Полный текст (2 442 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
تفسير قوله تعالى: (إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون)
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ [الأنبياء:١١٠].
أي: يا هؤلاء الذين تمردوا على ربهم، إن الله يعلم ما تجهرون به من القول، وتصدون به الناس عن الإيمان، وتجهرون به لنبيكم من كفر وعصيان، ومخالفة ومواجهة ومجابهة.
قوله: ((ويعلم ما تكتمون))، أي: يعلم ما تكتمونه في أنفسكم من تآمر ورغبة في قتل النبي ﷺ ، وقتل أصحابه، وطردهم من مكة وعقوبتهم.
وسبب هذه الآية كفار عصره، ثم أصبحت للعموم، يخاطب بها كل كافر كما يخاطب بها كل مؤمن، فمن كفر قبل أو بعد وفي عصرنا أو بعده كل ما ورد في القرآن عن الكفار فهو مخاطب به، ومن سيأتي بعدنا.
стр. 422
تفسير قوله تعالى: (وإن أدري لعله فتنة لكم)
قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأنبياء:١١١]، أي: ولست أدري ما أعطاكم الله في الدنيا من صحة وشباب، وملك وسلطان، وأعمار وأولاد ونساء، هل هذا من الله مكرمة لكم أنتم على كفركم؟ وما أظن ذلك! قوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ [الأنبياء:١١١] أي: ابتلاء وزيادة في قيام الحجة، والحجة لله البالغة، ليقال ساعة الحساب ابتداءً من القبر وسؤال الملكين: فيم صرفت شبابك؟ وفيم صرفت صحتك؟ وفيم صرفت مالك؟ هل أحسنت؟ هل أطعت؟ هل زكيت؟ هل أعطيت من شبابك؟ هل أعطيت من حياتك؟ وقد أرجئت في الموت إلى دار طويل، هل تذكرت يوماً فقلت: ربي الله، رب اغفر لي؟! وسيكون جواب الكفار لله سلباً؛ ليشتد العذاب ويزداد، وتبقى الحجة لله البالغة.
قوله: ((وإن أدري لعله فتنة لكم))، و (لعل) في القرآن ليست للرجاء، ولكنها للتحقيق.
قوله: ((ومتاع)).
أي: متعة في دنياهم من أزواج وأولاد وأرزاق ونعيم، متعوا بذلك ليسألوا عنه، فإذا كان المسلم يسأل عن النعيم فيم صرفه؟ ولم بذر؟ ولم أسرف؟ فكيف بالكافر الذي لا يصرف إلا في باطل وسوء؟ قوله: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأنبياء:١١١] أي: إلى وقت وزمن معين ومسمى عند الله، فلا يعلم ساعة الموت أحد: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤] كما لا ندري متى نموت؟!
стр. 423
تفسير قوله تعالى: (قال رب احكم بالحق)
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ ?بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١١٢].
الذي قال هو نبينا ﵊، وحكى عنه الله ذلك، كما قال الأنبياء قبله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف:٨٩]، وقرئ في القراءت السبع: ((قل)) وهل يحكم الله إلا بالحق، ولكنها بيان حقيقة وواقع، والله هو الذي أمر بذلك.
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء:١١٢] وقرئ: ((قل رب احكم بالحق))، والحق هنا ليس مقابل الباطل، وإنما المعنى: قل رب احكم بعذابك الحق على هؤلاء الذين طالما تمردوا، وعصوا، وطالما كفروا وتألبوا على المسلمين وعلى أنبيائهم، وعلى العابدين المؤمنين.
قوله: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١١٢]، ومع ذلك يبقى الله الرحيم حتى في وقت إيعاده وإنذاره، وذكر الرحمن هنا ولم يذكر الجبار ولا المنتقم.
قوله: ((وربنا الرحمن))، أي: إشارة إلى تطميع الكافر نفسه برحمة الله؛ ولذلك قال نبينا ﵊: (لو يعلم الكافر ما عند الله من رحمته لطمع في جنته، ولم ييئس منها)، وهكذا! فالكافر مهما كان إذا علم الله في قلبه خيراً هداه للإيمان والإسلام يجب ما قبله، وقال: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١١٢]، أي: ربنا الرحيم بعباده، والرحمان لهم، والغافر لذنوبهم، والمنذر لهم، والموعد لهم، والمكرم لهم بأنبيائه ورسله، علهم يوماً ويعودون إليه فيقولون: ربي الله.
﴿الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١١٢].
أي: الذي يستعان به، ويستعين رسول الله بقدرته، وقد وصف الكفار الله تعالى بأن له صاحبة، وأن له شريكاً، وقال الكفار عموماً: له شريك وصاحبة وولد يحتاج إلى من يعينه، تعالى الله عن كل ذلك علواً كبيراً! كما قالوا عن نبي الله: كاذب، وقالوا: ساحر، وقالوا: مجنون، حاشاه من كل ذلك ﵊.
وبهذا نختم اليوم ولله الحمد سورة الأنبياء، ونستقبل غداً بمشيئة الله سورة الحج.
стр. 424
تفسير سورة الحج [١ - ٤]
يحذر الله تعالى وينبه إلى عظمة يوم القيامة، ذلك اليوم الذي تزلزل فيه السماوات والأرض، وتزلزل فيه القلوب والأفئدة لعظمته وهوله، فإذا رآه المولود شاب رأسه، وإذا رأته المرأة الحامل وضعت حملها، وإذا رأته المرضع ذهلت عن رضيعها، وترى الناس كالسكارى وليسوا بسكارى، ولكن عذاب الله شديد.
стр. 425
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم)
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١].
نحن الآن في سورة الحج، وهي في النصف الثاني من الجزء السابع عشر، وسورة الحج فيها ثمان وسبعون آية، ووضعها عجيب، فهي مكية مدنية، أي: نزل بعضها في مكة ونزل بعضها في المدينة، وهي حضرية سفرية، أي: نزل بعضها في الحضر والنبي ﵊ مقيم، وبعضها نزل والنبي ﵊ مسافر ومتنقل بين مكة والمدينة، وفيها الناسخ والمنسوخ، وفيها المحكم والمتشابه.
وهذه السورة تمتاز عن بقية السور الأخرى بأن فيها سجدتين، وهي تشتمل على أكثر أحكام الحج، وهو الركن الخامس من الأركان الخمسة في دين الإسلام.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج:١] النداء هنا يعم كل إنسان من سلالة آدم وحواء، وقوله: ((اتَّقُوا رَبَّكُمْ)) معناه: اجعلوا بينكم وبينه وقاية؛ لتنقذوا من غضبه، وتنقذوا من عذابه.
والتقوى: هي فعل الأوامر قدر الاستطاعة، وترك النواهي البتة.
قوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١]: الزلزلة: هي الاهتزاز والاضطراب والقلق النفسي، فالفتن يتبع بعضها بعضاً حتى تزلزل النفس وتزلزل الأرض، ويكاد يضيع الإنسان عن نفسه.
﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ [الحج:١] أي: هول الساعة، وقيام الساعة.
قوله: ﴿شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١] عظيم بخطره، عظيم بزلزلته، عظيم ببلائه، عظيم بهزة النفس التي تكاد تفقد كل شيء ذهولاً وغفلة، وتكاد تنسى نفسها وكل ما يتعلق بها، فهذه الزلزلة شيء عظيم فظيع كبير لا تكاد النفس تتصوره، ولا تقوم له.
وقد قال تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤]، فقد زلزل المؤمنون وقت البعثة النبوية بكثرة البلاء، وكثرة الاضطهاد، وكثرة التآمر من أعداء الإسلام، فتزلزلت نفوسهم وقلقت خواطرهم، وأخذوا يتحدثون بما لو نطقوا به لكان كفراً، فقد أجاب الله بعد ذلك: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
وزلزلة الساعة يحتمل أنها ما ذكرناه، ويحتمل أنها الزلزلة التي تكون من علامات الساعة الكبرى قبل قيام الساعة عند النفخ في الصور، وقد تكون في قيام الساعة، وقد تكون يوم العرض على الله.
والآية تدل على هذا وذاك، والأحاديث المفسرة تدل على هذا وذاك، ومعنى هذا: أن الزلزلة تكون عند آخر العلامات الكبرى بعد خروج يأجوج ومأجوج الذين يزيد الفساد انتشاراً عند خروجهم، ويهلكون الحرث والنسل، ولا يكون بعدهم إلا الساعة تقوم وهي كالحمل المسن لا يدري أهلها متى تفجأهم بالولادة والوضع أليلاً أم نهاراً؟ أصيفاً أم شتاءً؟ ويتبع ذلك من الأهوال العظام ومن البلابل والفتن ما لا تكاد النفس البشرية تتحملها مهما تحملت، ولكن مع ذلك لا بد من حملها كرهاً أو رضاء.
والله ينذر الناس منذ أن أنزل هذه الآية، ومنذ أن أرسل نبينا صلوات الله عليه وسلم رسولاً للبشر كلهم، بأن الساعة قريبة، وأن الساعة آتية، وأن محمداً ﷺ هو من علامات قربها الأولى، ولذلك يدعو كل الناس إلى أن يجددوا التوبة ويجددوا التقوى، حتى إذا قامت القيامة قامت وهم مؤمنون، موحدون، تائبون لربهم ومنيبون.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ [الحج:١] أي: إن قلاقلها، وإن اهتزازها للنفس وللعقل والبدن، وإن هولها لشيء عظيم لا يكاد يوصف ولكن يوصف ما يحدث معها.
стр. 426
تفسير قوله تعالى: (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت)
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢].
يصف الله ﷻ بعض أهوالها وعظائمها وزلازلها، وأن الإنسان يوم يراها، أي: يرى الزلزلة أو يرى الساعة ويعيش في واقعها ويكون معها فإنه: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج:٢].
فيوم يراها الناس يقع ذهول للمرضعة، ويقع فيها ضياع عن نفسها، حتى إنها تترك الرضيع الذي ترضعه، فهي غافلة عنه، ناسية له، وليس هذه هي العادة بالنسبة للمرضع، ولكن الذهول الذي تكون فيه يشبه الجنون، ويشبه ضياع العقل، حتى تنسى نفسها وتنسى رضاعها، وتنسى رضيعها، وتنسى أحب الناس إليها وأعزهم فتتركه ذاهلة ضائعة تائهة.
يقال: مرضعة إذا كانت ترضع في الحين، ولها ولد ترضعه، ويقال: مرضع إذا كانت ذات ولد وهي ترضعه ولكن ليس بالضروري أن تكون في تلك الساعة ترضعه.
قال تعالى: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ [الحج:٢]، والحامل كذلك تجهض، وتضع حملها قبل وقته وقبل وصوله للشهر التاسع؛ لهول ما هي فيه من زلزلة الساعة وشدتها وعظم ألمها ووجعها وذهولها.
وهذان الوصفان: أن المرضعة تذهل عن رضيعها، وأن الحامل تسقط حملها وتجهضه يدلان على أن هذا الزلزال في الدنيا عند قيام الساعة وليست في وقت الساعة؛ لأن يوم القيامة لا ولادة ولا رضاعة ولا حمل.
وقد يكون المعنى شاملاً، فتكون الزلازل والأهوال العظيمة الشديدة عند قيام الساعة، وبطبيعة الحال تتصل إلى قيام الساعة، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس:٣٤] إلى آخر ما يصف ربنا من الهول ومن الشدة ومن الزلازل وعظمتها وقوتها على النفس.
وفي الأحاديث الثابتة عن نبي الله ﷺ : (أن الله يقول لآدم: خذ بعث النار إلى النار، قال: يا رب! وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون).
وقد نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ وهو في حروب اليهود: بني قريظة وبني النضير، وقد نزلت ليلاً فأصبح فتلاها على المؤمنين، وإذا بهم يبكون في ذهول وكأنهم يعيشون وقت الزلزلة ووقت القيامة، حتى إنهم كفئوا القدور وامتنعوا عن الأكل ولم يجدوا شهية لشيء من أمور الدنيا، فسأل سائل منهم: (ومن عسى أن يكون هذا الواحد يا رسول الله؟ قال: أبشروا فإن منكم واحداً، ومن يأجوج ومأجوج ألف، والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبر الصحابة فرحين، ثم أعاد فقال: إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، فأعادوا فكبروا فرحاً وسروراً، ثم أعاد فقال: وإني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة).
وفي رواية: (ثلثي أهل الجنة، فكبر المؤمنون وقرت نفوسهم فرحاً بوعد الله على لسان رسوله ﷺ ، ثم أعاد فقال: إنكم بين الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، وإني لأرجو أن يدخل منكم الجنة سبعون ألفاً بغير حساب، فاستقل هذا العدد عمر وقال: يا رسول الله! سبعون ألفاً! فقال ﵊: ومع كل واحد سبعون ألفاً)، فقرت أعينهم وسروا بذلك، وذهب حزنهم وفرحوا بوعد الله الحق.
قال تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج:٢] أي: لم يشربوا خمراً، وليس الوقت وقت شراب ولكنه كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]، ولكن العذاب شديد حيث الزلزلة العظيمة الشديدة، فتذهل من أجلها المرضعات، وتجهض الحوامل، وترى العقلاء من الناس وكأنهم سكارى وليسوا بسكارى وما شربوا قط، وإنما هو الذهول، وإنما هو الضياع، وإنما هي الشدة والألم من هذه الزلازل عند قيام الساعة.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]، فالله ﷻ يعلن هذا للناس وقت البعثة النبوية، ووقت نزول هذه الآية الكريمة ويدعو كل الناس إلى التقوى، وإلى عبادة الله، وإلى ترك الشرك، وإلى ترك المخالفة والمعاصي، فإذا عاشوا وعاصروا هذه الزلازل عند قيام الساعة كانوا على تقىً، وكانوا على توحيد، وكانوا على دين، ومن مات كذلك يحفظه الله ﷻ من الكثير من الزلازل ومن البلايا والمحن نتيجة توحيده وإيمانه.
стр. 427
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم)
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج:٤].
يقول الله عن بعض المشركين، وعن بعض اللسنين المجادلين، وهم مع كفرهم ومع ردتهم ومع شركهم فيهم عناد وجدال للحق بالباطل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الحج:٣].
وكان سبب نزول هذه الآية ما قاله النضر بن الحارث وهو يلف المشركين حول رسول الله ﵊، وهو جالس عند الكعبة الشريفة، يقول لهم: هذا الذي يقوله محمد أنا أقول مثله، لقد سافرت ورأيت بلاد الروم وبلاد الفرس وأستطيع أن أقص عليكم أساطير الأولين كما يقصها محمد، فهو يجادل بالباطل، ويجادل بغير علم، فلم يحاج ويبرهن ويستدل ويبحث عن الحق بدلائل المعقول والمنقول، وبالدلائل التي يقبلها العقل السليم، وبالأدلة التي نزلت وحياً عن الله ﷻ على رسله وعلى خاتم النبيين عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، فالآية قد نزلت من أجل النضر، هذا وقد لقي جزاءه وقتل مع عقبة بن أبي معيط يوم بدر؛ يوم الفرقان، يوم نصر الله لنبيه وللمسلمين، وهذه صفة كل مشرك مضى أو سيأتي.
وكثيراً ما نجالس بعض هؤلاء المشركين وبعض المرتدين ممن كان يوماً مسلماً، فيجادل بالباطل في كتاب الله وهو يجهل منه أي كلمة وأية آية، ويجادل في دين الله وهو لا يعلم عنه نقيراً ولا قطميراً.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الحج:٣] وما أكثرهم، فهو يجادل في الله بغير علم ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج:٣] فإمامه الشيطان، ومصدر تلقيه هو الشيطان ووسوسته وأضاليله، ويتبع كل شيطان من الإنس والجن من أئمة الباطل ومن أئمة الشرك، ومن أئمة الفساد في الأرض، فتراه يتبع كل ناعق، وتراه مع كل شيطان مارد.
قال تعالى: ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج:٣] أي: متمرد، وفعيل: صيغة مبالغة، أي: شديد التمرد على الله، وشديد الإصرار والتمسك بالشرك والعناد والمخالفة للسنة ولكتاب الله الكريم: ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج:٣].
قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ [الحج:٤] أي: قدر عليه، أي: قدر على الشيطان في الأزل منذ تعاظم على ربه وتكبر على السجود لآدم الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه، وأبى أن يسجد له متعاظماً متكبراً مخالفاً لأمر الله، وأول ما عصي الله بالكبر، وما تعالى إنسان على الله إلا وقصمه وأماته بالذل والهوان حتى كأنه البعوض.
قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ﴾ [الحج:٤] أي: كتب على الشيطان أن من تولاه، أي: من جعله ولياً، وجعله إماماً، وجعله متبوعاً، وجعله يوحي إليه بكفره وشركه.
قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج:٤] فمن تولاه واتبع قوله، واتبع وساوسه كانت نتيجته أنه يضل ويشرك ويتمرد تمرد الشيطان.
قال تعالى: ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج:٤] أي: إلى أشد أنواع العذاب والحريق بحيث تتسعر به جهنم كأنه وقودها، وكأنه الحجر أو الحطب الذي به اشتعلت النار وتسعرت واشتد حريقها.
وهداية الشيطان ليست إلى النور، ولا إلى الحق، ولا إلى التوحيد، ولكن إلى عذاب السعير، إلى جهنم وبئس المصير، إلى لعنة الله وغضبه، فلا يقوده ولا يهديه إلا إلى الشرك والكفر والضلال.
стр. 428
تفسير سورة الحج [٥ - ٩]
في هذه الآيات يذكر الله تعالى أطوار خلق الإنسان، ومراحل نشوئه منذ المرحلة الأولى إلى آخر المراحل، ويضرب الله الأمثال العقلية الواقعية التي تأسر القلوب، وتدخل اليقين إلى النفس، بأن البعث بعد الموت حق.
стр. 429
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث)
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج:٥].
هذه الآية من أعظم الآي على قلة ألفاظها وبديع جملها كالقرآن كله فصاحة وبلاغة وجمع كلم، فقد جمعت فأوعت أطوار الإنسان ومراحله منذ الخلق الأول؛ منذ خلق أبينا آدم من تراب وإلى أن نعود بعد ذلك إلى التراب، في كلمات قليلة ذات معان كثيرة، وتحتمل هذه الآية وحدها مجلدات في التفسير والبيان.
والأطباء لهم فيها قول، والأدباء لهم فيها قول، والشريعة بأحكامها لها فيها قول كشأن القرآن الكريم، فيأخذ منه كل عالم بإحدى فنون علم الإسلام مما هو في حاجة إليه، وإلى معرفته، وإلى بيانه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨].
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج:٥] إذا قال الله: يا أيها الناس! فالخطاب والدعوة لكل بني آدم وبنات حواء، فكل البشر يعد بذلك مخاطباً، ويعد بذلك مبلّغاً، وتلزمه الحجة البالغة إذا هو تمرد وإذا هو عصى وإذا هو خالف.
وإذا قال الله: يا أيها الذين آمنوا! كان الخطاب للمؤمنين، وعادة القرآن الكريم ينادى بيا أيها الناس! في أصول الخلق والشريعة والدعوة إلى التوحيد، وإلى الإيمان بالله ورسله في أصول الإسلام، وأصول الديانة.
وإذا قال: يا أيها الذين آمنوا! فهو نداء للمؤمنين ليستجيبوا لفروع الشريعة ولأحكامها، أو يزدادوا إيماناً وتمسكاً بأمور عقائدهم.
وهنا الخطاب للناس جميعاً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ [الحج:٥] يا هؤلاء الناس! مؤمنهم وكافرهم، المؤمن بالبعث والكافر بالبعث، ويا هؤلاء! الذين لا يزالون في شك وفي ريب من البعث والخلق الثاني بعد الخلق الأول، والحياة الثانية بعد الموت والنشور والعرض على الله إما إلى جنة وإما إلى نار: إن كنتم لا تزالون في ريب وفي شك فاسمعوا قصة الإنسان وحياة الإنسان، والأطوار التي تطور فيها الإنسان منذ كان تراباً وقبل أن يخلق إلى أن عاد تراباً ثم حياً ثم يبعث بعد الموت.
قال تعالى: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج:٥] هذه هي الأطوار البشرية منذ التراب وإلى التراب وإلى البعث بعد الموت: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج:٥] فخلق أبانا الأول أصل مادتنا وكياننا ووجودنا، خلقه من تراب؛ من كل أنواع التراب في الأرض: خصبها وجافها، صحرائها ومنبتها، جبلها ووهادها، ومن هنا كانت أنواع السلالة والذرية أشكالاً وألواناً، فالذكي والبليد، والأبيض والأسود، والطويل والقصير، ومن يعيش مدة ومن يزيد على ذلك، ومن يجهض قبل الولادة.
قال تعالى: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج:٥] خلق أبانا من تراب، ثم نفخ فيه من روحه فكان بشراً سوياً، ثم خلق زوجته أمنا الأولى حواء ﵉ وعلى نبينا.
ثم كانت السلالة بعدهما من نطفة، والنطفة: هي القليل من الماء، فتطلق على الماء عموماً، وكان من ذلك المني أصل البذرة البشرية بعد الخلقة الأولى من التراب.
قال تعالى: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الحج:٥] (ثم) هنا على ترتيبها الزمني الوقتي، فكانت الخلقة الأولى من تراب، ثم الخلقة الثانية من نطفة من تزاوج بين ذكر وأنثى، فصب ماء من أصلاب الرجال إلى أرحام النساء فكون الوليد.
وهكذا منذ آدم وحواء وإلى عصرنا وإلى آخر مخلوق إلى يوم النشر، وإلى يوم النفخ في الصور، هكذا الخلقة من ماء مهين.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ [الحج:٥] والعلقة: هي القليل من الدم إذا قسا وتجمع، ولكنه بقي طرياً أشبه بالعلقة وهي الحشرة المعروفة.
﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ [الحج:٥] والمضغة: هي قطعة اللحم، كما قال النبي ﵊: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب) وهكذا الإنسان يبتدئ تراباً، ثم نطفة، ثم علقة، ثم مضغة مخلقة وغير مخلقة، مخلقة أي: كاملة تامة بتخطيط حواسها وجوارحها من عين وشفتين ومنخرين وأذنين ولسان ويدين ورجلين ورأس وشعر وفرج، وهكذا يخطط الإنسان وهو في رحم أمه في الطور الثالث، هذه المضغة تكون مضغة غير مخلقة، ثم تتحول إلى مخلقة، أي: تصبح تامة الخلقة، تامة الحواس، إنساناً كاملاً ولكنه لا يزال جنيناً في الرحم.
قال تعالى: ﴿مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج:٥] أي: تامة وغير تامة، فالتامة قد تأخذ سبيلها إلى التمام إلى أن تولد وتخرج للدنيا طفلاً، وغير المخلق: أن يسقط ويجهض وهو لم يتم خلقه بعد، ولم تبن حالته، ولم يظهر بعد أذكر هو أم أنثى: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج:٥].
ثم قال تعالى: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [الحج:٥] أي: قدرة ربكم على فعل كل شيء وصنع كل شيء، وخلق كل شيء، كيف جعل من التراب الميت إنساناً سوياً، جميل الجوارح، جميل التقاطيع، فصيح اللسان، عاقل الفكر، متكلماً، وإذا به يخلفه ثم جعله الله خليفة في الأرض، كما قال عن داود: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ [ص:٢٦]، وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠].
وإذا بهذا التراب يتحول بقدرة الله على كل شيء إنساناً كاملاً في أطوار من تراب إلى نطفة، إلى علقة، إلى مضغة، ثم بشراً طفلاً صغيراً سوياً، وقد خرج من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا.
قال تعالى: ﴿مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [الحج:٥] أي: نبين لكم قدرة ربكم على فعل كل شيء وخلق كل شيء، وكيف قد خلق من الميت الحيَّ، ومن الحي الميتَ، وصنع من التراب الهامد الذي لا يتحرك ولا حياة فيه بشراً سوياً، ونشره في الأرض فأصبح سيد الخلق، والمحكم في الخليقة، فيأمر وينهى، ويقتل ويحيي بإذن الله إن كان عادلاً، ويظلم ويسفك الدم الحرام إن كان ظالماً.
قال تعالى: ﴿وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج:٥] أي: هذه المضغة غير المخلقة التي تسقط وتجهض قبل خروجها للعالم.
وعلماؤنا وأطباؤنا جماهيرهم تقول: الجنين لا يبقى في رحم أمه أكثر من تسعة أشهر، ولكن الكثيرين يؤكدون ويقولون: قد يبقى الجنين في بطن أمه سنة كاملة وسنتين وأكثر.
وكثيراً ما يقول الناس في تراجم علماء وأقوام ورجال وسادة: أنه عاش في بطن أمه كما أخبرته أمه سنة وسنتين.
يذكر هذا عن أحياء، ويذكر هذا عن أموات، ويذكر عن كبار من الأئمة وعن صغار من الناس.
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج:٥] ثم يخرجنا من الأرحام طفلاً، وفي لغة العرب المفرد قد يطلق مذكراً على الجمع، أي: نخرجكم أطفالاً.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ [الحج:٥] لتصلوا وتبلغوا إلى الأشد، وإلى القوة وتمام الرجولة وتمام العقل، وتمام القوة، وتمام القدرة على الحياة بما ينفعك أو يضرك.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ [الحج:٥] أي: منكم من يموت عند الشبيبة وعندما يبلغ الأشد، ومنكم من يموت طفلاً، فقد يموت الإنسان شاباً، وقد يموت كهلاً، ومنهم من يزيد به العمر إلى أن يصير شيخاً حاضر الذهن، حاضر الوعي، وقد يصل إلى أرذل العمر.
قال تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [الحج:٥] فيرد إلى خلقه الأول ضعيفاً، فقد خلق عاجزاً عن النطق وعن الوعي فيعود للعجز عن النطق وعن الوعي، ولذلك سمى الله هذه السن الفانية: أرذل العمر، أي: أقبح العمر وأقبح الأيام، وقد استعاذ بالله نبينا من ذلك ﵊، استعاذ بالله من الفقر، ومن الجوع، ومن الكفر، ومن بلوغ أرذل العمر.
وقد يصل الإنسان -ونشاهد هذا كثيراً وتشاهدونه- إلى مائة سنة وقد يتجاوز ذلك، وقد مات رجل صالح في أرض المغرب تجاوز المائة والعشرين سنة وهو على غاية ما يكون من الوعي والفهم والعقل، يسأل عن أحوال المسلمين في المشارق والمغارب، مما يدل على أنه مع هذه السن لا يزال واعياً، ذاكراً، متتبعاً أحوال المسلمين، يهتم بهمومهم، فيفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم.
قال تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ﴾ [الحج:٥] اللام هنا هي لام العاقبة، أي: ليصل إلى درج
стр. 430
معنى قوله تعالى: (وترى الأرض هامدة)
ثم قال تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج:٥].
هذا يدل على أن ما يصنعه الله في الإنسان يصنعه في الأرض، وقد يكون هذا أعظم وأبلغ، وهو كالإحياء من التراب لأبينا الأول آدم.
قال تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً﴾ [الحج:٥] أي: ميتة لا حراك فيها، فهي تهمد همود الميت.
فيخاطب الله تعالى أي إنسان يرى الأرض ببصره عندما لا تنبت هامدة ميتة لا حراك بها كالصحاري وكالصخور وكالأرض المتحجرة، وكالأرض المالحة، وكالأرض المجدبة، تجدها باستمرار هامدة لا تقبل نباتاً ولو أفضنا عليها بحار الأرض.
﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج:٥] فإذا سقاها الله وأغاثها بالمطر أخذت تهتز وتربو، أي: ترتفع؛ لأن الحياة دخلتها.
ومن أين أتت هذه الحياة؟ نرى الأرض هامدة فإذا أنت وضعت فيها حبوباً ميتة، ورأيت جذر شجرة ميتاً، فتغيب عنه أياماً وإذا به ينمو ويعلو ويخضر؛ لأن الله جعل الحياة تدب فيه مرة أخرى، فقد سقاه الله وأحياه بالماء والمطر، ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠] إنساناً وحيواناً ونباتاً، وكل ما يطلق عليه شيء.
قال تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج:٥] أخذت تهتز وتضطرب، ولو أردت أن تؤكده وتحققه -وخبر الله مؤكد، فهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه- فازرع شيئاً وراعه ليلاً ونهاراً أو في أي وقت، فستجد أن ذلك التراب أخذ يربو ويهتز ويضطرب، وإذا بتلك البذرة انفلقت عن غصن، وانفلقت عن شيء فيه حياة، وهكذا من كونه غصناً صغيراً ليناً يكسر بأي شيء، وإذا به شجرة شامخة، فمن الذي أحياها؟ ومن الذي زرع فيها الحياة؟ وكيف كان ذلك؟ تلك قدرة الله التي انفرد بها ﷻ ، فهو المحيي والمميت، وهو الحي موجد الوجود والحياة، وهو الذي يحيي ويميت، فلا صنم ولا وثن ولا ملك ولا إنس ولا نبي ولا جن ولا غير الله يستطيع أن يفعل ذلك، فالطبيب يعالج العضو الفاسد ويرقعه، أما إذا فقد أو ذهبت منه الحياة فلا يعطي الحياة إلا الله، ولا يعطي العضو الحركة إلا واهبه ومحركه ﷻ .
стр. 431
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق)
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج:٦].
هذه إشارة للخلق وللإيجاد، ولوهب الحياة، ولجعل التراب إنساناً، ثم نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم جنيناً سوياً، ثم طفلاً يخرج لهذا الوجود، ثم شاباً يافعاً، ثم كهلاً، ثم شيخاً، ثم شيخاً فانياً، ثم بعد كل ذلك الموت والتراب، ثم البعث بعد الموت.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج:٦] ﷻ ، ذلك بسبب أن الله وحده هو الحق، فلا صنم ولا شريك ولا وثن ولا ملك ولا نبي ولا إنس ولا جن ولا أي شيء في هذا الوجود، فليس الحق إلا الله.
والله ﷻ هو الذي يهب الحياة لمن شاء، فهو الذي وهب الموت والحياة، وهو الذي خلق الإنسان في هذه الأطوار، وهو الذي خلق الأرض بعد أن كانت ميتة فأخذت تهتز وتربو.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [الحج:٦] بعد الخلق الأول بهذه الأطوار التي ذكر ﷻ ، وبعد هذا فهو قادر على أن يحييها ويعيدها كما بدأها أول مرة.
قال تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩].
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج:٦]، فالله وحده هو القادر على كل ما يريد، والقادر على كل شيء، ولا يستطيع ذلك ولا يقدر عليه كل من نسب له شريكاً، ونسب له معيناً، ونسب له مؤازراً كذباً وزوراً وافتراءً من المشركين والكافرين، فالله هو المنفرد بالخلق وبالحياة وبالإيجاد، فإن كانت هناك حياة فمن خلقها؟ وإن كان هناك رزق فمن خلقه؟ وإن كان هناك بعث بعد الموت فمن قدره؟ قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج:٦]، فالله الذي يحيي ويميت هو الحق لا حق غيره، ولا حق سواه، وهو المنفرد بالقدرة على كل شيء.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الحج:٧]، فبعد أن عرض هذا العرض أخذ يخاطب العقول السليمة، ويخاطب المؤمنين بعد أن أكرمهم الله بالفهم وبالعقل وبالإدراك وبالإيمان، يقول عن الساعة: إنه سبق في علم الله كما أنه أوجد هؤلاء الخلق من العدم ثم أماتهم وأفناهم أنه سيعيدهم مرة ثانية، آمن من آمن أو كفر من كفر، فذلك حق لا ريب فيه ولا شك.
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الحج:٧] أي: وكل آت قريب، فستقوم الساعة وسيأتي يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الحج:٧] أي: لا شك ولا ارتياب، ومن شك فيها أو جحدها فهو كافر مرتد لا يؤمن بالله، ولا يؤمن بما جاء به الله، ولا يؤمن برسل الله، وبما أمروا بتبليغه للناس.
قال: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٧]، فيبعث الموتى من عهد آدم وحواء وإلى آخر ميت من الإنس والجن، وقد قبروا ودفنوا وعاد إلى التراب إلى التراب، وعاد الفناء إلى الفناء، ولكن الله تعالى بعد ذلك يبعثهم ليوم الساعة الذي لا ريب فيه، يبعثهم من القبور ويعيدهم ويحييهم كما بدأهم وخلقهم أول مرة.
قال معاذ بن جبل ﵁: من آمن بيوم البعث، وأن الله قادر على كل شيء، وأن الله يحيي الموتى، فهو مؤمن يدخل الجنة.
ومن المعلوم: أن من آمن بهذا آمن بالله، ومن آمن بالله أطاعه، ومن أطاع الله آمن برسوله، ومن آمن برسوله أطاعه وعمل بما أمره به قدر جهده واستطاعته، وترك كل ما نهى عنه ﷺ .
стр. 432
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله)
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج:٨].
وهذه مرة أخرى، فقد قال هذا عن الإنسان في الأول، ثم عرض هذه الأدلة العقلية القاطعة التي لا ينكرها إلا من فقد العقل أو عاند في هذا، وهو يعتبر أيضاً فاقداً للعقل، عاد الله فقال بعد هذا العرض العقلاني الذي لا يدفعه إلا مجنون أو من غطى الران على قلبه فلم تفد فيه موعظة ولا دعوة ولا هداية، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج:٨].
قالوا: وسبب نزول هذه الآية كان في النضر بن الحارث، ثم هي عامة لكل الكفار ولكل الخلق: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الحج:٨].
أخبرني بعض الأصدقاء العارفين المؤمنين من الأطباء: أنه دعي إلى مؤتمر في بلاد الشيوعية وهي تدين بالإلحاد والكفر بالله وبرسله، فاختار هذا الطبيب أن تكون محاضرته عن خلق الإنسان كما ورد في القرآن، فتلا هذه الآية وأخذ يفسرها ويترجمها للحاضرين، ثم أخذ يستدل فدهش الحاضرون أن يكون هذا في الوحي، وأن يكون القرآن قد نطق بذلك، وأن تكون الرسالة المحمدية قد ذكرت هذا وما وصل إليه ما يسمونه بالعلم الحديث، ولكنهم تنبهوا أن هذا سينقض أساس كفرهم وأساس دينهم الباطل وإذا بهم يسكتونه رغم كونه جاء مدعواً، جاء ضيفاً، وللضيف حرمته، وللضيف مقامه، ولكن كفرهم والران على قلوبهم أنساهم الأدب، وأنساهم كرم الضيافة وآدابها.
وهكذا من لعنه الله تعالى، وسلب منه العقل، وأصعد الران على قلبه، فلا يفيد فيه قرآن ولا سنة ولا دعوة، وهم من هؤلاء: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الحج:٨].
فيجادل في ذات الله، وفي قدرة الله، وفي وحدانية الله، وفي أن الله وحده الخالق، ووحده الرزاق، ووحده المحيي، ووحده المميت، وأن كل ما يعتقده يهود أو نصارى أو ملاحدة أو مرتدون باطل لا أساس له، وعلى ذلك فهم يجادلون فيما يعلمون فلم يجادلون فيما لا يعلمون؟ والجدال: هو الكلام على الحقائق بمجرد الهوى والباطل لا بدليل من عقل، ولا بسلطان من الله، ولا من سمع، ولا من نقل، لا من سمعيات عقلية، ولا من نقليات في كتب الله وسنن رسله.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى﴾ [الحج:٨] فيعيش في ظلمة، ويعيش في باطل فهو يجادل بباطله، ويجادل بظلمته، ويجادل بضلاله، ويجادل في الله في جهل مركب ولا يعلم أنه جاهل، فلا هدي ولا نور، ولا يزداد إلا ظلماً وباطلاً.
قال تعالى: ﴿وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج:٨] أي: ولا يجادل بكتاب بين، نير ينير العقل، ينير الدليل، وينير الاستدلال بما يزيل ظلام الشرك وظلام الجهل.
وهو إذا استدل يستدل بكتاب عن كافر، وعن ملحد مثله، وعن داعية لا دين له، ولا علم له، ولا معرفة له، فاتخذه إلهه، واتخذه نبيه، واتخذه إمامه وقائده إلى النار: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج:٨].
قال تعالى: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج:٩] أي: ثاني عنقه، يتحرك بعنقه ويصعر خده تصعير المتعاظم عن سماع الحق، وقبول الدليل، فالظلمات ظاهرة على مذكراته وجدله، فهي ظلمات وباطل بعضه على بعض.
فيجادل بالباطل بغير علم، وبغير نور، وبغير دليل من كتاب نير، وهو في هذا ثاني عطفه، والعطف: صفحة العنق، فهو يثني عنقه متعالياً متكبراً تكبر الشيطان يوم امتنع عن السجود لآدم، متعاظماً بجهله، متعاظماً بكفره، وهذا زيادة في ضلاله، وزيادة في حمقه، فإذا ابتلي إنسان به فجزاؤه الازدراء والتحقير، فإن استطاع المجادل بالحق أن يفعل به ذلك فيجب أن يسخر منه، وأن يهزأ به وبعقله وبهديه وبكتابه الذي استدل به بالباطل وبالظلمة.
قال تعالى: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج:٩] اللام: لام العاقبة، يثني عطفه، يتكبر ويتعاظم، وتكون العاقبة: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج:٩] أو: لام التعليل، وكل ذلك مقبول، وكل ذلك يمكن أن تفسر الآية به.
يفعل ذلك ليضل عن علم؛ لأنه يضل عن باطل، عن نية مبيتة وقصد سيء، ليضل الناس ويفسدهم عن سبيل الله، عن الإسلام، عن القرآن، عن النبي ﵊، وما أكثر هؤلاء الداعين إلى الضلال، الداعين إلى الكفر، الداعين إلى الشرك، الداعين إلى المسخ.
وهؤلاء الآن قد تولوا نشر البرامج في العالم الإسلامي وأبعدوا حرمة الشرائع في العالم الإسلامي، فذهبوا يتبعون الغرب في نظرياتهم، وفي كفرهم، وفي ما يسمونه: فلسفة وجدلاً وطرقاً للبحث والوصول إلى الحقائق، وما زادهم ذلك إلا كفراناً، فتركوا القيادة المحمدية إلى القيادة الشيطانية، وتركوا القرآن الكريم إلى كتب هؤلاء الأئمة الضالين، أئمة النار وأئمة الكفر، وذهبوا يتبعون كل ناعق -كما قال تعالى- عن غير علم أو هدى أو كتاب منير، وما ازدادوا بذلك إلا بعداً عن الله، وضلالاً وظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج الرجل يده لم يكد يراها.
قال تعالى: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:٩]، فهذا الذي يدعو إلى الباطل، ويجادل بالباطل بغير علم، يجادل عن جهل، وينشر الجهل باسم العلم، ويقول لك: هذه أشياء علمية، فنحن نبحث عن الاشتراكية العلمية، ونبحث عن العقائد بالعلم، وهم بذلك جهلة، كذبة، ضالين مضلين، وهم يعلمون أنهم ضالون مضلون، وما أوصلهم ذلك إلا للخزي في الدنيا، ولعذاب الله المحرق الشديد يوم القيامة.
﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ [الحج:٩] فأخزاهم الله أذلهم حقرهم وأذهب عقولهم، فعاشوا في فساد، وعاشوا في شرك، وعاشوا في ضلال، وعاش بعضهم على بعض كالكلاب والخنازير، وعاشوا لا يحترمون كبيراً، ولا يعطفون على صغير، ولا يحترمون مقدساً، ولا يؤمنون بنبي، ولا يوحدون ربهم، فهم قساة القلوب، غلاظ النفوس، لا يدعون إلا إلى الباطل والضلال، وهم لا يزدادون بذلك إلا خزياً وتحقيراً وتصغيراً.
هذا جزاؤهم في الدنيا وإن لم يشعر بذلك المرتد والضائع والتائه، لكنهم يشعرون بذلك في خاصة أنفسهم، خاصة عندما يجادلون أصحاب الحق والبيان والدليل المشرق، فتجدهم يحتقرون أنفسهم، ويشعرون بالذل وبالهوان وبالجهل.
قال تعالى: ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:٩] أي: مع خزيهم في الدنيا وهوانهم على الله والناس، فإنه يوم القيامة يذيقهم عذاب الحريق، أشد العذاب، ويدخلون جهنم فيحترقون وتسعر بهم النار جزاءً وفاقاً لشركهم وكفرهم وضلالهم.
стр. 433
تفسير سورة الحج [٨ - ١٦]
يذكر الله تعالى حال بعض الناس ممن يجادل في الله وآياته بالباطل والهوى، فيريد أن يحق الباطل وأن يبطل الحق، ولكن هيهات.
هؤلاء هم الذين يدعون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم من الأصنام والأحجار، بل يدعو لمن ضره أقرب من نفعه كما حصل من قوم فرعون.
стр. 434
تابع تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم)
قال الله ﷻ : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج:٨ - ١٠].
يذكر الله ﷻ أن من الناس قوماً كفرة مشركين يجادلون في الله بغير علم ولا هداية ولا كتاب نير، ولا تكون مناقشتهم مناقشة علم ولا بحث في دليل، ولكنه السعي في الجدل بما لا طائل تحته.
فقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الحج:٨] أي: لا علم عنده ولا معرفة لديه ولا دراسة.
قال تعالى: ﴿وَلا هُدًى﴾ [الحج:٨] أي: ليس من الهداة الذين يستحقون أن يجادلوا أو يبحثوا أو يذاكروا في الله وعلمه وكتابه وشريعته.
قال تعالى: ﴿وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج:٨] أي: لا كتاب عندهم يعتمدون عليه ويستدلون به، فهم يناقشون ويجادلون بغير عقل ولا فهم، ولا دليل ولا برهان من عقل أو نقل، لا بنقل من الله في كتابه، ولا ببيان من رسله، ولا بمنطق تقبله العقول، وإنما هو الجدال بالباطل في الخالق العظيم جنابه والعظيم مقامه ﷻ .
وليس هذا تكراراً للآية السابقة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج:٣]، فهناك نوعان من الناس: كفرة مقلدون، وكفرة يخترعون ويبتكرون ويكونون أئمة للكفر والفجور والجدال بغير حق، ففي الآية السابقة أولئك يجادلون في الله بغير علم، ولكنهم مع ذلك مقلدون قردة يتبعون كل شيطان وأفاك أثيم، فهم في كفرهم مقلدون، ويكررون ما لا يفهمون ولا يعون.
وهؤلاء يبتكرون ويأفكون ويخترعون الكذب بحيث يكونون أئمة لأولئك، ولكن أيضاً بغير برهان من الله ولا دليل من عقل، ولا كتاب أنزل أو فسر به ما أنزل.
قال تعالى: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج:٩] حال كونه لاوياً عنقه وجنبه، معرضاً عن الحق وعمن أتاه به؛ تعاظماً وتكبراً واستعلاءً عليه، وهذه سخافة عقل وضياع فهم وإدراك، فمع كفره وشركه تراه متكبراً بكفره يظن أنه على شيء وليس على شيء.
قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج:٩] أي: يجادل في الله وهو لا يريد بذلك الجدال الخير، وإنما يجادل بلا دليل له من نقل ولا عقل، يريد به الصد عن الله وسبيله، وعن رسالة نبيه صلوات الله وسلامه عليه.
﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ [الحج:٩] أي: له في الدنيا خزي: من السمعة السيئة، واللعنة، ومن استحقار الناس له، وإذا وقع في الأسر فإنه يقتل ويصادر ويعامل معاملة الدواب، والأعداء الذين يظفر بهم المؤمنون هذا عذابهم في الدنيا: الخزي والذل والهوان.
قال تعالى: ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:٩] أي: يكونون يوم القيامة وقوداً للنار مع الحجارة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، فهذه النار التي يكون وقودها أمثال هؤلاء الناس من المجادلين في الله بغير علم يحرقون بها، ويكونون حطبها ووقودها.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج:١٠] أي: يقول الله أو ملائكته لهذه الطبقة من الناس المشركة المجادلة بالباطل: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج:١٠] أي: ذاك الحريق والعذاب وذاك الهوان في الدنيا وعذاب الآخرة جزاءً وفاقاً لشركه وكفره، فهم يعذبون ويقال لهم: ذوقوا.
فقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج:١٠] أي: بما سبق أن صنعته وفعلته واكتسبته من شرك وكفر.
ونسب ذلك لليد؛ لأن من شأن اللغة أن ما اكتسبه الإنسان وحصله ينسب ليده، فبيده يبطش، وبيده يتحرك، وبيده يرفع الكتب وينزل، وأصبحت الكلمة معناها أعم من ذلك، فذلك بما كسبت يداك، أي: ما صنعته واكتسبته وقمت به من باطل وكفر وشرك.
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج:١٠] أي: ما حصل لهم وعوقبوا عليه من هوان وذل في الدنيا ونار وحريق في الآخرة، كان ذلك جزاءً وفاقاً لما كسبت أيديهم، وما صنعوه من جدال بالباطل.
والله ليس بظلام أي: ليس بظالم، وظلام صيغة مبالغة، قال الله تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا).
فهو لا يظلم أحداً شيئاً، فمن يأت بمثقال ذرة خير جوزي بها إحساناً، ومن يأت بمثلها الشر جوزي بها، وقد يغفرها الله، وقد يضاعف الله الحسنة أضعافاً كثيرة.
стр. 435
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف)
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١].
هذه طبقة أخرى من الناس مذبذبة منافقة، تسلم وتؤمن ولكن إسلامها يكون على الحاشية، فلا يكاد يصيبهم شيء إلا وتجدهم قد ارتدوا وكفروا وتنكروا للدين الذي دانوا له.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج:١١] الحرف: جانب الطريق، أو جانب الجبل، أو جانب الحائط، أو جانب الوادي، فهم يؤمنون ولا يدخل الإيمان في قلوبهم، ولما يدخل الإيمان في قلوبهم يؤمنون ولكن لا يخالط بشاشة الإسلام قلوبهم، بحيث يعتقدون ويتيقنون بالإسلام عقيدةً ونظاماً ودولةً.
وإنما يؤمنون باللسان وهم على طرف من الإسلام والإيمان كمن يقف على حافة جبل، أو على حافة بئر، أو على حافة نهر أو بحر، وبأقل حركة منه يتدهده ويسقط إلى الحضيض.
فهذا الذي يؤمن على حرف يقول في نفسه: سأرى إن أدركت خيراً من هذا الإسلام استمررت فيه، وإن لم يصبني منه خير تركته، فهو في الأصل متردد وغير متيقن.
وهنا يكون معنى الآية: ومن الناس من يعبد الله على شك، وليس على يقين ولا إيمان ثابت آمن به الجنان، بحيث إذا نطق اللسان يصدق اللسان القلب والقلب اللسان.
﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ [الحج:١١] إن كان له خير بعد هذا الإيمان أو كسب أو ربح، إن تزوج أو ولد له ولد، إن زادت تجارته وربح فيها، وإن زادت زراعته وولدت أغنامه وولدت أبقاره يقول: لقد كان هذا الدين علي بركة، وكان ميموناً.
وإن هو لم يتزوج أو ماتت زوجته، أو ولد له أنثى أو خسر في التجارة أو في الزراعة يقول: لا فائدة من هذا الدين، فهو شؤم علي.
فقوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ [الحج:١١] أي: بعد إيمانه الذي هو إيمان شك وريبة، فإن أصابه خير واكتسب مالاً أو جاهاً أو مولوداً أو تجارة أو زراعة يطمئن ويقول: قد كان ديني هذا الذي دنت الله به دين بركة ويمن.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج:١١] أي: إن فتن وابتلي بموت قريب، أو بخسارة مال، أو بفساد زرع انقلب على وجهه وارتد وانتكس وعاد للكفر والشرك، فيكفر بالإيمان ويقول: ما وجدت في هذا الإيمان خيراً.
وهكذا إيمان المنافقين المتشككين، وهذا الذي يكون إيمانه كذلك لا إيمان له، بل إن إيمانه أشبه بإيمان أولئك السابقين الذين يجادلون في الله بغير حق ولا هدىً ولا كتاب منير.
فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج:١١] أي: ارتد وانتكس وأصبح وجهه على التراب، وهي كناية على أنه أدبرت به الأيام فارتد وكفر، فعوضاً عن أن يكون صابراً معتزاً بدينه، يواجه الناس وهو مسرور فرح، إذا به يخجل فيغمر وجهه في التراب، حتى لو لم يفعل ذلك فحاله وانتكاسه وانقلابه وردته تقول ذلك بلسان الحال.
﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١] أي: خسر دنياه التي ما آمن إلا سعياً فيها وطمعاً في غنائم الحرب والزكاة وصدقات المسلمين والفيء، فلما لم يحصل له المراد ارتد وكفر وانقلب على وجهه فخسر دنياه.
وكذلك سيخسر آخرته بأن يدخل النار ويحرم من الرحمة ومن دخول الجنة؛ لأنه لم يسلم، إذ إن إيمان الشك ليس بإيمان، وصاحب الإيمان الذي يكون على حرف إن وجد خيراً استمسك، وإن وجد سوى ذلك ارتد، فهذا إيمان المنافقين كما قال الحسن البصري.
﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١] هذا الذي يعبد الله ويوحده ويدين به على شك وريب لا يكون إيمانه تاماً إلا إذا وجد خيراً، وينتكس إذا لم يجد ذلك الخير، فيكون نتيجة هذا أن خسر دنياه بأن لم يتم فيها ما كان يريده، ويخسر آخرته بدخول النار وغضب الله.
فقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ [الحج:١١] أي: هذا الذي نقول، ﴿هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١] أي: الخسارة البينة الواضحة التي خسر فيها نفسه، وخسر فيها آخرته.
стр. 436
تفسير قوله تعالى: (يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه)
هذا المتشكك المجادل في ربه ﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ [الحج:١٢].
فهذا الصنف من الناس منافقاً ومشركاً يعبد من دون الله ﴿مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ﴾ [الحج:١٢] أي: يعبد الأصنام والأوثان التي إن لم يعبدها لم تضره، وإذا عبدها لم تنفعه، وهو في هذه الحالة في ضلال بعيد وكبير لا ضلال بعده ولا ضلال قبله، وخسر دنياه وآخرته بشركه بالله وعبادته ما لا يضر ولا ينفع، وتلك صفة المجادل في ربه عن غير هدى ولا علم، وتلك صفة المنافق الذي يعبد الله على حرف.
ثم قال تعالى: ﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج:١٣] يدعو: يعبد، والدعاء مخ العبادة؛ لأن الإنسان عندما يقول: أعطني يا رب! يكون معنى ذلك: أنه يعترف بأن الله وحده المالك لما يعطيه، والمانع لما أعطاه، والمحيي المميت.
وعندما يقول: يا رب! يكون قد خرج من حوله وقوته واستسلم لربه، وقال: أنت الغني وأنا الفقير، وأنت المعطي إن شئت وأنت المانع إن شئت، وحدك القادر على كل شيء وتفعل ما تريد.
ومن هنا كان الدعاء مخ العبادة كما قال المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك كثيراً ما تذكر كلمة الدعاء في القرآن بمعنى العبادة؛ لأنها هي العبادة وخلاصتها ومخها.
﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ [الحج:١٣] هذه اللام قالوا: زحزحت عن الكلمة الثانية (ضره)، والتقدير: (يدعو من لضره أقرب من نفعه) وهذا من بلاغة القرآن وفصاحته.
﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ [الحج:١٣] يدعو ويعبد الذي ضرره أقرب إليه من نفعه، لبئس مولاه.
﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ [الحج:١٣] الولاية هي الاتصال بأي سبب بأحد من الناس، يقال: هذا ولي هذا وهذا ولي هذا، وقد تكون الولاية ولاية قرابة: قرابة دم، أو قرابة صهر، أو صلة معرفة وأخوة وعمل.
﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج:١٣] أي: هذا العابد المشرك الذي اتخذ هذه الأصنام آلهة له بئست الأصنام والمعبودات الباطلة مولىً له، وبئست عشيرة.
والعشير: الذي يعاشره ويواصله ويتصل به بأي صلة كانت.
فهذا لملازمته المعبودات من دون الله، فهو عشريها وهي عشيره، ومن هنا سميت القبيلة والأسرة بالعشيرة، فهو يعاشرها وهي تعاشره، أي: هو يلازمها وهي تلازمه.
فالله هنا يذم العشرة من العابد والمعبود، ومن الولاية من العابد والمعبود معاً، إذ ضرر هذا أقرب من نفعه لمن عبده ودعاه من دون الله.
وقد يقول قائل: يقول الله في الآية السابقة: ﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ﴾ [الحج:١٢]، وهنا يقول: ﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ [الحج:١٣] فقد نسب لهذا المعبود الضر، وأن ضرره أقرب من نفعه لعابديه فكيف ذلك؟
الجواب
لا إشكال في ذلك؛ فالله عندما يقول لنا: ﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ﴾ [الحج:١٢] فالآية تدل على غير العاقل، فهي متصلة بمن يعبد الأوثان والأحجار والجمادات الميتة والتماثيل، أي: يعبد ما لا يعقل، ولذلك أطلقت (ما) على ما لا يعقل كما هي لغة العرب.
فهذه الأصنام لا تضر ولا تنفع ولا تعي أن تضر أو تنفع، ولا تنفع نفسها أو تضرها فضلاً عن غيرها.
النوع الثاني: من يعبد الأحياء التي يمكن أن تضره، ويمكن أن تنفعه، وهو قوله تعالى: ﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ [الحج:١٣] يعبدون عيسى وعزير ويعبدون السادة والقادة والفراعنة، ويعبدون من جاءهم بدين غير دين الله، فأطاعوه وعملوا بأمره وبدينه، فهؤلاء جميعاً معبودون من دون الله.
ومن هنا قال فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] وادعى الربوبية والألوهية، وهو قد يضر، فقد تهدد السحرة الذين آمنوا بموسى وهارون ورب موسى وهارون، وقطع أيديهم من خلاف وأرجلهم وصلبهم في جذوع النخل.
فهؤلاء نوع من العباد يعبدون الأحياء من البشر من دون الله، وقد يعبدون الملائكة كما كانت بعض القبائل من العرب وغير العرب، وقد يعبدون الجن، وكل هؤلاء المعبودون عاقلون، وعبادتهم تضر ولا تنفع.
ففرعون ما أصيب من آمن به منه إلا الضر والبلاء والخزي منه ومن الله في الدنيا والآخرة، وما أصابهم من عبادتهم لعيسى إلا الضر، لأن عيسى نهاهم عن ذلك وتبرأ منه، وقال: لم أدعكم لذلك، إنما دعوت الناس لما أمرني به ربي، والملائكة قالوا مثل ذلك.
وأما الجن فتلاعبوا بهؤلاء العابدين لهم، فكانوا بذلك ضارين لهم غير نافعين، إذاً: هؤلاء المشركون عبدة الأوثان يعبدون هناك وثناً جامداً لا يتحرك، ووثناً متحركاً بشرياً، وكلا النوعين عبادتهما شرك وكفر وخروج عن أديان الله وكتبه، وعبادتها لا تزيد الإنسان إلا كفراً وبواراً وخسراناً في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج:١٣] حتى ولو قلنا: إن المولى هنا كان بشراً: نبياً أو ملكاً أو جناً؛ فهذه الولاية لا ينال عابدها منها إلا الضر والشهادة بأنه مشرك كافر، والجزاء بما هو أهل له من الكفر والشرك، فهو يضره ذلك ولا ينفعه.
وقد لا يعاشر العابد معبوده، فعيسى رفع إلى السماء منذ ألفي سنة تقريباً، وفرعون انتهى منذ آلاف السنين، ولا نزال نجد من يعبد الفراعنة ويدين بدينهم، ويكفر إن كفروا، ويكون ملحداً وشيوعياً إن تشيعوا أو ارتدوا، فهو معهم على أي حال قاموا به شأن العابد مع المعبود أو المعبود مع العابد.
فهؤلاء كذلك لا ينفعونهم، بل يضرونهم بالشهادة فيهم، أو يكونون وإياهم وقوداً للنار محرقين مسعرين.
стр. 437
تفسير قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [الحج:١٤].
هذه الآية الكريمة جاءت رحمة وبشرى، وجاءت عظة وعبرة لمن يريد أن يتوب ويئوب من المشركين أو المنافقين أو الهازلين في حياتهم الذين بلا دين، وكل سواء.
يذكر الله بأن الذين آمنوا بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماماً، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوة، هؤلاء يؤمنون بذلك، ويصدق ما في جنانهم ما قاله لسانهم، ويعملون الصالحات والأركان الخمسة: من الشهادتين، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وفعل الخيرات كل حسب طاقته وحسب قدرته، وأما المنكرات فيتركونها البتة.
فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [الحج:١٤] أي: يجازيهم يوم القيامة ويكافئهم جزاءً وفاقاً لدينهم وإيمانهم وتوحيدهم وعبادتهم للإله الحق بدخولهم الجنات التي تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبد الآبدين ودهر الداهرين.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [الحج:١٤] والله ﷻ لا يكره على عمل، بل يفعل ما يشاء، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ومع هذا ألزم نفسه ﷻ وأوجب عليها ألا يخلد مؤمناً في النار، وألا يدخل كافراً الجنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
стр. 438
تفسير قوله تعالى: (من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا)
قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج:١٥].
يخبر الله ﷻ عن قوم حسدوا رسول الله وأبغضوه، وتربصوا به الموت والدوائر، وتمنوا له السوء من اليهود في الدرجة الأولى، والنصارى والمشركين عموماً، وكان هذا في عصر النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهو مستمر ما دام الكفر في الأرض بكل أنواعه.
فتجدهم يتناولون النبي ﵊ بكل سوء وحقد، وبما لا يفعله إلا عدو كافر مشرك حلال الدم.
قال الله عن هؤلاء: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [الحج:١٥] أي: من كان يظن من المشركين أن الله لن ينصر نبيه، ولن يجعل العاقبة له، ولن يعزه ولن يكسبه الظفر والنصر في الدنيا، والجنة والشفاعة العظمى في الآخرة، ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج:١٥] أي: فليمدد سبباً من الأسباب إلى السماء كالحبل مثلاً، والسماء: ما علاك، أي: إلى سقف البيت.
فهؤلاء تمنوا للنبي الغوائل، وتربصوا به الدوائر، وظنوا أنها أيام وستنقضي كما ظن الكثيرون من المعاصرين، وظنوا في أيام الصليبيين والتتار وأيام الاستعمار الأوروبي والأمريكي أن الإسلام انتهى، وعادت هذه الخرافة والأسطورة على أنفسهم.
فهؤلاء الذين يظنون ذلك يظنون باطلاً من القول طالما سعوا في القضاء على الإسلام منذ ألف وأربعمائة سنة، بل ما كاد النبي ﵊ يذهب إلى الرفيق الأعلى حتى تواطأ وتآمر على الإسلام متنبئون كذبة: كـ مسيلمة وسجاح والأسود العنسي يريدون القضاء على الإسلام وحربه، وارتد الكثيرون في جزيرة العرب حتى لم يكد يبق مسلم إلا في مكة والمدينة والبحرين وضواحيها.
ومع ذلك خاب فأل هؤلاء منذ الساعة التي توفي فيها النبي ﵊، مع أن الأمر قد زاد سوءاً بين الصحابة على الخلافة، وعلى مكان دفن النبي ﷺ ، وعلى حرب مانعي الزكاة، وعلى الحرب التي ابتدأت في حروب الردة، وخروج الجيوش من المدينة المنورة لقتال الروم الذين جهزهم النبي ﵊ وعقد اللواء لـ أسامة بن زيد ﵁.
مع هذه الفتن الداخلية والخارجية طمعوا في نهاية الإسلام، لكن خابوا وخاب فألهم، وانتصر الإسلام وانتشر كالسيل المنهمر شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، فلم تمض خمسون سنة حتى وصل الإسلام شرقاً إلى بلاد الصين، وغرباً إلى بلاد فرنسا، وما بينهما شمالاً وجنوباً.
وهكذا أتت فتن جديدة، إذ جاء الصليبيون واحتلوا الأرض التي احتلها اليوم اليهود في صليبية جديدة، وطمعوا أن يصلوا إلى الحجاز ونزلت جيوشهم في ينبع، فما كان يمضي على ذلك سنون حتى قدر الله لهم من يقضي عليهم ويرميهم لحيتان البحر، ويعود الإسلام أقوى مما كان وأعز.
ثم عادت فتن جديدة بعد ذلك بقرون، فجاء التتار فقضوا على الخلافة الإسلامية العباسية، ودارت الدوائر على الإسلام وأهله، حتى قال الكثيرون: انتهى الإسلام.
ولكن الله دمر هؤلاء الأعداء وسحقهم وأذلهم، وعاد الإسلام أقوى مما كان، ففتحت بعد ذلك أقطار في أرض أوروبا وفي المشارق والمغارب، وتدخل في الإسلام القسطنطينية فاتيكان الكنيسة الشرقية حينذاك، فتصبح دار إسلام وعاصمة الإسلام قروناً، ولا تزال دار إسلام ولله الحمد.
ثم بعد ذلك جاء الاستعمار الأوروبي والاستعمار الأمريكي بكل أشكاله وانتهى، وعاد المسلمون إلى استقلالهم وعزتهم بعد استعمار طال في بعض هذه الأقطار ثلاثمائة سنة أو تزيد أو تنقص وما بين ذلك.
وهكذا أصبح للمسلمين دول بالعشرات، وهذه مصيبة، فإن يد الله مع الجماعة، فيجب أن يعود الإسلام واحداً كما أن الرب واحد والنبي واحد والكتاب واحد واللغة واحدة، ويجب أن يكون القائد واحداً يلقب بالخليفة أمير المؤمنين.
والله ناصر دينه ولو كره الكافرون، ولو كره المشركون، واليوم يطمعون أن يذلوا العرب والمسلمين وهيهات، فالله تكفل بدينه ونصرة عباده المؤمنين، والتاريخ يشهد بذلك.
ولذلك فهؤلاء ومن استسلم وخضع لهم ستكون نهايتهم كنهاية الماضين من أولئك المتمردين على خلافة أبي بكر، وعلى الإسلام بعد ذهاب النبي إلى الرفيق الأعلى صلوات الله وسلامه عليه.
وسينتهون كما انتهى الصليبيون والتتار والاستعمار الأوروبي والأمريكي بأشكاله، وسيذهب هؤلاء وسيصبحون كالأمس الدابر وكأنهم لم يكونوا.
ولا تحدث هذه الفتن إلا عقوبة للمسلمين عندما يتركون الله وكتابه، والنبي ورسالته، ويذهبون يتسولون الأفكار والمبادئ والأديان والآراء الشيطانية، ويتركون ما عزوا به وسادوا في الأرض دهراً بعد دهر وقرناً بعد قرن.
فقوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج:١٥] أي: ليمد حبلاً في سقف بيته ويربط به عنقه، ثم ليقطع الحبل وليشنق ولينظر بعد ذلك هل شنقه لنفسه وقتله لنفسه سيذهب غيظه الذي في نفسه على محمد وأتباع محمد والإسلام؟! يظن ذلك أنه سيمكر بغيره، وإذا به مكر بنفسه وانتحر إلى جهنم وبئس المصير، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران:١١٩]، وهذا معنى الآية.
قال قوم: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج:١٥] يمد الحبل في سماء غرفته، أي: سقفها، ثم يربط عنقه فيه.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج:١٥] وستكون النتيجة أنه شنق نفسه وانتحر وقتل، وسيبقى النصر لمحمد ولأصحابه ودينه، ولو كره هذا الكافرون الحاسدون.
وفسر قوم الآية بشكل آخر: فسروا السماء بالسماء المعروفة، وقالوا: معنى الآية: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج:١٥] أي: ليمد سبباً إلى الصعود إلى السماء، كما طلب فرعون من هامان أن يبني له صرحاً إلى أسباب السماء؛ ليطلع إلى إله موسى.
فقوله: (فليمدد بسبب) أي: فليعمل سلماً وصرحاً لا يخطر بباله، وليصعد إلى السماء ويوقف نصر السماء على محمد، وليمنع ذلك إن استطاع، وهذا منتهى الاستهزاء والسخرية بهؤلاء، فلا هؤلاء يستطيعون الوصول إلى السماء، ولا يملكون سبباً لذلك، ولو فعلوا لرجموا كما ترجم الشياطين عندما يريدون أن يسترقوا السمع من السماء من الملائكة.
وقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج:١٥] أي: يقطع هذا السبب، واللام لام الأمر.
وقال أكثر المفسرين: الأقرب للمعنى المعنى الأول: أن يربط حبلاً في سماء داره -أي: في سقفه- وليربط بذلك عنقه ثم ليقطع السبب، فسيسقط مخنوقاً مشنوقاً، ولينظر بعد ذلك ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج:١٥] هل هذا الذي يظن أنه سيكيد لمحمد ودين محمد وأتباع محمد صلوات الله وسلامه عليه هل سيذهب ما يغيظه في نفسه، أي: ما يحرق فؤاده ويعض منه الأنامل؟ وليس هذا إلا هزؤ من الله بهؤلاء، ويعلمنا كيف نفعل عندما نريد أن نجادلهم كجدالهم بالسخرية بهم والهزء بما يقولونه، فيجب أن يجابوا أيضاً بمثل ذلك؛ سخريةً وهزءاً، قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠].
стр. 439
تفسير قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه آيات بينات)
قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ [الحج:١٦].
وكما أنزلنا الآية السابقة والكتاب في أحكامه الماضية كذلك ننزل آيات أخرى منجمة حسب الحاجة، وحسب الدافع ومصالح المسلمين.
ومن المعلوم أن القرآن الكريم نزل جميعه إلى سماء الدنيا في رمضان في ليلة القدر، ثم بعد ذلك أخذ ينزل به جبريل منجماً، أي: مجزأً وقتاً بعد وقت حسب المصلحة، وحسب ما يستجد للمسلمين مما يريدون أن يعلموا فيه الحلال والحرام والآداب والرقائق، فكما أنزل الماضي أنزل هذا.
فقوله: ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الحج:١٦] أي: آيات ظاهرات مفهومات مبينات لا غموض فيها ولا لبس فيها ولا تناقض.
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ [الحج:١٦] أي: كما يفعل ذلك فإنه يهدي من يريد، إذ لا هداية إلا لمن يريد الله هدايته، ولا ضلال إلا لمن يريد الله ضلالته، ولكن إن علم الله في أنفسنا خيراً جازانا بالخير الذي في قلوبنا، قال تعالى: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ [الأنفال:٧٠].
стр. 440
تفسير سورة الحج [١٧ - ٢٢]
أخبر الله تعالى أنه سيفصل يوم القيامة بين اليهود والنصارى والصابئين والمشركين، فيما كانوا فيه يختلفون.
وأخبر كذلك أنه يسجد له كل من في السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم والشجر والدواب وكثير حق عليه العذاب، ومن يهن الله فما له من مكرم.
стр. 441
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج:١٧].
يخبر الله عن المؤمنين وعن هذه الطوائف من الكفر، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:١٧] أي: المسلمين الذين آمنوا بالله رباً وبمحمد نبياً صلوات الله وسلامه عليه.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [الحج:١٧] أي: اليهود أتباع موسى وهارون في زعمهم، المنزل عليهم التوراة الذي حرفوه وبدلوه، والذي ملئوه قذفاً للأنبياء، وتهجماً على الله ﷻ وعلى مقامه، وعبدوا عزيراً من دون الله.
قوله: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ [الحج:١٧] فئة بين النصارى واليهود، ولكنهم يعبدون نجوم السماء.
قوله: ﴿وَالنَّصَارَى﴾ [الحج:١٧] الذين زعموا أنهم أتباع عيسى، ولكنهم عوضاً عن أن يؤمنوا به عبداً نبياً آمنوا به إلهاً، وجعلوه ابن الله، وثالث ثلاثة، وقالوا: هو الله، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧]، ثم عبدوا مع الله عيسى ومريم.
قوله: ﴿وَالْمَجُوسَ﴾ [الحج:١٧] الذين عبدوا النيران وما يدخل في معناهم ممن عبدوا الجمادات من قردة وفروج وفئران وأحجار.
فكل هؤلاء -سوى المسلم- مشركون، فهؤلاء أشركوا مع الله عزيراً، وأولئك أشركوا مع الله النجوم، والآخرون أشركوا مع الله مريم وعيسى، وآخرون أشركوا مع الله النيران، ولا يزال هذا يتجدد.
كما أشرك في هذا اليوم مع الله ماركس ولينين وأتباعهما من الاشتراكيين والشيوعيين والقاديانيين والبهائيين والماسونيين والوجوديين.
وهذه الأشكال الضالة المضلة كلها فروع لليهودية، وفروع لإضلال الناس وإخراجهم عن دين الله الحق، وهؤلاء جميعاً يذكر الله عنهم: ممن لم يرد الإسلام، ولا الإيمان، فلم يؤمن بمحمد نبياً رسولاً، ولا بالقرآن كتاباً منزلاً، ولا بالإسلام الدين الحق ناسخاً للأديان الماضية، والذي لا دين بعده، وهو دين الخلائق كلها، دين العالم، ولا دين عالمي إلا الإسلام، فهؤلاء يفصل الله بينهم يوم القيامة.
فالأديان السابقة أديان قومية أرسلت لبني إسرائيل وأمثالهم، ولقد قال عيسى كما في الإنجيل: إني أرسلت إلى خراف بني إسرائيل.
وأكد هذا القرآن عندما قال الله تعالى عن عيسى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف:٦]، وتقديم المعمول على العامل يفيد الحصر، أي: لم أرسل لسواكم، فمن آمن بعيسى من غير بني إسرائيل فقد آمن بدين لم يطلب منه، ولم يرسل إليه، عرباً زعموا أو غير ذلك من بقية الفئات.
ويؤكد هذا المعنى رسول الله ﵊ في الأحاديث المتواترة، قال: (خصصت بخمس: كان الأنبياء قبلي يرسلون إلى أقوامهم خاصة وأرسلت إلى الناس عامة).
فمن زعم أن اليهودية عالمية فهذا من أباطيل اليهودية، ومن زعم أن النصرانية عالمية فهذا من أباطيل النصرانية، ولا دين عالمي إلا الإسلام والرسالة المحمدية.
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج:١٧] أي: إن الله يفصل بين هؤلاء الرافضين للإسلام، المصرين على الشرك والكفر، هؤلاء الذين يأبون إلا التكذيب سيردون وسيفصل الله بينهم، وسيعلمون إذ ذاك: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥].
ومن لم يأت بالإسلام فلا سبيل إلى دخوله الجنة، ولا طمع له في رحمة الله، وهو في النار خالداً مخلداً أبداً.
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج:١٧] أي: شهيد بعلمه وبأمره، وشهيد بإرادته ﷻ وعلا مقامه.
стр. 442
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض)
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٨].
يقول الله لعبده ونبيه محمد ﷺ ، ويقول لجميع المسلمين من أتباعه كما هي نداءات ودعوات القرآن: ألم تر يا محمد بقلبك وبعلمك، وبإطلاع الله لك على ما هناك؛ أن هؤلاء الذين جحدوا من الناس وكفروا وأشركوا هل يجدون نظيراً لهم في خلق الله من الحيوانات والجمادات وكون الله الأعظم؟! قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الحج:١٨] ففي السماوات الملائكة يسجدون أبداً، وكما قال نبينا صلوات الله وسلامه عليه: (أطت السماء وحق لها أن تئط) أي: لثقل ما تحمل كما يصوت السقف المصنوع من خشب عندما يثقل بمن عليه، فيأخذ في التصويت، فيقول نبينا ﵊: (أطت السماء) أي: صوتت، (وحق لها أن تئط) أي: ما أجدرها بذلك (ما من موضع قدم إلا وعليه ملك ساجد أو قائم)، وفي رواية: (يقول: لا إله إلا الله).
والعبادة للملائكة كالنفَس للإنسان، فكما أن الإنسان لا يعيش بلا نفَس صاعد أو هابط، فكذلك الملك بالفطرة لا يستطيع أن يعيش بلا عبادة، فالعبادة للملك كالنفَس للإنسان.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ﴾ [الحج:١٨] أي: يعبده، والسجود: هو أقوى العبادة ومخها، وقد قال ﵊: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فادعوا ربكم في سجودكم؛ فقمن أن يستجاب لكم) أو كما قال ﵊.
وقد قال: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فادعوا فيه).
قوله: ﴿يَسْجُدُ﴾ [الحج:١٨] السجود هنا كناية وعبارة عن العبادة بكل أنواعها، وأعظمها السجود الذي لا يجوز ولا يحل لمخلوق حتى للنبي ﷺ ، حتى للملك من باب أولى، ﴿يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الحج:١٨] فالشمس تسجد لربها، والقمر يسجد لربه، والنجوم تسجد لربها، والجبال تسجد لربها، والشجر تسجد لربها، والدواب على كل أنواعها تسجد لربها.
قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:١٨] والكثير من الخلق ممن آمنوا بالأنبياء قبلنا، وممن آمن بخاتم الأنبياء معنا أو قبلنا أو من سيأتي بعدنا إلى يوم البعث والنشور كلهم سجدوا، وكذلك عبدوا، ولكن من الناس من لم يفعل، فقال الله عنهم: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج:١٨].
أي: وكثير ممن لم يسجد من الناس سيعذب؛ نتيجة تمرده في العبادة، وعدم سجوده لله؛ لأن الله ما خلق الإنسان والجن إلا للعبادة، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
قوله: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج:١٨] أي: كثير من الناس ممن أشرك وكفر، وممن لم يعبد الله ولم يؤمن به وبأنبيائه.
قوله: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨] أي: من أهانه الله بالذل والخزي في الدنيا، وبالعذاب يوم القيامة فلن يعزه ملك، ولن تعزه دولة، ولن يعزه أولاد، ولن تعزه جيوش، بل لا يزيده كل ذلك إلا ذلاً وهواناً وعذاباً وخزياً.
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٨] أي: يفعل الله ﷻ ما تشاء إرادته، وما يشاء أمره، وما يريد في خلقه، فهو يملك الكل، والمالك يتصرف في ملكه كيف شاء وبما شاء، فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
وكيف سجود الدواب والشجر والقمر؟ قال قوم: فيئها وظلالها هو سجودها، وهذا كلام لا معنى له، سجودها وعبادتها كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤].
والشيء يطلق على كل شيء مما سمى الله تعالى في كتابه من الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب، على كل أصنافها وأنواعها، فالكل يعبد الله ويذكره ولكننا لا نفقه تسبيحهم.
وقد فقه تسبيحهم بعض خلقه من الأنبياء، كما قص علينا فيما أعطاه لسليمان، فكان سليمان يفقه تسبيح الطير والنمل، وكان يكلمهم ويكلمونه.
والنبي ﵊ كان كذلك، ففي المعجزات الواردة المتواترة المقطوع بصحتها، المستفيضة استفاضاً، الواردة عن الجماهير من الصحابة: أنه كلمه الجمل.
وجاءت شجرتان -وهو يريد قضاء حاجة في البرية- فاجتمعتا حتى ظللتاه، ثم ذهبتا إلى مكانهما، بل وأكثر من هذا حن الجذع المقطوع من الشجر، وهو الميت مرتين، والشجر لا نعلم أنه ينطق.
فكان ﵊ يخطب على المنبر المصنوع من هذه الأخشاب، وعندما غيّر منبره وترك الجذع الذي كان يقف عليه، حن هذا الجذع -جذع النخلة- حتى سمع حنينه وصوته كل من في المسجد، فنزل ﵊ وضمه إليه فسكت.
وشكا إليه الضب، والذئب، وشكت إليه حيوانات وفهم عنها وأجابها ﵊، وما من معجزة كانت للأنبياء قبل إلا وكانت لنبينا ﵊ وزيادة.
فإن كان إبراهيم خليل الرحمن فمحمد خليله وحبيبه، وإن كان موسى كليم الله فمحمد كلمه ورفعه إليه، فذهب في ليلة الإسراء إلى سدرة المنتهى إلى أن كان قاب قوسين أو أدنى، وأمره بالصلاة ﵊.
فإذاً: هذا الإنسان العنيد، هذا الإنسان المشرك الذي انفرد من بين كون الله الأعظم، الذي تمرد تمرداً لم يتمرده شجر ولا حجر ولا دابة ولا شمس ولا قمر ولا نجوم، فكلها عبدت ووحدت الله وقدست الله وسجدت له إلا هذا الإنسان المشرك، إلا هذا الإنسان الكافر الذي تمرد على ربه ولم يسجد ولم يؤمن.
ولذلك قال الله تعالى عن هذه الفئة التي حق عليها العذاب، وأصبح العذاب في حقها واجباً لا منحى عنه ولا مبعد له، وإن مات عليه خلد في النار إلى أبد الآباد في ذل وهوان، لم يرفعه عز عزيز، ولا ملك ملك، ولا قوة جيوش، فمن أذل الله فلا معز له، ومن أعز الله فلا مذل له، والله يفعل ما يشاء.
стр. 443
تفسير قوله تعالى: (هذان خصمان اختصموا في ربهم)
قال تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:١٩ - ٢٢].
اللهم أعذنا من النار، اللهم أبعدنا منها، اللهم رحمتك، اللهم مغفرتك، اللهم رضاك، اللهم اكتب لنا الجنة وأبعدنا عن النار.
هذا الوصف يذهل كل مرضعة، هذا الوصف يذهل كل حامل، هذا الوصف يذهل العقلاء! نقرأ هذا صباح مساء، يقرؤه المؤمن والكافر وإذا به ساهٍ غافل عن ذلك، إلى أن يصبح يوماً من الأيام وجهاً لوجه مع جند الله الذين لا يحصي عددهم إلا هو، يصبح في قبره وقد انضم عليه وذهب أهله: فلا امرأة ولا ولد ولا أتباع ولا جند ولا مال.
فيأتيه به ملكان ويسألانه: من ربك؟ فإن أجاب فقد فاز ونجا، وإن لم يجب رسب الرسوب الأبدي والخذلان الأبدي، نعوذ بالله من عذابه! قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج:١٩] أي: فئتان تخاصمتا في ربهما، فقالت فئة: الرب له شركاء، تعالى الله عن ذلك، وذهبت تترك الواحد الأحد الفرد الصمد وتعبد الأحجار، وتعبد الخلق معه وبدونه.
﴿اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج:١٩] أي: في الله، فالموحد المؤمن يقول: الله ربي خالق كل شيء، الأول بلا بداية، والآخر بلا نهاية، والملك الحق، خلق الإنسان من عدم، وأذهبه للعدم، وسيعيده مرة ثانية بعد الموت، فجاء الكافر وخاصم الموحد المؤمن وجادله بغير حق، وبغير علم وهدىً، وبغير كتاب مبين.
وكان الأولون يقولون: الله وشركاؤه، وجاء الكفرة المجددون للكفر والفساد، المتقدمون في الكفر، المفسدون للخلق وللبشر فقالوا: لا إله.
ومعاذ الله وتعالى الله! مع أنه في كل شيء له آية تدل على أنه واحد، ولكن عميت بصيرتهم قبل أن يعمى بصرهم.
فهذه السماوات العلى بنظامها، وبنجومها، وبمجراتها، وبليلها، ونهارها، وهذه الأرض بمن عليها ومن فيها من جبال ووهاد وتلال وشعوب وحيوانات وطير كل ذلك قال عقل هذا الأفاك الفاسد: وجد من غير موجد.
ثم نازعه المشرك الآخر، فقال هذا، وعبد معه غيره، عبد زعماءه وأشركهم مع الله، وقال بالطبيعة، وهو يوصف الله بالطبيعة، فكل ما هو من صنع الله قال: هو من صنع الطبيعة، فسمى الله بغير اسمه زيادة في الضلال.
وهكذا تخاصم مؤمن وكافر، وهي خصومة أبدية إلى يوم البعث والنشور، إلى اليوم الذي يعرض فيه هؤلاء على الله، فيدخل المؤمن الجنة والكافر النار.
قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج:١٩] الإشارة لمن ذكر الله من الذين أكرمهم بالجنات، خالدين فيها تجري من تحتها الأنهار، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ومن وصف من فئات الكفار والمنافقين، هذان اللذان أشار إليهما بأنهما خصمان اختصموا في ربهم، ثم أعاد الضمير للجمع؛ لأن كل فئة جماعة، والخصم جماعة وليس واحداً، ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج:١٩].
قوله: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج:١٩] الفئة الثانية التي خاصمت الذين آمنوا هم الذين جادلوا بغير حق وبغير علم وهداية، وبغير كتاب بين واضح.
قوله: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج:١٩] نعوذ بالله! فهؤلاء عندما يدخلون النار فالله ﷻ يجعل ألبستهم وأرديتهم وقمصانهم قطعاً من النار، وقطعاً من الصفر وهو أشد، فإذا النار علقت به يكون حرها أشد ما يكون.
هذا الصفر وهذا النحاس عندما يلبسه الكافر ويجبر على لبسه، ولا يد له في المخالفة ولا يستطيع ذلك، يلبسه في جسده كله: من رأسه إلى قدميه، فيحرق ويمزق ويقطع جسمه كله، ولا سبيل إلى أن يفلت من ذلك: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦]، فتحترق الجلود والأمعاء والجسد، ثم يعيد الله ذلك ثانية بعد ثانية؛ ليزداد عذاباً وذلاً وهواناً.
قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج:١٩] فيأتي ملائكة النار فيصبون على رءوسهم الحميم.
قوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج:١٩] والحميم: هو الماء الحار إلى أغلى درجة الحرارة.
قالوا: وهو نحاس مذاب، فيصب هذا النحاس وهو كالماء الحار في أشد غليان الحرارة يصب من رأسه إلى بدنه.
стр. 444
تفسير قوله تعالى: (يصهر به ما في بطونهم والجلود)
قال تعالى: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج:٢٠] يصهر: يذاب ويسحق.
﴿مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ [الحج:٢٠] أي: من أمعاء وكرش، وكل ما في الجوف يصهر ويسحق ويصبح رميماً وفحماً ورماداً.
قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج:٢٠] أي: تصهر جلودهم وتذاب مع ما في بطونهم من أمعاء وكرش، حتى يصبح فحماً ورماداً.
стр. 445
تفسير قوله تعالى: (ولهم مقامع من حديد)
قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج:٢١].
المقامع: جمع مقمع، وهي المرزبة تحملها الملائكة، قالوا: كل ضربة من هذه المقامع لو ضرب بها جبل لتفتت، فيضربون بها الرءوس والظهور والبطون والعظام جميع أعضاء الجسد.
قوله: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج:٢١] أي: لملائكة النار مقامع يضربون بها هؤلاء الكفار!
стр. 446
تفسير قوله تعالى: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها)
قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج:٢٢].
أي: هؤلاء في مثل هذه الحالة يحاولون أن يفروا من النار، ولكن كما قال الفضيل بن عياض: أين يفرون؟ فأيديهم مسلسلة، وأرجلهم مكبلة، وهم بين يدي ملائكة النار الغلاظ الشداد، الذي لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
﴿كُلَّمَا أَرَادُوا﴾ [الحج:٢٢] أي: في كل لحظة خطر ببالهم أو حاولوا ذلك، ولا يستطيعون فعل ذلك وهيهات! فهم أعجز وأذل من ذلك.
﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ [الحج:٢٢] أي: من النار؛ من غمها وكربها وآلامها، ومن حميمها وسعيرها ومقامعها، ومن العذاب الذي فيها بكل أشكاله وألوانه.
قوله: ﴿أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج:٢٢] فبمجرد ما يريدون أو يخطر لهم هذا ببال فإنهم يؤخذون بعنف ويدفعون بعنف، ويضربون بالمقامع، ويصب الحميم على رءوسهم، وتشد الألبسة التي هي من نحاس على أجسادهم.
قوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:٢٢] أي: يقال لهم: ذوقوا وتمتعوا، واخلدوا في هذا العذاب المحرق، في جهنم المحرقة نعوذ بالله من الخذلان!
стр. 447
تفسير سورة الحج [٢٣ - ٢٥]
وعد الله تعالى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وسيحلون فيها بأساور من ذهب ولؤلؤاً، ولباسهم فيها حرير.
وأوعد الذين كفروا وصدوا عن المسجد الحرام، أو أرادوا الإلحاد فيه بظلم؛ أوعدهم بعذاب أليم.
стр. 448
تفسير قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار)
قال الله عزت قدرته: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج:٢٣].
بعدما قص الله علينا، وأنذر وأوعد وتهدد المشركين بأليم العذاب، وشديد المحنة، والخلود في النار بالمقامع ومع حريق وأنواع البلاء لعلهم يتعظون ويئوبون ويتوبون من شركهم، ويقولون يوماً: ربي الله، وكما هي عادة القرآن الكريم، فإنه يقرن دائماً بين العذاب والرحمة، وبين البشارة والنذارة، وبين المؤمن والكافر، حتى إذا اشتد يأس الكافر والعاصي والمخالف فإذا بالرحمة تذكر بجانب ذلك، فيتذكر ويئوب ويعود ويقول: ربي الله.
وكذلك المؤمن حتى لا يغتر ولا يستكين لمكر الله فيدخله الغرور والغلو، فيقصر في الطاعة والعبادة، فيجد من النذير والوعيد والتهديد ما يزيده طاعة وتعلقاً وإيماناً بالله.
وهكذا الطاعة والعبادة بين الخوف والرجاء؛ الخوف من غضب الله، والرجاء في رحمته.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [الحج:٢٣] أي: الذين آمنوا بالله رباً، وبمحمد نبياً، ثم التزموا القول بالعمل، فعملوا الصالحات، وقاموا بالأركان: شهادة وصلاة وزكاة وصياماً وحجاً، والتزموا فعل الخيرات قدر استطاعتهم، والتزموا ترك المنكرات ألبتة، ومن آمن بالله، ثم عمل الصالحات بما يصدق قوله فعله وفعله قوله، فهؤلاء يكرمهم الله بدخول الجنات التي تجري من تحتها الأنهار مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، والله ﷻ دوماً يبشر المؤمنين الملتزمين المطيعين بكل رحمة ورضاً ودخول الجنان.
ثم قال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ [الحج:٢٣] أي: في الجنة يلبسون الحلية.
﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج:٢٣] أساور: جمع سوار، كما هي عادة الملوك في هذا العصر، أو في القديم يلبسون التيجان والأساور واللآلئ، خاصة في أرض الهند وما إليها، ولا يزال بعض ذلك قائماً، ولا يزال ذلك يفعلونه في حفلاتهم وندواتهم ومهرجاناتهم، واستبدلوا ذلك بساعات وسلاسل الذهب، ونياشين الذهب وأوسمة اللؤلؤ وما إلى ذلك.
فالمؤمنون الذين يكرمهم الله ويدخلهم الجنة يلبسهم في الجنة من أنواع الحلي والأساور من الذهب والفضة واللؤلؤ في الأيدي والأعناق والمعاصم، ويلبسون فيها الحرير.
كذلك في الجنان لباسهم الحرير والديباج، وحليتهم الذهب والفضة واللؤلؤ، ومن هنا حرم رسول الله ﷺ الحرير على ذكور المسلمين، وقال: (من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة).
فقال قوم: لا يدخلون الجنة لأن من دخلها يلبس الحلي، وقال قوم: بلى يدخلون الجنة ولكنهم لا يلبسون هذه الحلية الذهبية، وهذا جزاء من يخالف ويعصي، ويلبس الذهب والحرير في الدنيا.
وقد حرم ذلك على ذكور الأمة المحمدية، وأحل ذلك للنساء، ويلبسه الرجال يوم القيامة في الجنان خالدين مخلدين.
فهذا صفة الجنة وما فيها من حور عين.
وأعظم من ذلك رؤية الله ﷻ التي ما بعدها لذة ولا نشوة ولا متعة، جاء في الحديث الصحيح: (أن الله يتجلى لعباده في الجنة فيقول لهم: هل أعطيتكم؟ هل ملكتكم؟ هل متعتكم؟ فيقولون: نعم ربنا، فيقول: هل أزيدكم؟ فيقولون: وما تزيدنا يا رب وقد أمتعتنا بما لم تر عين، ولا سمعت أذن، ولا خطر على قلوبنا؟ قال: بلى، أريكم وجهي، فيتجلى الله لهم ويرونه؛ فيزدادون نعمة ولذة، ويزدادون بهجة) وكيف سيكون ذلك؟ الله أعلم بما هناك.
وكل ما يخطر في بالنا فربنا مخالف لذلك، ولكن الله يرى ﷻ ، وقد قال ذلك ربنا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
وقال ﵊ كما في الأحاديث المستفيضة المتواترة: (إنكم ترون ربكم يوم القيامة، قالوا: يا رسول الله! كيف نراه ونحن متعددون وهو واحد؟ قال: كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته).
ولله المثل الأعلى، فالقمر واحد ونحن نراه في الدنيا مع أعدادنا في مشارق الأرض ومغاربها، ومع الملايين من سكان الأرض نراه جميعاً وهو واحد غير متعدد، أعني: قمر الأرض.
وهكذا جل الله وعلا على سبيل المثال والشبيه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠].
стр. 449
تفسير قوله تعالى: (وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد)
قال تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج:٢٤].
يهدى أهل الجنة المؤمنون عندما يدخلون الجنة، ويهيئون لها قبل الدخول.
﴿إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج:٢٤] والطيب من القول هو: لا إله إلا الله، والطيب من القول هو: محمد رسول الله، وذكر الله، وقول: والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وجميع الذكر بأسماء الله الحسنى.
فهو الطيب من القول مع الطيب من العمل، والطيب من القول: إخلاص الشهادة لله، وإخلاص الوحدانية والعبودية والذكر، وقول لا إله إلا الله خالصة من قائلها لله، لا يشرك معه فيها أحداً.
﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج:٢٤] والصراط: الطريق، والصراط: الإسلام، والصراط: القرآن الكريم، والحميد: الله المحمود ﷻ ، فنهدى بفضل الله وكرمه إلى طريق الله، وما طريقه المستقيم وصراطه الواضح إلا دينه الذي أرسل به محمداً سيد البشر ﷺ .
وما طريق ذلك إلا القول الطيب في ذكر الشهادتين لله ﷻ ، وما الطريق المستقيم -طريق الله- إلا عمل الصالحات مع القول الطيب والإيمان بالله.
стр. 450
تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥].
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج:٢٥] أي: هؤلاء الذين كفروا بالله قبل، ثم صدوا عن سبيل الله، ومن هنا صح عطف المضارع على الماضي.
كان أهل الجزيرة قبل الرسالة كافرين بالله وبرسل الله، ثم بعد أن جاء الإسلام، وكان المؤمنون لا يزالون قلة، وأراد ﷺ أن يأتي معتمراً لا محارباً ولا مقاتلاً بعد هجرته إلى المدينة المنورة، وإذا به يأتي ويقف عند الحديبية وإذا بأهل مكة يصدونه ويمنعونه من البيت، ويمنعونه من العمرة، وأدى الأمر إلى الحرب وسل السيوف، والنبي ﵊ لم يأتِ محارباً ولا مقاتلاً.
وقد التزم من أول مرة أن يعتمر والسيوف في قرابها، وهي ما تسمى في التاريخ النبوي والسيرة النبوية بمعاهدة الحديبية، فصدوه وأصروا على الصد، ولم يكونوا قبل معروفين بذلك ولا مشهورين به، ما كانوا يصدون العرب عن المجيء إلى مكة لا معتمرين ولا حاجين، ولكنهم صدوا رسول الله ﷺ بعد أن أتى بالرسالة التي أتى بها، وخافوا على سلطانهم وجاههم ونفوذهم، فظنوا أنهم بصده عن العمرة وعن قصد بيت الله الحرام سيقهرونه ويغلبونه، ولكن يأبى الله إلا نصرته، ويأبى الله إلا ذلهم وهزيمتهم.
فالله يوبخهم ويقرعهم، ويصفهم بأنهم على كفرهم وشركهم بالله كذلك يصدون عن سبيل الله، فيصدون الناس عن بيت الله، وعن طريقه ودينه، وعن الاعتمار والطواف، وعن السعي بين الصفا والمروة، وعن القيام بشعائر الله، وعن تعظيم حرمات الله بما استحقوا به من الله التوبيخ والتقريع والتهديد بالعقوبة الأبدية، والدخول إلى النار إن لم يتوبوا ويئوبوا، وقد تاب الأكثر، وخضع للإسلام ولطاعة رسول الله ﷺ الأكثر، وإن كان الأكثر ما آمنوا إلا بعد فتح مكة.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج:٢٥] أي: عن دين الله وعن البيت الحرام، وعن الكعبة والعمرة والسعي.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج:٢٥] أي: عن دينه والدعوة إليه، وعن الرسالة المحمدية.
قوله: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الحج:٢٥] أي: كما صدوا الرسول صلوات الله وسلامه عليه والمؤمنين، ودفعوه، وقاوموه، ومنعوه من أن يدخل مكة معتمراً، طائفاً، ساعياً، ملبياً، محرماً، ذاكراً لربه بما استحقوا به من الله التوبيخ والتقريع والنذارة والتهديد والوعيد.
قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥] يقول الله ﷻ : هذا المسجد الحرام الذي جعله الله للناس جميعاً أهل مكة وغيرهم من كل مؤمن بالله ورسوله، جعله للناس سواءً العاكف فيه المقيم الساكن المستوطن، والباد، أي: الذي أتى من الخارج ومن الأقاليم، فبدا وظهر بعد أن لم يكن فيه، ومنه البادي، فبيت الله يقول الله عنه: هذا المسجد، هذا البيت الحرام جعله الله سواءً، أي: على سوية وشركة واحدة، واستفادة واحدة للطواف والذكر والعبادة والسعي، والوقوف بعرفات، والمبيت في منى ومزدلفة، وفي المشعر الحرام، كل ذلك جعله الله سوياً مشتركاً بين المقيم فيه والخارج عنه وغير المقيم، لا فضل لأحد على أحد، فليس للمقيم حق في أن يمنع من هو خارج مكة من أن يدخلها، ويستفيد من سكناها وما فيها.
﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥] أي: جعل الله هذا المسجد لكل مسلم من آمن بالله وبرسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ولو جاء من أقاصي الدنيا.
وهنا اختلف علماؤنا ومفسرو كتاب ربنا في معنى (سواء)؟ قال الرواة: لقد كان بيت الله الحرام أيام رسول الله ﷺ وأيام أبي بكر وعمر جعلت دوره ومنازله للناس سواء -أي: مشتركة- في أن ينزلوها، ويقيموا فيها للعمرة والحج.
وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ ينهى في أيام المواسم أهل مكة أن يغلقوا أبواب دورهم، وأن يدعوها مشرعة لكل معتمر وحاج يجيء في الليل أو النهار؛ ليدخل البيت ويأخذ الغرفة، ويستفيد مما فيها على أنها بيته الذي يقيم فيه مدة العمرة والحج دون مقابل بتمليك الله له ملك انتفاع.
وليس لسكان هذه الدور أن يبيعوها أو يؤجروها أو يتوارثوها أو يهدوها، فهي ملك مشترك لكل مسلم، ومن أقام فيها إنما أقام انتفاعاً، قال هذا عمر وأبو بكر، وكان هذا الأمر مدة مقامهما في الخلافة، ومدة النبوة وعصرها صلوات الله على نبينا ورضوان الله على أصحابه.
وأكد هذا عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وقال: من أكل مال بيوت مكة أو إيجارها -سواء إيجاراً موقوتاً أو إيجاراً- فقد أكل النار في بطنه.
وهذا مذهب الإمام مالك وأبي حنيفة والأوزاعي، وهو مذهب كثير من الصحابة والتابعين وأئمة الاجتهاد ﵏ ورضي عنهم.
وأكدوا ذلك بهذا النص، بقول الله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥] قرئ: سواءً، وسواءَ؛ في القراءات السبع المتواترة.
وقال الشافعي: دور مكة لأهلها، ويجوز تملكها وإيجارها.
وأصل هذا الخلاف مبني على خلاف سابق، وهو: هل مكة فتحت عنوة؟ فإذا كانت كذلك فهي ملك مشترك للمسلمين، وغنيمة دائمة لهم كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ في أراضي السواد، وفي الأراضي التي فتحها أيام خلافته، واعتبرها ملكاً مشتركاً بين المسلمين لا تباع ولا تشترى، ولا توهب ولا تعطى ولا تورث، فهي مشترك بين المسلمين لموارد الدولة من رواتب وجيوش وإصلاح طرق، وما تحتاج إليه الدولة في جميع مرافقها.
قالوا: ورسول الله ﷺ عندما فتح مكة عنوة تركها لأهلها فلم يقسمها، على ألا ينفردوا بها ملكاً للرقبة، ولكنه ملك انتفاع، وعلى ألا يمنعوا منها المقيم والبادي، من داخل مكة أو خارجها من كل عابد أو طائف ورد من الخارج لها.
بل عمر ﵁ كان يمنع أهلها أن يغلقوا أبواب دورهم أيام المواسم على المعتمر والحاج.
وأما الشافعي فقال: فتحت صلحاً، وما كانت من دماء أريقت في الجانب الذي قاد جيوشه خالد بن الوليد فلم تكن حرباً بمعنى: الفتح والقهر، وإنما كانت مناوشات لردع هؤلاء الذين أبوا إلا أن يعارضوا الجيش النبوي.
وأكد الإمام الشافعي ذلك بقول النبي ﵊ عندما جاء فاتحاً وأسرت جيوشه كبير الكفر إذ ذاك وقائده أبا سفيان بن حرب، فجاءه العباس عمه ﵊ وقد ترك عنده أبا سفيان أسيراً، فقال العباس: (يا رسول الله! إن أبا سفيان يحب الفخر، فلو جعلت له شيئاً، فبعث النبي ﵊ أبا سفيان نفسه لينادي في طرق مكة وأزقتها وفي البيت الحرام وفي الدروب: أن من دخل داره فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن).
قال الشافعي: وبذلك أعلن النبي ﵊ أنه يريد أن يدخل مكة وهي مفتوحة له دون مقاومة ولا معارضة ولا مجابهة.
قال: فكان له ذلك في أكثرها.
وما اعتبر المناوشات التي وقعت تحت قيادة خالد بن الوليد ﵁ إلا شيئاً لا يكاد يذكر كحرب كانت نتيجتها الغنائم، وأخذ الأرض، واستعباد من في البلدة.
وعلى كل اعتبار: سواء قلنا بالرأي الذي قاله الصحابة أو أكثرهم ﵃، وما دان به الإمامان الجليلان أو الأئمة الأجلاء مالك وأبو حنيفة والأوزاعي، أو قلنا برأي الشافعي ومن معه، فكل العلماء والفقهاء قالوا: يجب على أهل مكة أيام المواسم أن يكونوا كرماء نبلاء، وأن يكونوا فاتحين بيوتهم لهؤلاء الحجيج الذين أتوا عبادة لله، فيقوموا بمساعدتهم، وخفض الجناح لهم، وفتح دورهم لهم ليأجرهم الله على ذلك ويثيبهم، كيف وقد كان هذا مسترسلاً ومتواتراً أيام أهل مكة حتى في جاهليتها، وكانوا يتفاخرون بذلك.
فكان منهم من له الرفادة ومن له السقاية ومن له الضيافة، وكانوا يجعلون ذلك عاماً شاملاً لكل وارد من الخريف للعمرة والحج.
وقال بعضهم: تفسير الآية ليس هذا ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥] أي: من حيث الحرمة والقدسية، ومن حيث ترك المنكرات وفعل الخيرات كما يأتي في آيتين قريباً، وهما قوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠]، وقوله: ﴿َمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢].
قال هؤلاء في تفسير الآية: معنى ذلك: أن القدسية والاحترام والتعظيم، وفعل الطاعات وترك المنكرات، والزيادة في العبادة، وترك ما يسيء وما يعصون فيه في مكة ليس هذا مطالباً به أهل مكة فقط، بل كل من دخلها سواء المقيم فيها أو الخارج عنها من الباد، فكلهم أمروا عند دخولهم مكة أن يحرصوا على ألا يفعلوا إلا الخيرات، وأن يبتعدوا عن المنكرات جهدهم؛ لأن الحسنة في مكة بمائة ألف، والسيئة كذلك بمائة ألف.
وقد كان عبد الله بن عمر بن الخطاب
стр. 451
تفسير سورة الحج [٢٦ - ٢٨]
إن أول بيت وضع للناس في الأرض هو بيت الله الحرام، فقد بناه أبونا آدم ﵇ بأمر الله سبحانه، ولما مرت على هذا البيت السنوات الطوال، واكتسحته السيول اختفى تحت التراب والرمال واندثر، فلما شاء الله تعالى أن يحييه وأن يظهره مرة أخرى أمر سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل ببناء هذا البيت مرة أخرى، فأظهر لهما مكان البيت وقاعدته الأولى، فبنيا عليها البيت الحرام.
стр. 452
تفسير قوله تعالى: (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً)
قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦].
هذه الآية وما يأتي بعدها بها سميت السورة بسورة الحج، وابتدأ الله ﷻ الآية بذكر بناء هذا البيت المقدس، فقال: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج:٢٦] (بوأنا) جعلناه متبوأً، وكشفنا لإبراهيم عندما أمرناه ببناء الكعبة هذه البنية المقدسة عن أساسه ومكانه حيث كان من أيام آدم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٦] فليس لأهل مكة فقط، ولا للعرب فقط، ولا للعجم فقط، بل لكل العالمين: العوالم الماضية والعوالم الآتية وإلى يوم النفخ في الصور.
ولكن لا يأتيه إلا مسلم؛ لأن الحج والعبادة والطاعة وفروع الشريعة لا تقبل إلا بعد الشهادتين، وهو الشرط الأول، فلا بد في كل عمل من نية، ومن لم يكن موحداً فإنه ينوي عبادة عيسى، أو ينوي عبادة العزير، وتلك نية فاسدة، وشرك قائم، فلا عبادة له ولا طاعة له، وبالتالي لا ثواب ولا جزاء ولا شكور.
وكلمة (بوأنا مكان البيت) معناه: أن إبراهيم جدد البيت وبنى قواعده بعد أن اندثر ولم يبق له مكان، وطمس مكان الأساس وموقع البيت فما عاد يعرفه أحد، إلى أن كشف الله لعبده إبراهيم وإسماعيل مكان البيت وأساسه والبقعة التي كان فيها.
قوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج:٢٦] أي: مكان بيت الله الحرام الذي ستجدد بنيته وتعلو الكعبة كما كانت أيام آدم، ولذلك من المعروف أنه ما من نبي من الأنبياء، ولا صالح من الصالحين منذ آدم أبينا وحواء أمنا إلا وطافوا بهذا البيت العتيق، وبهذا البيت الحرام الذي أكرم الله به العرب، وجعله في أرضهم وبلدهم، وفرض على كل الخلق أن يأتوا إلى هنا مرة في العمر طائفين، عابدين، محرمين، ينادون ويجأرون: لبيك اللهم لبيك.
﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج:٢٦] قالوا: جاءت ريح عاصفة كشفت عن الأساس حتى رآه إبراهيم وإسماعيل.
وقال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥] وبما أن إبراهيم الأب الأكبر فإن الله يقتصر أحياناً على ذكر اسمه في الآيات، كما في قصة موسى وهارون كثيراً ما يقتصر على اسم موسى، وكان أخوه هارون مؤازراً ووزيراً وشريكاً له.
﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [الحج:٢٦] أي: جعل العبادة عند الكعبة لتكون محوراً للقبلة ومحوراً للطواف، لهذا النوع الفريد من أنواع العبادة الذي لا يكون في مكان إلا فيها.
فقوله: ﴿أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [الحج:٢٦] أول شرط: أن تبنى الكعبة على اسم الله وحده، وعلى عبادته وحده، وعلى توحيده وألا شريك به، فالله أمر نبيه إبراهيم بذلك ويأمر غيره بذلك.
وقوله: ﴿أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [الحج:٢٦] أي: لا شركاً جلياً ولا خفياً، فالرياء والسمعة شرك خفي، فاحرص على أن تكون العبادة خالصة لله، فإن الله لا يقبل من العبادة إلا ما كان خالصاً له.
وقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج:٢٦] جمع طائف، والطواف لا يعرفه إلا من جاء إلى مكة، فلا يعرف الناس في الخارج عبادة سوى الصلاة والصيام والصدقة فقط وما إليها من العبادات، وأما عبادة الطواف فلا تعرف إلا هنا، ولا تكون ولا تصح إلا هنا، والطواف بغير البيت يكون شركاً، وبعض الجهلة يطوف ببعض الأضرحة وهذا بلاء من البلاء لا يجوز، بل يكون شركاً، فنحن لم نؤمر بالطواف إلا عند الكعبة، والطواف بالبيت صلاة لا يكون إلا على طهارة ووضوء، وإن كان يحل فيه الكلام بقلة، وإلا فالطواف مشتمل على أذكار وتوحيد، وعلى ذكر وعبادة.
إذاً: فالطواف بالبيت عبادة كالصلاة.
وقوله: ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾ [الحج:٢٦] جاء تفسير القائمين بالعاكفين كما في سورة البقرة، والقرآن يفسر بعضه ببعض، قلنا: إن القائمين بمعنى العاكفين؛ لأن العاكف هو المقيم والقائم، والمقيم هو المنقطع للصلاة والصيام والطواف، والمعتكفون هم المقيمون للعبادة؛ لتفرغهم لها، ولما ألهمهم الله إياه وقدرهم عليه.
وقوله: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦] الركع: جمع راكع، والسجود: جمع ساجد، أي: للمصلين.
ولا يكون الركوع والسجود إلا في الصلاة، ويؤكد هذه الآية ما جاء في سورة البقرة: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥]، والطهارة المطلوبة هي الطهارة الحسية والمعنوية.
أما الطهارة الحسية فهي: أن يكون البيت دائماً نظيفاً من الروائح والأزبال وأوساخ الأطفال، وأن يحرص على ذلك في كل وقت، ونظيفاً من المقيمين فيه، فلا ينبغي أن يدخل المسلمون إليه بألبسة وسخة قذرة، والقضية ليست قضية فقر أو غنى، القضية قذارة أو وساخة، وكان ينبغي أن يمنع الوسخ من دخول بيت الله الحرام؛ لأن مؤسس البيت وبانيها بأمر الله إبراهيم وإسماعيل بتطهير البيت.
والنبي ﵊ أمر بأن من وجدت فيه رائحة الثوم والبصل أن يمنع من دخول المساجد عموماً، ومن بيت الله الحرام من باب أولى، ومن المسجد النبوي كذلك.
فإذا كان هذا لمجرد رائحة من عشبة طاهرة حلال بتحليل رسول الله ﵊ لها فكيف بمن يدخل قذراً وسخاً، وفيه روائح الدخان والأوساخ؟! مع أن الماء كثير، وعود الأراك يكاد يكون مجاناً.
إذاً: فهذه القذارة ليست من أخلاق الإسلام، ولا من آداب الدخول لبيت الله الحرام.
стр. 453
تفسير قوله تعالى: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً)
قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧].
أمر الله إبراهيم بعد إتمامه لبناء بيت الله الحرام أن يؤذن بالحج في الناس، وبيت الله الحرام الكعبة، وهي هذه البنية التي نراها، وما يسمى بحجر إسماعيل هو من الكعبة، ولهذا يطاف عليه، وفي الجاهلية جاءت سيول جارفة فهدمت البيت فقلت بقريش النفقة فاقتصدوا، فلم يبنوا البيت على قواعد إبراهيم، ومن هنا كان الركنان الشاميان لا يمسان؛ لأن هذين الركنين من الكعبة، ولا يتم الطواف إلا من خلفهما.
فقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧] أي: يا إبراهيم أذن وأعلن بالحج، وليكن أذانك ودعوتك ونداؤك بالحج، وبالمجيء والقصد لهذا البيت الحرام، وليعبدوا الله عبادة خاصة عند البيت الحرام، طوافاً ووقوفاً بعرفة, وسعياً بين الصفا والمروة، ومبيتاً بمزدلفة، ووقوفاً عند المشعر الحرام، والبقاء يومين أو ثلاثة أيام أو أربعة أيام في منى، والكل يأتي متجرداً حاسر الرأس، لا يلبسون مخيطاً ولا محيطاً.
قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ﴾ [الحج:٢٧] فقال إبراهيم: يا رب! كيف أبلغهم صوتي؟ قال: أنت نادي وأنا أوصلهم صوتك، فصعد على جبل أبي قبيس -ولا يزال يسمى بهذا الاسم- وأخذ ينادي: يا أيها الناس! أطيعوا أمر ربكم: حجوا بيته الحرام، قال: فأسمع الله كل من وجد إذ ذاك، ومن لا يزال في أصلاب الرجال وفي أرحام النساء ممن سيعتمر أو يحج إلى يوم القيامة.
ومن هنا: كان أول شيء نقوله بعد الإحرام والغسل والصلاة ركعتين: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، وهذا جواب لنداء إبراهيم ﵇.
وقد فعل إبراهيم ما أمر ربه، وقد سمعناه -ولله الحمد- ونحن في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، وجئنا نقول: لبيك اللهم لبيك، لا نريد إلا رضاك ولا نريد إلا رحمتك فتقبلنا، واقبل أعمالنا، وهكذا كل من يكرمه الله بأداء العمرة وأداء الحج أو بهما معاً.
وقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ﴾ [الحج:٢٧] جواب الأمر: أنهم سيستجيبون لك ويأتونك، وقد فعل، وقد أتوا والله أعلم بهم، فمنذ أذن إبراهيم بالحج وعند تجديد نبينا ﵊ للحج كما كان أيام إبراهيم، والناس لا تنقطع عن الطواف بهذه البنية المقدسة لا ليلاً ولا نهاراً، فكل بيوت الله تغلق ليلاً وبعضها يغلق ما بين الصلوات إلا بيت الله الحرام، فلا تغلق أبوابه؛ لأن الطواف لا وقت له، فهو بالليل وبالنهار، وهو في الصيف وفي الشتاء، وهو في الصحة وفي المرض.
وأذكر منذ بضع سنين أن سيولاً جاءت فارتفع الماء إلى أن وصل إلى أبواب الكعبة، فتوقفت الصلاة في الحرم يومين، وعز على الكثيرين أن يروا الكعبة لا يطوف بها أحد، فنزلوا يطوفون سابحين عائمين، وقد أغراهم بعض من أخذ يطوف وهو يحسن السباحة والعوم، فلما نزل بعضهم ممن لا يعرف السباحة غرقوا وماتوا، فاضطر المسئولون أن يمنعوا الطواف؛ لأن الناس تعرضوا للموت.
وقوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧] رجالاً: جمع راجل، كصيام: جمع صائم، وقيام: جمع قائم، أي: يأتون على أرجلهم مشاة.
وقوله: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج:٢٧] الضامر: هو المضمر من الخيل والإبل والدواب، فهو يهيأ لذلك برياضة خاصة وسياسة خاصة؛ لتبقى البطن مرتفعة، ويبقى قوي الجلد وقوي الحركة؛ ليكون أسرع في المشي، وقطع المسافات بين المدن والأقاليم، فمعناه: يأتوك راجلين وركباناً.
وقوله: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] الفج: هو الطريق، والعميق: هو البعيد.
стр. 454
أقوال العلماء في أفضلية الركوب أو المشي في الحج
لقد اختلف أئمتنا وأعلامنا: هل الحج ماشياً أفضل أم الحج راكباً؟ فمذهب الشافعي: أن الحج راكباً أفضل؛ لأن النبي ﵊ حج راكباً، والفضل دائماً بالأسوة النبوية، وبما أن النبي ﵊ حج راكباً فالحج راكباً أفضل.
وقال المالكية: ليس الأمر كذلك؛ فالله قدم الرجال على الضامرين، فلما قدم رجالاً على كل ضامر دل ذلك على أن الحج ماشياً أفضل.
وقالوا: إن النبي ﵊ قال عند السعي: (أبدأ بما بدأ الله به)، وقال الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨] فبدأ السعي من الصفا، وهو قد أعطى الأسبقية والأفضلية لما قدمه الله في الآية، وهذا حكمها كذلك.
إذاً: الحج ماشياً له الأفضلية والأسبقية؛ لأن الفعل النبوي في السعي بدأ من الصفا، وأما كون النبي ﵊ لم يحج ماشياً فهذا يجب أن يكون معروف المعنى؛ لأن من العادة النبوية والهدي النبوي إذا خير بين أمرين اختار أيسرهما على أمته، فلو حج ﵊ ماشياً في حجة الوداع التي حج فيها معه مائة وعشرون ألف حاج، وفيهم الشيخ الهرم، والعجوز الشمطاء، والطفل الصغير، وفيهم المريض، فلو حج ماشياً لما استطاع أحد ممن معه أن يحج راكباً، فكيف يحج راكباً ورسول الله ﷺ يحج ماشياً، فهذه قلة أدب، وقلة ذوق، فخير له ألا يحج راكباً ورسول الله على قدميه، ومن العادة النبوية أن يختار الأيسر على أمته، فركب ﵊ تخفيفاً على من معه من الحجيج، والأمر واضح.
وكان ابن عباس يفضل الركوب في الحج، وفي أخريات أيامه وكان قد أضر في بصره، وضعف في بدنه فقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لحججت بيت الله ماشياً؛ لأنه تأكد له بعد ذلك أن من حج ماشياً أفضل.
وحج الكثير من الصحابة والتابعين والصالحين مشاة، وأكثر من حج ماشياً هم المالكية، ونحن نرى الآن الأفارقة السود ومن يأتي من المغرب العربي من يأتي من هذه البلاد التي تدين بمذهب مالك يأتون مشاة؛ لأنهم يعتبرونه الأفضل.
وليس من الضروري أن يمشوا مسرعين، وإنما يمشون يوماً وليلة ثم يستريحون، أو يمشي كل واحد منهم ما يستطيع ثم يستريح ساعة أو يستريح للأكل والقيلولة وغير ذلك، ومع الأيام يكسبه ذلك قوة ومراناً وصلابة في الأعضاء والعصب، وضموراً في البطن، ويجد راحته في المشي، ولكن الله تعالى لا يكلف أحداً أكثر من طاقته، فما جعل علينا في الدين من حرج.
стр. 455
تفسير قوله تعالى: (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات)
قال الله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨].
قوله: (ليشهدوا) أي: ليحضروا منافع لهم، وما هي هذه المنافع؟ هي منافع دنيوية ومنافع دينية، فالمنافع دنيوية مثل: السياحة والاجتماع بالمسلمين ومعرفة ما يجري في الدنيا، والتجارة.
ولا مانع للحاج أن يتجر إذا كانت التجارة عارضة زائدة لا أن يأتي للحج بقصد التجارة، فإن نوى ذلك فسد حجه وكان حجه للدنيا وللتجارة لا للعبادة.
فقوله: ﴿مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٨] من تجارة وتعارف وسياحة، ومن صحة كما قيل: سافروا تصحوا وتغنموا وتزدادوا خيراً، فإن كان طالباً يتعرف على العلماء فيروي عنهم ويروون عنه، ويربط سنده بسندهم، ويعلم حكمة زائدة، ويعود وقد عرف أن الدنيا ليست البقعة التي يعيش فيها خاصة، فمن يأتي من بعيد من فج عميق كالشرق الأقصى والغرب الأقصى، فهؤلاء يحجون مرة ويبقون يتحدثون العمر كله عن هذه الحجة، رأيت فلاناً في مكة وفلاناً في المدينة، ومن عوائدهم كذا، ومن قولهم كذا، وحضرت درس كذا، واستفدت كذا، ورأيت عادة طيبة ينبغي أن نصنعها.
والمنافع الدينية من عبادة لله، ومعلوم أن من خرج من فريضة الحج وقد أداها بأركانها وواجباتها وآدابها رجع منها كيوم ولدته أمه، ومحيت عنه كل سيئة مطلقاً، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، وأي منفعة وفائدة أعظم من هذه! وقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨] أي: ويذكر الله ذكراً مستمراً متتابعاً في أيام معلومات.
والأيام المعلومات: هي العشر الأوائل من ذي الحجة، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٢] أي: العشر الأول من شهر ذي الحجة، وهي من أول يوم إلى يوم النحر.
وكان ﵊ يصومها بما فيها يوم عرفة، ولكن الحاج لا يستحب له صيام يوم عرفة؛ ليكون أقوى للعبادة كالمجاهد، فالمجاهد في رمضان ينبغي أن يفطر؛ لأن ما هو فيه يحتاج للقوة والصلابة والصمود.
وقال قوم: الأيام المعلومات هي يوم النحر، ويومان بعده.
وقال قوم: الأيام المعلومات هي يوم النحر وثلاثة أيام بعده، أي: أيام التشريق وعلى أي اعتبار فكثرة العبادة فيها مطلوبة، وشأن الحاج أن يكون في العشر الأوائل من ذي الحجة بين طواف وذكر وتلاوة وصلاة وتهجد وصيام، فهو في عبادة مستمرة، ثم يأتي اليوم الثامن يوم التروية، ثم يوم عرفة، ثم يوم النحر، ثم يومان أو ثلاثة أيام منىً، فلكل يوم وظيفة، ولكل يوم عبادة.
وفي الحج الحركة والنوم واليقظة والأكل والشرب عبادة، والجلوس في البيت والنظر إلى الكعبة المشرفة عبادة، ولقاؤك بالمسلمين وتعرفك عليهم والاهتمام بشئونهم وذكر ما يجري في بلادكم وبلادهم عبادة؛ لأن النبي ﵊ يقول: (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم).
فتصوروا أن هذا كان منذ ألف وأربعمائة عام، فلم تكن هناك صحافة ولا طيران ولا هاتف سلكي ولا لا سلكي، ولا بريد بهذا الشكل، ولا مواصلات، فليس هناك إلا الدابة والرجل، والبحر في السفن الشراعية، قد تركب وتقدر أن تصل في أسبوع وتجد نفسك في البحر شهرين، كما قال الشاعر: تجري الرياح بما لا تشتهي السفن وما أكثر ما يحصل من اقتراب السفن من الشواطئ المرادة من المشرق العربي وإذا برياح شديدة تدفع بالسفينة إلى الغرب من حيث جاءت، ومن يقرأ رحلات ابن جبير، ورحلات ابن بطوطة وأمثالهما يجد الكثير الكثير من هذا.
فكان الحج مؤتمراً سنوياً عالمياً، وجعله الله ركناً من أركان الإسلام الخمسة التي لا يتم إسلام المسلم إلا بها، فكان المسلمون يجتمعون ليتشاكوا ويتباكوا، ويعلموا ما يسرهم وما يضرهم.
стр. 456
تفسير سورة الحج [٢٧ - ٢٨]
لقد أمر الله تعالى عبده إبراهيم بأن يؤذن في الناس بالحج، فقام نبي الله تعالى بذلك فأبلغ الله صوته إلى كل من كان في الأرض في ذلك الزمان، ومن كان في أصلاب الآباء، فصار الناس في ذلك الزمان وما بعده يلبون هذه الدعوة من هذا النبي الكريم، فيأتون قائلين: لبيك اللهم لبيك.
ولهم في هذا الحج منافع دينية ومنافع دنيوية، وهذا من فضل الله تعالى علينا أمة الإسلام.
стр. 457
تفسير قوله تعالى: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً)
قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٧ - ٢٨].
قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ﴾ [الحج:٢٧] الجمهور على أن معناها: أن الله أمر إبراهيم عندما بنى البيت بأمر الله أن يعلم الناس ويؤذن في الناس على جبل أبي قبيس ليدعوهم إلى حج بيت الله الحرام.
وقال قوم: الكلام مستقل بعد الآية الماضية وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج:٢٦].
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ﴾ [الحج:٢٧]: كلام جديد مستأنف، وهو أمر لرسولنا ونبينا صلوات الله وسلامه عليه، أي: يا محمد! أعلم الخلق بحج هذا البيت وزيارته والطواف حوله.
واستجاب ﷺ وقال فيما صح عنه وتواتر أنه قال ﵊: (ألا فحجوا فإن الله يأمركم بالحج).
وهكذا أصبح الحج من شعائر الإسلام، وأحد أركانه الخمسة الرئيسية الأساسية، ولكن الجمهور على أن الخطاب كان للجد الأعلى أبي الأنبياء إبراهيم عليه صلاة الله وسلامه.
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧] أي: بالقصد والعبادة والزيارة لهذه البطاح المقدسة، وبالطواف بالكعبة والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف في عرفات، والمبيت في مزدلفة، والوقوف في المشعر الحرام، والمبيت في منى يوم النحر ويومي منىً، ثم الطواف بالبيت بعد ذلك.
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧] أي: يستجيبوا لك، فيأتوا لما أمرتهم به راجلين على الأقدام، وركباناً على الإبل والخيل والدواب.
﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج:٢٧] أي: على كل مضمر من الإبل ومن الدواب، ومعنى (ضامر) مهيأ ومضمر للرحلة والسياحة والتنقل بين الأقاليم والأقطار مشرقاً ومغرباً إلى قصد بيت الله الحرام في مكة المكرمة.
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج:٢٧] رجالاً: جمع راجل، كقيام جمع قائم، وصيام جمع صائم، أي: يأتوك ماشين على الأرجل، وراكبين على الإبل المضمرة والخيل والدواب.
واختلف علماؤنا هل الحج مشياً أفضل أو ركوباً؟ وقد قلت: إن الشافعي ﵀ والجمهور على أن الحج راكباً أفضل، ائتساءً برسول الله ﷺ الذي حج راكباً.
وقال مالك وغيره من الأئمة: الحج مشياً أفضل، واحتجوا بفعل رسول الله ﵊ عندما جاء للسعي بين الصفا والمروة فقال: (نبتدئ بما بدأ الله به) فقد بدأ الله بالذكر بالصفا ثم المروة، فابتدأ السعي من الصفا إلى المروة.
وقياساً على هذا وأن ما قدمه الله له حق التقديم، قال مالك: قدم الله ذكر الماشين على الأقدام في قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج:٢٧] فالحج راجلاً أفضل.
وبطبيعة الحال فإن ذلك على من استطاعه واحتمله، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨].
وأما الاحتجاج بفعل رسول الله ﵊ فالأمر هنا ليس كذلك، فقد كان من الهدي النبوي والسيرة النبوية أن النبي ﷺ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما على أمته.
والأيسر على أمته أن تحج ركباناً، وأيضاً لو حج رسول الله ﵊ ماشياً في حجة الوداع وهي الحجة الوحيدة، وقد حج معه فيها مائة وعشرون ألفاً من الأصحاب فيهم الشيوخ الركع، وفيهم الأطفال الرضع، بل منهم من ولد في الطريق، فقد ولدت أسماء بنت أبي بكر وهي في الطريق.
فلو حج الرسول ﵊ ماشياً لأتعبهم، ولمنعهم من الركوب الحياء، فسيكون رسول الله ماشياً على قدميه وهم ركبان، فسيرى ذلك من قلة الأدب، ومن عدم الحرمة لرسول الله ﵊، ولو فعلوا كفعله لو حج ماشياً لأجهدهم ولأتعبهم، ولهلك الكثير في الطريق قبل الوصول.
ولم يكن هذا من السيرة النبوية التي فيها الشفقة والرحمة بأمته وبأتباعه من المؤمنين، وعلى ذلك: فلقائل أن يقول كما قال مالك: ما ترك ﵊ الحج ماشياً إلا رحمة بأمته، وشفقة من إجهادها وإتعابها.
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] قال ربنا ﷻ : يأتين، وقد ذكر ضامراً مفرداً، فكيف عاد الضمير جماعة؟ قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج:٢٧] فكل دلت على أن الكثيرين سيأتونك على إبل ضامرة وخيل مضمرة ودواب مهيأة ومعدة لذلك، فبهذا الاعتبار عاد الضمير جماعة، وهو يعود على غير العاقل مؤنثاً كما في هذه الآية.
﴿يَأْتِينَ﴾ [الحج:٢٧] أي: يأتي هؤلاء الضمار ومن يركبها من البشر.
﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾ [الحج:٢٧] أي: من كل طريق عميق بعيد، وهكذا الأمر ولا يزال منذ فجر الإسلام يأتي الحجيج إلى زيارة وإلى حج بيت الله الحرام من أقصى ديار الدنيا شرقاً من الصين، وأقصى ديار الدنيا غرباً من المغرب الأقصى وما خلفه.
وهكذا استجاب الناس لدعاء ونداء النبي ﵊.
وقد قلنا: إن النبي إبراهيم أو نبينا محمد ﷺ قد علم أن صوته لن يبلغ إلى كل أحد في الأرض ليستجيب لهذا النداء الكريم، ولكن الله قال: سأبلغ صوتك يا إبراهيم أو يا محمد ﵊.
وقد قالوا: إن كل من حج منذ النداء النبوي والأمر الإلهي كان قد بلغه وسمع الصوت إلهاماً من الله وهم لا يزالون في أصلاب آبائهم وفي أرحام أمهاتهم.
وهذا معنى كون الحاج عندما يغتسل ويصلي ركعتي الإحرام ثم يبتدئ بعد ذلك فيقول: لبيك اللهم لبيك.
فهي استجابة للنداء الأزلي، للنداء الإلهي، للنداء النبوي عندما دعي وهو لا يزال في الرحم وفي الصلب، فعندما استطاع أن يتكلم وبرز للوجود بحواسه الباصرة والمتكلمة والسميعة، فخرج يقول: لبيك اللهم لبيك.
ولا تكون لبيك إلا إجابة نداء، إلا نعم بأقصى أنواع الأدب، ولا يزال هذا في لغة ولهجة أهل الحجاز إذا نودي منادى فإنه من الأدب يجيب: لبيك لبيك.
والتلبية: الاستجابة، ومعنى لبيك لبيك: الاستجابة والتكرار بالاستجابة مرة بعد مرة.
стр. 458
تفسير قوله تعالى: (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات)
﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨].
قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٨] المنافع جمع منفعة، أي: ليحضر هؤلاء المنادون والحجيج إلى الديار المقدسة وإلى بيت الله الحرام؛ ليشهدوا ويحضروا منافع لهم؛ منافع دنيوية ومنافع دينية، فمن المنافع الدنيوية: التعارف بين المسلمين، وإن كانت الغاية دينية إن أرادوا ذلك.
ومن المنافع الدنيوية: التجارة والبيع والشراء.
والدينية: عفو الله ومغفرته كما قال الإمام محمد الباقر.
وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال بأن الحاج الذي يخرج من الحج وقد قبل منه يخرج كيوم ولدته أمه لا ذنب ولا خطيئة، فكل ذلك يغفر، وكل ذلك يعفى عنه، ويبتدئ حياة جديدة بأعمال جديدة.
﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج:٢٨] أي: ليذكروا الله ذكراً متتابعاً متواصلاً بأنواع من العبادات: تالين ومصلين وذاكرين وطائفين بالبيت الحرام وبالكعبة المشرفة، وساعين بين الصفا والمروة، وواقفين في عرفة، إلى بقية مناسك الحج فكل ذلك عبادة.
والحاج منذ أن يحرم ويصلي ركعتي الإحرام، ويغتسل قبلهما ويقول: لبيك لبيك، فهو في عبادة سواءً كان صاحياً أو كان نائماً، ومادام أنه أحرم من هناك كما استحب ذلك الكثير من الفقهاء والأئمة -وإن كان خلاف المنصوص وخلاف الوارد- فبمجرد ما يبتدئ الإحرام من مواقيته فهو في عبادة متصلة إلى أن يعود لبلده، والعبادة بكل أشكالها ذكر لله، ذكر باللسان وذكر بالجنان وذكر بجميع حواس الجسد.
﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج:٢٨] الأيام المعلومات عند الجمهور: هي العشر الأول من شهر ذي الحجة، وكان يصومها ﷺ جميعاً سوى العيد، فإن العيد يحرم صيامه.
وقد قالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٢] أن الليالي العشر في الآية هي العشر الأول من شهر ذي الحجة.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: الأيام المعلومات هي: يوم عرفات، ويوم النحر، ويومان بعد يوم النحر.
وقال عبد الله بن عباس ﵁: الأيام المعلومات يوم النحر، وأيام التشريق بعد يوم النحر.
وقال سعيد بن جبير: أيام التشريق.
وعلى كل: فهذه الأيام التي أشار الله إليها تارة بمعلومات وتارة بمعدودات علمت ببيان رسول الله ﷺ وفعل الصحابة، فهي (معدودة) أي: قليلة.
و (معلومة) قد عرفت ببيان رسول الله ﵊ الذي كلف بالبيان، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤].
أي: يذكرون الله شاكرين، حامدين، مثنين على الله ﷻ .
﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨] (البهائم) تدخل فيها البهائم المركوبة التي لا يحل أكلها من خيل وبغال وحمير، وإنما جعلت للركوب على خلاف في بعض ذلك.
والإبل تؤكل باتفاق، والخيل بكراهة ومنهم من حرمها، وأما البغال والحمير فقد حرمت.
فال الله: ﴿بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨] ليعلمنا ويشعرنا ويدعونا إلى أن نذكر الله، ونقدم الهدي ونقدم الذبائح في الحج ونحن نذكر الله، وألا تكون إلا من الأنعام، والأنعام هي: الإبل والبقر والغنم.
ومن المعلوم في الضحايا أن الإبل أفضل ثم البقر ثم الغنم، ويشترك في البعير سواء كان ناقة أو جملاً يشترك فيه سبعة ويكون مجزياً عنهم، وكذلك البقرة كما قال النبي ﵊، وقد أوتي للنبي ﵊ من اليمن بمائة بدنة، أتى بها علي ﵁، فنحر منها بيده الكريمة ﵊ ثلاثاً وستين بدنة، وذبح ونحر الباقي علي ﵁.
فكان يقول عند الذبح: باسم الله، اللهم منك وإليك، عمن لم يهد من أمتي.
وكان يذبح بعض ذلك عن أسرته وعائلته الشريفة.
﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨] أي: ما رزقهم منها للهدايا وللضحايا وللرزق وللأكل وللاستنفاع سواء في الحج أو في غير الحج، فالله قد خلقها لنا وأحلها لنا حضراً وسفراً، وفي الحج تعتبر هدايا وتطوعاً بالنسبة لمن لم يكن عليه جزاء فدية أو جزاء في شيء أفسد به حجه، أو خالف فيه بعض ما يجب ألا يخالف، أو كان متمتعاً أو قارناً فكذلك عليه ذنب.
قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨] أمرنا أن نأكل منها، وقد اختلف العلماء في نوع هذا الأمر هل هو أمر وجوب أم أمر استحباب؟ وقد قال الظاهرية ومن يقول بقولهم: إنه أمر وجوب، وقال به من كان اجتهاده اجتهادهم ممن اعتبروا الأمر باستمرار هو للوجوب ما لم يأت ما يصرفه عن ذلك.
ولكن الجمهور في ذلك فصلوا وقالوا: أما الهدايا وضحايا التطوع فيؤكل منها، فالنبي ﵊ ما نحره من الإبل أمر بأن يقتطع من كل بدنة قطعة لحم وطبخ ذلك فأكل من لحمها وشرب واحتسى من مرقها، وتصدق بالباقي؛ لأن الله أمر وقال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨].
فنحن قد أمرنا أن نأكل من هدايانا وتطوعنا، وأن يأكل معنا منها البائس الفقير.
وقال بعض أهل العلم: تقسم أنصافاً، نصف للمضحي، وللمهدي، وللمتطوع، والنصف الآخر للفقراء والمساكين.
وقال البعض: تقسم أثلاثاً: ثلث لنفسه ولعياله، والثلث لطبقة من الناس الذين لا يطلبون ولا يسألون ولا يتسولون ممن يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، كما سيأتي في تفسير القانع والمعتر، والثلث الآخر لمن يسأل؛ للبائس بالمرة، كما قال تعالى في هذه الآية الكريمة.
وأما الأكل من الهدايا ومن التطوع فقد أجمع الفقهاء على حل ذلك وجوازه، وقالوا: الأكل في الآية هو متعلق ومرتبط بالهدايا والتطوع.
وقالوا: ليس الأمر أمر وجوب، وإنما هو أمر إجازة وإباحة، فإن شئت أن تأكل فكل، وإن لم تشأ فلا تفعل، ولكن هذا مختلف ومخالف للأسوة النبوية؛ فقد أكل ﷺ شيئاً سمي أكلاً، فهي قطعة لحم من كل ناقة طبخت مع بعضها وأكل منها بعضاً، واحتسى من مرقها، والباقي تصدق به جميعه، وهو أشبه بألا يكون أكل منها إلا لامتثال هذا الأمر في الآية.
وهذا موضع إجماع من الأئمة الأربعة وغيرهم.
وقال مالك: يباح الأكل من التطوع، ولا يباح الأكل من دم القران إذا كان حج مقرناً، ولا حج التمتع، ولا جزاء الصيد، ولا ما ذبح لفساد وقع بالحج؛ لأن هذا الذبح واجب لا يتم الحج إلا به.
والأحناف قالوا: يؤكل من ذبائح التمتع ومن ذبائح القران، ولا يؤكل من ذبائح الجزاء وذبائح فساد الحج إن حدث نقص أو فساد بالمرة.
والشافعية كذلك أباحوا بعض ذلك وحرموا بعض ذلك؛ أباحوا الجزاء ومنعوا من أن يؤكل من ذبيحة التمتع وذبيحة القران.
﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨] البائس الفقير هو: الفقير الذي اشتد بؤسه وفقره، واشتدت حاجته، فينبغي لمثل هذا في مثل هذه الأيام أن يأكل كما يأكل الناس، وهي أيام عيد، وأعظم موسم في الإسلام، وهو الموسم الأعظم؛ موسم الحج.
والأضحية يؤكل منها، ويعطى منها للفقير الذي لا يطلب فيحسبه الجاهل غنياً من التعفف، والفقير الذي يسأل وقد أضر به الفقر والحاجة.
стр. 459
تفسير سورة الحج [٢٩ - ٣٢]
من الآداب التي أمر الله تعالى بها عباده أنهم بعد انتهائهم من مناسك الحج أن يزيلو ما علق بهم من الأوساخ نتيجة الإحرام الذي طالت أيامه، وقد كان هذا واضحاً في الماضي، ثم أمر عباده المؤمنين بأن يوفوا نذورهم، وأن يطوفوا في البيت العتيق، ثم أمرهم بتعظيم شعائر الله تعالى، فإن ذلك من تقوى القلوب، وعلامة على صلاح الباطن.
стр. 460
تفسير قوله تعالى: (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩].
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] التفث في اللغة العربية: القذارة والوسخ، أي: ليزيلوه، والمراد من الآية: زوال ما علق بالإحرام وكان يمنع زواله كحلق الشعر أو قصه، أو تقليم أظفار اليدين أو الرجلين، أو زوال شعر العانة، أو ما يدعو إلى التطيب وإلى التزين، أو يأخذ من شعره رأساً أو لحية.
ومن المعلوم أنه في الماضي عندما كان يحج الحاج يأتي راجلاً أو يأتي على الدواب، وقد أدرك هذا الكثير من معاصرينا، ولو كنا هنا لأدركنا ما أدركه غيرنا، ولقد كانوا يحجون على الدواب من مكة إلى المدينة عشرة أيام أو تزيد، وراجلين في نحو شهر.
وأما من الديار البعيدة، أما من الشرق الأقصى، أما من المغرب الأقصى فكان يستغرق ذلك عاماً أو يزيد، فعندما يبتدئ الإحرام من مواقيته خلال عشرة أيام وخاصة من أفرد إذا وصل إلى هنا قبل شهر الحجة تجده يبقى محرماً شهراً وشهرين متصلين، لا يقلم أظفاراً، ولا يقص شعراً، ولا يزيل شعر عانة، ولا يأخذ من شاربه، ولا من لحيته، ولا من رأسه، ولا يتطيب، فيتجمع هذا ويتكاثر وقال عنه الله تعالى: التفث.
قال إمام اللغة الزجاج: هذه الكلمة لا أعرفها ذكرت في معاجم اللغة إلا في القرآن الكريم، فمن القرآن أخذناها، ومن القرآن علمنا معناها.
معنى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج:٢٩]: أي: يزيلون ما علق بهم بعد نهاية الحج وإتمام المناسك، عندما يزيلون الإحرام ويتمون طواف الإفاضة يقلمون أظفارهم، ويحلقون عاناتهم، ويحلقون رءوسهم أو يقصرونها، ويأخذون من الشارب، ويجملون اللحية في أطرافها ومن أطرافها، ويلبسون الثياب النظيفة.
وهنا يكونون بهذا العمل قد أزالوا التفث، وأزالوا ما ارتبط بالإحرام من هذا الذي سماه التفث، وقالوا عنه: القذر والوساخة، وذاك زيادة في العبودية لله، وزيادة في أن يقف المالك والمملوك، الكبير والصغير، الغني والفقير حاسري الرءوس بألبسة أشبه ما تكون بأكفان الميت، فالكل يقف ويقول: لبيك اللهم لبيك، كلهم عبيد أمام المعبود الذي لا يعبد سواه، ولا يأله سواه، ولا يخلق غيره ﷻ وعلا مقامه.
هذا الموقف الذي يتذكر الإنسان فيه الموت ويوم العرض على الله، هذا اليوم الذي كان أول نوع من المؤتمرات في العالم، ولم يكن يتصور قبل المواصلات الجديدة وقبل الهواتف والصلات الجديدة من مركوبات شراعية بخارية، وبرية، وجوية.
ومن قبل الهواتف بالسلك واللاسلك، فلو دعا إنسان إنساناً إلى تجمع في مؤتمر من الهند إلى المغرب الأقصى، وإلى مختلف أقطار الأرض لكان ذلك يحتاج إلى السنة والسنتين، ومن هنا لم يحدث هذا قط.
وأول من أحدثه وأوجبه وجعله ركناً من أركان الإسلام هو الله ﷻ في كتابه، ثم نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه في شرحه وسنته وبيانه، فكان من الأسرار المطوية في هذه العبادة اجتماع المسلمين من مختلف أقطار الأرض منذ ١٤٠٠ عام؛ ليتبادلوا الشكوى، وليتبادلوا الآلام والآمال، وليعلم كل مسلم حال المسلمين من إخوانه في مشارق الأرض ومغاربها.
فعندما يعود هؤلاء الناس مختلفي الألوان واللغات والآراء والأصقاع والأوطان، يعودون وقد زودوا بحال إخوانهم المسلمين: إن كانوا في ضيق وضر أعانوهم إن بالمال وإن بالسلاح، وإن بالتأييد القولي.
وإن كانوا بخير فرحوا بفرحهم، وسروا بسرورهم، وقديماً جعل الله ﷻ الأخوة بين المؤمنين فقط، وقسم العالم أرض حرب وأرض إسلام.
والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] فلا إخوة إلا بين المؤمنين الذين يعبدون رباً واحداً، ويدينون بالولاء، ويؤمنون بنبوءة نبي واحد، ويؤمنون بكتاب واحد هو كتاب الله، والمفروض أن تكون اللغة واحدة هي لغة القرآن، لغة النبي المرسل والمنزل عليه القرآن عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] أي: يزيلوا ما علق بهم نتيجة الإحرام الذي طالت أيامه، وما ارتبط به من طول أظفار وطول شعر وقلة غسل وتطييب.
﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] أي: يقومون بالوفاء بالعمل الكامل للنذور، وهي: جمع نذر.
وقالوا هنا في النذور: هي مناسك الحج: فضائله وأركانه وواجباته وآدابه؛ لأن الإنسان عندما يبتدئ النية بعمل واجب أو بعمل مرغوب يكون فيه متطوعاً، وبمجرد البداية فيه يصير لا بد من التمام، فالبداية موجبة للتمام، ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣].
فلا يجوز لنا -حتى ولو في النافلة- أن نكبر تكبيرة الإحرام، ونقرأ الفاتحة وسورة، ثم يبدو لنا فنترك الصلاة ونقول هي تطوع، فهذا لم يأذن به رسول الله ﵊ إلا في الصيام، وقال: (المتطوع أمير نفسه: إن شاء صام وإن شاء أفطر)، ولا يكون إلا إن دعته لذلك ضرورة كما قال الكثير من الأئمة، حتى إنه إن أفطر لهذه الضرورة ولو إرضاء ضيف أو إرضاء عزيز فعليه أن يعيد اليوم الذي ابتدأه؛ لأننا منعنا من أن نبطل أعمالنا عندما نبتدئها.
وقالوا: النذور يدخل فيه نذر الضحايا، ونذر الهدايا، ونذر الذبائح التي نقدمها على اسم الله وذكر الله، نأخذ منها لذلك، ونتصدق بالباقي على الفقير الذي يحسب غنياً بمظهره وحاله، ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة:٢٧٣]، أو السائل الذي يسأل ويقف على الأبواب ويطلب منك.
هذه الضحايا تعتبر نذوراً، وهذا الحج بمجرد الإحرام ولو كان تطوعاً فلا بد من إتمامه، ومن قطعه فإنه يأثم، وعليه أن يعيده.
﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] البيت العتيق هو الكعبة المشرفة.
﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحج:٢٩] أمر من الله بلام الأمر بالطواف، وأجمعوا في تفسير الطواف هنا: أنه طواف الإفاضة، والذي يسمى كذلك طواف زيارة، وهو ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا به، ووقته وزمنه يوم النحر عندما نقص أو نحلق، وعندما ننحر أو نذبح، نأتي ننزل للكعبة فنطوف بها سبعاً، وعند ذلك نزيل الإحرام وما ارتبط بالإحرام ونتنظف ونتطيب ونخرج مما كنا سجناء فيه ونحن حجاج.
نزيل الإحرام ولواحقه، ولا يمنع إلا النساء، لا يقربن إلا إذا انتهت أيام منىً.
следующие страницы →