Полный текст (2 442 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
تفسير قوله تعالى: (أم اتخذوا آلهة من الأرض)
قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ﴾ [الأنبياء:٢١].
يقول الله تعالى لهؤلاء وهو يسأل سؤال تقريع وتوبيخ، أهؤلاء الذين أشركوا بالله ونسبوا له ما نسبوه، أهؤلاء الذين اتخذوهم شركاء لله من الأرض: (هُمْ يُنشِرُونَ)، أي: يحيون الموتى، حتى يصبحوا منتشرين في الأرض أحياء يرزقون، متنقلين من سطح إلى سطح، ومن أرض إلى أرض، هل هم فعلوا ذلك؟ هل هذه الآلهة التي عبدوها من الأرض من الجن والإنس والحيوان والجماد، وتركوا خالق الأرض والسماء: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]؛ هل هؤلاء الذين عبدوهم يحيون الموتى كما يحي الله؟ هل يرزقون كما يرزق الله؟ والجواب قائم في نفس الانتفاء: لا يحيون ولا يضرون ولا ينفعون، ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً.
стр. 317
تفسير قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)
قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢].
فهذه أعظم آية قاطعة لدلالة العقل: على أن الله واحد، وعلى أن الله لا شريك له، وعلى أن الله لا ثاني له، لا في ذات، ولا في وصف، ولا في فعل.
(لو كان فيهما) في السماء والأرض آلهة متعددة.
(لفسدتا): أي السماء والأرض.
ولعلا بعضهم على بعض فصار هذا آمراً وهذا ناهياً، فإذا التقى الأمران وكانا متناقضين وقع الفساد والدمار والخراب، وبما أن الأرض لم تفسد والسماء لم تفسد، والنظام الكوني الذي خلق الله به الدنيا منذ خلقها لا يزال ليلاً نهاراً كما هو، ولا زالت الأرض ببشرها بإنسها وجنها، بملكها بكل ما عليها من حي في نظام متكامل، الليل النهار يدخل هذا في هذا، ويغشى هذا هذا، ويكون النهار تارة أطول، ويكون الليل تارة أطول، بين شمس وقمر، وبين فصول العام الأربعة، شتاءً وخريفاً صيفاً وربيعاً، كل ذلك منذ خلق الله الكون لم يتزحزح أنملة، ولم ينقض ثانية، من الذي دبر هذا؟ لو كانوا آلهة لعلا بعضهم على بعض، ولطلب أحدهم ما يحدث من ملوك الأرض ودولها، فنحن نرى هؤلاء يعلو بعضهم على بعض، وتسفك الدماء، وتقوم الحروب، ويجوع البشر، ويكثر الفساد، وتدمر المدن، وينتشر الظلم ويحدث ويحدث.
ولله المثل الأعلى: لو كان معه رب ثان، وخالق ثان، لطلب أحدهم الدنو على الآخر، ولطلب هذا الحياة وهذا الموت، وهذا البناء وهذا الهدم، وهذا القيام وهذا القعود، ولو كان ذلك كذلك لتدهور العالم، ولما بقي هناك نظام، والذي نراه خلاف ذلك.
والذي نراه ورآه آباؤنا وقبلهم أجدادنا: أن الكون قائم على نظام بسيط، لا يزيد ولا ينقص، لا يزيد ثانية ولا يغير خلق البشر، ولا خلق الحيوان إلى ما نعلمه جميعاً، دارسنا وغير دارسنا، مؤمننا وكافرنا، عالمنا وجاهلنا، هل هذا إلا الدليل العقلي القاطع الذي لا ينكره إلا مجنون، فقد العقل قبل أن يفقد الإيمان.
أما السماء والأرض لو كانت فيهما آلهة غير الله لفسدتا، ولاختل نظامهما، ولما بقي هناك نظام في سماء ولا أرض، فبما أن هذا لم يكن كذلك فهو الدليل القاطع العقلي على أن الله واحد ليس معه شريك، ولا صاحب، ولا محيي، ولا مطاع.
وحتى ما يقوله اليهود والنصارى في عزير أو مريم وعيسى يقولون: هم ثلاثة في واحد، وواحد في ثلاثة يقولون: الأب الأكبر: روح القدس، ثم الابن، ثم الصاحبة، وهم في ذلك يزعمون بخزعبلات لا تقبلها إلا عقولهم، بلاء وإفك وعناد دون فهم ولا وعي ولا تعقل، يقولون: خلق الولد، وخلق الصاحبة، ثم اتخذها صاحبة، واتخذ منها ولداً.
قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:٢٢] يسبح الله نفسه، ويعلمنا كيف نسبحه، وينزه نفسه عن هذا الباطل الذي افتراه، الجاحدون، واخترعه الكاذبون، ولا منطق لهم من عقولهم سليمة، ولا دليل عليه من كتب سابقة، ولا رسل مضت، إن هي إلا أكاذيب وأضاليل، أصروا على الكفر تلاعباً بأنفسهم، وتلاعباً بدينهم، وتحريفاً وتبديلاً وتغييراً في كتب الله، وفي آيات الله السابقة، فسبحان الله رب العرش.
стр. 318
تفسير سورة الأنبياء [٢٢ - ٢٩]
الله تعالى فاطر السماوات والأرض وباريهما، وهو الإله المستحق للعبادة وحده، ولو كان فيهما آلهة إلا الله كما زعم الكافرون لفسدتا، فهو الواحد الأحد الذي أرسل جميع الرسل بكلمة التوحيد.
стр. 319
تفسير قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)
قال الله جلت قدرته: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:٢٢].
يقول الله تعالى لهؤلاء المتخذين إلهاً معه، الظالمين لأنفسهم بالكفر والشرك: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا﴾ [الأنبياء:٢٢] أي: السماوات والأرض ﴿آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، إذاً: لعلا بعضهم على بعض، ولخالف بعضهم بعضاً، فكان ذلك سبباً لخراب السماء والأرض، وبما أن الخراب غير قائم، ونظام الكون على غاية ما يكون من الدقة ليلاً ونهاراً، صيفاً وشتاءاً ربيعاً وخريفاً، فهذا دليل قاطع على أن خالق هذا الكون واحد، وعلى أن مدبر هذا الكون واحد، فهذا دليل قطعي عقلي على الوحدانية لا ينفيه إلا مجنون أو معاند جاحد.
ثم ينزه الله ﷻ نفسه عن أن يكون له شريك في الملك ذاتاً أو صفة ويعلمنا كيف ننزهه ونعظمه، قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:٢٢].
(سبحان الله): تعالى وتنزه وتقدس.
(رب العرش) المنفرد بالربوبية للعرش والخلق تعالى وتقدس عما ينعته ويصفه به الظالمون المشركون.
стр. 320
تفسير قوله تعالى: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)
ثم قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣].
والله ﷻ لا يسأل: لِم خلقت زيداً صغيراً، وأخذته كبيراً؟ لِمَ أخذت عمراً صغيراً وتركت غيره؟ لِمَ أفقرت؟ لِمَ أغنيت؟ لِم ملكت؟ ذاك أمر الله، وتلك إرادة الله، لا يسأل ﷻ عن فعله وعمله، فهو الخالق المدبر الرازق، يصنع ما يشاء كيف يشاء، ولا يسأل عما يفعل، ونحن الذين نسأل، من ربنا؟ من نبينا؟ ما ديننا؟ هل قمنا بكل ذلك؟ نحن الذين نسأل من الله ﷻ ، ومن ملائكة القبر، وملائكة الحساب، وملائكة العرض على الله، عندما يدخل الميت قبره فيسأل: من ربك؟ من نبيك؟ فنسأل عن كل جليلة وصغيرة، وعن كل عمل قدمناه، تلك صفة المخلوق، والأولى صفة الخالق، هو الذي لا يسأل عما يفعل.
وهذا لا يمنع المؤمن أن يسأل عن الحكمة في الأشياء والخلق، أما لِمَ؟ فلا يسأل هذا مسلم، وإذا سأله الكافر فذاك من عناده وإصراره على الكفر والجحود.
стр. 321
تفسير قوله تعالى: (أم اتخذوا من دونه آلهة)
ثم عاب الله فقال موبخاً ومقرعاً من اتخذ معه غيره: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ [الأنبياء:٢٤].
وهذا استفهام تقريعي توبيخي أي: أمع كل ما علمتم ودريتم أنا ما تشركون من دون الله لا يضر ولا ينفع، لا يسمع ولا يعقل، فأنتم لفساد عقولكم، ولكفركم وجحودكم تتخذون ما لا يضر ولا ينفع إلهاً وشريكاً مع النافع والضار، مع الخالق والرازق المدبر، ﷻ وتوحد سلطانه.
قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ [الأنبياء:٢٤] أم اتخذوا من دون الله آلهة يعبدونهم، ويشركونهم في عبادتهم لله، هذا الذي صنعوه أعندهم عليه دليل أم سلطان من الله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [الأنبياء:٢٤]، قل يا محمد لهؤلاء المشركين الجاحدين: هل لكم من الله برهان ودين من كتاب سماوي سابق، أو من نبي مرسل أو من دليل عقلي: أن لله ﷻ شريكاً في ملكه تعالى الله عما يقول الظالمون؟ لا نشهد شهادة الباطل، بل نشهد أن الله واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، وهو الخالق الرازق المدبر.
((هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ)) هذا القرآن كتاب الله، هذا الكتاب المسمى الذكر لتذكير الخلق بالله، ولتذكير الخلق برسول الله عبداً نبياً، وبأن يفكروا ويتدبروا ويعوا ويعقلوا، من خالق السماوات؟ من خالق الأرض؟ من الرازق؟ من المحيي من المميت؟ (هذا ذكر من معي) هذا القرآن كتاب الله، الذي أرسلت به إليكم أيها الناس، مشارق ومغارب، عرباً وعجماً، ذكر من معي من الخلق ممن آمن بي، وآمن معي، وتبع ما أرسلت به، وعمل بما فيه حلالاً وحراماً وعقائد: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ [الأنبياء:٢٤] هذه الكتب السماوية السابقة التي ذكر بها الأولون في كتب الله المنزلة على إبراهيم، وعلى داود وعلى موسى وعيسى.
انظروا هل تجدون في هذه الكتب: المنزلة عليّ ليتذكر من معي، والمنزلة على من قبلي ليتذكر من معهم، هل فيها أن لله شريكاً؟ هل فيها أن لله معيناً؟ أليس فيها أن الله واحد لا شريك له؟ إذاً: هؤلاء من النصارى واليهود، ومن المجوس والملاحدة والمعطلة، هذا الذي يشركوه مع الله من ملائكة ومن جن، ومن بشر ومن أحجار وأخشاب وأصنام ما برهانهم على ذلك؟ أين الكتاب المنزل على أنبيائهم بذلك؟ ألا يستحيون أن يفتروا على الله كذباً؟ ألا يخجلون من أنفسهم؟ ألا يخجلون يوم العرض على الله عندما يأتون مشركين كافرين، ظالمين لأنفسهم؟ ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾ [الأنبياء:٢٤] الله تعالى بعد أن أمر ووعظ أضرب عن ثابت، فـ (بل) حرف إضراب يضرب بها عما قبلها، فهؤلاء معاندون جاحدون، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:٢٤] أكثر الذين كفروا وأشركوا وعطلوا وألحدوا، هؤلاء لا يعلمون الحق، ولا يتمسكون إلا بباطل وهراء وغثاء، وزيف من القول لا دليل عليه عقلاً، ولا سمعاً، وإنما هي مفتريات ومخترعات أوحى لهم بها الشيطان، واستمسكوا بها استمساكاً ببغاوياً فآمنوا بشيء لا يعونه ولا يفهمونه، وإنما هو كفر وشرك تقليدي، فهم معرضون عن معرفة الحق، وعن الإيمان بالله وبرسل الله، معرضون عن الكتب السماوية السابقة واللاحقة، معرضون عن الإيمان برسول الله وما جاء به من حق ونور وكتاب مبين.
стр. 322
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)
قال تعالى: وفي فضل نبينا ﵊: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥].
ليست هذه الرسالة التي كلفت بها بدعاً من الرسل، ولم تأتِ وحدك بين الأنبياء والرسل تدعو إلى عبادة الله وحده، وإلى توحيد الله، وأنه لا شريك له، ولا معين ولا مساعد، بل انفرد بالخلق، وبإيجاد الحق، لا يحتاج أحداً بل الكل محتاج إليه.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ [الأنبياء:٢٥] (من) لتعريف النكرة، أي: جميع الرسل المرسلة قبلك يا محمد.
لم نوحِ إليهم إلا أن الله واحد: ﴿إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] لم يوحَ لرسول قبلك، ولم نرسله إلى بشر إلا ليوحدوا الله، فلا ثاني معه، هو الله المتفرد بالخلق والزرق والإيجاد، المدبر للخلائق، المحيي المميت، بيده كل شيء، وهو على كل شيء قدير، فجميع الرسالات السابقة التي أتى بها أبونا آدم ومن بعده من إدريس ونوح وإبراهيم أبي الأنبياء ومن سلالة إسماعيل وإسحاق إلى آخر أنبياء بني إسرائيل عيسى، وإلى آخر الأنبياء والرسل جميعاً سيدنا محمد ﷺ ، كل هؤلاء ما أرسلوا وما أوحي إليهم إلا بعبادة الله وحده، وبالدعوة له، بلا شريك ولا معين، وكل ما زعمه اليهود من عبادة عزير وأنه من أبناء الله، وكل ما زعمه النصارى من عبادة مريم وعيسى، كل ذلك هراء وافتراء، وكذب على الله، وكذب على رسله.
لم يرسل الله أحداً من رسله منذ الأول إلى الأخير إلا بأن الله واحد، وبعبادة الله وترك ما سواه من الأوثان والأصنام والشركاء، سواء كانوا ملائكة أو جناً أو بشراً، أو كانوا غير ذلك من أي شيء اخترعه المشرك: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥].
стр. 323
تفسير قوله تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمن ولداً)
وقالوا: مع كل ذلك: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦].
وقال المشركون الكفرة: اتخذ الله الملائكة بنات وشركاء له، تعالى الله عن كل ذلك علواً كبيراً! ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦] كان ذلك في قبائل خزاعة في الجزيرة، وكان ذلك في شعوب وأمم سابقة ممن ابتلاهم الله بعبادة الملائكة، بفهمهم أن الملائكة بنات الله، وأنه ولدهم، تعالى الله عن كل ذلك علو كبيراً! فقال الله مبيناً حقيقتهم ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦] أي: بل هؤلاء الملائكة الذين يُعبدون هم عباد لله، أكرمهم الله بالعصمة، وأكرمهم بالعبادة الدائمة التي لا يفترون فيها ولا يستحسرون، ولا يملون ولا يكلون ولا يتعبون.
وكما قال نبينا ﵊: (أطت السماء -صوتت- وحق لها أن تئط، ما من موضع قدم إلا وفيه ملك قائم أو ساجد، يدعو الله: سبوح قدوس، رب الملائكة والروح، يقولون: لا إله إلا الله).
وعبادتهم الدائمة هي كالنفس لنا، كما أننا لا نعيش بلا نفس، كذلك هؤلاء لا يعيشون بلا ذكر ولا عبادة، نطقاً باللسان وعملاً بالأركان.
стр. 324
تفسير قوله تعالى: (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون)
قال تعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٧].
يقول عن هؤلاء الملائكة الذين اتخذوا شركاء لله وأولاداً فيما زعم هؤلاء الأفاكون: إنهم لا يسبقون الله بالقول، ولا يفعلون إلا ما أمروا، فلا يعصون الله قولاً، ولا يعصونه عملاً، بل هم: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦]، ﴿لا يَسْبِقُونَهُ﴾ [الأنبياء:٢٧] أي: لا يسبقون الله: ﴿بِالْقَوْلِ﴾ [الأنبياء:٢٧] ولا يسبقونه بالعمل ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٧].
فهم بأمر الله يعملون، فمنهم ملائكة الموت، ومنهم ملائكة المطر، ومنهم ملائكة الرزق، ومنهم ملائكة النار، ومنهم ملائكة الجنة، ومنهم ملائكة التكوين، كل أولئك لا يقولون إلا ما أمرهم الله بقوله، ولا يعملون إلا ما أمرهم الله بعمله، فهم عباد لله مخلوقون له، تحت القهر والمشيئة.
فالله منفرد بالقدرة وبالوحدانية والألوهية، وكل ما عداه مما علا أو سفل في السماوات والأرض إلا عباد لله تحت سلطانه وقهره: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٧].
стр. 325
تفسير قوله تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم)
قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨].
الله ﷻ أكرمهم بالعصمة وبالعبادة الدائمة وهو تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأنبياء:٢٨] فيعلم ما يستقبل من عملهم، وما يستقبل من قولهم، كما يعلم أعمالهم التي أصبحت خلفهم، فيعلم ماضيهم وحاضرهم، ويعلم مستقبلهم، وكل ذلك بأمره قولاً وعملاً، لا يقولون إلا ما يقال لهم، ولا يعملون إلا ما أمروا بعمله، علم أعمالهم السابقة واللاحقة عند الله خالقهم وآمرهم وإلههم: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨]، وهم مع ذلك من خشيتهم لربهم، وخوفهم من ربهم، مشفقون على أنفسهم ألا ينالوا رضاه ورحمته ألا يرضى عنهم وأن يعذبوا بما لا يكاد يخطر لهم في بالهم من قول أو عمل، فهم العباد الذين لا يأمنون مكر الله على كرامتهم وعصمتهم؛ ولذلك تجدهم كالبشر والجن يعبدون الله خوفاً وطمعاً، مشفقين وخائفين على أنفسهم من أن يمكر بهم، ومن أن يقال لهم يوماً: ادخلوا النار مع الداخلين.
стр. 326
تفسير قوله تعالى: (ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم)
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٩].
وهذا وجه الإشفاق والخشية من الملائكة على أنفسهم من أن يصدر عنهم شيء يعذبون من أجله.
﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ [الأنبياء:٢٩] من يزعم من الملائكة أنه إله لتعبدوه، فإنا نجزيه ونعاقبه بالدخول إلى النار والخلود فيها، وهذا شرط، والشرط لا يلزم وقوعه، ولكن هذا جواب لمن زعم أن الملائكة بنات لله، وشركاء له، والله يقول عن هؤلاء: لو أنهم فكروا يوماً أن يكونوا آلهة، وأن يدعوا ذلك لذهبت الكرامة والعصمة، ولعوقبوا بالنار والخلود فيها، ولكن (إن) الشرطية لا يلزم وقوع جوابها، أي: فهم لا يفعلون، فلا يدَّعون ذلك، ولا يعملون ما يدعو إلى ذلك؛ تكريماً من الله لهم، وحرصاً منهم على العمل دواماً واستمراراً في عبادة الله قولاً وعملاً، وهذه كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥].
الخطاب لنبينا ﷺ ، وهي (إن) شرطية، ولا يلزم منها الوقوع، فالنبي لا يشرك، وحاشاه من ذلك، والنبي معصوم، والعصمة تمنع الذنب فضلاً عن الشرك، ولكن هذا يقال من الله تخويفاً لخلقه، إذا كان الأنبياء والرسل على كرامة على الله، وإذا كانت الملائكة وهم العباد المكرمون إن فعلوا فعلكم، وأشركوا شرككم لا يفلتون من النقمة، ولا يفلتون من النار والعذاب، فكيف بكم ولستم بالمعصومين: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٢٩]، أي: نعاقبه بجنهم: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٩].
(كذلك) كما نجزي من ادعى الألوهية، وقال: هو إله مع الله، أو إله من دون الله، كما نجزي من زعم ذلك، وادعاه في جنهم والخلود فيها: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٩] أي: المشركين الذين زعموا لغيرهم الألوهية، أو زعموها لأنفسهم، كل أولئك مشركون وكافرون، كل أولئك لا يفلتون من عذاب الله ونقمته، والخلود في النار أبداً سرمداً.
стр. 327
تفسير سورة الأنبياء [٣٠ - ٣٥]
يذكر الله تعالى حقيقة علمية اكتشفها العلم في العصر الحاضر، وهي أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففصلهما وجعل من الماء كل شيء حي، ثم يذكر كيف جعل السماء سقفاً والأرض مهداً وثبتها بالجبال الرواسي وأنه كتب الموت على كل مخلوق ولكنه سبحانه يبلونا بالشر والخير فتنة.
стр. 328
تفسير قوله تعالى: (أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً)
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء:٣٠].
هذه الآية من المعجزات التي لم يظهر إعجازها، ولم تظهر دلالتها على صدق نبينا ﷺ إلا في عصرنا هذا، وكثيراً ما قلت وأقول: في مجالس العلم في الحرمين الشريفين، وفي مقاعد الجامعات، وللطلاب والمريدين: إن للقرآن والسنة معجزات أدركها الصحابة رضوان الله عليهم وآمنوا بها شهوداً، ومعجزات ذكرت أنها ستكون بعدهم فآمنوا بها تصديقاً.
ونحن نزعم ذلك أيضاً لأنفسنا، وقد جئنا بعد النبي ﷺ بأربعة عشر قرناً، وإنما شاهدنا في حياتنا وفي أيامنا مما جاء به القرآن والسنة معجزات شاهدناها وعاصرناها فوجدناها كما قالها القرآن الكريم، وكما نطق بها النبي المفسر لما أنزل عليه صلوات الله وسلامه عليه، فهذه منها، ومن تمام الإعجاز أن الخطاب كان للكافرين.
قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء:٣٠] استفهام تقريري، أي: أولم ينظروا ويطلعوا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً، أي: كانتا قطعة واحدة، وطبقة واحدة.
(ففتقناهما): ففصلناهما، وفرقنا السماوات عن الأرض، وجعلنا السماوات سبعاً متفرقة، والأرضين كذلك، وما بين كل أرض وأرض وسماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، ولا ندري هذه الخمسمائة عام يكون أيامها يوم القيامة الذي هو كألف سنة مما تعدون، أو من نوع الخمسين ألف سنة الذي يعرج فيه إلى الله؟! كل ذلك ممكن ولا نعلم حقيقته، وقد يكون من أيام الدنيا.
وقد تبارى الكفار في عصرنا من كل ملة ليصلوا إلى القمر، وزعموا أنهم يريدون أن يعلموا ما هي طبيعة القمر؟ وما تكوينه؟ وكيف حجارته؟ وكيف ترابه؟ وهل هو من نوع الأرض أو من طينة أخرى أو من عنصر آخر؟ بذلوا الملايين مما لو وزع على الخلق لما بقي جائع في الأرض.
وكان بعضهم قد وصلوا إليه وأنزلوا منه حجارة وتراباً، وحللوه، وإذا به كما أخبر تعالى، وجدوا أن التراب نفس التراب، والحجر نفس الحجر، الكل من طينة واحدة، ومن عنصر واحد، وكما أخبر تعالى أن الأرض والسماء كانتا قطعة واحدة، ومن عنصر واحد، وحجر واحد، ورمل واحد، وتراب واحد، وبعد هذا جاروا وداروا، وغيروا وبدلوا، وتلاعبوا وأسرفوا، وأتوا إلى ما قاله لنا ﷻ منذُ ألف وأربعمائة سنة.
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ [الأنبياء:٣٠] كانتا ملتصقتين، متصلتين لا يفرق بينهما شيء.
(ففتقناهما): ففصل الله السماء عن الأرض، والأرض عن السماء، وجعل السماء سبعاً، والأرض سبعاً، وفتق كل جزء عن جزئه، وكان الكل من طينة واحدة وعنصر واحد.
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء:٣٠] لا تكون حياة لما في الوجود من إنسان أو جن أو حيوان أو طائر أو حشرات أو نبات إلا بالماء، ينزل الماء ﷻ فتحيا هذه الخلائق.
وقد يكون المعنى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠] أي: ماء المني، فمنه يتكون الإنسان، ومنه تكون الجن، ومنه تكون الطير، ولكن المعنى الأول أشمل، فيدخل معه النبات، ويدخل معه أنواع الشجر ولا مني وإن كان هناك ذكورة وأنوثة، والله قد قال لنا: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر:٢٢] تلقحت وتزواجت واتصلت، وكثير من الأشجار إن لم تلقح بنوعها من الذكور لا تثمر كما في النخيل، وهذا يعلمه كل من رآه ومارسه وأشرف عليه أو اطلع عليه.
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء:٣٠] أي: هؤلاء الكفار الذين رءوا هذا رؤيا العين، وسماع الأذن، وإحساس البشرة، وأشرفوا عليه واطلعوا عليه، وعلموا بيقين: أفلا يؤمنون؟ ألا يكفيهم ذلك دلالة؟ ألا يكفيهم ذلك قدرة؟ ألا يكفيهم ذلك معجزة فيؤمنوا بأن خالق هذا هو الله، وأن الله خلق ذلك وحده بلا شريك من ولد، أو صاحبة أو معين، تعالى الله عن كل ذلك علواً كبيراً؟!
стр. 329
تفسير قوله تعالى: (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم)
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء:٣١].
يريد الله لنا أن نتدبر ونتذكر خلق السماء والأرض، فقال لنا: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء:٣١] أي: كي لا تضطرب ولا تميل، ولا تزعج من عليها.
﴿وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ [الأنبياء:٣١] أي: جبالاً ثوابت، ترسي الأرض لكي لا تميل، وهي محمولة على الماء، ثلاثة أرباع الأرض هو ماء، والربع الرابع هو الأرض؛ ولذلك أينما حفرنا لا نجد ماءً وقد نحفر ألف متر ولا نجد الماء.
﴿وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ [الأنبياء:٣١] أي: ثوابت راسخات: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء:٣١] كي لا تميل وتضطرب، أي: كي لا تميل الأرض وتضطرب بمن عليها، فلو لم يكن فيها هذه الجبال الرواسي المثبتة لمالت، كما لو وضعنا سفينة على الماء، ولم نجعل لها رواسي من جوانبها لمالت وانقلبت بركابها، وغرقوا وهلكوا، فكذلك الأرض.
﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء:٣١] أي: خرقنا فيها فجاجاً، وهو جمع فج، وهو الطريق بين الجبلين سبلاً: سابلاً، سالكاً، يوصل الإنسان في الأرض بما يريد من أقاليم وأقطار، ومن جهات في مشرق أو مغرب أو جنوب أو شمال، لم يفعل هذه الرواسي حاجزاً عن أن يسير الإنسان في هذا الكون، وفي هذه الأرض كما يشاء لطلب مصالحه من تجارة أو طلب للعلم، أو تدبير للأمر، أو حكم للرعايا، أو ما إلى ذلك مما يحتاج إليه الإنسان الحي على وجه الأرض.
يلفت الله نظرنا لنفكر مع أنفسنا ساعة: من الذي خلق الأرض؟ من الذي خلق السماء؟ من الذي فتقهما وفصلهما عن بعضهما؟ من الذي خلق الجبال وما حكمة خلقها؟ من الذي شق فيها هذه الطرق الواسعة، والفجاج العميقة؟ من الذي جعلها سابلة وسالكة من المشارق والمغارب ومن الشمال ومن الجنوب؟ لو فكرنا قليلاً فسنجد أنفسنا نقول: الله الخالق، الله المدبر، الله الرازق، الله القائم بكل هذا والخالق له، والمدبر له.
((وَجَعَلْنَا فِيهَا)) أي: في الأرض ﴿فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء:٣١]، أي: يهتدون إلى الطرق إلى الفجاج إلى السير إلى الرحلة إلى المصالح إلى ما يريدون، عندما يضربون في الأرض طلباً للعلم أو سياحة أو أي شيء يريدون.
стр. 330
تفسير قوله تعالى: (وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً)
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء:٣٢].
جعل السماء بالنسبة للأرض كالسقف للبيت والغرفة، وحفظه عن أن يسقط، ولو سقط على من في الأرض لدمرهم، ولأهلكهم وسحقهم؛ ولذلك لفت نظرنا إلى السماء كيف رفعها بغير عمد نراها بأعيننا، ومن لم يكن يبصر فسيراها ببصيرته، فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء:٣٢] أي: محفوظاً عن السقوط إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها إلى أن تقوم الساعة إلى أن يزول كل ذلك إلى إن يدمر، ولا يبقى في الكون أحد إلا الله، كان ولا شيء معه، وسيبقى ولا شيء معه كما كان، ويصبح الكل كالعهن المنفوش، وكالقطن المتطاير.
قوله: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:٣٢] أي: وهؤلاء الكفار، بل أكثر الخلق عن آيات الله وقدرته في سمائه وأرضه، وفي خلقه وتدبيره معرضون، لا يعون ولا يفكرون فيه، ولا يتخذونه برهاناً على وحدانية الله وقدرته وانفراده بالخلق، والوحدانية، والتدبير والرزق، وهو الحي القيوم، القائم على كل شيء، والذي تحت قهره كل شيء ﷻ وعز مقامه.
стр. 331
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي خلق الليل والنهار)
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء:٣٣].
الله الذي خلق الليل وجعله سكناً وراحة للإنسان، وخلق النهار وجعله معاشاً وعملاً وسعياً للإنسان على نفسه، وعلى من يهمه أمره.
ولولا الليل لما استراح إنسان في نهار أبدي سرمدي، ولولا النهار لمل الإنسان ولتقطعت أعضاؤه من كثرة النوم والجلوس؛ ولو كانت الأرض بلا شمس لأصابها الزمهرير، ولما نبت فيها نبات، ولما كبر فيها جسم.
ولو لم يكن القمر بالليل لما كان مد وجزر من البحر، ولما كان ولما كان، والله قد خلق كل ذلك لحكمة، وخلق منه ما يريح الإنسان في ليله ونهاره، في معاشه وراحته، وفي حياته كلها، لو ذهب الله بليله فمن سيأتينا بليل غيره؟! لو ذهب الله بنهاره فمن سواه يأتينا بما نحن في حاجة إليه.
قال تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء:٣٣] الأفلاك العلوية والسلفية كلها تدور وتسبح، كما يسبح الإنسان.
والفلك لغة: هو الشيء المستدير، وقد مثل ذلك سعيد بن جبير بالمغزل عندما يكون له محور وهو يغزل مستديراً، ومثله عبد الله بن عباس بالرحى لها محور، والأفلاك تدور حولها.
وهكذا الآن عندما نرى خرائط الأفلاك العلوية والسفلية نجدها مستديرة، ولها محور في الوسط، والكل يسبح، ولذلك عندما يخرج الإنسان عن غلاف الأرض، حيث تخف الأجسام والأوزان إلى حدٍ بعيد فسيجد نفسه سابحاً في الفضاء.
وهذا معناه: أن الأرض كروية، والسماء كروية، والأفلاك كروية، وهذا ما أجمع عليه المسلمون قبل أن يفكر في هذا الكفار والمشركون.
وقد قال تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ [الزمر:٥] والتكوير: دائرة، وقال النبي ﵊ عن عرش الرحمن: (هو على الكون هكذا، وأشار كالقبة) أي: كل مستدير، ونص السلف على أن الأرض كروية بيضاوية على شكل البيضة، ونص عليه ابن تيمية، ونص عليه قبله ابن حزم، والغزالي , وغيرهم من علماء القرآن والسنة.
وهذه الآية هي من الأدلة التي استدلوا بها أيضاً على كروية الأرض والأفلاك علواً وسفلاً، سماءً وأرضاً: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء:٣٣]، والفلك: الدائرة، ويصبح الأمر أن كلاً يدور حوله كمن يسبح في النهر، أو يسبح في البحر.
﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء:٣٣] تسبح الشمس، ويسبح القمر؛ ولهذا يرى في أحيان ولا يرى في أحيان، تغرب الشمس تارة وتشرق تارة، وهي في دورانها، والقمر وما معه من أفلاك في دورانه.
стр. 332
تفسير قوله تعالى: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد)
قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤].
قوم من الكفار تربصوا بالنبي ﷺ أن يموت، وتربصوا به المنون، قالوا: سيموت، فقال الله يخاطب النبي ﵊ وهو خطاب لنا مع هذا: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤].
أي: يا محمد! قل لأولئك الذين يتربصون وينتظرون موتك: نحن لم نجعل لبشر من قبلك الخلد، أي: البقاء دواماً واستمراراً.
وأراد البعض أن يستدل بهذه الآية على أن الخضر قد مات، ولا دليل من هذه الآية، فلم يقل أحد من الناس مسلماً ولا كافراً أن الخضر سيخلد خلوداً أبدياً، كل من قال ببقائه قال: إنه سيعيش أزماناً طوالاً كما عاش نوح أكثر من ألف عام، ولبث في قومه يدعوهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً، كما ذكر القرآن الكريم.
قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ﴾ [الأنبياء:٣٤] استفهام تقريري: ﴿فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤] أي: لو مت يا محمد أفيخلدون هم؟ هم يتربصون بك المنون، وهم ينتظرون موتك ليستريحوا منك وهيهات! فسيجدون العذاب دونك إن بقوا على شركهم، وسيجدون ما أنذرتهم به من عذاب أليم في الدنيا والآخرة، وسيلحقهم إلى قبورهم، وسيخلد معهم خلوداً سرمدياً أبداً في جنهم، بل حياتك خير لهم، يسمعون منك العبرة والموعظة، ويسمعون منك الحرص على هدايتهم، هذا لو كانوا يعقلون، فكيف بمن له أعين لا يبصر بها، وآذان لا يسمع بها، وقلوب لا يفقه بها؟! هم كالأنعام، بل هم أضل من الأنعام، وأضل من الدواب، الدواب نستفيد مما في بطونها، ومن أوبارها، ومن ظهورها.
فالكافر والمنافق لا يستفاد منه في شيء، بل وجوده على الأرض دمار وخراب، فوجوده في باطنها خير من وجوده على ظهرها: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤].
стр. 333
تفسير قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت)
قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء:٣٥].
أي: أخبر هؤلاء الذين تربصوا بك الموت، وانتظروا غيابك، أنه ليس الموت واجب عليك فقط، بل الموت حق على كل نفس، كل من له نفس يصعد ويهبط إلا ونهايته الموت.
قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] فلن يعيش أحد دواماً، ولن يخلد أحد دواماً، ولكن الحي الدائم هو الله ﷻ ، الواجب الوجود، والحي الذي لا يموت، وما سواه من ملك أو جني، أو إنسي يموت.
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥] أخبر تعالى أن الموت حق لا بد منه على كل حي، إلا الله الحي الدائم، ثم قال: (ونبلوكم) أي: نختبركم ونفتنكم ونمتحنكم (بالشر والخير فتنة)، يبتلي خلقه ويفتنهم تارة بالشر وتارة بالخير، يبتلينا بالفقر، وهو فتنة وبلاء واختبار، ويبتلينا بالغنى، وهو فتنة وبلاء، ويبتلينا بالقوة والصحة كما يبتلينا بالمرض، ويبتلينا بالشبيبة والقوة كما يبتلينا بالشيخوخة، ويبتلينا بالعز والسلطان وبالحكم وبالأمر والنهي، ويبتلينا بالذل والهوان، والاستعمار، ولكل ذلك سبب, ولكل ذلك حكمة، وهو على كل اعتبار إن كان خيراً فهو ابتلاء وفتنة، وإن كان شراً فهو ابتلاء وفتنة، والكل من الله.
ولذلك: لا خير يدوم، ولا شر يدوم، ولكن الله يبتلي بالخير من شاء ليرى: هل سيشكر على ذلك الخير أم يكفر؟! ويبتلي بالشر، ليرى عبده: هل سيصبر على ذلك الشر أو يكفر ويزداد عناداً ويتخذ من ذلك كفراً؟! ولذلك: فلا ييئس الفقير من رحمة الله ومن غناه، ولا ييئس المريض من عفو الله وعافيته وصحته، ولا الغني ولا القوي يجوز له أن يطغى ويتكبر، فمن أتاه بالمال قادر على أن يذهبه ويدمره، ويسلبه منه، ومن أتاه بصحة وبقوة قادر على أن يسلبه كل ذلك، ولكن الضابط في كل هذا: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧].
الشكر يديم النعم، فمن أغناه الله وأصحه وأعزه، فالشكر باللسان واجب، ولكن أوجب منه الشكر بالعمل، بأن يعطي من ماله، ويعطي من صحته، ويعطي من قوته، ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧] أحسن بالعطاء وبالهبة، وبالنفقة وبالزكاة، وكما قال ﵊: (هلك المكثرون، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا)، أي: هلك الأغنياء ذوو الكثرة، إلا من أتى إلى هذه الكثرة فوزعها بين نفقة على الأولاد، وصدقة على الفقراء، وزكاة لماله فيما أوجب الله عليه.
(وللسائل حق ولو جاء على فرس)، فإن جاءك سائل فأعطه مما أعطاك الله ولو جاءك راكباً على فرس، والله قد وصف المؤمنين بأنهم: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥].
أي: حق للسائل إذا سأل، وحق للمحروم من العطاء ومن الصحة ومن العز؛ ولذلك الشكر في كل حال على حسيه، شكر باللسان: (ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله)، كما قال نبينا ﵊.
والشكر بالعمل، فيما كان من الله عطاء ورزقاً وشيئاً ملموساً مرئياً محسوساً، أما أن تجمع الأموال وتقول: أشكر الله، أما تتمكن من القوة والنفوذ والسلطان وتقول: أشكر الله، وأنت لا تعطي فقيراً ولا تساعد ضعيفاً، ولا تسعى في عز ذليل، ولا تكون في عون محتاج أو فقير، فليس ذلك الشكر، وليس ذلك الحمد، ويوشك من لا يحمد الله على نعمه وآلائه أن يسلبها، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] أي لئن جحدتم النعمة ولم تشكروها ﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]، أي: يسلبها وتزول عنه؟ ونعوذ بالله من السلب بعد العطاء.
قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥]، أي: وبعد كل ذلك فـ (إلينا ترجعون)، فتعرضون على الله يوم القيامة، الشاكر والصابر، والكافر والمؤمن، والفقير والغني، والذليل والعزيز، والمبتلى بالشر والمبتلى بالخير؛ ليؤدي الحساب عن ماله فيم صرفه؟ وعن شبيبته فيم استعملها؟ وعن ماله فيم أنفق؟ وعن عزه من أعز به من الذليل والمقهور والمغلوب عن أمره؟! وقوله: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥] هو وعيد وتهديد لهؤلاء الجاحدين الكافرين، الذين ابتلوا بالخير فلم يحمدوا الله، وابتلوا بالشر فلم يصبروا على بلاء، وإن هي إلا أيام وتنقضي، إن كانت خيراً فلا يدوم، وإن كانت شراً فلا تدوم، ولا يدوم إلا الله الواحد ﷻ وعلا مقامه.
وهذه السورة الكريمة تسمى بالأنبياء ويعرض الله علينا فيها حال أنبيائه ورسله، وأنه ما أرسلهم إلا بالتوحيد، وما أرسلهم إلا بالعبادة، وما أوحى لهم إلا ذلك.
وما حدث من تغيير وتبديل من أصحاب الأديان السابقة ممن زعموا أنفسهم يهوداً أو نصارى أو مجوساً، كل ما زعموا، أنه من الله، وعن أنبياء الله، وأنه جاء في كتب الله، كل ذلك الذي زعموه من جحود وكفر ومعصية كل ذلك افتراء على الله، وكذب على أنبياء الله، ما أنزل الله به من سلطان.
وكون النبي ﵊ أكرم الله به الخلق، وختم به الأنبياء؛ ليصحح ما صح في الكتب السابقة، وليزيف ما افتروه وكذبوه، وحرفوا فيه، وتزيدوا فيه من شرك وكفر، وقذف للأنبياء، وكذب على الله، كل ذلك ما جاء الله بخاتم أنبيائه رسولاً للناس كلهم إلا ليعود البشر إلى الطريق السوي إلى المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك.
فالقرآن لم يغير، ولم يبدل، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو أبداً حق وصدق، وهو أبداً يأمر بالخير، وينهى عن الشر، يحلل ما ينفعنا، ويحرم ما يضرنا، ويعلمنا الحقائق والعقائد، وذكر الله وتمجيد الله، وتسبيح الله، وتنزيه الله عما زعمه الأفاكون، وافترى به المشركون، وكذب به الكاذبون، وليعود الناس إلى الصدق والوفاء بالعهد، وإلى الرحمة بين الكبير والصغير، وبين القوي والضعيف، وبين العزيز والذليل، ليعود الناس إلى أصل خلقتهم، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
يعبدون الله آناء الليل وأطراف النهار، بالصلوات الخمس التي أمرنا الله بها عند مطلع الفجر، وقبل شروق الشمس، وفي أطراف النهار عند الزوال، وقبل مغرب الشمس عندما يصير ظل كل شيء مثليه، وعند العصر، وفي أول الليل المغرب، وبعد ذلك بساعة ونصف إلى غياب الشفق، ثم التهجد في الثلث الأخير من الليل، فتلك ساعة كريمة وعظيمة لمن قام والناس نيام، في تلك الساعة ينزل ربنا إلى السماء فيقول: هل من داع فأستجيب له؟! هل من مريض فأشفيه؟! هل من عار فأكسوه؟! هل من جائع فأشبعه؟!.
ينزل ﷻ في تلك الساعة وقد نام الكسالى والضائعون، ونام المسرفون على أنفسهم، يقوم من فراشه ومن عند زوجته ليقف بين يدي ربه خانعاً، مستسلماً داعياً ضارعاً، وهو في كل ذلك يتبع سنن المرسلين السابقين التي جاءت هذه السورة لبيان سننهم وأخلاقهم وسلوكهم، يعيدها الله على نبيه صلوات الله وسلامه عليه، ولنسمعها نحن، ونتخذ أنبياء الله في الأسوة وخاتمهم صلوات الله عليه وعليهم، هو الأسوة والقدوة الأعظم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].
وهكذا عندما ندرس ونتدارس سورة الأنبياء أي: سلوكهم وعبادتهم وأخلاقهم ودعوتهم، وما لقوا من الناس من جحود وكفران، وما تحملوه من هؤلاء الجاحدين وهم يدعونهم إلى الله، ويرشدونهم إليه، وينفرونهم من المعصية والظلم والطغيان، ومن الكفر والجحود، ويكونون في أنفسهم أئمة يقتدى بهم سلوكاً، ونطقاً وعملاً.
وهكذا كانت تسمية السورة بالأنبياء لفتة لنظر من يتلو هذه السورة، ولمن يدرسها ويتتبع تفسيرها؛ ليعلم كيف كان عليه عباد الله المكرمون من الملائكة، والنبيين لكي يصلح الإنسان العادي غير المعصوم نفسه، وليتخذهم أسوة وقدوة وأئمة.
والله بفضله وبكرمه أرسل لنا رسلاً مبشرين ومنذرين، ليعلمونا ويرشدونا ويعظونا، ويهدونا، ويبينوا لنا الحق لنتبعه، والباطل لنجتنبه، ومن هنا كانت الحياة فرصة للإيمان بالله، والعودة إلى الله، ولتبقى الحجة البالغة لله.
إذاً: فهذه هي الدنيا التي ليست إلا كثوان، وعن قريب ستنقضي، فعلى الإنسان بقبول الرسالة وتصديق الأنبياء، واتباع خاتم الرسل ﷺ ، وانتهاج نهجه، واتباع طريقته، وكما قال ﵊: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: ومن هي هذه الواحدة يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي).
فكل ما تسمعون من مذاهب وطرائق لقادة اليهود أو النصارى أو المنافقين أو الملحدين، أو المعطلين، تلك هي الفرق التي نص رسول الله ﷺ عليها، ونبهنا من خطرها، لنكفر بها، ونبتعد عنها، ونزيفها، والطريق الحق يجب أن نبحث عنه في السيرة النبوية، وسيرة الأصحاب رضوان الله عليهم.
стр. 334
تفسير سورة الأنبياء [٣٦ - ٤١]
الكفار إذا رأوا النبي ﷺ اتخدوه هزواً وتآمروا بأنه الذي يذكر آلهتهم بالسوء، فيهددهم الله بما سيصيبهم من العذاب إن استمروا على ذلك، ويذكر أنه قد استهزئ بالرسل من قبل فحاق بالمستهزئين العذاب.
стр. 335
تفسير قوله تعالى: (وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزواً)
قال الله ﷻ : ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [الأنبياء:٣٦].
لا زال الله ﷻ يصف لنا من حال الكفار وعنادهم، وأقوالهم الصلعاء التي لا منطق لها، ولا عقل فيها، ولا دليل عليها، إن هي إلا هراء وسخافة، وكذب على الله، وإصرار على الباطل، يقول الله ﷻ : ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ [الأنبياء:٣٦].
أي: إذا رآك الكفار قائماً مصلياً لا يتخذونك إلا هزواً، فيستهزئون بدينك، وبرسالتك وكلامك، إصراراً على الباطل، وزيادة في الكفر والعناد، ولتصيبهم اللعنة في الدنيا قبل الآخرة.
﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ [الأنبياء:٣٦] يهزءون بك، ويسخرون منك، ويقولون: أهذا الذي يذكر آلهتكم، دون أن يسموك، ودون أن يصفوك بما هو معروف عنك من الصدق والأمانة.
قوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء:٣٦] أي: أهذا الذي يعيبها ويشتمها؟ لقد استكبروا على النبي ﷺ أن ينفر من الأحجار والأوثان، ومن الأباطيل والأضاليل، وينفي عنها العقل والحياة، والضر والنفع، قالوا عن هذا: عيب، وقالوا: شتيمة، وقالوا: تنقيص.
قوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء:٣٦] أي: يعيبها في ذكره، ويتنقصها، ويعنون آلهتهم كهبل وغيره من الأصنام التي كانوا يضعونها في جوف الكعبة، وفي خارجها.
والكلام عن هؤلاء وعن كل من يتخذ الأوثان والأصنام آلهة من دون الله، من اليهود الذين اتخذوا العزير والعجل إلهاً، ومن النصارى الذين عبدوا عيسى ومريم، والذين اتخذوا الأخشاب والأصنام والحجارة آلهة يعبدونها من دون الله، أو يعبدونها مع الله، فكانوا يهزءون بالنبي ﷺ عندما يقول هذا عن آلهتهم، حتى إذا رأوه ماراً أو طائفاً بالكعبة أخذوا يقولون: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء:٣٦] أي: يعيبها ويتنقصها، يقول الله عنهم: ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [الأنبياء:٣٦].
هؤلاء الذين يكفرون بالرحمن، ويكفرون بالله، ويتخذون معه شريكاً يصفونه بما لا يليق أن يوصف به، لا يعدون ذلك عيباً، ولا يعدون ذلك تنقيصاً، فهم يأتون إلى سيد الخلق والبشر ﷺ عندما يعظهم ويرشدهم، ويوجههم إلى اتباع الحق، واتباع الصراط المستقيم، وأنهم ليسوا على شيء، وأنهم لا يتبعون إلا باطلاً، وديناً كاذباً، فهم يأتون لهذه الدعوة الكريمة يهزءون بها، ويعتبرون من تنقص أوثانهم وأحجارهم وآلهتهم المزيفة كافراً، مع أنهم يكفرون بالرحمن ولا يؤمنون به إلهاً واحداً، ولا يؤمنون به رباً قادراً، أهناك شيء في العجب أكبر من ذلك!
стр. 336
تفسير قوله تعالى: (خلق الإنسان من عجل)
قال تعالى: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء:٣٧].
هؤلاء يقولون: أين هذا الذي ذكرت يا محمد من نزول الصواعق، والغلبة، والعقاب، ومن الذل والهوان الذي ينزل علينا؟ إن كان هذا حقاً فعجل به، فقال الله عنهم: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء:٣٧] أي: الإنسان جبل على العجلة والتسرع، لا يريد أن يهدأ وينتظر ويفكر فيما هو عليه أحق هو أو باطل؟ قبل أن يطلب لنفسه العذاب، ويستعجل العقوبة، فلا يفلت منها إذا جاءت، ولا يردها عنه راد.
وقالوا هنا: إن أبانا آدم ﵇ عندما خلقه الله، ونفخ فيه من روحه، جاءت الروح من رأسه، فوصلت عينيه ففتحهما، فوصلت إلى فيه فنطق، فوصلت إلى جوفه، فشعر بالشهوة، ورأت عيناه الثمر، وتكلم لسانه يطلبها، واشتهى ذوقه وبطنه أن يأكل من هذه الثمرة، فحاول أن يقف ليجنيها ويأخذها بيده، وإذا به يقع؛ لأن الروح لم تصل بعد إلى رجليه، ليستطيع القيام، فكانت هذه هي العجلة التي وصف بها، وأصبحت صفة لازمة للإنسان، قيل هذا، ولم ينسب لرسول الله ﷺ ، ما يؤكده؛ لكنه نقل عن بعض التابعين، وهذا أشبه ما يكون بالإسرائيليات.
والقرآن نزل بلغة العرب، ومن عادة العرب أن تقول لمن أكثر من شيء وبالغ فيه: فلان خلق من الغضب، أي: كثير الغضب مثلاً، فلان خلق من عجل، أي: كثير العجلة، وكان الإنسان عجولاً.
وما أكثر عجلة الإنسان وعدم تأنيه إلى أن يستوعب الأمور ويتدبرها! ومن هنا جاء في الآثار النبوية: (التأني من الرحمن والعجلة من الشيطان) والعجلة قلما تأتي بخير.
فقوله: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء:٣٧] أي: ما أكثر عجلته، وعدم تأنيه! والإنسان لولا الوحي والرسل، ولولا الكتب السماوية لكان وحشاً ضارياً، وهذا ما أكده القرآن عندما قال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢]، أي: أن الإنسان خاسر هالك إلا من استثناه الله، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣].
الإنسان غير الخاسر هو من آمن، وأتى بعد الإيمان بالصالحات، وأتى بعد العمل بالصالحات: الأمر بالمعروف، والتواصي على الحق، ويأتي بعد ذلك في الدرجة العليا: الصبر على ما يصيب الداعية إلى الله عندما يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء:٣٧] أي: لا تستعجلوا لهؤلاء الكفار سيريهم الله آيته وقدرته، وعقابه وانتقامه، دون أن يستعجل فهو آت لا محالة، قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود:٨١].
في هذه الحالة والنبي ﷺ يعظهم على كفرهم، ويأمرهم بعدم العجلة، وأن عقاب الله لمن أقام على الكفر، واستمر عليه، فيأتيه لا محالة، ستأتيه قدرته وعقوبته؛ لكفره واستهزائه بسيد البشر صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 337
تفسير قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين)
يقول تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنبياء:٣٨].
أي: يقولون للنبي صلوات الله عليه ولأتباعه من المسلمين متحدين مكذبين معاندين، يقولون: إن كنت يا محمد رسولاً حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب من ربك، لم يطلبوا العفو، ولم يطلبوا اليقين، ولم يطلبوا أن يشرح الله نفوسهم وقلوبهم للتمييز بين الحق والباطل، ولكنهم عجلوا وبادروا في طلب العقوبة.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنبياء:٣٨] أي: متى هذا الوعد بالهلاك؟! متى هذا الوعيد بما زعمت يا محمد؟ ويا أتباع محمد! ائتونا بهذا إن كنتم صادقين، إن كنتم مؤمنين حقاً بنبيكم وإلهكم فاطلبوه أن ينزل على الكفار -على هؤلاء المستعجلين- عذاباً ونقمة وعقوبة.
وقد فعل الله ذلك بهم أما في الدنيا فعوقبوا يوم بدر عقوبة مدمرة مهلكة، قتل فيها زعماؤهم، وأسر فيها سادتهم وكبراؤهم، وشرد الجيش ودمر، وقطع شذر مذر بما كان سبب الفتح أخيراً، وخروجهم من مكة، أو خضوعهم للإسلام صاغرين، وهم من يسمون مطلقة الفتح، أي: الذين عندما جمعهم ﷺ يوم فتح مكة وقال لهم: (يا معشر قريش! ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم! وابن أخ كريم! قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء).
وما أكرم العفو بعد المقدرة! وهكذا فعل ﷺ ، ومنهم من حسن إسلامه، ومنهم مع الأيام من صار عظيماً فاتحاً، بقي مدة حياته يستغفر الله على عناده السابق، ومنهم من فر وقتل أو مات على الكفر.
أما هؤلاء المستهزئون أمثال أبي جهل وأبي لهب وأضرابهما، فقد قال الله لنبيه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر:٩٥].
وقال ابن تيمية: ما من أحد عرف بالاستهزاء برسول الله ﷺ -سواء في حياته، أو بعد مماته، أو على مدى العصور- إلا وعوقب بسوء الخاتمة، وبالهوان والذل في الدنيا، والموت على الكفر، والذهاب إلى جهنم خالداً مخلداً، وهكذا فسر قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر:٩٥].
وحكى بذلك أمثالاً شاهدها، وأمثالاً رواها، وقصصاً عاشرها وعايشها.
﴿وَيَقُولُونَ﴾ [الأنبياء:٣٨]: أي: يقول هؤلاء الكفار مستهزئون ومستعجلون: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنبياء:٣٨].
إن كنتم يا معاشر المسلمين، فيما تروون عن ربكم، وتروون عن نبيكم، وأن الله القادر على كل شيء، وأن النبي المحبوب لربه لينتقم له من أعدائه، فأين هذا الذي ذكرتم؟ استعجلوا العقوبة، ومع الأيام قد حلت، ودمرت وأهلكت.
стр. 338
تفسير قوله تعالى: (لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار)
قال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الأنبياء:٣٩].
قوله: (لو يعلم الذين كفروا) الجواب محذوف للعلم به، أي: لآمنوا، لأسلموا، لتابوا، أي: لندموا على ما هم عليه من شرك، وبادروا إلى التوبة والتوحيد الإيمان.
أي: لو يعلمون عندما يدخلون النار، ويعاقبون، وتلفحهم في وجوههم، وتتبعهم من ظهورهم، وسياط ملائكة النار خلفهم، لو يرون العذاب ذلك الحين وهم لا يستطيعون كفاً ولا دفعاً، (ولا ينصرون) فلا يجدون من ينصرهم من ربهم، فلا تنفعهم آلهتهم المزيفة الباطلة، إنه يوم لا يجدون إلا أنفسهم مع العقاب والعذاب الذي أوعدوا به.
يقول تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء:٣٩] أي: لو يعلمون هذه الحالة، وبؤسها وألمها، وإيجاعها، لو يعلمون حين لا يكفون عن وجوههم النار، لو يعلمون عندما تلفحهم النار وتحرقهم، ويعذبون فيها، وهم لا يستطيعون ردها ولا دفعها، ولا يستطيعون أن يوقفوا لظاها، ولا عذابها، ولا يوقفوا نارها عن وجوههم ولا عن ظهورهم، حينما تحيط بهم إحاطة السوار بالمعصم.
﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الأنبياء:٣٩] لا يجدون ناصراً، ولا معيناً ومؤازراً.
وجواب قوله: (لو يعلمون) هو: لما ارتدوا ولما كفروا، ولما استعجلوا العذاب، وحذف للعلم به، كما يقول ابن مالك في ألفيته النحوية: وحذف ما يعلم جائز.
أي: ما يعلم من مضمون الكلام، وهو من البلاغة، والقرآن مليء بذلك.
стр. 339
تفسير قوله تعالى: (بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها)
قال تعالى إضراباً عن الكلام السابق: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [الأنبياء:٤٠].
(بل) حرف إضراب عن الماضي، عن هؤلاء الذين استهزءوا، وعن هؤلاء الذين لم يفكروا ويغتنموا فرصة حياتهم فيتوبوا إلى الله، ويعودوا للإيمان والطاعة، دعك من كل ذلك، فلم ينفعهم، ولم ينتهزوا شبابهم قبل شيخوختهم، ولا حياتهم قبل مماتهم، وبقوا هكذا إلى أن أحاط بهم عذاب الله وعقوبته ونقمته.
﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾ [الأنبياء:٤٠] تأتيهم العقوبة تأتيهم النار يأتيهم عذاب الله يأتيهم ما استعجلوا به من العذاب والنقمة بغتة وفجأة، قد يأتيهم وهم نائمون، وقد يأتيهم وهم ضاحكون، وقد يأتيهم على حالة لا يكادون يتصورون وجود ذلك فيها، فتبهتهم، فيصبحون حيارى تائهين زائغي العيون، ضائعي النفوس، وهكذا كمن أصيب بمس، فلم يعرف ما يقدم ولا ما يؤخر.
قوله: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾ [الأنبياء:٤٠] أي: تحيرهم، وتذهلهم.
قوله: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾ [الأنبياء:٤٠] أي: فلا يستطيعون رد العذاب والعقوبة، ورد النقمة ودفعها وكفها عنهم.
قوله: ﴿وَلا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [الأنبياء:٤٠] أي: لا يتربص بهم، ولا ينتظر بهم وقتاً آخر لعلهم يرجعون؛ لأنهم قد مضت المدة التي سمى الله مع نفسه، وأرجعه فيها، وأمهله فيها، فلم ينتفعوا بها، وحينما تأتيهم -ويصبحون في العذاب- لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً.
стр. 340
تفسير قوله تعالى: (ولقد استهزئ برسل من قبلك)
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الأنبياء:٤١].
هذه تسلية وتعزية للنبي ﷺ ، وتشجيع له، وتقوية لنفسه من ربه ومرسله وخالقه ﷻ .
قوله: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنبياء:٤١] أي: رسل أرسلناهم قبلك، منذ أبينا آدم إلى إدريس إلى نوح إلى إبراهيم إلى جماعة أنبياء بني إسرائيل إلى النبي الذي سبقك ببضع قرون وهو عيسى عليه وعلى نبينا وعليهم جميعاً السلام، تلك عادة الكفار، وسنة المرسلين؛ ليكونوا قدوة للمؤمنين بعدهم؛ حتى إذا استهزئ بهم لا يكلون ولا يملون، ولا يتراجعون، بل يمضون قدماً إلى النجاح أو الموت، وهكذا كان ﷺ ، فعندما جاء كفار قومه إلى عمه أبي طالب، وعرضوا عليه الملك والتزويج بمن شاء من بنات قريش، وعرضوا عليه الغنى حتى يصبح أغناهم على الإطلاق، وإذا بـ أبي طالب كأنه ظن أن هذا إنصاف من قومه، فعرض ذلك على رسول الله ﷺ ، فيجيب النبي ﷺ عمه بكلمته الصارمة، وهو الأسوة والقدوة لكل داعية بعده، فيقول: (والله يا عم! لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي -ومن ملك الشمس والقمر ملك الدنيا بحذافيرها؛ لأن الكون لا يعيش بلا شمس، ولا يعيش بلا قمر- على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك دونه).
وهكذا كان ﵊ على كثرة ما آذوه وشتموه، وعلى كثرة ما تآمروا عليه، وأدموا قدميه الشريفتين، وكسروا رباعيته، وهجروه السنين حتى كان يأكل ورق الشجر، وحتى كان يربط على بطنه الحجر من الجوع، وهو في كل ذلك صامد صمود الجبال، راسٍ رسو الجبال الشوامخ، لا تأخذه في الله لومة لائم، يدعو إلى ربه ليلاً ونهاراً، حضراً وسفراً إلى أن حج بهم حجة الوداع، قبل أن يموت ﵊ بأشهر، وهو يشهد الله ويشهد خلقه، قائلاً: (اللهم هل بلغت؟) فيقول الحاضرون: نعم قد بلغت، فيقول: (اللهم فاشهد، اللهم فاشهد).
فقد أشهد ربه على أنه قد بلغ رسالته، وعلى أن من بلغهم يشهدون بذلك ويعترفون به؛ ولذلك لقي الله راضياً مرضياً، مطمئن النفس على أنه قد قام بما أرسل به، وبلغ أحسن بلاغ إلى أن هيأ للرسالة من يحملها بعده من أمثال الرعيل الأول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي عبيدة وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
وجاء الرعيل الثاني من التابعين فحملوا الرسالة، وهكذا كل جيل يحملها إلى الجيل الذي بعده حتى عصرنا، رغم كفر الكافرين، ويهودية اليهود، ونصرانية النصارى، وفي الحديث المتواتر: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، وهم على ذلك إلى يوم القيامة)، ولكن الله يبتلي بالشر والخير فتنة، فمن بلي في نفسه، أو في جسمه وهو يدعو إلى الله، فإن صبر فله الجنة، والفوز أخيراً، فالله ناصر رسله وعبادة المؤمنين، والعاقبة للمتقين.
فمعنى الآية: ولقد استهزئ برسل من قبلك يا محمد، فاحمل وصفه، واتخذ من الأنبياء قبلك أسوة، فلست بدعاً من الرسل، فكما استهزئ بك استهزئ بهم، فصبروا وتحملوا، وعاشوا على ذلك إلى لقاء الله، وقبل الموت كان الظفر والنصر لهم، سحق الله أعداءهم، وجعلهم خاضعين عند قدميه، وقد ذلوا، وشردوا وقتلوا، وأسروا وهدى الله من كتب له الهداية، وعلم في قلبه الخير، قال تعالى: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ [الأنفال:٧٠].
قوله: ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الأنبياء:٤١].
أي: فأحاط بالذين سخروا من هؤلاء الكفار عقوبة أخرى أشد من عقوبة الكافرين عموماً، فالكافر عن جهل ينتظر به لعل الله أن يهديه، والكافر المستهزئ العنيد لا يكتب الله له إلا سوء الخاتمة؛ نتيجة عناده وحرصه على الكفر واستهزائه بعباد الله المكرمين وبرسله صلوات الله عليهم أجمعين، فحاق العذاب بهؤلاء المستهزئين من بيننا، وحاقت بهم النقمة، وماتوا على سوء الخاتمة، وضلوا في الدنيا، وعوقبوا يوم القيامة بالسعير خالدين مخلدين أبداً: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦].
стр. 341
تفسير سورة الأنبياء [٤٢ - ٤٨]
يمتن الله على عباده بأنه الذي يحفظهم بالليل والنهار، ويذكر الكفار بأن آلهتهم لا تستطيع ذلك، ثم يذكر تعالى أنه سينقص أرض الكفر من أطرافها بدخول الإسلام فيها، ويوم القيامة توضع الموازين فتوزن أعمال العباد.
стр. 342
تفسير قوله تعالى: (قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن)
قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:٤٢].
أي: قل يا محمد لهؤلاء الكفرة الجاحدين المستهزئين: من يكلؤكم بالليل من القوارع ومن الصواعق، ومن العذاب وأنتم نائمون؟ ومن يكلؤكم بالنهار ويحفظكم من العذاب والنقمة؟ وهأنتم تأكلون وتشربون وتتمتعون وتمرحون فمن غير الله يطعمكم ذلك؟ فقل لهؤلاء أن يراجعوا أنفسهم وعقولهم ويؤمنوا بربهم، ويقبلوا من نبيهم، فإن لم يفعلوا فالعذاب أقرب لأحدهم من شراك نعله.
قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء:٤٢] أي: من الذي يحفظكم؟ وفسر أيضاً: من الذي يحفظكم ويكلؤكم بالليل والنهار دون الرحمن؟ أآلهتكم تستطيع ذلك وهي أعجز من أن تضر نفسها أو تنفعها فضلاً على أن تضر غيرها، وتنفعها؟! قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ﴾ [الأنبياء:٤٢] أي: أضرب عن قوم سابق، ومفاوضة هؤلاء ومحاورتهم ومجادلتهم دع عنك هذا فهم لم يؤمنوا، ولعل المستهزئين منهم أن يؤمنوا ويقدر الله عليهم خيراً.
قوله: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:٤٢] أي: عن توحيده وعبادته وعن كتابه المنزل ونبيه المرسل، فهؤلاء قد أصروا على الكفران والجحود، فدعهم وما اختاروا أنفسهم له، وليتربصوا، فسينظرون من هو على الحق، ومن هو على الباطل، ومن المتقي الفاجر، ومن الذي ستناله رحمة ربه ومن سيناله عذاب ربه.
стр. 343
تفسير قوله تعالى: (أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا)
قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾ [الأنبياء:٤٣] أي: هؤلاء الذين ظلموا وتجبروا وعتوا، وظنوا أن عندهم من ينصرهم دون الله.
﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾ [الأنبياء:٤٣] أهذه الأصنام التي ألهوها منعتهم من دوننا، ومن عقوبتنا، ومن عذابنا وانتقامنا؟ أهذه آلهة حق يا أيها العقلاء؟ فنبينا ﵊ بما أرسل به من كتاب مبين يدعو إلى الحق، ويعظ هؤلاء بأمر الله ويبشرهم وينذرهم، ويخاطبهم بلغة العقول لعلهم يعقلون أو يفهمون.
قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء:٤٣].
فهذه الآلهة التي اتخذتموها من دون الله ظناً على أن تنتظروا منها نفعاً أو ضراً، أو حماية أو دفعاً، هي تعجز عن نفسها فضلاً عن غيرها.
قوله: ﴿وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء:٤٣] أي: لا يصحبون منا بخير، ولا يصحبون منا بما يدفع عنهم ضرهم على كفرهم وشركهم، فهم في العذاب خالدون -جزاءً وفاقاً- لشركهم بالله، وتكذيبهم لرسل الله صلوات الله وسلامه عليهم.
стр. 344
تفسير قوله تعالى: (بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر)
стр. 345
معنى قوله تعالى: (بل متعنا هؤلاء وآباءهم)
قال تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ﴾ [الأنبياء:٤٤].
أي: متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر فاغتروا بفضل الله، وبما أكرمهم الله به من تمتع بالشباب والصحة، وبالمال والجاه والسلطان، مع طول الأعمار التي عمروها، فظنوا بذلك أنهم قد نالوا حقاً يجب لهم بما صنعوه وعملوه، وهكذا كل إنسان كافر يضحك على نفسه ويغتر بما صدر عنه، إن صنع حديدة وطار بها، أو حديدة وطرق بها، أو شيئاً انتقاه أو كلام لفقه يعد بذلك أن له الحق على الناس، وأنه أصبح متحضراً وكبيراً، وأنه أصبح يجب أن يتبع وهو على كفره وشركه، يريد أن يقود الناس على ذلك، وأن يخضعهم لذلك، وهكذا نتيجة ما متع به من مال وجاه وحطام، ومن عتاد وقوة، وصحة ومال.
يقول تعالى: هؤلاء الذين زادوا كفراً وعناداً، لم يصنعوا ذلك لأنفسهم نتيجة ما أدركوه، ولكننا نحن الذين أمهلناهم وأنظرناهم، وبعثنا لهم رسلاً فأطلنا لهم الأعمار، فما اتخذوا ذلك إلا غروراً، وما اتخذوا ذلك إلا زيادة في الجحود والكفران، ومتعوا حتى نسوا الله فنسيهم، ومتعوا بكل الأعمال حتى نسوا الآخرة.
﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ﴾ [الأنبياء:٤٤] أي: هؤلاء الذين يحتجون بآبائهم وقد كانوا كفاراً مثلهم، هؤلاء متعناهم بالقوة وطول الأعمار، ومتعناهم بما يعيش به الصحيح القوي الغني، فهم بذلك زادوا اغتراراً وباطلاً وكفراناً، فقال تعالى: ﴿حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [الأنبياء:٤٤].
متعوا إلى أن طال بهم العمر أزماناً، وكانوا يعيشون مئات السنين.
وإلى الآن الخطاب للكافرين السابقين، وهو خطاب لكل مؤمن وكافر، المؤمن بشر بالجنة والنعيم، والكافر أنذر بعذاب الله والجحيم، فمن طال عمره وصح جسمه وكثر ماله، ومكنه الله في الأرض فما زاده ذلك إلا غروراً وطغياناً، لو فكر قليلاً لعلم أنه لم يشتر الحياة، فالحياة لا تباع، ومن مات لو صرف عليه كل ما على الأرض ليعود للحياة فإنه لا يعطي الحياة إلا واهبها، ولا يزيلها إلا واهبها، فالأعمار يمنحها الله، فإذا أخذها فلا يستطيع أحد في الكون أن يعود بها.
стр. 346
معنى قوله تعالى: (أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها)
قال تعالى: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء:٤٤].
فسرت هذه الجملة بتفاسير أصحها ما تدل عليه الفقرة الخاتمة من الآية: أنه نقص الله أطراف أرض الكفر من الكفر، والآية نزلت والدنيا كلها كافرة، والإسلام لا يزال مضطهداً في مكة، والعالم كله كافر إلا من آمن مع رسول الله ﵊ ممن لا يتجاوزون عدد الأصابع، وهكذا أثر هذا الكفر في الأرض كلها.
وقد استمر وطال ما نقص الله أطراف الأرض عندما أكرم نبيه وأتباعه، بأن خرجوا من الجزيرة العربية وقد هداهم الله على أيديهم، فخرجوا دعاة إلى الله، وهداة للناس، وخرجوا فاتحين العالم، وبعد أن ذهب رسول الله صلوات الله عليه إلى الرفيق الأعلى ببضع سنوات في أيام عمر الفاروق رضوان الله عليه، خرج الإسلام وانتشر، وأنقص الله أرض الكفار فضمها إلى المسلمين، فنقص من أرض الكفر الشام، وضمها إلى أرض المسلمين، وانتقصت أرض العراق ومصر، والمغرب، وانتقصت أرض فارس، وهكذا تقلص العالم الكافر، وتقلصت أراضي الكفار بما زاد الله ذلك للعالم الإسلامي.
﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا﴾ [الأنبياء:٤٤] فأخذ من أطرافها يوم الفتح، يوم الدعوة والهداية مما قام به الأصحاب مبتدئاً بذلك، والذي ابتدأ ذلك رسول الله ﵊ في غزوة تبوك عندما ذهب بجيوشه في أيام حارة قائظة يقاتل الروم إلى حدود الشام، ولكنهم لم يحضروا، فأسروا من أسروا، وغنموا ما غنموا.
ثم جاء أبو بكر بعد أن رتق الفتق، وحارب المرتدين، وقاتل مانعي الزكاة، وجند الجنود، وجيش الجيوش، وذهب بها إلى أرض الروم، أرض الشام إذ ذاك، ولكن أبا بكر اختاره الله إليه وجيوشه على أبواب دمشق من أرض الشام، فجاء بعد ذلك الفاروق رضوان الله عليه فذهب بجيوشه يزحف بها فاتحاً، ومظفراً ومنصوراً إلى أن انتقص الله من أرض الكفر ما بشر الله به في هذه الآية الكريمة، وأصبحت الشام من ذلك اليوم أرض إسلام كالعراق، ومصر وأرض فارس والمغرب.
انتشر الإسلام حتى وصل إلى الصين شرقاً، وإلى قرب عاصمة فرنسا باريس بمائة كيلو متر غرباً، وأصبحت أسبانيا والبرتغال وأجزاء كبيرة من أرض فرنسا أرضاً إسلامية سميت الأندلس وعاشت ثمانمائة عام مسلمة عربية لا تعرف إلا الإسلام وإمامة محمد صلوات الله وسلامه عليه، وما غدت الأمور تتراجع إلا عندما أخذ الناس في الردة والعصيان، فعوقبوا بدمار ملكهم، وسلب دولتهم، ومع ذلك لا تزال أرض الإسلام ممتدة شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً بما تعد ملياراً من الخلق، حتى مع هذا العصر العصيب عصر الظلمات يأبى الله إلا أن ينصر دينه.
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣].
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨].
ولذلك لا نزال ننتظر وعد الله، ونصر الله بانتشار الإسلام في القارات الخمس، ذاك وعد الله الحق، الذي نطق به كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
قال تعالى: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الأنبياء:٤٤] وذكر الغلبة هي خاتم الآية دليل على أن هذا هو المعنى.
﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الأنبياء:٤٤] استفهام إنكاري تقريري توبيخي للكافرين، أي: ليسوا الغالبين، بل هم المغلوبون المقهورون، وهم الأذلاء والعبيد، وقد فعل ﷻ ، فنصر عبده، وأنجز وعده، وهزم الأحزاب وحده، ولا نزال ننتظر نصراً ووعداً للمسلمين في هذا العصر كما أكرم المسلمون في العصور الماضية.
стр. 347
تفسير قوله تعالى: (قل إنما أنذركم بالوحي)
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ﴾ [الأنبياء:٤٥].
قل يا محمد لهؤلاء: إنما أنذركم بالوحي وأتهددكم وأتوعدكم وأخيفكم.
وهو لا يفعل ذلك من قبل نفسه، ولكن بالوحي من الله، وبرسالة الله، وبأمر الله في كتابه، أي فقد أوحى إلي وأمرني أن أبلغكم وأدعوكم بالوحي وأنذركم به، فإن خالفتموني فقد خالفتم ربكم، وإن عصيتموني فقد عصيتم ربكم، والله ﷻ لا يهمل، ولكن يمهل، وإذا أخذ الظالم لا يفلته ﷻ .
قل يا محمد: ﴿إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء:٤٥] لا أنذركم إلا بما يوحى إلي من كتاب متلو مقروء، أو المعاني التي ينطق بها وهي السنة المطهرة.
وقد قال الله عن نبيه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤] أي: لا ينطق نبينا بما ينطق به من سنته، من فعل أو قول، أو إقرار إلا بوحي الرب بياناً وتفسيراً للكتاب الكريم بالوحي العظيم.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ﴾ [الأنبياء:٤٥].
يصف الله هؤلاء الكفار بأنهم صم، وهو جمع أصم، فلهم آذان لا يسمعون بها، أي: مع وجودها، وهم يسمعون الصوت والقول، ولكنهم لا يفقهون، قلوبهم عليها الران، وأسماعهم لا تسمع الخير، ولا تعيه، ولا تتفهمه، وهم بذلك كمن أعطي سمعاً وفقد نتيجته، وفقد عمله، فهو أصم.
﴿قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ﴾ [الأنبياء:٤٥] يا محمد! عندما تدعو العباد إلى ربك فإن الصم لا يسمعون دعاءك، فعندما تناديهم وتقول: يا أيها الناس! تكون آذانهم صماً ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٧١].
آذانهم لا تسمع، وعيونهم لا تبصر، وقلوبهم لا تفقه، فهم كالأنعام بل هم أضل.
﴿قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ﴾ [الأنبياء:٤٥] أي: إذا ما أنذرتهم ودعوتهم لله، وناديتهم لعبادة الله وتوحيده، وأنذرتهم جهنم والخلود فيها، واللعنة الدائمة السرمدية، فهم في هذه الحالة يصمون آذانهم عن السماع والوحي والفهم، ولكن النبي ﵊ مكلف بالبلاغ فيبقى يبلغ إلى لقاء ربه: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس:١٠٨].
هؤلاء مع وعيد الله لهم، ونذارة محمد ﷺ لهم لو مستهم (نفحة) أي: قدر قريب لا يكاد يذكر (من عذاب الله) كما لو أصيبوا بمرض، أو طاعون، أو حمى، فضلاً عن عذاب الله، وليس ذلك إلا نفحة من نفحات العذاب لا تكاد تذكر ولا ينتبه لها؛ لو مسهم ذلك لرأيتهم يجأرون ويصيحون، وينادون: يا ويلهم! وتجدهم معترفين عندما يصيبهم قدر من العذاب: ﴿لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٤٦] ولوجدتهم يصيحون ويجأرون، ويرفعون أصواتهم معترفين بأنهم ظالمون مشركون، ينادون بالويل والثبور، والويل: نهر في جهنم من قيح أهل النار ودمائهم، فهم ينادون ويلهم ونارهم، وينادون سعيرهم، كلمة يلهمونها وتكون جزاءً وفاقاً لأعمالهم: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٤٦].
стр. 348
تفسير قوله تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة)
قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧].
يخبر تعالى عن هؤلاء أنهم مهما عاشوا فسيموتون، ومهما طال موتهم فسيحيون، وسيأتوننا للعرض على الله للحساب والعقاب.
قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] يعطينا صورة مشخصة كأننا ننظر إليها، أي: عاش الناس، ثم ماتوا وبعثوا، ووضعت الموازين لوزن أعمال العباد من خير أو شر، هذه الموازين التي تتصف بالعدل المطلق، لا تزاد فيها سيئة في ذنوب مسيء، ولا ينقص من حسنته شيء، بل قد تزيد الحسنات وتنقص السيئات.
المعروف أن الميزان هو ميزان واحد، ولكن الله قال: (موازين)، فقد يكون المعنى: أن عند كل أمة ميزان، وقد يكون أطلق (موازين) باعتبار زنة أعمال الخلق كلهم، على أن الله قال هنا: الموازين، وإذا ذكر في السنة الميزان، فهو الميزان الأجمع الأكبر الأشمل.
قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] حاول بعض المفسرين أن يقول: الموازين إنما هي مثل في العدل، وعدم النقص، بل الزيادة في الخير، فلا موازين هناك، وروي هذا عن الضحاك وعن جماعة من كبار المفسرين، ولكن هذه زلة من هؤلاء؛ لأن الميزان ثابت بالنص في سنة رسول الله ﵊، تفسيراً لما ورد من ذلك في كتاب الله، وإلغاء ذلك وجعله مثلاً لا يعني إلا النفي لما قد ثبت، وقد يأتي ضال آخر إلى الأشياء التي ذكرت ويقول: كلها أمثال، وقد حدث ذلك من كثير من المبتدعين.
فالميزان ميزان، يسع السموات والأرض، له لسان، وله كفتان ترجح إحداهما بالخير أو بالشر.
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء:٤٧] أي: موازين العدل والحق والإنصاف ليوم القيامة، يوضع ذلك يوم العرض على الله، وجاء في الموازين حديث في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنه ﵊ قال: (كلمتان ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم).
وقد ورد في الصحاح عن جماعة من الصحابة أن مسلماً تعرض أعماله على الميزان في آخر الناس، وإذا بسيئاته تكتب في تسعة وتسعين سجلاً، وتوضع في الميزان، فتطيش كفة الحسنات، وتثقل كفة السيئات، فيؤخذ به إلى جهنم، فينادي مناد من الملائكة بأمر الرب ﷻ : أرجعوه! أرجعوه! فيرجع، فيقول الله له: لا ظلم اليوم! إن لك حسنة لم تؤزن بعد، فيؤتى بالبطاقة فيراها هذا المحاسب، فيقول: يا رب! ماذا عسى أن تكون هذه البطاقة أمام هذه التسعة والتسعين من سجلات السوء؟ فتوضع البطاقة في كفه الحسنات وإذا بها تسقط كفة السيئات، وإذا به يقال: خذوه إلى الجنة، وفي البطاقة مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
والحديث مشهور بحديث البطاقة، وهذه الكلمة: أشهد أن لا إله إلا الله التي قال عنها النبي ﵊: (أفضل ما قلته أنا والنبيون قبلي لا إله إلا الله) لا توضع في كفة ولا ميزان إلا ويثقل بها الميزان، وتخف السيئات، حتى ولو كانت تسعة وتسعين سجلاً.
يقول تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء:٤٧] (شيئاً) يطلق على أقل شيء حتى الذرة.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء:٤٧].
وإن كان هذا الشيء يزن حبة الخردل، وحبة الخردل المعروفة لا تكاد ترى، فلو سقطت من يدك إلى الأرض فإنها تضيع ولا تراها، فلو كانت الحسنة بمقدار هذه الحبة من الخردل يقول الله: (أتينا بها)، أي: حسبناها ووضعناها في ميزان من يحاسب، ولهذا جاء في حديث البطاقة: (ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء:٤٧]) أي: عددناها، وحسبناها، فوضعناها في ميزان حسناتك.
قوله: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] أي: يكفي بما يقوله ﷻ ، لا يحتاج إلى من يحسب ولا من يعد، و (حاسبين) أي: عادين وحاصرين، ويكفي الله محاسباً ولو كانت كلمة قالها اللسان، ولم تعمل بها الأركان، ولكنه مات على يقين وهو يعتقد بقلبه أن الله واحد لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، ومات على هذا يقيناً، ونطق به اللسان سواء عند الموت أو قبل الموت، ففي الأحاديث النبوية: (من مات وهو يقول: لا إله إلا الله، دخل الجنة)، (من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة).
ولكن هل سيدخل الجنة بمجرد قوله ذلك دون أن يحاسب على ما بدر منه؟ كل ذلك محتمل، ولا نبت بشيء بخصوصه، فهو لابد أن يدخل الجنة، ولكن قد يدخلها بعد أن يغفر الله له ذنوبه بلا حساب ولا عقاب، وخاصة من مات شهيداً، ومن مات ودفن في البقيع، وخاصة من عده الله تعالى من السبعين ألفاً الناجين من عذاب الله، وفضل الله كبير، وقد يدخل النار مدة الله أعلم بها، فيعذب على ما صدر منه، ثم يدخل الجنة، وهؤلاء يسمون في الجنة بالجهنميين زمناً، ثم يرفع الله عنهم تلك الصفة، وذلك بأن يستبقي أثر الحريق في جباههم، وفي بعض جلودهم، فينعتون من أهل الجنة القدامى بقول: هذا جهنمي، وهؤلاء جهنميون، فيتألمون بذلك، فيدعون الله تعالى أن يرفع عنهم ذلك لكي لا يعرفوا؛ فيزيل ذلك عنهم ويختلطوا بغيرهم من المؤمنين الساكنين في الجنة.
ومن المعلوم بالضرورة: أن النار سيدخلها الكافرون خالدين مخلدين فيها أبداً، وسيدخلها بعض عصاة المسلمين والله أعلم بهم، ولكنهم لا يخلدون، فسيدخلون النار زمناً حسب الذنوب، ثم يخرجون بعد ذلك، وآخر من يدخل الجنة من أهل النار من الموحدين رجل يكثر الدعاء والتضرع على ربه، ويعيش في ذلك زمناً طويلاً وجسمه قد احترق، فيقول: يا رب! جعلتني مع هؤلاء المشركين بك، والله ما أشركت بك يوماً، فائذن لي أن أخرج من النار، ولا أطلب منك شيئاً بعد ذلك، فيقال له: أتعطي العهود والمواثيق على أن تكتفي بذلك؟! فيعطي المواثيق والعهود، فيخرج من النار، فيسمع نعيم الجنة من بعيد، فيتضرع إلى الله، ويأخذ في الدعاء أن يذهب به إلى باب الجنة ليتمتع بنعيمها على بعد، فيقول له الرب: ألست قد عاهدت وأقسمت ألا تطلب غير ما أخذت من خروجك من النار؟ يقول: يا رب، فيستجيب له، ويأخذه إلى باب الجنة، فيزداد طمعه، وهكذا يدعو ويبكي ويتذلل، فيقول: يا رب! أدخلني جنتك، لا تجعلني أذل القوم وأبعدهم، وأنا الذي لم أكفر بك يوماً، وإذا بالله الكريم يقول له: تمنّ تعط، فيقول: أريد قصراً، أريد حورية أريد أريد ويوسع الخيال في إرادته، فيقول الله له: لك ما طلبت وعشرة أمثاله، فإذا به يقول: أتسخر مني وأنت رب العالمين؟! فيضحك الله ويستجيب له، ويدخله الجنة، ويعطيه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وقد روى هذا الحديث سيد التابعين الحسن البصري فقال: يا رب! اجعلني أنا هو، وكل رجائي أن تدخلني الجنة، وهكذا هؤلاء الكرام من السلف الصالح، ينتقصون أنفسهم، ويزداد خوفهم من ربهم، ويطلبون أقل شيء، ولكن الله الكريم عنده ما هو أكثر وأعظم، فالطمع قبيح من الإنسان، ولكن في الله ومن الله مطلوب أن نطمع في رحمته، ونرجوه ونضرع إليه، فذلك مقبول، والإلحاح غير مقبول من الإنسان إلى الإنسان، ولكن الله ﷻ يحب من يلح عليه بالسؤال، ويكثر من الدعاء، بل قال نبينا ﵊: (إن الله ليحب من عبده أن يطلب منه حتى ملح طعامه، وحتى شسع نعله) انقطع شسع النعل فأصبح يمشي حافياً يقول: يا رب! سشع النعل انقطع، لا أستطيع أن أمشي على نعل واحدة، إذا أراد الطعام وهو بلا ملح يقول: يا رب! ليس عندي ملح، ولم أجد ملحاً.
أعطني ملحاً، وهكذا الله ﷻ ، هو خالقنا ورازقنا وربنا، مهما طلبنا منه هذه الأشياء قلت أو صغرت أو كثرت، إلا والله يريد ذلك، ويحضنا عليه نبيه ﵊؛ لأنه دعاء، والدعاء مخ العبادة؛ لأن في معنى الدعاء أنه يقول: يا رب! أنا عاجز، والبشر عاجزون عن أن يعطوا، وهم يطلبون العطاء، ولكنك صاحب العطية، والمكرم، ولكنك الرازق والمعطي، فأنا أطلب منك، ولا أطلب من غيرك.
فمن هنا يقول في الحديث القدسي: (فإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله).
والله إذا أراد أن يحرك قلوب عباده، يكون لهم بما لا يخطر لهم على بال، وهكذا التقوى تأتي بالرزق والعلم، والتقوى فيها كل الخيرات والفضائل، أكرمنا الله بها، وأدامنا عليها إلى لقائه.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء:٤٨].
كثيراً ما يقرن الله في كتابه بين ذكر نبينا وموسى ﵉؛ لأن موسى كان من أنبياء الله ورسله، ومن أولي العزم، وقد لقي من قومه من العنت والجحود في مصر مع اضطهاد وقهر فرعون وملئه إلى أن أنقذهم موسى وهارون من فرعون، وخرج بهم عن مملكته، ثم لقي منهم بعد ذلك جحوداً وكفراناً، ونبينا ﵊ لقي من قومه العنت والجحود، وكانت مقارنتهما تعطي نبينا السلوى.
стр. 349
تفسير سورة الأنبياء [٤٨ - ٥٦]
يبدأ الله بذكر قصص الأنبياء ﵈، فذكر موسى وهارون وذكر أنه آتاهما الفرقان، وأرسلهما هداة لبني إسرائيل، ثم ذكر سيدنا إبراهيم ودعوته لقومه إلى ترك عبادة التماثيل، والانضمام إلى عبادة الله وحده.
стр. 350
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان)
قال الله جلت قدرته: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٤٨ - ٤٩].
هذه سورة الأنبياء، وقد ذكر فيها ما يتعلق بنبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، وسيذكر الآن ما يتعلق بموسى وهارون وهما من أنبياء بني إسرائيل المبجلين المعظمين، وسيذكر بعد ذلك إبراهيم أبا الأنبياء، وإسحاق ويعقوب وهكذا بالتوالي، فيذكر في هذه السورة أئمة الخير والهدى والصلاح.
وكثيراً ما يقرن الله ﷻ ذكر موسى بذكر نبينا ﵊؛ لأن قوم موسى قد كانوا أيام أنبيائهم خير العالمين، ولكنهم كفروا بعد ذلك فبدلوا وغيروا، وأفسدوا وقتلوا الأنبياء، وسفكوا الدم الحرام، وأشاعوا الفاحشة، وإذا بهم يسلبون كل ذلك، وتسجل عليهم اللعنة والغضب إلى يوم القيامة، والله يذكر ذلك لنا ولنبينا ليعظنا ويعلمنا وينذرنا من ذلك، وأن الأمة المحمدية -ولو كانت خير للناس- إذا بدلت وغيرت، وصنعت صنع بني إسرائيل، ستكون عاقبتها عاقبة بني إسرائيل في اللعن والطرد من رحمة الله، وهذا من أسرار المقارنة في ذكر القولين والدينين، والنبيين عليهما الصلاة والسلام.
فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ [الأنبياء:٤٨] أي: أنزل الله تعالى على نبيه موسى وأخيه هارون الفرقان، والفرقان هو: التوراة، عندما كانت كما أنزلها الله تدعو إلى الحق، وتفرق بين الحق والباطل، وتشيع النور بين الناس هدىً وصلاحاً.
قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ [الأنبياء:٤٨] أي: أنزلنا وأوحينا على موسى وهارون التوراة، أنزلها مفرقة بين الحق والباطل، وكل كتب السماء هي كذلك يؤتيها الله للأنبياء ليفرقوا بها بين الحق والباطل، وبين الظلمة والنور، وبين الهداية والضلال.
قوله: ﴿وَضِيَاءً﴾ [الأنبياء:٤٨] كما هي التوراة، وكتب الله السماوية كلها أنزلت للتفريق بين الحق والباطل، فهي كذلك ضياء ونور تبدد ظلمات الشرك والفساد؛ ليعيش الناس في نور، وليعبدوا الله على نور، ولكي لا يعيشوا في ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج الرجل يده لم يكد يراها.
قوله: ﴿وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء:٤٨] كما أن التوراة عندما أنزلت فأوتيها الأخوان الكريمان موسى وهارون كانت تفرق بين الحق والباطل، وكانت ضياءً ونوراً تبدد ظلمات الشرك، كذلك كانت ذكراً للمتقين وعظة، وعبرة، ودعوة إلى الله، دعوة من الله للمتقين الذين يصفهم الله بأنهم الذين يخشون ربهم بالغيب، هؤلاء هم المتقون الموحدون العابدون الذين جعلوا بينهم وبين الفواحش والسوء وقاية وحاجزاً من الطاعة والعبودية وامتثال أوامر الله وأوامر رسوله، هؤلاء المتقون من صفتهم أنهم يخافون عذابه ونقمته، ويخافون أن يطردهم من الجنة ومن الرحمة، ويخشونه بالغيب ولم يروه، ولكن أنبياءهم عرفوهم به ﷻ ، والعقل يدل عليه.
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فأنا الإنسان كأمثالي، من خلقني ورزقني الروح والحياة، من خلق الشفتين؟ من خلق السمعين؟ من خلق اليدين والرجلين؟ من خلقني وأعطاني العافية وأغناني عن الناس، وعلمني من علمه، وهداني لدين نبيه؟ من الذي خلق السموات العلى والأرضين السفلى، وهذا النظام الدقيق في الأرض من صيف وشتاء، وخريف وربيع، وليل ونهار، وجبال ووهاد، وأنهار وبحار؟! العقل هو الدليل عندما يفكر ويعي، ويقطع بأن هذا لم يكن بلا خالق، لم يكن بلا مدبر، لم يكن بلا موجد، وهكذا النفوس السليمة، والعقول المدركة تعبر عن الله بوعيها أنه الله الخالق الرازق، المحيي المميت، وجاء الأنبياء رسلاً من الله ليبشروا المؤمن المتقي بالرضا والجنة، ولينذروا الكافر العاصي بالنار واللعنة والغضب؛ لعل القوم يعون، لعل الناس يهتدون، وهكذا كانت التوراة وهي التي أنزلت على موسى وهارون، وكانت فرقاناً بين الحق والباطل، وكانت الضياء من الظلمات وكانت ذكراً وتذكيراً للمؤمنين المتقين، المطيعين الموحدين الذين يخافون ربهم بالغيب ويخشون عذابه إن هم عصوه، وخرجوا عن طاعته، وهم من الساعة مشفقون يؤمنون بيوم القيامة، وبالبعث والنشور، وبالحياة بعد الموت، وبالعرض على الله؛ ليجازى كل على عمله، المحسن بالجنة، والمسيء بالنار، هذا اليوم العظيم ينكره الكافرون والمتقون يؤمنون به، ويخشونه، يخشون ألا يرضى الله عنهم، يخشون أن يحاسبهم حساباً عسيراً، ويخافون ألا يدخلوا الجنة، فهم مشفقون وجلون خائفون من عذاب الله، وعدم رحمته.
وهكذا يذكر الله تعالى موسى وهارون في كثير من السور والآيات؛ ليكونا القدوة والأسوة للمؤمنين بهم في عصرهم، وللمؤمنين بعدهم إلى الأمة المحمدية وإلى يوم البعث والنشور، أن نؤمن بأنهم أنبياء ورسل.
أما الشريعة والديانة: فقد نسخت شريعتهما، ونسخ دينهما، وكانا نبيين لبني إسرائيل فقط، وأما الدين الذي ندين الله به، ونلتزم شرعته، ونتبعه فهو خاتم الأديان، وهو شريعة محمد ﵊، وهو الإسلام الذي رضيه الله للناس بعد البعثة المحمدية قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩].
стр. 351
تفسير قوله تعالى: (وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون)
ثم ذكر الله خاتم الكتب الذي أرسل به خاتم الأنبياء والرسل، فقال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء:٥٠].
تلك التوراة قد كانت، ثم بادت، وغيرت وبدلت، وحرفها بنو إسرائيل، وحولوها إلى كتب شرك ووثنية، فذكروا فيها أن عزيراً ابن الله، وعبدوا العجل وقذفوا الأنبياء المقدسين، وتهجموا على الله ﷻ ، وعلا مقامه، ولم نؤمن إلا أنه كان هناك كتاب هو التوراة أنزل على موسى.
﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ [الأنبياء:٥٠] أي: القرآن الكريم الذي يقال له الذكر، ويقال له: الفرقان، هذا الكتاب الذي أرسله الله ذكراً للعالمين منذ البعثة المحمدية إلى الأبيض والأسود والأحمر إلى العربي والعجمي إلى المشارق والمغارب إلى يوم البعث والنشور، فلا نبي بعد محمد، ولا كتاب بعد القرآن، فصلوات الله على نبينا ﵊.
(وهذا) الإشارة للكتاب الذي أنزل، والكتاب الذي ينذر به النبي ﷺ الناس، والكتاب الذي نتشرف بأن نتدارسه تجاه الكعبة المشرفة، وفي بيت الله الحرام.
قوله: (وهذا ذكر مبارك أنزلناه) أي: ومبارك القصص والعقائد، ومبارك الشفاء، فيه شفاء، ولمتبعه الرحمة والرضا من الله، ومبارك للناس ينشر الهدى والعدل بينهم، ويبدد الظلمات، ويزيل الضلال، ويهدي إلى الحق والنور، ويزيل الشرك، ويمحق الأصنام، ويعرف الناس بالحق، ويبعدهم عن الباطل، تلك بركات القرآن، وبركات الذكر الحكيم، يذكر الله تعالى ذلك ويؤكده، ويدلنا عليه، ويرشدنا إليه.
قوله: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء:٥٠] أي: أنزله وحياً على نبينا، وأنزله كتاباً على خاتم الأنبياء، قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣] أي: جبريل، على قلب نبينا ﷺ من الله ﷻ : ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢].
هذا الكتاب الذي جاء ناسخاً للكتب قبله، وجاء تطبيقاً للحق الذي فيها إن وجد، ومهيمناً عليها ومبدداً ما فيها من تحريف وتبديل.
قوله: ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء:٥٠] يا هؤلاء المنصتون من البشر قبل وبعد وإلى يوم القيامة منذ العرب عندما قام بينهم نبي الله صلوات الله عليه، وهو يقول: إني بشير ونذير إني رسول إلى الناس كافة، منذ ذلك وإلى الآن، وإلى ما بعد الآن، يقول الله لنا وقد وصف القرآن بخير الصفات من الدعوة إلى الله، والقبول من الأنبياء، والبعد عن الظلمات، والاهتداء بالطريق المستقيم: ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء:٥٠] استفهام تقريري بالنسبة لمن يؤمن، فهو قرار من الله لأن نؤمن به ونلتزم، ففيه صلاحنا في الدنيا والآخرة، وهو استفهام إنكاري توبيخي لمن جحده ولم يؤمن به.
﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء:٥٠] أي: أتنكرون أنه وحي؟ أتنكرون أنه ذكر حكيم؟ أتنكرون أنه مبارك؟ أتنكرون أنه الكتاب الذي لا كتاب بعده من السماء، وهو خيرها وأجلها وأعظمها؟
стр. 352
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل)
وسيذكر لنا الله في هذه السورة إبراهيم وقصته مع قومه ومع النمرود، وشجاعته في الدعوة إلى ربه، ومع تآمرهم على تحريقه، ومع نصر الله أولاً وأخيراً؛ ليكون المثل المضروب لكل مؤمن داعية إلى الله مهما لقي في سبيل الله، فالعاقبة للمتقين.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥١].
الله ﷻ كما أرسل موسى وهارون، أرسل قبلهما إبراهيم أبا الأنبياء، والد النبيين الكريمين المعظمين المبجلين إسماعيل الأب الأعلى لنبينا ﵊ وأبي العرب، وإسحاق أبي أنبياء بني إسرائيل وهو الولد الثاني لإبراهيم، فقد أكرمه الله بابنين، وأكرمه بالنبوة والحكم والكتاب، وجعل في ذريته النبوة ونزول الكتب كالتوراة والإنجيل والقرآن، وجعل الحكم في ذريته.
ونبينا ﵊ على أنه النبي الرسول الخاتم كان الحاكم، وكان القائم بدولة الإسلام، والمؤسس والمنظم لها، وكان يقود الجيوش، ويوظف الأعوان، ويقضي في الخصومات، وكان يرسل قواداً للفتح ولهدايتهم، وهكذا قامت دولة الإسلام، وجاء من حكم بعده كـ أبي بكر وعمر فمن بعدهما من الخلفاء الراشدين وغير الراشدين فسموا الخلفاء، أي: خلفاء رسول الله ﷺ في حكمه، وفي تطبيق الشريعة والقيام عليها بالسيف والقلم، ولم يكتف بالقلم ولا بالعلم، ولم يكتف بالبيان، وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن كما قال الخليفتان الراشدان: عمر وعثمان ﵄.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء:٥١] فسروا (قبل) أي: قبل البلوغ وتحمل الرسالة، وكما قال الله عن يحيى ﵇: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢] ففسروا هنا ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء:٥١] أي: من قبل الوحي والرسالة، ومن قبل الصحف المرسلة المنزل بها على الناس.
قوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥١] أي: عالمين أنه أهل للرسالة والإمامة، أهل لأن يدعو الناس إلى عبادة ربه، وإلى توحيده، وإلى نشر العدل، وهكذا كان، فإبراهيم ﵇ دعا النمرود وقومه إلى عبادة الله، وامتهان الأصنام وكان سنه لا يزيد على ستة عشر عاماً، وتحمل وهو في هذه السن الصغيرة النمرود وعذابه، وتحريقه بالنار، ولكن الله نصره، ورد كيد النمرود على نفسه وقومه، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء:٥١] إما من قبل موسى وهارون اللذين ذكرا قبله بآية، أو قبل أن يوحى إليه، وهو لا يزال في سن صغيرة، كما آتى الله يحيى الحكمة وهو بعد صغير، وكما آتى عيسى المعجزة والنطق، وهو لا يزال في المهد.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥١] أي: عالمين أنه أهل للنبوة والرسالة وأهل لما أهلناه له من النبوة والرسالة والدعوة إلى الله، وإلى عبادة الله وتوحيده، وكيف كان ذلك وما تفسيره؟!
стр. 353
تفسير قوله تعالى: (إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل)
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢].
كان رشده، كانت هدايته، كان عقله، كان فهمه، كان إدراكه، كان ما ألهمه من منطق سليم ودعوة إلى الله وهو لا يزال بعد صغيراً فدعا قومه إلى عبادة الله، واستنكر عبادتهم للأصنام: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢].
التماثيل: جمع تمثال، والصنم سمي تمثالاً؛ لأنه مثل به خلق من خلق الله، مثل إنسان أو جن أو ملك تخيلوه، أو حيوان رأوه فصنعوا على شاكلته شبيهاً له، وسمي مثالاً وتمثالاً، ويصنعونه من الذهب والفضة، والصفر، ومن الحديد والأخشاب والأحجار، وغيرها من الجمادات التي لا تعقل.
يا أبت! يا قوم! ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، وأنتم مقيمون عليها الليل والنهار، قائمون على عبادتها، والركوع لها، والسجود إليها، وعبادتها من دون الله؟ أليست لكم عقول تفكر وتعقل؟ ألهذه التماثيل تصرفون العبادة؟ ألها فهم؟ أتنفع أم تضر نفسها فضلاً عن أن تنفعكم أو تضركم؟! مر علي كرم الله وجهه على قوم يلعبون الشطرنج فقال لهم: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢] لأن يمس أحدكم جمرة حتى تحترق يده خير من اللعب بهذه التماثيل.
وكان علي كرم الله وجهه يحرم اللعب بالشطرنج، وهو رأي كثير من الأئمة المجتهدين والمتبوعين من الأربعة وغيرهم، وأجازه البعض إذا كان لا يشغل عن صلاة، ولا يدعو إلى نزاع؛ لما فيه من امتحان الفكر والوعي، ولا يكون ذلك إلا لقلة من الناس، ومن هنا روي عن الشافعي هذا.
стр. 354
تفسير قوله تعالى: (قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين)
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ [الأنبياء:٥١ - ٥٢].
الرشد الذي أتاه وظهر وبرز عندما قال لأبيه وقومه: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ سألهم موبخاً ومقرعاً: ألكم عقول؟ كيف تعتكفون وتقيمون على هذه التماثيل ليلكم ونهاركم عابدين؟! وإذا بهم يجيبون ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٣].
فلم يجدوا دليلاً من عقل، ولا برهاناً من كتاب، وإنما التقليد الأعمى الذي لا يأتي إلا بشر، ولا يأتي إلا بفساد، فكان دليلهم أنهم وجدوا آباءهم قبلهم يعبدونها، ويعكفون عليها، ويتخذونها آلهة من دون الله: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٣].
تلك حجتهم ولا حجة لهم غيرها، وقد دلت على سخافتهم، وفساد عقولهم! وأنهم في كفرهم مقلدون للآباء، يصنعون شيئاً لا يعونه ولا يعقلونه، وإنما رأوا الآباء على ضلالهم وشركهم، يشركونها بالله ويعبدونها من دون الله، فقلدوها عن عمى وضلال وفساد.
وإذا بإبراهيم يجيب: ﴿قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء:٥٤] أي: قال إبراهيم: لقد كنتم يا هؤلاء الذين عاصرهم من قومه، ورآهم يعبدونها ويعكفون عليها، وعندما سألهم مقرعاً احتجوا بأنهم رأوا الآباء يعبدونها فقلدوهم، وإذا بإبراهيم يقول لهم: ﴿قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء:٥٤].
كنتم أنتم ولا تزالوا، وكان آباؤكم الذين قلدتموهم في ضياع، وظلمة، وضلال بين واضح، لا يكاد يثبت على قدميه عندما يناقش بالدليل والبرهان.
﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ [الأنبياء:٥٥] أي: هذا الذي تقول أصحيح هو، وأن آلهتنا ليست بآلهة، وأن عبادتها ضلال، وأن الآباء الذين عبدوها كانوا ضلالاً، وهل أنت جاد فيما تقول أم أنت من اللاعبين الهازلين، تريد أن تمزح معنا وتقول هذا الكلام الكبير؟ هكذا قالت لهم عقولهم، وظنوا أن إبراهيم يمازحهم ويلاعبهم، وهو أعظم من ذلك مقاماً، وهو أعظم من ذلك دعوة إلى الله.
стр. 355
تفسير قوله تعالى: (قال بل ربكم رب السماوات والأرض)
﴿قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٦].
هنا بين لهم الحق، وأنه جاد كل الجد، وأنه لم يتكلم إلا بالحق، وأن آلهتهم التي يعبدون من أصنام وتماثيل ليست إلا آلهة مزيفة، وجمادات لا تنطق ولا تعي، ولا تنفع ولا تضر.
(بل) إضراب عن الكلام الماضي، كل ما عبدوه فهو باطل، وكل ما اعتفكوا عليه فهو باطل، وكل ما قاموا عليه هو باطل هم وآباؤهم.
﴿قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ [الأنبياء:٥٦] ربكم الذي هو أجدر بالعبادة، وهو ذو الحق في ذلك، الخالق الرازق الذي ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه ﷻ ، وعلا مقامه.
(ربكم) صفته ونعته أنه خالق السموات التي ترونها بأعينكم، وهو خالق الأرض وما عليها، الذي فطرهن وخلقهن على غير مثال سابق، وأبدعهن إبداعاً، وأوجدها بعد أن لم تكن، ولم يكن لها نظير؛ إذ لا رب للكون إلا الله، وأنا على ذلكم من الشاهدين.
يقول إبراهيم: ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٦].
كلمة (ذلك) بالإشارة، عندما تضاف يبقى اسم الإشارة مفرداً، ولكن من يخاطب يضم إليه، فيكون اسم الإشارة مثنى إذا خاطبت اثنين، ويكون جمعاً إذا خاطبت جماعة، فتقول إذا خاطبت اثنين: ذلكما.
وهذه التماثيل ليست إلهاً لكم، إنما إلهكم من خلق هذه السماء، ورفعها بغير عمد وأنتم ترونها، من خلق الأرض وما عليها وأنتم ترونها، وهو الذي فطرها وأبدعها بلا مثال سابق.
وأنا شاهد على ذلك أي: أشهد نفسي وأشهد سمعي وأشهد الله عليه أنني أؤمن وأعتقد جناناً، وأنطق لساناً أن هذه السماوات العلى والأرضين السفلى هي خلق الله، والفطرة التي أبدعها، وأن الله وحده الجدير بالعبادة، وأن الله وحده الذي انفرد بالخلق والربوبية والألوهية، وكل ما عداه باطل، فذاك معنى لا إله إلا الله، أي: لا إله بحق، لا إله مما يدعي الناس من صنم ووثن وملك وجن وإنس وحيوان وجماد، ليس الإله الحق إلا الله ذو الجلال والإكرام.
﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٦] أي: أشهد أن الله هو الخالق، وأشهد أن الله هو الإله، وأشهد أن الله هو الجدير بالعبادة وحده، وأن كل ما تصنعون لا ما صنعتموه أنتم ولا ما قلدتم به آباءكم من عبادة للتماثيل والأصنام الباطلة المزيفة، التي لا حقيقة لها في نفس الأمر، وإنما هي مخترعة ومبتكرة من عقول ضاعت وزيفت وغرقت في الضلال.
следующие страницы →