Полный текст (2 442 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
تفسير قوله تعالى: (فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر)
قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ [الأنبياء:٨٤] كيف كان ذلك؟ عندما دعا أيوب وقد سمع ما سمعه من صاحبيه إذا بالله يقول له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص:٤٢] وجاء الفرج، فضرب الأرض فتفجرت عين فأخذ يغتسل بالماء الذي تفجّر عند قدميه، وما من غرفة ماء يصبها عليه إلا وتنزل بما فيها من أمراض من قيح وصديد ودم وضعف وهكذا إلى أن أصبح شاباً كما كان ابن عشرين سنة جمالاً وضياء وإشراقاً وقوة، وسواد شعر واكتمال قوة، فقد ذهبت الأمراض الظاهرة كلها وزالت، وأخذ يشرب، وإذا بالأمراض الباطنية جعلت تنزل من دبره، وإذا به يعود أصح ما كان قوة وشباباً، وكأنه لم يمرض يوماً.
ومن هنا يأخذ المبتلى المؤمن أنه مهما ابتلي الإنسان لا تزال الرحمة قائمة، فالله أرحم الراحمين يسمع هو الذي يرفع الضر وينجي منه، ويعود بالمغفرة والعافية والصحة كما عاد على أيوب ظاهراً وباطناً.
стр. 387
تفسير قوله تعالى: (وآتيناه أهله ومثلهم معهم)
قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [الأنبياء:٨٤].
ظاهر الآية يدل -كما يقول جمهور المفسرين- على أن الله أحياهم كأشب ما كانوا والأهل يُطلق على الزوجات والأولاد، فعاد الأولاد والنساء كأشب وأقوى ما كانوا عندما كانوا في الحياة.
قوله: ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [الأنبياء:٨٤] أكرمه الله بأن أعطاه ما كان، وضاعفه مثليه، وكيف كان الضعف؟ هؤلاء الزوجات أولدهن، وإذا بكل واحدة ولدت عشرين وثلاثين، فعوّض ما ضاع وازداد، وعوّضه ما ضاع من أراض وزروع وخيول، ومن كل ما كان عنده مضاعفاً.
قوله: ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الأنبياء:٨٤] ﵀ وأكرمه، واستجاب دعاءه، كما نرجو الله أن يرفع عن هذه الأمة وعنا هذا البلاء المبين، وتسلط اليهود والنصارى والمجرمين، وما كان ذلك إلا لعقوبة وذنب، كما قال النبي ﵊: (لم تكن عقوبة إلا بذنب)، وإلا فالله لا يكرهه شيء.
جاءت امرأة أيوب ووجدت شاباً جميلاً، ولم تجد المكان الذي كان فيه أيوب المبتلى المريض، وبحثت فكادت تتوله أين ذهب؟ هل جرته الكلاب؟ هل جرى له وجرى له؟ فسألت هذا الشاب الجالس القريب من المكان: أما رأيت أيوب المبتلى؟ فتبسم لها، فعندما تبسم قالت له: والله لكأنك هو وقت شبابه، وإن ابتسامتك ذكرتني بابتسامته، قال لها: أنا أيوب، فارتمت عليه معانقة: ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨٤].
هذا هو المغزى، وهذه دائماً خواتم الآي، فمعنى ذلك: قصصنا عليكم أيها المؤمنون قصة أيوب؛ لتكون ذكرى للعابدين إذا ابتلوا وامتحنوا وأصابهم ضر فلا ييئسوا من روح الله ورحمته: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧].
وهكذا تبقى قصة أيوب، وقد ذكرت في القرآن في غير ما آية وفي غير ما سورة، كما قال تعالى: ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨٤] أي: للمخلصين لله والقائمين على عبادة الله، والمؤمنين الصادقين الذين لا يشركون مع الله غيره، والذين لا يعبدونه رياء ولا سمعة؛ وهذا المغزى هو سر وروح الآية والقصة، ذكر ذلك لنبينا أولاً لتكون ذكرى له.
стр. 388
تفسير قوله تعالى: (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل)
ثم عاد الله فذكر لنا ثلاثة أنبياء في نسق فقال: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء:٨٥].
أي: واذكر يا محمد إسماعيل بن إبراهيم جدك الأعلى، وإدريس جد نوح و ﴿وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء:٨٥] أي صبروا على البلاء، وإسماعيل قد مضت قصته في مريم، كما مضت قصة إدريس ونعيدها ملخصة.
إسماعيل بن إبراهيم الولد البكر لإبراهيم، ومصطفى أولاد إبراهيم، وسيد أولاد إبراهيم، ما فوقه إلا أبوه إبراهيم وابنه محمد عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، وهو ابن هاجر والد عرب الحجاز، إسماعيل الذي وهبه الله لإبراهيم على كبر من هاجر الحرة البتول، لا كما يقول بنو إسرائيل في أضاليلهم وأكاذيبهم إنها جارية ومملوكة، وسارة كانت ابنة عم إبراهيم، وكانت لها مكانتها؛ لأنها انفردت من النساء عند المحنة على إبراهيم عندما قُذف في النار، انفردت من بين النساء ممن آمن به؛ فبقي مكرماً لها، وكانت تتمنى هي الولادة قبل هاجر، فعندما ولدت هاجر وسبقتها غارت منها، وخاف إبراهيم على ولده إسماعيل؛ فأوحى الله إليه أن يأتي به إلى هذه البلاد المكرمة المقدّسة، وأتى به إلى مكان زمزم جاء به ومعه أمه، فجاءوا على البراق فتركهم وأراد الرجوع، فأخذت تصيح هاجر: إلى أين يا إبراهيم؟ فلم يجبها، إلى أين يا إبراهيم؟ فلم يجبها، وإذا بها تقول: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم قالت: إذاً لا يضيعنا الله.
ذهب إبراهيم وكانت هذه الأرض بلقعاً خراباً لا ساكن فيها، ولا ماء ولا طائر، ولا هوام ولا حشرات عطش الوليد وهو لا يزال في شهوره الأولى، فذهلت أمه وكادت أن تجن، فلا يوجد من تستشيره ولا من تستغيث به من البشر، فذهبت إلى المكان الذي هو الآن الصفا والمروة، ووقفت على تلة الصفا، وأخذت تلتفت يميناً وشمالاً هل ترى من أحد؟! ثم نزلت مهرولة إلى أن وصلت المروة، وهكذا فعلت سبع مرات، ومن هنا كان أصل السعي بين الصفا والمروة ذكرى لهذا اليوم العظيم، وهذا اليوم العطر المعجز إرهاصاً لنبينا ﵊ قبل كونه بآلاف السنين.
عندما أتمت السبعة الأشواط -وهي على المروة- إذا بها ترى طيراً يحلّق على المكان الذي تركت فيه وليدها إسماعيل، وجاءت مهرولة وإذا بها تجد الماء عند قدميه؛ فإما أن جبريل ضربه بجناحه كما قالوا، أو الوليد إرهاصاً، وعلى عادة الأطفال تُحرك قدميها عند البكاء، وإذا بذلك التحريك يفجر الماء.
ثم جاءت ووجدت الماء قليلاً فخافت عليه أن يضيع وتتشربه الرمال، وأخذت تجمعه وتقول له: زم زم! أي: تجمع تجمع، ومن ذلك الوقت سمي زمزم، وقال نبينا ﵊: (لولا فعل هاجر للماء وقولها لها: زم زم لبقي نهراً سائحاً إلى يوم القيامة).
وهكذا القبائل المحيطة بأرض مكة رأت الطير فقالت: عهدنا بالطير لا يحلق إلا عند الماء ولا ماء هنا، فجاءوا فوجدوا الماء فاستأذنوها أن يشربوا معها، قالت لهم: لا مانع، فقالوا: هل نسكن معكِ؟ فقالت: لا مانع بشرط الماء لي، ولا يشركني فيه أحد قالوا: وافقنا، فوجدت بهم أنساً وبهجة وابتعاداً عن العزلة والوحشة، فكبر الولد وتزوج واستعرب، ومن هنا يقال: عرب مستعربة، لا أريد أن أحكي القصة بطولها فستأتي مرة أخرى تردد أبوه عليه وقد تزوج عربية من الجزيرة من الحجاز، جاء فلم يجده فسأل زوجته: أين إسماعيل؟ قالت: ذهب للصيد ليرتزق، سألها: كيف حالكِ؟ وكيف عيشتك؟ قالت: في شر عيشة قال: قولي لإسماعيل إذا جاء أن يغير عتبة بيته، جاء إسماعيل ليلاً وقد ذهب أبوه وعاد إلى الشام، جاء على البراق ورجع بالبراق وهو دابة الأنبياء، ووجد تغيراً في المنزل فسأل: هل حضر أحد؟ قالت: نعم.
قال: من؟ قالت: لا أعلم من هو، قال: ما صفته؟ فوصفته، فقال: ذاك أبي، ماذا قال لكِ؟ ومعنى (ذاك أبي) أنه كبر، وكان يتردد عليه ولا يعرف أباه لأنه لا يعرفه من زمن الطفولة وهو لا يزال رضيعاً في الأشهر الأولى، قالت: قال لي أقول لك: غيّر عتبة بيتك.
قال لها: أنتِ عتبة بيتي وأنت طالق، قد أمرني أبي بذلك.
ثم جاء سنة ثانية فوجد امرأة غيرها ولم يجد إسماعيل فسألها: كيف أنت؟ قالت: أنا بخير حال قال لها: كيف عيشك؟ قالت: على أحسن حال، قال: كيف زوجك؟ قالت: على أحسن عشرة، قال لها: قولي لإسماعيل: إذا أتى فليثبت عتبة بيته.
وهكذا جاء فقال لها: أنتِ عتبة بيتي وقد أمرني والدي بتثبيتك، وهكذا كبر الغلام، وأمر الله إبراهيم ومعه ولده إسماعيل ببناء الكعبة، فبُنيت، ثم رأى إبراهيم رؤيا أنه يذبح ولده، ومن هنا كان: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء:٨٥].
قال لولده وأصبح غلاماً يسعى معه: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فلَمَّا أسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٢ - ١٠٣] أي: أماله ليذبحه، فأنقذه الله وفداه بذبح عظيم أي: بكبش، فصبر على البلاء، وصبر على بناء الكعبة، وصبر على تقشف مكة والصحراء، فاستحق من الله أن يشيد به ويخلد مع الخالدين.
قال النبي ﵊: (إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل) لا كما يزعم اليهود أن إسحاق أفضل من إسماعيل، وجعلوا يتنقصون إسماعيل؛ وفي هذه الأشهر الأخيرة يتجولون على بلاد المسلمين بفلم سينمائي تمثيلي يتنقصون إسماعيل، ويشيدون بإسحاق عليهم لعائن الله تترا، ونحن نقول: إسماعيل نبي الله ورسوله، وإسحاق نبي الله، ولكن إسماعيل نبي ورسول، أما إسحاق فنبي فقط، وقد ذكر الله في سورة مريم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٤]، أما إسحاق فذكره بالنبوة فقط، وقال عنه النبي ﵊ بأن الله اصطفاه من أولاد إبراهيم، فهو سيد أولاد إبراهيم على الإطلاق.
قوله: ﴿وَإِدْرِيسَ﴾ [الأنبياء:٨٥] من إدريس؟ قيل إن اسمه: خنوخ، وإدريس هو جد والد نوح وأقدم منه، فإدريس أول من ألهم علم القلم والكتابة، وإدريس أول من أُلهم خياطة الثياب، وكان الناس قبله يلبسون الجلود، كالكثير من بلاد أفريقيا البدائية اليوم يأتون الجلد فيلبسونه، وقد لا يسترون إلا العورة إدريس أُلهم أن يخيط الثياب، فخاطها وعلمه أولاده وشعبه وأمته.
وقد قال الله عنه: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٧] رُفع إلى السماء الرابعة، حيث اجتمع به ﷺ في ليلة الإسراء، وهو ليس من أجداد الرسول ﵊، عندما قابله لم يقل له: مرحباً بالولد الصالح كما قال إبراهيم.
وإدريس رفع مكاناً علياً حياً كما قال الجمهور، وقال آخرون رُفع ولكنه بروحه وليس ببدنه، وحكوا قصة لم تثبت عندنا في السنة النبوية والأحاديث، ولم تذكر في القرآن، وقيل: إنه مات في السماء، وإنه رأى ملك الموت ينظر إليه، فتساءل: ما هي نظرة عزرائيل هذه؟ فحكى لبعض من عاصره ممن كان على صلة به، ولعله من الملائكة أيضاً قال له: ما أرى ملك الموت إلا يريد روحي أبعدني عنه إلى الأعالي! أخذه وحلّق به في الأجواء ليرفعه إلى السماء الرابعة، وإذا بملك الموت يفاجئه محمولاً وقد كاد يصل إلى السماوات، فعجب وسأله من معه أن يرجئ موته إن كان مكلفاً بذلك، قال: أنا عندما رأيت إليه عجبت لأنني مكلف بأخذ روحه في السماء ورأيته في الأرض، وهذا بعد لحظات، وأين الأرض من السماء؟ ومتى سيصل إليها؟ فأخذ يرجوه أن يؤجله فالتفت فوجده ميتاً، هذا الكلام قد قيل: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ﴾ [الأنبياء:٨٥].
стр. 389
تفسير سورة الأنبياء [٨٥ - ٨٨]
وممن يذكرهم الله للتأسي بهم إسماعيل وإدريس وذو الكفل، وفي كل منهم أسوة في الصبر على الطاعات والابتلاءات، وكذلك سيدنا يونس ﵇ فإنه غاضب ربه فابتلاه فتاب ودعا وهو في الكرب العظيم.
стр. 390
تفسير قوله تعالى: (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل)
قال الله ﷻ : ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء:٨٥].
لا نزال مع أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم، يعطّر الله تعالى مجالسنا بذكرهم وسيرهم وهديهم؛ ليكونوا لنا نعم الأسوة والقدوة.
قوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ﴾ [الأنبياء:٨٥] أي: اذكر يا محمد مع ما ذُكر لك من أنبياء الله إسماعيل وإدريس وذا الكفل، فهم كذلك من أنبياء الله المكرمين الذين أكرمهم الله بالنبوة والرسالة والعصمة، وجعلهم الدعاة عنه إلى عبادته وتوحيده، ولخروج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة إلى الهدى.
قوله: (وإسماعيل وإدريس) قد ذكرنا عنهما بالأمس ما فيه كفاية.
قوله: ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ [الأنبياء:٨٥] اختلف علماؤنا ومفسرونا هل هو صدّيق وولي من الصالحين، أم هو نبي من الأنبياء؟ وذكره مع الأنبياء يدل على أنه نبي، ولكن جمهور المفسرين يقولون عنه: لقد كان صالحاً وصدّيقاً، ولقد كان عبداً صابراً على عبادة ربه، ولم يكن نبياً، وأحد أنبياء بني إسرائيل الذين عاصروه وكانوا يحكمون قرب أجله، فأراد أن يوصي بالقيام على حكم عشائرهم وقبائلهم حسب أمر الله ديناً وطاعة ودعوة إليه، فحضر النبي وجمع حوله قومه وقال: من منكم يلتزم لي بثلاث أخلفه بعدي؟ فلم يستجب إلا رجل تزدريه العين وقال: أنا يا نبي الله! قال: أتصوم يومك ولا تفطر، وتصلي ليلك ولا تنام، وتحكم بين الناس ولا تغضب؟ قال: نعم، فسكت عنه، فأعاد في اليوم الثاني فلم يقم إلا هذا، واليوم الثالث فلم يقم إلا هذا، فعند ذلك خلّفه وأوصاه.
وكان هذا الولي الصالح قد التزم بصدق وصبر على ما طلب منه نبيه، وما كاد يموت نبيه ﵇ حتى حكم بعده بقسط وبإنصاف، ولم يغضب في خصومة.
وقد كان يصلي ليله، ويصوم نهاره، ويصبر، ولا يكل ولا يمل، فسمي من أجل ذلك ذا الكفل، أي: تكفّل بشيء والتزمه وقام به، وذو الكفل أي: صاحب الكفالة والضمان الذي التزم بأشياء فقام بها أحسن قيام والتزام، فاستحق بذلك التنويه من الله ﷻ ، وذكره ضمن الأنبياء في هذه السورة الكريمة، وقد وصف الله إسماعيل وإدريس وذا الكفل، وقال عن الثلاثة: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء:٨٥].
صبر إسماعيل على الذبح عندما طلب منه أبوه ذلك، ولكن الله فداه بذبح عظيم، وصبر إدريس على ما صبر عليه من عنف قومه وصدهم، وخدمة قومه، ودعوتهم إلى الله ليله ونهاره ومدى حياته، حضراً وسفراً، فلم يكل ولم يمل ولم يضجر، وصبر ذو الكفل على ما أوصاه به نبيه من عبادة دائمة ليل نهار، ومن العدل بين الناس إذا ترافعوا إليه، فكانوا بذلك قد استحقوا فضلاً من ربهم أن ينوه بهم أبد الآباد وما دامت الدنيا، فقال عنهم: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء:٨٥].
стр. 391
تفسير قوله تعالى: (وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين)
قال تعالى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء:٨٦].
أدخلهم الله ﷻ في رحمته بما أكرمهم به من نبوة ورسالة ودعوة إليه، فدخلوا في الرحمة، ودخلوا في الطاعة، ودخلوا في الرضا بما استحقوا من أجله الجنة والرضا والخلود الدائم بالجنان مع النبيين والمرسلين.
﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء:٨٦] هم من الصالحين للنبوة، ومن الصالحين للرسالة، ومن الصالحين للرحمة، أي: هم أهل لذلك، ولذلك أهّلهم الله تعالى بما أكرمهم به، وأدخلهم في عباده الصالحين والصابرين.
стр. 392
تفسير قوله تعالى: (وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه)
قال الله ﷻ : ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧].
واذكر يا محمد! واذكر يا تالي هذا الكتاب الكريم من المؤمنين والمسلمين، الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، اذكر مع الأنبياء الماضين ذا النون، وذو: صاحب، والنون: الحوت، وذو النون هو يونس بن متى، لقّبه الله تعالى بذي النون لقصته مع النون عندما ذهب مغاضباً، فجوزي بأن يزدرده الحوت، ويعيش في بطنه زمناً الله أعلم بتقديره: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء:٨٧] أي: يونس بن متى إذ ذهب مغاضباً، ما قصة ذي النون؟ ذو النون أرسله الله إلى مائة ألف أو يزيدون، أُرسل في نينوى في أرض العراق من أرض الموصل إلى أقوام كانوا يسكنون في هذه النواحي، أرسله إليهم نبياً رسولاً وداعياً إلى الله، دعاهم وأطال الدعوة، ومكث بينهم دهراً، وإذا بهم لا يستجيبون؛ فضجر وضاق وغضب منهم، وتركهم وأنذرهم بعذاب الله لمدة أيام ثلاثة، حيث لم يستجيبوا لرسالته ولا لدعوته، ذهب اليوم الأول ثم ذهب في اليوم الثاني، وإذا باليوم الثالث يجتمع قومه ويتفقون على أن يخرجوا إلى الصحاري ومعهم أطفالهم ودوابهم وكل حي يتحرك وينبس، وقد قال لهم حكماؤهم: إن كان يونس بن متى نبياً صدقاً فالنبي إذا دعا الله على أحد أو دعاه لأحد يستجيب الله دعاءه، فلنذهب إلى الله ونضرع إليه ألا يعاقبنا ويعذّبنا، ومضت الأيام الثلاثة واستجاب الله دعاء قوم يونس؛ فصرف عنهم العذاب والمقت، فلم يجر عليهم عذاب، فغضب منهم عندما لم يحدث ذلك، وظن أنهم سيعتبرونه مدّعياً كاذباً لا شأن له، ولم تستجب دعوته.
وقيل: ذهب مغاضباً ربه، إن قلنا: مغاضباً لقومه، فالمغاضبة مفاعلة أي: ارتكبوا ما يُغضب؛ فغضب، فالغضب والمغاضبة منهم جميعاً، وإذا ذكرنا غاضب ربه فالكلمة ليست على تصريفها أي: غضب من ربه، ومعنى كونه (غضب) أي: عتب على ربه كيف يترك دعوته مع هؤلاء الذين عصوه وخالفوه؟! ثم بعد ذلك عندما دعوا وتضرعوا صرف الله عنهم العذاب الذي دعا به يونس، وعلى أي اعتبار فقد ذهب مغاضباً لربه، فهو عتاب منه لربه وللأنبياء، والرسل دالة على الله، وإن كان غضب على قومه فالأمر سهل والخطب يسير.
ذهب وإذا به يجد نفسه على شاطئ بحر، وإذا بسفينة تأخذ الركاب فيصعد السفينة، وإذا بالأمواج تتلاطم بالسفينة، وتترنح بها يميناً وشمالاً، وأماماً وخلفاً، تكاد السفينة أن تغرق، فقال ربان السفينة: السفينة تحمل أثقالاً، ولا بد أن نخفف بعض أثقالها، ولا بد أن نُلقي في البحر بعض الركاب؛ لينجو الباقون، فضربوا القرعة، وإذا بالقرعة تخرج فيه أن يُلقى للبحر، فقال ركاب السفينة: هذا الرجل الصالح لا يليق أن يُقذف في البحر، فأعادوا القرعة مرة ثانية فخرجت عليه، فعادوا فقالوا: لا يجوز أن نقذف بهذا الرجل الصالح في البحر، فأعادوا وضربوا القرعة مرة ثالثة فخرجت في يونس بن متى، عند ذلك رأى أن أمر الله لا محيد عنه، فقذفوه للبحر، وإذا بحوت كبير يتلقفه ويزدرده.
وقد روينا عن نبينا ﵊ في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجة والحاكم أن الله قال للحوت: (لا تأكل له لحماً ولا تكسر له عظماً، وهو سجين في بطنك) فذهب به الحوت إلى قعر البحار، وإذا بيونس كان يظن أنه قد مات وإذا به يشعر أن رجله أخذت تتحرك، وأن يده أخذت تتحرك، وحينئذٍ أخذ يضرع إلى الله، وعلم أنه أتي من غضبه، فأخذ يستغيث ويعترف بخطيئته، وأخذ يضرع إلى الله أن ينجيه مما هو فيه، فقال تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنبياء:٨٧] والقصة مطوية بين هاتين الفقرتين يدل عليها السياق، أي: إذ ذهب مغاضباً فركب السفينة، فضُربت القرعة، فقذف في البحر فأصبح في جوف الحوت في ظلمات ثلاث: ظلمة بطن الحوت، وظلمة الليل، والظلمة الثالثة قالوا: حوت داخل حوت، الحوت الذي ابتلعه وازدرده جاء حوت أكبر منه فازدرده بيونس الذي في بطنه، فكانت الظلمات ثلاثاً.
فأخذ يجأر إلى الله ويضرع، قال تعالى: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنبياء:٨٧] ضرع ودعا ربه وهو في هذه الظلمات الثلاث في قعر البحار.
ومعنى (ظن أن لن نقدر عليه) على ظاهرها: أنه ظن أن الله لا يقدر عليه، وهذه لا تكون من مسلم فضلاً عن نبي، ولكن المعنى ليس كذلك، بل المعنى: ظن أن لن نضيّق عليه، ولن نعاقبه، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد:٢٦] أي: يبسط الرزق ويوسعه لمن شاء، ويقدره ويضيقه بالفقر والتقصير على من شاء؛ ومعنى (يقدر) هنا يضيق.
فظن يونس النبي الرسول أنه لن يُضيّق عليه، ولن يُحبس، ولن يُعاقب، ولكنه لما كانت حسنات المقربين سيئات الأبرار لم تقبل هذه منه، لم يُغاضب ربه؟ ولم يُغاضب قومه؟ ولا بد أن يصبر.
ولذلك قال الله لنبيه ﵊: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم:٤٨] أي: كن حازماً، وذا عزيمة، وكن ذا صبر وإرادة، وإياك أن تفقد صبرك كما فقده يونس بن متى صاحب الحوت؛ فلم يكن من أولي العزم.
قوله: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧] ظن ودخل بباله أن الله لن يضيّق عليه، ولن يحبسه ويعاقبه، فذهب مغاضباً وإذا به ضُيّق عليه وأُلقي في البحر، وقُذف وازدرده الحوت وبلعه، وإذا به يشعر بذلك فيعود للتوبة والدعاء والضراعة، وينادي ربه في هذه الظلمات الثلاث، فيقول: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧].
أي: أنزهك وأعظمك وأبجّلك، وأسجد وأضرع لك، فأنا العبد المفتقر إلى رحمتك ومغفرتك، أنت الرب الذي لا إله سواك، وأنت الذي صنعت بي هذا فارفعه عني، فأنا تائب إليك: ﴿إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] واعترف لربه أنه ظلم نفسه بالمغاضبة وعدم الصبر، وما كان ينبغي ذلك من نبي ورسول: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧].
стр. 393
تفسير قوله تعالى: (فاستجبنا له ونجيناه من الغم)
قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء:٨٨] استجبنا لدعائه وحققنا رغبته، وقبلنا ضراعته وتوبته.
﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ [الأنبياء:٨٨].
والغم أشد أنواع الهم والحزن والألم، فكان حزناً وغماً لندمه حزناً وغماً لقذفه في بطن الحوت في قعر ظلمات البحر والحيتان والليل، فنادى الله تعالى أن يصرف عنه غمه وكربه، وأنه معترف بظلمه، فقال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٨].
وهذا مغزى القصة والآية أي: كما نجينا ذا النون من ظلمات البحر عندما تاب وأناب، ﴿كَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٨] الذين يقعون فيما وقع فيه ذو النون عندما يبتلون بمعصية، ثم يتوبون ويقولون ما قال ذو النون: ﴿أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧].
أي: أنزهك وأعظمك وأسجد لك وأمجدك.
وجاء عن رسول الله ﵊ من طريق سعد بن أبي وقاص كما في الصحيح والسنن: (إنه الاسم الذي إذا دُعي الله به أجاب، وإذا سئل أعطى).
وقد قال الحسن البصري: اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل أعطى دُعاء ذي النون: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧].
وقد قال هذا نبي الله صلوات الله وسلامه عليه، ثم قرأ الآية: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٨] عندما قال في الظلمات: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧].
هذه قصة يونس بن متى نبي الله المرسل إلى مائة ألف أو يزيدون في أرض العراق، والذي غاضب ربه وغاضب أمة دعوته فعوتب بهذا، ثم تاب وأناب.
ولا نقول: الغضب جريمة بالنسبة للعموم، فالغضب: حالة تفاعلية نفسية، ولكن بما أن ذا النون نبي رسول ﵊ كان ينبغي أن يصبر، وأن يعزم ولا يفعل ذلك، وعندما فعله عوتب؛ وهكذا كما يقول العارفون بالله: حسنات الأبرار سيئات المقربين، قد لا يحاسب عموم الناس على الغضب إذا لم يتجاوزوا حدهم وقت الغضب، فيسيئون أو يذنبون؛ أما الأنبياء فالأمر ليس كذلك، وطالما كان ﵊ يأتيه المسلمون فيطلبون منه أن يدعو لهم وأن يوصيهم، وكان طبيباً نفسياً وروحياً صلوات الله وسلامه عليه، فقد أتاه يوماً من قال له: (يا رسول الله! أوصني وأوجز حتى لا أنسى، قال: لا تغضب) يطلبه ثلاثاً ويجيبه ثلاثاً بـ (لا تغضب)؛ لأن النبي ﵊ علم من حال هذا الرجل أنه إذا أتي سيؤتى من الغضب، فقد كان يغضب لأي شيء، وقد يفعل ساعة الغضب ما لا يفعله ساعة الرضا، وإذا غضب وصنع ما صنع قد تقع الكارثة خلال ثانية واحدة، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى، فإنه إذا فعل المصيبة لا ينفعه بعد ذلك شيء، كمن يأتيك ويستشيرك ويكثر هذا: فلان طلّق ثلاثاً، فلاناً طلّق واحدة فيريد أن يلقنك فيقول: كنت غضبان فيكون
الجواب
لم تغضب؟ وإذا غضبت تمالك نفسك وإرادتك، لم سمي العقل عقلاً؟ ليعقلك عن الضر والظلم، وعن الإيذاء، فإذا نحن سامحنا كل غاضب ضاعت الأحكام، وضاعت الأيمان فنقول له: جزاؤك لغضبك أن تُطلق عليك زوجتك.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٨] وهكذا الله علمنا ﷻ في مغزى هذه القصة إذا غضب أحدنا وصدر عنه ما صدر، ووقع في ورطة أو في غم أن يدعو بدعاء نبي الله يونس بن متى.
وقبل سنة تقريباً حدثت جريمة في الجو، حيث صودرت طائرة تحمل مجموعة من المسئولين من بلاد المسلمين، وذاك المجرم قد أراد نسفها في الجو أو قتلهم بعد النزول في الأرض مع تواطئ بعض المسئولين المجرمين الذين لا يقدرون العواقب، فقص علينا القصة أحد هؤلاء المسئولين من المقربين لبلادنا أو منها، حيث قال: في تلك الساعة وأنا أشعر أنني بين يدي الوحش المفترس تذكرت دعاء ذي النون، وإذا بي أجد نفسي تقول ذلك بكل حواسي، وبكل خلايا جسمي، وأضرع وأقول: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] وإذا الوضع كله يتغير، وإذا به يسلم ويسلم من معه ولا يحدث لهم شيء كما لم يحدث لذي النون.
ثم أنقذ الله ذا النون وأتى الحوت به إلى الشاطئ وقذفه، وهكذا ألقي عرياناً كالفرخ الذي لم يكن له ريش، وهكذا حدث، وبعد ذلك كسي، وعاد إلى قومه ودعاهم إلى الله، ووجدهم قد أسلموا وتابوا وأنابوا، وعاش مدة حياته إلى أن لقي ربه وهو يضرع ويستغفر ويسبّح ويدعو الله تعالى، وتاب عن الغضب ألبتة إلى لقاء ربه.
стр. 394
تفسير سورة الأنبياء [٨٩ - ٩٧]
كان سيدنا زكريا قد كبر ورق عظمه، فدعا ربه فأصلح له زوجه ووهب له يحيى ولداً صالحاً وسيداً وحصوراً، وهكذا السيدة مريم ﵍ رزقها الله ولداً من غير أب وجعلها وابنها آية للعالمين.
стр. 395
تفسير قوله تعالى: (وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فرداً)
قال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ [الأنبياء:٨٩].
ذكر لنا بعد إسماعيل وإدريس وذي الكفل وذي النون زكريا، فقال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا﴾ [الأنبياء:٨٩] وفي قراءة سبعية ﴿وَزَكَرِيَّاءَ﴾ [الأنبياء:٨٩].
﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩].
وقد مضت قصة زكريا في سورة مريم قريباً، حيث خاف الموالي من بعده أن يضيعوا رسالته ودعوته، وكان قد كبر سنه ورق عظمه، واشتعل الرأس منه شيباً، وكانت زوجته عقيمة منذ شبابها، ولكنه ارتأى بعد أن بلغ هذه السن أن يطلب الله وهو أعلم، وأن الله قادر على كل شيء.
قوله: ﴿وَزَكَرِيَّا﴾ [الأنبياء:٨٩].
أي: اذكر زكريا من بعد الأنبياء الذين كانوا من أهل الطاعة والبر والتزام الدعوة، ومن الخضوع لله والخشوع له، وممن دعوا ربهم فاستجاب لهم في شيء جرت العادة أنه قل أن يكون.
قال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩].
زكريا عندما كبر سنه، ووجد أنه سيموت بلا أولاد، وهو يريد من يخلفه في النبوة والدعوة، ويخلفه في العبودية من سلالته ومن ذريته نادى ربه وضرع إليه: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ [الأنبياء:٨٩] أي: لا تذرني مفرداً أبتر لا ولد لي ولا سلالة ولا ذرية؛ ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩].
ويضرع إليه بما شاء فليس بينه وبين ربه مانع، خاصة إذا كان في ظلمات الليل والناس نيام، وفي الثلث الأخير من الليل حين ينزل ربنا إلى السماء الدنيا فيقول: هل من داع فأستجيب له؟ هل من جائع فأشبعه؟ هل من عار فأكسوه؟ هل من مظلوم فأنصره؟ فليدع ربه تلك الساعة بما شاء فإنه ضامن أن يستجاب له.
стр. 396
تفسير قوله تعالى: (فاستجبنا له ووهبنا له يحيى)
قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء:٩٠].
استجاب لزكريا وأجاب دعاءه وضراعته.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء:٩٠].
وهب له وليداً حقق رغبته، وكان ذكراً، وجعله صالحاً ونبياً وسيداً وحصوراً، وأوقف نسله في ولده، ولو طلب زكريا الذرية إلى الأبد لكانت، لكنه طلب ولداً فرزقه يحيى وجعله سيداً وحصوراً لا يأتي النساء، وهو بالتالي لن ينجب ولا يكون له أولاد، وهكذا كان.
قوله: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء:٩٠].
كانت عقيماً فأصبحت ولوداً، وكانت عجوزاً لا يلد مثلها فأعطاها من الشباب والاستعداد ما يكون للشباب والصغيرات، فولدت، وقيل: وكانت شرسة اللسان، بذيئة القول، فأصلحها الله له؛ لأن الشرسة تنفسر النفس منها عادة، وإن كانت بينهما صلة فتكون بنفور وقل ما يعلق الولد، بخلاف ما إذا كانت رضية خلوقة فإن ذلك يكون أدعى للتعلق وأدعى للولادة، فأصلحها الله لساناً وخلقاً ورحماً، وأزال عقمها وعجزها فأصبحت لينة هينة ذات أخلاق عالية، وأصلح شبابها فأصبحت تلد.
ثم أخذ الله ﷻ يثني على جميع الأنبياء الذين مضوا فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠].
أي: من عند آدم إلى نوح إلى موسى إلى هارون إلى زكريا إلى إسماعيل إلى إدريس إلى ذي الكفل إلى ذي النون ومن سيذكر بعد إلى مريم أشاد الله بالكل، وأثنى على الكل، ووصفهم فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠].
كان هؤلاء الأنبياء والرسل مدة أعمارهم وخلال رسالاتهم ونبواتهم ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠] ويتسابقون كالمباراة والمسابقة التي تكون للهو واللعب، وكانت مسارعتهم إلى عبادة الله وفعل الخيرات بشتى أنواع العبادات، قائمين ومصلين، وطائفين ومتصدقين، ومتهجدين ومجاهدين، وعاملين بجميع الخيرات التي كانوا متصفين بها ويسارعون للوصول إليها.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] كانوا يتسابقون للخير وفعله وللدعوة إليه، ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠].
رغباً: طمعاً بما عندنا من جنة ونعيم مقيم.
ورهبة: مما عندنا من عذاب ونقمة وجحيم.
كانوا يتقربون إلى ربهم بين الخوف والرجاء، وبين الطمع والخوف، وهكذا العبادة أن نعبد الله تارة طامعين برحمته، وتارة خائفين من عذابه: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩].
وقد قال علماؤنا: ينبغي للصحيح ما دام صحيحاً وللصغير ما دام صغيراً أن يغلِّب الخوف على الرجاء؛ ليزداد عبادة وطاعة، ويزداد حرصاً على فعل الخيرات، حتى إذا مرض أو شاخ فليغلب الرجاء على الخوف؛ لأن الله يقول كما في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء) ولا نظن بربنا إلا خيراً ﷻ وعلا مقامه.
وقد قال قوم (يعبدونني خوفاً وطمعاً) معناه: أنهم يدعونني عندما يريدون الخير بباطن أكفهم وعندما يريدون الشر بأعدائهم بظاهر أيديهم، ومن هنا شرع أن تكون الأيدي مفتوحة مبسوطة لرحمة الله ولعطاء الله ولفضل الله؛ وعندما يكون الدعاء بالنقمة على الأعداء والمنافقين والظالمين يكون الدعاء بظاهر الأكف ليدفع ذلك عن الداعي.
стр. 397
تفسير قوله تعالى: (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا)
قال تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:٩١].
والفرج: لغة الشق، ويطلق على كل شق في البدن والثياب والأرض، ولكن هذه الكلمة التي كانت في الأصل كناية ومجازاً لكثرة الاستعمال كادت تطلق على مكان العفة بالذات، وليست هكذا لغة ﴿وَالَّتِيأَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [الأنبياء:٩١] وهي مريم الصدّيقة عليها سلام الله أم عيسى نبي الله وعبده عليه وعلى نبيا الصلاة والسلام.
والمعنى: واذكر يا محمد المرأة التي أحصنت فرجها، وعفّت عن الفاحشة والسوء، وعاشت عفيفة حياتها إلى أن أكرمناها بالآيات؛ فرزقناها ولداً بلا فحل، وقصتها مضت في غير ما سورة من السور الماضية.
قوله تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء:٩١].
الروح: جبريل ﵇، نفخ فيها جبريل، ونسبت الروح إلى الله تشريفاً، فجبريل لله، والملائكة كلهم لله، وكلنا عبد خاضع مطيع لله، ولكن هذه النسبة والإضافة للذات العلية بهدف تشريف مريم وعيسى.
وهكذا كان الولد نتيجة النفخ بالأمر الإلهي لجبريل كبير الملائكة، وإذا بها تحمل، فحملت حملاً عادياً تسعة أشهر بالوحم وبالكبر في البطن إلى أن ولدته وأتت به تحمله، فقام قومها وأخذوا يقولون: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم:٢٨ - ٢٩] وإذا به أخذ يتكلم -معجزة- بعد ولادته بيومين أو ثلاثة، وهي الأيام الثلاثة الرمزية التي صامت فيها، ثم تكلم ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم:٣٠].
تكلم بالعبودية وبالطاعة، وأن الله جعله نبياً، وأنه باركه وقت الولادة والوفاة ويوم يبعث حياً.
﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:٩١].
جعلها الله آية وعلامة على قدرته وأنه القادر على كل شيء كما يشاء ﷻ ، فهما آيتان: جعلناها آية، وجعلنا ابنها آية، وحُذفت إحدى الآيتين للعلم بها، ولفهمها من السياق، وكانت ولادتها آية كونها حملت بلا فحل.
стр. 398
تفسير قوله تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة)
قال تعالى بعد أن سرد أسماء هؤلاء جميعاً في نسق واحد: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢].
أي: إن الدين واحد والشريعة واحدة، والدعوة واحدة أتى بها الرسل والأنبياء عن الله منذ آدم إلى إدريس إلى نوح إلى إبراهيم إلى سلالته إلى نبينا ﵊، كانت الدعوة واحدة: أن اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأن قولوا جميعاً: لا إله إلا الله، ومن هنا كان يقول لنا نبينا صلوات الله وسلامه عليه: (أفضل ما قلته أنا والنبيون قبلي: لا إله إلا الله).
وكان يقول ﵊: (نحن معاشر الأنبياء أبناء لعلات، أمهاتنا شتى، وأبونا واحد) أي: شرائعنا مختلفة، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨].
أما الدعوة فكلهم أرسلهم الله للدعوة إلى عبادته، وتوحيده، وعدم الشرك به، ولم يخرج عن ذلك أحد؛ فإن وجدنا في التوراة والزبور والإنجيل غير ذلك فذلك مما حرفه الأفّاكون والكذّابون والمفترون على الله، فقد افتروا على ربهم، ونسبوا له الشريك، تارة بشراً، وتارة جناً، وتارة ملكاً، وتارة جماداً، وكل ذلك ليس عليه من الله سلطان ولا دليل من عقل.
قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء:٩٢] قيل: النصب على قطع الكلام.
والمعنى: إن الأمة والديانة والشريعة والدعوة واحدة منذ أول الأنبياء إلى آخرهم عليهم جميعاً سلام الله وصلاته، لم تتغير ولم تتبدل من قبل الله ﷻ .
قوله: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢] أولئك الرسل أرسلهم الله ﷻ بعبادته وحده، وبعدم الشرك به، فكان الكل ديناً واحداً، ورسالة واحدة، ودعوة واحدة.
قوله: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢] الله أمرنا بعبادته وتوحيده، وأمرنا بمحض العبادة له، ولا نشرك به شيئاً.
стр. 399
تفسير قوله تعالى: (وتقطعوا أمرهم بينهم)
ثم قال تعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٣].
كان الناس أمة واحدة، ولكنهم بعد ذلك تقطّعوا أمرهم بينهم، أي: قطّع بعضهم بعضاً، وجعلوا أنفسهم مللاً ونحلاً وأحزاباً وشيعاً، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣].
النصارى عبدوا مع الله اثنين وأصبحوا يعبدون ثلاثة، واليهود أصبحوا يعبدون مع الله العجل وعزيراً، وكلهم يقول: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨] فكذبوا وأفكوا، وافتروا على الله، وقد عبد غيرهم أنواع العبادات، وكل ذلك لم يكن عليه سلطان من الله ولا من العقل.
قوله: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٣] هذا وعيد من الله وتهديد، فهؤلاء الذين قطّعوا أديانهم مزّقوا الملل، وجعلوها أحزاباً وشيعاً كلهم إلينا راجعون، فسنحاسب كلاً حسب عمله، وحسب طاعته أو معصيته، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨] كل حسب عمله، إن عمل ما يدعو إلى الجنة دخلها، وإن عمل ما يستحق به النار دخلها.
قوله: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٣] أي: مبعوثون ليعرضوا على الله فيحاسبهم.
стр. 400
تفسير قوله تعالى: (فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن)
ثم قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الأنبياء:٩٤].
بعد أن أخبر بأن الدين واحد، وأن المعبود واحد، وأن الرسالة التي أرسل بها الرسل واحدة في الدعوة إلى توحيد الله، وإلى عبادته وحده؛ وأنذر وتوعد من قطّع الدين وجعله أحزاباً وشيعاً بأنه سيرجع إلى ربه ويحاسب بذنبه عاد فبشر المؤمنين في هذه الآية فقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [الأنبياء:٩٤].
ولم يطلب الله الصالحات كلها؛ لأن البشر يعجز عن أن يأتي بذلك كله؛ وهذا ما فسّره نبينا ﵊ وقال: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) لم نكلف إلا بما نستطيع ونقدر عليه، ولم يجعل الله علينا في الدين من حرج.
قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٤] أي: بعضها، فـ (من) للتبعيض.
﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الأنبياء:٩٤] أي: حالة كونه مؤمناً، وإلا فعمل غير المؤمن يكون هباءً منثوراً؛ لأنه يعمله للشركاء، فهي زيادة في الكفر والمعصية والتمرد والتحدي، ولا عبادة إلا بالنية، ولا نية إلا مع الإخلاص، وهذا لا يعبد الله الواحد، وبالتالي لا إخلاص له؛ لأنه يعبد أرباباً متفرقين.
قوله: ﴿فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء:٩٤] أي: لا جحود ولا إهمال لسعيه وعمله، والجحود من الله لعباده معناه العقاب والمكافأة، والجزاء بما صنعوا من سوء، واعتراف الله للعبد وقبوله لطاعته يكون ذلك بالرضا عنه وبقبولها.
قوله: ﴿فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء:٩٤] أي: لا يجحد الله سعيه، ولا عمله، بل يجازيه عليه ويحسن إليه من أجله، لا يجحده إياه ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا.
قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [الأنبياء:٩٤] أي: إنا لسعيه وطاعته وعبادته حافظون وكاتبون، نكتب ذلك له، ونأمر الملائكة المصاحبين للإنسان من عن اليمين أن يكتبوا حسناته وسعيه الصالح، ونحن نحفظ له ذلك ونجمعه له، إلى أن يجازى عليه بدخول الجنان والرحمة والرضا من الله.
стр. 401
تفسير قوله تعالى: (وحرام على قرية أهلكناها)
ثم قال تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥].
حرام: أي واجب.
﴿عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء:٩٥] أي: على أهل قرية.
فالمعنى: واجب على أهل القرية التي نهلكها وندمرها نتيجة كفرها ونتيجة عصيانها ﴿أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥] أي: لا يرجعون إلى الدنيا ثانياً بعد أن يروا الحق حقاً، ويكون الوقت قد فات، والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.
فهؤلاء المجرمون المذنبون عندما يهلكهم الله نتيجة كفرهم وشركهم فإنه أوجب على نفسه -ولا يجب عليه شيء ﷻ أنهم لا يرجعون للدنيا بعد الموت إن هو إلا العودة يوم العرض على الله إما إلى الجنة وإما إلى النار؛ أما أن يطمعوا في العودة للحياة فلن يكون ذلك، ولو قدموا الدنيا وما فيها فداء لعقوبتهم هيهات هيهات! ضاع الزمن ولم ينتهزوا الشباب قبل الشيخوخة، والفراغ قبل الشغل، والصحة قبل المرض، فيعبدون ويطيعون، ويستجيبون لدعوة رسلهم، أما وقد بقوا هكذا إلى أن ماتوا ورأوا ما كان يجب أن يكون إيماناً بالغيب أصبح مشهوداً ومرئياً، وأصبح محسوساً، هيهات هيهات أن يعودوا للدنيا مرة ثانية بعد أن ماتوا.
قوله: ﴿لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥] أي: لا يعودون للدنيا للتوبة ولا للعمل، ولو قُدّر أن يعودوا لا يفعلون إلا كما فعلوا أول مرة عند حياتهم الأولى.
стр. 402
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج)
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٦].
يقول ﷻ : هؤلاء المخالفون العصاة المذنبون سيبقون في الأرض وفي الدنيا حتى خروج يأجوج ومأجوج، سيبقون مصرين على إجرامهم وذنوبهم، وقلة قليلة قال عنها النبي ﵊ بياناً للقرآن الكريم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم وهم على ذلك إلى يوم القيامة) الكل سيبقى إلى أن يرى يأجوج ومأجوج من السلالة والذرية.
﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء:٩٦].
أي: فتح السد الذي بناه ذو القرنين، هذا السد الذي حُبس فيه قوم يأجوج ومأجوج وهم جنس من البشر من أبناء آدم من ولد يافث بن نوح، هم مجرمون بفطرتهم، يفسدون ولا يصلحون، وصفهم رسول الله ﵊ بأنهم صغار الأعين، غلاظ الوجوه، صهب الشعر، شقر، كأنهم المجان المطرقة، وكأنهم الترس المطرق بالجلد من أمام وخلف، هذا الذي يُتقى به ضرب السيوف أي: وجوههم غليظة غلظ المجان المطرقة بالجلود.
ويأجوج ومأجوج هم من علامات الساعة الكبرى، وقد تواترت بهم الأحاديث، والأصل ذكر القرآن لهم، وقد فسّر ذلك ﵊، وذكر ترتيبهم في الخروج والبروز، وأنهم كل يوم يأتون إلى السد فيحاولون أن ينقبوه، فيحفرونه اليوم كله فيقولون: إلى الغد، فيعودون فيجدونه رجع كما كان، وهكذا يبقون على هذه الحال حتى يأذن الله تعالى بخروجهم لخراب بقية الدنيا، فيلهمون فيقولون: غداً نعود إليه إن شاء الله، فيأتون إليه ويجدونه كما حفروه، وأخذوا يسمعون الأصوات خلفه، وإذا بهم يكبرون النقب فيخرجون كالسيل المنتشر من كل حدب ينسلون، كما قال ربنا.
ويأجوج ومأجوج يأتون بعد عيسى ﵇ ولا يتركون نهراً إلا شربوه، ولا بئراً إلا طمروه، ولا شجرة إلا قلعوها، ولا إنساناً إلا أزهقوا حياته، ولا دابة إلا قتلوها وقد ظن بعض شيوخنا من علماء عصرنا أن هذه الصفة في التتار الذين فعلوا مثل هذا عندما جاءوا من أقاصي آسيا البعيدة، فخربوا العراق، وخربوا الشام وما بينها، وكل ما أتوا عليه من أقصى آسيا ما تركوا بحراً ولا شجراً ولا إنساناً، ولكن ذلك وقف وانتهى وعيسى لم يأت بعد، والمهدي لم يأت بعد، والدجال لم يأت بعد، والعلامات الكبرى للساعة لم تأت بعد، فيكفي هذا دليلاً على أن التتار لم يكونوا يأجوج ومأجوج.
يأجوج ومأجوج بشر صغار الأجسام، تزدريهم العين في النظر إلى وجوههم، فيها جهامة وقتر أشبه ما يكونون بوجوه أهل النار: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس:٤٠ - ٤١] هؤلاء عندما يفعلون ذلك سيخربون ويدمرون، وإذا بالله الكريم يأذن بهلاكهم، لأن المؤمنين يدعون الله بأن يكشف عنهم غمتهم، وإذا به يسلّط عليهم النغف تأخذهم في أعناقهم، فتكون سبب هلاكهم وتدميرهم، فيتراكمون ويتكتلون، فينتشر الوباء والروائح الكريهة والجثث والأمراض على أشكالها، فيدعو من يدعو الله تعالى، وإذا به يصب عليهم مطراً، ثم يسلّط عليهم طيوراً تأخذهم، فهذا المطر ينظف الأرض، والطيور ترفع الجثث وترميها إلى قعر البحار، فتنظف الأرض من أوساخهم وجيفهم، ومن روائحهم الكريهة، ولكن بعد ذلك كما ورد في الحديث الصحيح تصبح الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تصبحهم أو تمسيهم يقولون: صباحاً ستلد! مساءً ستلد! تصبح الساعة أقرب ما تكون، فينتظر الناس يقولون: صباحاً! ويقولون: مساءً! ولكنها لا تأتيهم إلا بغتة على توقعهم لها.
فقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء:٩٦] فتحت عنهم أي: أزيل النقب وخرجوا ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٦] الحدب: التل من الأرض.
والعلو من الأرض و (ينسلون): يجرون ويسرعون، فهم يأتون من كل تلة، ومن كل جبل، ومن كل ناحية، ومن كل جهة يتسارعون ويجرون للفساد، ولسفك الدماء، وإهلاك الحرث والنسل، لا يعلمون سوى ذلك، وهم يتسابقون في الشوارع كالبهائم، لا يدينون بدين، ولا يتخلقون بخلق ولا يكادون يفقهون من الكلام قولاً.
стр. 403
تفسير قوله تعالى: (واقترب الوعد الحق)
قال تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء:٩٧].
أي: عندما يأتي يأجوج ومأجوج يكون الوعد بالبعث، والوعد بالقيامة قد اقترب، كما فسّر نبينا ﵊، تكون الساعة والوعد الحق كالحامل المتم، لا يدري أهلها متى تفاجئهم بالولادة: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء:٩٧].
стр. 404
تفسير سورة الأنبياء [٩٦ - ١٠٤]
يأجوج ومأجوج من أكثر أمم الأرض، وأعظمها فساداً، وخروجهم من علامات الساعة الكبرى، وحينئذٍ يلقى كل إنسان جزاءه عند الله.
стр. 405
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج)
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٩٦ - ٩٧].
يقول ﷻ عن هؤلاء الكفار العصاة المجرمين الذين طالما أنذرهم الرسل فلم يزدادوا إلا عتواً وتمرداً وعصياناً وخلافاً: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء:٩٦].
ومضى بالأمس الكلام على يأجوج ومأجوج، وأنهم بشر من نسل آدم من ولد يافث بن نوح، وأنهم عراض الوجوه، غلاظها صغار الأعين، تزدريهم العين، لا يكادون يفقهون حديثاً، ديدنهم الفساد والتخريب، وسفك الدماء منذ زمن طويل، حبسهم ذو القرنين بسد جعله دونهم، ولا يزالون كذلك ولا يخرجون إلا عند قرب قيام الساعة، وهم كل يوم يحاولون أن يحفروا نقباً في هذا السد؛ لينتشروا ويخرجوا للفساد والتخريب.
وقد قيل: إنهم التتار، فلقد طالما خربوا وأهلكوا الحرث والنسل وسفكوا الدماء، ولكنهم ليسوا يأجوج ومأجوج، كما في كتاب الله الكريم، وكما أكدت ذلك السنة المطهرة أن يأجوج ومأجوج يكادون يتصلون بقيام الساعة، وقد قال ﵊ عندما ذكر علامات الساعة الكبرى: (إن يأجوج ومأجوج يخرجون بعد نزول عيسى من السماء، ولا يكون بعدهم إلا قيام الساعة)، حتى إن النبي ﵊ قال: (قد يشتري الإنسان فلواً -ولد الحصان- ولكنه لا يكاد ينتفع به وتقوم الساعة).
﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء:٩٦]، أي: فتح السد الذي بيننا وبين يأجوج ومأجوج، وإذا بهم ينسلون من كل حدب، ومن كل تل ومرتفع من الأرض، والحدب: هو الارتفاع في الأرض، وهو التلال.
﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٦]، أي: يأتون مسرعين يجرون جري الذئاب الخفاف من الحيوانات.
стр. 406
تفسير قوله تعالى: (واقترب الوعد الحق)
قال تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء:٩٧].
أي: الوعد بالقيامة وبالبعث، الوعد بالحياة بعد الموت، عندما يكون خروج يأجوج ومأجوج، واقتراب الساعة حتى كأنها الحامل المتم يقول أهلها: تكاد تصبحنا أو تمسينا، في هذه الساعة يرى الكافرون الظالمون أن ما كانوا يكفرون به وينكرونه قد أتى وأصبح وعداً حقاً، وقد كان قبل ذلك، ولكنهم لم يؤمنوا به كفراً وعناداً ومخالفة وعصياناً.
قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء:٩٧].
وكأنها صورة تراها العين بالمشاهدة، عندما يقترب الوعد الحق ويقترب قيام الساعة، ويكون قبل ذلك بقليل قد فاض على الدنيا يأجوج ومأجوج، فخربوا وأهلكوا الحرث والنسل، إذا بالساعة يظهر قيامها، فينفخ إسرافيل في الصور وإذا بمن كان منكراً للبعث أبصارهم شاخصة، تفتح أعينهم وما كادوا يصرفونها ذهولاً وضياعاً وتيهاً، وإذا بهم ينادون ويجأرون: ﴿يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [الأنبياء:٩٧].
هؤلاء يصيحون وينادون: يا ويلهم! يا خراب ديارهم! يا خسارتهم لدنياهم وأخراهم! ينادون: ﴿يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [الأنبياء:٩٧] أي: عن هذا، وحروف الجر ينوب بعضها عن بعض.
ينادون صائحين ذاهلين وأبصارهم شاخصة شأن المغمى عليه، المأخوذ، التائه الضائع العقل المفاجأ بما لا يعجبه، وعيونه تكاد تخرج من مكانها شخوصاً لا مظهراً ولا رؤيا يقولون يا ويلنا وحذفت (يقولون) كما هي فصاحة القرآن وبلاغته أن يحذف ما يعلم من السياق كما يقول ابن مالك في ألفيته: وحذف ما يعلم جائز.
يقولون: ﴿يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [الأنبياء:٩٧].
قد كانوا في دنياهم غافلين تائهين ضائعين، لا يكادون يفكرون في مثل هذه الساعة إلى أن فجأتهم بالبلاء والعذاب، وما كانوا قد طلبوا أن يؤمنوا به غيباً أصبح مشهوداً وحاضراً، ولا ينفع إيمان نفس لم تكن آمنت من قبل، فما كان إيماناً بالغيب يصبح شهوداً وحضوراً، وإذ ذاك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، حتى ارتبطت بهذا وتعلقت به عندما يحدث خروج يأجوج ومأجوج من السد، وتقترب الساعة قرباً واقعياً بما يذهلون له، وبما يرون أن الأرض قد طويت طي السجل للكتب، وأصبحت السماء كالعهن المنفوش.
وهكذا وإذا بهم يصيحون: يا ويلهم! يا بلاءهم! يا خسارتهم! قد كانوا وهم أصحاء الأبدان حاضرو العقول في غفلة من هذا ولم يؤمنوا به، ولم يعترفوا به، وكذبوا أنبياءهم وكتاب ربهم، ثم أضربوا عن القول وقالوا: لم نكن غافلين بعد، بل كنا ظالمين، أي: ظالمين لأنفسهم بالكفر والعصيان، وهيهات أن ينفعهم عند هذا إيمان أو اعتراف أو توبة.
стр. 407
تفسير قوله تعالى: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم)
قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨].
وإذا بالله الكريم يتهددهم، بل ويعاقبهم فعلاً، وما كانوا قد أوعدوا به قد آن أوانه وحل زمانه.
﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، أي: حطبها ووقودها.
قال تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، وقودها الكفرة وقودها العصاة وقودها المؤمن عندما يعصي فيؤدب زمناً ثم يكون مآله إلى الجنة، ووقودها الكافر المشرك، يبقى وقوداً لها أبد الآبدين، ولا خروج منها للكافر.
فيقول تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨].
أي: يا هؤلاء الكفرة! الذين أشركتم بالله غيره، وعبدتم أصناماً وجمادات، وعبدتم ما لا يضر نفسه ولا ينفعها، فأنتم وما تعبدون من هذه الأصنام الوقود والحطب لجهنم؛ كي تتقد وتستمر تحريقاً ولهباً.
﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨] أي: داخلون مقيمون لابثون.
стр. 408
تفسير قوله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى)
سمع هذه الآية مشركو مكة فإذا بهم يقولون لرسول الله ﵊، ويتولى كبر القول ابن الزبعري الشاعر، وكان لم يسلم بعد، ولكنه بعد ذلك أسلم وحسن إسلامه قال: يا محمد تقول: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨] كيف هذا واليهود يعبدون العزير، والنصارى يعبدون عيسى ومريم، وبنو مليح من العرب يعبدون الملائكة، هل سيدخل معنا إلى النار عيسى والعزير ومريم والملائكة؟ وإذا بالله الكريم يقول بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١]، فالله استثنى هؤلاء، و (إن) في الآية معناها (إلا) ولا ثاني لها في القرآن بهذا المعنى.
قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨] إلا من سبقت لهم منا الحسنى أي: سبقت لهم منا العافية والهداية، وسبق لهم منا التوفيق، وفي طليعة هؤلاء نبي الله عيسى والعزير ومريم والملائكة.
والنبي ﷺ قبل نزول الآية احتج باللغة التي يعرفها هؤلاء، فقال لهم: (وما تعبدون) (ما) لا تقع إلا على غير العاقل، فأنتم وما تعبدون من أصنام وأحجار وجمادات، ولا تشتمل العاقل.
وهنا استثني من يعبد من دون الله من الأنبياء وغيرهم كعزير وعيسى ومريم والملائكة، فهم لم يرتضوا ذلك ولم يقبلوه، وعندما علم بعضهم بداية ذلك تبرأ منه وأنكره، ونفر قومه وهددهم ووعدهم ممن فعلوا هذا.
ومن المعلوم في لغة العرب أن (ما) اسم موصول يطلق على غير العاقلين، و (من) على العاقلين، والآية هنا في الأصل لا تحتاج إلى استثناء، وإن كان الاستثناء يعتبر تأكيداً وتوثيقاً: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء:٩٨] والخطاب للمشركين: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، أي: وقود وحطب جهنم، ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، أي: داخلون.
стр. 409
تفسير قوله تعالى: (لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها)
قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٩].
يقول ﷻ : لو كان هؤلاء المعبودون من دون الله من أصنام وأوثان وأحجار وجماد آلهة كما يزعم المشركون لما دخل عابدوها النار، ولأنقذوا عابديهم ودافعوا عنهم.
ولما كانوا أعجز من أن يدافعوا عن أنفسهم فضلاً عن غيرهم كان ذلك من علامة أنها ليست بآلهة؛ لأن من يملك الدفاع عن نفسه يقاوم ولا يذل، فكيف به يذل ويذل غيره ويعجز أن ينجيه؟! وهكذا هذه الآلهة على أنها وعابديها في النار، فهم كذلك دخلوا في أنهم حصب جهنم كمن يعبد الجن ومن يعبد الفراعنة ومن يعبد حكامهم ومن يعبد زعماءهم ومن يعبد كبراءهم وما أكثرهم قبل وبعد! (إنكم وما) وهنا ينزلون منزلة الحيوان غير العاقل فيدخلون في (ما).
يقول ربنا: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٩].
أي: لو كان هؤلاء المعبودون من الأصنام والجن والبشر آلهة لما دخلوا هم وعابدوهم إلى النار، فهم فيها خالدون خلوداً أبدياً سرمدياً: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
стр. 410
تفسير قوله تعالى: (لهم فيها زفير وهم فيها خالدون)
قال تعالى يصف هؤلاء ساعة دخلوهم النار: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٠].
الزفير: دخول النفس من الخارج، والشهيق: خروجه من الداخل، وهذا نتيجة الغم والعذاب، ونتيجة ما هم فيه فتجدهم في زفير وشهيق دائمين لا تكاد تقف أنفاسهم وقوف الهادئ المستقر.
﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ [الأنبياء:١٠٠]، أي: نفس قوي يهبط بهم ويصعد، خروجاً ودخولاً، زفيراً وشهيقاً.
﴿وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٠].
وهذا كناية عن شدة العذاب وعظم البلاء، قال ابن مسعود ﵁: عندما يخرج المسلمون الموحدون الذين امتحنوا بدخول النار ولا يبقى في النار إلا كافر مخلد أبداً، يوضع هؤلاء المخلدون في توابيت فتغلق عليهم بحيث يظن كل معذب منهم أنه وحده الذي بقي في النار، فلا يسمع ما يقال، ولا يسمع ما يجأر به، ويصيح له، ويضرع له من معه، يصبحون صماً بكماً عمياً لا يرون إلا ما هم فيه من تابوت وقد أغلق، فلا يسمعون ولا يرون الخارج عنه، وهكذا عذاب هؤلاء المشركين الذين أبوا إلا الجحود والكفران والتمرد على أنبيائهم وعصيان ربهم.
стр. 411
تفسير قوله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١].
يقرن الله ﷻ في كتابه بين العذاب والرحمة، بين النار والجنة، بين المغفرة والعذاب؛ لتبقى النفس البشرية ترجو رحمة الله إن هي تابت وأنابت، وتخاف عذابه إن هي تمردت وأبت وعصت.
ففي الآيات الماضية الوعيد والتهديد، وما يلاقيه المشركون من عذاب الله ولعنته، وهنا في الآية الآتية بشر الله المؤمنين الموحدين بنعيم مقيم ورحمة دائمة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء:١٠١]، أي: سبق لهم من الله تعالى الرضا والرحمة والحسنى نتيجة إحسانهم: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠].
المؤمنون الموحدون الذين سبق في علم الله في الأزل أنهم سيكونون مطيعين ومؤمنين، ومستجيبين لدعوات الرسل ولأمر الله ورسوله، هؤلاء يبعدون عن النار بعد السماء عن الأرض.
﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء:١٠٢].
أي: ولا حركتها، ولا لهبها، ولا قرقعة نارها، وهكذا الله ﷻ يقرن رحمته بعذابه؛ ليرجو المؤمن ويخاف التائب، ويوعد ويهدد المذنب عله يئوب ويعود إلى التوبة، فيغفر الله له ويكرمه برحمته وجنانه.
стр. 412
تفسير قوله تعالى: (لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون)
قال تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٢].
أي: بعداء عنها، على كبر النار وشدة لهيبها، وقرقعة وقودها، ونداء المعذبين بويلهم وبعذابهم، وما يلاقون من شدة ومحنة وعذاب هم بعداء عنها.
﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء:١٠٢]، أي: صوتها، وحركتها، ولهبها، وقرقعة وقودها وهي تحترق.
﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٢].
وهم والحالة هذه فيما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين كما قال ربنا في آية أخرى، وفيها كما قال نبينا ﵊: (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).
قوله: ﴿خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٢]، أي: هم خالدون، ممتعون، مكرمون في كل ما تشتهي أنفسهم، وتلذ أعينهم، ويريدونه ويحرصون عليه مما لا يكاد يخطر لهم بخيال ولا بال.
стр. 413
تفسير قوله تعالى: (لا يحزنهم الفزع الأكبر)
قال تعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُن﴾ [الأنبياء:١٠٣].
وهم داخلون إلى الجنة من الأبواب تقف الملائكة يميناً وشمالاً شأن المضيف القائم على دار الضيافة في الدنيا، ولكن بما يتجاوز كل ذلك، ولا يخطر على بال، تتلقاهم وتستقبلهم الملائكة عن يمينهم وشمالهم، وأمامهم وخلفهم، ويطيعون كل واحد على قصوره وحوره العين، وعلى ما متع به وانفرد به: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [الأنبياء:١٠٣] وتقول لهم: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٣].
أي: تقول لهم: يا أيها المؤمنون! يا أيها الذين رضي عنهم ربهم! ورحمهم بفضله وكرمه! هذا اليوم الذي طالما مناكم به ربكم، ووعدكم به ربكم من نعيم مقيم دائم، ومن مياه متدفقة، ومن حور عين، ومن قصور وثمرات وفواكه، ومن ماء أبيض من الحليب، وأحلى من العسل.
هذا ما نطق به القرآن وكتبكم السماوية، وبشرتكم به أنبياؤكم ورسلكم عن الله تعالى، وها أنتم هؤلاء قد وجدتم ذلك حقاً في غزوة بدر، عندما انتصر النبي ﷺ على أعدائه نصراً معززاً، وأمر برمي جيف أعدائه في البئر، ووقف على جثث أولئك وجيفهم قائلاً: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف:٤٤] فقد خاطب أرواحهم هل وجدوا ما توعدهم به على لسان رسوله.
ثم عاد فقال لهم: أما أنا فوجدت وعد ربي حقاً، والوعد الذي وجده النبي ﷺ هو أن العاقبة للمتقين، وأن النصر في الأخير لرسل الله وأتباعهم، وقال له الأصحاب وهو يخاطب هؤلاء: ما تحدث من أقوام موتى لا يسمعون ولا يعقلون؟ فقال النبي ﵊: (والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون الجواب)؛ لأن الذي فني منهم وذهب الجسد وفيه أداة السمع والكلام، وأداة ما يمكن أن يأخذوا ويعطوا.
أما الأرواح فتبقى وتعود للأجساد عندما يبعث الله تعالى الخلق والبشر يوم البعث للعرض عليه ﷻ .
стр. 414
تفسير قوله تعالى: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب)
قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤].
متى يكون هذا؟ متى يكون عذاب المشركين الكافرين؟ ومتى يكون تنعيم المؤمنين وإكرامهم بالجنان حيث تستقبلهم الملائكة فرحين بهم مرحبين بهم، قائلين لهم: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٣]؟ يكون هذا: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، أي: يوم القيامة، يوم فناء الدنيا بسمائها وأرضها، يوم لا يبقى إلا الله الأول بلا بداية، الآخر بلا نهاية، يوم يقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦]؟ فلا مجيب، فيجيب نفسه: أنا الملك! أنا ملك الملوك؛ ﷻ وعلا مقامه.
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، أي: تطوى السماء كما يطوى الكتاب والصحيفة والورق، وتذهب السماء وكأنها لم تكن، والورقة يقرؤها الإنسان وعندما ينتهي منها في العادة يطويها ويرميها في سلة المهملات.
كذلك السماء تطوى كطي السجل، والسجل: هو الورق، وأشبه ما يكون بغلاف الكتاب وجلده.
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤] وفي القراءات السبع: (للكتاب).
والسجل: ورق.
والكتاب هنا: المكتوب، أي: كما يطوى المكتوب ضمن هذا الورق، ومعناه أن السماء تنتهي وتصبح عهناً منفوشاً وكأنها لم تكن، قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] أي: يفنى كل ما على الكون، وكل ما في الخليقة، ويبقى الله الدائم الحي لا ملك ولا جن ولا إنس يكون هذا يوم ينفخ إسرافيل في الصور بأمر الله، وقديماً منذ (١٤٠٠) عام قال لنا نبينا صلوات الله وسلامه عليه، عن إسرافيل أنه قال: كيف أضحك وقد انحنيت على الصور أنتظر أمراً من الله بالنفخ فيه؟! وهذا معنى قوله ﵊: (بعثت والساعة كهاتين) فرسول الله ﵊ كان من العلامات الصغرى ليوم القيامة، ونحن مقبلون على العلامات الكبرى، ولا يعلم الساعة بزمنها هل هي في نهار أو ليل إلا الله.
وعندما سأل جبريل نبينا ﵉: (متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، ولكن عاد فسأل: (ما أماراتها؟) فأخذ يجيب عن العلامة، ونحن في العلامات منذ ظهر في هذه البطاح المقدسة سيد البشر صلى الله عليه وعلى آله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي﴾ [الأنبياء:١٠٤] أي: أولئك خالدون في النار، وهؤلاء خالدون في الجنة، يكون أولئك معذبون وهؤلاء منعمون.
قوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤].
ثم بعد الفناء والذهاب، وبعد الموت يعيد الله الخلق الذي بدأه أول مرة، هو كما ابتدأه قادر على أن يعيد خلقه، وهذا هي حجج العقول لمن له عقل، نحن نرى أجسامنا وأنفسنا، ونرى غيرنا في الوجود من الذي أوجدنا؟ من الذي خلقنا؟ من الذي أعطانا هذه الحواس؟ لقد خرجنا أطفالاً من بطون أمهاتنا ومن أصلاب آبائنا، ثم كبرنا ثم ذهبنا كما ذهب الآباء والأجداد، وبعد مائة سنة أين من كان يسكن مكة ويسكن جزيرة العرب؟ بل ويسكن الأرض؟ ذهبوا في أمس الدابر، وسنصبح يوماً حديثاً في أمس الدابر كما كان الأولون.
ويأتي بعدنا من يحتل أرضنا ويرث أملاكنا، ويفعل! ويفعل! وهكذا فكما أننا خلقنا من عدم لا شك أن لنا خالقاً موجداً، هو الله الخالق ﷻ .
فكما ابتدأنا الله بلا مثال سابق ولم نكن موجودين هو قادر ﷻ على أن يعيدنا، ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩] ذاك منطق العقول لمن ﴿لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧]، ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤].
عندما يفعل ذلك بعد زمن الله أعلم به، ولكنه سيأتي لا محالة، فيعيد خلقنا كما كنا في دنيانا ونبعث كما متنا شيوخاً أو شباباً أو أطفالاً، نساءً أو رجالاً، أصحاء أو مرضى، ثم نعرض على الله حفاة عراة غرلاً، والسيدة عائشة رضوان الله عليها حين سمعت هذا من رسول الله ﵊ قالت: أيرى بعضنا بعضاً؟ قال النبي ﵊: (هيهات يا عائشة! الناس ليس لهم هم في ذلك، كل في بلائه ومصيبته ويقول: نفسي! نفسي!)، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧].
قوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، أي: كما بدأ الله أول الخلق آدم من تراب ثم حواء منه، ثم سلالته من نطفة من ماء مهين، سيعيد خلقنا، وقد وصف لنا ذلك ﵊، فذكر أن في منتهى فقرات الظهر حبة كقدر العدسة اسمها: عجب الذنب، ستبقى كالبذرة للإنسان، فعندما يأمر الله بالبعث والنشور تنزل أمطار، وإذا بهذه الحبة تنبت كما ينبت النبات، وإذا بنا قياماً ننظر ونحن معروضون على الله نذهب زحفاً إلى أرض المحشر، وإن أرض المحشر هي أرض الشام.
قوله: (وعداً علينا) أي: وعدنا ذلك وعداً، أو أوجبنا ذلك على أنفسنا، ولا يجب على الله شيء كما أوجبه على نفسه.
قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، أي: فاعلين لهذه الحياة بعد الموت؛ لعذاب المسيء ولرحمة المحسن، وعليه أرسلنا الرسل مبشرين مبشرين المؤمنين بالرحمة والجنة، ومنذرين العصاة بالغضب والنار.
стр. 415
تفسير سورة الأنبياء [١٠٥ - ١١٢]
الأرض أرض الله والملك ملكه، وقد كتب أن الأرض لعباده الصالحين، وقد أرسل محمداً ﷺ رحمة للعالمين، يدعو إلى التوحيد ويحذر من الشرك بالله، وينذر الكافرين العقوبة.
стр. 416
تفسير قوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥].
يقول ﷻ : قد كتبنا في الزبور، وما الزبور هنا؟ فسر الزبور بزبور داود، وبما يلحقه من التوراة والإنجيل، وفسر الذكر بالقرآن الكريم، ولكن الله قال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء:١٠٥] ومعناه: أن ذاك كان مكتوباً بعد الذكر، والقرآن كان بعد الزبور لا قبل الزبور، وهو يطلق على كل الكتب، والتقدير: وكتبنا في الكتب السابقة التوراة والإنجيل والزبور وصحائف إبراهيم، من قبل الذكر، والذكر: اللوح المحفوظ الذي كتب فيه ما كان وما يكون إلى قيام الساعة.
أي: الله ﷻ منذ خلق الكون وكتب اللوح المحفوظ جعل الأرض للعباد الصالحين، جعل الأرض للموحدين المؤمنين، ومن هنا قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر:٧]، أفاء: من الفيء، والفيء الرجوع.
وكأن الله يقول لنا: هذه الدنيا التي خلقت للموحدين ستعود لكم، فأنتم اليوم الموحدون في الأرض، ومن هنا كان نبينا ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم يعدون الأرض كلها وطناً شاملاً عامة للمسلمين، ما ملكناه فهو ملكنا عملياً، وما لم نملكه بعد ولم نفتحه فهو مجالنا الحيوي الذي يجب أن يعود لأرض الإسلام.
ومن هنا قسم فقهاؤنا الأرض إلى ثلاثة أقسام: أرض إسلام، وأرض عهد، وأرض حرب، فأرض الإسلام التي يقوم عليها الإسلام حاكماً، وأرض العهد ما عاهدنا عليه أقواماً مؤقتاً لمصالح اضطر إليها المسلمون، وأرض حرب ليس أهلها أهل ذمة ولا معاهدين لنا، وأرض الحرب ملك للمسلم متى وصلت يده إليها فهي له غنيمة.
ولذلك هذه الوطنية الضيقة والإقليمية المعوجة مثل قولهم: هذا بلدي وهذا بلدك وهذا وطني وهذا وطنك هذه وثنية ما أنزل الله بها من سلطان، والنبي ﵊ عندما سمع من ينادي: هذا فلان هذا فلان! مثل ما نقول الآن: يا عربي! يا هندي! يا عراقي! يا حجازي! قال: (دعوها فإنها منتنة) لها روائح كريهة؛ ولذلك كان ما ينادي ﵊ إلا: يا أيها المؤمنون! يا أيها المسلمون!.
وهكذا خاطبنا الله فلم نجد في القرآن: يا أيها العرب! ولا نجد: يا أيها العجم! ولكن نجد: يا أيها الناس! خطاب لكل مسلم وكافر؛ لكي يستقر المؤمن على إيمانه ويلازمه، ولكي يدخل الذين لم يؤمنوا من الناس في الإيمان.
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥].
قال علماؤنا: هذه الآية إشارة للمؤمنين وأمر لهم بأن ينتشروا في الأرض فاتحين، هداة داعين إلى الله وحده.
وقد فعلوا، فخلال خمسين سنة كانت جيوش المسلمين قد توجهت شرقاً إلى السند، وغرباً إلى عمق أوربا، وهكذا كانت دولة الإسلام مدة ألف عام، ولكن عندما فرطوا وتنكروا لنبيهم وكتابهم وشريعتهم عوقبوا بأنواع من الاستعمار والاحتلال، ومن ضياع العقول، ومن الذل والهوان إلى أن بلغ الأمر أن يخضع المسلمون لليهود، ويسعوا في مصالحتهم ومتابعتهم، وما ذلك إلا عقوبة إلهية للمسلم عندما ترك ربه، وترك إمامه ﵊، وسعى وراء الشيوعية اليهودية، والاشتراكية اليهودية، والماسونية اليهودية، وكل مذاهب السوء الضالة، ولا يرفع غضبه ولا عقوبته ما لم نعد إلى الله تائبين منيبين؛ ليعود علينا بعوائده الطيبة، وهو فاعل ﷻ كما وعدنا في كتابه بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧].
قوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾ [الأنبياء:١٠٥]، أي: في الكتب السابقة.
قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء:١٠٥]، أي: من بعد اللوح المحفوظ الذي ذكر فيه كل شيء.
قوله: ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] أي: أن الأرض بكل أقاليمها وأصقاعها وقاراتها هي للعباد الصالحين، وما العباد الصالحون إلا المؤمنون المسلمون، ولا إيمان لمشرك، ولن نقول على الكتابيين إنهم مؤمنون، فالذي يشرك مع الله عيسى أو مريم أو العزير أو العجل ليس بمؤمن، فلقد قال الله عنهم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] وقال عن اليهود والنصارى مجتمعين: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨] وقال عن الكل: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة:٣٠]، كفروا كفر السابقين، وحتى في كفرهم كانوا مقلدين.
стр. 417
تفسير قوله تعالى: (إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين)
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٦].
أي: إن في هذا القرآن الموحى به لمحمد خاتم الأنبياء وسيد الرسل صلوات الله وسلامه عليه لبلغة تكفي من يؤمن به، فمن آمن بالقرآن كفاه، ومن عمل بما في القرآن بلغه المقصود من عز الدنيا وعز الآخرة، ومن سيادة الدنيا ورحمة الله في الدنيا والآخرة.
قوله: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٦]، أي: خاشعين لله لا يعبدون معه غيره، يؤمنون به كما أراد وأوحى به إلى نبينا مما أمرنا به من صلوات وحج وصيام، ومن الأركان، ومما علمناه القرآن ونبينا ﵊.
стр. 418
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧].
أي: يا محمد! ما كانت رسالتك إلا رحمة لكل الناس برها وفاجرها، مؤمنها وكافرها.
وقد استشكل قوم فقالوا: نبينا رحمة للمؤمن، فكيف هو رحمة للكافر وهو الذي أنذر وهدده بالنار خالداً مخالداً إذا دام على كفره ومات عليه؟ والجواب بين واضح: النبي رحمة للكافر قبل أن يكون رحمة للمؤمن؛ حيث إن النبي ﷺ اعتنى به ودعاه، وبلغه رسالته، وأنذره عذاب الله وبشره برحمته، أتعب نفسه التعب الكبير ليؤمن، حمله كفار قريش ما لم تحمله الجبال الرواسي من عناد، وشتيمة، وهجران، وإسالة دماء، وكسر أسنان، ومؤامرات، وتألب عليه بكل الأشكال، وهو مع كل ذلك يدعوهم، وعندما يقال له: ادع على أعدائك، يقول: لم أرسل سباباً، ولا لعاناً، ولكني أرسلت رحمة للعالمين.
ومن هنا يقول الله له: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة:١٢٨]، أي: كان صعباً على نفسه وعزيزاً عليها أن يتعنت قومه فلا يؤمنون، فكان رحمة لهم حيث دعاهم إلى الله، ورحمة لهم بما أرجأهم من عذاب مدة حياتهم؛ لعلهم يوماً يعودون إلى الله ويقولون: ربي الله، ويتوبون.
فهو رحمة لهم بإرساله لكل الناس الكافرين والمؤمنين، عندما أرسل كان أول من آمن به خديجة، ثم أبو بكر، ثم علي رضي الله عن الثلاثة، وصلوات الله على نبينا وسلامه.
من كرامة الله لرسوله أنه أوقف ما كان يعاقب به الأمم السابقة من خسف وقذف بالحجارة والصواعق، ومن مسخ إلى قردة وخنازير، فالأمة المحمدية لا تخسف بها الأرض، ولا تقذف بالحجارة من السماء، ولا تمسخ قردة ولا خنازير، وتبقى على حياتها وقد ترزق وقد رزقت، وقد تستغني وقد استغنت، وأرجئت في العذاب والمحنة إلى ساعة الغرغره، فإذا أناب وتاب ولو قبل الموت وقبل وصول الروح إلى الغرغرة فإن الله يقبل توبته.
وقد قال ﵊: (إنما أنا رحمة مهداة) وكفى في ذلك قول الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، أي: لجميع العوالم منذ إرساله للعرب والعجم، للمشارق والمغارب، للبر والفاجر، للمؤمن والكافر، وما جزاء من يكون هكذا إلا أن يحب، وأن تدام الصلاة عليه، وأن يتبع ويجعل مثالاً وأسوة وقدوة صلوات الله وسلامه عليه ما دام الليل والنهار، وجزاه الله عنا أحسن الجزاء، وحشرنا تحت لوائه يوم القيامة.
стр. 419
تفسير قوله تعالى: (قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد)
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٨].
يقول نبينا للناس: ما أوحي إلي من الله، وما أمرت عن الله إلا بدعوتكم للتوحيد، ولدعوتكم بأن الله واحد، وأنه الرازق الخالق المعبود لا شريك له، ولا يحتاج إلى معين ولا مساعد ولا مؤازر، ولا يحتاج إلى ولد، ولا إلى صاحبة، فهو جل وعلا غني عن كل ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [فاطر:١٥]، أي: الغنى المطلق، ونحن فقراء فقراً مطلقاً.
قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا﴾ [الأنبياء:١٠٨]، أي: قل: يا محمد ((إنما)): أداة حصر، أي: حصرت رسالتي في الدعوة إلى التوحيد، وما سواه فهو تبع له، فإذا فسدت العقيدة ضاعت العبادة، وأصبح ذلك هباءً منثوراً.
و (يوحى) فيه معنى الاستمرار، فهو فعل مضارع دال على الحال والاستقبال، أي: مدة حياة رسول الله ﵊، يوحى إليه بمختلف السور والآيات، والسنة القولية والفعلية والإقرارية قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
فالنبي ﷺ معصوم عن الزلل والخطأ، وكل عمله إما وحي بالنص -باللفظ- ككتاب الله القرآن الكريم، أو وحي بالمعنى ويتصرف رسول الله ﵊ في إبلاغه.
قال تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٨]، أي: فهل ستسلمون؟ وهذا استفهام تقريري، يقرر ألا مندوحة ولا منجى عن الإسلام، الإسلام أو الطوفان، الإسلام أو جهنم، ولا وسط، وسيبقى المسلمون ضائعين ضالين تائهين يتلاعب بهم الكفار كتلاعب الصبية بالكرة ما لم يعودوا إلى كتاب الله وإلى هدي نبيه ﵊، لا يفيدنا مال ولا قوة ولا وحدة ما لم تكن الوحدة أولاً بالله، وبالدعوة إلى الله الواحد، وطاعته في كتابه، وطاعة نبيه في سنته.
قوله: ((فهل أنتم مسلمون))، أي: فهل أنتم مستسلمون مطيعون لهذه الدعوة ولتوحيد الله، ولقبول الرسالة، ولقبول القرآن الكريم، ولقبول السنة المطهرة.
стр. 420
تفسير قوله تعالى: (فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء)
قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٩].
قوله: (وإن تولوا) أي: إن تولى الناس وأعرضوا عن رسالتك سواء آمنوا ثم ارتدوا أو لم يقبلوها من أول مرة.
((فقل آذنتكم على سواء)) أي: أعلن الحرب عليهم، وقل لهم: أخبركم وأعلمكم على سواء بيني وبينكم، علمي علمكم، حتى لا تكون غادراً ولا مفاجئاً، وأعلمهم بأنهم أعداؤك، وأنك بريء منهم وهم براء منك، وأنذرهم بالحرب والعداوة.
((فإن تولوا))، أي: فإن أعرضوا ورفضوا هذه الرسالة وهذا التوحيد وهذه الهداية: ((فقل آذنتكم على سواء))، أي: أعلمتكم بالحرب على مستوى واحد بيني وبينكم، فأعدوا ما استطعتم.
قوله: ((وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون))، أي: لست أدري فـ (إن) نافية، أي: ما أوعدكم الله به من نار وعذاب وغضب، لست أدري هذا سيكون غداً أو بعد غد؟ هل سيكون في الدنيا بالذل والهوان والتحكم والأسر والإذلال، أو سيكون في الآخرة بالنار وعذاب الله المقيم السرمدي، هذا إنذار من الله، وهو إشارة إلى قيام الساعة، وأن النبي ﷺ أيضاً لا يعلمها.
стр. 421
تفسير قوله تعالى: (إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون)
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ [الأنبياء:١١٠].
أي: يا هؤلاء الذين تمردوا على ربهم، إن الله يعلم ما تجهرون به من القول، وتصدون به الناس عن الإيمان، وتجهرون به لنبيكم من كفر وعصيان، ومخالفة ومواجهة ومجابهة.
قوله: ((ويعلم ما تكتمون))، أي: يعلم ما تكتمونه في أنفسكم من تآمر ورغبة في قتل النبي ﷺ ، وقتل أصحابه، وطردهم من مكة وعقوبتهم.
وسبب هذه الآية كفار عصره، ثم أصبحت للعموم، يخاطب بها كل كافر كما يخاطب بها كل مؤمن، فمن كفر قبل أو بعد وفي عصرنا أو بعده كل ما ورد في القرآن عن الكفار فهو مخاطب به، ومن سيأتي بعدنا.
стр. 422
تفسير قوله تعالى: (وإن أدري لعله فتنة لكم)
قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأنبياء:١١١]، أي: ولست أدري ما أعطاكم الله في الدنيا من صحة وشباب، وملك وسلطان، وأعمار وأولاد ونساء، هل هذا من الله مكرمة لكم أنتم على كفركم؟ وما أظن ذلك! قوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ [الأنبياء:١١١] أي: ابتلاء وزيادة في قيام الحجة، والحجة لله البالغة، ليقال ساعة الحساب ابتداءً من القبر وسؤال الملكين: فيم صرفت شبابك؟ وفيم صرفت صحتك؟ وفيم صرفت مالك؟ هل أحسنت؟ هل أطعت؟ هل زكيت؟ هل أعطيت من شبابك؟ هل أعطيت من حياتك؟ وقد أرجئت في الموت إلى دار طويل، هل تذكرت يوماً فقلت: ربي الله، رب اغفر لي؟! وسيكون جواب الكفار لله سلباً؛ ليشتد العذاب ويزداد، وتبقى الحجة لله البالغة.
قوله: ((وإن أدري لعله فتنة لكم))، و (لعل) في القرآن ليست للرجاء، ولكنها للتحقيق.
قوله: ((ومتاع)).
أي: متعة في دنياهم من أزواج وأولاد وأرزاق ونعيم، متعوا بذلك ليسألوا عنه، فإذا كان المسلم يسأل عن النعيم فيم صرفه؟ ولم بذر؟ ولم أسرف؟ فكيف بالكافر الذي لا يصرف إلا في باطل وسوء؟ قوله: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأنبياء:١١١] أي: إلى وقت وزمن معين ومسمى عند الله، فلا يعلم ساعة الموت أحد: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤] كما لا ندري متى نموت؟!
стр. 423
تفسير قوله تعالى: (قال رب احكم بالحق)
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ ?بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١١٢].
الذي قال هو نبينا ﵊، وحكى عنه الله ذلك، كما قال الأنبياء قبله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف:٨٩]، وقرئ في القراءت السبع: ((قل)) وهل يحكم الله إلا بالحق، ولكنها بيان حقيقة وواقع، والله هو الذي أمر بذلك.
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء:١١٢] وقرئ: ((قل رب احكم بالحق))، والحق هنا ليس مقابل الباطل، وإنما المعنى: قل رب احكم بعذابك الحق على هؤلاء الذين طالما تمردوا، وعصوا، وطالما كفروا وتألبوا على المسلمين وعلى أنبيائهم، وعلى العابدين المؤمنين.
قوله: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١١٢]، ومع ذلك يبقى الله الرحيم حتى في وقت إيعاده وإنذاره، وذكر الرحمن هنا ولم يذكر الجبار ولا المنتقم.
قوله: ((وربنا الرحمن))، أي: إشارة إلى تطميع الكافر نفسه برحمة الله؛ ولذلك قال نبينا ﵊: (لو يعلم الكافر ما عند الله من رحمته لطمع في جنته، ولم ييئس منها)، وهكذا! فالكافر مهما كان إذا علم الله في قلبه خيراً هداه للإيمان والإسلام يجب ما قبله، وقال: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١١٢]، أي: ربنا الرحيم بعباده، والرحمان لهم، والغافر لذنوبهم، والمنذر لهم، والموعد لهم، والمكرم لهم بأنبيائه ورسله، علهم يوماً ويعودون إليه فيقولون: ربي الله.
﴿الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١١٢].
أي: الذي يستعان به، ويستعين رسول الله بقدرته، وقد وصف الكفار الله تعالى بأن له صاحبة، وأن له شريكاً، وقال الكفار عموماً: له شريك وصاحبة وولد يحتاج إلى من يعينه، تعالى الله عن كل ذلك علواً كبيراً! كما قالوا عن نبي الله: كاذب، وقالوا: ساحر، وقالوا: مجنون، حاشاه من كل ذلك ﵊.
وبهذا نختم اليوم ولله الحمد سورة الأنبياء، ونستقبل غداً بمشيئة الله سورة الحج.
стр. 424
تفسير سورة الحج [١ - ٤]
يحذر الله تعالى وينبه إلى عظمة يوم القيامة، ذلك اليوم الذي تزلزل فيه السماوات والأرض، وتزلزل فيه القلوب والأفئدة لعظمته وهوله، فإذا رآه المولود شاب رأسه، وإذا رأته المرأة الحامل وضعت حملها، وإذا رأته المرضع ذهلت عن رضيعها، وترى الناس كالسكارى وليسوا بسكارى، ولكن عذاب الله شديد.
стр. 425
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم)
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١].
نحن الآن في سورة الحج، وهي في النصف الثاني من الجزء السابع عشر، وسورة الحج فيها ثمان وسبعون آية، ووضعها عجيب، فهي مكية مدنية، أي: نزل بعضها في مكة ونزل بعضها في المدينة، وهي حضرية سفرية، أي: نزل بعضها في الحضر والنبي ﵊ مقيم، وبعضها نزل والنبي ﵊ مسافر ومتنقل بين مكة والمدينة، وفيها الناسخ والمنسوخ، وفيها المحكم والمتشابه.
وهذه السورة تمتاز عن بقية السور الأخرى بأن فيها سجدتين، وهي تشتمل على أكثر أحكام الحج، وهو الركن الخامس من الأركان الخمسة في دين الإسلام.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج:١] النداء هنا يعم كل إنسان من سلالة آدم وحواء، وقوله: ((اتَّقُوا رَبَّكُمْ)) معناه: اجعلوا بينكم وبينه وقاية؛ لتنقذوا من غضبه، وتنقذوا من عذابه.
والتقوى: هي فعل الأوامر قدر الاستطاعة، وترك النواهي البتة.
قوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١]: الزلزلة: هي الاهتزاز والاضطراب والقلق النفسي، فالفتن يتبع بعضها بعضاً حتى تزلزل النفس وتزلزل الأرض، ويكاد يضيع الإنسان عن نفسه.
﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ [الحج:١] أي: هول الساعة، وقيام الساعة.
قوله: ﴿شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١] عظيم بخطره، عظيم بزلزلته، عظيم ببلائه، عظيم بهزة النفس التي تكاد تفقد كل شيء ذهولاً وغفلة، وتكاد تنسى نفسها وكل ما يتعلق بها، فهذه الزلزلة شيء عظيم فظيع كبير لا تكاد النفس تتصوره، ولا تقوم له.
وقد قال تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤]، فقد زلزل المؤمنون وقت البعثة النبوية بكثرة البلاء، وكثرة الاضطهاد، وكثرة التآمر من أعداء الإسلام، فتزلزلت نفوسهم وقلقت خواطرهم، وأخذوا يتحدثون بما لو نطقوا به لكان كفراً، فقد أجاب الله بعد ذلك: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
وزلزلة الساعة يحتمل أنها ما ذكرناه، ويحتمل أنها الزلزلة التي تكون من علامات الساعة الكبرى قبل قيام الساعة عند النفخ في الصور، وقد تكون في قيام الساعة، وقد تكون يوم العرض على الله.
والآية تدل على هذا وذاك، والأحاديث المفسرة تدل على هذا وذاك، ومعنى هذا: أن الزلزلة تكون عند آخر العلامات الكبرى بعد خروج يأجوج ومأجوج الذين يزيد الفساد انتشاراً عند خروجهم، ويهلكون الحرث والنسل، ولا يكون بعدهم إلا الساعة تقوم وهي كالحمل المسن لا يدري أهلها متى تفجأهم بالولادة والوضع أليلاً أم نهاراً؟ أصيفاً أم شتاءً؟ ويتبع ذلك من الأهوال العظام ومن البلابل والفتن ما لا تكاد النفس البشرية تتحملها مهما تحملت، ولكن مع ذلك لا بد من حملها كرهاً أو رضاء.
والله ينذر الناس منذ أن أنزل هذه الآية، ومنذ أن أرسل نبينا صلوات الله عليه وسلم رسولاً للبشر كلهم، بأن الساعة قريبة، وأن الساعة آتية، وأن محمداً ﷺ هو من علامات قربها الأولى، ولذلك يدعو كل الناس إلى أن يجددوا التوبة ويجددوا التقوى، حتى إذا قامت القيامة قامت وهم مؤمنون، موحدون، تائبون لربهم ومنيبون.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ [الحج:١] أي: إن قلاقلها، وإن اهتزازها للنفس وللعقل والبدن، وإن هولها لشيء عظيم لا يكاد يوصف ولكن يوصف ما يحدث معها.
следующие страницы →