخاتم الأنبياء إيماناً به عبداً نبياً رسولاً، وبتصديقه في كل ما جاء به كتاباً وسنة وأمراً ونهياً، وإقراراً كذلك.
﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء:٩] والمسرف: المشرك الكافر الذي أسرف على نفسه، فلم يكتف بالجرائم والمعاصي الجزئية، بل أسرف على نفسه فكفر بالله الخالق، وكفر بصاحب الشريعة صل الله عليه وسلم، فهذا هو المسرف، وهذا الذي لا ينتظر رحمة ما لم يؤمن بالله، فيهلك على غير إيمان: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:١١٦].
стр. 307
تفسير سورة الأنبياء [١٠ - ٢٢]
يرسل الله الرسل وينزل الكتب بياناً للناس، ولكن الناس يكذبون، وقد قصم الله كثيراً من القرى التي جحدت الرسالات وجعلها عبرة لمن بعدها.
стр. 308
تفسير قوله تعالى: (لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم)
قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:١٠].
كان الخطاب في الجزيرة العربية أولاً للعرب قوم محمد ﷺ ، ثم أصبح خطاباً لجميع من أكرمه الله بالإسلام والإيمان، فكانت النذارة للعشيرة الأقربين أولاً: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] ثم لكل الناس في مشارق الأرض ومغاربها، عرباً وعجماً، فقال لهؤلاء: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء:١٠]، أي: فيه شرفكم وعزتكم ورفعتكم يا هؤلاء الذين حجدوا هذا القرآن الكريم أنه وحي من الله، وأنكروا أن يكون هذا الكتاب الكريم -بما فيه من قصص وعبر، وحلال وحرام، وبما فيه من إعجاز وعلوم ومعارف، ولم يؤت بمثله قبل وبعد، لا في كتاب منزل، ولا في كتاب مدون من بشر، ولن يأتي مثله أبداً، هذا الكتاب كان شرفاً وذكراً لكم، وفيه ذكر محاسن ومزاياكم، وذكركم فيما بشرتم به مهاجرين وأنصاراً، وبالتالي هو شرف لكل مسلم.
فالقرآن شرف الله به المؤمنين عرباً وعجماً، وأكرم الله به المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، أكرمهم بما وعدهم به، وبشرهم من رضا ورحمة وجنان خالدة، أكرمهم بما هداهم إليه، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، فتركوا الضلال إلى الهداية، ومع هذا كانوا أشبه بمجنون يفقأ عينيه وينحر نفسه وهو لا يدري، تركوا النور إلى الظلام، والهداية إلى الضلال، والشرف إلى الذل والهوان، هل يصنع هذا عاقل؟! ولو كان الكافر عاقلاً لما صنع هذا بنفسه: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء:١٠] وبالتالي عمت الآية كل مؤمن، فقد شرفه الله، وأحسن ذكره وسيرته في هذا القرآن الكريم: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:١٠] ألا عقل هنا؟! ألا ميزة يميز بها بين الحق والباطل، بين الإيمان والكفر، بين النور والظلمة؟!
стр. 309
تفسير قوله تعالى: (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة)
ثم عاد الله ﷻ فأنذر -وهو هكذا بين بشارة ونذارة، وبين وعد ووعيد، بين تبشير بالجنة والرحمة، وتيئيس منها لمن مات ولم يؤمن- فقال تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الأنبياء:١١].
(قصمنا) أي: كسرنا، دمرنا، أهلكنا.
وأصل القصم الكسر.
(وكم) للتكثير.
و (من) للتعميم في هذه الكثرة، وإن كان النحاة يقولون عنها: زائدة، وفي القرآن صلة، ولكن في المعنى واللغة والبلاغة هي ذات معنى كبير، أي: تعم وتشمل ما ذكر بعدها من نفي أو إثبات، فقوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء:١١]، أي: دمرنا وأهلكنا قرى كثيرة (كانت ظالمة)، أي: كانت مشركة صنعت مع أنبيائها ورسلها ما يصنع اليوم قريش، وما يصنعه كل كافر في عصره ﵊، ومن بعد عصره إلى يوم القيامة ممن أصر على الكفر حتى الموت.
ومعنى ذلك: التهديد والوعيد، أي: كما فعلنا ذلك بالأولين الظالمين، لا نزال كما كنا، لو شئنا لقصمناكم ودمرناكم، ولكن نمهل ولا نهمل، ونرجئكم علكم تعودون وتتوبون، وإن كانت النهاية ستكون تدميرهم وقصمهم وكسرهم إذا لم يؤمن منهم من يؤمن.
قال تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الأنبياء:١١] أي: كما أنشأنا من بعد أولئك أقواماً وعشائر، أرسلنا كذلك لهم رسلاً مبشرين ومنذرين، ولم يحدث شيء في الأرض، لا انهدت سماء، ولا سقطت أرض، ولا بكت على ظالم مشرك لقي جزاءه وفاقاً.
﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الأنبياء:١١] أي: بعد إهلاك هذه القرية أنشأنا أمماً وشعوباً آخرين، فورثوا أرضهم، وحلوا مساكنهم.
стр. 310
تفسير قوله تعالى: (فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون)
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ [الأنبياء:١٢].
يذكر الله عن هؤلاء الظالمين، الذين بادرهم بالعقوبة بالدنيا قبل الآخرة: أنهم لما شعروا بالعذاب بواسطة الحس، وبنظر العين، وسماع الأذن إذا بهم يفرون من قراهم بعد أن جعل الله عاليها سافلها، وبعد أن أغرقهم، وبعد أن ضربهم بالقوارع من السماء، وبالزلازل من الأرض.
قال تعالى: ﴿لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:١٣].
يأمر الله ملائكته أن يقولوا لهم ذلك ساخرين منهم جزاءً وفاقاً لما كانوا يسخرون بأنبيائهم حالة الاطمئنان والحياة المترفة.
(لا تركضوا) أي: لا تفروا، وإلى أين الفرار؟! ﴿لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ [الأنبياء:١٣] وارجعوا إلى الترف الذي عشتم فيه بالحرام، والفساد، والظلم، وبالاعتداء على الأعراض والأموال، وبسفك الدماء، ارجعوا إلى هذا الترف الذي عشتم فيه.
﴿وَمَسَاكِنِكُمْ﴾ [الأنبياء:١٣] أي: إلى قصوركم ودوركم، وما اعتدتموه من ترف وجبروت وكبرياء لعلكم تسألون، ربما سألتم عن ذلك، وربما طلب منكم بعض ذلك، ولكن هيهات! أين الفرار بعد نزول البلاء والبأس من الله؟ لا فرار منه إلا إليه، ولا منجى منه إلا إليه، ولكن في مثل هذه الساعة عند حلول النقمة، وبلوغ الروح إلى الحلقوم، لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، حلت العقوبة، وحلت لعنة الله، ولا مفر بعد ذلك من عقاب الله.
قال تعالى: ﴿لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ﴾ [الأنبياء:١٣] ارجعوا للترف والقصور التي طالما تعاليتم على الناس بها، واستكبرتم وتجبرتم، ارجعوا لها إن استطعتم، وهيهات ولات حين مندم! ولات حين عودة ورجوع.
(لعلكم تسألون) أي: عن ذلك، ولعلكم تعودون لما طلب منكم، ولكن هيهات! الوقت كالسيف إذا لم تقطعه قطعك.
стр. 311
تفسير قوله تعالى: (قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين)
قال تعالى يصف لنا حالتهم في صورة تشخيصية، تمثيلية، وكأننا نراها رأي العين، وهم يركضون فارين، والبأس والعذاب يحيط بهم من كل جانب، وهم يقولون: ﴿يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:١٤].
قالوا وصاحوا: يا ويلهم، يا بلاءهم.
(ويل): واد في جهنم فيه قيح أهل النار وصديدهم، فهم ينادون قذرهم، وينادون ما عاقبهم الله به ولعنهم به: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:١٤].
قال تعالى: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٥].
وهم تحت البأس والنقمة والعذاب والصواعق والزلازل والغارات عوضاً عن أن يعودوا فيقولون: لا إله إلا الله، وهم يقولون: يا ويلهم! يا ويلهم! يا ويلهم! ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:١٤].
﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ [الأنبياء:١٥] أي: ما زالت تلك الكلمة نداءهم وقولتهم التي يقولونها (حتى جعلناهم حصيداً خامدين)، إلى أن استحصدوا واستؤصلوا كما يحصد المنجل الزرع، (خامدين) أي: ميتين هالكين، عاشوا في الويل، وماتوا وهم ينادون بالويل، وحلت عليهم اللعنة والبأس، لعنة الله وغضبه، فالله ينذرنا بهذا، ويقص علينا قصص من سبقنا من المشركين والظالمين، ويحذر من لم يؤمن به، وفعل فعلهم، وأصر إصرارهم على الكفر والشرك والظلم.
قال تعالى: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ * وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ [الأنبياء:١٥ - ١٦].
يقول تعالى عن هؤلاء ولمن سمع ذكرهم بعد: هؤلاء قد حلت عليهم اللعنة، وبأس الله وعقوبته، ومع ذلك لم يهتدوا للتوبة؛ ولم يقولوا في أخريات أيامهم: لا إله إلا الله، ربنا إننا تبنا وأنبنا، بل أخذوا يضرعون وينادون: يا ويلهم! يا ويلهم! إنهم كانوا ظالمين، فما زالت تلك دعواهم، ونداءهم، وكلمتهم، والبلاء والعقوبة محيطة بهم من كل جانب إلى أن جعل الله عاليهم سافلهم، وهم ينادون بالويل إلى أن استحصدوا كما يحصد الزرع، وإلى أن خمدوا وانطفئوا كما تطفأ النار، وماتوا وهلكوا.
стр. 312
تفسير قوله تعالى: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين)
قال ربنا: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ [الأنبياء:١٦].
أي: يظنون أننا خلقنا هذه السموات العلى، وهذه الأرضين السفلى وما بينهما لعباً ولهواً؟ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
وهؤلاء أرادوا أن يزيلوا الحكمة من الخلق، ويعتبروننا لاعبين بهذا الخلق لاهين، وهيهات هيهات ما أصغر عقولهم! وأبعدها عن الوعي والحكمة، فليس الأمر كذلك.
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ [الأنبياء:١٦]، لم يكن ذلك لعباً، ومعاذ الله! لم يخلق سماءً ولا أرضاً وما بين السماء والأرض من الأفلاك والمجرات مما لا يعلم حقيقته ويحصيه إلا الله، لم يخلق ذلك عبثاً، وبعد ذلك النار لأهل النار من الجاحدين والظالمين، والجنة لأهل الجنة من المؤمنين الصادقين.
стр. 313
تفسير قوله تعالى: (لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه)
قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٧].
(لو أردنا) لو: حرف امتناع لامتناع، امتنع أن نريد، فامتنع أن يكون لهواً.
وقالوا عن اللهو: هي المرأة، وقيل: الولد، واللهو يسمى اللعب في الماضي أي: اعملوا كل ما فيه معنى اللهو، امرأة كان أو ولداً أو عبثاً بلا علة ولا سبب، كما يفعل هؤلاء، حيث إنهم عاثوا في الأرض ليأكلوا ويشربوا ويظلموا وظنوا أنهم جاءوا بلا معنى، وسيخرجون بلا معنى، وهيهات هيهات! ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ [الأنبياء:١٧].
ومن هنا فسروا (اللهو) بالمرأة؛ لأنهم جعلوا لله امرأة بقيت معهم في الأرض، وجعلوها زوجة لله في زعمهم، فقالوا: مريم هي زوجة وصاحبة لله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فاتخذوا لله ولداً من الأرض وهو عيسى، وقالوا: الجن بنات الله، تعالى الله عن كل ذلك علواً كبيراً! وشأن الصاحبة والولد أن يكونا مع الإنسان، فنفى الله عن نفسه ذلك، ولا يليق بربوبيته ذلك، ولو شاء لاتخذ ذلك من عنده في السماوات العلى، ولكن ذلك لا يليق بألوهيته ولا بربوبيته، ولم يكن ذلك أبداً: إن صح هذا في المخلوق الحادث، فلا معنى له بالنسبة للإله الخالق الرب ﷻ وعز مقامه، فهو لهو ولعب.
قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٧].
(إن) هنا بمعنى: ما النافية، أي: لسنا بفاعلين، وقالوا (إن) بمعناها الشرطي: لو أردنا لفعلنا، والله لم يرد، وبالتالي لم يفعل، والمؤدى واحد، فهو منزه عن النقائص على كل حال، له الجلال والكمال ﷻ ، وعلا مقامه.
стр. 314
تفسير قوله تعالى: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه)
قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ [الأنبياء:١٨].
(بل) كلمة إضراب في لغة العرب، أي: اضربوا عن كل ما قيل منذ نقل الله وحكى قول الكافرين عن النبي ﵊: كيف يكون نبياً وهو بشر؟! ثم أخذوا يتهافتون ويسقط بعض على بعض بالهراء والصخب: إذا لم يكن نبياً فما هو؟ قالوا: رؤى ومنامات وخرافات، ثم قالوا: (افتراه) ثم قالوا بعد ذلك: بل هو شاعر.
ثم ذهبوا في ظلمهم وعتوهم إلى أن بلغوا الذات العلية، ونسبوا له الولد، والصاحبة، فأنذر الله وأوعد، ثم أضرب عن كل ذلك، قال: (بل) أي: هذا كله اضربو عنه؛ فهو هراء في هراء، وما وعدناه هو أن نكشف حقائقهم لمن لم يعلم بعد، ولمن عاصر النبي ﷺ في الرسالة، ولمن يأتي بعده: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨].
والحق: الله حق، ووعده الحق، وكتابه الحق، ونبيه حق، وما جاء من بعثته ومن جنة ومن نار، ومن حساب ومن عقاب، كل ذلك حق لا يشك فيه مسلم، والله يقذف بالحق على الباطل ويدمره.
وما الباطل إلا كل ما جاء به هؤلاء الظلمة المشركون مما لم ينزل الله به من سلطان، ومما جعلوه على النبي ﵊ كذباً وباطلاً وبهتاناً، ومما جعلوه على الذات العلية جهلاً بألوهيته وبوحدانيته، فالله يقذف بالحق، والحق هنا: الدليل والبرهان القاطع من كتاب الله، ومن سنة الرسول الله ﵊.
(بل نقذف) بل نرمي ونطرح، نضرب بالحق الباطل، وكل ما ليس في كتاب الله ولم يأتِ في حديث رسول الله، ولم تقره العقول السليمة فهو باطل وهراء، لا ظل له من حقيقة، ولا واقع له من أمر.
(فيدمغه) أصل الدمغ: الضرب حتى تصل الضربة إلى الدماغ، فتكون مهلكة وقاضية، وهكذا يقول الله في كتابه، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء:١٨] فيهلكه ويصيب منه الدماغ؛ فيهلكه ويدمره إلى أن يذهب وكأنه لم يكن، ولم يبقَ إلا ذكراً في صحائف، وقصصاً تتلى وتقص في ليالي السمر.
ثم عاد فأنذرهم وتوعدهم بأن لهم الويل، أي: لهم جنهم، وويل: وادٍ في جنهم يجري فيه صديد ودماء المعذبين من أهل النار! (مما تصفون) مما تنعتون به أنبياءكم، وربكم الواحد ﷻ ، وعلت رفعته.
стр. 315
تفسير قوله تعالى: (وله من في السماوات والأرض)
قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنبياء:١٩].
أي: يا هؤلاء! الذين ظلموا أنفسهم قبل أن يظلموا غيرهم، والذين جعلتم لله شركاء، وتصورتم الله تصوركم لأنفسكم، فجعلتم له صاحبة وولداً: إن الله له من في السماوات ومن في الأرض خلقاً وتدبيراً ولم يكن المملوك يوماً شريكاً، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣]، فلسنا إلا عبيداً، فإن أكرمنا بالعبودية فسنكون من قادة الناس بتحقيق تلك العبودية.
فلا صاحبة ولا ولد ولا شريك له، وما كان له من أنبياء مكرمين صادقين فكلهم معصومون، لم يأتوا إلا بالحق، ولم ينطقوا إلا بالحق، أتوا بالآيات البينات المعجزات من الله ﷻ علامة وأمارة لصدقهم قولاً، ولصدقهم فعلاً، ولصدقهم إقراراً.
﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩].
أي: ومن عنده من الملائكة في عليين، وفي الملأ الأعلى، هؤلاء الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولا يستنكفون عن عبادة الله كما يستنكف بعض الإنس والجن.
﴿وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩] لا يكلون ولا يملون ولا يتعبون، هم في عبادة دائماً صباح مساء، ليل نهار، قال النبي ﵊ كما في الصحاح: (أتسمعون ما أسمع؟ قالوا: لا، يا رسول الله لا نسمع، قال: أطت السماء وحق لها أن تئط، ما من موضع قدم إلا وفيه ملك قائم أو ساجد).
وهؤلاء يعبدون الله في كل أحوالهم، عبادتهم بالنسبة لهم كالنفس بالنسبة لنا، كما أننا لا نستطيع العيش بلا نفس، فكذلك الملك يعيش بالذكر، وبالتسبيح، والسجود، والركوع، وبتعظيم ربه، كل يذكر الله بما ألهمه، وكل يعبد الله بما ألهمه، فمن قائم وراكع وساجد، يقولون: لا إله إلا الله، بمختلف خلايا جسومهم وأبدانهم، لا يكلون ولا يملون ولا يستكبرون ولا يستحسرون، لا يتعبون.
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنبياء:١٩].
(من) في لغة العرب تطلق على العاقل وحده، و (ما) تطلق على غير العاقل وحده، تقول: جاء الرجل من كان عندنا بالأمس، وتقول: اشتريت دابة مما كان عندي نظيرها بالأمس، يقال: (ما) ولكن (من) قد تشترك مع العاقل ومع غير العاقل، كما أن (ما) كذلك.
(لا يستحسرون) أي: لا يملون ولا يكلون، وأصل الحسر: الدابة إذا تعبت حسر بعض جلدها؛ نتيجة التعب وما تحمل، فأطلقت الكلمة على الكلل والملل في نجمها، فهؤلاء لا يكلون ولا يملون، ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠]، أي: بلا فترة ولا راحة، ولا زمن يهدءون فيه وقتاً، ويعودون إلى العبادة وقتاً، فالعبادة مستمرة دائمة، عبادتهم دائمة كالنفس لنا، كما أننا لا نعيش بلا نفس، لا يعيشون بلا عبادة، يسبحون الليل والنهار لا يفترون.
стр. 316
تفسير قوله تعالى: (أم اتخذوا آلهة من الأرض)
قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ﴾ [الأنبياء:٢١].
يقول الله تعالى لهؤلاء وهو يسأل سؤال تقريع وتوبيخ، أهؤلاء الذين أشركوا بالله ونسبوا له ما نسبوه، أهؤلاء الذين اتخذوهم شركاء لله من الأرض: (هُمْ يُنشِرُونَ)، أي: يحيون الموتى، حتى يصبحوا منتشرين في الأرض أحياء يرزقون، متنقلين من سطح إلى سطح، ومن أرض إلى أرض، هل هم فعلوا ذلك؟ هل هذه الآلهة التي عبدوها من الأرض من الجن والإنس والحيوان والجماد، وتركوا خالق الأرض والسماء: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]؛ هل هؤلاء الذين عبدوهم يحيون الموتى كما يحي الله؟ هل يرزقون كما يرزق الله؟ والجواب قائم في نفس الانتفاء: لا يحيون ولا يضرون ولا ينفعون، ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً.
стр. 317
تفسير قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)
قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢].
فهذه أعظم آية قاطعة لدلالة العقل: على أن الله واحد، وعلى أن الله لا شريك له، وعلى أن الله لا ثاني له، لا في ذات، ولا في وصف، ولا في فعل.
(لو كان فيهما) في السماء والأرض آلهة متعددة.
(لفسدتا): أي السماء والأرض.
ولعلا بعضهم على بعض فصار هذا آمراً وهذا ناهياً، فإذا التقى الأمران وكانا متناقضين وقع الفساد والدمار والخراب، وبما أن الأرض لم تفسد والسماء لم تفسد، والنظام الكوني الذي خلق الله به الدنيا منذ خلقها لا يزال ليلاً نهاراً كما هو، ولا زالت الأرض ببشرها بإنسها وجنها، بملكها بكل ما عليها من حي في نظام متكامل، الليل النهار يدخل هذا في هذا، ويغشى هذا هذا، ويكون النهار تارة أطول، ويكون الليل تارة أطول، بين شمس وقمر، وبين فصول العام الأربعة، شتاءً وخريفاً صيفاً وربيعاً، كل ذلك منذ خلق الله الكون لم يتزحزح أنملة، ولم ينقض ثانية، من الذي دبر هذا؟ لو كانوا آلهة لعلا بعضهم على بعض، ولطلب أحدهم ما يحدث من ملوك الأرض ودولها، فنحن نرى هؤلاء يعلو بعضهم على بعض، وتسفك الدماء، وتقوم الحروب، ويجوع البشر، ويكثر الفساد، وتدمر المدن، وينتشر الظلم ويحدث ويحدث.
ولله المثل الأعلى: لو كان معه رب ثان، وخالق ثان، لطلب أحدهم الدنو على الآخر، ولطلب هذا الحياة وهذا الموت، وهذا البناء وهذا الهدم، وهذا القيام وهذا القعود، ولو كان ذلك كذلك لتدهور العالم، ولما بقي هناك نظام، والذي نراه خلاف ذلك.
والذي نراه ورآه آباؤنا وقبلهم أجدادنا: أن الكون قائم على نظام بسيط، لا يزيد ولا ينقص، لا يزيد ثانية ولا يغير خلق البشر، ولا خلق الحيوان إلى ما نعلمه جميعاً، دارسنا وغير دارسنا، مؤمننا وكافرنا، عالمنا وجاهلنا، هل هذا إلا الدليل العقلي القاطع الذي لا ينكره إلا مجنون، فقد العقل قبل أن يفقد الإيمان.
أما السماء والأرض لو كانت فيهما آلهة غير الله لفسدتا، ولاختل نظامهما، ولما بقي هناك نظام في سماء ولا أرض، فبما أن هذا لم يكن كذلك فهو الدليل القاطع العقلي على أن الله واحد ليس معه شريك، ولا صاحب، ولا محيي، ولا مطاع.
وحتى ما يقوله اليهود والنصارى في عزير أو مريم وعيسى يقولون: هم ثلاثة في واحد، وواحد في ثلاثة يقولون: الأب الأكبر: روح القدس، ثم الابن، ثم الصاحبة، وهم في ذلك يزعمون بخزعبلات لا تقبلها إلا عقولهم، بلاء وإفك وعناد دون فهم ولا وعي ولا تعقل، يقولون: خلق الولد، وخلق الصاحبة، ثم اتخذها صاحبة، واتخذ منها ولداً.
قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:٢٢] يسبح الله نفسه، ويعلمنا كيف نسبحه، وينزه نفسه عن هذا الباطل الذي افتراه، الجاحدون، واخترعه الكاذبون، ولا منطق لهم من عقولهم سليمة، ولا دليل عليه من كتب سابقة، ولا رسل مضت، إن هي إلا أكاذيب وأضاليل، أصروا على الكفر تلاعباً بأنفسهم، وتلاعباً بدينهم، وتحريفاً وتبديلاً وتغييراً في كتب الله، وفي آيات الله السابقة، فسبحان الله رب العرش.
стр. 318
تفسير سورة الأنبياء [٢٢ - ٢٩]
الله تعالى فاطر السماوات والأرض وباريهما، وهو الإله المستحق للعبادة وحده، ولو كان فيهما آلهة إلا الله كما زعم الكافرون لفسدتا، فهو الواحد الأحد الذي أرسل جميع الرسل بكلمة التوحيد.
стр. 319
تفسير قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)
قال الله جلت قدرته: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:٢٢].
يقول الله تعالى لهؤلاء المتخذين إلهاً معه، الظالمين لأنفسهم بالكفر والشرك: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا﴾ [الأنبياء:٢٢] أي: السماوات والأرض ﴿آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، إذاً: لعلا بعضهم على بعض، ولخالف بعضهم بعضاً، فكان ذلك سبباً لخراب السماء والأرض، وبما أن الخراب غير قائم، ونظام الكون على غاية ما يكون من الدقة ليلاً ونهاراً، صيفاً وشتاءاً ربيعاً وخريفاً، فهذا دليل قاطع على أن خالق هذا الكون واحد، وعلى أن مدبر هذا الكون واحد، فهذا دليل قطعي عقلي على الوحدانية لا ينفيه إلا مجنون أو معاند جاحد.
ثم ينزه الله ﷻ نفسه عن أن يكون له شريك في الملك ذاتاً أو صفة ويعلمنا كيف ننزهه ونعظمه، قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:٢٢].
(سبحان الله): تعالى وتنزه وتقدس.
(رب العرش) المنفرد بالربوبية للعرش والخلق تعالى وتقدس عما ينعته ويصفه به الظالمون المشركون.
стр. 320
تفسير قوله تعالى: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)
ثم قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣].
والله ﷻ لا يسأل: لِم خلقت زيداً صغيراً، وأخذته كبيراً؟ لِمَ أخذت عمراً صغيراً وتركت غيره؟ لِمَ أفقرت؟ لِمَ أغنيت؟ لِم ملكت؟ ذاك أمر الله، وتلك إرادة الله، لا يسأل ﷻ عن فعله وعمله، فهو الخالق المدبر الرازق، يصنع ما يشاء كيف يشاء، ولا يسأل عما يفعل، ونحن الذين نسأل، من ربنا؟ من نبينا؟ ما ديننا؟ هل قمنا بكل ذلك؟ نحن الذين نسأل من الله ﷻ ، ومن ملائكة القبر، وملائكة الحساب، وملائكة العرض على الله، عندما يدخل الميت قبره فيسأل: من ربك؟ من نبيك؟ فنسأل عن كل جليلة وصغيرة، وعن كل عمل قدمناه، تلك صفة المخلوق، والأولى صفة الخالق، هو الذي لا يسأل عما يفعل.
وهذا لا يمنع المؤمن أن يسأل عن الحكمة في الأشياء والخلق، أما لِمَ؟ فلا يسأل هذا مسلم، وإذا سأله الكافر فذاك من عناده وإصراره على الكفر والجحود.
следующие страницы →