Полный текст (2 442 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله يولج الليل في النهار)
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج:٦١].
(ذلك) أي: ومن قدرة الله ومن أحكامه وأوامره أنه ﷻ : ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج:٦١] هذا في قارات الأرض طبيعي إلا ما شذ منها كالقطب الشمالي المتجمد، فإن النهار فيه أربع وعشرون ساعة، وعندما يقول الله لنا: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ [الحج:٦١] يصبح الليل في ليالي الشتاء قصيراً، ويصبح الليل في الشتاء طويلاً ويصبح النهار قصيرً، وتم ذلك بإدخال وإيلاج الليل في النهار، نقص من الليل وزاده في النهار وأدخله، واليوم الطبيعي اثنا عشر ساعة، والليل مثله، وقد يزيد الليل عن أربع عشرة ساعة، وقد يصل إلى سبع عشرة ساعة، ويعكس في الصيف.
وقوله سبحانه: (يولج) معناه: يدخل، فيدخل الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل، فينقص من النهار صيفاً ويدخله في الليل، فيصبح الليل في الشتاء طويلاً والنهار قصيراً، وفي الصيف تكون الليالي قصيرة والنهار طويلاً، ومن هنا يشق الصوم على بعض الناس إن كان رمضان في الصيف، ولكن الله ﷻ يشاء أن يأتي رمضان تارة قصيراً وتارة طويلاً، حسب الفصل الذي يكون فيه من شتاء أو صيف، وذاك معنى الإيلاج والإدخال.
ومع قصر الليالي والأيام وطولها فالصلاة هي الصلاة والصيام هو الصيام، فالصلوات تكون حسب الشمس، أي: يزيد وقتها أحياناً وينقص، والصيام أيضاً يكون حسب طلوع الفجر وغروب الشمس، ويزيد أيضاً وينقص، ولكن ذلك لا يخرج عن كون الصلاة في اليوم والليلة خمسة فروض، والصيام في السنة شهراً، ابتداء من طلوع الفجر، وانتهاء بغروب الشمس، ذاك حكم الله وأمره في النهار والليل.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج:٦١].
أي: سميع لمن دعاه، بصير بالمطيع وبالعاصي، وهذا في معنى التهديد والتبشير، أي: البشارة للمؤمن الملتزم بأن الله يعلم عمله ونيته وصدقه فيها، ويبصر عمله الخالص، كما يعلم ويسمع ويبصر عمل العاصي، فالأول يجازيه بالجنة، والآخر بالنار، فهي بشرى للمؤمن، ونذارة للكافر.
стр. 492
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق)
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢].
أي: ذلك ليعلم المؤمن والكافر بأن الله هو الحق، فالله هو الحق ﷻ ويأمر به، فأمر بعبادته، وبامتثال أمره واجتناب نهيه، وأرسل رسله مبشرين ومنذرين، وأمر الناس بطاعتهم، وجعل طاعتهم طاعته، ومخالفتهم مخالفته، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠].
فالحاصل: أن الله ﷻ أرسل الحق نبياً، وأنزل الحق كتاباً، وجعل الحق ديناً، وما سوى الحق فهو الباطل.
والباطل من الشيطان، وهو يوسوس ويزين الباطل؛ فتنة من الله ﷻ لعباده، فابتلانا بالخير وبالشر، وابتلانا بالشيطان ليعلم صدق الصادق وكذب الكاذب.
ولذلك فالله ﷻ هو الحق، وهو من أسماء الله الحسنى، فلنا أن نسمي عبد الحق.
والمؤمن باستمرار في حق منذ أن يخرج لهذا الوجود، وإلى أن يلقى الله، فهو عندما يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، قد نطق بالحق، وعندما يقول: الله ربي، ومحمد نبيي، والإسلام ديني، والقرآن إمامي، والمؤمنون إخوتي، والكعبة قبلتي، يكون قد نطق كل هذا الكلمات والفقرات بالحق الملزم.
والباطل هو ما عند غير المسلم، فاليهود في باطل، ودينهم قد نسخته الديانة المحمدية، فأصبح ديناً باطلاً، والتوراة أصلها من الله، ولكن عندما غيروها وبدلوها، وقذفوا فيها الأنبياء، وتهجموا فيها على الذات العلية، وقالوا عن أنفسهم أنهم أبناء الله، وقالوا عن عزير: هو ابن الله، وقالوا عن العجل كذلك، فأصبحوا يعيشون في باطل: كتاباً وديناً ودعوة ونطقاً، وهكذا قل عن كل كافر.
فاليهود في باطل، والنصارى في باطل، والمشركون في باطل، وكل ما سوى الإسلام باطل، وكل ما سوى نبوة محمد ﷺ باطل، إلا ما مضى من نبوة الأنبياء السابقين، وقد أدوا مهمتهم وانتهت.
وهم كانوا رسلاً لأقوام خاصة، ثم نسخت هذه الديانة القومية بالديانة المحمدية العالمية، التي أرسل بها إلى الناس جميعاً، في المشارق والمغارب بيضاً وسوداً وحمراً إلى يوم القيامة، فلا نبي ولا رسول بعده.
وكل دعوة دون الدعوة لله وحده، ودون دعوة محمد خاتم الأنبياء ﷺ ، النبي الخاتم إلى يوم القيامة، فهي دعوة لغير الله، ولغير دينه، ومن ثم فهي دعوة باطلة شيطانية، فما أوحى بها إلا شياطين الإنس والجن.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢].
الله أعلى من كل علي، وأكبر من كل كبير، لا أعلى منه مقاماً، ولا قدرة سبحانه، ولذلك شعار المسلم الذي ينطق به في اليوم عشرات المرات في صلاته: الله أكبر.
وتعني كلمة (الله أكبر) ألا يجعل المسلم نفسه كبيراً، فلا كبير إلا الكبير المتعال، وألا يهاب أحداً من الخلق إلا الكبير سبحانه، فمهما هدد بالبشر والطغاة والجبابرة فهو عندما يقول: الله أكبر، يكون قد قال: ربي أكبر من كل طاغية وجبار، ومن كل من يريدني بسوء، أو يقف في طريقي وأنا أدعوا إلى الله، وهكذا المؤمن لا يعمر قلبه إلا بالله، ولا يكبر في نفسه ولا يهاب إلا الله، فحينها يكون مؤمناً حقاً.
وأما عندما يكون ضعيف الإرادة والعقيدة، فتجده يخاف من أي شيء، وإذا أنذر بكلمة ارتعد ولم ينم، وينغص عمره وراحته من أجلها.
وأما العامر قلبه بالله بجلاله وعظمته ففي كل شيء يقول: الله أكبر، والله هو العلي الكبير لا سواه، فليس أحد علياً أو كبيراً إلا الله، ومن يجعله الله علياً كبيراً تبعاً لعلوه وكبريائه وجلالته، فهو كبير عندنا.
فالأنبياء والعلماء والصلحاء كبراء عندنا، ولكن ذلك لما أعطاهم الله، وهو من باب تعظيم شعائر الله الذي هو من تمام التقوى، وتعظيم ما عظمه الله وأكرمه، ولذلك علمنا النبي ﷺ أن نقول: (اللهم ارزقني حبك وحب من يحبك).
стр. 493
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً)
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج:٦٣].
أي: ألم تر أيها الإنسان، وإن كان الخطاب أولاً لنبينا خاتم أنبياء الله في الأصالة، لكن هو خطاب لجميع الناس، مؤمنهم وكافرهم، وكأن المعنى: ألم تر أيها الإنسان ممن له عين تبصر، وأذن تسمع، وقلب يعي، ﴿أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج:٦٣].
أي: هذه الأرض الميتة الهامدة التي تراها صحراء قاحلة، وتظن أنها لن تنبت، قد أنبتت بإذن الله، وهذه الأشجار التي نرها الآن في مكة والمدينة وفي الكثير من صحاري الحجاز، بل وصحاري الجزيرة العربية، ما كانت تعرف قبل بضع سنوات ولا توجد، ثم نحن اليوم نرى الأشجار، فبعد نزول المطر بضع ساعات ترى الأرض في اليوم التالي مباشرة وأنت في السيارة أو في الطائرة قد أخذت بالاخضرار.
وهذا معجزة إلهية، فالنبي عليه الصلاة السلام قد قال لنا: (لا تقوم الساعة حتى تصبح جزيرة العرب مروجاً وأنهاراً، وحتى يخرج الرجل بزكاته فلا يجد من يقبلها، ويقول له: أعطها لغيري، أنا لست في حاجة إليها).
وكلا الوصفين النبويين أخذنا نعيش فيهما، ففي الحجاز أصبح الماء يصعد إلى أعلى طبقات بنايات عالية، كأرض الشام والمغرب وتركيا وغيرها من البلاد ذات المياه الغزيرة الفياضة، فقد كان هنا شخص يسمى السقاء، فما عدنا نراه ولا يعرف، وأولادنا لا يعرفونه؛ لأنه مضى عليه أكثر من عشرين عاماً، فندخل البيت وإذا بالمياه تصعد من الأرض إلى أعلى دور، وهكذا وسيزداد ذلك، ولقد قال الخبراء الزراعيون: إن أرض الحجاز بل أرض صحراء الجزيرة يوجد الماء تحت جميع أرضها، فهي أرض على بحر من ماء، وحيثما حفرت تجد الماء.
ويوشك إذا لم يفعل ذلك بها -أي: أن تحفر- أن تنفجر يوماً في كثير من النواحي والجبال، وفي كثير من الصحاري، وهذا شيء لا يكاد يوجد في خارج جزيرة العرب، وهو من إخبار النبي عليه الصلاة السلام بالغيب، ومن المعجزات النبوية التي أدركنها ولم يدركها سابقونا، فسابقونا آمنوا بها تصديقاً، ونحن نؤمن بها واقعاً ومعايشة ومعاصرة.
وقوله سبحانه: ﴿فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج:٦٣].
أي: أن الله ينزل الماء على الأرض الميتة التي لا حراك بها ولا تنبت، ولا يكاد يوجد فيها حتى حشرة -لأن الحشرات لا تعيش إلا بالماء- كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠].
فانظروا إلى الأرض الميتة وقد أمطر الله عليها غيثاً، كيف تصبح مخضرة، فتربو وتتحرك بما يخرج منها، وهذا الذي نراه.
стр. 494
كيفية إحياء الموتى
ونحن نتساءل كيف يعيش الإنسان بعد الموت؟ ونحن نرى مثاله في الأرض، أي: الأرض الجامدة التي لا حراك بها ولا روح، عندما تنزل عليها الأمطار تربو وتتحرك وتعلو، وتخرج منها خضرة ذات مياه، ويخرج الله منها حباً وزرعاً وثمرات نأكله نحن ودوابنا.
فالماء واحد والفاكهة ألوان، فهذا أحمر وهذا أخضر مع أن المياه الساقية واحدة، فمن الذي صبغ هذا بالأحمر، وهذا بالأخضر وهذا بالأبيض؟! أليس الله ﷻ ، فإذا كان هذا نراه بأعيننا، ونحسه ببشرتنا، ونسمع ما يتعلق به بأسماعنا، وتعيه قلوبنا، فكيف ننكره بعد ذلك ونتشكك في الحياة بعد الموت، ونحن في الأصل قد جئنا من العدم، فإذا كنا شهدنا أولادنا ولم يكونوا، أي: جئنا بالمرأة بلا ولد، فأقامت عندنا بضع سنوات وإذا بمجموعة من الأبناء موجودون بإذن الله.
وأين الآباء الذين كانوا يعمرون البيت، جاءوا من التراب، وذهبوا إلى التراب، وسنلحقهم كما يلحقهم أولادنا وأحفادنا، ويبقى الملك لله الواحد القهار.
ولكن من أخذ الله بسمعه وببصره وبقلبه تجده كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
فمن نزع نور القلب عميت بصيرته، فتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون؛ لأن البصيرة قد عميت.
стр. 495
صور من اللطف الإلهي
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج:٦٣].
الله ﷻ لطيف، فيخرج من الرمال والجمادات والأموات ما فيه حياة، أي: يخرج الحي من الميت، فالأرض الميتة أخرج منها حياة، ويخرج الميت من الحي كذلك، فتجد المرأة وهي في حركاتها ونشاطها يخرج منها ميت، وتجد الكافر وهو ميت في الحقيقة يخرج منه مؤمن صالح يدعو إلى الله، ويقول: ربي الله، والعكس بالعكس.
وهو سبحانه خبير بما ينفع وبما يضر عباده، ولكنه يأمر وينهى ويرسل الرسل مبشرين ومنذرين؛ لتبقى الحجة البالغة لله، فإذا سئل العبد عندما يدخل القبر: من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ فيقول: لا أعلم، لم يرسل إلي شيء، ولم أقرأ كتاباً، فكأنه يقال له: أسمعت؟ فيقول: نعم سمعت، فيقال: لماذا لم تبحث؟ ألم يخطر ببالك أن الله جعل هذا من أجلك وخلقت من أجل عبادته؟ أخطر ببالك أنك خلقت في هذه الدنيا سبهللا؟ ألم تسمع يوماً قول الله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]؟ فتبقى الحجة لله البالغة، وإذا بهذا تحت المرازب والمقامع والعذاب المقيم، في القبر روحاً، وفي الآخرة جسد وروحاً، أما من مات على لا إله إلا الله فيرجى له الخير على أي حال، ومن مات على الشرك فقد قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨].
стр. 496
تفسير سورة الحج [٦٦ - ٧٢]
إن لله تعالى صفات الكمال ونعوت الجلال، فهو المحيي المميت، والخالق الرازق، والمتفضل بالنعم، ومع هذا تجد الإنسان يكفر هذه النعم ولا يشكر مسديها، بل وأشر من ذلك يتجه بالشكر والعبادة والتذلل والخضوع لمن لا يضره ولا ينفعه ولم ينعم عليه؛ من الأحجار والأشجار وغيرها.
стр. 497
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم)
قال الله جلت قدرته: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ﴾ [الحج:٦٦].
هو الله ﷻ الذي أنشأنا من العدم، وأحيانا بعد أن لم نكن، وأوجدنا على غير مثال سابق، وكانت هذه هي الحياة الأول، ثم بعد إنشائنا وإيجادنا سيميتنا، وبعد هذه الموته سيحيينا مرة أخرى؛ للبعث والنشور والعرض على الله والحساب على ما قدمت أيدينا من خير أو شر، ولا يقدر على هذا إلا الله ﷻ .
فهو الذي خلق، ثم هو الذي يميت، ثم هو الذي يعيد الحياة كما بدأها أول مرة للبعث والنشور، والله على كل شيء قدير.
والله ﷻ يلفت أنظارنا ويعلمنا ويهدينا وأنه وحده القادر على الحياة، القادر على البعث، القادر على العرض عليه، والحساب لكل من فعل خيراً أو شراً، فهذا إلى الجنة وهذا إلى السعير.
﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ﴾ [الحج:٦٦] أي: ولكن الإنسان يكفر نعم ربه، ويجحد ما آتاه الله من نعم ظاهرة وباطنة، ويشرك به، ويعبد معه غيره من الأحجار ومن الإنس ومن الجن، ومن كل من لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً.
والإنسان وهو يرى بعينه، ويسمع بأذنه، ويعي بقلبه، أن الله وحده القادر على كل شيء، وأن غيره ليس بيده حياة ولا موت ولا نشور، ومع ذلك يجحد نعم الله ويشرك به ظلماً لنفسه وعدواناً على الحق.
стр. 498
تفسير قوله تعالى: (لكل أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه)
قال تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج:٦٧].
يقول ﷻ : ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا﴾ [الحج:٦٧] أي لكل نبي أمة؛ إذ الوحي يكون للرسول وللنبي ولا يكون للأمة، ولكن الأمة تكون مجال دعوة هذا النبي ومجال شريعته وأمره ونهيه.
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج:٦٧] المنسك هو الشريعة والعقيدة والدين والدعوة، يخبرنا ربنا ﷻ أنه جعل لكل أمة من الناس نبياً، وأنه أرسل إليهم رسولاً دعاهم إلى عبادة الله الواحد، وجعل لهم شريعة تخصهم: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨].
أما الدعوة والعبادة فالكل جاء يدعو إلى عبادة الله الواحد لا شريك له، وبذلك أمر أنبياؤنا ورسلنا ليبلغونا ذلك عن الله، وكما قال المصطفى صلوات الله عليه وسلامه: (نحن معاشر الأنبياء أبناء علات، أبونا واحد وأمهاتنا شتى).
فدعوة الأنبياء دعوة واحدة؛ دعوة إلى الله الواحد الذي لا شريك له، وإلى عبادته وتوحيده، وأما الشرائع والمناسك وأنواع العبادات فلكل نبي ولكل أمة جعل الله شريعة خاصة بها وبه.
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج:٦٧] أي: هم تابعوه وسالكوه، يلتزمون ويعملون بهذا المنسك وبهذه الشريعة، فقد أمروا بالتزامها والعمل بها، وهذا أمر من الله ورسوله.
وفسرت المناسك بالمواعد، بالأعياد، بالمواقع، ومنها مناسك الحج، فإن للحج مناسك تعرض في مكة وما يحيط بمكة، من طواف بالكعبة، ومن سعي بين الصفاء والمروة، ومن وقوف بعرفات، ومن مبيت بمزدلفة، ومن بيات ومقام بمنى ليلتين أو ثلاثاً، ومن إحرام وما إلى ذلك، وعلى هذا فسرت الآية: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا﴾ [الحج:٦٧] أي: معبداً وموعداً يتواعدون عليه لعبادة ربهم في أوقات مخصوصة، وأزمان معينة، وشهور معروفه، وليالي وأيام يعرفونها، كما نعرف مناسكنا: من صيام شهر في كل سنة، ومن صلوات خمس في اليوم والليلة، ومن المناسك التي سميت مناسك في الحج الذي فرضه الله على كل إنسان مرة في العمر، وانتدب إليه وسنه مرة كل خمس سنوات.
وعلى كلا المعنيين فإن المعنى قائم وصحيح وواقع، ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج:٦٧] وأرسل لكل أمة نبياً بموعد، وبشريعة من الشرائع ألزموا بسلوكها وباتباعها وبالعمل بها.
قال تعالى: ﴿فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ﴾ [الحج:٦٧] أي: لا تدع أهل الكتاب ومن هم على بقايا من أهل الكتاب، وقد بدلوا وغيروا، وقد نسخت أديانهم وشرائعهم، لا تدعهم ينازعونك، أي: يجادلونك في الحق بعد أن أرسل إليهم الحق الصريح، والدين الناسخ لبقية الأديان السابقة، والرسول الذي هو آخر الرسل والأنبياء، فلا شريعة بعد شريعته، ولا رسالة بعد رسالته، ولا نبي بعده ولا رسول، صلى الله عليه وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين.
فلا تنازعنهم، والنزاع يكون بين اثنين، بمعنى: لا تجادلهم، وإنما مرهم أمراً، وعلمهم تعليماً، وربهم تربية، وأخبرهم بنسخ ما مضى، وأنهم قد حرفوه وبدلوه وغيروه.
ونحن أولاء نرى أهل الكتاب السابقين قد بدلوا في توراتهم وفي زبورهم وفي إنجيلهم، وفي الشرائع التي أرسلت إليهم، وفيما يتعلق حتى بالعقيدة، فقد قذفوا الأنبياء، وقلوا من الأدب مع الله، وأشركوا معه غيره، وعبدوا عيسى ومريم، وعبدوا العزير والعجل، وجعلوا أنفسهم أبناء لله تعالى الله عن كفرتهم الصلعاء علواً كبيراً.
قال تعالى: ﴿فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ﴾ [الحج:٦٧] أي: لا تدعهم ينازعونك ويجادلونك؛ لأنهم إن فعلوا سيفعلون بباطل، وعلى باطل، فليس لهم من الله برهان على ذلك، ولا دليل يمكن أن يجادلوك وينازعوك ويخالفوك به.
والنزاع يكون بين اثنين أو جماعتين، فكل يريد أن يشد الحبل لنفسه، وهنا كل يريد أن يقول: إن الحق معه، وإن الدين دينه، وإن الشريعة شريعته، مع أنك أرسلت إليهم وللناس جميعاً بشريعة مكان شريعتهم، فأنت الحق، وما جئت به الحق، والحق ﷻ الذي صدر عنه ذلك، وأمر بالحق رسالة ورسولاً وشريعة.
﴿فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ [الحج:٦٧].
أي: لا تبال بهم، ولا تهتم لهم، ولا تقبل جدالهم، فإن استفسروك للعلم وللمعرفة فافعل، وأما أن يجادلوك بأن ديننا كذا، وبأن كتابنا كذا فلا، وإنما علمهم الحق وعرفهم به، ولا تقبل نزاعهم ولا جدالهم، وادع إلى ربك كما أمرك ربك، ادع إلى توحيد ربك وعبادته والعمل بشريعته، وادع لامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وبين ذلك بما أمرت به من البيان في قولك وفعلك وإقرارك.
﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج:٦٧] أي: إنك يا محمد! صاحب الحق، والمحق في الدعوة، والرسول المرسل بالحق.
(إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى) أي: لعلى هداية وطريق وشريعة ونور من ربك مستقيم لا اعوجاج فيه ولا أمت، ولا يقبل نزاعاً ولا جدلاً ولا خلافاً، وكل من حاول أن ينازعك، أو أن يجادلك، أو أن يجر النار لقرصه فهو مبطل ضال مضل، فلا تدعهم ينازعونك ولا يجادلونك، ولكن قم بالدعوة التي أمرك بها ربك من الدعوة إليه وإلى كتابه وإلى رسالته.
стр. 499
تفسير قوله تعالى: (وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون)
قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحج:٦٨].
أي: فإن أبوا إلا الجدال والنزاع في الحق بالباطل، والجدال هو: الإصرار على المماحكة بباطل لا بحق، فيريد أن يفلح ويظهر للناس أن معه دليلاً وبرهاناً، وما هو إلا الجدال، وما هو إلا الباطل، ولا يريد حقاً ولا هداية.
﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحج:٦٨]، أي: دعهم في غيهم وقل كلمتك ولا تجعل لهم نزاعاً، ولا تفتح لهم جدالاً، فإن أبوا إلا جدالك فجادلهم فقط ولا تنازعهم.
(فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ) فستصلون له يوماً، ويحاسبكم حساباً عسيراً، ومعنى الآية: التهديد والوعيد والنذارة المخيفة المرعبة، ومعنى ذلك: أن أبيتم أن تقبلوا الحق وقد جئتكم به فانتظروا، فستردون على الله وتعلمون الحق، ويتولى الله حسابكم وعقابكم ما دمتم قد أصررتم على الباطل ومخالفة رسول الله وكتاب الله.
стр. 500
تفسير قوله تعالى: (الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون)
قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج:٦٩].
أي: ما دمتم لم تقبلوا رسالتي، ولا نذارتي ولا بشارتي، ولا بما أتيت به عن الله من الآيات البينات والمعجزات الواضحات، والأدلة الفاضحات، فسأدعكم لربكم، فالله يوم القيامة يحكم بيني وبينكم، فهناك ستردون فتعلمون أنكم على ضلال وباطل، وأن الحق قد جاءكم فأبيتم قبوله، وجادلتم فيه، وهكذا سأدعكم لأنفسكم منذراً مهدداً إلى أن يحاسبكم الله، وإلى أن يعاقبكم، وهو عليكم أقدر وبكم ﷻ أعلم وأعرف.
﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج:٦٩].
فإن أبوا إلا الجدال والمنازعة فدعهم وما اختاروا لأنفسهم، وقم بواجبك من الجهاد بالسيف، والجهاد باللسان، وعاملهم بما أمرت به من ربك، فمن أبى إلا الإصرار على ما هو عليه من جحود وكفر فدعه إلى أن يحاسبه ربه يوم الحياة الثانية؛ يوم البعثة والنشور.
стр. 501
تفسير قوله تعالى: (ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض)
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠].
أي: ألم تعلم يا محمد! -وقد علمت قبل- بأن الله يعلم ما في السماء والأرض قبل خلقهما، وهو العالم بالخفايا، العالم بالسر وأخفى، وقد علم ذلك رسول الله ﷺ من خلال ما حدثنا به من أحاديث صحاح وردت في الصحاح وفي السنن وفي المعاجم وفي المسانيد عن جماعة من الصحابة، تبين الآية وتفسرها، فمن ذلك ما قاله ﷺ كما في الصحيح: (إن الله قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف عام كتب ما سيكون في اللوح المحفوظ).
وعن جماعة من الصحابة قالوا: قال ﵊: (أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما يكون إلى قيام الساعة).
فجرى القلم بما أمره الله به، وكان ذلك قبل خلق السماء والأرض بخمسين ألف عام، حدثنا بهذا رسول الله عليه الصلاة السلام، وبه علمنا أنه علم ما قاله الله له.
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحج:٧٠] قد علم ذلك بتعليم الله له، فهو الذي علمه، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧].
وفي الحديث المتواتر عن جمهور من الصحابة أن النبي ﷺ خطب يوماً بعد صلاة الصبح، أي: صلى صلاة الصبح وصعد المنبر، فخطب فظل يخطب إلى أذان الظهر، فنزل وصلى ثم صعد المنبر فظل يخطب إلى أذان العصر، فنزل وصلى العصر ثم صعد المنبر فظل يخطب إلى أذان المغرب، قال رواة الحديث: فحدثنا رسول الله ﷺ بما كان وما سيكون منذ خلق الله السماوات والأرض، وإلى أن يبعث الله الناس إلى جنة أو إلى نار.
وقال بعض الرواة الذين منهم عمر وعلي وأبو عبيدة عامر بن الجراح ومعاذ بن جبل، وكاتم أسرار رسول ﷺ حذيفة بن اليمان وغيرهم، قال بعضهم: حدثنا بكل شيء حتى بالطائر يطير بجناحين في السماء، وحدثنا حتى بقائد الفتنة متى سيخرج وما اسمه واسم أبيه، ومن سيكون معه، ما ترك شيئاً إلا وذكرنا به.
وهذه الأحاديث موجودة معلومة في الكتب الستة: عند البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، وعند أحمد في المسند، وعند البزار في المسند، وعند أبي يعلى الموصلي في المسند، وفي معاجم الطبراني الثلاثة: الكبير والأوسط والصغير، ولا يكاد يوجد كتاب من أمهات السنة إلا وفيه ذلك، ومنهم من خصص هذا بالتأليف، وهذا معنى قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحج:٧٠].
قد علم وعلمنا -ونحن نعلم بعلم رسول الله في سنته- أن الله كتب كل ما خلقه قبل خلقه بخمسين ألف عام، وأن ذلك في اللوح المحفوظ.
وكما سبق أن قلت في مناسبات: إن اللوح لوحان: لوح من قبل الحق، ولوح من قبل الملائكة جند الله، فاللوح الذي من قبل الحق لا يراه أحد لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وهو الذي قال الله عنه: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق:٢٩]، وهذا لا يبدل ما فيه ولا يغير.
واللوح المحفوظ الذي من قبل الملائكة؛ يأتي كل من كلف منهم بعمل فيرى عمله مكتوباً فينفذه ويمتثله، وهذا يقول الله عنه: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، فعنده اللوح الأم المحفوظ المرجع لهذا، وذاك لا يبدل القول لديه ﷻ ولا يغير، وهذا يمحو الله ما يشاء فيه ويثبت.
فالدعاء يمحو، وكل شيء إذا أراد الله ﷻ أن يمحيه محاه، وذاك أصل الناسخ والمنسوخ، قال تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦].
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج:٧٠] أي: أن علم الله -علم السماوات وعلم الأرض- في الكتاب وفي اللوح المحفوظ عند الله، كتبه القلم مأموراً من الله قبل خلق الخلق بخمسين ألف عام، ولا ندري هل الألف يوم هي من أيام الأرض: اليوم واحد أربع وعشرون ساعة، أو من أيام الآخرة الذي اليوم فيه كألف سنة مما تعدون؟ ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠].
علم الأولين والآخرين، وعلم السماوات والأرضين، وعلم ما كان وما يكون إلى قيام الساعة وما بعد قيام الساعة، علم ذلك يسير على الله، والكل على الله يسير، فلا يصعب عليه شيء، ولا يعز عليه شيء ﷻ وعلا مقامه.
стр. 502
تفسير قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً)
قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج:٧١].
هؤلاء الكفرة والجاحدون يعبدون من دون الله أوثاناً لا دليل عندهم عليها لا من سلطان ولا من برهان، ولا من حق، ولا من كتاب سماوي، ولا من دعوة نبوية، ولا دليل يتصور، فيعبدون من دون الله ما ليس لهم به علم، ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً، وما لم ينزل الله به آية ودليلاً وبرهاناً وحجة على عبادتهم له، وإشراكهم الله فيه، فهم يعبدون ما دون الله جهلاً وإفكاً وافتراء، إن هي إلا أسماء سموها هم وآباؤهم، ما أنزل الله بها من سلطان من دليل ولا حجة.
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج:٧١] أي: وليس للمشركين أمثال هؤلاء الذين يعبدون إفكاً وأصناماً، والذين يشركون مع الله غيره، والذين لا دليل ولا سلطان لهم من الله، ولا علم لهم بما يصنعون، هؤلاء الظلمة لأنفسهم، والذين لا يؤدون الحق هؤلاء ليس لهم نصير من الله عند حسابهم، وعند عذابهم، وعند عرضهم على الله يوم القيامة، فقد خرجوا للدنيا فرادى وسيأتون كذلك لا معين لهم ولا مساعد، ولا ولي ولا نصير من غضب الله.
وهيهات! أن يتدخل أحد بين الرب والمربوب، وبين العابد والمعبود، فالناس تفر وتقول: نفسي ونفسي! ولا أحد يهتم بأحد لا زوجاً ولا أباً ولا ولداً ولا شيئاً من ذلك، فكما خرجنا من أرحام أمهاتنا فرادى فسنذهب إليه فرادى لا حول لنا ولا طول إلا حول الله وطوله، فينفع آنذاك الموحد الذي مات على التوحيد، وأما من مات على الكفر والشرك فلا نصير له ولا مساعد ولا ولي من الله.
стр. 503
تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر)
قال تعالى وهو يصف كفرهم، ويصف علامات حقدهم وبغضائهم لأهل الحق من الرسل والموحدين، قال عن هؤلاء: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحج:٧٢].
يقول الله عن هؤلاء ليعرفهم النبي ﵊ والمؤمنين معه، وليعرفوهم بسيماهم وبلحظاتهم ونضرتهم الشزراء، ليعرفوهم بوجوههم المبتسرة العابسة المتجهمة التي تكاد يبدر منها الإيذاء والشر، عندما يرونك ويرون أدلتك واستدلالك وما تقرأه من آيات بينات، قال ربنا عن هؤلاء: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ [الحج:٧٢].
أي: إذا قرأت عليهم أدلة قدرتنا، وآيات كتابنا، ومعجزات رسلنا، وبينات عندهم علموها، وتبينوها، وأدركوها وعلموا ما فيها، ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ [الحج:٧٢] أي: هؤلاء الذين إذا تليت عليهم آياتنا بينات تجد على وجوههم عبوساً جهاماً واكفهراراً، وتجد في نظراتهم شزراً، وتجد في نظراتهم حقداً وعداوة، وتجدهم متأففين متوجعين متبرمين.
﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ [الحج:٧٢] أي: تعرف أنهم أنكروك، وأنكروا آياتك، وأنكروا أدلتك، أنكروك البتة بأدلتك وبراهينك قبل أن يتكلموا وقبل أن ينازعوا أو يجادلوا، فهؤلاء تعرفهم بسيماهم، وتعرفهم بنظراتهم.
﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [الحج:٧٢].
(يكاد) من أفعال المقاربة، أي: قاربوا أن يسطون بالتالي وبالداعية وبالرسول وبنائب الرسول، وكادوا يضربونه وكادوا يشتمونه ويسبونه وكادوا يثورون في وجهه.
﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ [الحج:٧٢] يسطون من السطوة، ومن الطغيان والاعتداء والجبروت باليد أو باللسان أو بكليهما، فهؤلاء عندما يسمعون ذلك، وتقرأ في وجوههم المنكر وهو الاستنكار لما تقول، والحقد والبغضاء بما في نفوسهم عليك، ويكادون يسطون ويظلمون ويعتدون يتجبرون ويطغون بالذين يتلون عليهم آياتنا، وبمن سمعوه يقرأ الآيات، ويدعو إلى الله ويهديهم إليه، فتجدهم يكادون أن يفترسوه بالأعين والنظرات الشزراء قبل اليد وقبل اللسان، وهذه صفة للكفار المعاصرين للنبي ﵊، وهي صفة مستمرة لكل الكفار في كل زمان، فنرى هذا في الكفار المعاصرين، ونشعر بهم عندما نقف خطباء، أو مدرسين أو مذاكرين، أو داعين إلى الله، فتجدهم يتبرمون بك، وقد يمنعونك من الكلام، وقد يؤذونك إذا كانت السلطة بيدهم.
فلطالما حدث هذا ولا يزال يحدث من أعداء الله المشركين ومن الطغاة الجبابرة مما يعلمه كل أحد، سواء من الكفرة المكشوفين، أو الكفرة المنافقين الذين يحملون أسماء إسلامية وجغرافية إسلامية، ويزعمون أنهم أبناء المسلمين والمسلمات، وما هم إلا كفرة فجرة يحقدون على الإسلام حقد اليهود والنصارى والمجوس.
قال تعالى: قل لهؤلاء يا محمد: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾ [الحج:٧٢] أي: أتريدون يا أيها الحاقدون المشركون الذين تريدون أن تسطوا بمن يريد هدايتكم، وبمن يريد دعوتكم للحق، وبمن يريد لكم الخير، وأنتم تريدون لهم الشر، أؤنبئكم بما هو أشر من ذلك بالنسبة لكم؟ أتريدون أن أخبركم بشر من ذلكم؟ وليس هذا مقابلة؛ فإن أفعال التفضيل حسب اللغة العربية تقتضي المشاركة والزيادة، وشتان بين أن يقارن بين الخير والشر لنقول: هذا أخير، وهذا أصلح، ولكن باعتبارهم فإنهم رءوا للحق إلا شراً، وما رءوا للنور إلا ظلمة، وما رءوا في الهداية إلا ضلالاً.
فهذا الذي اعتبروه شراً قال الله لنبيه: قل لهؤلاء، وليقل بذلك خلفاء رسول الله: خلفاء السيف أو القلم، من ورثته من العلماء: أخبروا هؤلاء الطغاة الكفرة الفجرة: ﴿أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾ [الحج:٧٢] أي: بشر من ذلك وبأقبح من ذلك، وبما شره أدوم، وبلاءه عليكم: النار التي ستقعون فيها وسيخلدون فيها، والتي سيبقون فيها، وكلما نضجت جلودهم أبدلهم الله جلوداً غيرها؛ ليذوقوا العذاب ويستمروا فيه.
النار الخالدة التالدة التي لا تفنى وتبقى باستمرار، فقد ذبح الموت؛ ذبح في صورة كبش، فلا موت لأهل النار ولا موت لأهل الجنة، وقد قال الله لهؤلاء: خلود ولا موت، وقال لهؤلاء: خلود ولا موت.
﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾ [الحج:٧٢] هذا استفهام إنكاري تقريعي، أي: قل يا محمد: أفأنبئكم بشر من ذلك، أي: بما هو أشر من ذلك لكم، وأدوم بلاء عليكم: النار فهي أدوم بلاء.
(وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (وعدها الله) من الإيعاد هنا، والوعد يكون للخير ويكون للشر، والإيعاد لا يكون إلا للشر، وعدهم الله إياها، وأوعدهم بسعيرها، وأوعدهم بعذاب النار وبئس المصير، بئس مصيرهم وعاقبتهم، فإنهم سيجدون عند العاقبة والمصير الشر والبلاء والعذاب والنقمة.
стр. 504
تفسير سورة الحج [٧٣ - ٧٨]
لقد كتب الله تعالى العجز والضعف على خلقه، وهنا جعل يعرف أولئك المشركين والكافرين بذلك، وأن ما يعبدون من دون الله تعالى لن يخلقوا أصغر مخلوقات الله وهو الذباب، بل وإذا سلبهم الذباب شيئاً فإنهم لا يستطيعون أن يستنقذوه منه، فضعف الطالب والمطلوب.
فإذا كان حال هذه الآلهة المزعومة هكذا فكيف تستحق أن تجعل آلهة، وأن تعبد من دون الله؟!!
стр. 505
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له)
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣].
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [الحج:٧٣] الخطاب هنا للناس كلهم، وما كان خطاباً للناس فهو خطاب للمؤمن والكافر والمنافق، وهذه الآية أعظم آية في القرآن في إذلال المشركين وتحقيرهم، وضرب المثل والواضح نظراً وسمعاً ودليلاً وبرهاناً على سخف عقول الظالمين المشركين الضالين المضلين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] فالله يلفت الأنظار لسماع هذه الآية، فيبتدئها بنداء كل الناس، ثم يقول لهم: أعيروني آذانكم لتسمعوا ضرب الأمثال لهؤلاء المشركين الضالين المضلين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣].
ضرب شبه بكم وبأصنامكم، بكم عابدين وبأصنامكم معبودين، انظروا إلى هذا المثل، يقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣].
يا من له عقل أو لا عقل له ممن يتصرف بحواسه سمعاً وبصراً وقلباً وممن عميت منهم البصائر قبل الأبصار، انظروا واسمعوا وفكروا وعوا، لهذا المثل الذي يضرب بكم وبمعبوديكم.
﴿ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] أي: من تعبدونهم مع الله أو دون الله من ملك أو أنس أو جن، وما بالك بحجر وجماد وخشب وحيوان وما إلى ذلك، لو اجتمع هؤلاء كلهم ملائكة وإنساً وجناً متعاونين متكاتفين متواطئين متآمرين على أن يخلقوا ذباباً فلن يستطيعوا ذلك، فهم أعجز من ذلك.
﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] أي: لو اجتمعوا جناً وإنساً وملكاً، وكل ما على الأرض سوى الله ليخلقوا ذباباً وليوجدوه من العدم لما استطاعوا ولما قدروا.
وأعظم من ذلك تحقيراً لهم عبدة وعابدين قوله: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج:٧٣] أي: لو يأتي الذباب إلى فتات حبة ثم يأخذها ويذهب بها فلن يستطيعوا ملاحقته ليستنقذوا ذلك منه، ولن يستطيعوا إنقاذ شيء أخذه.
﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣] أي: ضعف وعجز الطالب وهو العابد للأصنام، والمطلوب: المعبودات من الأصنام، سواء كانت الأصنام ملائكة أو بشراً أو جناً، والذباب جمع ذبابة، ويجمع جمع تصغير أذبة، وجمع تكسير ذبان، والذباب كذلك يطلق على الفرد وعلى الجماعة، والذبابة معروفة، ولو كان هناك ما هو أحقر من الذباب لذكره الله.
ونحن نرى الآن في هذا العصر الذي يسمونه عصر الحضارة والمخترعات لم يستطيعوا أن يخلقوا ذبابة في حضارتهم، فالطيارة مثلاً وهي أعظم شيء وجد إذا نظرنا إلى مكوناتها: خشب لم يخلقوه، وحديد لم يخلقوه، وأكثر من ذلك هذه اليد البشرية، وهذا العقل البشري الذي فكر في صنع الطائرة، واليد التي صنعت الطائرة، هل هم الذين خلقوا الأيدي؟! وإذا ذهبت الأيادي فهل يستطيعون الإتيان بمثلها، وهذا العقل الذي به صنعت تلك الطائرة إذا أخذه الله فهل يستطيعون أن يأتون بعقل غيره ليصنع ذلك؟! ومع ذلك هذه الصناعة على ما تدهش الناس ويستغربها الناس وأشركوا بها دون الله، فهل هناك شيء أخترع وأوجد من عدم وكان غير موجود، إنما هو ترقيع، وهو جمع، كمن يأتي إلى حب، هذا الحب خلقه الله في الأرض التي لم نخلقها نحن، بالماء الذي لم نخلقه نحن، بالسماد الذي لم نخلقه نحن، فاستطعنا أن نصنع من هذا الحب حلوى، وأن نصنع منه خبزاً، وأن نصنع منه سميداً أو ما إلى ذلك، فهذا لا يعني أننا أوجدناه؛ لأن أصل الحب أوجده الله.
إذاًَ البشر والخلق كلهم: ملائكة وبشراً وجناً وكل ما على الأرض من إنسان وحيوان وهوام كلها أعجز من أن تصنع ذباباً، أو أن توجد ذبابة، لم يكن لهم أن يوجدوها من العدم، وإن كان ضرب المثل بأذل شيء وأحقر شيء فما بالك بما هو أعظم.
ومثل هذا الذي اغتر بحضارته لم يستطع أن يقضي على الموت ولا على الشيخوخة، ولا استطاع أن يخلد مع الخالدين.
وهذا عندما يقوله الله ﷻ في العصر الأول فهو يبقى في كل العصور إلى يوم قيام الساعة، فأي إنسان عبدوه، وأي ملك عبدوه، وأي جن عبدوه لا يستطيع أن يخلق شيئاً، ولا أن ينفع ولا يضر نفسه.
ودليلهم وحجتهم في عبادتهم أن قالوا: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:٢٢]، ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٣]، وجدنا آبائنا كانوا يصنعون ذلك، فقلدوا آباءهم في الكفر، فزادوا بذلك ضلالاً، وزادوا بذلك كفراناً وجحوداً.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣]، أي: عجز الطالب العابد، وعجز المطلوب المعبود من الأصنام دون الله، فهؤلاء أضعف وأعجز وأقل وأذل من أن يخلقوا شيئاً، ولو كان ذباًباً، ولو تكاتفوا واجتمعوا جميعاً ليوجدوا ذلك، فقد ضعف العابد والمعبود، ولن يكون ذلك إلا صفة للخالق الذي يوجد الشيء من العدم، فهو الذي ينشئ الشيء ولم يكن ثم يصبح فيكون.
قال تعالى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٧٤].
فهؤلاء الضعفة والعجزة من العابدين المشركين، والمعبودين من الأصنام، كانوا أحياء أو كانوا جمادات: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الحج:٧٤] أي: ما علموا قدرته ولا قدروها، وما قدروا وحدانيته ولا عرفوها، وما قدروا صفاته العلا وأسماءه الحسنى.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠] قوي على كل شيء، قادر على كل شيء، ومن قوته معاقبته لهؤلاء الكفرة الجاحدين الذين يأبون إلا الشرك، ونزع الحق من أهله، والله عزيز لا يغالب، عظيم لا يبارى، ومن يتأله على الله يكذبه.
стр. 506
تفسير قوله تعالى: (الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس إن الله سميع بصير)
قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج:٧٥].
الله ﷻ لا يسأل عما يفعل، فيصطفي ويختار رسلاً من الملائكة ورسلاً من الناس، اختار من الملائكة رسلاً الله أعلم بأعدادهم، منهم جبرائيل وهو كبيرهم، ومنهم عزرائيل أرسل لأخذ الأرواح، ومنهم إسرافيل كلف بالنفخ في الصور، وغيرهم.
وهناك رسل الملائكة إلى الناس، فقد كان جبريل يرسل إلى نبينا وإلى الرسل كلهم منذ آدم وإلى خاتمهم نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
ومن الناس اصطفى الله آدم لأولاده وذريته، واصطفى إدريس بعده، واصطفى نوحاً وإبراهيم وذريته وسلالته: إسماعيل وإسحاق، واصطفى من سلالة إسحاق أنبياء بني إسرائيل، ومن سلالة إسماعيل نبينا ﷺ إمام الأنبياء وسيد الخلق والبشر عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥] وليس الاصطفاء برأي الناس، ولا بهوى الناس ونزواتهم ومحباتهم، فالله يجعل رسالاته حيث شاء، فيرسل من يشاء وإليه عمل كل شيء، وهو القادر على كل شيء: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء:٢٣]، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤].
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج:٧٥] سميع بأعمالنا وأقوالنا، سميع لمن أعلن التوحيد ودعا إلى التوحيد، وسميع لمن أعلن الشرك ودعا إلى الشرك وعمل به، بصير بأعمالنا، فيجازي كلاً حسب عمله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وفي ذكر هذين الاسمين في آخر الآية تهديد ووعيد لأهل الوعيد من أهل النار، وبشرى للمؤمنين المتقين بأن الله يسمع أقوالهم ويبصر أعمالهم، فيجازيهم عليها بالرضا والرحمة ودخول الجنان، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الحج:٧٦].
فالله ﷻ يعلم ما بين أيدينا وما سيتقبل من أعمالنا، ويسمع ويعلم ما نصنعه حالاً، ويعلم ما سنفعله بعد حين ويسمعه ويبصره، يسمع أقوالنا ويعلم أعمالنا مما بين أيدينا ومما هو آت، وما خلفنا مما انتهى وقد عملناه وقلناه، فلا يخفى عليه شيء، فعلمه بالماضي كعلمه بالحاضر والمستقبل لا تخفى عليه خافية ﷻ .
стр. 507
تفسير قوله تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور)
قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الحج:٧٦].
قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الحج:٧٦] أي: ما بين أيديهم في الحاضر والمستقبل، وما خلفهم مما مضى وانقضى، وعلمه بالحاضر كعلمه بالماضي وكعلمه بالمستقبل.
﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الحج:٧٦] أي: أن أمورنا ترجع إليه، فيعامل كلاً حسب عمله، فإلى الله ترجع أمورنا الصالحة، وإلى الله ترجع أمورنا الطالحة، إلى الله خيرنا، وإلى الله ما صنعنا من شر، فيعاقب هذا على عصيانه، ويحسن لهذا على إحسانه، فلا تخفى عليه خافية، والآيات كلها على نسق واحد ونظام واحد: بأن الله ﷻ دعا الناس إلى توحيده وإلى عبادته، فحبب إليهم الإيمان وكره إليهم الفسوق والعصيان، ودعاهم إلى عبادته وحده، وذم الأصنام والشرك والظلم، وأنذرهم بما حقر من معبوديهم من الأصنام التي يعبدونها دون الله، وأخبرهم بأنه يعلم كل شيء من ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، وإليه المصير، فإلى الله نرجع وإلى الله نصير: إما إلى جنة وإما إلى نار، فإن كان من أهل الخير فإلى الجنة، وإن كان من أهل الشر فإلى النار.
стр. 508
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم)
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧].
سبق أن قلنا في أول السورة: إن من خصائص سورة الحج أن فيها سجدتين، ولا يوجد سورة فيها سجدتان، وهذه السجدة قال بها الشافعية والحنابلة ولم يقل بها المالكية والحنفية؛ لأنهم قالوا: إن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج:٧٧] دعوة إلى الصلاة وليس أمراً بالسجود فقط، ولذلك ذكر الله حركات الصلاة، فذكر الركوع فيها وذكر السجود فيها، ثم عمم وذكر العبادة، وعلى أي حال لا معنى للمذهبية هنا.
فنحن عندما نسجد لله، ونضع جباهنا والمواضع السبعة من عظامنا وجباهنا وما إلى ذلك، فنحن نعبد الله ذاتاً، وقد قال ﵊: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد).
فلا معنى هنا لأن يقول مالك: أنا لا أسجد، وأن يقول الحنفي: أنا لا أسجد، ونحن نسجد على أي حال وقد دعانا الله للركوع والسجود، والإمام مالك مع جمهور الأئمة يمنعون الصلاة بعد صلاة العصر بأمر رسول الله المتواتر، يقول ﵊: (لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تشرق الشمس).
فالإمام مالك دخل مرة إلى المسجد النبوي بعد صلاة العصر فجلس، وإذا بطفل صغير بجانبه قال له: يا إمام! ألا تركع ألا تصلي؟ فذكره بتحية المسجد، فوقف مالك وركع وصلى تحية المسجد، وإذا بأصحابه يقولون له: يا أبا عبد الله رأيناك اليوم تصنع شيئاً ما سبق أن صنعته، بل دعوت لعدمه وأن الأمر النبوي بخلافه، قال الأمر كما تقولون، ولكن هذا الطفل دعاني للركوع، ودعاني للسجود فخفت أن أدخل في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات:٤٨]، فإذا كان هذا قول طفل امتثله مالك على غير رأيه واجتهاده، فما بالك والله يقول لنا: اركعوا واسجدوا؟! فنركع.
فقال الآخرون: فنحن نركع بأمر الله، ونسجد بأمر الله، ونقصد الامتثال في كل ما أمرنا به في ذلك.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٧٧] الخطاب هنا للمؤمنين؛ لأن الركوع والسجود لا يقبل إلا من إنسان قبل التوحيد، فقوله: (يا أيها الناس) كانت خطاباً للناس كلهم، وفروع الشريعة دائماً ينادى بها المؤمن؛ لأن الأصول قد أداها واعتقدها وتمسك بها، وهي التوحيد والإيمان بالرسالات.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [الحج:٧٧] أي: لازموا الصلاة وأقيموها، وهي التي فيها ركوع وسجود.
﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [الحج:٧٧] بكل أنواع العبادات كما أتى ذلك مبيناً في القرآن، وفي السنة النبوية.
﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [الحج:٧٧] بحسب الأركان الخمسة: من صلاة وصيام وزكاة وحج، ومن أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وأنواع العبادات التي لا تكاد تحصى.
﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج:٧٧] ويدخل في الخير كل أخلاق الخير، وكل الحسنات، وكل مكارم الأخلاق، وكل السير الطيبة الصالحة، ولنا الأسوة في ذلك الأعظم نبينا صلى الله عليه وعلى آله، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].
قوله: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧] أي: لازموا الركوع والسجود، ولازموا عبادة الله حسب أمر الله وأمر نبيه، ولازموا فعل الخيرات وترك المنكرات حسب أمر الله ونهيه، وحسب أمر رسوله ونهيه.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧] بعد كل ذلك ترجون الفلاح، ولكن أطلعنا علماؤنا ومفسرو كتاب ربنا بأن (لعل) في القرآن ليست للترجي ولكنها لليقين، أي: إن فعلتم ذلك ستفلحون، ونرجو الله الدوام على ذلك، وتحقيق الفلاح حقاً.
стр. 509
تفسير قوله تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم)
قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج:٧٨].
قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج:٧٨]، الجهاد معناه بذل الجهد الإنساني البشري في عمل من الأعمال، والله عندما قال: جاهدوا في الله، لم يقل بسيف ولا بقلم، قال: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج:٧٨]، فأمرنا بالجهاد فيه في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله يكون بما أمرنا الله به، وبينه رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى ذلك بذل الجهد جهاداً في سبيل الله عبادة ودعوة له بالسيف واللسان والقلم والمال والحياة وبكل ما يستطيعه الإنسان.
فنجاهد بأنفسنا عندما نطالب بذلك؛ إعلاء لكلمة الله، وصداً للكافرين، وحرباً على المنافقين، ونجاهد في سيبل الله بألسنتنا عندما تكثر البدع وأنواع الشرك والضلالات والمذاهب الوافدة الضالة المضلة، فإننا نجاهد بألسنتنا فنبين الحق ونوضحه نصاً من كتاب الله ونصاً من حديث رسول الله ﷺ ، وبما تؤكده لغة العقول السليمة، والأنفس القابلة الواعية، ونجاهد بأموالنا عطاء للفقير وللمسكين وللقريب وللسائل والمحروم.
فنجاهد في سبيل الله كل حسب استطاعته، فمن يملك المال فبالمال، ومن يملك السلطة والجاه والجيوش والجنود فبالجيوش والجنود والجاه، ومن يملك الولد فبالولد، ومن يملك اللسان فباللسان، ومن ملكه الله كل ذلك فبكل ذلك.
فليكن الجهاد لساناً، وليكن الجهاد قلماً، وليكن الجهاد مالاً، وليكن الجهاد حياة، وهكذا الله قال: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج:٧٨] أي جاهدوا الجهاد الحق، أي: استفرغوا كل جهدكم حسب قدرتكم وطاقتكم، وبعد ذلك لا نلام.
(هو اجتباكم) أي: الله اصطفانا نحن أمة محمد، فكنا خير الأمم، ونبينا خير الأنبياء، وديننا أتم الأديان وأشملها وأدومها، فأديان الناس قبلنا كانت أدياناً قومية، والرسل قبلنا كانوا رسلاً قوميين لأقوامهم خاصة، وانتهت رسالاتهم بموتهم، ونبينا ﷺ نبي العالمين لكل البشر بشيراً ونذيراً، فقد أرسل لكل من عاصروه ومن أتوا بعده إلى يوم القيامة، للعربي والعجمي، للأبيض والأسود والأحمر، في عصره وما بعد عصره، ودينه قد كمل فلن يأتي بعده دين ولن يكون دين مكانه في التمام، ونسخت به الأديان الأولى.
فاجتبانا ربنا وقال لنا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فكنا خير الأمم للأمم، وخير الإنسان للإنسان، وخير البشر للبشر؛ لأننا أمرنا أن نأمر بالمعروف كما عرفه الله ورسوله، وأن ننهى عن المنكر كما أمره الله ورسوله، وأن ندعو إلى عبادة الله الواحد لا إله إلا الله، ومن لم يفعل ذلك من المؤمنين لا يكون ضمن الخيرية.
﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج:٧٨] أي: هو اصطفاكم واختاركم وانتخبكم من بين الأمم.
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] هذا الدين الذي أمرنا به؛ دين الإسلام، ودين القرآن، ودين محمد عليه الصلاة السلام، لم يجعل فيه حرجاً علينا، فلم يضيق علينا، ولم يشدد علينا، وهكذا قال ﷺ مبيناً: (بعثت بالحنيفية السمحة).
وأرسل أميريه ليحكما اليمن، أرسل معاذ بن جبل، وأبا موسى الأشعري وقال لهما: (بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا).
فكانت دعوتهما للناس بأن يكونوا مبشرين لا يخوفون الناس، وأن يكونوا منذرين دون أن ييأسون الناس، وأن يكونوا ميسرين ولا يكونوا معسرين، وهي دعوة لكل داعية إلى الله بكلمة أو بكلام، في مجلس أو مجالس أو في جميع الحياة.
ومثال ذلك: أننا نصلي أربعاً في الحضر، ثم يسر الله علينا فنصلي ركعتين في السفر، ونحن نصلي بوضوء وقبلة وإذا بالمريض يسر عليه أن ينتقل من الماء إلى التيمم، وأن ينتقل من القيام إلى الجلوس، وإذا سافرنا عبر الطائرة نصلي ونحن في الطائرة على الرواحل، كما قال النبي ﷺ لـ بلال وهو يؤذن في الطريق إلى أحد غزواته، وكانت ظلمة وكان طين ومطر، فقال لـ بلال وهو يؤذن أن يقول: (ألا صلوا في الرحال).
وهذا من معجزات النبي ﷺ فالرحال جمع راحلة، فالطائرة راحلة، والراحلة كل ما يرحل عليها، فنحن نصلي على الرواحل النوافل كما قال الأئمة الثلاثة، وقال أحمد: نصلي الفرائض والنوافل إذا اقتضى الحال، وكان أحمد هنا أبعد نظراً، فنحن الآن عندما نكون في الطائرات لا بد من الصلاة، فقد نركبها لساعات متواصلة: قبل العصر وقبل الظهر إلى المغرب، فيجب أن نعلن كلمة التوحيد، وأن نؤذن ونصلي سواءً كان ذلك في الطائرة أو على الرواحل ونحن جلوس، ونستقبل القبلة عند التكبير ثم ندع الطائرة حيث ذهبت ونحن نصلي، وإلا كنا قد أخرنا الصلاة عن وقتها، وجمعنا الصلوات وهي كبيرة من الكبائر، وخاصة صلاة العصر التي قال عنها المصطفى ﷺ (من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله).
وقال: (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله).
فنصلي باستمرار، وندعو من معنا أن يصلي بنا، وأحياناً نأمر من يقف عند المكبر في الطائرة فيؤذن ويقيم ونصلي ونحن جلوس، فإن لم تجد ماء وكان الماء قليلاً للشرب فقط فيمكن أن يتيمم الإنسان بحجر، أو يمسح على الجورب إن كان قد لبسه وهو على طهارة كالخف، ويكتفي بغسل وجهه مرة، ويديه مرة، ومسح الرأس والمسح على الجورب، وهكذا يكون قد قام بدين الله ودعوة الله في الأرض، وفي البحر وفي الجبال، وفي الوهاد، وفي الأجواء، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤].
قال ﷻ وعز مقامه: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨].
(ملة) أي: كملة، نصبت على حذف الخافض.
﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ﴾ [الحج:٧٨]، والإسلام لم يرسل للعرب فقط، فقد أرسل للعرب والعجم وغيرهم، والقرآن أرسل به نبينا ﷺ لكل الناس، وأبيكم هنا المقصود بها أبوة الحقيقة للعرب، وهي أبوة للمسلمين عموماً أبوة احترام، كما قال النبي عليه الصلاة السلام للمسلمين: (أنا لكم كالوالد للولد)، وكما قال عن نسائه: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦].
فأزواج رسول الله أمهات جميع المسلمين، وليست أمومة نسب أو دم، ولكنها أمومة احترام وتعظيم وإجلال، وهكذا أبوة إبراهيم فإنها لكل مسلم.
﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ﴾ [الحج:٧٨] زعم بعض المفسرين أن المقصود بقوله: (هو سماكم المسلمين) أي: إبراهيم الذي سمانا، والآية لا تسمح بذلك، فالآية تقول: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [الحج:٧٨] المقصود بقوله: (في هذا) أي في القرآن، وإبراهيم ما سمانا في القرآن، فإن القرآن لم ينزل أيام إبراهيم، ولكن المقصود هو الله ﷻ ، فهو الذي سماكم المسلمين من قبل، أي من قبل محمد، ومن قبل القرآن المنزل على محمد، وفي الأديان السابقة، وهذا من كرامة المسلمين على الله، وكرامة نبيهم على الله: أن ذكرنا الله في التوراة، وذكرنا في الإنجيل، وذكر نبينا محمد باسم أحمد في الكتب السابقة: ﴿يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦]، وقد حكى الله عن شريعتنا، وعن ديننا، وعن أخلاق أصحاب نبينا، وعن الصالحين الزهاد العباد من المؤمنين.
﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨] فالله ﷻ تكلم عنا في التوراة والإنجيل وفي الأديان السابقة، إشادة بنبينا، وباتباع نبينا وهو إشادة بنا.
﴿وَفِي هَذَا﴾ [الحج:٧٨] أي: القرآن، فالله سمانا المسلمين في القرآن، والله سمانا المسلمين من قبل، وليس معناها أن إبراهيم سمانا في القرآن، فإن هذا ليس صحيحاً؛ لأن القرآن لم يكن موجوداً أيام إبراهيم، والقرآن ما أنزل إلا بعد البعثة المحمدية، وهكذا أكد ابن جرير، وابن كثير، وجماهير المفسرين تخطئة من قال: إن من سماكم المسلمين هو إبراهيم.
﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨] أي: قبل نزول القرآن، وقبل إسلامنا، وقبل بعثة نبينا، سمانا من قبل في الكتب السابقة المسلمين، (وفي هذا) أي: في القرآن الكريم.
والنبي يقول ﵊: (دعوها فإنها منتنة) أي الدعوات القومية، وقولوا بما سماكم الله به أيها المسلمون! فالله سمانا مسلمين وسمانا مؤمنين وسمانا عباداً.
стр. 510
تفسير سورة الحج [٧٨]
أمر الله تعالى عباده المسلمين بأن يجاهدوا فيه حق الجهاد، فيبذلوا المال والنفس والغالي والنفيس في سبيل نصرة دين الله.
وهو تعالى هو الذي سمى المسلمين بهذا الاسم قبل أن يرسل رسوله، وقبل أن ينزل كتابه، ليكون الرسول شهيداً على هذه الأمة يوم القيامة بتبليغها الدين والرسالة، وتكون هذه الأمة شهيدة على الأمم السابقة بأن أنبياءها قد بلغوها ونصحوا لها.
стр. 511
تفسير قوله تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده)
قال الله جلت قدرته: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج:٧٨].
قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج:٧٨] يأ مرنا الله ﷻ فيه أن نجاهد ونبذل من أنفسنا الجهد في سبيل الله وطاعته وإعلاء كلمته، ويأمرنا أن نجاهد بالألسن والسيوف والأموال، وأن نجاهد أعداء الله الكافرين والمنافقين بكل ما نملك؛ لتكون كلمة الله هي العليا.
قال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج:٧٨] أي: هو اصطفاكم واختاركم من بين الأمم، فخيرها وأشرفها وأكملها أمة خير نبي، وأمة خير دين وأشمله.
قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
فأكثر الأمم دخولاً الجنة أمة محمد ﷺ ، ودينها أشمل الأديان وخيرها وأقربها يسراً وأبعدها عسراً.
قوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) أي: لم يجعل في دين الإسلام ضيقاً ولا حرجاً ولا شدة، ولم يجعل فيه إصراً كما كان على الأمم من قبل، وقد قال نبينا ﵊: (بعثت بالحنيفية السمحة).
وأرسل ﵊ أميرين على اليمن: معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري، وقال لهما: (يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا).
قال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨] أي: كان دينكم الذي بعث به نبيكم محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم بما فيه من اليسر، وعدم الحرج والضيق، كملّة ودين أبيكم الأعلى إبراهيم، أبي عرب الحجاز وأبي المسلمين جميعاً أبوة احترام وإجلال، كما قال تعالى عن أمهات المؤمنين: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦]، فهن أمهات المسلمين جميعاً لا لنسب ولا دم، ولكنهن أمهات إجلال وإكبار واحترام، وهكذا أبوة إبراهيم لعامة المسلمين.
قال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [الحج:٧٨].
فهم الكثيرون أن إبراهيم الخليل ﵇ هو الذي سمانا المسلمين قبل خروجنا، وقبل ظهور نبينا صلى الله عليهما وسلم، ولكن المعنى لا يستقيم؛ لأن قوله: (وفي هذا) أي: في هذا القرآن، وإبراهيم لم يكن وقت نزول القرآن، إذ القرآن لم ينزل إلا على نبينا ﷺ ، فيبقى المعنى كما قال جمهور المفسرين: هو سماكم أي: الله ﷻ .
إذاً: سماكم الله مسلمين من قبل خروج النبي ﷺ وبروزه نبياً ورسولاً للعالمين، ومن قبل مجيء عصركم، ومن قبل نزول القرآن الكريم، كذلك سماكم الله المسلمين في ملل الأنبياء المتقدمة، وفي الكتب السابقة: الزبور والتوراة والإنجيل، وبشر بنبيكم وسماه أحمد، وبشر برسالتكم وسماها الإسلام، وكان ﷺ مذكوراً عنه في الكتب السابقة أنه يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويرفع الإصر والآثام، ويرفع ما كان من ثقل في الأديان السابقة، يرفع ذلك عن أمته.
قال تعالى: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ [الحج:٧٨].
سمانا الله ﷻ المسلمين؛ ليشهد علينا يوم القيامة نبينا أمام الخلائق كلها عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم بأنه قد بلغنا رسالته، وأمرنا بدينه، وبلغنا ما أوحاه الله من كتابه، وبينه تبياناً كاملاً بحيث لم يترك فيه عوجاً ولا أمتاً ولا جهالة ولا غموضاً؛ ولنكون نحن كذلك، كما قال تعالى: ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج:٧٨] أي: وتكونوا أيها المسلمون شهداء على الأمم السابقة يوم القيامة: بأن أنبياءهم ورسلهم بلغوهم الوحي والدين، وبلغوهم ما أوحي في الكتب السابقة: من صحائف إبراهيم وزبور داود وتوراة موسى وإنجيل عيسى.
فالرسول يشهد علينا أنه قد بلغنا الرسالة، وأدى الأمانة، ونحن نشهد بذلك، كما شهد بذلك سلفنا الصالح يوم خطب فيهم ﵊ خطبة الوداع، يوم ودع الناس وقال وهو يحج: (لعلكم لا تروني بعد عامي هذا) فكان خطيباً مودعاً ﷺ ، ثم قال لهم: (هل بلغتكم؟) فقالوا: نشهد أنك بلغت الأمانة، وأديت الرسالة، فأخذ يرفع ﷺ سبابته إلى السماء ثم يشير إليهم وهو يقول: (اللهم اشهد اللهم اشهد).
ونحن نشهد شهادة الحق بما بلغنا عنه وعن آبائنا وأجدادنا وشيوخنا، وما وصل إلى أيدينا من الكتاب المنزل عليه، ومن سنته المبينة المفسرة.
قوله: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج:٧٨] أي: على غيرنا من الأمم السابقة والشعوب الماضية من أتباع الأنبياء السابقين.
قال تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ [الحج:٧٨].
اشكروا نعمة الله عليكم بما أكرمكم به، حيث كنتم خير الأمم لخير نبي، ولخير رسالة وأدومها وأشملها، فاشكروا الله بما أمركم به من عبادته، ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [الحج:٧٨] أي: فلتكن عبادتكم وشكركم لله بإقامة الصلاة والمحافظة عليها في أوقاتها، والقيام بأركانها وواجباتها وسننها، وبالمحافظة على خشوعها وذكرها وحركاتها، فحافظوا عليها ليلاً ونهاراً؛ شكراً لله على ما اصطفاكم وأكرمكم به.
قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [الحج:٧٨] أي: قوموا بحق الله شكراً لما أولاكم به، وأدوا حقوق عباد الله شكراً لله، لما أمركم الله به من القيام بحقوق الناس: الفقراء والمساكين والمحتاجين والسائلين والمحرومين، والزكاة لم تجب بحصصها وتفاصيلها إلا في السنة الثانية من الهجرة في المدينة المنورة، وهذه الآية مكية فإن قيل: كيف ذلك ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [الحج:٧٨] والزكاة لم تفرض إلا بعد ذلك؟ ف
الجواب
قال المفسرون: فرضت الزكاة في مكة ولم تقيد بأنصبة، ولا بحول ولا بنوع، وإنما هي صدقات ونفقات للسائل والمحروم، ولذي الرحم وللقريب وللفقير وللمحتاج وللعائل، فكانت أمراً بإحسان، وأمراً بإنفاق.
وعندما هاجر ﷺ إلى المدينة فرضت بحولها ونصابها.
وكذلك تفسر الزكاة هنا بزكاة النفس وتطهيرها من الدنس والشرك والمعاصي، فيصير المعنى على هذا: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الحج:٧٨] أي: عبادة لله، ركوعاً وسجوداً وقياماً وتلاوةً وذكراً، وتكبيراً وتسليماً.
﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [الحج:٧٨] أي: آتوا زكاة أنفسكم: بتصفيتها عن الزلات، وعن الدنس والشرك والمعاصي، وكل ذلك صحيح، وكل ذلك تشمله الآية.
قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ [الحج:٧٨] أي: اجعلوا الله عضدكم ووكيلكم واجعلوا الله من تصيرون إليه، ولا تبتغوا عزاً بغيره، ولا ملجئاً من سواه ﷻ وعز مقامه.
ولا يليق بالمسلم أن يعتز بغير الله، ومن اعتز بغير الله ذل.
قال تعالى: ﴿هُوَ مَوْلاكُمْ﴾ [الحج:٧٨] أي: الله ناصركم ووليكم وحافظكم، ومن كان الله مولاه فلا يخاف ذلاً ولا غلبةً ولا هواناً.
قال تعالى: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج:٧٨].
أي: فالله هو نعم الولي للمؤمنين والناصر والمرجع والمعاد والنصير لهم من كل ظلم ظالم وعداء عدو وكفر وكافر وشرك مشرك، و (نعم) أي: ما أنعمه وما أكرمه وما أجله، ﷻ وعز مقامه.
وبهذا نكون -ولله الحمد والشكر بكل جوارحنا وخلايا أجسامنا- قد ختمنا سورة الحج.
زادنا الله علماً وعلمنا منه ما جهلناه.
وصلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 512
تفسير سورة المؤمنون [١ - ٧]
سورة المؤمنون من السور المكية، سميت بهذا الاسم لما في بدايتها ونهايتها وخلالها من ذكر صفات المؤمنين.
والآيات الأولى من هذه السورة ذكر الله تعالى فيها صفات المؤمنين المفلحين، فذكر من صفاتهم الخشوع في الصلاة، والإعراض عن اللغو، وأداء الزكاة، وحفظ الفروج عن الحرام، والمحافظة على الصلوات، فمن اتصف بذلك فهو من المؤمنين المفلحين الوارثين للفردوس.
стр. 513
بين يدي سورة المؤمنون
سورة المؤمنون سميت بهذا الاسم لما في بدايتها ونهايتها وخلالها من صفات المؤمنين حقاً، وأن الإيمان ليس قولاً يقال فقط، بل هو قول باللسان، وعقد بالجنان، وعمل بالأركان، فإن خلا عن الجنان كان نفاقاً، وإن خلا عن الأركان كان فسقاً، وإن خلا عن اللسان كان كفراً، والقلوب الله أعلم بها.
ولا يتم إيمان المؤمن حتى يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، يقولها لسانه، ويعتقدها بجنانه، ويصدق القلب اللسان واللسان القلب، وتعمل الجوارح بما يدل على صدقه ويقينه.
﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر:١ - ٣]، وكثيراً ما وصف الله المؤمنين أنهم يعملون الصالحات، وهي القيام بالأركان والصفات الآتية التي سنقولها في العشر الآيات المتتاليات على نسق واحد.
وهذه السورة مكية، أي: نزلت على نبينا ﵊ في مكة المكرمة، وفيها مائة وتسع عشرة آية، وعرفت أنها مكية بما ثبت عن الأصحاب أن النبي ﷺ قرأ بها في مكة في صلاة الصبح، وإذا به وهو عند ذكر قصة فرعون مع موسى وهارون تأخذه سعلة، فيقطع بقية التلاوة في السورة ويركع.
وهذه السورة الكريمة المكية قال عنها رسول الله ﷺ كما جاء عن عمر بن الخطاب فيما رواه عنه أصحاب السنن، قال عمر: (كان إذا نزل الوحي على رسول الله ﷺ سمعنا عند وجهه الشريف دوياً كدوي النحل، فنزل عليه مرة فلبث ساعة ثم رفع رأسه وقرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ١١].
فتلا ﷺ هذه الآيات العشر ثم قال: نزلت علي آيات عشر من قام عليها دخل الجنة).
أي: من أقامها وتخلق بأخلاقها والتزم بها كان المؤمن حقاً، ومكافأته من الله وجزاؤه أن يدخل الجنة خالداً مخلداً فيها.
وسئلت السيدة عائشة رضوان الله عليها: (ماذا كان خلق رسول الله ﷺ ؟ فقالت للسائل: ألم تقرأ القرآن؟ قال: بلى، قالت: إن قرأت فأعد القراءة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] وإلى أن أتمت الآيات العشر، قالت: كان خلق رسول الله القرآن).
أي: كان متصفاً بهذه الصفات النبيلة الكريمة التي وصف الله بها رسله وعباده المصطفين الأخيار، وكان كما قال الله عنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، وكان كما قال الله عنه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، واذكر مع هذا كل ما ورد ونزل عن الله ﷻ على قلب محمد ﷺ .
وورد في السنن أن الله يقول في الحديث القدسي: (إني خلقت الجنة بيدي، جعلت لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها المسك) أي: أن الطين الذين يجمع به كان مسكاً، (ثم قال للجنة بعد أن خلقها بيده: تكلمي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢]).
стр. 514
تفسير قوله تعالى: (قد أفلح المؤمنون)
ووقع التنويه بالمؤمنين في سورة المؤمنين من البداية، وذكرت الآيات العشر صفات المؤمنين الذين هم مؤمنون حقاً منذ البداية، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] (قد): حرف تحقيق وتأكيد، وكانت تكفي: ﴿أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] فأفلح: فعل ماضي دل على أن فلاح المؤمنين قد تم عندما يتخلقون ويتحلون بهذه الأخلاق والنعوت والصفات، ولكن الله ﷻ أكد هذا المعنى من الفلاح والفوز والظفر بالجنة ودخولها حققه وأكده بأداة (قد)، وما دخلت (قد) على فعل ماضي إلا حققت معناه ومفهومه، ومعنى: قد قامت الصلاة، أي: قد فرض الله قيامها وأوجبه على كل إنسان، ولا تقبل إلا من مؤمن.
فالإيمان شرط صحة في عمل العبادات والقيام بها، ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] أي: حقاً وتأكيداً أن المؤمنين قد أفلحوا، والفلاح: هو الظفر والسعد والحظ والنجاح، أي: أن المؤمنين في دنياهم بعد أن تعبوا عبادة وسهراً وعملاً بالحلال وتركاً للحرام، وتعبوا التزاماً بما أمر الله به من أنواع العبادات، وقاموا لله متهجدين والناس نيام، ويقولون: يا رب وهم يسجدون ويركعون، ويضرعون ويخنعون، فهؤلاء عندما يذهبون إلى ربهم يكونون قد نجحوا في عملهم، وفازوا وسعدوا بوراثة الجنة خالصة لهم من دون الناس.
стр. 515
تفسير قوله تعالى: (الذين هم في صلاتهم خاشعون)
قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢].
أول صفة صلاح هي الخشوع في الصلاة، وقد جاءت بعد اتصافهم بالإيمان، ويوصف بالإيمان كل من نطق بشهادة التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم يأتي بعدها الصلاة.
وقد سئل ﷺ كما في الصحيحين: (أي عمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قيل: ثم أي يا رسول الله؟! قال: بر الوالدين، قيل: ثم أي يا رسول الله؟! قال: الجهاد في سبيل الله).
فالصلاة تأتي بعد الشهادتين، وبر الوالدين بعد الصلاة، والجهاد يأتي بعد التوحيد وبعد الصلاة وبعد بر الوالدين، ومن البر إذا كان الولد وحيد أبيه وأمه ألا يحج، وحجه خدمة أبيه وأمه، فقد جاء إلى النبي ﷺ شاب يقول له: (يا رسول الله! أريد القتال والجهاد معك، قال: ألك أبوان؟ قال: لي أم، قال: إن الجنة عند قدميها) أي: الزمها، فجهادك وما تريد من شهادة وما تريد من فوز بالجنة هو في ملازمة قدميها خدمة وطاعة وبراً.
﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:٢] وصف المؤمنون بأول وصف بعد الإيمان وبعد النطق بالشهادتين واليقين بالجنان أن يكونوا مصلين، وهم خاشعون في صلاتهم، والخشوع: هو سكون الجوارح، والأدب، واستشعار الوقوف بين يدي الله.
والكثير من البدو والأعراب وممن لا يعلم صلاته ولا دينه لا يتذكر لحيته، ولا يتذكر العقال، ولا يتذكر الهندام إلا وهو يصلي، فتجده يصلي وهو يتلاعب بيديه وبجسمه وبحركاته، وقد رأى النبي ﷺ مصلياً يصلي وهو يعبث بلحيته فقال عنه: (لو خشع قلب هذا لما عبثت يده بلحيته)، ومعنى ذلك أن الخشوع هو السكون.
وكان الصحابة في الصلاة يرفعون أبصارهم إلى السماء، وينظرون يميناً وشمالاً ولو لم يلتفتوا، فورد المنع من ذلك، فالخشوع هو سكون الأعضاء جميعاً، والخشوع هو تفرغ القلب للصلاة وما تصنعه فيها، والخشوع هو النظر إلى مكان سجودك؛ حتى لا يشغل بصرك بغاد ولا رائح، والخشوع هو أن تخشع حواسك؛ لتفهم ما أنت داخل عليه وما أنت حال فيه، فعندما تقول: الله أكبر فإنك تصغر غير الله، فكل مخلوق صغير أمام جلال وعظمة الله، فتتفهم معناها وتتفهم معاني سورة الفاتحة، وهكذا في التسبيح والتعظيم والجلوس والاستغفار، وكل تلاوة الصلاة وذكرها وتكبيرها تخشع فيه؛ لتتفهم معناها، وأن تهدأ أعضاؤك خاشعاً ذليلاً بين يدي ربك، قاصراً نظرك إلى محل السجود.
стр. 516
تفسير قوله تعالى: (والذين هم عن اللغو معرضون)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٣].
هذه هي الصفة الثانية، واللغو هو الباطل، فيشمل باطل الشرك، ويشمل باطل القول والعمل وكل المعاصي وكل المآثم التي صنعتها يدك أو نطق بها لسانك، فكل المعاصي تعتبر باطلاً، وكل عبث يعتبر باطلاً، وأبطل الباطل وأعظمه هو الشرك بالله، ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٢ - ٣] أعرضوا عنه: تركوه خلفهم ظهرياً، ولم يتلبسوا به قولاً ولم يتلبسوا به عملاً، ولم يلتفتوا إليه وشغلوا أنفسهم بالحق، فالله هو الحق، وقوله الحق، وما أرسله الحق، وشريعته الحق، فيشغل نفسه بالحق عن الباطل، فكل ما سوى الله باطل، وليس الحق إلا ما أمر به عبادةً أو رسالةً أو رسولاً أو عملاً صالحاً.
стр. 517
تفسير قوله تعالى: (والذين هم للزكاة فاعلون)
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون:٤].
وكذلك نقول في الزكاة هنا ما قلناه في الآية السابقة في ختم سورة الحج، وهذه الآية مكية كبقية السورة، والزكاة لم تجب في مكة، ولكن فقهاءنا وعلماءنا وسلفنا الصالح من مفسري كتاب الله قالوا: الزكاة كصدقة الزكاة كنفقة الزكاة كعطاء الزكاة كشفقة على الفقير والمسكين والسائل والمحروم وجبت أيضاً في مكة ولم تحد بحد، وما حددت بالنصاب وبالحول وما حددت أنواعها من ذهب وورق وحراثة وتجارة وما إلى ذلك إلا في السنة الثانية من الهجرة.
ويمكن أن تفسر الآية مع ذلك أنهم الذين يزكون أنفسهم، أي: يطهرونها من الدنس ومن الشرك والآثام، ولنقل كلمة عامة تعم كل ذلك: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون:٤] أي: فعلوا الزكاة مالاً وعطاء، وفعلوا الزكاة تطهيراً للنفس، وإزالة لأنجاسها وأرجاسها وآثامها، وذلك من صفات المؤمن التي نوه الله بها في هذه السورة في البداية.
стр. 518
تفسير قوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون)
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٥].
الفروج: جمع فرج، وأصل الفرج الشق، يقال عن الشق في الثوب مثل الجيب أو نحوه، يقال عنه الفرج، والكلمة كانت في الأصل كناية عن سوءة الرجل والمرأة، ولكن مع طول الاستعمال أصبحت علماً بالغلبة.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٥] أي: حفظوا فروجهم عن الزنا واللواط، وحفظوا فروجهم عن أن يكشفوها إلا لما أحل الله من طلب الذرية، وحفظوها إلا في المكان الذي أمر الله وأذن الله فيه، فلا يجوز إلا في القبل ومن أي جهة شاء الزوج أو شاء السيد والمالك، وأما في الأدبار فلا يجوز في الزوجة ولا الأمة.
وقد ورد في ذلك: (اقتلوا الفاعل والمفعول) إن كان ذلك في غير زوجة وفي غير أمة، وأما إذا كان عند الزوجة أو الأمة فلها الحق أن تمنعه، ولها الحق أن ترفع عليه قضية ليعزر، وما ينقل في جواز ذلك عن بعض الأئمة فهو كذب وزور وبهتان، وهو كذب على الأئمة والسلف الصالح، وما يذكرون من ذلك أن ثم كتاباً لأحد الأئمة اسمه كتاب السر أذن فيه بذلك وأحله، فليس الحلال لأحد، والإمام من الأئمة ومن نسبوه له كذبوا عليه فيه، وقد كذبوا على الأنبياء ألا يكذبون على العلماء! وأما قول الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] فتفسير هذه بالإطلاق في المرأة أن يأتيها الإنسان قبلاً ودبراً جهل وضلال في التفسير، وعدم معرفة بالقرآن ولا بكلمات العربية لا مفردات ولا جمل، قال الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ﴾ [البقرة:٢٢٣] وهل الدبر يحرث ويزرع ليلد؟ أين الحرث من المرأة أليس في قبلها؟ أليس الماء والاتصال هو الحرث؟ أليس الولد هو الزرع لذلك الحرث؟ وماذا في الأدبار من حرث ومن زراعة ومن إنبات؟! ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] أي: ائتوا الحراثة كما شئتم من خلف وأمام في مكان القبل؛ لأن اليهود كانوا يقولون في ذلك العصر: من أتى امرأته على هيئة خاصة فإن الولد يخرج أحول، فكان الأنصار: الأوس والخزرج يتأثرون بذلك ويتعبون زوجاتهم في بعض الحركات في ذلك، فبلغوا رسول الله بذلك وسألوه، فنزل قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣].
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٥] أي: يحفظونها ويصونونها عن الحرام ولوجاً أو سطحاً أو كشفاً أو بأي صفة من الصفات، ومن امتنع من ذلك فالجزاء في ذلك عظيم شديد، من أتى الفروج حراماً إن كان عزباً فمائة جلدة وتغريب عام، وإن كان محصناً متزوجاً وليس من الضروري وقت الفساد ووقت الزنا أن يكون متزوجاً، بل يكفي أن يكون قد تزوج يوماً ثم ماتت زوجته وأصبح أرمل أو طلق، ففي هذه الحالة يعتبر محصناً، وعندها يرجم بالحجارة حتى الموت ولا كرامة، وقد رجم ﷺ نساء ورجالاً، ورجم الخلفاء الراشدون الأربعة، ورجم السلف الصالح، وقد أقيم الرجم في هذه الديار قريباً، ولعل هذا الحكم قد ألغي فيما ألغي من شريعة الله في بلاد المسلمين، وهو من جهلهم ومن ضياعهم ومن فساد محاكمهم وقضاتهم ومجتمعاتهم.
стр. 519
تفسير قوله تعالى: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين)
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٦].
أي: إلا حفظ الفروج عن الزوجة التي استباحها المؤمن بكلمة الله ورسوله، وبشاهدي عدل، وبولي وبمهر، فحينذاك فالزواج والنكاح سنة الأنبياء والمرسلين، بل قد يكون الزواج واجباً عند الكثير من الأئمة.
﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٦] الأيمان جمع يمين وهي اليد، وهي كناية عن الإماء المملوكات نتيجة الغزو ضد الكفر فانتصر فيها المسلمون، وأخذوا بناتهم ونساءهم أسرى نتيجة الحرب التي انتصروا فيها، وهذا إن شاء رئيس الدولة والإمام المسلم ذلك ورأى المصلحة في ذلك، فإن لم ير ذلك فلا استعباد ولا أسر، واليوم قد اتفقوا على إلغاء الرقيق ونعم ما فعلوا؛ لأننا في ذلنا وهواننا مع أعدائنا إذا أسرنا منهم الألف فسيأسرون منا المليون، وتكون المصيبة كبيرة والبلية طامة وعظيمة.
إذاً فالأمة تكون نتيجة حرب المسلمين ضد الكفار وليست ضد المسلمين، ولو كان باغياً وشاقاً للعصا فليس في حرب العصاة والبغاة استرقاق، فللمسلم أن يحارب أخاه المسلم ريثما يئوب ويخضع، فإذا خضع فلا يتبع جريح، ولا يغنم غنائم لا من ماله ولا من عياله من باب أولى، وإنما يتخذ الكراع والسلاح، أي: تؤخذ الدواب التي حارب عليها، ويؤخذ السلاح الذي حارب به، وأما المال فلا يؤخذ، وأما النساء فلا يؤسرن، ولا يكون ذلك إلا في القتال مع الكافرين، فإن لم يكن هذا كذلك فهن الحرائر قد أخذن واستبحن زناً وفساداً بما لا يرضي الله، وبما حرفوا فيه الكلم عن مواضعه كتحريف اليهود.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٦] أي: إلا حفظ الفروج على النساء الزوجات وعلى الجواري والإماء الرقيق فإنهم غير ملومين، فلا يلام الإنسان أن يأتي زوجته، بل هذا حق من حقوقها إن لم يفعل فإنها ترفع عليه قضية، فليست هي أخته ولا حريمه، وما جاءت إلا لذلك، وبذلك يتم النسل، وتتابع ذلك إلى يوم يريد الله القضاء على الدنيا وفنائها، فهم لا يلامون ولا يعاتبون ولا يمنعون، بل لهم الحق في ذلك.
فالذي أذن الله به، والذي لا يلوم الله عليه أن تأتي زوجتك في مكان الحرث منها ومكان الولادة، وما سوى ذلك فهو اعتداء وظلم وفساد، عليه التعزير فيه، فتأتي زوجتك في المكان المشروع، والزوجات التي أباح الله هن إلى حدود الأربع.
وأما المحارم فإتيانها جريمة مضاعفة يقتل الفاعل، سواء كان عزباً أو كان محصناً، فمن تجاوز الحرمتين، وقد تزوج رجل امرأة أبيه فأرسل النبي ﷺ له من أتاه برأسه؛ لأن الزواج بامرأة الأب حرام، فهي جريمتان، وقد قال ﷺ : (من تجاوز الحرمتين فاقتلوه)، وبقي ذلك الشرع الواضح لمن تزوج حريمته عن علم بذلك لا عن جهل ولا عن شبهة، من تزوج حريمته فإنه يقتل، ومن أتاها فإنه يقتل؛ لأنه تجاوز أيضاً حرمتين: فالزنا حرام وإتيان الحريم حرام حرمة ثانية، أي: التي حرمت عليه دماً أو رضاعاً.
стр. 520
حرمة زواج المتعة
قوله: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٦] هنا قال فقهاؤنا: يحرم بنص هذه الآية زواج المتعة؛ لأن زوجة المتعة فيما قالوا: ليست زوجة، فالله أباح الزوجات والإماء، والمتمتع بها ليست زوجة، وزواج المتعة قد أبيح مرة ثم حرم، ثم أبيح ثم حرم، أبيح في غزوة خيبر ثم حرم بعد ذلك، وأبيح في غزوة الفتح ثم حرم بعد ذلك، وقد قال ﷺ كما في صحيح مسلم: (حرم زواج المتعة ولا يحل إلى يوم القيامة)، وعلى ذلك إجماع المسلمين من أهل السنة.
وزواج المتعة: هو زواج موقوت، بمعنى أنه يتزوج لشهر أو لشهرين فإذا تمت تلك المدة المقدرة فإنه يفسخ النكاح بعد ذلك بلا حاجة إلى أن ينطق بطلاق، قالوا: ولا توارث بينهما، قالوا: ولا نفقة في ذلك إلا ما يعطيه من مهر، وفيما عدا ذلك هو كالزواج لابد من الاستبراء أولاً والاستبراء ثانياً، فالولد إذا حملت هو لمن متعها وتزوج بها زواج متعة، وأما الزواج فهو في الأصل للديمومة وللأبد، والله قد أحل الطلاق وإن كان قد قال عليه: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق)، فما دام الطلاق في يده فله أن يطلق في أي وقت شاء، ولا يسأل لماذا طلق؟ فقد يكون طلاقه لشيء إذا ذكره قد يضر بالمرأة، وما يريد اليوم بعض الفسقة ممن يريدون أن يضيقوا الطلاق إلا بطلاق القاضي وإذنه فهذا باطل؟ فهؤلاء يرغبون في أن تكشف أعراض المسلمات، وأن يأتي الزوج ويقول: هو يتهم زوجته، ويقول عنها كذا وكذا فيكون قد قذفها وأفسدها على من يريد زواجها بعده، ويكون قد جعل أولادها سبة وعاراً للأبد أن أمهم طلقت لكذا من أمور الفساد، ومن أجل هذا المعنى فالله يحب الستر، فالطلاق طلاق ولا يسأل لماذا، فقد يكون -وهذا في الأغلب- سبب الطلاق عدم موافقة الأخلاق، وعدم موافقة السيرة، أو تعاظم المرأة على الرجل، أو تعاظم الرجل على المرأة فلا ينفق عليها، وهذا يسمى خلعاً إن هي طلبت الطلاق، ولها ذلك بشروطه وقيوده، وسيأتي تفصيله.
فالزواج السني إذاً هو للديمومة، والطلاق بيد الرجل، وإتيان الجواري بملك اليمين، فالملك نفسه يعتبر محلاً للنكاح، وهو كالزوجة ماؤه خاص بها لابد من الاستبراء أولاً وأخيراً، ومعنى الاستبراء أن تستبرئ المرأة رحمها بأن تنتظر الجارية قرءاً، والمطلقة قرئين أو ثلاثة، والمتوفى عنها زوجها العدة التي تقضيها حداداً، فإن ظهر الحمل فإلى أن تلد؛ ليستبرئ رحمها ويكون بريئاً من ماء غيره ومن حمل غيره.
стр. 521
تفسير قوله تعالى: (فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون)
قال تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٧].
فمن أراد ألا يحفظ فرجه، وأن يكشف فرجه، وأن يأتي فروج غير الزوجات وغير الإماء المملوكات له، فإنه يعتبر عادياً معتدياً ظالماً فاسقاً مرتكباً للحرام، وعلى فاعل ذلك ما قص الله في كتابه وما شرحه نبيه في سنته: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، وورد ما نسخ لفظه وبقي معناه: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)، (الشيخ والشيخة) قال الإمام مالك: المحصن والمحصنة، المتزوج والمتزوجة، إذا هما زنيا فليرجما، فقد كانت هذه التي تلوتها الآن آية، فنسخ لفظها وبقي معناها.
والمنسوخ في القرآن أنواع: فمنه ما نسخ لفظه ومعناه، ومنه ما نسخ معناه وبقي لفظه، ومنه ما نسخ لفظه وبقي معناه كهذا الذي قلته، وأكد هذا نطق رسول الله ﷺ برجم المحصن فيما تواتر عنه، ورجمه للمحصنات والمحصنين وهم مجموعة من النساء والرجال من المسلمين وأهل الكتاب، ورجم أبو بكر ورجم عمر ورجم عثمان ورجم علي، وقد قال ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ)، فهي شريعة بالكتاب وبالنطق النبوي وبالعمل النبوي وبعمل الخلفاء الراشدين، وما أنكر ذلك إلا الضالون المبتدعون.
﴿فَمَنِ ابْتَغَى﴾ [المؤمنون:٧] أي: فمن أراد ابتغاء، فهذه لغة حجازية: أبغي وما أبغي، ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون:٧] أي: فمن أراد ما زاد على ذلك مما ليس بزوجة ولا أمة ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٧] من عدا يعدو إذا ظلم واعتدى، فأولئك هم الظالمون المعتدون المرتكبون في فعلهم الحرام الذي استوجبوا به الحد، فحد العزب الجلد ونفي عام، وحد المحصن الرجم حتى الموت.
стр. 522
حكم الاستمناء
وبهذا أخرج علماؤنا -كما قلت- زواج المتعة، وأخرجوا شيئاً آخر قذراً لو لم يكن ممنوعاً أو حراماً لكان دناءة وخسة، وهو ما يسمى بجلد عميرة، وهو بالاستمناء باليد، وقد حرمه مالك والشافعي وحرمة جماهير من العلماء، واستدلوا بهذه الآية، وإن كان البعض قد حاول أن يتساهل فيه فقالوا: هي جلدتك فالعب بها كما تشاء، وهذا كلام غير مستقيم، زيادة على ما في ذلك من الضرر على البدن والجسم، والعجب أن فعل ذلك قد يفسده في المستقبل على زوجته، وقد يفسده في صحته، وفاعل ذلك عادة يظهر في وجهه، وقد منعه علماء آخرون بقطع النظر عن النصوص، وقالوا: لا يفعل ذلك ذو مروءة، ولا يفعل ذلك إنسان يحترم نفسه ويحترم إنسانيته وآدميته، وسموه ناكح يده، ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٧].
стр. 523
تفسير سورة المؤمنون [٨ - ١٢]
ذكر الله تعالى في هذه الآيات بعض صفات المؤمنين المفلحين، فذكر من صفاتهم أنهم يرعون الأمانة والعهد ويحفظونهما، ومعلوم أن ترك ذلك من صفات المنافقين.
وذكر من صفاتهم أيضاً المحافظة على الصلوات، فمن قام بتلك الصفات كان من ورثة الفردوس هم فيها خالدون.
стр. 524
تفسير قوله تعالى: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون:٨].
هذه الصفات النبيلة الكريمة وصف الله بها المؤمنين حقاً الذين إن فعلوها استوجبوا الجنة، ولا يجب على الله شيء، ولكنه هو الذي أوجب على نفسه ذلك ﷻ وعز مقامه، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ﴾ [المؤمنون:٨] الأمانات: جمع أمانة، وقرئ بالمفرد (والذين هم لأمانتهم وعهدهم راعون)، والأمانة تختلف فهناك أمانة إلهية، وأمانة بشرية، والأمانة الإلهية هي كل ما ائتمننا الله عليه، فقد ائتمننا على كلمة التوحيد، وائتمننا على ما أمرنا به من صلاة وزكاة ومن فعل الأركان الخمسة جميعها، وعندما نقول: أشهد أن لا إله إلا الله كان عهداً بيننا وبين ربنا والتزاماً بيننا وبين ربنا أن نقوم بالأمانة التي عرضها الله على السموات والأرض فأبينها وأشفقن من حملها وعجزن عن حملها، وحملها الإنسان، فالأمانة هي التوحيد، وهي العبادة والطاعة والعهد.
وكذلك نحن عندما قلنا: لا إله إلا الله فإنها عهد مع الله، وأمانة احتفظنا بها كي نقوم بصفة المؤمن كما وصفه الله، وأن نفعل ذلك جهدنا، كما قال لنا: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج:٧٨]، فنبذل الجهد من أنفسنا، ونقوم بذلك قدر طاقتنا وقدرتنا كما أمر الله، ونجتنب ما نهانا الله عنه جميعه دون استثناء، وللضرورات أحكام، والضرورات تبيح المحظورات، ولكل حال حالة، ولكل مقام مقال.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ﴾ [المؤمنون:٨] أمانات الناس أمانات إلهية وأمانات بشرية، والأمانات البشرية كالائتمان على الأعراض، والائتمان على الأسرار، والائتمان على المعاملات، والائتمان بينك وبين أخيك المسلم ألا تكذبه وهو يصدقك، وألا تخون ماله وهو قد ائتمنك عليه، وألا تخون عرضه وهو قد وثق بك، وألا تخون ما بينك وبينه بحال من الأحوال، ومن لم يكن كذلك فإنه يكون فيه جزء من النفاق، وجزء من الكفر بكل مخالفات هذه الصفات الكريمة الصفات الإيمانية الإسلامية.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون:٨] فإذا عاهدت إنسان على شيء فلابد أن تفي به وإلا فإنك تكون قد نقضت العهد، وخرجت على العهد، وارتكبت ما لا يليق بالمسلم ارتكابه، وفعلت ما لا ينبغي للمسلم أن يفعله، وقد قال نبينا ﷺ : (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)، فتجده في وعوده وعهوده مخالفاً، وتجده في أماناته خائناً، وتجده في حديثه كاذباً، وتلك صفات المنافقين، ومن ارتكب منها واحدة كانت فيه خصلة من خصال النفاق، ومن ارتكبها جميعاً اعتبر منافقاً تاماً.
стр. 525
تفسير قوله تعالى: (والذين هم على صلواتهم يحافظون)
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩].
فابتدأ بالصلاة وأتم بالصلاة، ابتدأ الصفة الأولى من صفات المؤمن بقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:٢]، وختم بهذه الصفات النبيلة الرفيعة العالية الشأن فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩]، فتلك للخشوع في الصلاة، وسكون الحواس وسكون الأعضاء، وفراغ القلب للعبادة، وتصورك أنك بين يدي الله تناجيه، وتسجد له، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وتخاطبه بكاف المفرد، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، وتقديم العامل على المعمول يدل على الحصر، أي: لا أستعين بغيرك، ولا أعبد غيرك، وينبغي أن تكون صادقاً في ألا تخاف سواه، وألا تعبد مراءاة، وألا تعبد للتسميع وإلا كان بك جزء من الشرك الخفي شعرت أو لم تشعر، ولا يقبل الله إلا ما كان خالصاً له، وما أشرك فيه يضرب صاحبه به على وجهه.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩] أي: يحافظون عليها، ويصونونها ويلتزمونها، والمحافظة على الصلوات إتيانها في أول أوقاتها، وقد ورد عنه ﷺ : (أحب الأعمال إلى الله ﷻ الصلاة لأول وقتها)، وورد عنه ﷺ أنه قال: (الصلاة في أول وقتها رضوان الله، وفي وسطها رحمة الله، وفي آخرها عفو الله)، وشتان بين الرضا والعفو، فالرضا هو الثناء والإعجاب بما فعلت، فيرضي ذلك المعبود ﷻ ، والعفو إذا كان هناك نوع من المخالفة كأن تأتي بالعبادة في آخر الوقت، ومع أنك قمت بها فقد عفا الله عنك، وأما خروجها عن وقتها فهو كبيرة من الكبائر, وخاصة إن كانت الصلاة التي يخرج عن وقتها هي صلاة العصر، فصلاة العصر هي الصلاة الوسطى كما نص عليها ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره، والذي فاتته صلاة العصر قال عنه ﵊: (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله)، فكأنه فقد أهله وماله، فقد كان ذا أهل ومال وأصبح وقد أفلس من المال، وتفرد وتغرب عن أهله، ومن يقبل ذلك ويرضاه! ومن فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله، وهذا من العظائم، وهذا يدل على أن هذه الصلاة أعظم الصلوات الخمس، فالصلوات الخمس كلها عظيمة ولكنها هي أعظم.
стр. 526
حكم تأخير الصلاة عن وقتها عمداً
لقد حضنا الله تعالى على الصلاة فقال: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣] أي: فرضاً أبدياً لازماً موقوتاً بوقت، فلا تجب قبل وقتها، وبعد وقتها أصبحت قضاء، والكثير من الأئمة يقول: لا تصلى بعد خروج الوقت لا على أنه يعفى عنها، ولكنها جريمة تتابعه إلى القبر إلى أن يسأل عنها؛ لأن وقتها قد مضى، ويقولون: إن قضاء الصلاة بعد خروج وقتها عن عمد كمن يريد أن يحج ويقف في عرفات ويذهب لمنى في شهر محرم أو في شهر رمضان أو في غير وقته من شهر ذي الحجة، وهل الحج يقضى في غير وقته؟ إذا قضي لفساد كما في الحيض فمعناه أنه يعاد في وقته في ذي الحجة من أيامه المعروفة منذ اليوم الثامن وهو يوم التروية إلى يوم عرفة إلى يوم النحر إلى يومين أو ثلاثة من أيام منى، وهكذا فسروا قوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣] أي: لها وقتها الواجب اللازم، فمن أخرجها عنه فقد ارتكب كبيرة من الكبائر، وإذا أداها لا تقبل منه، كمن حج في محرم أو في ربيع أيكون حاجاً أو متلاعباً؟! يكون متلاعباً، ولكن مع ذلك نقول ما قال ﷺ وما أكده الأئمة الأربعة وما قال به جمهور العلماء: إن الصلاة تقضى ولو بعد خروج وقتها، مع الإثم ومع المخالفة، فتقضى ويستغفر الذي قضاها ويطيل من الاستغفار، وحجة ذلك على من خالف هذا من الأئمة: أن النبي ﷺ فيما يسمى بحج البدل عندما جاءه نساء ورجال فقال بعضهم: يا رسول الله! أحج عن أبي فإنه لا يحتمل الركوب على الراحلة؟ وقال بعضهم: إن أبانا مات ولم يحج أنحج عنه، وقال بعضهم: إن أمنا ماتت ولم تحج أنحج عنها؟ فقال النبي ﷺ : (لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم، أو قالت: نعم، فقال: فدين الله أحق بالوفاء)، فسمى الله ذلك ديناً فأصبح ديناً في ذمتك لابد أن تؤديه لله المعبود الأزلي ﷻ .
فمن لم يحج في حياته وقد كان وجب عليه الحج يوماً بوجود الزاد والراحلة، وبالقدرة بدناً فلم يحج فهذا يحج عنه من ماله، يحج عليه أولاده، ومن يريد أن يتطوع عنه فله الأجر والثواب، وإن كان للأئمة هنا آراء لكن الأدلة تؤكد هذا جميعاً، فهذا دين الله.
والرسول ﷺ قد ضرب مثلاً وذلك إذا مات الإنسان وعليه دين لإنسان ألا يؤديه؟ فإذا كان البشر تؤدي ماله فيقول النبي ﵊: (فدين الله أحق بالوفاء)، والدين الذي علينا لله هو ما سبق أن تركناه، ومن هنا تدخل الصلاة كما دخل الحج.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩] أي: يحافظون عليها في أوقاتها، ويحافظون عليها بطهارتها، ويحافظون عليها باستقبال الكعبة المشرفة، فيحافظون عليها بالطهارة البدنية والطهارة المكانية والطهارة المائية، فإن لم يستطيعوا بالماء فبالصعيد الطيب، وهو ما صعد على وجه الأرض.
وهكذا الله تعالى يصف المؤمن زيادة على خشوعه أنه يحافظ عليها في أول وقتها، وتجوز في وسط وقتها، وفي الأخير من الوسط، لكن لا ينبغي أن يكون تأخيرها عن أول الوقت دائماً.
وقد ورد في الأحاديث أن المنافقين يجلسون إلى أن تصير الشمس مصفرة فيذهبون فيصلون صلاة العصر، فلا يذكرون الله إلا قليلاً، ويستعجلون لكي لا يفوتهم الوقت بأذان المغرب، ومن هنا فالأحناف كرهوا صلاة العصر والشمس صفراء وهي على رءوس النخيل ورءوس الجبال.
стр. 527
تفسير قوله تعالى: (أولئك هم الوارثون)
﴿أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠].
﴿أُوْلَئِكَ﴾ [المؤمنون:١٠] الذين وصف الله: أولئك الخاشعون في الصلاة، والمعرضون عن اللغو، والمؤدون للزكاة، والحافظون لفروجهم ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:٦]، والمحافظون على أمانات الله وأمانات البشر، والمحافظون على عهودهم ومواثيقهم، والمحافظون على الصلوات في أوقاتها وبأركانها وشروطها، هؤلاء الذين التزموا ذلك وتحلوا بهذه الأخلاق الفاضلة أولئك هم الوارثون، ثم زيادة في التنبيه والتنويه ولفت الأنظار والأسماع: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠] يرثون ماذا؟ فالإنسان يتشوف لأول مرة، وعندما نزلت الآية وسمع المسلمون ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠] أصبحوا كلهم آذاناً صاغية، فقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون:١٠ - ١١]، فهم يرثون إرثاً عظيماً إرثاً خالداً إرثاً لا إرث مثله، فلا ملك ولا جاه ولا مال ولا أي شيء يساويه، إنه إرث الرضا الإلهي، وإرث النعيم الأبدي، وإرث النظر إلى وجه الله الكريم، فهو تنعم بما لم تره عين، ولا سمعته أذن، ولا خطر على قلب بشر، إرث ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.
﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠] جمع وارث، والإرث معروف أنه يكون عندما يموت للإنسان قريب له فيرث ماله أو بعض ماله حسب الصلة وحسب الحصص إن وجد هناك ما يورث.
﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١١] الفردوس هي أعالي الجنة، وقد قال ﵊: (الفردوس أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن)، وقال ﷺ : (إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس)، اللهم إنا نسألك الفردوس بفضلك وكرمك يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين! ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠ - ١١] أنثت بمعناها لا بلفظها، فهي الجنة والجنة مؤنثة بلفظها، ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا﴾ [المؤمنون:١٠ - ١١] أي: في الجنة، ﴿خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١١] خلوداً أبدياً لا موت فيه ولا شيخوخة ولا فناء ولا عطش ولا زمهرير ولا مرض، ولا ما يخرج من الإنسان، إن هي إلا اللذائذ والنعم المتنوعة التي هي في كل لحظة تتغير وتتبدل، فينتقل الإنسان فيها من درجة إلى درجة، فيتزاور الأحباب في الدنيا إذا جمعتهم الجنان، ولا يكل ولا يمل ولا يبقى له فرصة للكلل ولا للملل، ويتجلى الله الكريم لعباده المتقين فينظرون إليه، ويكون هذا النظر الكريم ألذ وأنعم ما في الجنة من لذائذ الحور العين، ولذائذ الفواكه، ولذائذ الفرش، واللذائذ التي نتصورها في الدنيا، وكما قال الإمام حبر القرآن عبد الله بن عباس: ونعيم الجنة ليس منه مما في الدنيا إلا الأسماء، فما نسميه في الأرض بكل ما يخطر في البال إنما هي أسماء في الجنة تقرب المعنى، وأما الأشياء فليست كالأشياء، والنعيم ليس كالنعيم، فشتان بين نعيم فانٍ وبين نعيم باق، وشتان بين نعيم تحاسب عليه وبين نعيم تخلد فيه دون حساب ولا متابعة ولا مؤاخذة.
والإرث في معنانا الدنيوي: أن مالاً أو جاهاً لأب أو قريب كان له فأخذناه، فلمن كانت الجنة لنرثها نحن منه؟ قال جمهور المفسرين -وإن كان لا حاجة لهذا التفسير-: إن لكل إنسان في الأرض منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، فالمؤمن عندما يدخل الجنة فإنه يدخل منزله الذي أعده الله له، ومنزله من النار يرثه الكافر ويحل فيه، والكافر إذا دخل النار كان له منزل في الجنة لو مات على الإيمان، فيرث المسلمون منازل الكافرين فيكونوا بذلك ورثتهم، ولا حاجة لهذا التفسير؛ فلم يرد في سنة ولا في آية أخرى.
﴿يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون:١١] الفردوس خلقها الله ليرثها المؤمن، وقد خلقها الله بيده، وغرس شجرها بيده، وخلق نعيمها بيده، ولذلك عندما قال للجنة تكلمي قالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] إلى ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠].
وفي رواية قالت: طوبى لمن يدخلني، أنا منازل الملوك حقاً، فهؤلاء الذين سيكونون قد ملكوا ملكاً حقاً دائماً، ففيه من أنواع اللذائذ ومن أنواع النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠ - س١١] أي: المؤمنون المتصفون بهذه الصفات هم خالدون في الفردوس وفي ذلك النعيم.
стр. 528
تفسير قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢]، يقص الله علينا قصة خلق الإنسان، وكيف خلق هذا الإنسان ذا اللحم والدم، هذا الإنسان الضعيف، هذا الذي طغى وتجبر وتأله على الله، ونسي وجوده وأنه من تراب يدوسه الناس في أصله، وأنه من ماء مهين تسلسل بعد ذلك، ثم بعد ذلك تفرعن وتجبر ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤].
стр. 529
تفسير سورة المؤمنون [١٢ - ١٦]
في هذه الآيات يذكر الله تعالى أطوار خلق الإنسان ووجوده حال كونه في بطن أمه وقبل ذلك وبعد ذلك، فذكر خلقه من سلالة من طين، ثم كونه نطفة في رحم الأم، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عندما يصير عظاماً، ثم عندما تكسى هذه العظام لحماً، ثم يصير خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين.
ثم بعد ذلك يخرج إلى الدنيا طفلاً ثم يصير غلاماً ثم شاباً يافعاً، ثم كهلاً ثم شيخاً ثم يموت، ثم يبعث للحساب.
стр. 530
تفسير قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين)
قال الله جلت قدرته: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٤].
علمنا الله في آيات مضت صفة المؤمن الواجبة: من كونه لابد أن يؤمن بالله لساناً، وأن يعتقد ذلك جناناً، وأن يعمل بذلك أركاناً، ومن الأركان الخشوع في الصلاة، وإيتاء الزكاة، وترك الباطل، واجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والقيام بالعهود والأمانات، والمحافظة على الصلوات، وفي هذه الآيات يقص علينا قصة خلق الإنسان، وكيف تطور في أطوار مختلفة منذ خلقه الله من التراب إلى أن صار نطفة، ثم علقة، ثم مضغة.
فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢] السلالة تعني الماء المصفى، والسلالة تعني مني الإنسان، والسلالة تعني الذرية وما ينشأ عنها مسلسلة من تراب فمني فمضغة إلى آخر أطوار بني آدم.
والألف واللام في الإنسان للجنس، أي: جنس الإنسان، أي: بني آدم، وآدم خلق من تراب، والإنسان بعد ذلك خلق من ماء مصفى يخرج من بين الصلب والترائب، أي: من صلب الرجل وترائب المرأة وهي عظام صدرها من الترقوة إلى السندوة، فيجتمعان معاً فينشئ الله منهما خلقاً جديداً، فهي نطفة تصير إنساناً، وفي النهاية تكون ذكراً أو أنثى.
فأصل الخلقة التراب، ثم بعد التراب جاءت سلالة التراب وهو الماء المصفى -المني- الذي كون بعد ذلك من آدم وحواء فكنا جميعاً من ذلك الماء المهين كما قال الله ﷻ .
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢] أي: جنس الإنسان، فالإنسان المولد المسلسل من آدم وحواء خلقه من هذا الماء وهذا الماء الذي كون وخلق ونشأ نشأ عن الطين الذي منه خلقة آدم، ومن خلقة آدم خلقت حواء من ضلع أعوج كما قال تعالى بأنه خلق منها زوجها، وقد صرح بذلك ﷺ كما في الصحيح: (أن المرأة خلقت من ضلع أعوج، فإن أنت أردت تقويمها كسرتها، وإن أنت صبرت عليها ففيها عوج)، والضلع الأعوج هي ضلوع الصدور، والله قادر على كل شيء وأرانا قدرته في خلق الإنسان، فخلق الإنسان الأول وهو آدم خلقه من تراب، وخلق الإنسان الثاني الأنثى حواء خلقها من جزء من آدم، ثم خلقنا من أب وأم من مضغة من ماء، ثم خلق بعد ذلك عيسى من امرأة بلا رجل، فكانت قدرة الله ﷻ القادرة على كل شيء، كما خلق بقدرته ناقة صالح من حجر بلا ذكر ولا أنثى بلا فحل ولا ناقة.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ﴾ [المؤمنون:١٢]، والسلالة ما يسل ويصفى من الشيء، فقد صفي ماء من التراب، وصفيت نطفة من الإنسان الأول، ثم تكون الإنسان من هذه السلالة، ويقال: فلان من سلالة فلان، أي: من ذريته ومن نطفته.
следующие страницы →