Полный текст (2 442 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
تفسير قوله تعالى: (وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون)
ثم ذكر الله خاتم الكتب الذي أرسل به خاتم الأنبياء والرسل، فقال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء:٥٠].
تلك التوراة قد كانت، ثم بادت، وغيرت وبدلت، وحرفها بنو إسرائيل، وحولوها إلى كتب شرك ووثنية، فذكروا فيها أن عزيراً ابن الله، وعبدوا العجل وقذفوا الأنبياء المقدسين، وتهجموا على الله ﷻ ، وعلا مقامه، ولم نؤمن إلا أنه كان هناك كتاب هو التوراة أنزل على موسى.
﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ [الأنبياء:٥٠] أي: القرآن الكريم الذي يقال له الذكر، ويقال له: الفرقان، هذا الكتاب الذي أرسله الله ذكراً للعالمين منذ البعثة المحمدية إلى الأبيض والأسود والأحمر إلى العربي والعجمي إلى المشارق والمغارب إلى يوم البعث والنشور، فلا نبي بعد محمد، ولا كتاب بعد القرآن، فصلوات الله على نبينا ﵊.
(وهذا) الإشارة للكتاب الذي أنزل، والكتاب الذي ينذر به النبي ﷺ الناس، والكتاب الذي نتشرف بأن نتدارسه تجاه الكعبة المشرفة، وفي بيت الله الحرام.
قوله: (وهذا ذكر مبارك أنزلناه) أي: ومبارك القصص والعقائد، ومبارك الشفاء، فيه شفاء، ولمتبعه الرحمة والرضا من الله، ومبارك للناس ينشر الهدى والعدل بينهم، ويبدد الظلمات، ويزيل الضلال، ويهدي إلى الحق والنور، ويزيل الشرك، ويمحق الأصنام، ويعرف الناس بالحق، ويبعدهم عن الباطل، تلك بركات القرآن، وبركات الذكر الحكيم، يذكر الله تعالى ذلك ويؤكده، ويدلنا عليه، ويرشدنا إليه.
قوله: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء:٥٠] أي: أنزله وحياً على نبينا، وأنزله كتاباً على خاتم الأنبياء، قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣] أي: جبريل، على قلب نبينا ﷺ من الله ﷻ : ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢].
هذا الكتاب الذي جاء ناسخاً للكتب قبله، وجاء تطبيقاً للحق الذي فيها إن وجد، ومهيمناً عليها ومبدداً ما فيها من تحريف وتبديل.
قوله: ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء:٥٠] يا هؤلاء المنصتون من البشر قبل وبعد وإلى يوم القيامة منذ العرب عندما قام بينهم نبي الله صلوات الله عليه، وهو يقول: إني بشير ونذير إني رسول إلى الناس كافة، منذ ذلك وإلى الآن، وإلى ما بعد الآن، يقول الله لنا وقد وصف القرآن بخير الصفات من الدعوة إلى الله، والقبول من الأنبياء، والبعد عن الظلمات، والاهتداء بالطريق المستقيم: ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء:٥٠] استفهام تقريري بالنسبة لمن يؤمن، فهو قرار من الله لأن نؤمن به ونلتزم، ففيه صلاحنا في الدنيا والآخرة، وهو استفهام إنكاري توبيخي لمن جحده ولم يؤمن به.
﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء:٥٠] أي: أتنكرون أنه وحي؟ أتنكرون أنه ذكر حكيم؟ أتنكرون أنه مبارك؟ أتنكرون أنه الكتاب الذي لا كتاب بعده من السماء، وهو خيرها وأجلها وأعظمها؟
стр. 352
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل)
وسيذكر لنا الله في هذه السورة إبراهيم وقصته مع قومه ومع النمرود، وشجاعته في الدعوة إلى ربه، ومع تآمرهم على تحريقه، ومع نصر الله أولاً وأخيراً؛ ليكون المثل المضروب لكل مؤمن داعية إلى الله مهما لقي في سبيل الله، فالعاقبة للمتقين.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥١].
الله ﷻ كما أرسل موسى وهارون، أرسل قبلهما إبراهيم أبا الأنبياء، والد النبيين الكريمين المعظمين المبجلين إسماعيل الأب الأعلى لنبينا ﵊ وأبي العرب، وإسحاق أبي أنبياء بني إسرائيل وهو الولد الثاني لإبراهيم، فقد أكرمه الله بابنين، وأكرمه بالنبوة والحكم والكتاب، وجعل في ذريته النبوة ونزول الكتب كالتوراة والإنجيل والقرآن، وجعل الحكم في ذريته.
ونبينا ﵊ على أنه النبي الرسول الخاتم كان الحاكم، وكان القائم بدولة الإسلام، والمؤسس والمنظم لها، وكان يقود الجيوش، ويوظف الأعوان، ويقضي في الخصومات، وكان يرسل قواداً للفتح ولهدايتهم، وهكذا قامت دولة الإسلام، وجاء من حكم بعده كـ أبي بكر وعمر فمن بعدهما من الخلفاء الراشدين وغير الراشدين فسموا الخلفاء، أي: خلفاء رسول الله ﷺ في حكمه، وفي تطبيق الشريعة والقيام عليها بالسيف والقلم، ولم يكتف بالقلم ولا بالعلم، ولم يكتف بالبيان، وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن كما قال الخليفتان الراشدان: عمر وعثمان ﵄.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء:٥١] فسروا (قبل) أي: قبل البلوغ وتحمل الرسالة، وكما قال الله عن يحيى ﵇: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢] ففسروا هنا ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء:٥١] أي: من قبل الوحي والرسالة، ومن قبل الصحف المرسلة المنزل بها على الناس.
قوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥١] أي: عالمين أنه أهل للرسالة والإمامة، أهل لأن يدعو الناس إلى عبادة ربه، وإلى توحيده، وإلى نشر العدل، وهكذا كان، فإبراهيم ﵇ دعا النمرود وقومه إلى عبادة الله، وامتهان الأصنام وكان سنه لا يزيد على ستة عشر عاماً، وتحمل وهو في هذه السن الصغيرة النمرود وعذابه، وتحريقه بالنار، ولكن الله نصره، ورد كيد النمرود على نفسه وقومه، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء:٥١] إما من قبل موسى وهارون اللذين ذكرا قبله بآية، أو قبل أن يوحى إليه، وهو لا يزال في سن صغيرة، كما آتى الله يحيى الحكمة وهو بعد صغير، وكما آتى عيسى المعجزة والنطق، وهو لا يزال في المهد.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥١] أي: عالمين أنه أهل للنبوة والرسالة وأهل لما أهلناه له من النبوة والرسالة والدعوة إلى الله، وإلى عبادة الله وتوحيده، وكيف كان ذلك وما تفسيره؟!
стр. 353
تفسير قوله تعالى: (إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل)
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢].
كان رشده، كانت هدايته، كان عقله، كان فهمه، كان إدراكه، كان ما ألهمه من منطق سليم ودعوة إلى الله وهو لا يزال بعد صغيراً فدعا قومه إلى عبادة الله، واستنكر عبادتهم للأصنام: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢].
التماثيل: جمع تمثال، والصنم سمي تمثالاً؛ لأنه مثل به خلق من خلق الله، مثل إنسان أو جن أو ملك تخيلوه، أو حيوان رأوه فصنعوا على شاكلته شبيهاً له، وسمي مثالاً وتمثالاً، ويصنعونه من الذهب والفضة، والصفر، ومن الحديد والأخشاب والأحجار، وغيرها من الجمادات التي لا تعقل.
يا أبت! يا قوم! ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، وأنتم مقيمون عليها الليل والنهار، قائمون على عبادتها، والركوع لها، والسجود إليها، وعبادتها من دون الله؟ أليست لكم عقول تفكر وتعقل؟ ألهذه التماثيل تصرفون العبادة؟ ألها فهم؟ أتنفع أم تضر نفسها فضلاً عن أن تنفعكم أو تضركم؟! مر علي كرم الله وجهه على قوم يلعبون الشطرنج فقال لهم: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢] لأن يمس أحدكم جمرة حتى تحترق يده خير من اللعب بهذه التماثيل.
وكان علي كرم الله وجهه يحرم اللعب بالشطرنج، وهو رأي كثير من الأئمة المجتهدين والمتبوعين من الأربعة وغيرهم، وأجازه البعض إذا كان لا يشغل عن صلاة، ولا يدعو إلى نزاع؛ لما فيه من امتحان الفكر والوعي، ولا يكون ذلك إلا لقلة من الناس، ومن هنا روي عن الشافعي هذا.
стр. 354
تفسير قوله تعالى: (قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين)
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ [الأنبياء:٥١ - ٥٢].
الرشد الذي أتاه وظهر وبرز عندما قال لأبيه وقومه: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ سألهم موبخاً ومقرعاً: ألكم عقول؟ كيف تعتكفون وتقيمون على هذه التماثيل ليلكم ونهاركم عابدين؟! وإذا بهم يجيبون ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٣].
فلم يجدوا دليلاً من عقل، ولا برهاناً من كتاب، وإنما التقليد الأعمى الذي لا يأتي إلا بشر، ولا يأتي إلا بفساد، فكان دليلهم أنهم وجدوا آباءهم قبلهم يعبدونها، ويعكفون عليها، ويتخذونها آلهة من دون الله: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٣].
تلك حجتهم ولا حجة لهم غيرها، وقد دلت على سخافتهم، وفساد عقولهم! وأنهم في كفرهم مقلدون للآباء، يصنعون شيئاً لا يعونه ولا يعقلونه، وإنما رأوا الآباء على ضلالهم وشركهم، يشركونها بالله ويعبدونها من دون الله، فقلدوها عن عمى وضلال وفساد.
وإذا بإبراهيم يجيب: ﴿قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء:٥٤] أي: قال إبراهيم: لقد كنتم يا هؤلاء الذين عاصرهم من قومه، ورآهم يعبدونها ويعكفون عليها، وعندما سألهم مقرعاً احتجوا بأنهم رأوا الآباء يعبدونها فقلدوهم، وإذا بإبراهيم يقول لهم: ﴿قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء:٥٤].
كنتم أنتم ولا تزالوا، وكان آباؤكم الذين قلدتموهم في ضياع، وظلمة، وضلال بين واضح، لا يكاد يثبت على قدميه عندما يناقش بالدليل والبرهان.
﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ [الأنبياء:٥٥] أي: هذا الذي تقول أصحيح هو، وأن آلهتنا ليست بآلهة، وأن عبادتها ضلال، وأن الآباء الذين عبدوها كانوا ضلالاً، وهل أنت جاد فيما تقول أم أنت من اللاعبين الهازلين، تريد أن تمزح معنا وتقول هذا الكلام الكبير؟ هكذا قالت لهم عقولهم، وظنوا أن إبراهيم يمازحهم ويلاعبهم، وهو أعظم من ذلك مقاماً، وهو أعظم من ذلك دعوة إلى الله.
стр. 355
تفسير قوله تعالى: (قال بل ربكم رب السماوات والأرض)
﴿قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٦].
هنا بين لهم الحق، وأنه جاد كل الجد، وأنه لم يتكلم إلا بالحق، وأن آلهتهم التي يعبدون من أصنام وتماثيل ليست إلا آلهة مزيفة، وجمادات لا تنطق ولا تعي، ولا تنفع ولا تضر.
(بل) إضراب عن الكلام الماضي، كل ما عبدوه فهو باطل، وكل ما اعتفكوا عليه فهو باطل، وكل ما قاموا عليه هو باطل هم وآباؤهم.
﴿قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ [الأنبياء:٥٦] ربكم الذي هو أجدر بالعبادة، وهو ذو الحق في ذلك، الخالق الرازق الذي ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه ﷻ ، وعلا مقامه.
(ربكم) صفته ونعته أنه خالق السموات التي ترونها بأعينكم، وهو خالق الأرض وما عليها، الذي فطرهن وخلقهن على غير مثال سابق، وأبدعهن إبداعاً، وأوجدها بعد أن لم تكن، ولم يكن لها نظير؛ إذ لا رب للكون إلا الله، وأنا على ذلكم من الشاهدين.
يقول إبراهيم: ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٦].
كلمة (ذلك) بالإشارة، عندما تضاف يبقى اسم الإشارة مفرداً، ولكن من يخاطب يضم إليه، فيكون اسم الإشارة مثنى إذا خاطبت اثنين، ويكون جمعاً إذا خاطبت جماعة، فتقول إذا خاطبت اثنين: ذلكما.
وهذه التماثيل ليست إلهاً لكم، إنما إلهكم من خلق هذه السماء، ورفعها بغير عمد وأنتم ترونها، من خلق الأرض وما عليها وأنتم ترونها، وهو الذي فطرها وأبدعها بلا مثال سابق.
وأنا شاهد على ذلك أي: أشهد نفسي وأشهد سمعي وأشهد الله عليه أنني أؤمن وأعتقد جناناً، وأنطق لساناً أن هذه السماوات العلى والأرضين السفلى هي خلق الله، والفطرة التي أبدعها، وأن الله وحده الجدير بالعبادة، وأن الله وحده الذي انفرد بالخلق والربوبية والألوهية، وكل ما عداه باطل، فذاك معنى لا إله إلا الله، أي: لا إله بحق، لا إله مما يدعي الناس من صنم ووثن وملك وجن وإنس وحيوان وجماد، ليس الإله الحق إلا الله ذو الجلال والإكرام.
﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٦] أي: أشهد أن الله هو الخالق، وأشهد أن الله هو الإله، وأشهد أن الله هو الجدير بالعبادة وحده، وأن كل ما تصنعون لا ما صنعتموه أنتم ولا ما قلدتم به آباءكم من عبادة للتماثيل والأصنام الباطلة المزيفة، التي لا حقيقة لها في نفس الأمر، وإنما هي مخترعة ومبتكرة من عقول ضاعت وزيفت وغرقت في الضلال.
стр. 356
تفسير سورة الأنبياء [٥٧ - ٦٤]
أقسم إبراهيم بالله ليكيدن أصنام المشركين، ثم بر بيمينه فكسرها إلا كبيرها، ثم حاججهم على بطلانها بأن لم تستطع أن تدفع عن نفسها، فكيف تستحق العبادة.
стр. 357
تفسير قوله تعالى: (وتالله لأكيدن أصنامكم)
قال الله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء:٥٧].
يقسم إبراهيم بالله الكريم، يقال: والله وتالله وبالله، والواو والباء تدخل على أسماء الله في الأيمان والأقسام كلها، تقول: والرحمن، وبالرحمن، والرزاق وبالرزاق.
أما التاء لا تكون إلا في اسم الجلالة الله، فلا تقول: تالرحمن، ولا تقول: تالرزاق.
يقسم إبراهيم بالله ربه وخالقه فاطر السماوات والأرض فيقول: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء:٥٧].
يقسم بأنه سيمكر بهذه الأصنام، وسيكسرها، وسيبطلها ويزيلها من مكانها.
قوله: ﴿بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء:٥٧] أي: بعد أن يبتعدوا عنها، وتأتيه فرصة وخلوة لينفرد بها ويصنع بها ما شاء.
قال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٥٨] أي: أدبروا، وتركوا الأصنام في المعبد مفردة دون حارس ولا رقيب، وإذا بإبراهيم يأتيها ويبر قسمه، فينزل عليها ضرباً باليمين.
وتمام القصة في البيان والشرح: أنه كان لـ نمرود وقومه عيد سنوي يخرجون إليه كلهم وتبقى الأصنام وحدها ويضعون لها طعاماً، حتى إذا عادوا أكلوا من ذلك الطعام متبركين بها.
فجاء إبراهيم وقد أدبروا عنها، فوجد الطعام فقال للأصنام: ألا تأكلون؟ فلما لم تجب قال لها: ألا تنطقون؟ ثم يحمل الفأس بيده ويأتي عليها ضرباً باليمين، وكانت سبعين صنماً، فنزل عليها وضربها ضرباً بحيث أصبحت قطعاً كما قال تعالى: (فجعلهم جذاذاً)، والجذاذ جمع مفرده: جذيذ كخفاف وخفيف.
وحرف الجيم يثلث: وجُذاذاً وجَذاذاً وجِذاذاً، أي: قطعاً قطعاً وكسراً كسراً، وكل قطعة لا تكاد تبين من شدة التكسير والتحطيم.
﴿فَجَعَلَهُمْ﴾ [الأنبياء:٥٨] والتعبير بالجمع باعتبارهم يعبدونها آلهة، وهي عندهم أعقل منهم، فسخر منهم فجعل ذلك كأنه لعاقل بحسب زعمهم.
قوله: ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٥٨] أي: جاء إلى الصنم الكبير بعد أن كسر التسعة والستين صنماً، وكان الكبير وسطها، وصفوه أنه كان من ذهب، وكانت عيناه ياقوتتان، فجعل الفأس في عنقه وذهب.
﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٥٨] أي: لم يكسر الصنم الكبير، ووضع الفأس في عنقه لعلهم يرجعون إليه يسألونه: لم صنعت هذا؟ أو: لعلهم يرجعون لدينه ويؤمنون بربه ويصبحون مسلمين، ويرون أن هذه الآلهة التي عجزت عن حماية نفسها لا تستحق عبادة ولا أن يطلب منها الحياة والموت والرزق والعافية والصحة؟! لعلهم بعد أن يروا ذلك يرجعون إليه إما مؤمنين أو سائلين؛ ليزيدهم توبيخاً ودعوة وتعليماً.
стр. 358
تفسير قوله تعالى: (قالوا من فعل هذا بآلهتنا)
قال تعالى: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥٩].
أي: رجعوا من نزهتهم وعيدهم فذهبوا إلى الآلهة المزيفة وهم يريدون أن يتبركوا بالطعام الذي وضعوه إليها، وإذا بهم يجدونها مكسرة مقطعة؛ فذهلوا وانزعجوا وأخذوا يتساءلون: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥٩] أي: إنه لمن المجرمين، المذنبين المسيئين.
فبينما هم يتساءلون: من فعل هذا بآلهتهم؟ وإذا بقوم سمعوا إبراهيم وهو يقسم بالله: تالله لأكيدن أصنامهم بعد أن يولوا مدبرين، وسمعوه يعيب آلهتهم ويشتمها ويتنقصها، فأجاب هؤلاء القوم الذين تساءلوا: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥٩].
قال آخرون: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٠].
قال قوم يجيبون المتسائلين: ﴿سَمِعْنَا فَتًى﴾ [الأنبياء:٦٠] شاباً صغيراً، يقال للصغير من الشباب: الفتى، ويقال للصغيرة من الشابات: الفتاة، ومعنى ذلك: أنه كان شاباً صغيراً عندما صنع ذلك ودعا إلى الله، وهذا يؤكد المعنى الذي قلناه من قبل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء:٥١] آتى الله إبراهيم رشده، آتاه هدايته، آتاه العقل الكامل من قبل أن ينبأ ويرسل، ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥١] أي: عالمين بأهليته للنبوات والرسالة.
﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٠] يسمونه إبراهيم، ومعنى ذلك: أنه لم يشتهر بعد الشهرة الكبيرة التي تجعلهم يلتفون حوله مؤمنين أو كافرين، فلا تزال دعوته في بدايتها وهو بعد شاب صغير، قالوا: لم يتجاوز ستة عشر عاماً، وقيل أربعة وعشرين عاماً.
قال عبد الله بن عباس: ما أرسل الله نبياً إلا شاباً في الأربعين عند تمام النضج، وما تعلم العلم ويصبح عالماً إلا شاب، وأما بعد الشيب فلا سبيل إلى التعلم، إلا أن يتابع التعلم الذي ابتدأه صغيراً وشاباً.
وطلب العلم من المهد إلى اللحد، والإنسان ما دام حياً يطلب العلم ويدعو الله أن يزيده علماً، والعالم أو طالب العلم الذي يقول: قد وصلت، معناه أنه قد جمد، وإلا فالعلم لا نهاية له، ومهما علمت فالله تعالى جعل فوق كل ذي علم عالماً ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦].
مهما كنت عالماً فغيرك أعلم منك، ومهما كنت إماماً فغيرك أكثر إمامة منك، وهكذا إلى أن ينتهي العلم في خاتم الأنبياء، وبالنسبة للعلوم البشرية إلى أن ينتهي العلم لصاحب العلم ﷻ الذي لا يحيط بعلمه أحد من خلقه.
فتى يذكرهم: أي: يعيبهم ويشتمهم ويتنقصهم وينفر منهم.
стр. 359
تفسير قوله تعالى: (قالوا فأتوا به على أعين الناس)
﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنبياء:٦١].
صدر أمر نمرودهم وجبارهم وطاغيتهم النمرود وأعوانه وأنصاره: ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنبياء:٦١].
مروا به على الناس ليروه وليكونوا عليه من الشاهدين، أصحيح هذا الذي يذكرهم؟ أصحيح هذا الذي يعيبهم؟ يريد النمرود ألا يسرع بعقوبته؛ لأنه زور في نفسه عقوبة عظيمة لا يكاد يتحملها إنسان.
وهذا يدل على أن إبراهيم كان من بيت كريم، وكان من أسرة لها سلطانها وجاهها، فعقوبته بأشد أنواع البطش لا يتم إذا كان هذا العمل متأكداً ومتيقناً، فقال لهم: مروا به على أعين الناس أي: على مرأى من الناس.
لعلهم يكونون شاهدين على ظلمه، وشاهدين على عيبه الأصنام وكسرها وفعله به ما فعلها من جعلها جذاذاً وقطعاً.
стр. 360
تفسير قوله تعالى: (قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا)
قال تعالى: ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنبياء:٦١].
حضر إبراهيم وإذا بهم يسألونه: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٢].
سألوه وكان من تمام الدعوة أن يحضر الناس من كل فج عميق ليشهدوا هذا، ولتكون المعجزة، ولتكون الدعوة إلى الله من إبراهيم كاملة يحضرها القوم، كما جمع فرعون السحرة والناس من البلاد قاصيها ودانيها؛ ليشهدوا ذله وخسارته، وإيمان السحرة بموسى.
وهكذا هنا النمرود طلب أن يحضر الناس ليشهدوا عقوبته، ويشهدوا عمله، ويكونوا مع ذلك مقتنعين بما يريد أن يصنعه به، ولكن ذلك كان من السر الإلهي، وهو: أن تكون دعوة إبراهيم أمام هذا الملأ من الناس، ليبين ضعف أصنامهم ويعترف بأنه كسرها وقطعها، وإذا بالله الكريم ينصره على الجميع.
ثم إن إبراهيم أراد أن يستخرج الحجة على فساد وبطلان آلهتهم منهم، وهذا في المحاورة والمذاكرة من أبلغ القول في إثبات الحجة بأن ينطق بها الخصم فتلزمه بها.
﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣] وهو قد جعل الفأس في عنق الكبير، ومعناه: أنهم أحضروه في مكان الأصنام وهي مكسرة قطعاً وجذاذاً، والصنم الكبير في عنقه الفأس، قال إبراهيم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣] لقد قال هذا القول وكما قلنا غير مرة: وجود الشرط لا يلزم منه الوقوع.
نعم هذا الذي فعل فاسألوه إن كان ينطق، واسألوا مَن كُسر منها إن كانت تنطق.
قال النبي ﵊ كما في الصحيحين: (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: كذبتين في ذات الله، وكذبة من أجل سارة، أما الكذبة الأولى فهي هذه كما يقول النبي ﵊ حينما قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء:٦٣]).
والكذبة الثانية عندما ذهبوا لعيدهم وأتوه وقالوا له: يا إبراهيم! اذهب معنا وكانوا قد خافوا على آلهتهم وأصنامهم منه، فذهب قليلاً ثم توقف وقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩] إني مريض لا أستطيع الذهاب معكم، ولا يحملني بدني، فرجع ليبيت الأصنام ما عزم عليه.
والثالثة: عندما هاجر من العراق إلى الشام، ثم إلى مصر، وعاد للشام، كان جبار مصر لا يكاد يسمع بامرأة حسناء إلا ويطلبها للفاحشة، فقيل لجبار مصر: رجل جاء من العراق معه أجمل النساء، فأرسل إليه وقال: من هذه منك؟ قال: أختي.
قال: دعها عندي.
وإذا بالجبار أراد أن يمسها فرآها بين عينيه ثوراً يكاد يفترسه، وشلت يده عندما حاول أن يمسها، وانزعج، ودارت به الأرض، حاول ثانية فوقع له مثل ذلك، وثالثة فوقع له مثل ذلك، وإذا بالجبار يقول لإبراهيم: ما هذه بإنسان ولكنها شيطان، أبعدوها عني.
وفي حديث الشفاعة أيضاً عندما تأتي الأمم تمر على الأنبياء وقد اشتد بهم الكرب حال العرض على الله، فيأتون إلى إبراهيم فيقول: (نفسي نفسي، لقد كذبت كذبات لا أدري ما سيفعل الله بي منها).
هذه كذبات في اللفظ، وليست كذبات في نفس الأمر، وهي من النوع الذي يقول عنه النبي ﵊: (إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب).
فمثلاً: سئل ﷺ وهو مهاجر من مكة إلى المدينة وقد نذرت قريش: أن من أتى به حياً أو ميتاً فله مائة من الإبل، دية قتيل.
وإذا به يخرج في وجهه أعراب فيسألونه من أين أنت؟ فيقول: (من ماء) وماء كانت قبيلة من قبائل العرب.
والنبي لا يقصد أنه من القبيلة، فهو هاشمي قرشي، ولكنه خدعهم، والحرب خدعة، والنبي في حرب ﵊، فعرض في كلامه، وهم فهموا أنه من قبائل ماء، وهو يقصد أنه خلق من ماء دافق كما يخلق كل إنسان.
والنبي ﵊ يصنع ذلك ويأمر به لمن اضطر ألا يقول الحقيقة؛ لكيلا يستغلها الأعداء فيصلوا إليه بعداوتهم، وكان هذا فعل إبراهيم عندما قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣].
فهو أراد ذلك، وقد قال رسول الله: (كان ذلك في ذات الله) عليهما جميعاً الصلاة والسلام، فهو قصده من ذلك أن يأخذ الحجة منهم في ذاتهم.
﴿إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣] فنقول إنهم آلهة على الأقل في المناظرة، وإن كانوا حقاً فسينطقون، ويدافعون عن أنفسهم، أراد عندما يقولون ذلك أن يلزمهم: كيف تعبدون أحجاراً لا تضر ولا تنفع، ولم تدفع عن نفسها هذا القطع والكسر، ولم تستطع النطق وتكشف من فعل بها ذلك؟ فإذا قالوا ذلك قال لهم: وكيف تعبدون ما لا يضر ولا ينفع؟! وهذا الذي سيحدث عندما قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩] وليس إنسان في الأرض إلا وفيه نوع من أنواع السقم، لو جاء طبيب وحاول أن يفحصنا جميعاً ولا بد وأن يجد في كل واحد منا شيئاً من المرض منذ الولادة، منذ الطفولة فهو سقيم، ولو لم يكن سقيماً تلك الساعة سيسقم بعد، وهذه صفة الإنسان التي فطر عليها منذ الولادة.
أما الثالثة فقوله: هذه أختي، فقد قال لها: أنت أختي في التوحيد والإيمان، وأخيراً أخته في البشرية، كلنا من آدم وحواء، فنحن البشر جميعاً إخوة بعضنا لبعض.
فإذاً: هي كذبات باعتبارها معاريض، وليست كذبات في واقع الأمر، وهذا هو الذي أراد النبي ﵊ أن يقول، وأما قول إبراهيم عن نفسه في يوم الشفاعة العظمى فذلك هضم لنفسه وتواضع.
وقد رأى من نفسه هناك من هو أهم منه لأن يقوم بهذه الشفاعة، وهو يعني بذلك نبي الله ﵊ الذي عندما أسكن إسماعيل وأمه في هذه الأرض المقدسة دعا الله تعالى أن يبعث لهذه الأمة -العرب- نبياً منهم بشيراً ونذيراً، يعلمهم آياته، ويرشدهم إلى هدايته، وقد كان كل ذلك.
﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣] وهو بذلك أراد إعجازهم وأخذ الحجة منهم، وكما قال: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنبياء:٦٤].
стр. 361
تفسير سورة الأنبياء [٧٠ - ٧٥]
اجتمع عبدة الأوثان من قوم إبراهيم وأرادوا الانتصار لأوثانهم، فعزموا على إحراقه فنجاه الله من كيدهم، ورزقه ذرية طيبة صالحة، وهاجر مع سيدنا لوط الذي أرسل إلى القوم الفاسقين فكذبوه فدمرهم الله بما هو معروف.
стр. 362
تفسير قوله تعالى: (وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين)
قال الله تعالى: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:٧٠].
لا نزال مع خليل الله إبراهيم أبي الأنبياء صلوات الله عليه وعلى نبينا، وهو بين أعدائه عندما دعاهم إلى الله، وإلى عبادته وحده، وإلى ترك التماثيل والأصنام وما يعبد من غير الله من الأباطيل والأضاليل والتهاويل، وقد قال لهم: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:٦٧].
عندما قال لهم ذلك وسبهم وشتمهم ولم يهتم بهم ولا بملكهم ولا بسلطانهم، وقد عجزوا عن الدليل والبرهان عادوا إلى تجبرهم واستغلال حكمهم وجاههم، فقالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:٦٨].
فقال الله ﷻ : ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩].
كل هذا قد مضى، يقول ربنا: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ [الأنبياء:٧٠] أرادوا به مكراً، وأذية وظلماً انتصاراً لآلهتهم المزيفة، ولأحجارهم التي لا تعي ولا تعقل.
قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:٧٠].
قد خسروا نفقتهم، وخسروا كيدهم وسلطانهم، وخسروا دنياهم وأخراهم، وكانوا الأذلين والمهزومين والخاسرين.
والأخسر على صيغة أفعل أي: كانوا هم يريدون هذا بإبراهيم، فكانوا هم المهزومين الخاسرين، بل الأخسر والأظلم والأذل.
стр. 363
تفسير قوله تعالى: (ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين)
قال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:٧١].
نجى الله إبراهيم بعد أن صنعوا له الكيد في أن يحرقوه، وطالما اجتالوا بذلك ليالي وأياماً حتى اشتد اللهب وقذفوه بمنجنيق، وبقي أياماً في النار، ما كانوا يظنون إلا أنه أصبح رماداً مع الأحجار والوقود والأشجار، وإذا به يخرج وهو جالس يسبح الله ويحمد الله، ولم يحترق منه إلا الوثاق الذي وثقوا به يديه ورجليه.
وعندما جاءه جبريل وهو يقذف قال له: (هل لك من حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وأما إلى ربي فبلى).
وقال عن ربه: (علمه بحالي يغني عن سؤالي.
ثم قال: حسبنا الله ونعم الوكيل).
فكان الله حسبه، وكان وكيله كما فعل مع خاتم الأنبياء من ذريته عندما قالوا له: إن القوم قد جمعوا لك وتآمروا عليك فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فكان هذا الذكر هو الواجب على كل من يقال له: إن أعداءك تآمروا عليك، إنهم أرادوا بك الكيد فليقل: حسبنا الله ونعم الوكيل، والله حسبه ووكيله، ومن كان الله وكيله لا يضره شيء لا من السماء ولا من الأرض.
قال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا﴾ [الأنبياء:٧١] بعد أن صنع فيه هؤلاء ما صنعوا حرمهم الله بركة نبي الله بين ظهرانيهم، وأمره بالهجرة والخروج من بينهم، كما أمر بعد ذلك سليله محمداً ﷺ عندما تألبوا عليه، فهجرهم وذهب إلى المدينة المنورة.
وكذلك إبراهيم أنجاه الله من أرض العراق حيث نشأ وولد في مدينة الكوفة في عصر النمرود المتأله الجبار، الطاغية الكافر الذي حاول بطغيانه أن ينال من إبراهيم، فنصر الله إبراهيم عليه نصراً عزيزاً مؤزراً، وسلط على النمرود وقومه أحقر وأصغر خلقه، سلط عليهم البعوض، فكانت البعوضة تدخل الأذن، ثم الخياشيم، وتظل تتحرك إلى أن تصل إلى المخ والدماغ؛ فيموت هلاكاً.
قال الله بعد ذلك: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا﴾ [الأنبياء:٧١] أنجى إبراهيم وقريبه النبي لوطاً ابن أخيه، وكان قد آمن به كما آمنت به ابنة عمه سارة، وخرج مهاجراً من أرض العراق إلى الشام هو وابن أخيه لوط، وزوجته وابنة عمه سارة، وترك أرض الكفر فاراً إلى عبادة الله، حيث لا يظلم ولا يؤذى ولا يحال بينه وبين الدعوة إلى الله وإلى عبادته وتوحيده.
فذهب إلى حوران من أرض الشام، وكانت بذلك نجاته من ظلم الظالمين، وبذلك يقول ﵊: (أرض الشام هي أرض الهجرة بعد الهجرة، أرض مهجر إبراهيم ﵇.
﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:٧١] يقول تعالى: إنه أنجى وأنقذ نبيه وخليله إبراهيم وابن أخيه نبي الله ورسوله لوطاً إلى الأرض المباركة التي بارك فيها للعالمين.
وجمهور المفسرين يرون أن الأرض المباركة هنا هي أرض الشام، فهي مباركة بثمارها، وزروعها، مباركة حيث هي أرض المنشر والمحشر، وفيها ينزل عيسى ﵇، وحيث اختارها الله هجرة لخليله وأبي أنبيائه إبراهيم ﵈.
ولكن ابن عباس يقول: بل الأرض المباركة هي مكة، وتلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران:٩٦ - ٩٧] فقد سماه الله مباركاً، وقال الله عنها: (مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ).
وابن عباس كان يقول: المقام هي مكة كلها، وليس الحجر الذي تصلى فيه الركعتان فقط، وأن من طاف بالكعبة سبعاً، وصلى في البيت ركعتين فقد صلى في المقام، وقام بما طلب منه بعد الطواف.
لا شك أن مكة مباركة، ولا شك أن مكة سيدة بلاد العالم على الإطلاق هي والمدينة المنورة، فهي منزل الوحي وخاتم الأنبياء، وهي مسقط رأس سيد البشر ﵊، وهي البقعة التي جعل الله الحج إليها فرضاً على كل إنسان، ولكن بشرط أن يكون مسلماً، فإن لم يكن مسلماً فالحج واجب عليه ولكن لا يقبل منه، ولا يجوز أن يدخل الأرض المباركة ما لم يؤمن بالله رباً، ونبيه محمداً نبياً ورسولاً صلوات الله وسلامه عليه.
ولكن مع ذلك إبراهيم لم تكن سكناه مكة، وعندما أتى بإسماعيل قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم:٣٧] يقول: من ذريتي، أي: ببعض ذريتي.
وعندما أتى به مع أمه تركه وعاد إلى الشام، وكان يتردد عليه ولم يأت بكل أهله ولا أولاده، ولم يأت بـ سارة ولا إسحاق ولا أحفاده.
ولكن رأي ابن عباس له حرمته ومقامه، وهو حبر القرآن، وابن عباس المكي المدني.
ولقائل أن يقول: هو أعلم بهذا.
قال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:٧١] والبركة: النماء والخير، بارك فيها للعالمين، وجعلها أرضاً مفتوحة لكل مسلم، وفيها من المياه أنهر عدة، وفيها من الغابات، وفيها من الزروع والثمار والفواكه، وفيها من الأنعام، وفيها من اعتدال الجو بالنسبة لغيرها صيفاً وشتاءً وربيعاً وخريفاً.
﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:٧١] لكل الناس، كانت كذلك ولا تزال، ولذلك جاء في الأثر النبوي والحديث: (إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم).
وهي الأرض المباركة، وفيها أرسل أكثر أنبياء الله، وما من نبي إلا كان منها أو ذهب إليها ورحل، ومن هؤلاء نبينا ﵊ رحل صغيراً قبل النبوة مع عمه أبي طالب أولاً، ثم بعد ذلك مع مولاه زيد لتجارة خديجة بنت خويلد التي كانت بعد التجارة أم المؤمنين الأولى، وزوجته الأولى التي لم يتزوج عليها إلى أن ماتت رضوان الله عليها.
قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا﴾ [الأنبياء:٧١] ولوط كذلك من أنبياء الله نبئ بعد هجرته مع عمه إبراهيم، وسكن إبراهيم حوران من أرض الشام، وسكن لوط سدوم على بعد مائة وعشرين ميلاً في ما ذكروا.
وذهب إبراهيم إلى مصر فوجد حاكمها لا يقل طغياناً وجبروتاً عن حاكم العراق، فترك مصر مرة ثانية، وقد كان جبارها وطاغيتها يريد أن ينال من السيدة الجليلة سارة بسوء، ولكن الله تعالى أبعده عنها.
وعندما اجتمع بها ما رآها إلا وحشاً كاسراً، لا يكاد يحاول مس يده إلا ويشل، ويرى في سارة وحشاً ضارياً يكاد يفترسه، وإذا به يصيح: أبعدوا عني هذا الشيطان، ليس هي بإنسان، وكان ذلك عندما قيل لهذا الطاغية: رجل جاء من العراق عنده أجمل النساء، وكان هذا الفاسق الفاجر إذا سمع بجمال امرأة ينالها على أية حال كان الأمر.
وعندما أتي إليه بإبراهيم وقد طلبه قال له: من هذه منك؟ قال: أختي، يعني: أخته في الإنسانية، وأخته في الإسلام.
стр. 364
تفسير قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة)
قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ [الأنبياء:٧٢].
استجاب الله لطلب إبراهيم ودعائه وندائه، وكان قد تجاوز المائة عام، قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٠].
دعا أن تكون له ذرية صالحة، فاستجاب الله له بعد كبره وبعد عقم سارة، فولدت سارة بعد أن تجاوزت التسعين إسحاق، وولدت هاجر إسماعيل الأب الأعلى لنبينا صلوات الله وسلامه عليه.
فقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾ [الأنبياء:٧٢] في هذا الوقت لم يكن إلا إسحاق، كان هبة من الله وعطية له من الله.
قال تعالى: ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء:٧٢] والنافلة: الزيادة مثلما نقول: الفرائض والنوافل، والفرائض: حق لازم وفرض على كل مسلم، والنوافل: زوائد من صلاها أجر، ومن تركها لا يأثم ولا يعاقب، وإن أصر على ذلك قد يلام على تركه سنة لم يتركها رسول الله ﵊، ولكنها على كل اعتبار ليست بفريضة، وكان الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵀ يقول: التقوى إتيان الفرائض.
ومن هنا يقول الشاعر: ولم أصل سوى فرض ولم أصم يقول عن نفسه: الذي أكرمني الله به أنني لم أترك الفرائض قط، أي: لم يترك الأركان ومتعلقاتها، وتلك التقوى عند السلف الصالح.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾ [الأنبياء:٧٢] أعطاه إسحاق منحة في غير وقت الولادة، وكانت سارة عقيمة، وكان إبراهيم مسناً قد رق عظمه، وكثر شيبه وضعف؛ ولذلك عندما جاءه الملائكة يبشرونه ضحكت سارة أيكون هذا وأنا عقيم! وهذا بعلي شيخاً؟ قالوا لها: أتعجبين من أمر الله! إن الله قادر على كل شيء.
من ولد الصخر ناقة لم لا يولد إنساناً كان مسناً أو عقيماً أو لم يكن؟! فهو الذي أولد غير العقيم وهو القادر على زوال العقم من العقيم.
قوله: ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء:٧٢] ويعقوب هو ابن إسحاق أي: حفيد إبراهيم، وإبراهيم قد أكرمه الله في حياته بأن كان في بيت واحد وسلالة واحدة أربعة أنبياء، إبراهيم خليل الله، وإسحاق وإسماعيل ولداه نبيا الله المكرمان، وحفيده يعقوب، كان الأربعة أنبياء في بيت واحد؛ ولذلك سأل ﷺ مرة: (من الكريم فيكم) فأخذوا يفكرون ويتنقلون بأذهانهم أنه نبي، أو فلان فقال النبي ﵊: (الكريم هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم نبي الله، وولد نبي الله، وحفيد نبي الله، وسبط نبي الله).
أربعة في سلالة واحدة، كانوا يقولون لبعضهم: أبي وجدي وولدي وحفيدي وسبطي، وهذا هو الكرم الذي لا كرم بعده، والحسب الذي لا حسب بعده، ومع ذلك فنبينا سيد الكل، وإمام الأنبياء وسيد المرسلين ﵊.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ [الأنبياء:٧٢] طلب إبراهيم أن يهبه الله من الصالحين ولداً، فالله تعالى وهب له الصالح وأكرمه، وجعله من سادات الصالحين، وأعطاه ولداً نبياً من الصالحين وحفيداً من الصالحين، وسبطاً ليوسف من الصالحين.
قال تعالى: ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ [الأنبياء:٧٢] لم نقصر الصلاح على ما طلب من الولد، بل جعلنا الأب والابن والحفيد والسبط كل واحد منهم صالحاً، وهذا التنوين في لغة العرب يقال له: تنوين العوض، فهو عوض عن كلمة، وقد يكون عوضاً عن جملة.
وكل هؤلاء إبراهيم وإسحاق ويعقوب جعلنا من الصالحين، أكرمناهم، وخلقناهم، وفطرناهم ضمن الصالحين من عباد الله الأنبياء والرسل، وأتباعهم من المؤمنين الصالحين الصادقين.
стр. 365
تفسير قوله تعالى: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا)
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٧٣].
يصف الله لنا هؤلاء الكرام السادة من الأنبياء ليكونوا قدوة لنا وأسوة.
﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠] قالها لسيد الخلق، وهي لنا تبعاً لسيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه.
قال عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ [الأنبياء:٧٣] أي: سادة، ورؤساء، وقادة، وأنبياء، ورسلاً.
قوله: ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء:٧٣] أي: بوحينا، يهدون الناس إلى الخير، ويهدونهم من الضلال إلى الهدى، ومن الظلمات إلى النور، ومن الشرك إلى التوحيد.
قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٧٣] فكانوا أنبياء موحى إليهم، ورسلاً كراماً دعاة إلى الله وتوحيده وعبادته.
وما الخيرات إلا الطاعات، وما الخيرات إلا العبادة، وما الخيرات إلا التوحيد، وما الخيرات إلا الإيمان بالله وحده لا شريك له، وبرسله عبيداً مكرمين، ورسلاً مبشرين ومنذرين.
أوحى لهؤلاء السادة الثلاثة الكرام، وجعلهم أئمة في الخير وسادة للناس، وجعلهم رسلاً وأنبياءً، وأوحى إليهم من الخيرات العبادة والتوحيد والطاعة وفعل الخيرات كلها، وترك المنكرات جميعها.
قوله: ﴿وَإِقَامَ الصَّلاةِ﴾ [الأنبياء:٧٣] وأوحى إلى هؤلاء أن يقيموا الصلاة، والإقامة: الإتيان بالصلاة بأركانها وواجباتها وسننها وشرائطها، وصلاة كل نبي حسب شريعته.
قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] أي: عبادة كالصلاة، وصلاتهم الله أعلم بها، ولكنها مع ذلك لا تخرج عن التسبيح، والتمجيد، والتعظيم، والدعاء، والتوجه لله بجميع الحواس.
قوله: ﴿وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ [الأنبياء:٧٣] كما أوحى إليهم إقامة الصلاة والملازمة عليها، والقيام عليها أوحى إليهم أن يؤتوا الزكاة، ويعطوا قدراً معلوماً على كل مال وزراعة وتجارة، حسب شرائعه التي اندثرت ونسخت، وعوضت هذه الديانات بالدين الذي لم يقبل الله بعد الرسالة المحمدية غيره، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥].
وكل هذه الأمة أمة محمدية، المسلم واليهودي والنصراني، ولكن المستجيب من الناس يسمون أمة الإجابة، وغير المستجيب يسمى أمة الدعوة، ويعتبرون متمردين عصاة، وقد تمردوا على طاعة نبيهم أيضاً؛ ولذلك عندما يقال: نبي العرب أو نبي الإسلام من يقول هذا يكون جاهلاً، فليس هو نبي العرب وحدهم، ولم يأت النبي بهذا فقط، بل جاء بالإسلام لكل الخلق والبشر.
وهكذا دواليك إلى قيام الساعة، فمنذ وقف في هذه البطاح المقدسة، وعلى هذه الجبال الشاهقة، وفي هذه الأرض المباركة وهو يقول: إني رسول الله إليكم جميعاً، لزم على كل من بلغته الدعوة أن يقول: سمعاً وطاعة، لبيك يا محمد، لبيك يا رسول الله، فإن لم يفعل اعتبر متمرداً كافراً مشركاً، إلا أن يتوب الله عليه قبل أن تصل روحه إلى الحلقوم.
قوله: ﴿وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٧٣] هذا هو المدح والإطراء الذي لا يعلوه مدح، الله ﷻ يثني على عباده هؤلاء الذين خلدوا إلى أبد الآباد في الدنيا، وسيخلدون كذلك مع المؤمنين في الآخرة، أشاد الله بهم أعظم إشادة هنا، وفي غير ما آية وما سورة.
وقال خاتماً هذه الآية: ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٧٣] أي: موحدين، ومختصين بالعبادة، لم يشركوا معنا غيرنا، لم يطيعوا غيرنا، لم يعبدوا سوانا، وكانوا عابدين موحدين مطيعين لما أمروا به، وهكذا أثنى الله تعالى على هؤلاء السادة النجب.
стр. 366
تفسير قوله تعالى: (ولوطاً آتيناه حكماً وعلماً)
ثم انتقل بنا إلى الكلام على لوط فقال تعالى: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ [الأنبياء:٧٤].
أي: اذكر يا محمد لوطاً، فهو كذلك ممن أكرمناه واصطفيناه، وآتيناه الحكم والعلم، آتاه الله الحكم نبياً رسولاً يحكم في أتباعه والمؤمنين الذين آمنوا به، وآتاه الله علم الحقائق بمعرفة الله ومعرفة أنبيائه، ومعرفة أن هذا الكون بعلوه وسفله وشرقه وغربه وشماله وجنوبه وما بينها هي كلها خلق الله.
والله هو الذي فطرها وابتدعها على غير مثال سابق، وكل ما على العالم خلق الله وعبد لله، والكل آتيه عبداً طائعاً إلى الجنة أو مكرهاً إلى النار.
قوله: ﴿وَلُوطًا﴾ [الأنبياء:٧٤] نصب على حذف الفعل، قال: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ﴾ [الأنبياء:٧٤] تقديم وتأخير، أي: آتينا لوطاً حكماً وعلماً، آتاه الله الحكم والنبوة، وأرسله إلى قوم سدوم من أرض فلسطين، من أرض الشام.
وآتاه العلم الذي به دعا الخلائق، دعا قومه وعشيرته ومن أرسل إليهم إلى عبادة الله؛ فحورب، وكادوا يبطشون به، ولكن على عادة ربنا مع عباده المكرمين أن النصر لهم في النهاية.
قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء:٧٤] أي: القرية التي كانت تعمل الخبائث التي لم تسبق لها، ولم يسبق أن كان مثلها قبلهم، فقد كانوا يأتون الذكران دون النساء، وكانوا يأتونهم في المجالس، وكانوا مشتملين على أنواع من المنكرات والفواحش يكاد يعجز عنها الشيطان إلى أن بلغ بهم الأمر عندما جاء ملائكة من الله رسلاً للوط، حيث جاءوا في صور الشباب الصغار المراهقين، والملك له من قوة التطور ما أعطاه الله، وإذا بهم جاءوا بتجسس من امرأة لوط التي كانت كافرة، والتي لم تكرم بالإيمان به رغم كونها زوجته، وكانت في بيته، ونشأت بين جناحيه وفي حضنه.
فجاءوا مسرعين يريدون الفاحشة؛ فأنذرهم لوط ونصحهم، فلم يزدادوا إلا عتواً إلى أن خرج أحد هؤلاء فضربهم بيده فعموا جميعاً، ثم عوقبوا بأن جعل الله الأرض عاليها سافلها، وجاء جبريل ومن معه فحملوا أرض سدوم ورفعوها إلى السماء إلى أن سمعت ملائكة السماء صياح ديكتهم وحيواناتهم.
ثم قلبوها على الأرض، فأصبح عاليها سافلها، وأتبعوا بالرجم والصواعق، فأصبحوا كأمس الدابر وكأنها لم يكن، وهكذا الذي يحاول أن يتجاوز الحرام، ويحاول أن يستمر في الكفر ويصمم عليه فإن الله يمهل ولا يهمل، فقال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء:٧٤] أي: كما أنجاه وهو في العراق مع عمه إبراهيم فأخرجه من العراق ونجاه من النمرود وقومه، كذلك عندما أتى إلى سدوم وأرسله الله نبياً إليهم فكانوا أفسق وأفجر الناس، أنجاه الله منهم مرة أخرى، بأن بددهم ودمرهم، وسحقهم سحقاً.
قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء:٧٤] الخبائث: هي هذه المعاني التي أشرنا إليها ومضت لنا في السورة الماضية، وتأتي كذلك بعد.
قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ [الأنبياء:٧٤].
قال تعالى عن أهل سدوم: إنهم كانوا قوم جريمة وسوء وفسق ومعصية، قوم منكرات وخبائث.
فاسقين أي: خارجين عن الطاعة والإيمان، خارجين عن الأخلاق التي يجب أن تكون في الإنسان المؤمن المطيع.
ثم انتقلنا من بعد ذكر إبراهيم وإسحاق ويعقوب ولوط إلى ذكر نوح، ومن هنا كانت السورة اسمها: سورة الأنبياء.
стр. 367
تفسير قوله تعالى: (وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين)
قال تعالى عن لوط: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء:٧٥] أدخل لوطاً في رحمته وجنته ورضاه وكرمه.
وهكذا عندما الله يرضى عن إنسان ويرحمه يعطيه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ويعطيه في الدنيا قبل الآخرة، وللآخرة خير وأكرم للمتقين الهداة الصالحين.
قوله: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾ [الأنبياء:٧٥] أي: في رضانا وطاعتنا، وفي حسناتنا وأجورنا.
قوله: ﴿إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء:٧٥] أي: إن لوطاً من الصالحين، فالله أثنى عليه بالصلاح، وهو من عباد الله الصالحين، ومن أنبيائه ورسله المصطفين من خلقه.
стр. 368
تفسير سورة الأنبياء [٧٦ - ٧٩]
يذكر الله لنا قصص الأنبياء ﵈، تسلية لرسول الله ﵊، فذكر قصة نوح مع قومه، وكيف أهلكهم الله بالغرق عندما كذبوه، ثم ذكر قصة داود وسليمان وحكمهما في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم.
стр. 369
تفسير قوله تعالى: (ونوحاً إذ نادى من قبل فاستجبنا له)
قال تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنبياء:٧٦].
أي: يا محمد! كما ذكرنا لك إبراهيم جدك، وإسحاق عمك، ويعقوب ابن عمك، ولوطاً، اذكر كذلك نوحاً؛ فإنه كان كذلك من عباد الله الصالحين، ومن المصطفين الأخيار.
قوله: ﴿وَنُوحًا﴾ [الأنبياء:٧٦] أي: اذكر نوحاً، وتصور حاله.
وكل هذا أوحى الله به إلى نبيه ليثبت به فؤاده؛ لما لاقاه من قومه من جحود وعناد وكفران، فهو يقول له: لست بدعاً من الرسل، وقد سبق أن الرسل قبلك أوذوا وظلموا، وتمرد عليهم أقوامهم وأتباعهم، ومع ذلك صبروا وصمدوا فكانت العاقبة لهم، وكان الخسران لعدوهم، كذلك اصبر فإن العاقبة لك كما كانت للأنبياء قبلك، وإن أعداءك سيسحقون، ولكن لا بد من الصبر.
وهكذا الله أمر نبيه وأمر أتباعه كذلك؛ ولذلك ذكر الصبر عشرات المرات في القرآن الكريم، وخصه الله بسورة العصر التي قال عنها الإمام الشافعي: لو عمل بها المسلم لكفته.
﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].
الصبر في الدعوة، والصبر في العبادة، والصبر في ترك المنكرات، والصبر على المأوى والشدائد إلى لقاء الله، فمن صبر نصر، وكانت العاقبة له.
قال تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء:٧٦] اذكر نوحاً إذ نادى أي: نادانا وتضرع إلينا، ودعانا لنصرته.
﴿إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء:٧٦] أي: قبل هؤلاء جميعاً، إذ نوح هو الأب الثاني للبشر بعد آدم، إذ الطوفان قد عم كل الأرض فأصبح من على وجه الأرض بعد نوح أولاد له، وللقلة القليلة التي آمنت معه وركبت السفينة، فكان بينه وبين آدم -زعموا- ألف سنة، وليس هناك شيء يؤكد ذلك من كتاب الله أو سنة رسوله، وقد قيل: إن إدريس سبقه، ولكن الجماهير على أن إدريس كان بعده.
قوله: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء:٧٦] أي: من قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب ولوط، وكان أقدمهم وجوداً وحياة وعصراً.
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ﴾ [الأنبياء:٧٦] أي: أجبناه لرغبته، وهو ينادي ويضرع إلينا، ولمكان النداء والدعاء ولمكانة الضراعة، استجيب له؛ لأن نوحاً كانت نبوءته في قومه أفضل النبوءات على الإطلاق، لبث في قومه يدعوهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولقي من الشدائد والعظائم والإيذاء ما لم ينله أحد من الأنبياء قط؛ لأنه طال الزمن وهو صامد صمود الجبال.
وبعد هذه المدة الطويلة ما عاد يستطيع الصبر أكثر؛ فأخذ يدعو على قومه أن ينجيه الله منهم، وأن ينتقم منهم، فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧] نادى: يا رب! إني مغلوب فانتصر، وإذا بالله الكريم يستجيب له بعد المدة الطويلة.
وهكذا أدب الدعوة، أن الإنسان عندما ينادي ربه ويدعوه لا يقول: لم يستجب لي؛ لأنه مضت سنة أو سنتان أو شهر أو شهران ولم يستجب، فيستجاب لك إن قدر لك ذلك، وكان في صالحك، وقد تكون الاستجابة ليست في صالحك، ولكن الأمر يكون حسب إرادة الله في الوقت المناسب، وفي الأصلح لك.
وهكذا رأينا يوسف بعده، بعد أن تآمر عليه إخوته، وبعد أن بيع عبداً وقذف به في بئر، وبعد أن اتهم بما اتهم، وبعد أن رمي في السجن سنوات، بعد كل ذلك بأربعين سنة استجاب الله له فيما بشره به في الرؤيا الصالحة: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف:٤] ففهمها أبوه يعقوب وقال: ﴿يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف:٥].
وهكذا كل نبي له قصة مع قومه، وقد عرضها الله بالتوالي منجمة خلال ثلاث وعشرين سنة على عبده وحبيبه محمد صلوات الله وسلامه عليه؛ ليتأسى بذلك، وليتعزى بذلك، وليجد قوة في تجديد طاقاته على الدعوة والصبر على إيذاء قومه، وأن النهاية له بالنصر والغلبة على الأعداء، تثبيتاً للدعاة من أتباعه فيما مضى، وفيما حضر، وفيما هو آت إلى يوم القيامة، وهذه فائدة التاريخ، أنه يثبت القلوب ويعطي الإنسان قوة، ويجعله يعيش مع أقوام بينه وبينهم آلاف السنين، فيرى ما أدركوه وما قاسوه، وماذا جرى لهم.
وكانت النتيجة: أن نصرهم الله، وفازوا بالربح، وفازوا بالرحمة، وآب أعداؤهم بالذل والخسران المبين.
فقوله: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء:٧٦] أي: نادى قبل هؤلاء الأنبياء، فاستجبنا له، فأجابه الله في دعائه وندائه عندما صبر عليهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فأغرقهم أجمعين، ودمرهم أجمعين وكأنههم لم يكونوا.
وابتدأ نوح حياة جديدة بين هذه القلة الصالحة من أتباعه، وهكذا تجددت الدنيا، وتكاثر الأولاد والذرية، وخلد نوح كما خلد الأنبياء قبله وبعده.
قوله: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنبياء:٧٦] نجاه مع أهله وأتباعه، وخرج عن أهله وولده؛ لأنه كان عمله غير صالح، وأبى إلا الإصرار على الكفر حتى وقت الطوفان، ونزول الأمطار من السماء، وتفجير الأرض، ودعاه أبوه: اركب معنا! أي: آمن لتركب معنا قال: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود:٤٣].
يرى البلاء بعينيه ويسمعه بأذنه، ويأبى إلا الإصرار وهكذا الخذلان عندما تطبع القلوب باللعنة والطرد من الرحمة، وحتى لا يعتمد الإنسان على أبيه وجده وحسبه ونسبه، فهذا ابن نبي عاش معه هذه المدة الطويلة، ولكنه ما استطاع أن ينفعه بقليل ولا بكثير.
وهكذا كان يقول نبينا ﵊، وينادي زوجاته وأحفاده، وينادي بني هاشم: إياكم أن تأتوني تحملون على أكتافكم البعير والناقة وكذا وكذا، فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً، فلا ينفع مع الشرك شيء، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
فإن كانت هناك منفعة ففي الدنيا، بحيث يدعو النبي أو يدعو الصالح للإنسان الفاجر مادام حياً، فقد يستجاب له فيؤمن وتسبقه الهداية، كما دعا النبي ﵊ ورجا من الله فقال: (اللهم اهد أحب العمرين إليك) فاستجاب الله دعاءه في عمر بن الخطاب؛ لأن عمر حتى في شدة كفره لم يستهزئ ولا سخر.
أما المستهزئون الذين قال الله عنهم لنبيه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر:٩٥] لقد قال ابن تيمية: ما استهزأ أحد برسول الله في حياته أو بعد مماته إلا وختم الله له بسوء الخاتمة، لا تنفعه دعواه، ولا ينفعه شيء من عمله، لا صدقات ولا غيرها.
فاستجاب الله دعوة نبينا في عمر بن الخطاب لأنه يكن من المستهزئين، وختم على أبي جهل بسوء الخاتمة والقتل والذل في بدر.
стр. 370
تفسير قوله تعالى: (ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا)
تحمل نوح هذه المدة ألف سنة إلا خمسين عاماً، ثم ما استطاع أن يصبر، فرفع يده إلى ربه يدعو على هؤلاء؛ فاستجاب الله دعاءه، وانتقم منهم، فقال تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء:٧٧].
استجاب الله لنوح بعد هذه المدة القرون الطويلة، فأنجاه وأهله من سوء قومه وفجورهم وفسوقهم وأركبهم السفينة هو وأهله، ثم قال الله بعد ذلك: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ﴾ [الأنبياء:٧٧] تم النصر المؤبد المؤزر بأن ذل الأعداء فغرقوا، وانتصر نوح وفاز وكان مصيره (فأنجيناه).
قوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء:٧٧] أي: منعناه من القوم، و (من) حرف جر، وحروف الجر ينوب بعضها عن بعض، ويمكن أن تفسر: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء:٧٧] أي: على القوم، والمعنى واحد.
قوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنبياء:٧٧] أي: قوم نوح الذين كذبوا بآيات الله، وسخروا من نوح وهو يصنع السفينة، وكانوا يقولون له: أنت في صحراء لا بحر فيها، فلمن تصنع السفينة؟! فيمرون مستهزئين فيجيبهم: أنا أهزأ بكم كما تهزءون، ويظهر أنه اشتغل السفينة زمناً طويلاً، وكان نجاراً.
قال تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنبياء:٧٧] بقدرة الله ومعجزة لرسله على ما يريد ﷻ .
قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ [الأنبياء:٧٧] أي: كانوا قوم منكر وفجور وفسوق، كانوا عصاة.
﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء:٧٧] أي: كانت النتيجة أن غرقوا وماتوا خنقاً وغرقاً فخسروا دنياهم وآخرتهم؛ لأنه لا يغرق إلا المشرك.
أما الذي آمن بربه وآمن بنوح نبيه فقد ركب مع نوح في السفينة، وأنجاه الله وأنقذه وملَّكه بعد ذلك الدنيا جميعها وقال الله عنه: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠] لم يتجاوزوا به العشرات، قيل: سبعون، وقيل: أقل، فكانت الدنيا كلها في ملك هؤلاء، وإن كان الماء قد أغرق كل شيء فأغرق القصور، والأرض، والنبات، وفاضت المياه إلى أن غمرت الجبال، وقد أركب معه من كل شيء زوجين ذكراً وأنثى، آمن به رجال ونساء فتوالدوا بعد ذلك، وأصعد معه الحيوانات من كل نوعٍ ذكراً وأنثى؛ لتتجدد الحياة مرة أخرى بعد الغرق.
стр. 371
تفسير قوله تعالى: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث)
قال تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:٧٨].
أي: يا محمد، كذلك كان فيمن ذكر لك من الأنبياء داود وولده سليمان النبيان الجليلان، واختص سليمان بالنبوة والملك الذي لم يكن لأحد من بعده.
اذكر هذين النبيين الجليلين خاصة حال كونهم ﴿يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء:٧٨] أي: يا محمد! اذكر داود وسليمان إذ أخذا يحكمان في الحرث كلاً على حدة، وكلاً بحكم جديد: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء:٧٨] والنفش: الرعي ليلاً، والمعنى: اذكر داود عندما جاءه مزارع يشتكي إليه، وقد أتى بمن رعت غنمه في أرضه.
قوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:٧٨]، والقصة: بينما كان داود جالس إذ جاءه رجلان مدعٍ ومدعى عليه، يقول المدعي: هذا رجل ترك غنمه في الليل سائمة، فدخلت إلى مزرعتي وأتت على جميع ما فيها، وكان الذي فيها حسب رأي بعض المفسرين الكرم، وكانت قد نضجت وتدلت منها عناقيد العنب.
وقال قوم: هذه لا تسمى زراعة والله ذكر الحرث، فإذاً كان قمحاً وشعيراً وعلى هذا أكثر المفسرين، وإلى هذا نميل.
قوله: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء:٧٨] والنفش: ترك الغنم ليلاً دون راعٍ، فدخلت إلى مزرعته فأتت على جميع ما فيها، وجد الغنم فقبضها وبحث عن صاحبها، فجاء فذهب يشتكيه إلى داود.
﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:٧٨] أي: كنا حاضرين، فلا تخفى عليه ﷻ خافية، فقد رأى حكم داود وسمعه ورأى حكم سليمان وهو يحكم بخلاف حكم أبيه.
стр. 372
تفسير قوله تعالى: (ففهمناها سليمان)
قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩].
بماذا حكم داود؟ قال: تعطي الغنم هذا الذي أكلت حرثه مقابل الخسارة التي خسرها في أرضه، والغنم كانت هي البديل والثمن، وكان سليمان ابن أحد عشر عاماً، فخرج المدعي والمدعى عليه على الولد وكان في باب محكمة أبيه، فسألهما عن حكم نبي الله داود؟ قالا: حكم أن الغنم لصاحب المزرعة مقابل خسارته قال: لو حكم بغير هذا كان أرفق له.
فبلغت أباه هذه الكلمة فأرسل خلفه قال: بحق النبوة والبنوة -وكان نبياً- ما هذا الأرفق في الحكم الذي هو خلاف حكمي؟ قال: لو استحكمت لحكمت بغير هذا قال: بماذا تحكم؟ قال: أحكم بأن الغنم يأخذها من رعي زرعه، فتبقى عنده يستفيد من صوفها وألبانها ومن نسلها ومنافعها، وتسلم الأرض التي أكل زرعها لصاحب الغنم فيعتني بها ويجدد كرمها وزراعتها إلى أن يتم الزرع ويعود كما كان، ثم تعود المزرعة إلى صاحب الأرض، وتعود الغنم لصاحبها.
وإذ بداود يقول: الحكم ما حكم، ورجع عن حكمه إلى حكم ولده، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩] حكم داود وحكم سليمان، ولكن الله تعالى أثنى على حكم الولد سليمان وجعله هو الفهم، وأن الله هو الذي ألهمه هذا الفهم، ولكنه لم يعد لحكم داود، وقال بعد ذلك: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩] أثنى على سليمان وداود، ولم يعنف داود ولم يرد حكمه، وأخبر أنه قد أتاهم من الحكمة والنبوءة ومن العلم معاً، ولكنه قال: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩].
وهنا وقفات: أولاً: حكم سليمان وحكم داود في قضية واحدة كانا متغيرين، وهنا قال علماؤنا وفقهاؤنا: هل الحق يتعدد أو لا يتعدد؟ الجمهور على أن الحق واحد لا يتعدد، واحتجوا بهذه الآية مع غيرها، ودعنا نبقى مع الآية.
الله أثنى عليهم معاً؟ نعم، ولكن جعل فهم الحكم للولد سليمان، وليس للأب، وأثنى على الأب وأنه آتاه الحكم؛ لأن داود حكم باجتهاده ولم يأل أن يحكم إلا بما أداه إليه اجتهاده، والمجتهد بعد بذله الجهد مأجور مثاب حتى مع خطئه، وهنا اختلف علماء الكلام أيجتهد النبي أو لا يجتهد؟ وإذا اجتهد هل يخطئ أو لا يخطئ؟ فحكم سليمان حكماً، وحكم داود حكماً، ونقضه سليمان، وعاد داود إلى حكم ولده، ولا شك أنه لو كان الحكم الذي حكم به داود عن وحي لما قال الله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩] ولكان داود قد نفذ وحياً، وبما أن الله قال (ففهمناها سليمان) ولم يقل إنه فهمها داود كان ذلك دليلاً على أن داود حكم باجتهاده.
وهل النبي المجتهد يخطئ؟ نعم يخطئ، ولكن الفرق بينه وبين غيره: أن خطأ النبي في الاجتهاد لا يقره الله عليه، كما فعل ربنا، حيث قال عن الولد سيلمان: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩] وفي ضمن ذلك أن داود لم يوفق للحكم، لكن مع ذلك هو مثاب مأجور؛ لأنه بذل من نفسه الجهد بما يستطيع.
الوقفة الثالثة: هل للحاكم أن يعود في الحكم بعد أن ظهر خطأ ما حكم به في الأول؟ إن كان لا يزال هو الحاكم فله أن يرجع إلى الحق، والرجوع للحق فضيلة، أما إذا مات القاضي أو عزل فالقاضي الذي يأتي بعده لا حق له في نقض الحكم إن كان مبنياً على الاجتهاد، أما إن كان اجتهاده مخالفاً لنص من كتاب أو سنة فلا حرمة لهذا الحكم.
أما إن كان عن اجتهاد بلا نص، فحكمه يبقى كما هو ولا رجوع فيه إلا من القاضي نفسه إذا بقي في الحكم، يقول النبي ﵊ كما في الصحاح: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)، وليس الأجر على الخطأ هيهات! وإنما الأجر على الاجتهاد: الأول له أجران: أجر في الاجتهاد وأجر في الإصابة التي وفق إليها.
والثاني له أجر على اجتهاده: أما الحق فلم يوفق إليه، ولكنه لا يلام؛ لأنه بذل جهده، ومقدار قدرته، فهو مأجور على ما بذل من نفسه بالوصول إلى الحق حسب اجتهاده، وفي شريعتنا ما يؤكد هذا بقصتين كلتيهما في الصحيح حدثتا في الاجتهاد المختلف من الأصحاب في الحياة النبوية: القصة الأولى: كان هناك صحابيان في فلاة من الأرض، فدخل وقت الصلاة، فبحثا عن الماء فلما يجدا، فتيمما وصليا قبل خروج الوقت، ثم وجدا الماء فتوضأ أحدهما وأعاد الصلاة، أما الثاني فلم يصل قال: أنا قد صليت والفريضة لا تكرر مرتين في اليوم ولا في الوقت، فقال ﵊ لمن لم يعد الصلاة: (أصبت السنة) وقال للآخر: (لك الأجر مرتين) من المخطئ ومن المصيب؟ لا شك أن المصيب من قال له رسول الله ﵊: (أصبت السنة) ولم يقل للآخر: (أصبت السنة) وإنما قال له: (لك أجرك مرتين) لأنه صلى صلاتين، الصلاة الأولى أجر عليها وأداها، وهي الفريضة، والصلاة الثانية كانت اجتهاداً، فله أجر الاجتهاد.
أما المصيب فله الأجر مضاعفاً، أجر الفريضة وأجر إصابته السنة، وإن كان اجتهاده سلبياً، ولكنه اجتهاد على أي حال، فله أجر بالاجتهاد، وأجر بإصابة الحق.
القصة الثانية: لما انتهى النبي ﵊ من غزوة الأحزاب جاءه جبريل ودخل عليه فقال له: أنزعت لأمة الحرب؟! أما نحن فلم ننزعها -يعني: الملائكة- وإذا بالنبي ﵊ يدعو النفير إلى يهود بني قريظة الذين جاءوا من خلفه يريدون أن يحاربوه من الداخل مع غطفان وقريش.
وقال النبي ﵊ لأصحابه: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) وكان هذا بعد الظهر، وإذا بالقوم بعضهم أدركته الصلاة فصلى في الطريق قبل الوصول إلى بني قريظة، وبعضهم لم يصل الصلاة إلا في بني قريظة، وبعضهم ما صلاها إلا بعد المغرب.
فحضر رسول الله ﵊ ولم يعنف أحداً، لا من صلى في الطريق ولا من أخر الصلاة إلى بني قريظة، وأقر اجتهادهم جميعاً.
وهذا يعني أن الحق يتعدد، والحقيقة أنه لا يتعدد، والأجر لا يكون على الخطأ وإنما يكون على الاجتهاد، وسكوت النبي ﵊ دليل على أن كل واحد من هؤلاء الذين اختلفوا اجتهد وبذل جهده، فلا يعنف بل يشكر ويثاب.
وفي هذه القصة كيف فهم القوم النص؟ وهذا اجتهاد في فهم النص لا في النص، فالبعض فهم من قول النبي ﵊: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) أن معناه أن يبذل كل ممكن ليصل إلى بني قريظة في أسرع وقت، فصلوا في الطريق مسرعين، وآخرون كانوا ظاهريين مثل الظاهرية، فقالوا: لا نصلي الصلاة إلا في بني قريظة حتى ولو وصلنا وقت الفجر.
وقد قال ابن حزم بعدهم في القرن الخامس: لو كنت حياً ولم أصل إلى بني قريظة إلا بعد سنة لما صليتها إلا بعد سنة، لشدة تمسكه بالظاهر، والنبي ﵊ لم يعنف أحداً، والمحق هو من صلاها في الطريق واستعجل بها؛ لأنه كسب شيئين، أطاع النبي ﵊ في الإسراع إلى بني قريظة، ولم يؤخر العصر عن وقتها، ولم يأت أمر بذلك، بل صلاة العصر مشدد فيها جداً، والعصر هي الصلاة الوسطى كما في صحيح مسلم، وقال عنها النبي ﵊: (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) وقال عنها النبي ﵊: (من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله) وهذا تهديد ووعيد.
ومن هنا كان المجتهد في فهم النص أو فيما لا نص فيه مثاباً على كل حال، فالمصيب له أجران، والمخطئ له أجر مقابل الاجتهاد.
стр. 373
تفسير سورة الأنبياء [٧٨ - ٨٠]
لقد فضل الله بعض خلقه على بعض حتى الأنبياء، ومن ذلك أن سيدنا سليمان كان في القضاء أحكم من أبيه داود ﵉، وقد جاء في الكتاب والسنة بقضايا من ذلك.
стр. 374
تفسير قوله تعالى: (ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حكماً وعلماً)
стр. 375
تفهيم سليمان الحكم
قال الله عزت قدرته: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:٧٩].
لا نزال مع عباد الله المكرمين، وأنبيائه المرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولا نزال مع داود وولده سليمان وهما يحكمان في قضية حرث وزرع قد نفشت فيه غنم القوم، قال تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء:٧٨].
يقول الله: يا محمد! واذكر داود وسليمان النبيين الكريمين إذ يحكمان في الحرث.
إذ نفشت فيه غنم القوم، والنفش: الرعي ليلاً، وقد قلنا بأن قوماً أطلقوا سبيل أغنامهم ليلاً بلا حارس ولا راع، فدخلت في مزارع أقوام، فأتت عليها وجعلتها أرضاً كأنها لم تزرع، وإذا بالقوم يأتون إلى نبي الله داود، فقالوا: يا نبي الله! إن هؤلاء قد أطلقوا أغنامهم ليلاً دون حراسة ولا رعاية، فدخلت الغنم على مزارعنا، فأتت عليها رعياً، ولم تبق منها ولا تذر، فاحكم بيننا بما علمك الله.
وإذا بداود يحكم أن الأغنام تنزع ممن أطلقها من أصحابها دون رعاية ولا حراسة، ويملكها من دخلت مزرعته، ورعت أرضه، وخربت غرسه وزراعته.
وإذا بهؤلاء المترافعين المتحاكمين يخرجون من محكمة داود، وإذا بسليمان -وهو لا يزال صبياً لم يتجاوز بعد السنة الحادية عشرة- يقول لهم: بماذا حكم عليكم نبي الله داود؟ فقصوا عليه الخبر، أنه حكم بأن تملك الأغنام لمن ذهبت مزرعته، فيقول سليمان: كان أرفق بهم أن يحكم لهم بغير هذا، ثم حكم بأن الغنم يأخذها صاحب المزرعة فيعتني بها ويرعاها ويكسب لبنها، ونسلها، وصوفها، ويسلم للغرماء الأرض التي أهلكتها أغنامهم فيزرعونها إلى أن تتم تلك المزرعة مثلما كانت من قبل، وتستصلح كما كانت قبل أن تفسدها الأغنام، وعند ذلك تعود الغنم لأصحابها، وتعود المزرعة لأصحابها، وإذا بداود يبلغه الخبر فيقول: نعم ما حكمت! ورجع عن حكمه، وحكم بينهم بذلك.
قال الله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:٧٨] كان الله عالماً وهما يصدران الحكم على أصحاب الأغنام لمصلحة صاحب المزرعة، ولكن الله ﷻ أثنى على حكم سليمان، وما عاب حكم داود فقال: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩] فهم القضية فحكم بالصواب، وحكم بالحق الصراح، وعاد أبوه داود إلى الحكم الذي حكم وارتأى، فذلك معنى قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩].
стр. 376
اجتهاد الحكام والمجتهدين
ثم أثنى على الكل فقال: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩].
آتى الله كلاً من داود وسليمان حكماً وأكرمهما بالعلم، وجعلهما نبيين رسولين كريمين، وعلمهما ما لم يكونا يعلمانه، ولكن مع هذا اجتهد داود فأخطأ، واجتهد سليمان فأصاب، فكان الثناء على سليمان من قبل الله بقوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩]، لأنه كان المدرك لها، والفاهم لحقيقتها، ولكن مع ذلك أثنى على الأب والابن بالعلم والحكم، والمعرفة والحكمة.
وهذا قريب من قول النبي ﵊ فيما رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن، أنه ﵊ قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر واحد) فيثاب الحاكم حال اجتهاده وبذله من نفسه الجهد ليصل إلى الحق والصواب، ويؤجر على كل حال، إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، وفي حين غلطه يؤجر للاجتهاد والبذل، أما إصابة الحكم فلا أجر له فيها، كما أنه لا يعاب فيها؛ لأنه لا يطالب بأكثر من أن يبذل من نفسه الجهد، ليصل إلى الحقيقة.
قال الحسن البصري إمام التابعين: هذه الآية كانت بلسماً وشفاءً للحكام والقضاة، وأنهم لا يطالبون بأن يصيبوا الحقيقة؛ لأن الصواب من الله، ولكنهم يطالبون بأن يبذلوا الجهد من أنفسهم، للوصول إلى الحق والصواب في الحكم، فإن هم أخطئوا بعد الاجتهاد فلا ملام عليهم، ويثابون ويؤجرون على الجهد، وإن أصابوا فلهم أجران: أجر للصواب، وأجر للاجتهاد الذي بذلوه من أنفسهم.
وقد قال ﵊: (القضاة ثلاثة) كما في مسند أحمد والصحاح، وفي رواية: (قاض في الجنة وقاضيان في النار، قاض علم الحق وحكم به فهو في الجنة) علمه حسب اجتهاده وعلمه واطلاعه على نصوص القرآن والسنة والإجماع، فإن لم يجد فيقيس ويبذل الجهد ليصل إلى الحق بصفة عامة استنباطاً واستخراجاً من مفاهيم النصوص (وقاض علم الحق ولم يحكم به فهو في النار، وقاض لم يعلم الحق ولم يحكم به فهو في النار).
وهكذا معنى قوله ﵊: (قاض في الجنة وقاضيان في النار) وقد سبق أن سليمان -وهو لا يزال صغيراً- حكم أحكاماً نقض بها أحكام والده، وكلٌ أوتي الحكم والعلم.
стр. 377
حكم داود وسليمان في قضية المرأتين والطفل الذي أكله الذئب
وفي الصحيحين أنه كان هناك امرأتان لهما ولدان، وإذا بذئب يعدو على أحد الولدين فيفترسه ويفر به، فذهبا إلى داود يحتكما إليه فقالت الكبرى: ولدي هو الحي الذي لم يأكله الذئب وقالت الصغرى: بل هو ولدي، فحكم به داود للكبرى، فخرجت المرأتان وكان سليمان عند الباب فقال: بم حكم لكما أبي؟ فقصا عليه أنه حكم للكبرى بأن الولد لها، فقال لهما: لو حكمت بينكما لحكمت بخلاف هذا، ائتوني بسكين، وأوهمهما أنه يريد ذبحه ولا دليل لواحدة منهما على صدق قولها، قال أبو هريرة: أول مرة أسمع أن المدية تسمى سكيناً، هكذا في الرواية، فجيء بالسكين فقال سليمان: سأقسمه شطرين شطراً للكبرى وشطراً للصغرى.
فصاحت الصغرى: لا يا نبي الله، دعه للكبرى، وإذا بسليمان ينتزع الولد من الكبرى ويعطيه للصغرى.
وقد جعل عنوان الحديث النسائي في السنن: باب حكم الحاكم بما يناقض الحكم ويوهم خلافه، إخراجاً للحكم واستخراجاً للحق، فسليمان لم يكن يريد أن يقسم الولد، ولكن يريد أن يكتشف ويختبر عاطفة الأمومة عند هاتين المرأتين، بأنه ستقول الأم الحقيقية: لا تقطعه، وستحرص على حياته، ولو لم يكن تحت حضانتها ولا بيدها، والأم غير الحقيقية ليس لها عليه عطف ولا بر، فتوافق على القطع؛ لأنه ليس ولدها.
وهكذا استخرج سليمان الحق بإيهامهما أنه سيقطعه قسمين، وبهذا اكتشف الأم الحقيقية، فأقر حكمه أبوه داود.
стр. 378
حكم داود وسليمان في المرأة التي رميت بالزنا بالكلب
ولسليمان قصة ثالثة رواها أصحاب الصحاح والسنن عن النبي ﵊، فيما ورد لنا من أحكام سليمان وداود: أنه جاء أربعة من رؤساء بني إسرائيل فقذفوا صالحة من صوالح نسائهم، وقالوا: إنهم رءوا كلباً يزني بهذه المرأة، دربته على ذلك، فحكم داود بقتل المرأة، وصدر الحكم، فلما خرجوا من المحكمة ومجلس داود لتنفيذه، وإذا بسليمان مرة أخرى عند الباب، فقال لهم: بم حكم لكم نبي الله داود؟ فقالوا: بقتل المرأة، قال: لو كنت مكان أبي لما حكمت بذلك، قالوا: فاحكم، وفي رواية: صنع (تمثيلية) كما يقال اليوم حيث أتى بأربعة من الصبيان وألبسهم لباس رؤساء بني إسرائيل، وأحضر معه صبيين آخرين كمساندين ومؤازرين، وألبس خامساً لبسة المرأة، وقال لهم: تحاكموا إلي واقذفوا هذه المرأة كحكومة أبي، فأتوا وقالوا ما قاله أولئك، إن هذه المرأة فعلت كذا بكلبها، وإذا بسليمان أبعد ثلاثة وأخفاهم، وأتى بالرابع، فقال له: ما لون الكلب؟ فقال: أبيض، فأمر بإخفائه، ثم أتي بالثاني فسأله: ما لون الكلب؟ قال: أسود، فأخفاه، وأتى بالثالث فقال: أغبر، فأخفاه، وسأل الرابع فقال: رمادي.
ثم أتي بالمرأة فقال لها: ما قصتك؟ قالت: أنا بريئة، ولكن هؤلاء راودوني على نفسي فامتنعت، فأرادوا أن ينتقموا مني بالقذف؛ فحكم بقتل الأربعة وبراءة المرأة، فأبوه رأى هذه التمثيلية -كما يعبر عنها اليوم- فنقض حكمه وحكم بحكم ولده سليمان.
стр. 379
حكم جنايات البهائم في الإسلام
أما مسألة الغنم والزرع فما حكم الإسلام في هذا؟ جاء عن البراء بن عازب -كما في مسند الإمام أحمد وموطأ الإمام مالك - (أن ناقة للبراء بن عازب رعت ليلاً في حائط أقوام -بستان- فأتت عليه، فرفع الأمر صباحاً لرسول الله ﷺ ، فقال: ما أفسدت الدواب ليلاً فالضمان على صاحب الدواب، وما أفسدته نهاراً فلا ضمان) أي: فحكمه ﵊ أن حراسة الحيطان والبساتين ليلاً يجب أن تكون على أصحابها؛ لأن النهار ليس وقت رعي للأغنام، فإن خرجت الأغنام من مكانها فمعناه أنها أفلتت من أصحابها، ولم يكونوا معها؛ لأن الليل ليس وقتاً للرعي، وعلى أصحاب البساتين أن يحفظوا بساتينهم.
والحكم إذا أفسدته في النهار أن الضمان على أصحاب الغنم؛ لأن الشأن في النهار أن يكون معها رعاتها، فهي محروسة، فإذا تركت لتفسد مزارع الغير فذلك بإهمال الرعاة وأصحاب الأغنام والإبل والدواب.
ومن الأصول والقواعد فيها: أن المفرط أولى بالخسارة، فعندما فرط أصحاب البساتين ليلاً من رعاية بساتينهم فالخسارة عليهم ولا ضمان، وعندما يفرط أصحاب الدواب والأغنام نهاراً وكان ينبغي ألا يفعلوا فالخسارة عليهم، والضمان عليهم.
стр. 380
اجتهاد الأنبياء
﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩]، وكلاً من داود وسليمان آتاه الله الحكم، آتاه الله النبوة وآتاه العلم، وسبق أن قلنا بالأمس، هل يجتهد الأنبياء أو لا يجتهدون؟ المحققون من أهل العلم يقولون بالاجتهاد، ودليلهم هذه الآية الكريمة، فقد حكم داود مجتهداً، ولو حكم بالوحي لما مدح الله حكم سليمان وأغفل حكم داود، وجعل الفهم لسليمان لا لداود، وإذا اجتهدوا فقد يخطئون، ولكن خطأ الأنبياء لا يقرهم الله عليه، كما فعل ربنا هنا في هذا الحكم، فلم يقر داود وإن أثنى عليه بالاجتهاد، وأقر سليمان وأثنى عليه.
وهذا ما حصل لنبينا ﵊ في كثير من القضايا التي لا وحي فيها، ومن أشهرها ما كان في غزوة بدر، عندما وضع خيامه ومعسكره في جانب الماء، فجاء أحد الأنصار من جند رسول الله ﷺ واسمه الحباب بن المنذر فقال: (يا رسول الله! هل هذا منزل أنزلك الله فيه، لا رأي لنا فيه، أم أنه الرأي والمكيدة والحرب؟ قال: بل الرأي والمكيدة، قال: ما أرى هذا بموقف، لنصعد الجبل ونمنع أعداءنا من أن يأتوا إليه فيمنعونا من الماء بنبالهم وسهامهم، فأقره رسول الله ﵊، ولو كان هناك وحي لما رجع إلى رأي الحباب، وقد صرح: إنما هو الرأي، ويؤكد هذا قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] ولا تكون المشاورة إلا في الاجتهاد، أما في أمر وحي إلهي فلا مجال للمشورة.
ومن هنا كان الله تعالى قد أمر نبيه ﵊ ليكون أسوة للخلفاء بعد استشارة أولي الرأي وأولي الفهم والعلم فيما لا نص فيه، فإن كان هناك نص فلا مجال للرأي، إلا إذا كان النص يحتمل ويحتمل، فتبقى المشورة قائمة.
﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:٧٩].
سخر الله وأخضع الجبال والطير مع داود تسبح، وهو يفهم تسبيحها وذكرها، ويفهم عبادتها وصلاتها، الله علمه ذلك وخصه به.
وقد قال ربنا ﷻ : ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤] يسبحه الجن والإنس والملك والدواب والطير وحيتان البحار والهوام وكل خلق الله، جماداً ومتحركاً، وهذا يؤكد ذاك: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ﴾ [الأنبياء:٧٩] فالجبال أيضاً كانت تسير مع داود وهي تسبح الله وتوحده وتعظمه، وكان إذا سبح سبحت معه، وإذا صلى صلت معه.
كما سخر الطير، وكان ذلك بالنسبة للطير لجمال صوت داود الذي إذا تغنى بمزاميره التي أنزلها الله عليه، وأخذ يتلوها، ويعبد الله بها، لا يبقى طائر سمع الصوت إلا ويرتمي بين يديه أو يحلق فوقه، وهو يسبح معه بلغته وصوته.
نبينا ﵊ مر ليلة على دار أبي موسى الأشعري، وإذا به يسمعه يتلو القرآن فيتوقف ملتذاً ﵊ ومتفاعلاً مع جمال صوت أبي موسى، وحسن تلاوته وتجويده، وإخراجه للحروف، فلما أصبح الصباح قال النبي ﵊ لـ أبي موسى: (لقد أوتيت يا أبا موسى مزماراً من مزامير آل داود) أي: التي كان يتغنى بها بتلاوة الكتاب الموحى به، ويذكر ربه، ويوحده، ويمجده.
قال أبو موسى عندما قال له هذا رسول الله ﷺ : (لو علمتك تنصت إلي لحبرته لك تحبيراً) أي: لجملت ذلك مترنماً متغنياً مجوداً، ولكن كان على طبيعته بالنسبة إلى سماع رسول الله ﷺ أحب إليه، والله أعلم.
وأدركنا أناساً في الشام عندما ينادون بذكر الله واسم الجلالة، وعندما يتلون كتاب الله مجوداً وبحروف يخرجونها كما أنزلت مع جمال الصوت، وتكون الليالي باردة على حال برد الشام، والشبابك مقفلة بالزجاج، لا تشعر إلا والطيور تترامى على هذا الزجاج بالعنف، وقد تقع في الأرض لشدة الصدمة ميتة، وقد يكسر الزجاج فيطير الطائر ويقف بين يديه وهو ينصت، وهو عادة متوحش لا يقبل أن يحضر مع الناس؛ ولذلك هذا الطير الذي خلقه الله هو أيضاً يذكر الله، وهو أيضاً له حاسة بالتمتع والتلذذ بذكر الله وجمال صوته به، وهذا من معجزات هؤلاء الأنبياء الكرام.
﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ [الأنبياء:٧٩] أي: وسخرنا له الطير تسبح معه، وتعظم معه، وتمجد معه.
﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:٧٩] أي: فاعلين تفهيم سليمان لحقيقة الحكم، فاعلين لتسخير الجبال والطير لداود، فاعلين لفهم داود لذكر الجبال وتوحيدها وعبادتها، وذكر الطير وعبادته وتغنيه كذلك بربه، كنا فاعلين كل ذلك، فهو صاحب الأمر والنهي، وهو الفاعل المختار ﷻ وعز مقامه.
стр. 381
تفسير قوله تعالى: (وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم)
قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء:٨٠].
ومما علمه داود وميزه بذلك على سليمان قبل أن يلي سليمان النبوة دون أبيه والملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده: أنه علمه صنعة لبوس، واللبوس: الملبوس.
قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء:٨٠] أي: لبني إسرائيل، لقوم داود، وهي حكاية فيما قص الله علينا مما أوحى به لداود وسليمان، وهي أيضاً ذكر لنا للشكر بأن ذلك انتفع به الأولون، وانتفع به من كان معاصراً لرسول الله ﷺ وإلى الآن وإلى يوم القيامة.
قوله: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء:٨٠] وهو لأمة الحرب، وألبسة الحرب، تلك اللأمة التي تلبس على الصدر والظهر والرأس؛ لتقي البدن من ضرب السهام ومن ضرب السيوف، هذه اللأمة كانت تصنع قديماً من الصفائح، وتكون ثقيلة على البدن، لا يكاد يحملها إلا بمشقة، وتصنع من الفولاذ الذي هو أقوى أنواع الحديد التي لا يؤثر فيها ضرب برصاص ولا ضرب بسيوف، وقد علَّم الله داود في حروبه مع أعدائه أن يصنع اللأمة من حلق، هذه الحلقات تتسع وتضيع على البدن حسب كل جسم وما يناسبه، وتكون أخف على البدن.
﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ [الأنبياء:٨٠] أي: لتدافع عنكم، ولتصونكم، وتدفع عدوكم وسيوفه وسهامه ونباله، فتكونون في حصن، وفي مأمن من أن تنالكم سهام الأعداء أو رصاصها أو سيوفها.
(من بأسكم) أي: من حربكم لأعدائكم.
قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء:٨٠] قالوا: الخطاب حكاية عما قاله الله لداود ولقومه.
وقال البعض: إن الخطاب للمسلمين من المهاجرين والأنصار عندما أذن لهم بالحرب والقتال، فهم أيضاً استفادوا من هذا الزرد، ومن هذه اللأمة التي أول من صنعها هو داود بنص القرآن الكريم، ودائماً الفضل للمخترع الأول.
стр. 382
تفسير سورة الأنبياء [٨١ - ٨٥]
ما من معجزة جعلها الله للأنبياء إلا وستصير أمراً عادياً، ومن ذلك الريح المسخرة لسيدنا سليمان ﵇، فإنه كان معجزة واليوم يماثلها الطيران.
стр. 383
تفسير قوله تعالى: (ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره)
قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨١].
المعنى: وسخرنا لسليمان الريح عاصفة، شديدة الهبوب، تجري وتتحرك وتتنقل بأمره كما يريد ﴿إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء:٨١].
بكل بقعة من بقاع الأرض، والغاية والبداية التي باركنا فيها هي أرض الشام حيث سليمان، سخر الله له الريح العاصفة أي: الشديدة، وفيه آية أخرى: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص:٣٦]، والرخاء: اللينة، ومعنى ذلك: أنها تكون عاصفة عندما يريد حسب أمره وإرادته، وتكون لينة رخاء عندما يريد ذلك ويراه من المصلحة، وكيف كان فهذا هو الطيران الذي نراه الآن، سخر الله ذلك لسليمان قبل أن يخطر هذا على خاطر بشر، وكان يأتي إلى بساط صنعه الجن ونسجوه، قالوا: كان عرضه فراسخ وطوله فراسخ، فكان ينتقل فوقه بسلاحه وبجيوشه ومؤنته، وبما يحتاج إليه، وينتقل إليه مسافة شهر ذهاباً وإياباً، والريح التي تنقله حسب ما يراه، إن كانت المسافة والغاية بعيدة تكون الريح عاصفة، شديدة، قوية، وإن كان المكان قريباً تكون رخاء لينة.
وهذه الريح التي سخرها الله لسليمان هو ما سخر لنا في عصر الطائرة، فإنه لو وقف الهواء لسقطت، وهي تجري في الريح، وإذا وصلت إلى الغلاف الجوي من السماء لما أمكن نزولها إلا بآلات وصنعة جديدة، وقد تفجر وتبقى قطعها ضائعة في الهواء حيث لا ثقل للأبدان.
وهذا البساط مصنوع قيل: صنع من خشب، ومن سود، فالطائرات صنعت من خشب، وصنعت من سود، وصنعت من حديد، وصنعت من أنواع أخرى، ولولا الهواء الذي سخره الله لما طارت الطائرات، ولكن هذا كان في عصر سليمان معجزة؛ لأنه لم يصنع له شيئاً، ولم يعد له شيئاً، فكان معجزة لسليمان من الله، صنعها الله له، وقديماً قال أحد العلماء العارفين من المشاهير: لا تقوم الساعة حتى لا تبقى معجزة من المعجزات التي ذكرها الله للأنبياء إلا وتصبح شيئاً عادياً، لأن النبوات انتهت، ولا حاجة إلى معجزات إلا إذا كانت كرامات، والكرامات لا يتحدى بها، وآخر الأنبياء نبينا ﵊، فمعجزته الخالدة الدائمة هي هذا الكتاب العظيم الكريم، فكونه لم يغير ولم يبدل، وكونه أعجز البشر عن الإتيان بمثله لفظاً وعبارة، وأعجزهم عن الإتيان بمثله بما فيه من علوم ومعارف صادقت العلم قديماً وحديثاً، حذو القذة بالقذة، فلم تبق هناك حاجة إلى معجزة، وإنما تقع كرامة الأولياء، ولكن لا تحدي فيها، وهذا الفرق بين المعجزة والكرامة، المعجزة أتت من الأنبياء للإعجاز والتحدي، والكرامة لا يتحدى بها.
من هنا يقول: ما كان معجزة لن تنتهي الدنيا حتى يصبح شيئاً عادياً، ومن ذلك بساط سليمان، فنحن نطير الآن من قارة إلى قارة، بما لم يكد يخطر على بال الإنسان قبل أن يكون ذلك، لو رأى الطائرات آباؤنا وأجدادنا قد يصابون بمس في العقول، ويظنونها أولاً طائراً، فإذا أتوا إليها ورأوها حديداً وخشباً لم يقبلها تصورهم ألبتة، ونحن إنما قبلناها لأننا رأيناها وركبنا فيها، وامتطيناها، ورآها الجميع، ومنكرها يكون مجنوناً، هذا ما قال الله لنا: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ﴾ [فصلت:٥٣]، وهذه منها، وهذه كانت معجزة والآن شيئاً عادياً.
من ذلك، أيضاً قصة سليمان عندما جاءه الهدهد، فأخبره أنه رأى قوماً معتكفين على عبادة الشمس، ولا يؤمنون بالله، وإذا به يأمر الجن: أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل:٣٩ - ٤٠]، أي: قبل أن تتحرك أجفانك يكون أمامك، وقد كان، فقيل لها: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل:٤٢] وعندما دخلت الصرح كشفت عن ساقها وحسبته لجة، واضطرت للإيمان بالله إله سليمان.
هذا الذي حكاه الله أيضاً معجزة، إن بين صنعاء وأرض الشام آلاف الكيلو مترات، لكن الصواريخ اليوم والطيران الذي وصل إلى الأعالي يقطع هذا في لحظات، وليس ذلك معجزة، والذي يصنعها ليس مؤمناً، وهذا تأكيد للمعنى الذي قاله هذا العالم، وكان قد ذكر ذلك ولم يذكر أمثلة؛ لأن الأمثلة لم تكن بعد، قال: (لا تقوم الساعة حتى يصبح ما كان معجزة أمراً عادياً).
﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨١] بعلمه كان ذلك، بإذنه كان ذلك، وبتسخيره ﷻ كان ذلك.
стр. 384
تفسير قوله تعالى: (ومن الشياطين من يغوصون له)
قال تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ [الأنبياء:٨٢].
أي: كما سخر لسليمان الريح سخر له الجن، يغوصون في البحار فيأتونه بجواهرها ودررها.
قوله: ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأنبياء:٨٢].
أي: من محاريب وتماثيل وجفان، وكل بناء وغواص، يبنون ما يريد، وكان سليمان إذا أمر الجن بأمر، أو كلف بهم أحداً من ولاته، وأمرائه، وحكامه يقول له: إذا انتهى من شغل فأشغله بآخر، وإلا فسيعود ليخرب ما شغل؛ ولذلك إذا لم يكن له شيء يصفدهم في الأصفاد، لأن الشيطان من عمله التخريب لا الإصلاح، وهم دائماً يعملون هيبة لسليمان وخوفاً من بطشه.
قوله: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ [الأنبياء:٨٢].
أي: كان حافظاً لسليمان وجنده من فساد الشياطين وتخريبهم.
وفسِّر أيضاً (حافظين) من أن يخربوا ويفسدوا، ومن ذلك تصفيدهم بالأغلال والحديد من قبل سليمان؛ لكي لا يخربوا، وما عادوا للخراب والإفساد حتى مات سليمان، فانتشروا فرحين لتمام إفسادهم وتخريبهم في الأرض.
стр. 385
تفسير قوله تعالى: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر)
ذكر الله لنا الأنبياء الماضين آدم ونوحاً وموسى وهارون وداود وسليمان، وسنذكر أيوب وذا النون وزكريا، ثم مريم عليهم جميعاً وعلى نبينا الصلاة والسلام، ومن هنا سميت السورة بسورة الأنبياء.
قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣ - ٨٤].
هاتان الآيتان في قصة أيوب مختصرة، وقد مضت قبل، وأيوب هو نبي الله ورسوله، ضُرب المثل بصبره على أنواع البلاء وقد كان يملك من الدنيا ما لا يملكه الملوك، وكان له من الزوجات والأولاد ما لا حصر له، وكان له من كل نعم الأرض الكثير والكثير، والله الفاعل المختار لا يسأل عما يفعل، وإذا به ﷻ أراد أن يجعل من أيوب مثالاً للمبتلين، فأصابه في أمواله فذهبت وكأن لم تكن، ثم الأولاد والأهل جميعاً إلا امرأته، ثم ابتلي هو في جسده، ويقال بُلي بأنواع من الأمراض تساقط لها لحمه ورق عظمه إلى أن مله قومه ورموه على مزبلة، ولم يبق من المحيطين به إلا صديقان تابعان، وزوجته الحانية الوحيدة عليه.
طال بلاؤه سنوات، وهو في كل ذلك يحمد الله أن حفظ عليه لسانه يسبح الله ويمجده ويعظمه، وحفظ له قلبه ليبقى حاضراً في الذكر والعبادة لله.
طال البلاء فكانت زوجته تشتغل في البيوت لتأتيه بما يأكل، وامتنع الناس أن يعطوها، وإذا بيوم تأتي بظفائرها مقصوصة فقال لها: أين ظفائرك؟ قالت: بعتها لآتيك برغيف؛ فغضب في هذه الحالة عليها، وأقسم ليجلدنها مائة جلدة، فصبرت واحتسبت.
وذات يوم جاء هذان الصاحبان وكانا يترددان عليه، فقال أحدهما للآخر وأيوب يسمع وما كان يظنان أنه يسمع: هذا البلاء الذي أصاب الله به عبده أيوب لا شك أنه صنع معصية مع الله فعذّبه عليها بهذا البلاء.
فلما سمع ذلك آلمه أكثر مما هو فيه، وأخذ يجأر لربه: يا رب! لا أعلم أني ظلمت نفسي وأذنبت وأسأت، اللهم ارفع عني ما بي من ضر.
قوله: ﴿وَأَيُّوبَ﴾ [الأنبياء:٨٣] أي: اذكر أيوب يا محمد إن كنت قد صبرت على بلاء قومك حين شتموك، وكسروا رباعيتك، ورجموك بالحجارة في قدميك، وهجروك ثلاث سنوات في مكة إلى أن أكلت الشجر والنبات، اذكر ما كان بأيوب ومع ذلك صبر، ماذا أدركت؟ وماذا ابتليت مما ابتلي به أيوب؟ كان ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله، وعزاء لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله؛ ليأخذ من ذلك قوة وطاقة للبقاء باستمرار يدعو ويقاتل، ولا يبالي بأي بلاء بلي به.
وليبق أيوب مثالاً لكل مبتلى من المؤمنين؛ حتى لا تهتز عقيدته وإيمانه، ويعتقد أن الدنيا زائلة بما عليها وما فيها مهما كان، والعاقبة للمتقين.
سمع أيوب ما سمع فصاح: يا رب! اكشف ما بي من ضر قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣].
فأخذ أيوب ينادي ربه ويضرع على قدر ضعفه، ولكن كان لسانه لا يزال سليماً، وقلبه لا يزال حاضراً، فنادى ربه وتضرع إليه ودعاه: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣] فارحمني يا رب! وارفع ما بي يا رب!
стр. 386
تفسير قوله تعالى: (فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر)
قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ [الأنبياء:٨٤] كيف كان ذلك؟ عندما دعا أيوب وقد سمع ما سمعه من صاحبيه إذا بالله يقول له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص:٤٢] وجاء الفرج، فضرب الأرض فتفجرت عين فأخذ يغتسل بالماء الذي تفجّر عند قدميه، وما من غرفة ماء يصبها عليه إلا وتنزل بما فيها من أمراض من قيح وصديد ودم وضعف وهكذا إلى أن أصبح شاباً كما كان ابن عشرين سنة جمالاً وضياء وإشراقاً وقوة، وسواد شعر واكتمال قوة، فقد ذهبت الأمراض الظاهرة كلها وزالت، وأخذ يشرب، وإذا بالأمراض الباطنية جعلت تنزل من دبره، وإذا به يعود أصح ما كان قوة وشباباً، وكأنه لم يمرض يوماً.
ومن هنا يأخذ المبتلى المؤمن أنه مهما ابتلي الإنسان لا تزال الرحمة قائمة، فالله أرحم الراحمين يسمع هو الذي يرفع الضر وينجي منه، ويعود بالمغفرة والعافية والصحة كما عاد على أيوب ظاهراً وباطناً.
стр. 387
تفسير قوله تعالى: (وآتيناه أهله ومثلهم معهم)
قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [الأنبياء:٨٤].
ظاهر الآية يدل -كما يقول جمهور المفسرين- على أن الله أحياهم كأشب ما كانوا والأهل يُطلق على الزوجات والأولاد، فعاد الأولاد والنساء كأشب وأقوى ما كانوا عندما كانوا في الحياة.
قوله: ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [الأنبياء:٨٤] أكرمه الله بأن أعطاه ما كان، وضاعفه مثليه، وكيف كان الضعف؟ هؤلاء الزوجات أولدهن، وإذا بكل واحدة ولدت عشرين وثلاثين، فعوّض ما ضاع وازداد، وعوّضه ما ضاع من أراض وزروع وخيول، ومن كل ما كان عنده مضاعفاً.
قوله: ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الأنبياء:٨٤] ﵀ وأكرمه، واستجاب دعاءه، كما نرجو الله أن يرفع عن هذه الأمة وعنا هذا البلاء المبين، وتسلط اليهود والنصارى والمجرمين، وما كان ذلك إلا لعقوبة وذنب، كما قال النبي ﵊: (لم تكن عقوبة إلا بذنب)، وإلا فالله لا يكرهه شيء.
جاءت امرأة أيوب ووجدت شاباً جميلاً، ولم تجد المكان الذي كان فيه أيوب المبتلى المريض، وبحثت فكادت تتوله أين ذهب؟ هل جرته الكلاب؟ هل جرى له وجرى له؟ فسألت هذا الشاب الجالس القريب من المكان: أما رأيت أيوب المبتلى؟ فتبسم لها، فعندما تبسم قالت له: والله لكأنك هو وقت شبابه، وإن ابتسامتك ذكرتني بابتسامته، قال لها: أنا أيوب، فارتمت عليه معانقة: ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨٤].
هذا هو المغزى، وهذه دائماً خواتم الآي، فمعنى ذلك: قصصنا عليكم أيها المؤمنون قصة أيوب؛ لتكون ذكرى للعابدين إذا ابتلوا وامتحنوا وأصابهم ضر فلا ييئسوا من روح الله ورحمته: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧].
وهكذا تبقى قصة أيوب، وقد ذكرت في القرآن في غير ما آية وفي غير ما سورة، كما قال تعالى: ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨٤] أي: للمخلصين لله والقائمين على عبادة الله، والمؤمنين الصادقين الذين لا يشركون مع الله غيره، والذين لا يعبدونه رياء ولا سمعة؛ وهذا المغزى هو سر وروح الآية والقصة، ذكر ذلك لنبينا أولاً لتكون ذكرى له.
стр. 388
تفسير قوله تعالى: (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل)
ثم عاد الله فذكر لنا ثلاثة أنبياء في نسق فقال: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء:٨٥].
أي: واذكر يا محمد إسماعيل بن إبراهيم جدك الأعلى، وإدريس جد نوح و ﴿وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء:٨٥] أي صبروا على البلاء، وإسماعيل قد مضت قصته في مريم، كما مضت قصة إدريس ونعيدها ملخصة.
إسماعيل بن إبراهيم الولد البكر لإبراهيم، ومصطفى أولاد إبراهيم، وسيد أولاد إبراهيم، ما فوقه إلا أبوه إبراهيم وابنه محمد عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، وهو ابن هاجر والد عرب الحجاز، إسماعيل الذي وهبه الله لإبراهيم على كبر من هاجر الحرة البتول، لا كما يقول بنو إسرائيل في أضاليلهم وأكاذيبهم إنها جارية ومملوكة، وسارة كانت ابنة عم إبراهيم، وكانت لها مكانتها؛ لأنها انفردت من النساء عند المحنة على إبراهيم عندما قُذف في النار، انفردت من بين النساء ممن آمن به؛ فبقي مكرماً لها، وكانت تتمنى هي الولادة قبل هاجر، فعندما ولدت هاجر وسبقتها غارت منها، وخاف إبراهيم على ولده إسماعيل؛ فأوحى الله إليه أن يأتي به إلى هذه البلاد المكرمة المقدّسة، وأتى به إلى مكان زمزم جاء به ومعه أمه، فجاءوا على البراق فتركهم وأراد الرجوع، فأخذت تصيح هاجر: إلى أين يا إبراهيم؟ فلم يجبها، إلى أين يا إبراهيم؟ فلم يجبها، وإذا بها تقول: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم قالت: إذاً لا يضيعنا الله.
ذهب إبراهيم وكانت هذه الأرض بلقعاً خراباً لا ساكن فيها، ولا ماء ولا طائر، ولا هوام ولا حشرات عطش الوليد وهو لا يزال في شهوره الأولى، فذهلت أمه وكادت أن تجن، فلا يوجد من تستشيره ولا من تستغيث به من البشر، فذهبت إلى المكان الذي هو الآن الصفا والمروة، ووقفت على تلة الصفا، وأخذت تلتفت يميناً وشمالاً هل ترى من أحد؟! ثم نزلت مهرولة إلى أن وصلت المروة، وهكذا فعلت سبع مرات، ومن هنا كان أصل السعي بين الصفا والمروة ذكرى لهذا اليوم العظيم، وهذا اليوم العطر المعجز إرهاصاً لنبينا ﵊ قبل كونه بآلاف السنين.
عندما أتمت السبعة الأشواط -وهي على المروة- إذا بها ترى طيراً يحلّق على المكان الذي تركت فيه وليدها إسماعيل، وجاءت مهرولة وإذا بها تجد الماء عند قدميه؛ فإما أن جبريل ضربه بجناحه كما قالوا، أو الوليد إرهاصاً، وعلى عادة الأطفال تُحرك قدميها عند البكاء، وإذا بذلك التحريك يفجر الماء.
ثم جاءت ووجدت الماء قليلاً فخافت عليه أن يضيع وتتشربه الرمال، وأخذت تجمعه وتقول له: زم زم! أي: تجمع تجمع، ومن ذلك الوقت سمي زمزم، وقال نبينا ﵊: (لولا فعل هاجر للماء وقولها لها: زم زم لبقي نهراً سائحاً إلى يوم القيامة).
وهكذا القبائل المحيطة بأرض مكة رأت الطير فقالت: عهدنا بالطير لا يحلق إلا عند الماء ولا ماء هنا، فجاءوا فوجدوا الماء فاستأذنوها أن يشربوا معها، قالت لهم: لا مانع، فقالوا: هل نسكن معكِ؟ فقالت: لا مانع بشرط الماء لي، ولا يشركني فيه أحد قالوا: وافقنا، فوجدت بهم أنساً وبهجة وابتعاداً عن العزلة والوحشة، فكبر الولد وتزوج واستعرب، ومن هنا يقال: عرب مستعربة، لا أريد أن أحكي القصة بطولها فستأتي مرة أخرى تردد أبوه عليه وقد تزوج عربية من الجزيرة من الحجاز، جاء فلم يجده فسأل زوجته: أين إسماعيل؟ قالت: ذهب للصيد ليرتزق، سألها: كيف حالكِ؟ وكيف عيشتك؟ قالت: في شر عيشة قال: قولي لإسماعيل إذا جاء أن يغير عتبة بيته، جاء إسماعيل ليلاً وقد ذهب أبوه وعاد إلى الشام، جاء على البراق ورجع بالبراق وهو دابة الأنبياء، ووجد تغيراً في المنزل فسأل: هل حضر أحد؟ قالت: نعم.
قال: من؟ قالت: لا أعلم من هو، قال: ما صفته؟ فوصفته، فقال: ذاك أبي، ماذا قال لكِ؟ ومعنى (ذاك أبي) أنه كبر، وكان يتردد عليه ولا يعرف أباه لأنه لا يعرفه من زمن الطفولة وهو لا يزال رضيعاً في الأشهر الأولى، قالت: قال لي أقول لك: غيّر عتبة بيتك.
قال لها: أنتِ عتبة بيتي وأنت طالق، قد أمرني أبي بذلك.
ثم جاء سنة ثانية فوجد امرأة غيرها ولم يجد إسماعيل فسألها: كيف أنت؟ قالت: أنا بخير حال قال لها: كيف عيشك؟ قالت: على أحسن حال، قال: كيف زوجك؟ قالت: على أحسن عشرة، قال لها: قولي لإسماعيل: إذا أتى فليثبت عتبة بيته.
وهكذا جاء فقال لها: أنتِ عتبة بيتي وقد أمرني والدي بتثبيتك، وهكذا كبر الغلام، وأمر الله إبراهيم ومعه ولده إسماعيل ببناء الكعبة، فبُنيت، ثم رأى إبراهيم رؤيا أنه يذبح ولده، ومن هنا كان: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء:٨٥].
قال لولده وأصبح غلاماً يسعى معه: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فلَمَّا أسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٢ - ١٠٣] أي: أماله ليذبحه، فأنقذه الله وفداه بذبح عظيم أي: بكبش، فصبر على البلاء، وصبر على بناء الكعبة، وصبر على تقشف مكة والصحراء، فاستحق من الله أن يشيد به ويخلد مع الخالدين.
قال النبي ﵊: (إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل) لا كما يزعم اليهود أن إسحاق أفضل من إسماعيل، وجعلوا يتنقصون إسماعيل؛ وفي هذه الأشهر الأخيرة يتجولون على بلاد المسلمين بفلم سينمائي تمثيلي يتنقصون إسماعيل، ويشيدون بإسحاق عليهم لعائن الله تترا، ونحن نقول: إسماعيل نبي الله ورسوله، وإسحاق نبي الله، ولكن إسماعيل نبي ورسول، أما إسحاق فنبي فقط، وقد ذكر الله في سورة مريم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٤]، أما إسحاق فذكره بالنبوة فقط، وقال عنه النبي ﵊ بأن الله اصطفاه من أولاد إبراهيم، فهو سيد أولاد إبراهيم على الإطلاق.
قوله: ﴿وَإِدْرِيسَ﴾ [الأنبياء:٨٥] من إدريس؟ قيل إن اسمه: خنوخ، وإدريس هو جد والد نوح وأقدم منه، فإدريس أول من ألهم علم القلم والكتابة، وإدريس أول من أُلهم خياطة الثياب، وكان الناس قبله يلبسون الجلود، كالكثير من بلاد أفريقيا البدائية اليوم يأتون الجلد فيلبسونه، وقد لا يسترون إلا العورة إدريس أُلهم أن يخيط الثياب، فخاطها وعلمه أولاده وشعبه وأمته.
وقد قال الله عنه: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٧] رُفع إلى السماء الرابعة، حيث اجتمع به ﷺ في ليلة الإسراء، وهو ليس من أجداد الرسول ﵊، عندما قابله لم يقل له: مرحباً بالولد الصالح كما قال إبراهيم.
وإدريس رفع مكاناً علياً حياً كما قال الجمهور، وقال آخرون رُفع ولكنه بروحه وليس ببدنه، وحكوا قصة لم تثبت عندنا في السنة النبوية والأحاديث، ولم تذكر في القرآن، وقيل: إنه مات في السماء، وإنه رأى ملك الموت ينظر إليه، فتساءل: ما هي نظرة عزرائيل هذه؟ فحكى لبعض من عاصره ممن كان على صلة به، ولعله من الملائكة أيضاً قال له: ما أرى ملك الموت إلا يريد روحي أبعدني عنه إلى الأعالي! أخذه وحلّق به في الأجواء ليرفعه إلى السماء الرابعة، وإذا بملك الموت يفاجئه محمولاً وقد كاد يصل إلى السماوات، فعجب وسأله من معه أن يرجئ موته إن كان مكلفاً بذلك، قال: أنا عندما رأيت إليه عجبت لأنني مكلف بأخذ روحه في السماء ورأيته في الأرض، وهذا بعد لحظات، وأين الأرض من السماء؟ ومتى سيصل إليها؟ فأخذ يرجوه أن يؤجله فالتفت فوجده ميتاً، هذا الكلام قد قيل: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ﴾ [الأنبياء:٨٥].
стр. 389
تفسير سورة الأنبياء [٨٥ - ٨٨]
وممن يذكرهم الله للتأسي بهم إسماعيل وإدريس وذو الكفل، وفي كل منهم أسوة في الصبر على الطاعات والابتلاءات، وكذلك سيدنا يونس ﵇ فإنه غاضب ربه فابتلاه فتاب ودعا وهو في الكرب العظيم.
стр. 390
تفسير قوله تعالى: (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل)
قال الله ﷻ : ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء:٨٥].
لا نزال مع أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم، يعطّر الله تعالى مجالسنا بذكرهم وسيرهم وهديهم؛ ليكونوا لنا نعم الأسوة والقدوة.
قوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ﴾ [الأنبياء:٨٥] أي: اذكر يا محمد مع ما ذُكر لك من أنبياء الله إسماعيل وإدريس وذا الكفل، فهم كذلك من أنبياء الله المكرمين الذين أكرمهم الله بالنبوة والرسالة والعصمة، وجعلهم الدعاة عنه إلى عبادته وتوحيده، ولخروج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة إلى الهدى.
قوله: (وإسماعيل وإدريس) قد ذكرنا عنهما بالأمس ما فيه كفاية.
قوله: ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ [الأنبياء:٨٥] اختلف علماؤنا ومفسرونا هل هو صدّيق وولي من الصالحين، أم هو نبي من الأنبياء؟ وذكره مع الأنبياء يدل على أنه نبي، ولكن جمهور المفسرين يقولون عنه: لقد كان صالحاً وصدّيقاً، ولقد كان عبداً صابراً على عبادة ربه، ولم يكن نبياً، وأحد أنبياء بني إسرائيل الذين عاصروه وكانوا يحكمون قرب أجله، فأراد أن يوصي بالقيام على حكم عشائرهم وقبائلهم حسب أمر الله ديناً وطاعة ودعوة إليه، فحضر النبي وجمع حوله قومه وقال: من منكم يلتزم لي بثلاث أخلفه بعدي؟ فلم يستجب إلا رجل تزدريه العين وقال: أنا يا نبي الله! قال: أتصوم يومك ولا تفطر، وتصلي ليلك ولا تنام، وتحكم بين الناس ولا تغضب؟ قال: نعم، فسكت عنه، فأعاد في اليوم الثاني فلم يقم إلا هذا، واليوم الثالث فلم يقم إلا هذا، فعند ذلك خلّفه وأوصاه.
وكان هذا الولي الصالح قد التزم بصدق وصبر على ما طلب منه نبيه، وما كاد يموت نبيه ﵇ حتى حكم بعده بقسط وبإنصاف، ولم يغضب في خصومة.
وقد كان يصلي ليله، ويصوم نهاره، ويصبر، ولا يكل ولا يمل، فسمي من أجل ذلك ذا الكفل، أي: تكفّل بشيء والتزمه وقام به، وذو الكفل أي: صاحب الكفالة والضمان الذي التزم بأشياء فقام بها أحسن قيام والتزام، فاستحق بذلك التنويه من الله ﷻ ، وذكره ضمن الأنبياء في هذه السورة الكريمة، وقد وصف الله إسماعيل وإدريس وذا الكفل، وقال عن الثلاثة: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء:٨٥].
صبر إسماعيل على الذبح عندما طلب منه أبوه ذلك، ولكن الله فداه بذبح عظيم، وصبر إدريس على ما صبر عليه من عنف قومه وصدهم، وخدمة قومه، ودعوتهم إلى الله ليله ونهاره ومدى حياته، حضراً وسفراً، فلم يكل ولم يمل ولم يضجر، وصبر ذو الكفل على ما أوصاه به نبيه من عبادة دائمة ليل نهار، ومن العدل بين الناس إذا ترافعوا إليه، فكانوا بذلك قد استحقوا فضلاً من ربهم أن ينوه بهم أبد الآباد وما دامت الدنيا، فقال عنهم: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء:٨٥].
следующие страницы →