Полный текст (2 442 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
تفسير سورة الحج [٢٧ - ٢٨]
لقد أمر الله تعالى عبده إبراهيم بأن يؤذن في الناس بالحج، فقام نبي الله تعالى بذلك فأبلغ الله صوته إلى كل من كان في الأرض في ذلك الزمان، ومن كان في أصلاب الآباء، فصار الناس في ذلك الزمان وما بعده يلبون هذه الدعوة من هذا النبي الكريم، فيأتون قائلين: لبيك اللهم لبيك.
ولهم في هذا الحج منافع دينية ومنافع دنيوية، وهذا من فضل الله تعالى علينا أمة الإسلام.
стр. 457
تفسير قوله تعالى: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً)
قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٧ - ٢٨].
قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ﴾ [الحج:٢٧] الجمهور على أن معناها: أن الله أمر إبراهيم عندما بنى البيت بأمر الله أن يعلم الناس ويؤذن في الناس على جبل أبي قبيس ليدعوهم إلى حج بيت الله الحرام.
وقال قوم: الكلام مستقل بعد الآية الماضية وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج:٢٦].
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ﴾ [الحج:٢٧]: كلام جديد مستأنف، وهو أمر لرسولنا ونبينا صلوات الله وسلامه عليه، أي: يا محمد! أعلم الخلق بحج هذا البيت وزيارته والطواف حوله.
واستجاب ﷺ وقال فيما صح عنه وتواتر أنه قال ﵊: (ألا فحجوا فإن الله يأمركم بالحج).
وهكذا أصبح الحج من شعائر الإسلام، وأحد أركانه الخمسة الرئيسية الأساسية، ولكن الجمهور على أن الخطاب كان للجد الأعلى أبي الأنبياء إبراهيم عليه صلاة الله وسلامه.
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧] أي: بالقصد والعبادة والزيارة لهذه البطاح المقدسة، وبالطواف بالكعبة والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف في عرفات، والمبيت في مزدلفة، والوقوف في المشعر الحرام، والمبيت في منى يوم النحر ويومي منىً، ثم الطواف بالبيت بعد ذلك.
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧] أي: يستجيبوا لك، فيأتوا لما أمرتهم به راجلين على الأقدام، وركباناً على الإبل والخيل والدواب.
﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج:٢٧] أي: على كل مضمر من الإبل ومن الدواب، ومعنى (ضامر) مهيأ ومضمر للرحلة والسياحة والتنقل بين الأقاليم والأقطار مشرقاً ومغرباً إلى قصد بيت الله الحرام في مكة المكرمة.
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج:٢٧] رجالاً: جمع راجل، كقيام جمع قائم، وصيام جمع صائم، أي: يأتوك ماشين على الأرجل، وراكبين على الإبل المضمرة والخيل والدواب.
واختلف علماؤنا هل الحج مشياً أفضل أو ركوباً؟ وقد قلت: إن الشافعي ﵀ والجمهور على أن الحج راكباً أفضل، ائتساءً برسول الله ﷺ الذي حج راكباً.
وقال مالك وغيره من الأئمة: الحج مشياً أفضل، واحتجوا بفعل رسول الله ﵊ عندما جاء للسعي بين الصفا والمروة فقال: (نبتدئ بما بدأ الله به) فقد بدأ الله بالذكر بالصفا ثم المروة، فابتدأ السعي من الصفا إلى المروة.
وقياساً على هذا وأن ما قدمه الله له حق التقديم، قال مالك: قدم الله ذكر الماشين على الأقدام في قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج:٢٧] فالحج راجلاً أفضل.
وبطبيعة الحال فإن ذلك على من استطاعه واحتمله، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨].
وأما الاحتجاج بفعل رسول الله ﵊ فالأمر هنا ليس كذلك، فقد كان من الهدي النبوي والسيرة النبوية أن النبي ﷺ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما على أمته.
والأيسر على أمته أن تحج ركباناً، وأيضاً لو حج رسول الله ﵊ ماشياً في حجة الوداع وهي الحجة الوحيدة، وقد حج معه فيها مائة وعشرون ألفاً من الأصحاب فيهم الشيوخ الركع، وفيهم الأطفال الرضع، بل منهم من ولد في الطريق، فقد ولدت أسماء بنت أبي بكر وهي في الطريق.
فلو حج الرسول ﵊ ماشياً لأتعبهم، ولمنعهم من الركوب الحياء، فسيكون رسول الله ماشياً على قدميه وهم ركبان، فسيرى ذلك من قلة الأدب، ومن عدم الحرمة لرسول الله ﵊، ولو فعلوا كفعله لو حج ماشياً لأجهدهم ولأتعبهم، ولهلك الكثير في الطريق قبل الوصول.
ولم يكن هذا من السيرة النبوية التي فيها الشفقة والرحمة بأمته وبأتباعه من المؤمنين، وعلى ذلك: فلقائل أن يقول كما قال مالك: ما ترك ﵊ الحج ماشياً إلا رحمة بأمته، وشفقة من إجهادها وإتعابها.
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] قال ربنا ﷻ : يأتين، وقد ذكر ضامراً مفرداً، فكيف عاد الضمير جماعة؟ قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج:٢٧] فكل دلت على أن الكثيرين سيأتونك على إبل ضامرة وخيل مضمرة ودواب مهيأة ومعدة لذلك، فبهذا الاعتبار عاد الضمير جماعة، وهو يعود على غير العاقل مؤنثاً كما في هذه الآية.
﴿يَأْتِينَ﴾ [الحج:٢٧] أي: يأتي هؤلاء الضمار ومن يركبها من البشر.
﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾ [الحج:٢٧] أي: من كل طريق عميق بعيد، وهكذا الأمر ولا يزال منذ فجر الإسلام يأتي الحجيج إلى زيارة وإلى حج بيت الله الحرام من أقصى ديار الدنيا شرقاً من الصين، وأقصى ديار الدنيا غرباً من المغرب الأقصى وما خلفه.
وهكذا استجاب الناس لدعاء ونداء النبي ﵊.
وقد قلنا: إن النبي إبراهيم أو نبينا محمد ﷺ قد علم أن صوته لن يبلغ إلى كل أحد في الأرض ليستجيب لهذا النداء الكريم، ولكن الله قال: سأبلغ صوتك يا إبراهيم أو يا محمد ﵊.
وقد قالوا: إن كل من حج منذ النداء النبوي والأمر الإلهي كان قد بلغه وسمع الصوت إلهاماً من الله وهم لا يزالون في أصلاب آبائهم وفي أرحام أمهاتهم.
وهذا معنى كون الحاج عندما يغتسل ويصلي ركعتي الإحرام ثم يبتدئ بعد ذلك فيقول: لبيك اللهم لبيك.
فهي استجابة للنداء الأزلي، للنداء الإلهي، للنداء النبوي عندما دعي وهو لا يزال في الرحم وفي الصلب، فعندما استطاع أن يتكلم وبرز للوجود بحواسه الباصرة والمتكلمة والسميعة، فخرج يقول: لبيك اللهم لبيك.
ولا تكون لبيك إلا إجابة نداء، إلا نعم بأقصى أنواع الأدب، ولا يزال هذا في لغة ولهجة أهل الحجاز إذا نودي منادى فإنه من الأدب يجيب: لبيك لبيك.
والتلبية: الاستجابة، ومعنى لبيك لبيك: الاستجابة والتكرار بالاستجابة مرة بعد مرة.
стр. 458
تفسير قوله تعالى: (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات)
﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨].
قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٨] المنافع جمع منفعة، أي: ليحضر هؤلاء المنادون والحجيج إلى الديار المقدسة وإلى بيت الله الحرام؛ ليشهدوا ويحضروا منافع لهم؛ منافع دنيوية ومنافع دينية، فمن المنافع الدنيوية: التعارف بين المسلمين، وإن كانت الغاية دينية إن أرادوا ذلك.
ومن المنافع الدنيوية: التجارة والبيع والشراء.
والدينية: عفو الله ومغفرته كما قال الإمام محمد الباقر.
وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال بأن الحاج الذي يخرج من الحج وقد قبل منه يخرج كيوم ولدته أمه لا ذنب ولا خطيئة، فكل ذلك يغفر، وكل ذلك يعفى عنه، ويبتدئ حياة جديدة بأعمال جديدة.
﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج:٢٨] أي: ليذكروا الله ذكراً متتابعاً متواصلاً بأنواع من العبادات: تالين ومصلين وذاكرين وطائفين بالبيت الحرام وبالكعبة المشرفة، وساعين بين الصفا والمروة، وواقفين في عرفة، إلى بقية مناسك الحج فكل ذلك عبادة.
والحاج منذ أن يحرم ويصلي ركعتي الإحرام، ويغتسل قبلهما ويقول: لبيك لبيك، فهو في عبادة سواءً كان صاحياً أو كان نائماً، ومادام أنه أحرم من هناك كما استحب ذلك الكثير من الفقهاء والأئمة -وإن كان خلاف المنصوص وخلاف الوارد- فبمجرد ما يبتدئ الإحرام من مواقيته فهو في عبادة متصلة إلى أن يعود لبلده، والعبادة بكل أشكالها ذكر لله، ذكر باللسان وذكر بالجنان وذكر بجميع حواس الجسد.
﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج:٢٨] الأيام المعلومات عند الجمهور: هي العشر الأول من شهر ذي الحجة، وكان يصومها ﷺ جميعاً سوى العيد، فإن العيد يحرم صيامه.
وقد قالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٢] أن الليالي العشر في الآية هي العشر الأول من شهر ذي الحجة.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: الأيام المعلومات هي: يوم عرفات، ويوم النحر، ويومان بعد يوم النحر.
وقال عبد الله بن عباس ﵁: الأيام المعلومات يوم النحر، وأيام التشريق بعد يوم النحر.
وقال سعيد بن جبير: أيام التشريق.
وعلى كل: فهذه الأيام التي أشار الله إليها تارة بمعلومات وتارة بمعدودات علمت ببيان رسول الله ﷺ وفعل الصحابة، فهي (معدودة) أي: قليلة.
و (معلومة) قد عرفت ببيان رسول الله ﵊ الذي كلف بالبيان، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤].
أي: يذكرون الله شاكرين، حامدين، مثنين على الله ﷻ .
﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨] (البهائم) تدخل فيها البهائم المركوبة التي لا يحل أكلها من خيل وبغال وحمير، وإنما جعلت للركوب على خلاف في بعض ذلك.
والإبل تؤكل باتفاق، والخيل بكراهة ومنهم من حرمها، وأما البغال والحمير فقد حرمت.
فال الله: ﴿بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨] ليعلمنا ويشعرنا ويدعونا إلى أن نذكر الله، ونقدم الهدي ونقدم الذبائح في الحج ونحن نذكر الله، وألا تكون إلا من الأنعام، والأنعام هي: الإبل والبقر والغنم.
ومن المعلوم في الضحايا أن الإبل أفضل ثم البقر ثم الغنم، ويشترك في البعير سواء كان ناقة أو جملاً يشترك فيه سبعة ويكون مجزياً عنهم، وكذلك البقرة كما قال النبي ﵊، وقد أوتي للنبي ﵊ من اليمن بمائة بدنة، أتى بها علي ﵁، فنحر منها بيده الكريمة ﵊ ثلاثاً وستين بدنة، وذبح ونحر الباقي علي ﵁.
فكان يقول عند الذبح: باسم الله، اللهم منك وإليك، عمن لم يهد من أمتي.
وكان يذبح بعض ذلك عن أسرته وعائلته الشريفة.
﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨] أي: ما رزقهم منها للهدايا وللضحايا وللرزق وللأكل وللاستنفاع سواء في الحج أو في غير الحج، فالله قد خلقها لنا وأحلها لنا حضراً وسفراً، وفي الحج تعتبر هدايا وتطوعاً بالنسبة لمن لم يكن عليه جزاء فدية أو جزاء في شيء أفسد به حجه، أو خالف فيه بعض ما يجب ألا يخالف، أو كان متمتعاً أو قارناً فكذلك عليه ذنب.
قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨] أمرنا أن نأكل منها، وقد اختلف العلماء في نوع هذا الأمر هل هو أمر وجوب أم أمر استحباب؟ وقد قال الظاهرية ومن يقول بقولهم: إنه أمر وجوب، وقال به من كان اجتهاده اجتهادهم ممن اعتبروا الأمر باستمرار هو للوجوب ما لم يأت ما يصرفه عن ذلك.
ولكن الجمهور في ذلك فصلوا وقالوا: أما الهدايا وضحايا التطوع فيؤكل منها، فالنبي ﵊ ما نحره من الإبل أمر بأن يقتطع من كل بدنة قطعة لحم وطبخ ذلك فأكل من لحمها وشرب واحتسى من مرقها، وتصدق بالباقي؛ لأن الله أمر وقال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨].
فنحن قد أمرنا أن نأكل من هدايانا وتطوعنا، وأن يأكل معنا منها البائس الفقير.
وقال بعض أهل العلم: تقسم أنصافاً، نصف للمضحي، وللمهدي، وللمتطوع، والنصف الآخر للفقراء والمساكين.
وقال البعض: تقسم أثلاثاً: ثلث لنفسه ولعياله، والثلث لطبقة من الناس الذين لا يطلبون ولا يسألون ولا يتسولون ممن يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، كما سيأتي في تفسير القانع والمعتر، والثلث الآخر لمن يسأل؛ للبائس بالمرة، كما قال تعالى في هذه الآية الكريمة.
وأما الأكل من الهدايا ومن التطوع فقد أجمع الفقهاء على حل ذلك وجوازه، وقالوا: الأكل في الآية هو متعلق ومرتبط بالهدايا والتطوع.
وقالوا: ليس الأمر أمر وجوب، وإنما هو أمر إجازة وإباحة، فإن شئت أن تأكل فكل، وإن لم تشأ فلا تفعل، ولكن هذا مختلف ومخالف للأسوة النبوية؛ فقد أكل ﷺ شيئاً سمي أكلاً، فهي قطعة لحم من كل ناقة طبخت مع بعضها وأكل منها بعضاً، واحتسى من مرقها، والباقي تصدق به جميعه، وهو أشبه بألا يكون أكل منها إلا لامتثال هذا الأمر في الآية.
وهذا موضع إجماع من الأئمة الأربعة وغيرهم.
وقال مالك: يباح الأكل من التطوع، ولا يباح الأكل من دم القران إذا كان حج مقرناً، ولا حج التمتع، ولا جزاء الصيد، ولا ما ذبح لفساد وقع بالحج؛ لأن هذا الذبح واجب لا يتم الحج إلا به.
والأحناف قالوا: يؤكل من ذبائح التمتع ومن ذبائح القران، ولا يؤكل من ذبائح الجزاء وذبائح فساد الحج إن حدث نقص أو فساد بالمرة.
والشافعية كذلك أباحوا بعض ذلك وحرموا بعض ذلك؛ أباحوا الجزاء ومنعوا من أن يؤكل من ذبيحة التمتع وذبيحة القران.
﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨] البائس الفقير هو: الفقير الذي اشتد بؤسه وفقره، واشتدت حاجته، فينبغي لمثل هذا في مثل هذه الأيام أن يأكل كما يأكل الناس، وهي أيام عيد، وأعظم موسم في الإسلام، وهو الموسم الأعظم؛ موسم الحج.
والأضحية يؤكل منها، ويعطى منها للفقير الذي لا يطلب فيحسبه الجاهل غنياً من التعفف، والفقير الذي يسأل وقد أضر به الفقر والحاجة.
стр. 459
تفسير سورة الحج [٢٩ - ٣٢]
من الآداب التي أمر الله تعالى بها عباده أنهم بعد انتهائهم من مناسك الحج أن يزيلو ما علق بهم من الأوساخ نتيجة الإحرام الذي طالت أيامه، وقد كان هذا واضحاً في الماضي، ثم أمر عباده المؤمنين بأن يوفوا نذورهم، وأن يطوفوا في البيت العتيق، ثم أمرهم بتعظيم شعائر الله تعالى، فإن ذلك من تقوى القلوب، وعلامة على صلاح الباطن.
стр. 460
تفسير قوله تعالى: (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩].
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] التفث في اللغة العربية: القذارة والوسخ، أي: ليزيلوه، والمراد من الآية: زوال ما علق بالإحرام وكان يمنع زواله كحلق الشعر أو قصه، أو تقليم أظفار اليدين أو الرجلين، أو زوال شعر العانة، أو ما يدعو إلى التطيب وإلى التزين، أو يأخذ من شعره رأساً أو لحية.
ومن المعلوم أنه في الماضي عندما كان يحج الحاج يأتي راجلاً أو يأتي على الدواب، وقد أدرك هذا الكثير من معاصرينا، ولو كنا هنا لأدركنا ما أدركه غيرنا، ولقد كانوا يحجون على الدواب من مكة إلى المدينة عشرة أيام أو تزيد، وراجلين في نحو شهر.
وأما من الديار البعيدة، أما من الشرق الأقصى، أما من المغرب الأقصى فكان يستغرق ذلك عاماً أو يزيد، فعندما يبتدئ الإحرام من مواقيته خلال عشرة أيام وخاصة من أفرد إذا وصل إلى هنا قبل شهر الحجة تجده يبقى محرماً شهراً وشهرين متصلين، لا يقلم أظفاراً، ولا يقص شعراً، ولا يزيل شعر عانة، ولا يأخذ من شاربه، ولا من لحيته، ولا من رأسه، ولا يتطيب، فيتجمع هذا ويتكاثر وقال عنه الله تعالى: التفث.
قال إمام اللغة الزجاج: هذه الكلمة لا أعرفها ذكرت في معاجم اللغة إلا في القرآن الكريم، فمن القرآن أخذناها، ومن القرآن علمنا معناها.
معنى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج:٢٩]: أي: يزيلون ما علق بهم بعد نهاية الحج وإتمام المناسك، عندما يزيلون الإحرام ويتمون طواف الإفاضة يقلمون أظفارهم، ويحلقون عاناتهم، ويحلقون رءوسهم أو يقصرونها، ويأخذون من الشارب، ويجملون اللحية في أطرافها ومن أطرافها، ويلبسون الثياب النظيفة.
وهنا يكونون بهذا العمل قد أزالوا التفث، وأزالوا ما ارتبط بالإحرام من هذا الذي سماه التفث، وقالوا عنه: القذر والوساخة، وذاك زيادة في العبودية لله، وزيادة في أن يقف المالك والمملوك، الكبير والصغير، الغني والفقير حاسري الرءوس بألبسة أشبه ما تكون بأكفان الميت، فالكل يقف ويقول: لبيك اللهم لبيك، كلهم عبيد أمام المعبود الذي لا يعبد سواه، ولا يأله سواه، ولا يخلق غيره ﷻ وعلا مقامه.
هذا الموقف الذي يتذكر الإنسان فيه الموت ويوم العرض على الله، هذا اليوم الذي كان أول نوع من المؤتمرات في العالم، ولم يكن يتصور قبل المواصلات الجديدة وقبل الهواتف والصلات الجديدة من مركوبات شراعية بخارية، وبرية، وجوية.
ومن قبل الهواتف بالسلك واللاسلك، فلو دعا إنسان إنساناً إلى تجمع في مؤتمر من الهند إلى المغرب الأقصى، وإلى مختلف أقطار الأرض لكان ذلك يحتاج إلى السنة والسنتين، ومن هنا لم يحدث هذا قط.
وأول من أحدثه وأوجبه وجعله ركناً من أركان الإسلام هو الله ﷻ في كتابه، ثم نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه في شرحه وسنته وبيانه، فكان من الأسرار المطوية في هذه العبادة اجتماع المسلمين من مختلف أقطار الأرض منذ ١٤٠٠ عام؛ ليتبادلوا الشكوى، وليتبادلوا الآلام والآمال، وليعلم كل مسلم حال المسلمين من إخوانه في مشارق الأرض ومغاربها.
فعندما يعود هؤلاء الناس مختلفي الألوان واللغات والآراء والأصقاع والأوطان، يعودون وقد زودوا بحال إخوانهم المسلمين: إن كانوا في ضيق وضر أعانوهم إن بالمال وإن بالسلاح، وإن بالتأييد القولي.
وإن كانوا بخير فرحوا بفرحهم، وسروا بسرورهم، وقديماً جعل الله ﷻ الأخوة بين المؤمنين فقط، وقسم العالم أرض حرب وأرض إسلام.
والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] فلا إخوة إلا بين المؤمنين الذين يعبدون رباً واحداً، ويدينون بالولاء، ويؤمنون بنبوءة نبي واحد، ويؤمنون بكتاب واحد هو كتاب الله، والمفروض أن تكون اللغة واحدة هي لغة القرآن، لغة النبي المرسل والمنزل عليه القرآن عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] أي: يزيلوا ما علق بهم نتيجة الإحرام الذي طالت أيامه، وما ارتبط به من طول أظفار وطول شعر وقلة غسل وتطييب.
﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] أي: يقومون بالوفاء بالعمل الكامل للنذور، وهي: جمع نذر.
وقالوا هنا في النذور: هي مناسك الحج: فضائله وأركانه وواجباته وآدابه؛ لأن الإنسان عندما يبتدئ النية بعمل واجب أو بعمل مرغوب يكون فيه متطوعاً، وبمجرد البداية فيه يصير لا بد من التمام، فالبداية موجبة للتمام، ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣].
فلا يجوز لنا -حتى ولو في النافلة- أن نكبر تكبيرة الإحرام، ونقرأ الفاتحة وسورة، ثم يبدو لنا فنترك الصلاة ونقول هي تطوع، فهذا لم يأذن به رسول الله ﵊ إلا في الصيام، وقال: (المتطوع أمير نفسه: إن شاء صام وإن شاء أفطر)، ولا يكون إلا إن دعته لذلك ضرورة كما قال الكثير من الأئمة، حتى إنه إن أفطر لهذه الضرورة ولو إرضاء ضيف أو إرضاء عزيز فعليه أن يعيد اليوم الذي ابتدأه؛ لأننا منعنا من أن نبطل أعمالنا عندما نبتدئها.
وقالوا: النذور يدخل فيه نذر الضحايا، ونذر الهدايا، ونذر الذبائح التي نقدمها على اسم الله وذكر الله، نأخذ منها لذلك، ونتصدق بالباقي على الفقير الذي يحسب غنياً بمظهره وحاله، ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة:٢٧٣]، أو السائل الذي يسأل ويقف على الأبواب ويطلب منك.
هذه الضحايا تعتبر نذوراً، وهذا الحج بمجرد الإحرام ولو كان تطوعاً فلا بد من إتمامه، ومن قطعه فإنه يأثم، وعليه أن يعيده.
﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] البيت العتيق هو الكعبة المشرفة.
﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحج:٢٩] أمر من الله بلام الأمر بالطواف، وأجمعوا في تفسير الطواف هنا: أنه طواف الإفاضة، والذي يسمى كذلك طواف زيارة، وهو ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا به، ووقته وزمنه يوم النحر عندما نقص أو نحلق، وعندما ننحر أو نذبح، نأتي ننزل للكعبة فنطوف بها سبعاً، وعند ذلك نزيل الإحرام وما ارتبط بالإحرام ونتنظف ونتطيب ونخرج مما كنا سجناء فيه ونحن حجاج.
نزيل الإحرام ولواحقه، ولا يمنع إلا النساء، لا يقربن إلا إذا انتهت أيام منىً.
стр. 461
أنواع الطواف
الطواف بالحج ثلاثة أنواع: الطواف الأول: عند دخول الحاج إلى مكة من خارجها، فعليه أن يطوف بالبيت سبع مرات: ثلاث منها تكون هرولة أو قريباً من الهرولة -تكون خبباً-، وأربع تكون مشياً عادياً، وهذا هو طواف القدوم.
الطواف الثاني: طواف الإفاضة، وهو ركن بإجماع، وهو المقصود في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩].
الطواف الثالث: قال بوجوبه المالكية، ومن لم يفعل فعليه دم، وعليه أن يعود إليه إذا تركه ولو كان قد وصل إلى بلده، ولكن الجمهور على سنيته، ولا خبب فيه ولا هرولة، كطواف الزيارة.
وهذا الطواف الثالث يسمى طواف الوداع.
والسر في الهرولة أو الخبب في طواف القدوم هي ذكرى لدخول رسول الله ﷺ مكة في عمرة القضاء بعد معاهدة الحديبية، وذلك في السنة السابعة.
فقد دخل ﷺ والسيوف في أغمادها وقرابها، واختفى أهل مكة لكيلا يروا هذا المنظر من محمد صلوات الله وسلامه عليه، فقد أرادوا قتله، وأرادوا سجنه، وأرادوا منعه من الخروج، وقصدوا له الغوائل من كل جانب، فأنقذه الله منهم، وذهب إلى المدينة، فأصبح ذا أنصار وأعوان وجند، فامتنع عنهم، وما عادوا يطمعون في القضاء عليه إلا حرباً، اختفوا لكي لا يروه؛ عداوة وحقداً، وإذا بالأطفال وإذا بالغلمان والعبيد والأرقاء ذهبوا إلى سادتهم يقولون: انظروا إلى محمد ومن معه جاءوا يجرون أرجلهم فقراً وحاجة، وألبسة ممزقة، ووجوه ضعيفة هزيلة، ووجوه لشيوخ لا يكادون يستطيعون رفع الأقدام من الأرض، فخرجوا ليروا هذا المنظر، وليتشفوا فانتبه النبي ﵊ لذلك أو سمعه أو قيل له، فأمر أصحابه وهو القائل ﵊: (رحم الله مؤمناً أظهر من نفسه قوة)، وهو القائل كذلك: (المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، وفي كل خير)، وأمر بأن يطوفوا مظهرين القوة، فأخذوا يهرولون، والله تعالى ألبسهم لباس القوة ولباس الشباب، ولباس ما يسمى الآن الرياضة والفتوة، فرأى هؤلاء هذا المنظر فكبتوا به وتألموا له، وحزنوا من أجله، وقالوا: أهؤلاء الذين قلتم لنا إنهم ضعاف هزال ويكادون يجرون أرجلهم في الأرض جراً؟! والله! إنهم كالنمر وهم يقفزون، والله! إنهم كغزلان الغاب وهم يطوفون، وكان هذا هو المقصود عند النبي ﵊؛ ليغيظ عدوه، وإغاظة العدو مهما تكن قلتها فيها أجر وثواب للمؤمن المسلم، فبقي بعد ذلك لكل قادم، ولكل زائر لمكة طائفاً كان أو معتمراً أو حاجاً: أن يكون طوافه للقدوم بهذا النوع ذكرى لليوم الأول الذي دخل فيه ﷺ على هذه الحالة.
وأما الطواف الثالث وهو طواف الوداع فلا يحتاج لذلك، وأهل مكة ليس عليهم طواف قدوم؛ لأنهم مقيمون في مكة فليس هناك قدوم، ومن حج من مكة كذلك ليس عليه صلاة قدوم؛ لأنه قد قدم وأقام فليس هناك حاجة إلى طواف القدوم.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ -يقومون بالوفاء بها كاملة- وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩].
قال العلماء في سبب تسمية الكعبة وبيت الله الحرام بالعتيق كلمات قد تكون جميعها صحيحة، وتصلح جميعها أن تكون تفسيراً لكلمة العتيق.
فالعتيق هو: الكريم، التليد، المقبول والمحبوب، القديم الذي مضى عليه زمن الله أعلم كم مقداره.
وقالوا: سمي العتيق؛ لأنه أول بيت بني، فهو أعتق بيت وأقدم بيت لله في الأرض، وهذا أكده القرآن، وزادته السنة بياناً، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران:٩٦].
وسئل ﵊: (ما أول مسجد بني في الأرض؟ قال: بيت الله الحرام، ثم سئل: والمسجد الأقصى، قال: بني بعده بأربعين عاماً)، فهو بهذا الاعتبار عتيق والكلام صحيح قرآناً وسنة.
وقالوا: العتيق الذي كرمه الله من أن يحتله ويستذله جبار من الجبابرة، أو عدو من الأعداء يهينه أو يذله، فلم يحدث لهذه البنية الكريمة، وهذه الديار المقدسة ما احتلها عدم لا في أيام الجاهلية ولا في أيام الإسلام.
ومن هنا كان العرب وضعهم في الجاهلية والإسلام غريباً، فقد كان يوجد في أيام الجاهلية دولتان عظيمتان متسلطتان على الأرض: فارس والروم، وتقريباً أنهما قد احتلتا العالم، ولكنهما لم يحتلا جزيرة العرب، كان لهم شبه سيادة في اليمن، أما الحجاز فلا.
ومن هنا لم يصل ولم يقدر الله جباراً من الجبابرة ولا طاغية من الطغاة على أن يحتل مكة أو يذلها وأن يذل أهلها، قد كان بعض ذلك من بعضهم لبعض، وهذا كلام آخر، ومع ذلك فهؤلاء لم يضربوا الكعبة، ولكن حدث ذلك أيام بني أمية؛ أيام عبد الملك بن مروان بتنفيذ الحجاج الظالم، وقد كان يحكم مكة عبد الله بن الزبير ﵁ فحاربه وقاومه ليذله ويخضعه لـ عبد الملك، فامتنع كل الامتناع وأبى كل الإباء، إلى أن تفرق عنه أصحابه، وبقي فريداً، وقال لأولاده أيضاً: اذهبوا عني، دعوني للقدر ولقضاء الله، وما أرى صبيان بني أمية إلا ممثلين بجسدي، ولعلهم يصلبونني على الكعبة، فقالت له أمه: أأنت على حق أم على باطل؟ قال: بل أنا على حق، قالت: والله! إن كنت على غير حق في حربك مع هؤلاء -وأنت تعلم أنك لست على حق- فإني أخشى أن يتلاعب بك صبيان بني أمية، وأما إن كنت على حق فلا تهتم بهم، فالشاة لا تعذب بعد السلخ -أي: بعد الموت- فالشاة عندما تموت ويذهب الجزار ليسلخ جلدها عنها فإنها لا تعذب وقد ماتت، فعش عزيزاً ومت عزيزاً، فإن أنت صلبت أو مثل بك فإنك لن تعذب جسداً، وتكون قد قدمت ما استطعت، والغلبة والنصر بيد الله، وليس ذلك بيد أحد، قال تعالى: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:١٦٥].
فحدث ما توقع، فـ الحجاج ضرب الكعبة بالمنجنيق، ولكن هذا كان ظلماً واعتداء منه، ولم يقصد به هوان الكعبة أو إذلالها وإلا لكان مرتداً، ولكان عبد الملك مرتداً، ولكان كل من صنع ذلك مرتداً، وهو قد فعل ما فعل وقال: إن ابن الزبير هو المسئول فهو الذي أحوجني لفعل هذا، وبمجرد ما انتهت المعركة عاد للبيت فجدد بناءه وجدد تنظيمه، وطاف به معتذراً، وأما إن كان محقاً أم مبطلاً فهذا كلام آخر.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥] فكل الأحكام في الشريعة لا تكون إلا بعد فعل الذنب إلا في مكة، فمجرد الإرادة بالظلم والاعتداء فإن الإنسان يأثم وقد يعاقب، وللشارع أن يؤدبه بما يراه مصلحة لتطهير مكة منه، ولإبعاد الظلمة منها بأي عمل من الأعمال.
وقد جاء أبرهة وحاول أن يذل الكعبة وأن يهدمها حجراً حجراً، ولكن هيهات، فقد سلط الله عليه طيراً أبابيل كما قصصنا، فجاءت هذه الطيور السوداء يحمل كل واحد منها ثلاث حجرات بحجم حبة العدسة؛ واحدة في المنقار واثنتين في الرجلين، فرميت هذه الحجارة على رأس الفيال، فدخلت من الرأس إلى الأمعاء، ومنه إلى ظهر الفيل، ومنه إلى بطن الفيل فأصبح الفيل وراكبه عصفاً مأكولاً؛ أي: كالحشيش الذي تأكله الدواب، وأصبحوا كالبعر عندما يخرج من الدواب وأصبحوا كرجيعها، أي: كالحشيش الذي يؤكل فيخرج بعراً، وهكذا فإن الله طهرها من الجبابرة في الجاهلية وفي الإسلام.
﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] قالوا: لا يمسها جبار، وفسروا العتيق بأنه عندما فاضت المياه أيام نوح على قومه، فقد حفظ الله البيت، فلم يغرق في هذا الطوفان، وقيل: إنه رفع، وقيل بقي في مكانه، ولكن المياه بقيت بعيدة عنه.
كما جعل الله طريقاً في البحر يبساً لموسى ومن معه، وتبعهم فرعون ومن معه من جنده، وأصبح البحر كالجبل عن اليمين من المياه وعلى اليسار من المياه، فدخل فرعون فالتقى الجبلان وغرق فرعون ومن معه، كان هذا الماء مفروزاً عن الكعبة فلم تغرق كما غرق الكون.
стр. 462
تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه)
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠] (ذَلِكَ) أي: الذي حكاه الله ﷻ وأمر به: من قصد البيت الحرام للحج، وذكر الله في الأيام المعلومات، وتقديم الذبائح والضحايا والهدايا على اسم الله وباسم الله.
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠]، أي: مع هذا مع الأجر والثواب فيما مضى بالذكر كذلك: ((وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ))، وحرمات الله كل شيء حرمه الله، فمن ابتعد عن المنكرات والكبائر وما إليها، ومن ابتعد عن الجرائم وما إليها، والحرمات: كل ما حرم الله فعلى المسلم أن يجتنب ويعظم انتهاك الحرمة، وارتكاب الحرام.
((وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ)) خير له يوم القيامة، بل خير له في الدنيا كذلك، فالله يجازيه بالجنة، ويجازيه بالرضا والرحمة، ويعطيه مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وقال بعض المفسرين: الحرمات هنا حرمات المناسك، وحرمات مكة المكرمة، وقالوا: الحرمات: هي بيت الله الحرام، والبلد الحرام، فالكعبة هي بيت الله الحرام، ومكة هي بلد الحرام، وذو الحجة شهر حرام، فهذه كلها حرمات بعضها متصل ببعض عند من يدخل مكة، فهناك حرمة البيت، وحرمة المناسك، وحرمة البلدة.
وأما في الحج فهناك حرمة المناسك كلها، بما فيها من طواف وسعي ووقوف بعرفات، إلى بقية المناسك، ومن عمم أدخل هذه وزاد عليها بقية الحرمات.
ومن هنا فإن هذه الحرمات من حاول أن يتجاوزها بكلمة بذيئة، أو بمخالفة وعصيان، فإن عقابه عسير، وهي حرمات كتاب الله، وحرمات السنة المطهرة، وحرمات نبي الله ﵊ والأصحاب والسلف الصالح والوالدين والإخوة والمشايخ والمسلمين عموماً، وكل ما دعا الله لحرمته ولتقديسه وللعمل به، فكل ما دعا الله إلى تركه من أنواع الحرام يدخل في الحرمات، إما تحريم الانتهاك للحرام، أو تحريم عدم احترام لهذه المقدسات.
((وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ)) أي: هذا المعظم لحرمات الله خير له وأقدس وأكسب وأربح من رضا الله، والكسب الذي يأتيه عن الله ومن الله هو رضا وطاعة ورحمة.
ثم قال تعالى: ((وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ)) أحل الله تعالى أكل الأنعام، وركوب ما يركب منها، والأنعام هي: الإبل والبقر والغنم بنوعيها؛ الماعز والضأن، فأحل الله أكل لحومها جميعاً، وأحل ركوب الإبل، وأحل ألبان الجميع، وأحل اللحوم والكسب الناتج عن البيع والتجارة فيها.
والأنعام: جمع نَعم، والنَعم جمع لا مفرد له، ويفرد عندما تذكر كل نوع من الأنواع، تقول: جمال جمع جمل، أبقار جمع بقر، وهو جمع مفرده بقرة، أو غنم أيضاً جمع لا مفرد له، لكن تقول: شاة وتقول: خروف، وتقول: ماعز.
((وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ))، وقد تلا ربنا ﷻ ما حرم علينا، فقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة:٣]، فهذه التي تلا الله تعالى علينا هي التي حرمها واستثناها، فلا تؤكل الأنعام إذا كانت ميتة، ولا يؤكل دمها، ولا تؤكل متردية، ولا تؤكل نطيحة، ولا تؤكل وقد أكل منها السبع إلا إذا استدركت وذبحت قبل أن تموت، وما دون ذلك من الأنعام حلال أكله وشرب حليبه، وأكل نتاجه، والتجارة فيه، وتقسيمه هدايا وأضحيات، سواء في الحج أو في أعياد الأضحى.
قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠].
أمرنا الله ﷻ أن نجتنب -أي: أن نبتعد-، وكلمة (اجتنب) أبلغ في التعبير وأشمل من كلمة: حرّم، فبعض الجهلة يقولون: تحريم الخمر في القرآن ليس صريحاً؛ فقد قال الله: اجتنبوا، والاجتناب ليس معناه التحريم، وهذا خطأ، فالاجتناب أبلغ من التحريم.
(مِنَ الأَوْثَانِ)، و (من) هنا تعتبر للجنس، أي: كل التماثيل والأصنام، وكل الأوثان: الحجارة والجمادات والأخشاب التي عبدت دون الله اجتنبوها، واجتنابها يكون كالخمر، فلا يحل بيعها، ولا شراؤها ولا امتلاكها ولا إهداؤها ومن باب أولى لا يحل السجود إليها.
كذلك الخمر لا يحل بيعها ولا شراؤها ولا التجارة فيها، ولا هبتها، ولا توريثها ولا شيء من هذه الأشياء، في حين حرم علينا بالنص: الحرير والذهب، وليس معنى التحريم هنا الاجتناب؛ فإنه يباح لنا امتلاك الذهب، وامتلاك الحرير والتجارة فيهما، وتملكهما واهداؤها والمعاوضة والمبادلة فيهما، وإنما حرم علينا اللبس، ولو قال لنا: اجتنبوا الذهب والحرير لكان الاجتناب كاملاً كاجتناب الأوثان واجتناب الخمر، لا بيعاً ولا شراء، ولا امتلاكاً ولا عطاء ولا مبادلة.
((فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ)) الرجس هو: القذر والوساخة، وهو الحرام، فكلمة الرجس جمعت جميع الأنواع القبيحة المسترذلة فيما يطلق عليه من معاني الأشياء، فالأوثان هي القذر والشرك، والأوثان معناها فاسد، فالتمسك بها يدل على ضياع العقول، والسجود لها يعد حماقة، وامتلاكها كذلك، وتزيين الدور بها كما أصبح يفعل الكثير من المسلمين؛ فإنهم يصنعون أصناماً كاملة، أحياناً لأناس، وأحياناً لحيوانات، فتلك تماثيل كذلك وأصنام، وقد حرمها الله ﷻ .
((اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ)) أي: اجتنبوا الأوثان، فالأوثان كلها رجس وحرام، وكلها ممنوعة، وكلها قذر ووساخة، و (من) ليست للتبعيض، بل المقصود جنس التماثيل على كل أشكالها.
((وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)) والزور: هو الباطل، وله مصطلح شرعي وهو شهادة الزور، وهي أن يشهد الإنسان على شيء لم تره عينه ولم تسمعه أذنه، ولكنه كذب على الله وافترى فشهد الزور، والزور هنا الباطل بكل أشكاله: قول الشرك، وسباب المؤمن، يقول النبي ﷺ : (سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر) والزور كلمة تجمع كل الكلمات التي لا يليق بالمؤمن أن يقولها وأن يعمل بها.
والله قرن اجتناب الزور مع اجتناب الأوثان، وقد حذر النبي ﵊ من الزور، فقال ﵊: (ألا وقول الزور وشهادة الزور) فظل ﷺ يقول ذلك ويعيده حتى قال بعض الصحابة: تمنينا أن لو سكت، يعني: أنه أتعب نفسه وأجهدها وهم قد سمعوا وعلموا وأطاعوا.
стр. 463
تفسير قوله تعالى: (حنفاء لله غير مشركين به)
قال تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج:٣١].
أي: حال كونكم حنفاء لله عابدين مخلصين له، وقد كان قديماً في الجاهلية يقال: الحنيفي؛ لمن يحجوا ويتصدقوا ويعبدوا، ولكن عبادتهم كانت شركية، فهم يسجدون مع ذلك للأوثان، ويقولون: ما نعبدها إلا لتقربنا إلى الله زلفى.
ويقولون كما تقول النصارى: الأب والابن وروح القدس، وقد اختلطت أديانهم ومذاهبهم في ذلك كما قص الله علينا، فقالوا عن أنفسهم أنهم أبناء الله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ﴾ [المائدة:١٨] وكذبوا وافتروا.
وقالت النصارى عن عيسى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧]، والكفر يضاهي بعضه بعضاً، ويقلد بعضهم بعضاً تقليد الببغاوات وتقليد القردة، كما قال الله عن النصارى وهم يعبدون الصليب والأوثان: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة:٣٠]، وقد سبقهم من فعل ذلك.
ولقد ذكرت أكثر من مرة أني كنت في متحف نصراني في أرض لبنان، وإذا بالمشرف على هذه الآثار والحفريات يظهر لي صليباً، وقال: هذا الصليب كان قبل عيسى بقرون، فضحكت وقلت له -وهو نصراني-: صدق الله العظيم: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة:٣٠]، حتى في الصليب النصراني ليس خاصاً بهم، ولكنه تقليد وقدوة؛ تقليد شركي بلا عقل وبلا وعي وبلا فهم وبلا دليل من عقل ولا سلطان من الله، ولا برهان.
((حُنَفَاءَ لِلَّهِ)) أي: مخلصين عابدين له وحده، لا تشركوا به شيئاً في كل هذه الأعمال من حج وصلاة وطاعات وسعي إلى آخر أنواع العبادات.
﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج:٣١] أي: حال كونكم لا تشركون بالله لا شركاً خفياً ولا ظاهراً، فالشرك الظاهر هو عبادة الأوثان والأشخاص وعبادة الملائكة والجن وعبادة الزعماء والرؤساء والقادة، والشرك الخفي أن تصلي أو تصوم أو تتعبد في الجلوة بما لا تفعله في الخلوة، فمع الناس تفعل ما لا تفعله في خلوتك، فهذه يسمى عبادة وتسميع، فتريد أن يقال عنك: عابد زاهد صالح متصدق، فهذا اسمه شرك خفي، ولكن المؤمن الصادق لا تختلف عبادته في الخلوة عن عبادته بين الناس، فهو يعبد الله ﷻ ، فإن اختلى بنفسه فإنه لا يزيد ولا ينقص كما هو، وإن كان القدوة من شيخ أو أب أو متبوع ينبغي أن يظهر عبادته وأعماله؛ ليكون قدوة للغير، وليتخذوا عنه سلوكه وسمته في العبادة؛ ليكون التعلم قولاً وعملاً، حالاً ومقالاً.
((حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ)) أي: غير مشركين بالله.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١].
ضرب الله مثلاً وتشبيهاً بالمشرك بالله فذكر بأن مثل المشرك بالله كمن رفع إلى أعلى مكان في السماء -والعلو وكل ما علاك فهو سماء- فرفع إلى الأعالي ثم رمي، وإذا بالطيور المفترسة والجوارح تختطفه من الجو فتقطعه قطعاً وتفترسه قطعاً، وهكذا قبل أن يصل إلى الأرض، ولم يصل منه إلى الأرض إلا العظام.
وأما التشبيه الثاني: ((أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ)) أو إنسان رمي فجاءت عواصف وزعازع فأخذت تتلقفه من هنا إلى هناك إلى أن أوقعته في أعماق هوة وحفرة، وما كاد يصل إليها إلا مدهدهاً ممزقاً قطعاً.
وهكذا قد فقد نفسه في الدنيا كمن تفترسه الطير، وكمن تتلاعب به الرياح العواصف فتمزقه وهو لا يزال في الجو، ثم يرمى به إلى سحيق من الأرض، وهي: المكان العميق من الهوة في الأرض، فلا يكاد يصل إلا ممزقاً، وهذا مثال من الله يبين أن المشرك يعيش هكذا ذليلاً حقيراً متدهدهاً مرمياً منبوذاً لا عقل له، ولا إدراك فيه، ولا فهم له.
وأما الآخرة فعذاب الله أنكى وأشد.
стр. 464
تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢].
((ذَلِكَ)) أي: ما ذكره الله من اجتناب الأوثان، وقول الزور، وما حرم الله من الأنعام، وما ذكر من مناسك الحج كاملة، ((ذَلِكَ)) يحصل ويجب أن يكون، وأن يتمسك به المسلم، وترتب عنه: ((وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ))، والشعائر: جمع شعيرة ويدخل فيها كل أنواع العبادات؛ شعائر الصلاة والحج، ويأتي بعض الملاحدة والمرتدين أيام الحج ليشاهدوا المسلمين، فيرى الناس حاسري الرءوس، يلبسون هذه الإحرامات ويهرولون حول الكعبة، وبين الصفا والمروة، ويجلسون في عرفات، وينامون على أرض مزدلفة، فيسخرون من هذه الشعيرة العظيمة، وقد يقول بعض ضلالهم ومن ذهب الله بنورهم: هذه عبادة للكعبة.
وهؤلاء الحمر المستنفرة التي فرت من قسورة، لم يشعروا بأنفسهم عندما عبدوا الشيطان، وعبدوا اليهودية والنصرانية، وعبدوا ماركس اليهودي، وعبدوا كل قذارة ووساخة في الأرض، وتركوا كتاب الله وراءهم ظهرياً، وعملوا بطاعة هؤلاء، وجدوا في إرضائهم، ثم يقال: إن أمثال هؤلاء لهم حضارة، وأنهم تقدميون وتكنولوجيون!! وهكذا ترى بعض الناس وقد مسخه الله، فالصورة صورة إنسان، والفكر والعقل عقل قرد وفكر قرد، قال تعالى: ﴿تَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:١٩٨].
وقال تعالى: ﴿إِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]، فهذا الذي يحاول أن يسخر من شعيرة من شعائر الدين والإسلام كمن يسخر بالعمامة أو باللحية، أومن يسخر بالزي الإسلامي، يعتبر مرتداً حلال الدم كذلك، وقد نص على هذا جميع فقهائنا بجميع مذاهبهم: أن من قال: الإسلام انتهى ولا ينبغي أن نرجع إلى قبل ١٤٠٠ عام، فنقطع الأيدي، ونصلب الأشخاص، ونقطع اليد والرجل من خلاف، ونجلد الرجل الطويل العريض، وما هي إلا أشياء خاصة؛ ما دخلنا في شربه للخمر، وما دخلنا لزناه، وهكذا هؤلاء يشتمون الإسلام، ويمتهنون كرامته، ولا يعظمون حرمات الله ولا شعائره: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ [المنافقون:٤]، وقد لعنهم الله.
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٢]، الآية من آيات الحج وفي سورة الحج، أطلقها الكثيرون وهي مطلقة بدرجة الأولى على مناسك الحج وشعائره، ولكنها تعم الكل.
стр. 465
تفسير سورة الحج [٣٢ - ٣٥]
لقد جعل الله تعالى لكل أمة منسكاً هم ناسكوه؛ ليذكروا اسم الله تعالى على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، فهو الرازق الخالق المستحق للعبادة وحده سبحانه.
وقد بشر الله تعالى عباده المخبتين التائبين المقيمين للصلاة، والمؤتين للزكاة بالفوز والفلاح في الدنيا والآخرة.
стр. 466
تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢].
(ذلك) أي: ما مضى من الكلام على الحج والمناسك: من الطواف والسعي والوقوف بعرفة وما إلى ذلك، فهذه الأشياء من المنافع هي من شعائر الله، ومن أحكامه، ومما فرضه الله جل وعلا في الحج.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] أي: ومن يحترمها ويقوم بها ويلتزمها أركاناً وواجبات وسنناً ومستحبات وما إلى ذلك فإنها من شعائر الله ومن أحكامه.
وشعائر: جمع شعيرة، وفسرت بأنها الضحايا والهدي وما يقدم في الحج.
وقال ابن عباس: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٢] أي: من يستسلم ويستحسن ويجعل لذبائح والقربان من الهدي والضحايا أثمنها وأفضلها وأكثرها لحماً، فإن ذلك من تقوى القلوب.
واستدلوا على هذا بأن النبي ﷺ (ضحى بكبشين أملحين سمينين موجوءين -أي: معلوفين مخصيين- ينظران في سواد، ويأكلان في سواد، ويمشيان في سواد) لأن النبي ﵊ كان يختار من الضحية أعجبها وأسمنها وأعظمها وأجملها.
وقوله: (تنظر في سواد)، أي: شعر حدقاتها أسود.
(وتأكل في سواد) أي: شعر فمها أسود.
(وتمشي على سواد)، أي: أرجلها وأيديها سود.
ونحر ﷺ بيده في حجة الوداع ثلاثاً وستين بدنة من مائة بدنة، وكلما كانت الضحية والهدية أكثر لحماً وأعظم شحماً وأغلى ثمناً كانت أكثر أجراً وثواباً.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، فتعظيم شعائر الله من تقوى القلوب، ومن عمل القلب إضمار التقوى والطاعة والإخلاص، والعمل بالأوامر فعلاً وترك النواهي، وقد قال ﵊: (التقوى هاهنا)، وأشار إلى قلبه أكثر من مرة، (التقوى هاهنا، التقوى هاهنا).
فقوله: (من تقوى القلوب) أي: من التقوى المضمرة المخلصة التي لا يراد بها إلا الله والدار الآخرة، لا ليقال ويذكر عنه، ولكنه يريدها لله خالصة، ولا يريد في عمله وجه أحد من الناس إلا الله ﷻ .
стр. 467
تفسير قوله تعالى: (لكم فيها منافع إلى أجل مسمى)
قال تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٣٣].
وهذا مما يدل على أن الشعائر هنا هي الهدايا والضحايا.
فقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ [الحج:٣٣] أي: لكم في الهدايا منافع في الدنيا ومنافع في الآخرة، ولكم في المناسك منافع: من تجارة، ومن ثروة، ومن معاملة، ومن سياحة، ومن تعرف المسلمين بعضهم على بعض.
ومنافع الآخرة: الأجر والثواب، وذلك أعظم وأكرم وأكثر أجراً وثواباً من الدنيا ومنافعها.
وقيل أيضاً في تفسيرها: إن كانت هدايا فلكم منافع مما في بطونها ومما في ظهورها من شعور ووبر وركوب وإنتاج ولبن وسمن وما إلى ذلك.
قوله: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج:٣٣] أي: تنتفعون بها إلى الأجل المسمى، وهو قبل أن تصبح هدايا تهدى ويتقرب بدمها إلى الله، أو قبل أن يضحى بها في عيد الأضحى في غير الحج.
فهذه المنافع قال قوم: تنتهي عندما تصبح هدايا وتعين لذلك.
فعندما تنتهي المنافع فلا تحلب، ولا تركب ولا يستفاد مما في بطنها، وكل ذلك يصبح هدياً معها، وقالوا: إن الهدي لا يركب ولا يحلب ولا يستفاد مما في بطنه، وإذا ولدت وهي هدي يذبح معها ما ولدت سواء كانت بدناً أو بقراً أو ضأناً أو ماعزاً.
وليس الأمر هكذا؛ فإن قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج:٣٣] أي: انتفعوا بها حتى ولو كانت هدياً، واستدلوا بما قاله ﷺ عندما رأى حاجاً يمشي راجلاً ويسوق هديه أمامه، فقال له (اركبها، فقال: يا رسول الله! إنها هدي، قال: ويحك، اركبها) قال تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٣٣] أي: تحل وينتهي أجل المنفعة بها عندما تصل إلى الكعبة إلى بيت الله الحرام حيث المنحر والذبح، وحيث ما يقدم من الهدايا ومن الضحايا والقربات، وقد أذن ﷺ بركوبها لمن احتاج ذلك وبشرب حليبها بعدما يقطع ذلك عن فصيلها ووليدها، وهذا أدل في الاستدلال، وهو قول المالكية والحنفية، وغيرهم منع من الاستفادة منها إلى أجل مسمى، والأجل المسمى هو وصولها إلى البيت العتيق، حيث يحل الحاج وينتقل من الإحرام إلى الحل، ويكون ذلك عند طواف الإفاضة وطواف الزيارة بعد نزوله من عرفات، أي: بعد الحلق أو التقصير والنحر والذبح يوم النحر في منى ينزل فيطوف طواف الإفاضة، وهو الركن الواجب من الثلاثة الأطوفة، وعند ذلك ينتهي الانتفاع بها؛ إذ تكون قد بلغت محلها، ويكون الإنسان قد حل وأزال الإحرام وانتهى من المناسك، ولم يبق إلا مكثه في أيام منى وهو حال غير محرم.
فقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج:٣٣] أي: منافع الدنيا والآخرة إلى الأجل المسمى وهو وصولها إلى البيت العتيق والحرم، والحرم كله منحر، ومنىً كلها منحر، وقد نحر ﷺ بدناً وقال: (الحرم كله منحر)، وقال: (منى كلها منحر)، فينحر ويذبح في منى، وفي الحرم من بدايته إلى منتهاه، وكذلك منى.
стр. 468
تفسير قوله تعالى: (ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله)
قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج:٣٤].
يقول تعالى: هذه المناسك التي تقومون بها: من سعي وطواف وقيام ومبيت في منى وإحرام وهدي وضحايا وقربات ونحوها ليست محصورة عليكم، وقد سبق أن كلفت الأمم قبلكم بذلك، فقد كان لها هدايا تتقرب بدمها إلى الله، ثم يستفيد منها القانع والمعتر والفقير والمحتاج.
قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ [الحج:٣٤] أي: لكل أمة سابقة من الأمم ولكل جيل سابق من الأجيال، فقد كلفوا به من قبل أنبيائهم عن الله ﷻ ، فلكل هؤلاء منافع وضحايا وهدايا ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] فالعقيدة واحدة، والدعوة إلى الله واحدة، دعا إليها الأنبياء منذ آدم أبينا إلى نبينا عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، فهم جميعاً دعوا إلى عبادة الله الواحد.
قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٣٤] أي: ليذكروا اسم الله خالصاً له وحده، ولا يشركوا به أحداً من خلقه كما يفعل المشركون وعباد الصليب والوثنيون، وإنما يذكرون الله وحده، ويتقربوا بالهدايا له وحده.
والبهيمة تشمل الأنعام، أي: الإبل والبقر والضأن، كما تشمل الدواب المركوبة من خيل ومن بغال ومن حمير، وهنا يراد بهما الأنعام فقط التي يؤكل لحمها، وتذبح ضحايا وقربات وهدايا.
قال تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٣٤] أي: ليقدموها ويقربوا دمها هدايا لله، وليأكلوا من لحمها ويستفيدوا من ظهورها وينتفعوا بأشعارها وأوبارها، وليستنسلوا من ذكورها ففي كل ذلك منافع وخير لهم قبل أن يذبحوها وبعدما يذبحوها.
ولا يجوز ذبح الذبيحة ولا نحرها إلا مع ذكر اسم الله، والنبي ﵊ كان إذا ذبح قال: (بسم الله، الله أكبر، عن محمد وأمته ممن لم يضح)، فإذا ضحى الثانية قال: (بسم الله، الله أكبر، عن محمد وآل محمد)، فهذه الضحايا تذبح وتنحر على اسم الله وحده، ويكبر عليها اسم الله وحده، لا كما كانوا يصنعون في الجاهلية من الذبح على غير اسم الله، أو كانوا يشركون مع اسم الله غيره.
فهذه المناسك والعبادات شرائع ومناهج، وقد جعل الله لكل نبي وأمة شريعة ومنهاجاً، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨]، والدعوة إلى الله واحدة، قال تعالى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ [الحج:٣٤]، فالشعوب والأمم جميعاً دعاهم رسلهم وأنبياؤهم إلى عبادة الله الواحد وإلى نبذ الشرك وترك عبادة غير الله، وما من رسول إلا وبعث بالتوحيد وبعبادة الله ونبذ الشرك والشركاء كما قال تعالى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ [الحج:٣٤] أي: لله الواحد استسلموا، وله يكون إسلامكم وعبادتكم وطاعتكم، لا شريك له لا في ذات ولا في صفة ولا في فعل، فمن فعل ذلك فقد فعل ما سولت له نفسه، وأوحى له به شيطانه، والأنبياء والرسل ما جاءوا جميعاً إلا بعبادة الله الواحد، بهذا جاء نبينا وقبله عيسى وقبلهما موسى وهكذا إلى النبي الأول آدم عليهم جميعاً سلام الله وصلواته، فلم يقل عيسى: اعبدوني ومريم مع الله، ولم يقل موسى لليهود: اعبدوا العجل واعبدوا العزير مع الله، ولم يقل للوثنيين: اعبدوا مع الله النار ولا الهوام ولا الملائكة ولا الناس، وما ذلك إلا افتراء على الله وكذب، وما أوحى به إلا الشياطين.
قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج:٣٤] أي: بشر المطيعين لك والمطيعين لربهم والمتواضعين لله ورسوله وللمؤمنين والمخلصين في عبادتهم، الذين لا يشركون بالله شركاً ظاهراً ولا خفياً، ومنه التظاهر أمام الناس ليروا العبادة، فذلك الشرك الخفي، بل لابد أن تكون عبادتهم في الظاهر وفي الخفاء لله الواحد، فلا يراءون ولا يتقربون إلا لله الواحد الأحد.
وبكل ذلك فسر المخبتون، فالمخبتون جمع مخبت، وقد فسر بالمتواضعين وبالمخلصين وبالمطيعين، وبالعاملين لله بما أمرهم وبترك ما نهاهم عنه، وقد عرفهم الله فلا حاجة إلى نزاع المفسرين في معناها.
стр. 469
تفسير قوله تعالى: (الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم)
قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج:٣٤ - ٣٥].
اتصلت هذه الآية بالكلمة السابقة اتصال المعنى الواحد واتصال الآية الواحدة وإن كانتا آيتين، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج:٣٤] فكأنه قيل: ومن المخبتون؟ فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج:٣٥] أي: إذا ذكر الله وقدر وعظم وذكر: بتلاوة كتابه، وقراءة سنة نبيه ﷺ ، وبهدي سنة من أرسله، وجلت القلوب وخافت من عذاب الله ونقمته، فإن عصت هذه الروح، وخرجت عن الطاعة، وقلدت الكفار والمنافقين خافت ألا تقبل طاعتها وألا ترحم يوم القيامة، وخافت أن تكون عبادتها قد دخلها شيء من الرياء وعدم الإخلاص، فتجدها تعبد الله وهي تخشى وتخاف ألا تقبل عبادتها وإخلاصها، وتخاف ألا يكون ذلك خالصاً لوجه الله، وألا تكون تلك العبادة تامة الشروط كما شرطها ودعا إليها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
والصبر ذكر عشرات المرات في كتاب الله، وخصصت به سورة، وهي قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].
ولا بد من الصبر على لأواء الحياة، وعلى ما يعرض للإنسان من مرض أو فقر أو حاجة، وعلى ما يصيبه من بلايا الدنيا في جسده ونفسه، وعلى ما يعرض له من ابتلاء من الله؛ ليختبر صدقه من كذبه، وإيمانه وإخلاصه من عدمها.
قال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ [الحج:٣٥] أي: يصبرون ولا يترددون ولا يشتكون، فهم صابرون على ما أصابهم الله به، مستشعرون الأجر منه، وما ذكر أيوب في سورة الأنبياء -السورة السابقة- إلا ليكون المثال الكامل الوافي لكل من أصيب في هذه الدنيا، وقد كانت العاقبة له، والعاقبة للمتقين على أي حال: رسلاً وأنبياء وأتباع الرسل والأنبياء، والمخبتون من تمام صفتهم أنهم الذين يخشون الله، ويصبرون على ما أصابهم، ويسألون الله أن يوفقهم.
قال تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ [النساء:١٦٢]، وإقامة الصلاة هي الإتيان بها بأركانها وبشرائطها وبفرائضها وبسننها خالصة لله، لا ينظر لأحد معه فيها، ومن هنا يقول ﵊: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، فالسجود عبادة لا تكون إلا لله، والركوع عبادة لا تكون إلا لله، فهم راكعون وساجدون، مكبرون وذاكرون، ويكون ذلك لله فقط.
وإقامة الصلاة تشمل الصلاة في أوقاتها، والطمأنينة فيها، والقيام بأركانها: من تكبير وقيام وتلاوة وتسبيح وتعظيم وتكبير في جميع الحركات وتسليم عند النهاية، وإقامتها في أوقاتها، واستقبال الكعبة، والتطهر لها من تطهير المكان والأعضاء والملابس، فيتطهر حساً ومعنى، يتطهر حساً من الأوساخ والنجاسات إن كانت على بدنه أو في مكان صلاته، ويتطهر معنىً بالوضوء أو بالغسل إن كان هناك داع للغسل.
والمخبتون: من خشوا الله في العبادة ولم يخشوا سواه، ومن خشوا ألا تقبل وأن يضرب بها وجوههم، ومن صبروا على اللأواء وأتعاب الحياة في البدن والنفس، وفي الرزق والحياة، ومن أقاموا الصلوات الخمس في أوقاتها بشرائطها وبأركانها وبواجباتها وبسننها، ومن تصدقوا لله مما رزقهم الله.
قال تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج:٣٥]، والنفقة تكون واجبة على العيال، وصدقة على المحتاجين والفقراء، وزكاة واجبة على من أمر الله تعالى من الأصناف الثمانية، وصلة للأرحام، واستجابة للسائل.
وقد وصف الله المؤمنين فقال: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج:٢٤]، فالمحروم يعطيه من حق الله زكاة وصدقة، والسائل له حق ولو جاء على فرس، والأرحام لهم حق الصلة وحق الاتصال بالمال والزيارة والكلمة الطيبة، والأصناف الثمانية لهم زكاة واجبة، والآية شملت كل ذلك.
﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج:٣٥] فهم ينفقون من مال الله لا من مال أتوا به ولا من مال خلقوه، وليس لهم ذلك، هذا تفسير المخبتين، ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج:٣٤ - ٣٥]، فلا يكون مخبتاً إلا بهذه الصفات الأربع: صفة الخشية عند ذكر الله.
وصفة الصبر على بلاء الله.
وصفة إقامة الصلاة والمحافظة عليها دائماً.
وصفة الإنفاق من مال الله الذي أعطاه الله إياه، نفقة على العيال، وصلة للأرحام، وصدقة على الفقراء والسائلين، وزكاة واجبة لمن ذكر الله من أصحاب الأصناف الثمانية.
стр. 470
تفسير سورة الحج [٣٦ - ٣٨]
لقد جعل الله تعالى البدن من الإبل والبقر من شعائره التي تقدم قربات في المناسك، وجعل فيها الخير الكثير في الدنيا والآخرة، فخيرها في الدنيا: أنها ينتفع بها، وتتخذ للبيع والشراء والتجارة وغير ذلك.
وخيرها في الآخرة: أنها وسيلة للقرب من الله تعالى، وفي ذلك الأجر الوفير عند الله تعالى.
стр. 471
تفسير قوله تعالى: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله)
قال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج:٣٦].
البدن جمع بدنة، والبدنة: الإبل والبقر، وفي هدايا الحج أكثرها ثواباً: أكثرها لحماً وغنى للفقير والمحتاج والعائلة، قال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٦] أي: من مناسك الحج ومن أوامر الله وطاعته في أوقات الحج، وعند الصدقات والنفقات والضحية في عيد الأضحى.
﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٦] أي: جعلها الله قربات في المناسك وهدايا في الذبائح، وقد جعل ﷺ البدنة عن سبعة وفي رواية: عن عشرة، بدنة إبل أو بدنة بقر، فالإبل البدنة الواحدة عن سبعة، بمعنى: أن يجتمع على شرائها ونحرها سبعة من الحجاج وتصح عنهم، كما جاء في الحديث وهو صحيح، وهدايا الحج أكثرها ثواباً: أكثرها لحماً، وأعلاها ثمناً، وفي ضحايا عيد الأضحى أكثرها أجراً: أطيبها لحماً أي: الضأن، والضأن يضحى بها الرأس عن واحد.
قال تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج:٣٦] أي: لكم في جعل البدن ضحايا وهدايا وقربات إلى الله في أوقات الحج خير، وخيرها أنكم أولاً تتقربون بها إلى الله، فيعطيكم من الأجر والثواب، ويحفظ لكم ذلك في صحائفكم، وتجدونه عند الله يوم القيامة مكتوباً في الصحائف، ولكم فيها خير في دنياكم في تداولها وبيعها وشرائها والانتفاع بها قبل أن تصل إلى البيت العتيق، وسمي العتيق لعتاقته؛ لأنه أول بيت بني في الأرض، وقد بني أيام آدم، وأما إبراهيم فإن الله ألهمه بأن يتبوأ مكانه، ويبحث عن متبوأ الكعبة، ووجده بعد أن حفر عن الأساس.
وقد سئل ﷺ : (أي بيت بني أولاً؟ قال: بيت الله الحرام، قيل: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى)، فك الله حصاره وأعاده للمسلمين.
﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج:٣٦] ففيها من خير الدنيا، فتستفيدون من حليبها، ومن شعورها وأوبارها، ومن إنتاجها وتكاثرها بيعاً وشراءً وفائدة، وتركبون ظهورها، ولكم فيها خير في الآخرة: بأن الله أمركم بنحرها وبذبحها، ولكم في ذلك الأجر والثواب، يحفظ لكم في الآخرة، فتنالون به الرحمة والأجر والثواب؛ نتيجة الطاعة والتقرب إلى الله بامتثال أمره.
قال تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج:٣٦] أي: عند نحرها أو ذبحها اذكروا اسم الله عليها صواف، وهي جمع صافة.
والإبل تنحر بأن تعقل يدها اليسرى وتقام واقفة على رجلين ويد واحدة، واليد اليسرى مربوطة، ويقف ناحرها من جهة اليمين وينحرها من جهة اليسار.
قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج:٣٦] أي: اذكروا اسم الله وألزموا الصفة بأن يكون على قوائمها الثلاث لتنحر، وقولوا عند النحر: بسم الله، اللهم منك وإليك، الله أكبر، عني وعن أهلي، الله أكبر عن فلان، كما كان يقول ﵊، فقد كان ينحر تارة عن نفسه وعن أهله، فيقول في النحرة الأولى: (بسم الله، اللهم منك وإليك، الله أكبر، عن محمد وأمة محمد ممن لم يضح أو لم ينحر).
قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج:٣٦] أي: على البدن وهي مقيدة، وهي بمعنى صواف، وقرأ صوافي، أي: صافية خالصة لله، لا يراد بها التعاظم على الناس، ولا المراءاة، وإنما قربة إلى الله.
قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦]، ومما يدل على أن معناها معقولة الرجلين واليد الواحدة قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾، أي: سقطت، فهي إن نحرت وهي واقفة تكون النتيجة أنها تسقط، وعندما تسقط وتهدأ تموت، ولا يجوز الأكل منها إلا بعد موتها.
ويقول ﵊: (إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة)، فمن تمام الإحسان ألا تقطع أوصالاً ما لم تمت البتة، وإذا كانت لا تزال تتحرك فلا، وما قطع منها وهي حية فهو ميتة.
وكانوا في الجاهلية يأتون إلى الإبل ويقطعون من سنامها شحماً، ومن بعض أعضائها لحماً، ثم يعالجونها لتشفى، ويأكلون ذلك المقطوع؛ لأنهم يرون نحر البدنة كلها أكثر من طاقتهم، ويريدون أن يقروا الضيف، فيأخذون من البدنة وهي حية جزءاً من سنامها أو جزءاً من لحمها، فذاك يعتبر ميتة، والميتة لا تجوز بحال، وأكلها أكل للنجاسة، وأكل للميتة التي لم يحل الله أكلها.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج:٣٦] أي: إذا سقطت عن جنوبها، ولا تسقط إلا وقد تم موتها، فتتحرك قليلاً ثم تموت، وتربط يدها اليسرى؛ لأنها لو نحرت وهي مطلقة الأيدي والأرجل لتحركت إلى أن تموت وقد تؤذي وتبطش بالحاضرين.
قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦] القانع هو من يقنع، وهو المحتاج الفقير الذي لا يسأل، قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة:٢٧٣]، ولكنه يعرف من هيئته ومن لباسه أنه في حاجة، فالقانع من يقنع بأي شيء ولا يسأل، فإذا أعطيته القليل شكر، وإذا أعطيته الكثير شكر ولا يسأل.
والمعتر: هو الذي يعتريه ويتعرض لصدقته وقد يسأل.
فقال تعالى: (فكلوا منها) أي: كلوا منها أنتم، وأطعموا منها القانع، أي: ابحثوا عن الفقراء الذين لا يسألونكم ولا يأتونكم، والذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف وليسوا كذلك، وإنما العفة تركت الناس يظنون أنهم أغنياء وليسوا في حاجة، والمعتر من يعتريه، وقد فسر بعض اللغويين المعنى معكوساً، فقال: القانع هو: الذي يسأل، والمعتر هو: الذي يقنع، والمادة لا تظهر هكذا، فالقانع: المقتنع، من القناعة، والمعتر: الذي يعتريه، والذي يأتيك وأنت تذبح فيسألك أو يتعرض لك، فقسمها ثلاثاً؛ حتى تأكل منها أنت ويأكل منها من ليس بسائل من المحتاجين، ويأكل منها الفقير المدقع.
стр. 472
حكم تقسيم الهدي والأضحية
ومن هنا اختلف الفقهاء في حكم تقسيمها، فقال الظاهرية والمالكية والحنفية: يجب أن يؤكل منها؛ لأن الله قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج:٣٦]، وقال قبل ذلك: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨]، وأكد هنا هذا فقال: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦]، أي: لوها أنتم وأطعموا القانع الذي لا يأتيكم، وقد يكون قريباً أو جاراً فقيراً وليس الفقر ظاهراً عليه، ولكنك تعلم من حاله وتسمع منه أنه محتاج ولكنه لا يسأل، فهذا أحوج لصدقتك وهديتك من الذي يتعرض لك، والمعتر: الفقير الذي يعتريك ويتعرض لصدقتك، فقالوا: تقسم أثلاثاً: ثلثاً لك ولأهلك، وثلثاً لجيرانك ولأقاربك، وثلثاً للصدقة، وقال البعض: لا تحديد في ذلك، كل منها أي شيء، وأعط الأقارب صلة، واستدلوا بأن النبي ﷺ لما نحر البدن في حجة الوداع أمر علياً أن يقطع من كل بدنة قطة لحم فأكل من هذه القطع، وشرب من مرقها، وتصدق وأعطى الباقي، وماذا عسى أن يكون أكل من هذا اللحم قطعة أو قطعتين أو ثلاثاً؟ وأين هذه الثلاث من مائة بدنة! وماذا عسى أن يكون شرب من المرق: كأساً أو كأسين؟! ولكن النبي ﵊ أكل من هديه ومن ضحيته.
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج:٣٦] أي: كما جعلناها لكم مآكل في لحومها، ومشارب في ألبانها، وملابس في صوفها وأوبارها، ومراكب في ظهورها كذلك ذللناها وسخرناها لكم وجعلناها ذليلة، فتجد القطار ذي ١٠٠ والـ ٢٠٠ من البدن يقودها رجل واحد، ولو أن جملاً واحداً هجم على مجموعة من الرجال لقهرهم وأذلهم، وقد يجن أحياناً فلا يقدر عليه إلا بأن يضرب بالرصاص، أو ينحر في لبته، ولكن الله ذللها وسخرها لنا ملكاً ومراكب، وسخرها لنا لننتزع منها ما نلبسه.
وهكذا جعلت مذللة ليستفيد منها الإنسان، ويقول الله: إنه كما سخرها للذبائح والأكل فقد سخرها لنا كذلك للاستعمال، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج:٣٦] أي: لعلكم تشكرون نعم الله الظاهرة والباطنة ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤].
стр. 473
حكم أضحية العيد
وقد اختلف في الضحية يوم العيد هل هي واجبة أو سنة؟ فقال الشافعية والحنابلة: هي سنة، وقال المالكية والحنفية: هي واجبة على من ملك نصاباً، وقالوا: وما كانت أطيب لحماً كانت أكثر أجراً وثواباً في الضحية يوم العيد، وما كان ضحايا وهديا في الحج فما كان أكثرها لحماً وأغلاها ثمناً فهي أكثر أجراً؛ لأنه ينتفع منها أكبر مجموعة ممكنة من المقيمين والبادين الآتين للحج، والنبي ﵊ ضحى بكبشين أو كان يضحي في العيد بكبشين، وكان يقول في الأول: (بسم الله، اللهم منك وإليك، عن محمد وأمة محمد ممن لم يضح)، ثم يذبح الثاني ويقول: (بسم الله، اللهم منك وإليك، عن محمد وآل محمد).
وقال الشافعية والحنابلة: قد ضحى رسول الله ﷺ عن أمته التي لم تضح، فلم تبق الضحية واجبة، وأصبحت سنة على من يريدها.
والظاهرية قالوا: المطلوب دم، ولذلك فهم يجيزون حتى ذبح الديك، ويعدون من ضحى بالديك فقد ضحى، ومن جعل الديك للعقيقة فقد عق، والكثير من أهل الشام يضحون بالديك، ويجعلون للعقيقة كذلك الديك، والمذكور في الشريعة بالنص ليس إراقة الدم فقط، بل مذكور الأنعام، والأنعام: الإبل والبقر والغنم، وليس من جملتها الديك والطير.
ومن حجة الشافعية: أن النبي ﷺ سئل عن الضحية فقال: (من استطاع أن يضحي فليضح).
والمالكية والحنفية حددوه بمن يملك النصاب، والنصاب عشر دنانير، فكيف بما نملكه لباساً وأثاثاً! وقد يكون الإنسان لا يملك إلا لباسه وأثاثه، فلا يطالب ببيعهما إن لم يملك النصاب.
стр. 474
تفسير قوله تعالى: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها)
قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج:٣٧].
كانوا في الجاهلية يضحون ويقدمون الهدي، ويأتون بالدم فيلطخون به الكعبة ويوسخونها، ويقتطعون من البدن ومن الضحايا لحوماً ويعلقونها على الكعبة؛ يزعمون بذلك القربى إلى الله باللحوم والدماء، فقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج:٣٧] أي: لا يصل ذلك إلى الله، والله لا يريد لحماً ولا دماً، وهو غني عن ذلك، ولا يليق ذلك بألوهيته، ولكن يناله التقوى منكم، ومعنى التقوى: الامتثال، والامتثال هنا هو الأمر بهذه الهدايا منه لنأكل نحن منها، فيأكل منها القانع والمعتر والبائس الفقير.
والذي ينال الله منها ﷻ هو تقوانا، والتقوى: الطاعة، وفعل ما أمر الله به، فيفعل طاقته واستطاعته وترك منهياته البتة، والضابط في ذلك ما قاله ﷺ : (ما أمرتكم به فاتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا).
فالتقوى: امتثال الأوامر واجتناب النواهي، وأما اللحوم فهي لكم، فكلوا منها، وليأكل الفقراء والأقارب والمحتاج والذي تظنه غنياً باستعفافه، والبائس الفقير، ومن يسال.
قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج:٣٧] أي: سخرها لكم ذبائح ومناحر؛ لتأكلوا منها، ويأكل منها البائس الفقير والمعتر والقانع، وسخرها لكم مراكب وملابس ومشارب وإنتاجاً، ومما ينتفع به من هذه الأنعام من كونها ضحايا وهدايا.
﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج:٣٧] فنقول: الحمد لله على هدايته، والحمد لله الذي أنعم علينا بالإسلام، ولا نعمة أكثر من الإسلام، وكفى بها نعمة! وكما علمنا الله أن نقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٤٣]، فرسل الله قد جاءت بالحق، ودعت إليه، وأمرت به، وأرسلت به.
قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج:٣٧] الإحسان: الطاعة والإتيان بها كما أمر الله بفرائضها وأركانها وواجباتها وسننها، وترك المنهيات فيها، والمحسن: المطيع، مع الإخلاص واليقين، وعدم الإساءة في عمله لا بمنّ ولا بمراءاة.
стр. 475
تفسير قوله تعالى: (إن الله يدافع عن الذين آمنوا)
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٨].
يقول ﷻ عن المؤمنين وقد أمروا بالجهاد: قوموا بما فرض الله عليكم، ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة، وقد تكفل الله بالدفاع عن المؤمنين وبأن ينصرهم ويسخر لهم من يدافع عنهم، وقد يدافع عنهم الملائكة كما في غزوات النبي ﵊ وخاصة غزوة بدر، فقد حضر الملائكة مؤيدين رسول الله ﷺ ورافديه وناصريه بأمر الله، وقال المشركون الذين أسروا: رأينا خيلاً بيضاً بين السماء والأرض.
وقال أحد المسلمين: رفعت السيف لأضرب عنق فلان وإذا بي أرى رقبته وقد دحرجت بين رجليه، ما أنا الذي قطعتها، وهكذا أدرك الصحابة مهاجرين وأنصاراً أنه كان هناك من يناصرهم ويدافع عنهم ويقاتل دونهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]، وقرأ يدفع، والمعنى واحد، ودفع الله عن المؤمنين لها أشكال كما يريد الله، فقد يكون ذلك ريحاً عاصفاً تنفر الكفار وتدعوهم إلى الخوف والهرب، كما حصل في غزوة الأحزاب عندما جاءت ريح عاصف زعزعت ركن الأعداء المحاصرين لرسول الله ﷺ في المدينة المنورة، وهو خلف الخندق وهم بعيدين عنه، وقد يكون الدفع وباءً منتشراً في صفوف الأعداء، وقد يكون ملائكة، والله يدافع عن المؤمنين بما شاء وكيف شاء ﷻ ، والأمر كما قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٨]، وإذا كان الله لا يحب شيئاً فهو حرام، فهو لا يحب كل خوان، أي: كثير الخيانة، والخيانة جريمة وكبيرة من الكبائر، وخوان صيغة مبالغة لفعال، أي: كثير الخيانة، فهو خائن في طاعة ربه، إما لأنه مشرك كافر لم يعط الحق لأهله، ولم يذكر الله خالقه ويعبده وهو المعطي والرازق، ولم يؤد الحقوق لأهلها، فلطالما خان ربه وخان عباده وخان رسول الله ﷺ ، فإذا اؤتمن على أمانة خانها، أو على حديث نشره وأذاعه وتلاعب بما فيه، أو على عرض هتكه، أو على مال أكله، فهو خوان مع ربه ومع الناس، والله يبغض هذا ولا يحبه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٨] الكفور: الجاحد كثير الجحود، فهو جاحد لنعم الله، ولوحدانيته وللنعم التي أنعم بها عليه من الرب ﷻ ، وجاحد لإفضال الناس، فإذا أحسنوا إليه جحد إحسانهم، وإذا أعطوه جحد عطاءهم، وإذا أكرموه جحد إكرامهم، وهكذا تجده كافراً جحوداً مع الله ومع الناس، وقد قال نبينا ﵊: (من لم يشكر الناس لا يشكر الله)، ونحن قد أمرنا أن نشكر الله أصالة، والحمد والشكر هو لله، وأن نشكر من أتانا خير الله وإكرامه على يده، وقد قال لنا النبي ﷺ : (من لم يشكر الناس لا يشكر الله)، فمن لم يشكر الوسائل والوسائط لا يشكر من أتاه ذلك على يده.
وأما أن تقول له: هذا كان بلا فضل منك، والله هو الذي سخرك، فهذا حق، ولكن لا بد أن تشكر الواسطة (من لم يشكر الناس لا يشكر الله).
стр. 476
تفسير سورة الحج [٣٩ - ٤١]
لقد كان المسلمون في أول الأمر مستضعفين ومعذبين من قبل المشركين، وكانوا يصبرون على ذلك، فلما هاجروا إلى المدينة وصار لهم كيانهم المستقل أذن الله لهم بأن يدافعوا عن أنفسهم بالقوة، ووعدهم بالنصر.
ثم ذكر الله تعالى صفات أولئك المنصورين من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا كانوا كذلك مكّن لهم في الأرض.
стр. 477
تفسير قوله تعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا)
قال الله عزت قدرته: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩].
سبق هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]، هذه الآية التي مضى ذكرها وبيانها فيها دفاع الله عن المؤمنين، فقد أذن الله لهم أن يقاتلوا وينتقموا لدينهم ولأنفسهم ولنبيهم، وأن يقاتلوا الذين ظلموهم وأخرجوهم بغير حق من ديارهم، وصدوهم عن سبيل الله وعن الإسلام، هذا من جملة دفاع الله عن المؤمنين، فأذن لهم، أي: أقرهم وأعلمهم بأن لهم الحق في الجهاد والكفاح والدفاع، فقد كانوا يعذبون في مكة المكرمة من قبل كفارها بأنواع من العذاب والصد والقتال، لماذا يسلمون؟ ولماذا يدعون إلى ترك عبادة الأصنام وكسر الأوثان، وعبادة الله وحده؟ فكانوا يستأذنون رسول الله ﷺ ليقاتلوا ويقاوموا ويحاربوا، ولكن النبي ﵊ لم يأذن لهم، وحكمة ذلك أن المسلمين كانوا قلة والمشركين بالآلاف، إذاً: تكون النتيجة قتل هؤلاء المستضعفين واستئصالهم.
ومن الحكمة أن يكون الإسلام قد انتشر بين القوم بالدليل والبرهان والحجة، فيكون قد تم ذلك دون حرب ولا قتال، لكي لا يقول عدو للإسلام يوماً: انتشر الإسلام بالسيف، ومع ذلك قالوا هذا، فالإسلام عاش في مكة في أيامه الأولى اثني عشر عاماً بالدليل العقلي والبرهان العملي على أن الإسلام حق جاء من عند الله، وأن محمداً كان رسولاً نبياً، وأنه أرسل للناس كافة صلوات الله وسلامه عليه، ولكن عندما بالغ كفار مكة في الحرب والمقاومة والصد عن سبيل الله، وأصبح للمسلمين موطئ قدم في المدينة، إذ أصبحت المدينة دار إسلام، أذن الله للمسلمين، وقد أصبحوا جماعة لا بأس بها، وقد قال ﵊: (لن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة)، فقد بلغوا هذا العدد؛ لذلك فإن الحرب والقتال واجب، فهذه الآية أول آية نزلت في القتال والدفاع وفي حرب أعداء الله ورسوله، أذن لهم لأول مرة، وكانت تلك رغبتهم وأمنيتهم، فقد كانوا يلحون على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ليأذن لهم في قتال هؤلاء الكفرة الظالمين.
وبعد هذا أصبح القتال فرضاً واجباً كفائياً على المسلمين في جميع مشارق الأرض ومغاربها، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولكنهم منذ سنوات أوقفوا هذه الشعيرة، وأوقفوا هذه العز، فأصبح جهادهم إما لدفاع عن وطن، أو دفاع عن قوم، أو دفاع عن مثل ومعان ما أنزل الله بها من سلطان.
وأما الجهاد لرفعة الإسلام، ولإعلاء كلمة المسلمين، وللدفاع عن المستضعفين من الرجال والنساء والولدان فقد ترك هذا، وما تركه مسلمون إلا وذلوا، وقد تم هذا وحدث، ولن يرفع الذل ما لم يعد المسلمون للجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمته، وللدفاع عن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، والمسلمون اليوم يقاتلون في كل رقعة من رقاع الأرض ويخذلون، ولا يجدون مدافعاً عنهم لا بمال ولا بأرواح ولا بكلمة صارخة تعلن بين الأعداء والخصوم في مجالسهم الدولية العامة، وقديماً قال نبينا ﵊: (ما حورب قوم في عقر دارهم إلا وذلوا).
فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج:٣٩] أي: أذن الله ﷻ وأقر ووافق وأعلم نبيه ليعلم المسلمين أنهم قد ظلموا بإخراجهم من ديارهم وبقتالهم ظلماً وعدواناً، قوتلوا لا لذنب قدموه، ولا لجريمة سلفت منهم، وإنما قوتلوا وأخرجوا من ديارهم؛ لأنهم قالوا: ربنا الله.
إذاً: فالقتال شرع يوم أن نزلت فيه أول آية في هذه السورة الكريمة سورة الحج، وكانت دفاعاً لإزالة الظلم ودفاعاً عن الأوطان والعقائد، وقد أجبر هؤلاء المؤمنون على الخروج كما أجبر النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه بعد تقتيل وحرب وتعذيب واضطهاد، وبعد مؤامرة متواصلة متصلة لتصفية الإسلام والتخلص من نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
عند ذلك أذن الله له بالهجرة وللمؤمنين معه، وكانوا قبل ذلك بين مخف إسلامه في دار الأرقم، وبين مهاجر إلى أرض الحبشة، وبين معذب إلى أن قتلت سمية أم عمار وزوج ياسر؛ لأنها قالت: ربي الله، وقالت: إن محمداً رسول الله، قتلها الظالم اللعين أبو جهل، وقد لعنه الله وقتله شر قتلة في غزوة بدر، مع أمثاله من الظالمين الكافرين أعداء الله والإسلام.
فالله أذن للمسلمين في أول آية بالقتال بأنهم ظلموا واضطهدوا، وحوربوا ظلماً وعدواناً، وما أوذوا وحوربوا إلا لأن الله هداهم للإسلام وأمرهم به، وأرسل لهم نبياً من أنفسهم، يعرفون أبوته وأمومته، ويعرفون أرضه وعشيرته ﷺ ، آمنوا به امتثالاً لأمر الله، وعملوا بدينه امتثالاً لطاعة الله، وامتثالاً لرسوله الذين صدقوه بما أتى به من معجزات باهرات، وأدلة واضحات.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩] أقسم الله ﷻ وأكد القسم باللام الموطئة للقسم، وبـ (إن) المؤكدة، بأنه سينصرهم، وأنه قادر على نصرهم، وأن الكفار الظالمين أذل من أن يغلبوا جند الله المؤمن، أو أن يقهروا رسل الله وأنبياءه، وقد فعل الله فنصر محمداً ﷺ ، ونصر دينه ونصر المسلمين، وشكراً لله تعالى على نعمائه وآلائه.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [الحج:٤٠] وهذا هو السبب الثاني للإذن بالقتال، فهم ظلموا في حربهم وفي العدوان عليهم، ثم ظلموا بإخراجهم من ديارهم، مساقط رءوسهم وبلدة آبائهم وأجدادهم، وبلدة نبيهم التي فيها ولد، وعليه فيها نزل الوحي ﷺ ، أخرجوهم من أرضهم من بين عشيرتهم وأولادهم وأرزاقهم، تركوا مكة مضطرين مقهورين على ذلك، إلى يثرب، فطابت يثرب بالهجرة النبوية فأصبحت طابة وطيبة، وأصبحت المدينة المنورة بالإسلام وبالدفاع عنه، وبكونها مأوى رسول الله ﷺ ودار هجرته، وبكونها أصبحت دار الإسلام، وقاعدة لحرب أعداء الله في داخل جزيرة العرب وخارجها.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا﴾ [الحج:٤٠]، بدل من الذين في قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج:٣٩]، و ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [الحج:٤٠] هم محمد سيد البشر صلوات الله وسلامه عليه، والمهاجرون ممن آمنوا به في مكة وهاجروا معه، ومن هاجر قبلهم إلى أرض الحبشة، فقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج:٤٠] أي: لأن ذنبهم وجريرتهم كونهم خرجوا عن دين هؤلاء المشركين من الشرك بالله، وعبادة الأوثان والأصنام وظلم المسكين، وأكل مال الفقير، فجريمة هؤلاء هي من النوع التي يقال فيها: عذر أقبح من ذنب.
رمتني بدائها ثم انسلت فهؤلاء اعتبروا دين الله وتوحيد الله، وعبادة الله جريمة استحق عندهم من قام بها أن يضطهد، وأن يجرم، وأن يخرج من داره، وأن يقاتل بأنواع القتال.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج:٤٠] استنثاء منقطع، أي: كانت جريمتهم أنهم قالوا ربنا الله، لا عيسى ولا مريم ولا عزير ولا العجل، ولا مناة ولا هبل من الأصنام التي لا تنفع نفسها ولا تضر فضلاً عن أن تنفع عابديها دون الله، فكان القتال قد أذن به لثلاث معان: أذن به لرفع الظلم، وأذن به للخروج من الأوطان، وأذن به للدفاع عن لا إله إلا الله وعن الإسلام والمسلمين، وعندما اجتمعت هذه المثل الثلاثة العليا أذن الله بالقتال والدفاع والجهاد، فقاتلوا وجاهدوا، وكانت الحرب يوماً لهم ويوماً عليهم، وكانت العاقبة للمتقين المؤمنين، ونصر الله عبده، وأنجز وعده، وهزم الأحزاب وحده، كما كان النشيد النبوي عند فتح مكة، والنبي ﷺ على رءوس المجاهدين المسلمين ينشد هذا النشيد مطأطئ الرأس؛ شكراً لله، وعبادة وخضوعاً له.
قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج:٤٠].
وهكذا أذن الله بالقتال للأمم السابقة؛ دفاعاً عن المعبد، ودفاعاً عن الدين، ودفاعاً عن العقيدة، أذن لهم بالقتال فجاهدوا بهذه المعاني؛ رفعاً للظلم، ودفاعاً عن الأوطان والعقائد، وكان هذا في معابد الأديان السابقة، وكان كذلك عند الصابئين، وهو ما عبر الله عن معابدهم في ذلك.
والصوامع: هنا جمع صومعة، وهي معبد الصابئين في أيامهم.
قوله: ﴿وَبِيَعٌ﴾ [الحج:٤٠] هي معابد اليهود في أيامهم.
وقوله: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج:٤٠] أي: الكنائس، وهي معابد النصارى في أيامهم.
والمساجد معابد المسلمين.
فمضمون هذه الآية كما فهم جمهور المفسرين أن الله قد أذن في سابق الأزمان والأيام للرسل وأتباعهم أن يجاهدوا ويقاتلوا الكفار والمشركين؛ دفاعاً عن العبادة والمعبد، والله ما خلق العباد إلا لعبادته، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فلولا أن الله دافع عن المؤمنين بجهادهم للكافرين حتى قتلوا وذلوا ولقوا مصارعهم، وانتصر الإسلام، وحفظت دور العبادة من صلوات وبيع وصوامع ومساجد، لهدمت هذه المعابد كلها، ولانتصر الشرك، ولم يبق في أرض الله شبر لعبادة مؤمن موحد يقول: ربي الله، وله أسجد وأركع، وله محياي ومماتي إلى يوم الدين.
فالجهاد شرعه الله لنصر الإسلام والمسلمين، كما جاهد السابقون دفاعاً عن معابدهم، وكما جاهد الصابئون دفاعاً عن صلواتهم ومعابدهم، وكما قاتل اليهود في أيامهم دفاعاً عن بيعهم، وكما قاتل النصارى في أيامهم دفاعاً عن كنائسهم وصلواتهم، وكما دافع ويدافع ويجب أن يستمر ذلك ويستبسل المسلمون في الدفاع عن مساجدهم؛ لتبقى كلمة الله
стр. 478
تفسير قوله تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة)
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١].
هؤلاء هم الذين ينصرون الله، لا كل مدع للإسلام وهو على فراشه يتمرغ في رفاهيته مع نسائه ومطاعمه، ويقول: هذا الذي علي، وليطف الطوفان على كل المسلمين مادمت أنا مسلماً، فهو قد أدى الواجب عليه، هكذا يزعم.
وعرض الله بهؤلاء الذين ينصرونه أنهم هم الذين إن مكنهم في الأرض أقاموا الصلاة، فقوله: (مكناهم في الأرض) أي: نصرناهم، وجعلنا لهم دولاً مستقلة يحكمونها بالأمر والنهي، والقتل والإحياء بإذن الله، فهؤلاء المسلمون الذين إذا مكنهم الله في الأرض حكاماً أو علماء أو أمماً وشعوباً إسلاميه يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر.
فهم إذا تمكنوا حكموا بإقامة الصلاة وإعلانها، وتشييد مساجدها، ونشر دينه وتعليمه: من رياض الأطفال، إلى الجامعات، إلى التخصص، فهؤلاء الذين إذا مكنوا في الأرض دولاً وملوكاً وحكاماً ورؤساء يؤتون الزكاة ويأمرون رعاياهم بأدائها، هؤلاء الممكنون في الأرض يأمرون بالمعروف كما عرفه الله في كتابه ورسوله في سنته، وينكرون المنكر كما أنكره الله في كتابه وأنكره رسوله في سنته، هؤلاء الذين إن فعلو ذلك كانوا قد نصروا الله حقاً بأن نصروا دينه ونصروا نبيه ونصروا كتابه.
فهؤلاء الذين أقسم الله لهم وعليهم بأنهم إن فعلو ذلك لينصرنهم على أعداء الأرض كلها مشارقها ومغاربها، يهوداً ونصارى، ملاحدة وكفاراً ومنافقين، في داخل المجتمع الإسلامي وخارجه، العدو المكشوف الذي نعلمه جميعاً، والعدو الخفي المنافق الذي لا يكاد يعرف إلا بفلتات لسانه وفلتات قلمه، ونظراته الشزراء في عينيه للمؤمنين وشعائرهم ومناسكهم.
وهنا نتساءل ويسأل الكثيرون: لماذا لم ينصر الله المسلمين؟ ولماذا سلط عليهم اليهود وهم أحقر الأمم والشعوب وأذلهم؟ فقد سجل الله عليهم أبد الآباد اللعنة والخزي إلى يوم القيامة، وجعلهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف:١٦٧]، وكلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله، ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤].
فهل نحن حقاً مسلمون؟ وهل دولنا ومجتمعاتنا حكموا القرآن، وحكموا السنة، وجعلوا أحكامها مطبقة في مكاسبهم وأحكامهم وإداراتهم؟ أصحيح أنهم دعوا إلى الصلاة في أنفسهم، وأمروا الناس بها؟ أصحيح أنهم نشروا الإسلام تعليماً من رياض الأطفال إلى التخرج من الجامعات وإلى ما هو أعلى من الجامعات؛ إلى التخصص العلمي في كل فن من الفنون؟ هذا العالم الإسلامي بين أنظارنا وأسماعنا قد تركوا كتاب الله لتحكيم قوانين الكفر يهوداً ونصارى، وأخرجوا المرأة عارية في الشوارع لا حياء ولا خجل ولا دين ولا مروءة؟ ألم يحكموا حضارة الكفر من فسق ودعارة وسعي وراء الشيطان في كل ما يعمل؟ ألم يتبعوا اليهود والنصارى في كل ما يعجبهم ويسرهم ويقر أعينهم؟ وكلنا نعلم أنهم لم ينصروا الإسلام، ولم يقاتلوا من أجل ذلك، إلا من رحم ربك وقليل ما هم.
لتبقى حكمة الله البالغة: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم وهم على ذلك إلى قيام الساعة).
إذاً: كيف نطلب نحن المسلمين نصرة الله، ونقول قد قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]؟ هل نحن مؤمنون حقاً؟ هل نشرنا دين الله حقاً؟ هل دافعنا عن دين الله حقاً؟ إذاً: فالله قال ذلك واشترط، والشرط الذي اشترطه أنه إذا مكن لنا في الأرض وحكمنا أمماً وشعوباً أن نحكم بدينه.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١].
لله عاقبتا، وإليه معادنا، وستكون حياة بعد هذه الحياة الدنيوية الفانية سنعرض على ربنا للحساب، فمن قام وفعل ما أمر الله به فإلى رحمة الله وجنته، ومن قصر وزعم الإسلام ولم ينصر دينه، ولم يقاتل عن المسلمين ولم يأمر بمعروف ولم ينه عن منكر، ولم يقم صلاته، ولم يؤد زكاته، هؤلاء سيكون حسابهم على الله عسيراً، فإن سلموا بالشهادة وماتوا عليها يرج لهم العفو والخروج من النار، وإن ماتوا على الكفر والشرك فخلود في عذاب الله، قال ﷻ : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤].
لقد حكم الله على من أضاع حكمه وأحكامه في كتابه وسنة نبيه ﷺ بأنه ظالم وفاسق وكافر في حكمه، ومع ذلك يزعم ديناً وإسلاماً، وإن رفع سيفاً زعم أنه رفعه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلله عاقبتنا ومعادنا وحسابنا، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، إما إلى جنة وإما إلى نار.
стр. 479
تفسير سورة الحج [٤٢ - ٤٧]
يسلي الله تعالى نبيه ﷺ بأنه إن كذِّب من قبل المشركين فقد كذَّب الأنبياء من قبله، وسخر منهم أقوامهم، ورموهم بأبشع الألقاب وأردأ العبارات، فصبروا فكانت لهم العاقبة.
فصابر مثلهم يا محمد فإن العاقبة لك وللمؤمنين.
стр. 480
تفسير قوله تعالى: (وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح)
قال تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج:٤٢ - ٤٤].
يسلي الله ﷻ ويعزي نبينا ﵊، ويدعوه إلى الصبر، فإن العاقبة للصابرين، وإن النصر في العاقبة للمؤمنين ولرسل الله، يقول له: ((وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ)) أي: إن كذبك قومك، وأنكروا رسالتك، وأنكروا كون القرآن منزلاً عليك من ربك، وأنه كلام الله، فلست مفرداً بذلك، ولم تكن بدعاً من بين الرسل، فقوله: ((فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ)) أي: كُذِّب قبل قومك، وقبل أن يرسل إليك أقوام من الأمم السابقة؛ ابتداء من قوم نوح.
قال تعالى: ((قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ)) فكذب قوم نوح، وكذب عاد نبيهم هوداً، وكذب ثمود نبيهم صالحاً، وكذب قوم إبراهيم إبراهيم، وكذب قوم لوط لوطاً، وكذب أصحاب مدين شعيباً، وكذب فرعون وقومه موسى ﵇.
قال تعالى: ((وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ)) فالله يقول: إني أملي لقوم وأؤخرهم، وأعطيهم فرصة؛ لعلهم يرجعون ويئوبون ويقولون: ربنا الله، أو لعلهم يعيشون فيخرج الله من أصلابهم مؤمنين مصدقين موحدين لا كآبائهم مشركين، فهؤلاء أمليت لهم، وقد كذبوا أنبياءهم قبلك؛ كذبوا نوحاً وهوداً وصالحاً، وكذبوا إبراهيم وموسى، فهؤلاء الأقوام كذبوا الرسل الكرام قبلك، وصنعوا صنيع قومك حيث كذبوك.
فقوله تعالى: ((فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ)) أي: أخرتهم وأمليت لهم زمناً وأعطيتهم مهلة؛ لتقوم الحجة البالغة عليهم، ولعلهم يوماً يتدبرون بعقولهم، ويسمعون الحق بآذانهم، ويعون الصحيح من الباطل بقلوبهم، ولعلهم يقولون: ربنا الله.
قال تعالى: ((ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ)) أي: أخذهم أخذ عزيز مقتدر، أرسل الطوفان على قوم نوح، وأرسل الصواعق والرياح والعواصف على أقوام آخرين، بل وأرسل عليهم أضعف الحشرات؛ إذ أرسل البعوض على قوم نمرود الذين عذبوا إبراهيم وحرقوه والله لم يرد إحراقه، وأرسل على قوم لوط الصواعق من السماء، وجعل الأرض عاليها سافلها؛ لفعلتهم الشنيعة، مع تكذيبهم لرسولهم، وأغرق آل فرعون، فقد كذبوا موسى وأخاه هارون، ولم يؤمنوا بما جاءا به من معجزات وآيات، وأصروا على الكفران والجحود، فأخذهم الله إليه أخذ عزيز مقتدر، وكذلك يا محمد! اصبر وتمهل حتى تكون العاقبة لك كما كانت العاقبة للأنبياء قبلك، فسنعذب من يبقى من قومك، ممن أرسلت إليهم رسولاً وستكون العاقبة عليهم بتعذيبهم والمكر بهم وسحقهم وتدميرهم، وقد فعل ربنا ﷻ ؛ إذ نصر محمداً على قومه صلوات الله وسلامه عليه، ونصره على جزيرة العرب، ونصر أتباعه على فارس والروم والبربر، ونشر دينه في مشارق الأرض ومغاربها؛ وخلال خمسين عاماً انتشر دين الإسلام شرقاً إلى أرض الصين، وغرباً إلى بلاد فرنسا وأسبانيا في عمق أوروبا وما بينهما.
ولذلك يعزي الله ﷻ نبيه ليصبر ويتمهل، ويخبره أن النصر له في النهاية، وأن العاقبة بالسوء والتدمير على من كذبوه، وقد فعل ﷻ وصدق وعده، وهنا قال ﵊ وهو يدخل مكة منتصراً مظفراً: (الحمد الذي أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده) دخل مكة وهو على راحلة، ولم يركب جواداً ولا فرساً ليتراقص به تراقص العزيز المنصور المظفر، بل دخل يركب ناقة في مشيها الهون، وهو مطأطئ رأسه تواضعاً لله، وخنوعاً لعزه وجلاله، ولم ينسب لنفسه شيئاً، وقال عن ربه: (وهزم الأحزاب وحده)، فالله وحده ﷻ هو الذي نصر عبده محمداً ودينه الإسلام وأتباعه المؤمنين، وأذل الكافرين وسحقهم ودمرهم، وأنجز ما كان قد وعد به نبينا ﵊ في غير آية من آيات كتاب الله، وغير سورة من سور القرآن الكريم، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] لا أحد ﷻ وعلا مقامه.
قال تعالى: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ [الحج:٤٤].
أي: أخذهم أخذ عزيز مقتدر، وجعلهم عبرة للمعتبر وجعلهم قصصاً تتلى لمن يأتي بعدهم؛ لتدبر آيات الله ووعده الحق، فيبادر بالعمل الصالح في حياته قبل مماته، فيؤمن ويقول: ربي الله، ومحمد رسول الله ﷺ .
يقول تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج:٤٤] يسأل موبخاً ومقرعاً لهؤلاء الكفار، وداعياً للاعتبار للمؤمنين المذبذبين، وسائلاً للمؤمنين الثابتين ثبوتاً ورسوخاً، ((فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ)) أي: كيف كان إنكاري على هؤلاء الذين طالما كذبوا وكفروا وآذوا رسل الله وأتباع رسل الله من الموحدين.
فكيف كان نكيري؟ كان بالتدمير وبالتخريب، وكان بالموت صعقة ودهدهة وغرقاً، وبرفع الأرض وجعل عاليها سافلها، ومع هذا غضب الله ولعنته والخلود في النار أبد الآبدين.
стр. 481
تفسير قوله تعالى: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة)
قال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج:٤٥].
لم يذكر في هذه الآية أنبياء الله جميعاً، ولم يذكر أتباعهم وأممهم الذين كذبوهم جميعاً، ولكنه عمم فقال: ((فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ)) أي: كم من أهل قرية أهلكناهم ودمرناهم وجعلناهم في الأمس الدابر، وجعلناهم أحاديث تقص في السمر، ويعتبر به المؤمن عند إيمانه ومدارسة الأديان، ومدارسة المؤمنين السابقين واللاحقين.
فقوله تعالى: ((فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ)) أي: في حال ظلمها، أي: لم تكف عن الظلم ولم تتب عن الظلم بكل أنواعه، فأظلم الظلم وأشده كبيرة الشرك بالله، فقد ظلموا أنفسهم، وظلموا صاحب الحق حقه ﷻ ، إذ لم يوحدوا الله ويشكروه على ما رزقهم من حواس ونعم وصحة وأرزاق، وأبوا إلا الشرك والجحود إلى أن لقوا الله ظالمين مشركين.
قال تعالى: ((فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا)) العروش هنا: السقوف، فهذه القرية فارغة من سقوفها إلى الأرض، فقد خربت ودمرت وزلزلت، ولم يبق فيها ساكن ولا حي، فقد باد أهلها وأهلكوا وذهب نعيمهم وكفرهم، وذهبت رفاهيتهم من نساء وبنين وطيور وزينة، فجاءوا من التراب وعادوا للتراب، ودمروا تدميراً هم ومساكنهم، ولم يبق هناك قصر مرتفع أو مزخرف مطلي بأنواع الدهون، محفور بأنواع الزينة، مرتفع إلى أعلى الطبقات.
ذهبت القصور وخربت، ولم تبق لها سقوف ولا حيطان ولا جدران، خلت من سكانها ونعيمها، وخلت من شبابها وشيوخها، وخلت من نسائها وفتياتها، وخلت من النعيم الذي كانوا يعيشون فيه مترفين مع شركهم وكفرهم، لم يقولوا يوماً عن هذه النعم المتوالية: نشكر الله ونحمد الله.
قوله: ((وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ)) أي: كم من بئر جفت مياهها وخلت عن السواقي وعمن يجتلب منها بالدلاء، فقد عطلت وغار ماؤها كما عطلت القرية بقصورها المشيدة وبمصانعها القائمة على حضارتهم، وكأنه لم يكن فيها يوماً أنيس، ذهبوا بشركهم وكفرهم، ولعذاب الله يوم القيامة أشد.
ومعنى ذلك: أيها الكافرون بمحمد خاتم الأنبياء خذوا العبرة والعظة ممن سبقكم من المشركين، ما الذي صنعناه بهم؟ وكيف دمرناهم؟ فهذه قراهم خالية، وآبارهم معطلة، وقصورهم خاوية على عروشها من سقوفها إلى جدرانها، كأن لم يكن فيها يوماً أنيس، أو حي يتكلم ويأخذ ويعطي.
وهنا الله ﷻ يخاطب الكافرين والمؤمنين، وإن كان الخطاب يشير إلى الكافرين، فإنه يخاطب الكافرين لعلهم يأخذون من ذلك العبرة والعظة، فيخشون الله يوماً ويعودون إلى الله وإلى رسله، ويخاطب المؤمنين ليزدادوا إيماناً ورسوخاً في يقينهم وإيمانهم بالله ورسوله.
стр. 482
تفسير قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب)
قال تعالى عن الكافرين: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
يقول تعالى لهؤلاء المكذبين: ((أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ)) أي: ألم يسيحوا ويسافروا وينتقلوا فيروا هذه القرى المدمرة، وهذه الديار المخربة والآبار الجافة القاحلة، وهذه الأشجار التي كأنها قد أحرقت، ألم يقولوا يوماً من الذي دمر هذا؟ ومن الذي خرب هذا؟ ومن الذي عطل هذه القصور المشيدة المنحوتة في الجبال، والمنحوتة في الأرض، وعطل قصوراً شاهقة في أجواء السماء تكاد تناطح السحاب، أفلا يخافون يوماً أن تدمر قراهم وتخرب دورهم ويذهبون كما ذهب هؤلاء في الأمس الدابر؟! وأرض ثمود في الحدود بيننا وبين الأردن وبين أرض الشام، وآثار الأمم السابقة في كل مكان في الأرض، فهذه أهرامات مصر، وهذه القصور المشيدة في العراق من أرض فارس قديماً، وهذه الحفريات التي تحفر كثيراً في أسوان، وفي الأرض كلها في أراضي المسلمين وغيرهم، فتجد هناك الآثار المدمرة والمخربة، وستجد الآثار التي بلغت من الحضارة والصناعة والرفاهية ما لم تبلغها حضارة أوروبا اليوم وأمريكا، هذه الحضارة التي تسمى حضارة عصر النور، فنقول لهؤلاء الذين يكذبون: هذه أهرامات مصر كيف بنيت ومن أشادها؟ هذه قصور بغداد والعراق كيف بنيت وقد مر عليها الآلاف من السنين كما مر على أهرامات مصر؟ وكيف جاءت هذه الصخرة التي على الكعبة؟ وكيف قطعت من الجبل؟ وكيف نحتت؟ وكيف حملت إلى أن وضعت؟ وكيف جعلت صخرة على صخرة؟ لم ذلك؟ ومن كان يسكن؟ وما هي أسرار ذلك؟ وقل مثل ذلك على كل الحفريات في الأرض، ألا ينبغي ويجب على هؤلاء الذين يسيحون في الأرض أن يعتبروا؟ فقد كان لقريش رحلتان: رحلة الشتاء ورحلة الصيف، وكانوا يمرون على الكثير من هذه الآثار، ألم يفكروا يوماً أين ساكنوها؟ وأين ملوكها وحكامها الأقوياء؟ وبم دمروا وبم خربوا؟ ومن الذي دمرهم، ومن الذين خربهم؟ وكل هذه المنظورات والمرئيات مما تؤكد ما أتى به كتاب الله ونطق به رسول الله ﷺ ، مما يزيد المؤمن إيماناً، ويعظ الكافر لعله يوماً يقول: آمنت بالله، وقد صدق الله وصدق رسول الله ﷺ ، وما جاء به حق، وما جاء به واقع قد رأيناه رأي العين، وسمعناه سماع الأذن عن آبائنا وأجدادنا إلى اليوم الذي حدث ذلك، سمعناه في القرآن، وسمعناه عن رسول الله ﷺ ، وسمعناه عن علمائنا.
فقوله: ((أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ)) أي: ألم يقطعوا الأرض يوماً سواحاً أو تجاراً؟ ولا شك أنهم قد فعلوا ذلك، قال تعالى: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش:١ - ٢]، فكانت لهم رحلتان في السنة: رحلة شتوية ورحلة صيفية، وكانوا يمرون على هذه الآثار ويقولون: ومن الذي دمر؟ من الذي خرب؟ أليس هذا الذي جاء في القرآن الكريم ونطق به محمد ﷺ ؟ بلى.
ولذلك قال الله لهم: هذه ذكرى لهم ولكل دعي للإيمان بالله وبنبيه محمد ﷺ ، ورسالته خوطب بها كل الناس لا العرب وحدهم، ولا العجم وحدهم، ولا أهل المشرق وحدهم، بل كل العالمين منذ البعثة المحمدية، ومنذ أن وقف محمد ﷺ في هذه الأرض المقدسة وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الحج:٤٩]، ولذلك فكل ما خوطب به الكفار هو خطاب للناس كلهم، وكل ما خوطب به المؤمنين فللناس كلهم.
قال تعالى: ((فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا)) أي: أليست لهم عقول يعقلون بها ويعون ويفهمون ويدركون ويعلمون؟ وإذا لم يسمعوا منك وعما أنزل إليك من القرآن الكريم، ألم يمروا على هذه الآثار وعلى هذه القرى والمدائن ويروا فيها ما قصصناه عليك من التدمير والتخريب لهؤلاء؟ أليست لهم عقول تعقل؟ أليست لهم قلوب تدرك؟ قال تعالى: ((أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا)) أليست لهم آذان يسمعون بها عن هذا، عندما يقفون في مشارف القرية ويبهر زوارها والساكنون حواليها متى حدث هذا؟ وما هي أسبابه؟ وتسمعون الكثير عن آبائهم وأجدادهم إلى العصر الذي حدث فيه ذلك.
وأنتم إذا سمعتم ألا تعون وتستفيدون بالسمع؟ وإذا عقلتم ورأيتم ألا تستفيدون بالنظر والوعي؟ قال الله عنهم: ((فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ))، وليس البصر في عماه ضاراً بالمؤمن، ومع ذلك نسأل الله السلامة والعافية، فيمكن أن يعي ويعقل ويدرك، ولكن البلاء من عميت بصيرته وقلبه، فتجده ينظر إليك ولكنه لا يرى، ويسمع منك ولكنه لا يسمع، أي: لا يستفيد برؤيا ولا يستفيد بسمع ولا يستفيد بوعي ولا يستفيد بإدراك.
فلهم آذان لا يسمعون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم قلوب لا يفقهون بها، فهم كالأنعام بل هم أضل؛ لأن الأنعام لها كلمات تفهمها عنك، فإن أردت للحمار أن يمشي، أو أردت أن يقف، أو أردت أن يأكل، أو أردت أن يشرب وهكذا، فإنه يفهم عنك ذلك.
وأما هؤلاء فهم أضل من الأنعام وأقبح؛ لأن الأنعام يستفاد من بطونها ومن ظهورها، ومن أوبارها وأشعارها، أما هؤلاء فيكونون على الأرض ضياعاً وثقلاً، ضررهم أقرب من نفعهم ولا فائدة منهم لأحد، بل هم للشر وللفساد ولإضلال الصالحين ولإضلال الهادين المهديين.
والذي عمي قلبه وعميت بصيرته هذا الذي يكون قد عمي العمى الحق، إذ لا يستفيد من بصر ولا سمع ولا قلب، ولا يستفيد في دنياه ولا في آخرته، قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:١٩٨] فهو عمى مسترسل قلبي، ومن كان كذلك فهو ميئوس منه ومن فائدته ومن مستقبله ومن خيره.
стр. 483
تفسير قوله تعالى: (ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده)
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧].
مع بلادة هؤلاء وسخافة عقولهم، وعدم الاستفادة من حواسهم أسماعاً وأبصاراً عقولاً وقلوباً يستعجلون بالعذاب، قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ [الحج:٤٧]، فتجد قائلهم يقول: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢]، فبلغ من حمقهم وعمى بصائرهم قبل الأبصار أن دعوا على أنفسهم واستعجلوا العذاب، وقد أنذرهم الله وتهددهم وتوعدهم في كتابه، وأنذرهم رسوله ﷺ بسنته وببيان كتاب الله المنزل عليه، وإذا بهم يتحدون مكذبين: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنبياء:٣٨].
قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الحج:٤٧] فالعذاب آت، ولكن متى ما يريد سبحانه لا متى يريدون هم، فالله أرحم من أنفسهم لأنفسهم، وأرحم بهم من نفوسهم، فهو قد أمهلهم وأعطاهم فرصة لعلهم يوماً يتوبون، وإلى الله يئوبون، لعل الله أن يخرج من أصلابهم مؤمنين موحدين يقولون يوماً: لا إله إلا الله.
قال تعالى: ((وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ))، فالله وعده لا يخلفه، بل لابد منه وهو آت، والوعد هنا يراد به الوعيد، فالوعد لا يخلف، والوعيد قد يخلف؛ لأنه قد يهدي الله من توعده وأنذره، فيتوب ويئوب فيغفر له، وقد يكون موحداً فيعود إلى الله ويغفر له كذلك، وفي لغة العرب وفي سجاياها: أن الوعد للخير لا يخلف، وإخلافه قلة مروءة، وأن الوعيد بالشر يخلف، وإخلاف الوعيد مكرمة ونبل وإحسان، ولذلك يقول شاعر العرب: وإني إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي أي: إذا أوعدت إنساناً بالشر أو وعدته بالخير فإني مخلف إيعادي له بتهديده والشر له، أخلفه نبلاً وكرماً.
وموف بموعدي، أي: وعدي له بالخير، والقرآن نزل بلغة العرب، وهنا قال الله: وعد ولم يقل: وعيده، ((وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ)) أي: لن يخلف الله وعده بنصرة المؤمنين، ولن يخلف الله وعده بالمغفرة والرحمة لهم، ولن يخلف الله وعده برحمته للكافرين بأن يمهلهم ويملي لهم؛ علهم يعودون ويتوبون، وإن لم يفعلوا فإنه يخرج من أصلابهم مؤمنين.
وهكذا قال ربنا عن نبينا عندما أرسله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] وفي الحديث القدسي: (غلبت رحمتي غضبي) وهي أول ما كتب في اللوح المحفوظ، ومن رحمته حتى بالكافرين أنه يملي لهم ويمهلهم؛ ليعطيهم فرصة للتوبة وللأوبة، أو فرصة بأن يلدوا فيكون من أصلابهم المؤمنون.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧].
أي: يوم القيامة، فيوم من أيام يوم القيامة كألف سنة من عدد سنوات الأرض، فاليوم يطول والأيام تختلف بحسب الشروق والغروب، ويوم القيامة لا شمس فيه ولا زمهرير، ولا حر ولا قر.
قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ [طه:١١٨ - ١١٩].
стр. 484
تفسير سورة الحج [٥٨ - ٦٠]
لقد وعد الله تعالى الذين يهاجرون في سبيله ثم يقتلون أو يموتون بالرزق الحسن في جنات النعيم، والله خير الرازقين، ثم تكفل الله تعالى للذين يعاقبون بمثل ما عوقبوا به ثم بغي عليهم أن ينصرهم.
стр. 485
تفسير قوله تعالى: (والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا)
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الحج:٥٨].
هذه الآية الكريمة نزلت في الهجرة في سبيل الله، أي: فيمن هجر الأهل والأوطان والأموال ثم انقطع في هجرته فقتل مجاهداً ومحارباً أو مات حتف أنفه كل ذلك سواء، فمن كان هذا حاله فإن الله يرزقه.
قال تعالى: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [الحج:٥٨] اللام موطئة للقسم، فالله ﷻ يقسم بذاته العلية، ويؤكد ذلك بلام القسم وبالنون الثقيلة: بأن هؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله فقتلوا وهم مهاجرون أو ماتوا حتف أنوفهم ميتة عادية، فالله يرزقهم الرزق الحسن، والرزق الحسن هو رزق الآخرة، رزق الجنة، وهو الرزق الدائم منذ قتلهم وموتهم إلى أن يبعثوا وإلى أن يدخلوا الجنة، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] فهم يرزقون رزقاً الله أعلم بحاله، ترزق أرواحهم ونفوسهم الرزق الحسن الدائم الطيب، الذي فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، كما وصف الله جلا جلاله نعيم الآخرة.
стр. 486
عدم التفريق بين من قتل أو مات في سبيل الله
كان سلمان الفارسي ﵁ مع جند من الأصحاب في حصن من حصون الروم يحاصرونه، وإذا بأحد الجند يموت ميتة طبيعية وآخر يقتل، فذهب سلمان في جنازة الذي مات ميتة طبيعية وترك الآخر، فقيل له: يا صاحب رسول الله! تركت الشهيد وذهبت لمن مات حتف أنفه، فقال لهم: ألا تقرءون القرآن! ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [الحج:٥٨]، فالله لم يفرق فيمن هاجر في سبيل الله بين أن يكون مات قتيلاً أو مات ميتة طبيعية، فأولئك شهداء، وكل أولئك يرزقون في الجنة الرزق الحسن.
وتكرر هذا في جزيرة روس وكان الأمير فضالة بن عبيد الأنصاري، فمضت جنازتان جنازة لجندي قتل وجنازة لميت مات من هؤلاء المرابطين في سبيل الله، فذهب الأمير لجنازة الميت وترك الجنازة الأخرى؛ لأن كليهما دفن في وقت واحد، هذا في جهة وهذا في أخرى، ولم يمكن جمعهما في مقبرة واحدة ولا من طريق واحدة، فقال فضالة: ألا تقرءون القرآن! كل من خرج في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد في سبيل الله، لا فرق بين قتيل وميت حتف أنفه، وتلا الآية: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [الحج:٥٨].
وسبيل الله أبوابه كثيرة، وليس الجهاد والقتال بالسيف فقط، بل من خرج من بيته يريد الحج فهو سبيل الله، ومن خرج يريد طلب العلم فهو في سبيل الله، ومن خرج يدعو إلى الله فهو في سبيل الله، وأي تنقل وسياحة وسفر يريد صاحبها الله بعمله ومن أجل الله فهو في سبيل الله، دفاعاً بالسيف أو نشراً للإسلام بالقلب أو باللسان أو بعمل من الأعمال، فإن كان لا يريد هذا السائح والمسافر إلا وجه الله فإن مات كانت هجرته في سبيل الله، وله من الله الرزق الحسن، وكان مع الشهداء الذين تشهد جنازتهم الملائكة.
стр. 487
الهجرة صورها وفضلها
والهجرة -أي: هجرة ديار الكفر والفسق والظلم- هي كذلك، فالنبي ﵊ عندما هاجر من مكة إلى المدينة كان مهاجراً في سبيل الله منذ خرج من بيته إلى أن مر على صاحبه أبي بكر، إلى أن اختفى في جبل ثور، إلى أن وصل للمدينة المنورة، إلى أن لقي ربه صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ومن هنا عند فتح مكة ظن الأنصار أنه ﷺ سيبقى في بلدته ومسقط رأسه ومدينة عشيرته، وإذا به يبقى مهاجراً إلى أن لقي ربه، وتبعه في ذلك أصحابه الذين هاجروا معه، والذين لقبوا من عملهم بالمهاجرين، فكان الذين هجروا دار الكفر إذ ذاك وهاجروا منها يسمون المهاجرين، ومن أسلم في بلدته من الأوس والخزرج في المدينة المنورة يسمى أنصارياً، والهجرة لا تنقطع إلى يوم القيامة، وهي هجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وهجرة من بلاد التقوى والصلاح رحلة إلى ديار التقوى والصلاح، ومن ديار الفسق والظلم والمعصية إلى ديار الدين والاستقامة.
وهكذا وعد الله تعالى الذي يهاجر في سبيله إما بغضاً للكفر والمعصية، وإما للقتال بالسيف أو بالقلم أو باللسان أو بالمال، أو بأي نوع من أنواع القتال، إذا مات ولو مات ميتة طبيعية فميتته وقتلته شهادة، ولكن الشهادة تكون لكل من تغرب عن أهله في سبيل الله، لا يريد بذلك إلا وجه الله، فالأمر يرجع إلى النية.
لذلك قال النبي ﷺ : (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).
ولذلك فالأمور جميعاً بالنية، كما قال النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، فمن هاجر إلى لله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن هاجر لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) فمن هاجر إلى الله والدار الآخرة وترك الأهل والأوطان والأموال لأجل الله، فهذا هو الذي ثبتت له هجرته وصدقت نيته، فإن قتل أو مات فكل ذلك سواء، فسيرزقهم الله الرزق الحسن، والرزق الحسن هو نعيم الجنة الخالد.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الحج:٥٨].
أي: الله جلا جلاله هو خير من يرزقك، وإن كان غيره لا يسمى رازقاً ولا معطياً ولا مضيفاً إلا مجازاً، وإلا فالرزق والعطاء الحق من الله، فهو الرزق الخالد الدائم، الذي فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، ورزقه خير للإنسان من رزق أهله وحكامه والتجارة له، وخير من أرزاق الدنيا بكل أنواعها، وإن كان ذلك أيضاً يعتبر رزقاً من الله وكرماً وعطاءً منه، إن كان حلالاً نتيجة عرق جبين، ومن باب أولى إن كان رزقاً فيه هجرة صادقة، فيكون الرزق الخالد الدائم في الجنان، والله بذلك خير الرازقين والمكرمين جلا جلاله.
ثم قال تعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج:٥٩].
رزق الله جلا جلاله يكون (بالمدخل الحسن) بالضم، أو (المدخل الحسن) بالفتح، وبكل ذلك قد قرئ في السبع.
والمدخل الحسن: هو ما تدخل إليه وترتاح له، وفيه ما يسرك ويقر عينك، وهل هناك مدخل أحسن من المدخل للجنة وللنعيم الدائم؟ والذي أعظمه رؤية وجه الله الكريم.
ذلك المدخل الذي يرضيهم فيه بما تقر له أعينهم، وتطيب له نفوسهم، بما يخلدون فيه الخلود الأبدي الدائم، وما ذلك إلا صفة لنعيم الجنة، ولرزق الله الخالد الذي في الجنة، والتي وصفها النبي ﷺ بقوله: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج:٥٩].
أي: إن الله لعليم بأعمالنا وبنياتنا، وعليم بمن هاجر لا يريد إلا الله ورسوله، وبمن كانت سفرته وهجرته في الحقيقة لزواج أو لمال أو لجاه أو لأي شيء يرجع لشئون الدنيا فقط.
ولذلك يعامل الله جلا جلاله العابد على نيته، فإن كانت نيته الهجرة فيجازى بما يجازى به المهاجرون، وإن كانت الدنيا فهو للدنيا: إن أصابها فذاك، وإن لم يصبها فقد خسر الدنيا والآخرة، وهذا فيما إذا تظاهر للناس بأنه خرج مهاجراً لله، وهو لم يهاجر إلا لدنيا يصيبها، ولكن الله مع ذلك على علمه هو حليم غفور رحيم، فحتى الذي هاجر لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها يغفر له حلماً منه ورحمة ورأفة ﷻ إن غير نيته من الدنيا إلى النية الصالحة؛ نية الرغبة في الآخرة، والهجرة للخير في سبيل الله.
ولقد قال سفيان بن عيينة: طلبنا العلم لغير الله فأبى الله إلا أن يكون له، يقول سفيان ذلك عن نفسه، تعليماً وتربيه لغيره من الناس سيما طلاب العلم، فإن كنت طلبت العلم لتكون قاضياً، أو لتكون موظفاً أو حاكماً، أو ليقال عنك: عالم، أو ليكون معك كذا وكذا فإن كانت نيتك كذلك فتب إلى الله منها، وغيرها إلى نية صالحة، فتطلب العلم لتدعو الناس إلى الله على بصيرة، أو لتنصر الدين ولتكون خليفة من خلفاء الرسول ﷺ في نشر العلم.
وقد قال ﷺ : (العلماء ورثة الأنبياء) العلماء الذين يدعون الخلق إلى الله، ويعرفون للناس الحلال من الحرام، ليحرصوا على أن يكونوا حيث أمرهم ربهم، وحيث أمرهم نبيهم ﷺ ، فيفعلون من الحسنات قدر طاقتهم، ويتركون المنكرات جميعاً، كما قال ﵊: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا) فهذا هو الضابط فعلاً وتركاً، وإنما كان الفعل على قدر الاستطاعة؛ لأن الأعمال كثيرة، وطاقة البشر أضعف من ذلك، فالله أمرنا بالصلاة والوضوء بالماء، وبتلاوة القرآن، وباستقبال القبلة، فإن نحن عجزنا -جدلاً- عن معرفة القبلة لسبب ما، أو لم نستطع استعمال الماء أو فقدناه، أو مرضنا فلم نستطع الصلاة قياماً، فالله يقبل منا أن نصلي كما أمرنا في حال المرض، أي: أن نصلي جلوساً، فإن لم نستطع فعلى جنب، وإن لم نجد الماء نتيمم بالصعيد الطاهر، وهكذا.
وهكذا سائر الواجبات، أي: جعلها الله قدر جهدك، وما جعل عليك في الدين من حرج، فلم يأمرنا بما لم نستطع، ولم يكلفنا بما لا تعيه العقول.
وكما أنه عليم بأعمالنا وقدراتنا، فهو حليم بنا، فإذا نحن أسأنا النية أو العمل ثم استغفرنا فهو يغفر لمن تاب، والله غفور لمن يستغفره جلا جلاله وعلا مقامه.
стр. 488
تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به)
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج:٦٠].
أي: كون الإنسان مهاجراً في سبيل الله، لا لدنيا يصيبها، ولا لامرأة ينكحها، بل بذل نفسه رخيصة في سبيل الله، فهجر ديار الكفر والفسق رغبة فيما عند الله، وليتعاون مع إخوانه المؤمنين على عبادة الله والدعوة إليه ﷻ .
وقوله: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ [الحج:٦٠].
أي: الذي عاقب ظالماً وانتقم منه، فليس له أن يزيد في ظلمه أكبر مما أساء إليه، بل كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠].
وأما الكافر فجزاء حربه وقتاله الموت، أو يستقم ويؤدي الجزية عن يد وهو صاغر؛ لتصبح كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وستبقى كلمة الكافر ذليلة لا سلطان لها ولا ممتثل ولا عامل بها، وتبقى كلمة الله من كتابه ومن دينه ومن هدي الرسول هي العالية المعمول بها، التي تحكم والتي تأمر وتطاع.
стр. 489
سبب نزول قوله تعالى: (ذلك ومن عاقب)
وقالوا: سبب نزول هذه الآية أن الكفار أرادوا أن يهجموا على مسلمين في شهر من الأشهر الحرم، وهو شهر محرم، فناشدوهم وقالوا: لا ترفعوا سيفاً ولا تقتلوا ولا تقاتلوا في شهر حرام، فالله حرم ذلك، وهم جاءوا ليحاربوا المسلمون في شهر حرام، ظناً منهم أن المسلمين في الشهر الحرام لن يقاتلوا، ولن يعاقبوا أو ينتقموا، ولكن الله أذن في القتال وقال: ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ [الحج:٦٠] فكان القتال سجالاً، والبغي هنا: هو الظلم الزائد، فالمشركون أبوا إلا القتال في الشهر الحرام.
وهذا كما قال ﷺ عندما دخل مكة فاتحاً -وكان بعضهم قد قتل، وكان هناك قتال في الجهة التي دخلها خالد بن الوليد -: (إن الله تعالى حرم مكة إلى يوم القيامة، ولم تبح لي إلا ساعة من نهار، ولم تحل بعد اليوم لأحد) هذا إذا كانت الحرب ابتداء كما صنع ﷺ ، فقد كانت الحرب في شهر رمضان شهر العبادة والطاعة، واسترسلت إلى إلى شوال وذي القعدة وذي الحجة ومحرم، الأشهر الحرم الأربعة، ومكة بلد حرام لا يباح القتال فيها في الأشهر الحرم وفي غيرها، وأما قول النبي ﵊: (لم يؤذن في القتال إلا ساعة من نهار) فالمراد: الابتداء، ولكن ذلك الابتداء كان جزاء لما سبق أن فعله كفار قريش من حرب رسول الله والمسلمين، وإخراج رسول الله، ثم ابتدأ المسلمين مع النبي صلى الله عليه وعلى آله بالقتال، وهذا الذي حرمه الله في مكة وفي المدينة في الأشهر الحرم إن كان ابتداء، لكن لم يكن فعل النبي وصحبه ابتداء، بل المشركون هم البادئون بالاعتداء، والدفاع والكفاح والجهاد واجب على كل من يستطيع حمل السلاح في داخل البلد المحرم وخارجه.
إذاً: فالكفار كانوا قد هاجموا في شهر حرام؛ فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ [الحج:٦٠] فالكفار قاتلوا فقتلوا رداً على قتالهم.
قوله: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ [الحج:٦٠] أي: ظلم المسلمين زيادة على الحرب بأن قوتلوا في شهر حرام، والقتال في الشهر الحرام اعتبر عند المسلمين في دينهم بغياً وظلماً.
فعندما ظلموا وطغوا على المسلمين أذن الله للمجاهدين من المؤمنين أن يعاقبوهم مرتين للقتال، ثم لما زادوه بغياً بأن كان ذلك في شهر الله الحرام، أذن الله لهم أن يقاتلوا في شهر الله الحرام.
وقوله تعالى: ﴿لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج:٦٠] أقسم الله بأن الذي بغي عليه -ولو في شهر حرام وفي أرض حرام- ثم انتقم جزاء وفاقاً من ذلك الظالم الباغي أن الله سينصره، أي: ينصر المظلوم وقد فعل، فقد نصر الله هذه الفئة المظلومة المبغي عليها نصراً عزيزاً مؤزراً، وهزم أولئك الباغين الظالمين المنتهكين لشهر الله الحرام، فقوتلوا وأذلوا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج:٦٠] أي: بعد ذلك قد عفا الله عن هؤلاء؛ لأنهم لم يقاتلوا بغياً وعدواناً في شهر الله الحرام، وإنما قاتلوا جزاءً وفاقاً وانتقاماً، أي: عقوبة لمن ظلمهم مقابل عقوبة.
فالعقوبة الأولى هي: الظلم الأول الذي من المهاجم الكافر، فحق عليهم القتال، وأما لجزاء فهو في قوله: ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ [الحج:٦٠]، وإنما سمي عقاباً أو عقوبة للمشاكلة في اللفظ، وهذا من أنواع البلاغة، وإلا فالمقابلة ليست عقوبة وذنباً، أي: من حيث الاسم، وإنما كانت تأديباً، وهي عقوبة نتيجة للعقاب السابق، كما قال الله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠] أي: المجازي للمسيء ليس مسيئاً، ولكن سميت إساءة في المقابلة والمشاكلة، وهذا نوع من أنواع البلاغة في لغة العرب التي بها نزل القرآن الكريم.
وقديماً قالوا في قواعد الأصول: الضرورات تبيح المحظورات، فالشهر الحرام ليس فيه حرب، وبلد الله الحرام كذلك، ولكن إن ابتدأ الظالم الحرب في بيت الله الحرام، وكذا إن هاجم في الأشهر الحرم، فعند ذلك يباح للضرورة ولجزاء الظالم وعقوبة المسيء أن يقاتل في المدينة الحرام وفي الأشهر الحرم.
وأما ابتداء القتال فيه فهو عظيمة من العظائم وكبيرة من الكبائر، بل إن بعض الفقهاء يرى أن إقامة الحدود يجب أن تكون خارج الحرم لا في داخله.
стр. 490
تفسير سورة الحج [٦١ - ٦٣]
إن من آيات الله تعالى المرئية أنه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، وأنه يحيي الأرض بعد موتها بهذا الماء الذي ينزله من السماء، فمن كان هو الخالق الرازق المتصرف في الكون فهو المستحق للعبادة وحده، ولا يستحقها من لا ينفع ولا يضر.
стр. 491
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله يولج الليل في النهار)
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج:٦١].
(ذلك) أي: ومن قدرة الله ومن أحكامه وأوامره أنه ﷻ : ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج:٦١] هذا في قارات الأرض طبيعي إلا ما شذ منها كالقطب الشمالي المتجمد، فإن النهار فيه أربع وعشرون ساعة، وعندما يقول الله لنا: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ [الحج:٦١] يصبح الليل في ليالي الشتاء قصيراً، ويصبح الليل في الشتاء طويلاً ويصبح النهار قصيرً، وتم ذلك بإدخال وإيلاج الليل في النهار، نقص من الليل وزاده في النهار وأدخله، واليوم الطبيعي اثنا عشر ساعة، والليل مثله، وقد يزيد الليل عن أربع عشرة ساعة، وقد يصل إلى سبع عشرة ساعة، ويعكس في الصيف.
وقوله سبحانه: (يولج) معناه: يدخل، فيدخل الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل، فينقص من النهار صيفاً ويدخله في الليل، فيصبح الليل في الشتاء طويلاً والنهار قصيراً، وفي الصيف تكون الليالي قصيرة والنهار طويلاً، ومن هنا يشق الصوم على بعض الناس إن كان رمضان في الصيف، ولكن الله ﷻ يشاء أن يأتي رمضان تارة قصيراً وتارة طويلاً، حسب الفصل الذي يكون فيه من شتاء أو صيف، وذاك معنى الإيلاج والإدخال.
ومع قصر الليالي والأيام وطولها فالصلاة هي الصلاة والصيام هو الصيام، فالصلوات تكون حسب الشمس، أي: يزيد وقتها أحياناً وينقص، والصيام أيضاً يكون حسب طلوع الفجر وغروب الشمس، ويزيد أيضاً وينقص، ولكن ذلك لا يخرج عن كون الصلاة في اليوم والليلة خمسة فروض، والصيام في السنة شهراً، ابتداء من طلوع الفجر، وانتهاء بغروب الشمس، ذاك حكم الله وأمره في النهار والليل.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج:٦١].
أي: سميع لمن دعاه، بصير بالمطيع وبالعاصي، وهذا في معنى التهديد والتبشير، أي: البشارة للمؤمن الملتزم بأن الله يعلم عمله ونيته وصدقه فيها، ويبصر عمله الخالص، كما يعلم ويسمع ويبصر عمل العاصي، فالأول يجازيه بالجنة، والآخر بالنار، فهي بشرى للمؤمن، ونذارة للكافر.
стр. 492
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق)
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢].
أي: ذلك ليعلم المؤمن والكافر بأن الله هو الحق، فالله هو الحق ﷻ ويأمر به، فأمر بعبادته، وبامتثال أمره واجتناب نهيه، وأرسل رسله مبشرين ومنذرين، وأمر الناس بطاعتهم، وجعل طاعتهم طاعته، ومخالفتهم مخالفته، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠].
فالحاصل: أن الله ﷻ أرسل الحق نبياً، وأنزل الحق كتاباً، وجعل الحق ديناً، وما سوى الحق فهو الباطل.
والباطل من الشيطان، وهو يوسوس ويزين الباطل؛ فتنة من الله ﷻ لعباده، فابتلانا بالخير وبالشر، وابتلانا بالشيطان ليعلم صدق الصادق وكذب الكاذب.
ولذلك فالله ﷻ هو الحق، وهو من أسماء الله الحسنى، فلنا أن نسمي عبد الحق.
والمؤمن باستمرار في حق منذ أن يخرج لهذا الوجود، وإلى أن يلقى الله، فهو عندما يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، قد نطق بالحق، وعندما يقول: الله ربي، ومحمد نبيي، والإسلام ديني، والقرآن إمامي، والمؤمنون إخوتي، والكعبة قبلتي، يكون قد نطق كل هذا الكلمات والفقرات بالحق الملزم.
والباطل هو ما عند غير المسلم، فاليهود في باطل، ودينهم قد نسخته الديانة المحمدية، فأصبح ديناً باطلاً، والتوراة أصلها من الله، ولكن عندما غيروها وبدلوها، وقذفوا فيها الأنبياء، وتهجموا فيها على الذات العلية، وقالوا عن أنفسهم أنهم أبناء الله، وقالوا عن عزير: هو ابن الله، وقالوا عن العجل كذلك، فأصبحوا يعيشون في باطل: كتاباً وديناً ودعوة ونطقاً، وهكذا قل عن كل كافر.
فاليهود في باطل، والنصارى في باطل، والمشركون في باطل، وكل ما سوى الإسلام باطل، وكل ما سوى نبوة محمد ﷺ باطل، إلا ما مضى من نبوة الأنبياء السابقين، وقد أدوا مهمتهم وانتهت.
وهم كانوا رسلاً لأقوام خاصة، ثم نسخت هذه الديانة القومية بالديانة المحمدية العالمية، التي أرسل بها إلى الناس جميعاً، في المشارق والمغارب بيضاً وسوداً وحمراً إلى يوم القيامة، فلا نبي ولا رسول بعده.
وكل دعوة دون الدعوة لله وحده، ودون دعوة محمد خاتم الأنبياء ﷺ ، النبي الخاتم إلى يوم القيامة، فهي دعوة لغير الله، ولغير دينه، ومن ثم فهي دعوة باطلة شيطانية، فما أوحى بها إلا شياطين الإنس والجن.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢].
الله أعلى من كل علي، وأكبر من كل كبير، لا أعلى منه مقاماً، ولا قدرة سبحانه، ولذلك شعار المسلم الذي ينطق به في اليوم عشرات المرات في صلاته: الله أكبر.
وتعني كلمة (الله أكبر) ألا يجعل المسلم نفسه كبيراً، فلا كبير إلا الكبير المتعال، وألا يهاب أحداً من الخلق إلا الكبير سبحانه، فمهما هدد بالبشر والطغاة والجبابرة فهو عندما يقول: الله أكبر، يكون قد قال: ربي أكبر من كل طاغية وجبار، ومن كل من يريدني بسوء، أو يقف في طريقي وأنا أدعوا إلى الله، وهكذا المؤمن لا يعمر قلبه إلا بالله، ولا يكبر في نفسه ولا يهاب إلا الله، فحينها يكون مؤمناً حقاً.
وأما عندما يكون ضعيف الإرادة والعقيدة، فتجده يخاف من أي شيء، وإذا أنذر بكلمة ارتعد ولم ينم، وينغص عمره وراحته من أجلها.
وأما العامر قلبه بالله بجلاله وعظمته ففي كل شيء يقول: الله أكبر، والله هو العلي الكبير لا سواه، فليس أحد علياً أو كبيراً إلا الله، ومن يجعله الله علياً كبيراً تبعاً لعلوه وكبريائه وجلالته، فهو كبير عندنا.
فالأنبياء والعلماء والصلحاء كبراء عندنا، ولكن ذلك لما أعطاهم الله، وهو من باب تعظيم شعائر الله الذي هو من تمام التقوى، وتعظيم ما عظمه الله وأكرمه، ولذلك علمنا النبي ﷺ أن نقول: (اللهم ارزقني حبك وحب من يحبك).
стр. 493
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً)
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج:٦٣].
أي: ألم تر أيها الإنسان، وإن كان الخطاب أولاً لنبينا خاتم أنبياء الله في الأصالة، لكن هو خطاب لجميع الناس، مؤمنهم وكافرهم، وكأن المعنى: ألم تر أيها الإنسان ممن له عين تبصر، وأذن تسمع، وقلب يعي، ﴿أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج:٦٣].
أي: هذه الأرض الميتة الهامدة التي تراها صحراء قاحلة، وتظن أنها لن تنبت، قد أنبتت بإذن الله، وهذه الأشجار التي نرها الآن في مكة والمدينة وفي الكثير من صحاري الحجاز، بل وصحاري الجزيرة العربية، ما كانت تعرف قبل بضع سنوات ولا توجد، ثم نحن اليوم نرى الأشجار، فبعد نزول المطر بضع ساعات ترى الأرض في اليوم التالي مباشرة وأنت في السيارة أو في الطائرة قد أخذت بالاخضرار.
وهذا معجزة إلهية، فالنبي عليه الصلاة السلام قد قال لنا: (لا تقوم الساعة حتى تصبح جزيرة العرب مروجاً وأنهاراً، وحتى يخرج الرجل بزكاته فلا يجد من يقبلها، ويقول له: أعطها لغيري، أنا لست في حاجة إليها).
وكلا الوصفين النبويين أخذنا نعيش فيهما، ففي الحجاز أصبح الماء يصعد إلى أعلى طبقات بنايات عالية، كأرض الشام والمغرب وتركيا وغيرها من البلاد ذات المياه الغزيرة الفياضة، فقد كان هنا شخص يسمى السقاء، فما عدنا نراه ولا يعرف، وأولادنا لا يعرفونه؛ لأنه مضى عليه أكثر من عشرين عاماً، فندخل البيت وإذا بالمياه تصعد من الأرض إلى أعلى دور، وهكذا وسيزداد ذلك، ولقد قال الخبراء الزراعيون: إن أرض الحجاز بل أرض صحراء الجزيرة يوجد الماء تحت جميع أرضها، فهي أرض على بحر من ماء، وحيثما حفرت تجد الماء.
ويوشك إذا لم يفعل ذلك بها -أي: أن تحفر- أن تنفجر يوماً في كثير من النواحي والجبال، وفي كثير من الصحاري، وهذا شيء لا يكاد يوجد في خارج جزيرة العرب، وهو من إخبار النبي عليه الصلاة السلام بالغيب، ومن المعجزات النبوية التي أدركنها ولم يدركها سابقونا، فسابقونا آمنوا بها تصديقاً، ونحن نؤمن بها واقعاً ومعايشة ومعاصرة.
وقوله سبحانه: ﴿فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج:٦٣].
أي: أن الله ينزل الماء على الأرض الميتة التي لا حراك بها ولا تنبت، ولا يكاد يوجد فيها حتى حشرة -لأن الحشرات لا تعيش إلا بالماء- كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠].
فانظروا إلى الأرض الميتة وقد أمطر الله عليها غيثاً، كيف تصبح مخضرة، فتربو وتتحرك بما يخرج منها، وهذا الذي نراه.
стр. 494
كيفية إحياء الموتى
ونحن نتساءل كيف يعيش الإنسان بعد الموت؟ ونحن نرى مثاله في الأرض، أي: الأرض الجامدة التي لا حراك بها ولا روح، عندما تنزل عليها الأمطار تربو وتتحرك وتعلو، وتخرج منها خضرة ذات مياه، ويخرج الله منها حباً وزرعاً وثمرات نأكله نحن ودوابنا.
فالماء واحد والفاكهة ألوان، فهذا أحمر وهذا أخضر مع أن المياه الساقية واحدة، فمن الذي صبغ هذا بالأحمر، وهذا بالأخضر وهذا بالأبيض؟! أليس الله ﷻ ، فإذا كان هذا نراه بأعيننا، ونحسه ببشرتنا، ونسمع ما يتعلق به بأسماعنا، وتعيه قلوبنا، فكيف ننكره بعد ذلك ونتشكك في الحياة بعد الموت، ونحن في الأصل قد جئنا من العدم، فإذا كنا شهدنا أولادنا ولم يكونوا، أي: جئنا بالمرأة بلا ولد، فأقامت عندنا بضع سنوات وإذا بمجموعة من الأبناء موجودون بإذن الله.
وأين الآباء الذين كانوا يعمرون البيت، جاءوا من التراب، وذهبوا إلى التراب، وسنلحقهم كما يلحقهم أولادنا وأحفادنا، ويبقى الملك لله الواحد القهار.
ولكن من أخذ الله بسمعه وببصره وبقلبه تجده كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
فمن نزع نور القلب عميت بصيرته، فتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون؛ لأن البصيرة قد عميت.
стр. 495
صور من اللطف الإلهي
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج:٦٣].
الله ﷻ لطيف، فيخرج من الرمال والجمادات والأموات ما فيه حياة، أي: يخرج الحي من الميت، فالأرض الميتة أخرج منها حياة، ويخرج الميت من الحي كذلك، فتجد المرأة وهي في حركاتها ونشاطها يخرج منها ميت، وتجد الكافر وهو ميت في الحقيقة يخرج منه مؤمن صالح يدعو إلى الله، ويقول: ربي الله، والعكس بالعكس.
وهو سبحانه خبير بما ينفع وبما يضر عباده، ولكنه يأمر وينهى ويرسل الرسل مبشرين ومنذرين؛ لتبقى الحجة البالغة لله، فإذا سئل العبد عندما يدخل القبر: من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ فيقول: لا أعلم، لم يرسل إلي شيء، ولم أقرأ كتاباً، فكأنه يقال له: أسمعت؟ فيقول: نعم سمعت، فيقال: لماذا لم تبحث؟ ألم يخطر ببالك أن الله جعل هذا من أجلك وخلقت من أجل عبادته؟ أخطر ببالك أنك خلقت في هذه الدنيا سبهللا؟ ألم تسمع يوماً قول الله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]؟ فتبقى الحجة لله البالغة، وإذا بهذا تحت المرازب والمقامع والعذاب المقيم، في القبر روحاً، وفي الآخرة جسد وروحاً، أما من مات على لا إله إلا الله فيرجى له الخير على أي حال، ومن مات على الشرك فقد قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨].
следующие страницы →