Полный текст (2 442 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
حكم تأخير الصلاة عن وقتها عمداً
لقد حضنا الله تعالى على الصلاة فقال: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣] أي: فرضاً أبدياً لازماً موقوتاً بوقت، فلا تجب قبل وقتها، وبعد وقتها أصبحت قضاء، والكثير من الأئمة يقول: لا تصلى بعد خروج الوقت لا على أنه يعفى عنها، ولكنها جريمة تتابعه إلى القبر إلى أن يسأل عنها؛ لأن وقتها قد مضى، ويقولون: إن قضاء الصلاة بعد خروج وقتها عن عمد كمن يريد أن يحج ويقف في عرفات ويذهب لمنى في شهر محرم أو في شهر رمضان أو في غير وقته من شهر ذي الحجة، وهل الحج يقضى في غير وقته؟ إذا قضي لفساد كما في الحيض فمعناه أنه يعاد في وقته في ذي الحجة من أيامه المعروفة منذ اليوم الثامن وهو يوم التروية إلى يوم عرفة إلى يوم النحر إلى يومين أو ثلاثة من أيام منى، وهكذا فسروا قوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣] أي: لها وقتها الواجب اللازم، فمن أخرجها عنه فقد ارتكب كبيرة من الكبائر، وإذا أداها لا تقبل منه، كمن حج في محرم أو في ربيع أيكون حاجاً أو متلاعباً؟! يكون متلاعباً، ولكن مع ذلك نقول ما قال ﷺ وما أكده الأئمة الأربعة وما قال به جمهور العلماء: إن الصلاة تقضى ولو بعد خروج وقتها، مع الإثم ومع المخالفة، فتقضى ويستغفر الذي قضاها ويطيل من الاستغفار، وحجة ذلك على من خالف هذا من الأئمة: أن النبي ﷺ فيما يسمى بحج البدل عندما جاءه نساء ورجال فقال بعضهم: يا رسول الله! أحج عن أبي فإنه لا يحتمل الركوب على الراحلة؟ وقال بعضهم: إن أبانا مات ولم يحج أنحج عنه، وقال بعضهم: إن أمنا ماتت ولم تحج أنحج عنها؟ فقال النبي ﷺ : (لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم، أو قالت: نعم، فقال: فدين الله أحق بالوفاء)، فسمى الله ذلك ديناً فأصبح ديناً في ذمتك لابد أن تؤديه لله المعبود الأزلي ﷻ .
فمن لم يحج في حياته وقد كان وجب عليه الحج يوماً بوجود الزاد والراحلة، وبالقدرة بدناً فلم يحج فهذا يحج عنه من ماله، يحج عليه أولاده، ومن يريد أن يتطوع عنه فله الأجر والثواب، وإن كان للأئمة هنا آراء لكن الأدلة تؤكد هذا جميعاً، فهذا دين الله.
والرسول ﷺ قد ضرب مثلاً وذلك إذا مات الإنسان وعليه دين لإنسان ألا يؤديه؟ فإذا كان البشر تؤدي ماله فيقول النبي ﵊: (فدين الله أحق بالوفاء)، والدين الذي علينا لله هو ما سبق أن تركناه، ومن هنا تدخل الصلاة كما دخل الحج.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩] أي: يحافظون عليها في أوقاتها، ويحافظون عليها بطهارتها، ويحافظون عليها باستقبال الكعبة المشرفة، فيحافظون عليها بالطهارة البدنية والطهارة المكانية والطهارة المائية، فإن لم يستطيعوا بالماء فبالصعيد الطيب، وهو ما صعد على وجه الأرض.
وهكذا الله تعالى يصف المؤمن زيادة على خشوعه أنه يحافظ عليها في أول وقتها، وتجوز في وسط وقتها، وفي الأخير من الوسط، لكن لا ينبغي أن يكون تأخيرها عن أول الوقت دائماً.
وقد ورد في الأحاديث أن المنافقين يجلسون إلى أن تصير الشمس مصفرة فيذهبون فيصلون صلاة العصر، فلا يذكرون الله إلا قليلاً، ويستعجلون لكي لا يفوتهم الوقت بأذان المغرب، ومن هنا فالأحناف كرهوا صلاة العصر والشمس صفراء وهي على رءوس النخيل ورءوس الجبال.
стр. 527
تفسير قوله تعالى: (أولئك هم الوارثون)
﴿أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠].
﴿أُوْلَئِكَ﴾ [المؤمنون:١٠] الذين وصف الله: أولئك الخاشعون في الصلاة، والمعرضون عن اللغو، والمؤدون للزكاة، والحافظون لفروجهم ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:٦]، والمحافظون على أمانات الله وأمانات البشر، والمحافظون على عهودهم ومواثيقهم، والمحافظون على الصلوات في أوقاتها وبأركانها وشروطها، هؤلاء الذين التزموا ذلك وتحلوا بهذه الأخلاق الفاضلة أولئك هم الوارثون، ثم زيادة في التنبيه والتنويه ولفت الأنظار والأسماع: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠] يرثون ماذا؟ فالإنسان يتشوف لأول مرة، وعندما نزلت الآية وسمع المسلمون ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠] أصبحوا كلهم آذاناً صاغية، فقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون:١٠ - ١١]، فهم يرثون إرثاً عظيماً إرثاً خالداً إرثاً لا إرث مثله، فلا ملك ولا جاه ولا مال ولا أي شيء يساويه، إنه إرث الرضا الإلهي، وإرث النعيم الأبدي، وإرث النظر إلى وجه الله الكريم، فهو تنعم بما لم تره عين، ولا سمعته أذن، ولا خطر على قلب بشر، إرث ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.
﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠] جمع وارث، والإرث معروف أنه يكون عندما يموت للإنسان قريب له فيرث ماله أو بعض ماله حسب الصلة وحسب الحصص إن وجد هناك ما يورث.
﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١١] الفردوس هي أعالي الجنة، وقد قال ﵊: (الفردوس أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن)، وقال ﷺ : (إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس)، اللهم إنا نسألك الفردوس بفضلك وكرمك يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين! ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠ - ١١] أنثت بمعناها لا بلفظها، فهي الجنة والجنة مؤنثة بلفظها، ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا﴾ [المؤمنون:١٠ - ١١] أي: في الجنة، ﴿خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١١] خلوداً أبدياً لا موت فيه ولا شيخوخة ولا فناء ولا عطش ولا زمهرير ولا مرض، ولا ما يخرج من الإنسان، إن هي إلا اللذائذ والنعم المتنوعة التي هي في كل لحظة تتغير وتتبدل، فينتقل الإنسان فيها من درجة إلى درجة، فيتزاور الأحباب في الدنيا إذا جمعتهم الجنان، ولا يكل ولا يمل ولا يبقى له فرصة للكلل ولا للملل، ويتجلى الله الكريم لعباده المتقين فينظرون إليه، ويكون هذا النظر الكريم ألذ وأنعم ما في الجنة من لذائذ الحور العين، ولذائذ الفواكه، ولذائذ الفرش، واللذائذ التي نتصورها في الدنيا، وكما قال الإمام حبر القرآن عبد الله بن عباس: ونعيم الجنة ليس منه مما في الدنيا إلا الأسماء، فما نسميه في الأرض بكل ما يخطر في البال إنما هي أسماء في الجنة تقرب المعنى، وأما الأشياء فليست كالأشياء، والنعيم ليس كالنعيم، فشتان بين نعيم فانٍ وبين نعيم باق، وشتان بين نعيم تحاسب عليه وبين نعيم تخلد فيه دون حساب ولا متابعة ولا مؤاخذة.
والإرث في معنانا الدنيوي: أن مالاً أو جاهاً لأب أو قريب كان له فأخذناه، فلمن كانت الجنة لنرثها نحن منه؟ قال جمهور المفسرين -وإن كان لا حاجة لهذا التفسير-: إن لكل إنسان في الأرض منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، فالمؤمن عندما يدخل الجنة فإنه يدخل منزله الذي أعده الله له، ومنزله من النار يرثه الكافر ويحل فيه، والكافر إذا دخل النار كان له منزل في الجنة لو مات على الإيمان، فيرث المسلمون منازل الكافرين فيكونوا بذلك ورثتهم، ولا حاجة لهذا التفسير؛ فلم يرد في سنة ولا في آية أخرى.
﴿يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون:١١] الفردوس خلقها الله ليرثها المؤمن، وقد خلقها الله بيده، وغرس شجرها بيده، وخلق نعيمها بيده، ولذلك عندما قال للجنة تكلمي قالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] إلى ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠].
وفي رواية قالت: طوبى لمن يدخلني، أنا منازل الملوك حقاً، فهؤلاء الذين سيكونون قد ملكوا ملكاً حقاً دائماً، ففيه من أنواع اللذائذ ومن أنواع النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠ - س١١] أي: المؤمنون المتصفون بهذه الصفات هم خالدون في الفردوس وفي ذلك النعيم.
стр. 528
تفسير قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢]، يقص الله علينا قصة خلق الإنسان، وكيف خلق هذا الإنسان ذا اللحم والدم، هذا الإنسان الضعيف، هذا الذي طغى وتجبر وتأله على الله، ونسي وجوده وأنه من تراب يدوسه الناس في أصله، وأنه من ماء مهين تسلسل بعد ذلك، ثم بعد ذلك تفرعن وتجبر ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤].
стр. 529
تفسير سورة المؤمنون [١٢ - ١٦]
في هذه الآيات يذكر الله تعالى أطوار خلق الإنسان ووجوده حال كونه في بطن أمه وقبل ذلك وبعد ذلك، فذكر خلقه من سلالة من طين، ثم كونه نطفة في رحم الأم، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عندما يصير عظاماً، ثم عندما تكسى هذه العظام لحماً، ثم يصير خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين.
ثم بعد ذلك يخرج إلى الدنيا طفلاً ثم يصير غلاماً ثم شاباً يافعاً، ثم كهلاً ثم شيخاً ثم يموت، ثم يبعث للحساب.
стр. 530
تفسير قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين)
قال الله جلت قدرته: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٤].
علمنا الله في آيات مضت صفة المؤمن الواجبة: من كونه لابد أن يؤمن بالله لساناً، وأن يعتقد ذلك جناناً، وأن يعمل بذلك أركاناً، ومن الأركان الخشوع في الصلاة، وإيتاء الزكاة، وترك الباطل، واجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والقيام بالعهود والأمانات، والمحافظة على الصلوات، وفي هذه الآيات يقص علينا قصة خلق الإنسان، وكيف تطور في أطوار مختلفة منذ خلقه الله من التراب إلى أن صار نطفة، ثم علقة، ثم مضغة.
فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢] السلالة تعني الماء المصفى، والسلالة تعني مني الإنسان، والسلالة تعني الذرية وما ينشأ عنها مسلسلة من تراب فمني فمضغة إلى آخر أطوار بني آدم.
والألف واللام في الإنسان للجنس، أي: جنس الإنسان، أي: بني آدم، وآدم خلق من تراب، والإنسان بعد ذلك خلق من ماء مصفى يخرج من بين الصلب والترائب، أي: من صلب الرجل وترائب المرأة وهي عظام صدرها من الترقوة إلى السندوة، فيجتمعان معاً فينشئ الله منهما خلقاً جديداً، فهي نطفة تصير إنساناً، وفي النهاية تكون ذكراً أو أنثى.
فأصل الخلقة التراب، ثم بعد التراب جاءت سلالة التراب وهو الماء المصفى -المني- الذي كون بعد ذلك من آدم وحواء فكنا جميعاً من ذلك الماء المهين كما قال الله ﷻ .
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢] أي: جنس الإنسان، فالإنسان المولد المسلسل من آدم وحواء خلقه من هذا الماء وهذا الماء الذي كون وخلق ونشأ نشأ عن الطين الذي منه خلقة آدم، ومن خلقة آدم خلقت حواء من ضلع أعوج كما قال تعالى بأنه خلق منها زوجها، وقد صرح بذلك ﷺ كما في الصحيح: (أن المرأة خلقت من ضلع أعوج، فإن أنت أردت تقويمها كسرتها، وإن أنت صبرت عليها ففيها عوج)، والضلع الأعوج هي ضلوع الصدور، والله قادر على كل شيء وأرانا قدرته في خلق الإنسان، فخلق الإنسان الأول وهو آدم خلقه من تراب، وخلق الإنسان الثاني الأنثى حواء خلقها من جزء من آدم، ثم خلقنا من أب وأم من مضغة من ماء، ثم خلق بعد ذلك عيسى من امرأة بلا رجل، فكانت قدرة الله ﷻ القادرة على كل شيء، كما خلق بقدرته ناقة صالح من حجر بلا ذكر ولا أنثى بلا فحل ولا ناقة.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ﴾ [المؤمنون:١٢]، والسلالة ما يسل ويصفى من الشيء، فقد صفي ماء من التراب، وصفيت نطفة من الإنسان الأول، ثم تكون الإنسان من هذه السلالة، ويقال: فلان من سلالة فلان، أي: من ذريته ومن نطفته.
стр. 531
تفسير قوله تعالى: (ثم جعلناه نطفة في قرار مكين)
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون:١٣].
أي: هذا الماء وهو المني المخرج من الذكر والأنثى، من الذكر من الصلب ومن الأنثى من الترائب، جعله الله وخلقه ووضعه في مكان مكين، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون:١٣] أي: ثم جعلنا النطفة في قرار مكين، وهذه السلالة تكونت نطفة وتكونت ماء وتكونت قطرة، وهي بذرة الإنسان الثانية، وحفظها في قرار وفي مكان مكين حريز محفوظ وهو الرحم الذي تحمله الأنثى، فهذه النطفة جعل الله لها مركزاً وقراراً حريزاً محرزاً محفوظاً من أن تصاب بسوء إلى أن تتم هذه الخلقة، وتصير أطواراً، فمن الماء إلى النطفة إلى المضغة إلى العلقة إلى المضغة إلى الإنسان السوي، هذا القرار المكين هو رحم الأنثى يحفظ فيه أربعين يوماً ويصبح بعد ذلك علقة، ثم يصبح مضغة، ثم عظاماً بلا لحم، ثم عظاماً مكسوة، ثم طوراً آخر بأشكال وألوان وأطوار.
стр. 532
تفسير قوله تعالى: (ثم خلقنا النطفة علقة)
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ [المؤمنون:١٤].
ثم هذه النطفة التي يتشربها رحم الأنثى لمدة أربعين يوماً خلالها تتخلق وتتكون وتصبح علقة مستطيلة أشبه شيء بالعلقة المعروفة، وتصبح قطعة من ماء فقير، وتصبح أقرب للمضغة ولما تتكون بعد مضغة، بل تكون دماً عبيطاً تكون أشبه ما تكون بالعلقة التي هي معروفة من هوام الأرض، وبذلك سماها الله، فتبقى أربعين يوماً كذلك علقة ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ [المؤمنون:١٤] وبعد أربعين يوماً من تخليق النطفة علقة، وأربعين يوماً علقة ثم تصبح بعد ذلك مضغة، أي: قطعة لحم بمقدار اللقمة التي يمكن أن تمضغ ويحملها الإنسان بيده لفمه، سميت مضغة لصغرها، ولكونها أقرب ما يكون إلى اللقمة في صغرها وحيزها، وهي قطعة لحم.
﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ [المؤمنون:١٤]، ثم ينقلها الله ﷻ في الطور الرابع من قطعة لحم إلى عظام بلا لحم، فيبرز رأسها ويديها وعظامها: أضلاعها، وساقها، ويديها، ورجليها، فهي هيكل عظم أشبه ما يكون بهياكل العظام التي عليها الأطباء يتعلمون، وبها يشرحون.
قال تعالى: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون:١٤]، هذه العظام التي هي في الطور الرابع تنتقل بعد أربعين يوماً إلى عظام قد كسيت لحماً كما يكسى بدن الإنسان ثياباً، وفي هذه الحالة تصبح هذه النطفة الأولى جنيناً كاملاً من عظم وعصب ولحم وروح، ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون:١٤] أي: انتقل من كونه جنيناً كاملاً في بطن أمه إلى وليد رضيع لا يكاد يستطيع أن يدفع عنه ذبابة ولا ناموساً، إلى طفل ينتقل من الرضاعة إلى الحبو، ثم إلى الوقوف، ثم إلى الطفولة، ثم إلى اليفوعة، ثم إلى مرحلة الشباب، ثم إلى الرجولة، ثم إلى الكهولة، ثم إلى الشيخوخة، ثم إلى الضعف الذي ابتدأ به ثم إلى الموت، وبعد ذلك إلى البعثة يوم القيامة.
وفي الصحيحين: صحيح البخاري ومسلم وفي مسند أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثني الصادق المصدوق صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: (إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم علقة مثل ذلك، ثم مضغة مثل ذلك، ثم يؤمر الملك بنفخ الروح فيه، ثم يؤمر بكتابة أربع كلمات: برزقه وعمله وأجله وشقي هو أم سعيد)، ويكون ذلك قبل قد كتب في اللوح المحفوظ، كما كتب كل الخلق ملكاً وجناً وإنساً وغير ذلك قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف عام كما سبق أن روينا وقلنا في مجالس سابقة وبمناسبات عديدة من تفسير آي الله الكريم وسور القرآن العظيم، وهذا الذي قصه الله ﷻ قبل١٤٠٠ عام على نبينا وعلينا هو ما أكده الطب قديماً وحديثاً، وتشريح الإنسان في جميع أطواره ومراحله، ومن هنا كان الإعجاز.
ويتساءل الكثيرون فيقولون: تقولون إن القرآن معجز ومن يدري هذا الإعجاز إلا العرب، فهو معجز بفصاحته، ومعجز ببلاغته، ومعجز بمفرداته، ومعجز بتعابيره وجمله، أي: أعجز البشر عن أن يأتوا بمثله ولو آية ولو سورة ولو أقل شيء منه، وقد تحدى الله الخلق والبشر منذ نزول القرآن في مكة والمدينة على سيد البشر وخاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه، وجئنا بعدهم بـ١٤٠٠ عام وهذا الإعجاز لا يزال قائماً على كثرة بلغاء العرب وفصحائهم شعراً ونثراً ونطقاً ودراسة وكلاماً، ومع ذلك لم يستطع أحد، ولو تواطأ أهل السماء والأرض من الملك والجن والإنس لما استطاعوا.
فأما الملك فلم يفعلوا، وأما الناس والجن فقد حاولوا كثيراً، فحاول مسيلمة الكذاب وحاول فلان وفلان من أدعياء الأدب وأدعياء الفصاحة فأتوا بالغث، وأتوا بغثاء القول، وأتوا بما يكاد الإنسان أن يقذف ما في بطنه بسبب سخافته.
وقد سألنا من لا يعرف العربية وهم كل سكان الأرض باستثناء العرب وبعض المسلمين، والعرب لا يتجاوزون ١٥٠ مليوناً والمسلمون يصلون إلى المليار، ولكن القليل منهم من يتكلم العربية، وأقل القليل من يتقنها ويحسنها نطقاً وكتابة، فقالوا: كيف ندرك نحن الإعجاز؟ قلنا: ليس الإعجاز باللفظ فقط، وليس الإعجاز باللغة فقط، وليس الإعجاز لنسق القرآن ونظمه فقط، ولكن القرآن معجز بلفظه ومعجز بمعناه، وهذا من ذاك، فما قصه الله علينا في قصة خلق الإنسان منذ كان تراباً إلى أن أصبح إنساناً سوياً، إلى أن تسلسل وتوالد، إلى أن أصبح ذكراً وأنثى وذريات هذا الخلق ما بين كل أربعين يوماً إلى أربعين يوماً هو من طور إلى طور، من طور الماء العادي يصب من صلب الرجل ومن ترائب المرأة، فيبقى الماءان في الرحم أربعين يوماً فينقلب نطفة، ثم أربعين يوماً علقة، ثم أربعين يوماً مضغة، ثم أربعين يوماً عظاماً، ثم يكسى بعد ذلك اللحم فيصبح بشراً سوياً صغيراً بجميع حواس الكبار، فتكون بما يناسبه في صغره وقلة جثته وصغر حواسه وخلاياه، وهكذا إلى أن يخرج للوجود طفلاً رضيعاً، إلى أن يصبح بشراً سوياً ذا ألوان مختلفة وذكاء مختلف ولسان مختلف ودين مختلف واعتبار مختلف، من خلق ذلك وسواه؟ إنه الله ﷻ ، وإذا اختل نظام بعض ذلك فمن الذي يصنعه؟! الطبيب يقول: أنا أرقع، وأما أن أوجد عضواً بعد تلفه أو أن أزرع روحاً خرجت، أو أن آتي بعين قد زالت فهذا لا يقدر عليه إلا خالق الإنسان إلا خالق الكون ﷻ ، والذين عرفوا بعد الآلاف من السنين نتيجة التجربة وتشريح الإنسان والطب المتتابع منذ الآلاف من السنين وإلى عصرنا إلى الأيام الأخيرة إلى عشرات السنين المتأخرة آمنوا بهذا لا على أن الله قال، ولكن على ما وصلوا إليه علماً وتجربة، وعندما وجدوا أن القرآن قد نطق بذلك مبيناً مفصلاً حسب أطواره وحسب ما يتقلب في بطن أمه من حال إلى حال إلى أن يخرج ذكراً سوياً، أدركهم العجب، وأما الإيمان فهداية وتوفيق، فمنهم من وفقه الله وهداه للدين الحق فوجد ذلك معجزة تدفعه للإيمان بالله، ومنهم من كان الران قد صعد على قلبه فما زاده ذلك إلا كفراً وما زاده إلا عناداً.
ففي دولة شيوعية تتقاسم مع غيرها السيطرة على البشر والأرض في عصرنا هذا حضر طبيب مسلم في أحد المؤتمرات التي تعقد عادة في الدول والشعوب، فوقف هذا بين مجتمع ملحد كافر بالله عدو لله ولرسله وللأديان فوقف يتكلم على خلق الإنسان، فتكلم طبياً واستمعوا إليه وكلهم أسماع وكلهم حاضرون بالسمع والبصر والنظر إلى أن انتهى، فبعد أن انتهى أتى بهذه الآية وأشباهها من كتاب الله فقال: لم آخذ أنا هذا بعلمي ولا دراستي ولا بالتشريح ولا بما قاله الأطباء، بل هذا العلم لم يزد عليه شيئاً، بل ولم يصل إلى حقيقته إلى الآن، والحقيقة كاملة هذه نطق بها ربنا، وأنزله في كتاب على قلب محمد ﷺ ، فما كاد يذكر الدين والقرآن والإسلام ومحمد ﵊ إلا والآخرون كمن أصابهم مس من الشيطان، فأخذوا يقولون له: يكفينا تخريفاً يكفينا رجعية، وعندما كان يتكلم بذلك من عند نفسه أخذوه وقبلوه وعدوه الذروة فيما وصل إليه علمه وبحثه.
وعندما نسب ذلك لربه وخالقه وعندما نسب ذلك للقرآن العظيم المنزل على نبينا ﵊ إذا بأحقادهم وعداوتهم لله وكتبه ظهرت فيهم، وأخذوا يتخبطون تخبط من أصابه مس من الشيطان.
﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون:١٤]، والخلق الآخر هو هذا، فبعد هذه الأطوار وهو لا يزال في بطن أمه خرج للدنيا رضيعاً طفلاً صغيراً، ثم بعد ذلك توالت عليه الأيام وتتابعت وانتقل من طور إلى طور إلى أن أصبح رجلاً سوياً، ثم رجع لضعفه الأول إذا طال به السن وإلا فالكثير يذهب طفلاً أو يافعاً أو شاباً وهكذا والأعمار بيد الله، والخلق كله بيد الله لا شريك معه ولا معين ﷻ وعلت قدرته وعزته.
﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون:١٤] أي: خلقاً متطوراً غير التطور الأول، وهو لا يزال جنيناً في بطن أمه، خلقاً آخر ونوعاً آخر مما يتصل عادة بالإنسان عندما يخرج لهذا الوجود من قوة وضعف، ومن ملك ورعية، ومن غنى وفقر، ومن ذكاء وبلاده، ومن بياض وسواد، ومن شرقية وغربية، ومن إسلام وكفر وهكذا.
فهذا الخلق الآخر يبقى متطوراً: لساناً وجسداً وفكراً وقوة وضعفاً إلى أن يذهب الكل بعد ذلك حيث شاء الله وأراد.
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] تبارك الله وتعالى وجل، يستطيع ذلك غيره، ولا يفعل ذلك غيره، (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) أحسن في لغة العرب يقولون عنها أفعل تفضيل، وأفعل التفضيل تقتضي المشاركة والزيادة، ولكنها هنا على غير أصلها وحقيقتها، فمن الخالق غير الله ليكون الله أحسن خلقاً من غيره؟! ولكن الله هو الخالق المتفرد (أحسن الخالقين)، أي: حسن الخلق، بديع الخلق، عظيم الخلق، المنفرد بالخلق وحده، ﵎ وتعاظم ﷻ وعلا سلطانه، وزعم بعض المفسرين فقال: (أحسن الخالقين) أي: أحسن المصورين، فبعض البشر صور حجراً أو صور شيئاً فالله أحسن الخالقين، وهذا كلام باطل من الأول؛ فهل صنع الحجر أو صنع الشجر أو رسم الحواس على ورق يعتبر تصويراً حتى نقول عنه خالق -أي: موجد- والله أحسن منه؟! لا وجود له ولا كيان، وهو إن صنع شيئاً لم يصنعه من نفسه، فلم يخلق ذبابة كما قال ربنا وضرب المثل متحدياً للخلق: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣]، ﷻ وعلا مقامه.
فالإنسان الذي يريد أن يصور يأتي إلى حجر خلقه الله، وإلى إنسان يرسم حواسه خلقه الله، وإلى حبة فيطحنها ويجعل منها حلوى وخبراً وما شاء الله خلق ذلك، فلم يصنع هو شيئاً وكيف مع هذا يقارن خلقه بخلق الله ويقال:
стр. 533
تفسير قوله تعالى: (ثم إنكم بعد ذلك لميتون)
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون:١٥].
أي: بعد هذه الأطوار للجنين، ثم هذه الأطوار بعد أن يخرج للوجود وللعالم من طفولة إلى شيخوخة ثانية إن هو بقي، وبعد ذلك الموت، وهكذا منذ المخلوق الأول أبينا آدم ﵇ جاءوا وذهبوا، ونحن نتكلم عن الماضي رسلاً وأنبياء وصالحين وطالحين ومؤمنين وكفار، فقد أصبحوا حديثاً وأصبحوا سمراً وأصبحوا أوراقاً معلقة، كانوا وبادوا وبقي الله الخالق المبدع الأول بلا بداية الله الآخر بلا نهاية، فكان كما كان ولا شيء معه سبحانه، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون:١٥]، بعد هذه الأطوار المتسلسلة سنموت، فقد جئنا من التراب ونعود للتراب، ولكن الحسن البصري سيد التابعين يقول: خلقنا للأبد، وإنما هي نقلة من دار إلى دار.
стр. 534
تفسير قوله تعالى: (ثم إنكم يوم القيامة تبعثون)
قال الله بعد ذلك: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٦].
فتلك الفترة بين الحياة الأولى والحياة الثانية ليست إلا رقاداً واستراحة ونوماً، ثم بعد ذلك نبعث ونحيا حياة ثانية، وتلك الحياة أبدية لا موت فيها، فمن دخل الجنة فإلى أبد الآبدين ودهر الداهرين، ومن دخل النار فإلى أبد الآبدين ودهر الداهرين، ثم مع ذلك يقولون: إن الروح لا تفنى، وإن في الإنسان في سلسلة فقرات ظهره ما يسمى بعجب الذنب، وهي قطعة من العظم على قدر العدسة، يقولون: هذه كذلك لا تفنى، وتبقى كالبذرة في التراب حتى إذا سقى الله الأرض عند إعادتها للحياة فإنه يعيد من ماتوا وبادوا وانتهوا عن طريق إنباتهم من عجب الذنب هذا، ومن أجل ذلك يقول الحسن البصري: خلقنا للأبد، وإنما هي نقلة من دار إلى دار: من دار الفناء إلى دار البقاء، من دار التكليف إلى دار الامتحان، وتشريف من شرفه الله وعقوبة من عاقبه الله ممن عصى أو مات على الشرك، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٦].
وهكذا منذ الماء من الصلب والترائب، ومنذ النطفة إلى الوجود إلى الرجولة إلى الموت، ثم إلى البعث والمحاسبة على ما قدمنا في دار الدنيا، فقد رزقنا الله عقلاً وتفكيراً نميز به بين الحق والباطل، وبعد أن أنصتنا إلى كتاب الله الذي يخاطبنا: يا أيها الناس! يا أيها الذين آمنوا! سنسأل بعد ذلك عما استجبنا له لربنا في كتابه، وعما استجبنا له في ذلك لنبينا ﷺ في رسالته، فإن كان الجواب فوزاً ونجاحاً فسيكون كتابه بيمينه علامة فوزه وعلامة نجاحه بالرحمة والرضا ودخول الجنان، وإن قبض كتابه بيساره وشماله فسيكون ذلك علامة رسوبه وعلامة عدم نجاحه، فإلى النار وإلى غضب الله.
стр. 535
تفسير سورة المؤمنون [١٧ - ٢٣]
لقد امتن الله تعالى على عباده بأن أنزل لهم من السماء ماء يشربون منه، ويسقون به أنعامهم وزرعهم، وأنشأ لهم به جنات من نخيل وأعناب وفواكه شهية.
ثم حذرهم بأنه كما امتن عليهم بذلك فهو قادر على أن يذهب هذا الماء: إما بأن يجعله يغور في الأرض أو غير ذلك فلا ينتفعون به.
стр. 536
تفسير قوله تعالى: (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق)
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ [المؤمنون:١٧].
كثيراً ما يجمع الله ﷻ بين قصة خلق الإنسان وقصة خلق العالم، كيف خلق السماء والأرض وكيف خلق الإنسان هذا سيد الأرض، الذي جعله الله خليفة عنه، إذ قال ربنا يوم خلق آدم للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]، فسماه خليفة، وقال: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ [ص:٢٦]، فسماه خليفة، والإنسان كله خليفة الله على الأرض، بمعنى أن الله رزق الإنسان عقلاً؛ ليفهم ويتدبر ليقبل أو يرفض، ليطيع أو يعصي، وهكذا الإنسان منذ خروجه إلى العالم ومنذ زرع الله فيه العقل والرشد فهو إما سيستجيب فيكون له الجنة والرضا، وإما أنه سيجحد ويشرك فتحل عليه اللعنة والغضب والخلود في النار.
فذكر الله بعد قصة خلق الإنسان بأنه خلق فوقنا سبع طرائق، والطرائق هي السماوات السبع، وهي كالنعل عندما يطرق نعل على نعل، فهي هكذا طبقة على طبقة، فالسموات طباق كما قال تعالى، فهي طبقة على طبقة وسماء على سماء وهكذا إلى سبع سموات إلى سدرة المنتهى إلى العرش، وأشار سيدنا ﷺ بيده هكذا وأشار كالقبة، وأن العالم هكذا كله كروي، وهذا ما أجمع عليه المسلمون قبل أن يخطر هذا في بال إنسان في الأرض، فخلق الله الأرض كروية والسموات كروية، والعرش فوق الكل كالكرة وأشار بيده هكذا كالكرة، وذكر الإجماع علماؤنا قديماً وحديثاً نص على ذلك ابن حزم وابن تيمية وغيرهما من أئمة المسلمين، ومن نفى ذلك وحاول أن يقول غيره فيكون قد خرج عن إجماع المسلمين.
خلق فوقنا سبع سماوات وجعلها طبقاً على طبق، وطريق فوق طريق، وفسروا طرائق أنها طرائق للملائكة يطرقونها ويمرون فيها، ويجعلونها طرائق لهم لتلقي الأوامر الإلهية وللعبادة، وقد قال سيدنا صلى الله عليه وعلى آله: (أطت السماء وحق لها أن تئط؛ ما من موضع قدم إلا وعليه ملك ساجد أو راكع) أي: صوتت السماء بثقل الملائكة عليها كما يصوت السقف عندما يصنع من خشب ويكون عليه ثقل، فتجده يصوت، فكذا صوتت السماء لكثرة من تحمل من الملائكة التي العبادة لها كالنفس للإنسان، فتعيش ليلاً ونهاراً على الذكر والعبادة ولا تأكل ولا تشرب ولا تتناكح ولا تتوالد ولا تشتهي، فهي في عبادة دائمة مستمرة راكعة أو ساجدة أو تقول: لا إله إلا الله، أو سبوح قدوس إلى أنواع العبادات لساناً ويداً ورجلاً وحواساً وبكل ما يملك الملك، فهذه السموات السبع طرائق للملائكة، فقد كانت يوماً كذلك طرائق لنبينا سيدنا ﵊ عندما أسري به إلى السموات، فتنقل فيها وسار إليها سماءً بعد سماء، ووجد أباه الأول آدم ﵊، كما وجد بعض إخوانه الأنبياء، ووجد أباه إبراهيم ﵇ كذلك إلى أن وصل إلى سدرة المنتهى إلى أن كان قاب قوسين أو أدنى، ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧]، لم يذهله ذلك عن ربه، ولم يضعه عن ربه وعبادة ربه وتوحيد ربه، وكونه معه حساً وحواساً.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ [المؤمنون:١٧] خلقنا السموات وخلقنا فيها ما يصلحها مما يرفعها بغير عمد كما ترونها، ومع ذلك لم نغفل الإنسان عن حاجته من مطر ونبات وطعام وشراب، ومن هداية ورسالة وكتب وأوامر ونواه، فلم يغفل الله البشر، فكان الحي القيوم عليهم يرزق الكل، ويحيي من شاء، ويميت من شاء، وجعل لهم ما ينفعهم في دنياهم، ثم أخذهم إليه، ثم عرضهم عليه سبحانه بعد أن ماتوا؛ ليسألوا ويحاسبوا على ما قدمت أيديهم في الدار الدنيا، فلم يغفلهم عن رسالة، ولم يغفلهم عن رزق، ولم يغفلهم عما هم بحاجة إليه، فقد وسعت قدرته ﷻ جميع خلقه من ملك وجن وإنسان، ومن هوام ودواب وطير، فقد قام بالكل وقد رزق الكل ﷻ من غير حاجة إلى معين ولا شريك جل وعز عن كل ذلك.
стр. 537
تفسير قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء بقدر)
قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون:١٨].
من جملة حفظ الله لخلقه وللإنسان في الأرض أن أنزل له الماء من السماء بقدر بما يكفيه وينفعه، فلو أنقص الماء عن ذلك لمات الناس عطشاً، ولجفت الأشجار وضاع ثمرها ونبتها وحبها وما تنتفع به، ولو زاد الماء بغير تقدير لغرق الناس كما غرق قوم نوح، ولكن الله ﷻ أنزل الماء من السماء بقدر كاف بلا زيادة ولا نقصان، بما ينفعهم مدة حياتهم، بما ينفعهم مدة وجود الدنيا: ينفعهم في أنفسهم، وفي مزارعهم، وفي دوابهم، وفي شئونهم كلها بما لا يزيد على الحاجة ولا ينقص.
﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ﴾ [المؤمنون:١٨]، لو أن الأمطار التي تنزل من السماء والغيث لو تجف مع الرياح لو تجف مع السموم لو تجف مع الحر والصيف والشمس لضاعت تلك المياه في حينها، وعندما يحتاج الإنسان للماء في الأوقات التي لا مطر فيها أو الأشهر أو السنين جدباء لما وجد الماء، ولآل أمره إلى الموت والفناء، ولكن الله جعل لذلك الماء الذي أنزله مخازن في الأرض، وهو ما نستفيد منه بعد ذلك، وهي المياه الجوفية تحت الأرض، وذلك إما بآبار نحفرها، وإما بأنهر تتفجر وتبقى جارية، وهي تستقي ماءها من الماء المخزون في الأرض، وإما مياه البحار لنستفيد منها بالركوب في فلكها لنتقل بين مختلف قارات الأرض للتجارة، والسياحة، وطلب العلم، والدعوة إلى الله، والحكم بين البشر، وكف الظالم عن ظلمه، ونشر العدل بين الخلق، ونستفيد مما فيها من لحم طري ولؤلؤ ومجوهرات، وذلك من فضل الله وامتنانه على البشر، وذلك دليل على كونه لم يغفل عن الخلق، فقد أعطاهم من كل النعم، وكان الحي القيوم لمصالحهم ما داموا أحياء على وجه الأرض.
﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون:١٨] ولو شاء الله أن يذهب به، وأن يجففه وأن ينشفه، وأن يدعه يتبخر في الجو وفي السماء لماتوا عطشاً: إنساناً وحيواناً وطيراً.
فالله ينذر بهذا الكافرين الجاحدين، وينبه به المؤمنين ليزدادوا إيماناً، والكافرين ليتوبوا يوماً ويقولوا: ربنا الله، فالله الذي أعطى هو قادر على أن يمنع، وهكذا من قدر أن يعطي قدر أن يمنع، فالله وحده هو القادر على العطاء والقادر على المنع، ولو شاء الله أن يذهب بمائه وسيذهب به يوماً، وقد يحدث هذا كثيراً فتجد أنهار في مختلف القارات وإذا بها بعد أشهر أو سنوات تجدها قد جفت، وآباراً تجدها قد جفت، وأعيناً تجدها قد غارت، وهذا في التاريخ كثير، فقد حكوا أن أفريقيا وأوروبا كانت أرضاً واحدة متصلة، وإذا بزلازل -كما أراد الله بقدرته- تفجرها إلى أرضين، وجعل بينهما بحراً، ومن سنوات قريبة حدثت زعازع وزوابع في الدنيا الجديدة التي تسمى أمريكا، وإذا بجبال كانت موجودة غارت، وإذا بمدن كانت ودخلت في جوف الماء، وساخت في الأرض، وإذا ببحار عامت على أراضٍ وفاضت وغيرت خريطة تلك الأرض تغييراً كاملاً، وهذا يحدث في الدنيا كثيراً، وقد لا يحدث إلا في آلاف السنين، ولذلك فالتاريخ كثيراً ما يقص علينا العجائب والغرائب مما كان ثم تغير وتبدل، وسيأتي يوم عند فناء الدنيا يتغير الكل ويزول الكل، ويموت كل حي، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
стр. 538
تفسير قوله تعالى: (فأنشأنا لكم به جنات من نخيل)
قال تعالى: ﴿فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [المؤمنون:١٩].
أي: بذلك الماء أنشأ الله ﷻ لنا جنات، فهو الذي جعل من الماء كل شيء حي، والإنشاء هو الإيجاد على غير مثال سابق، وهو الاختراع والابتكار والإيجاد من عدم، ولا يقدر على ذلك إلا الله، ومن يقول: اخترعت وابتكرت إما أن يكون متجاوزاً في لفظه، وإما أن يكون كاذباً على الله، فالله وحده هو المخترع والمبتكر، وهو الذي ينشئ ويوجد الشيء على غير مثال سابق.
﴿فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ﴾ [المؤمنون:١٩] وليست جنة واحدة، أي: بساتين ورياضاً لنعيش بذلك ونتمتع ونحيا ونشكر الله عليه، فبذلك الماء سقى الأرض فأنبت من كل الأنواع والأشكال.
﴿فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [المؤمنون:١٩] خص النخيل بالذكر؛ لأن التمر يكاد يشبه الحليب إلا أنه لا يغني عن الماء، فالتمر فيه من المواد الغذائية ما يغني عن اللحم وعن البيض وعن أنواع الفواكه، ففيه من أنواع التغذية الكاملة، وفي أكثر الأحيان لا فضول له إلا إذا كان الجسم مريضاً، فبكل ما فيه يتغذى بدن الإنسان، ولذلك كانت العرب قبل هذه الرفاهية المحدثة والتي لا تبقى أكثر من بضع سنوات وينتهي ذكرها، ويعود الناس إلى صحرائهم وإلى تمرهم وإلى حميرهم وإلى إبلهم، ولعل الناس بعد ذلك يعودون إلى ربهم تائبين.
هذه الجنات أبرز الله ذكر ما يكون فيه من نخيل وأعناب، وهذه النخلة قد سماه النبي ﷺ عمتنا، فمرة كان في مجلس فقال: (ما هو الشجر الذي هو كالمسلم ليس فيه فضول وكله خير في ظاهره وفي باطنه؟ فأخذ الحاضرون -وكانوا من كبار الصحابة- يتنقلون بين الأشجار وبين الفواكه وبين الثمار والحبوب، فلم يقع عليها أحد، وكان في المجلس عبد الله بن عمر بن الخطاب وهو غلام صغير، وخطر بباله أنها النخلة واستحى أن يقول ذلك، فقال النبي ﷺ : هي عمتكم النخلة).
فالتمر يؤكل كاملاً بلا فضول، ونواه تعلف به الدواب، وشجره ينتفع به، وجريده تسوى به الأسقف، وجماره الذي في جذوره يؤكل حلوى شهية، وهكذا لا فضول فيها كلها، وقال عبد الله بن عمر لأبيه: والله يا أبت لقد خطرت ببالي واستحيت أن أقول ذلك، قال: لو قلت ذلك لكان أحب إلي من حمر النعم.
والإنسان يسر بولده عندما ينبغ ويظهر ذكاؤه مبكراً؛ لأن الولد قطعة من أبيه، فحسنته حسنته وسيئته سيئته، كما قال الشاعر: وإنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض فالأبناء جزء من الإنسان وسلالة منه، وهي جزء من الأب وجزء من الأم، ولن يتم بلا أب ولن تتم بلا أم.
﴿فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [المؤمنون:١٩] والعنب كذلك كثير التغذية، فهو أعظم من كثير من الفواكه.
((فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ)) ثم عمم الله لنا في هذه الجنات سواء في الأشكال أو الألوان، ولكل قطر وإقليم شكل من الفواكه لا تجدها في قطر آخر، وهذه من عجائب صنع الله وقدرة الله، ونعيم الله الذي أكرم به البشر مؤمنهم وكافرهم.
((لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)) نأكل من حبها القمح والشعير وبقية الحبوب على أشكالها وألوانها، ونأكل من فواكهها ومن تمرها ومن أعنابها، ونأكل من جميع ما تزرع فيه، وبالدرجة الأولى الحب، وهذا الحب هو الذي قيل: بأن آدم عندما أسكنه الله الجنة أباح له أن يأكل من جميع ثمارها إلا شجرة واحدة قالوا: هي حبة القمح، فكانت الحبة كبيرة كالكلية، زعموا ذلك، ولكن لا ذكر لهذا في القرآن ولا على لسان رسول الله ﷺ .
стр. 539
تفسير قوله تعالى: (وشجرة تخرج من طور سيناء)
قال الله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾ [المؤمنون:٢٠].
هي شجرة الزيتون، والطور: هو الجبل، وهو طور سيناء الذي في أرض مصر، رده الله للمسلمين مع العزة والكرامة بلا ذل ولا هوان.
((تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ)) قيل: الباء صلة، أي: تنبت الدهن، ودهن شجرة الزيتون هو الزيت، وقد قال ﷺ عن الزيت: (كلوه وادهنوا به)، وهي الشجرة المباركة التي ليست بشرقية ولا غربية، بمعنى: أن الله أنبتها في مشارق الأرض ومغاربها فلا أحد يستطيع أن يقول: هذا زيت المشرق بمعنى أنه لا وجود له في المغرب، أو هذا زيت المغرب بمعنى أنه لا وجود له في المشرق، فهو في كل الديار وفي كل الأرض إلا في الصحاري؛ لقلة الماء، وحتى هنا قال خبراء الزراعة: يمكن أن تنبت شجرة الزيتون وتعطي الخيرات وتعطي شيئاً لا يكاد يخطر ببال.
((وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ)) سيناء: هو الشجر الملتف، والطور الجبل، فالطور هو الجبل، وسيناء تلك الجهة المخصبة التي فيها الأشجار الملتفة والكثيرة.
((وَشَجَرَةً تَخْرُجُ)) أي: تنبت وتستزرع وتستنبت وتخرج من طور سيناء، ((تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ)) أو تُنِبت الدهن، أي: تعطي الدهن، والدهن هو الزيت.
((وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ)) الصبغ: هو الإدام، والإدام هو ما يؤتدم به مع الخبز، وسمي صبغاً لكون الخبز عندما تضعه في الإدام يتغير بتغيره ويصطبغ بشكله، والنبي ﵊ قال: (ائتدموا، نعم الإدام الخل)، فجعل الخل إداماً، وجعل الزيت إداماً، فالإدام هو ما يؤكل مع الخبز.
وهذه الشجرة فيها من الدهن ما نحتاج إليه لقوام البدن، ولتمام تغذيته، والزيت أشرف شيء للإنسان، وإن كان لا يستغني كذلك عن دهن الحيوانات.
((وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ)) سِيناء فيها قراءتان: بفتح أولها وكسره، (تنبت بالدهن)، إما أن يكون معناها: تنبت مع الدهن، وفسروا الباء بمع، أو الباء صلة، أي: تبنت الدهن، أي: يستخرج منها الزيت، ((وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ)) أي: إدام للآكلين، فيجعل مع الخبز إداماً، ويختلط باللحم بأنواعه، ويختلط بالخضر بأنواعها، فهو إدام يؤتدم به مع الخبز.
وبعد أن ذكر الفواكه والحبوب التي تستنبت من الأرض، والزيت والزيتون عقب بذكر الأنعام.
стр. 540
تفسير قوله تعالى: (وإن لكم في الأنعام لعبرة)
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [المؤمنون:٢١].
الأنعام تطلق على الإبل والبقر والضأن والماعز، فهذه الأنعام خلقها الله لنا، وجعل لنا فيها من المنافع الكثير الطيب.
((وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً)) نعتبر بها، ومن عبرها أننا نعيش بألبانها وبإنتاجها، ونعيش بوبرها وشعرها، ونعيش بها ركوباً لنا ننتقل بها من أرض إلى أرض.
((وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً)) تعتبرون وتتفكرون بها، فيزداد شكركم وحمدكم لله ﷻ على بديع صنعته، وعلى إكرامه لكم بما أكرمكم به من أنواع الزيوت والأدهان، ومن أنواع الفواكه والحبوب، ومن أنواع اللحوم.
((وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا)) يسقينا مما في بطونها من اللبن، وهذا اللبن أشكال وألوان، فمنه اللبن الحامض المخيض، ومنه الأجبان التي نستعملها منه، والزبدة أشكال وألوان كذلك، فكله يدخل في هذا الذي يخرج من الأنعام.
وكل شيء نقول عندما نأكله ما علمنا ﷺ أن نقول: (باسم الله اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، وزدنا خيراً منه) إلا الحليب فإنا نقول فيه: (وزدنا منه) لأنه ليس هناك خير من الحليب، فبالحليب نعيش السنتين الأوليين، فهو الغذاء وهو الشراب، ويعيش المريض به، فيستطيع أن يعيش بالحليب بلا حاجة إلى خبز ولا إدام، فالحليب هو الخبز وهو الإدام، وفيه التغذية الكاملة التي في الشيء الآخر، ومن هنا قال الله تعالى: ((وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا)) أي: في الأنعام، ((مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ)) فننتفع بما فيها، ننتفع بأوبارها وأشعارها وبطونها وظهورها، فنركب الإبل، وفي الهند يركبون حتى البقر، ويروى في الأحاديث الماضية وبعض ذلك قد صح: (أن بقرة ركبها صاحبها أيام بني إسرائيل فإذا بها تنطق وتقول: لست لهذا خلقت، وإنما خلقت للحرث)، فقد خلقت للحليب وخلقت للولادة، ولذلك لا تكاد تجد هذا في بلاد المسلمين، فالإبل للركوب والبقر للحراثة وللحم وللحليب وللأدهان، وهكذا.
((وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا)) من السقي والشراب.
((وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)) نأكلها إبلاً، ونأكلها بقراً، ونأكلها ضأناً، ونأكلها ماعزاً، ونستفيد من كل ما فيها طعاماً وشراباً وكسوة وألبسة من الأوبار والأشعار.
стр. 541
تفسير قوله تعالى: (وعليها وعلى الفلك تحملون)
قال الله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون:٢٢].
فنسافر ونقطع البراري والقفار والجبال والوهاد ومشارق الأرض ومغاربها، ولم تكن قد وجدت المراكب الجديدة من المراكب البخارية، والمراكب الخشبية، فما كان الركوب إلا على الإبل أو الدواب أو المشي على الرجل، ولذلك كانت الإبل تسمى سفن الصحراء، ولا نزال في حاجة إليها إلى الآن، فلا تزال تركب في كثير من الأراضي القاصية في الجبال وفي الوهاد وفي الصحاري حيث يصعب أن تذهب إلى هناك السيارات وما إليها، وخاصة في الأراضي التي ترابها ورملها يغور فيه من يمشي عليه، فقد يبتلع السيارة كلها، وهذا موجود معنا في المملكة هنا، ففي خلق الله عجائب حتى في التراب وأنواع الأرض وترابها.
ومن معجزات القرآن في هذا العصر أن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير:٤]، والعشار هي الإبل، وأصل العشار النوق الحوامل، ولكن أصبح بعد ذلك يطلق على الإبل كلها عشار.
وجميع المفسرين إلا قلة وهم معدودون على الأصابع ذكروا أن ذلك يوم القيامة، فهناك ستعطل الإبل عن الركوب، قالوا: وإذ ذاك ستقوم القيامة وتنتهي الدنيا، وفي تصورهم أن الإبل لا تعطل إلا إذا عطل الإنسان عن الرحلة وعن السفر، ولا يعطل الإنسان عن الرحلة والسفر إلا إذا فقد ومات، ونحن الآن نعيش وقد عطلت الإبل، فلا أذكر في حياتي أني ركبت إبلاً، وإنما ركبت مرة فرجة، في حين رواكب من سبقنا كانت جميعاً هي إبل، ولو سكنت هنا قديماً لركبت من مدينة إلى مكة في عشرة أيام واثني عشر يوماً كما ركب أبي وأمي، وكما ركب الكثيرون من الحاضرين والموجودين، ولكن اليوم الإبل عطلت، بل أنواع الدواب كلها، وكنا نرى البعض كانوا يخرجون من هنا في رجب على الحمير إلى المدينة المنورة، وقد أدركت هذا، وكان قريباً وأظنه لا يزال، وكنا نستغرب لهؤلاء الذين يركبون أياماً عدة ويتركون الطائرة في نصف ساعة ويتركون السيارة في بضع ساعات ما حملهم على أن يركبوا الحمير؟! قالوا: ولكن عادة لكن ذكرى لكن معنى يحترمونه، ولو رأينا الناس يسافرون في هذا العصر على الإبل لكان استغرابنا أعظم.
((وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ)) فقد عطلت ولم ينته الإنسان ولم تقم الساعة بعد، ولا نزال نرحل أكثر مما كنا بواسطة السيارات، وبواسطة البواخر البخارية، فأصبحت الدنيا صغيرة، وهكذا الدنيا تضيق يوماً عن يوم بسبب هذه المراكب وأنواعها وتشكلها.
وقال لنا نبينا ﷺ : (إن عيسى عندما ينزل من السماء سيحج على غير القلوص) يعني: سيحج ولكن ليس على الإبل وليس على البراق، فالنبوءة انتهت لعيسى مع قومه، فعندما سينزل للأرض فإنه سينزل إنساناً مؤمناً مسلماً من أتباع نبينا ﷺ ، وسيحج على غير القلوص؛ إشارة للطائرات، فيحج كما نحج وكما نتنقل اليوم في العالم على الطائرات، وقد مضى أن قلنا من قبل وفسرنا عندما ذكر الله أنواع المركوبات وقال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] أن عبد الله بن عباس قال: ما عطف الله أنواع المركوبات -أي: ما عطف الله بقوله: ((وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ)) على أنواع المركوبات- حتى كانت من جنسها.
((وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ)) أي: من أنواع المركوبات: من الطائرات والسيارات والبواخر، وسنبقى نقول: ويخلق ما لا تعلمون في تفسير قوله تعالى: ((وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ))، ولم ذلك؟ لو قال النبي ﵊ يوماً لإنسان: إن الحديد يوماً سيطير بقليل من الماء، وسيقطع الأجواء، وبساط سليمان سيصبح شيئاً عادياً للبشر، لقالوا: جن محمد صلى الله عليه وعلى آله، وقد قالوا عنه من غير شيء: مجنون صلى الله عليه، ومن هنا كان النبي يقول لنا ﵊: (خاطبوا الناس بما يفهمون)، فالإنسان إذا حاول أن يخاطب الصغار بلغة الكبار أفسدهم، ودفعهم ليقولوا عنه: مجنون، ولو خاطب الكبار بلغة الصغار لأضاعهم، ولقالوا: أستاذنا لا يزال يعيش معنا عيشة الأطفال، وهكذا لابد للإنسان أن يفرق بين وقت ووقت، وبين كبير وصغير، وبين رجل وأنثى.
﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون:٢٢] أي: على الإبل منها، والفلك هي السفن التي تمشي على الماء سابحة عائمة، وقد كانت قديماً بالشراع، وكانت تسير بالرياح، ولذلك قال الشاعر: تجري الرياح بما لا تشتهي السفن وعندما نقرأ رحلات المغاربة والأندلسيين وقد اشتهروا بالرحلة والكتابة فيها دون أكثر بلاد الله، عندما نقرأ رحلة ابن جبير ورحلة ابن بطوطة وغيرهما من المغاربة والأندلسيين نجدهم جاءوا للحج على السفن الشراعية، وعندما كادوا يصلون إلى شواطئ الشام وقد رأوها، وكادوا يصلون إلى شواطئ مصر وقد رأوها إذا بريح معاكسه تعود بهم إلى المغرب، وهم يتغيظون ويكاد ينفجر دمهم، وقد يضيع عليهم الحج، ولو حاولوا أن يعاكسوا الريح لغرقت السفينة ولضاعوا البتة، وكثيراً ما وصلوا إلى الشواطئ فتأتي ريح معاكسة فيذهبون فيعودون مرتين وثلاثاً ولا ييأسون.
وكم من نعم الله علينا في هذا العصر، والكفر في هذا العصر أكثر من كفر أمس، وما زادت هذه النعم الإنسان إلا كفراً وإلا جحوداً، فاليوم نفطر في المغرب ونتغدى في الحجاز، ونتغدى في الحجاز ونتعشى في الهند، وهو بساط سليمان بحاله، ولا يزال الأمر في تطور، فالطيران كما رأيناه كان كالحمار مع الفرس، وحمر الطيران انتهت اليوم، وأصبحنا نطير في أعظم طائرات، وهذه الطائرات تتغير يوماً عن يوم، والطائرة الآن لا تزال تجرب، فتختصر السفر ما بين المشارق والمغارب إلى النصف إلى خمسين في المائة، فإذا كنا نصل إلى المغرب في ست ساعات بالطائرة، فستصل هذه في ثلاث ساعات، ولعلها ستنزل قريباً في خلال هذه الأيام هنا في المملكة، ولا يزال الناس يفكرون، وكما قال ربنا ﷻ : ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣]، فسيرينا الآيات والمعجزات والقدرة الإلهية في الكون وفي أنفسنا، وسنصنع هذا بأيدينا، ولكن من الذي رزقنا ذلك والقدرة عليه؟ ومن الذي رزقنا العلم وقد خرجنا جهالاً؟ ومن الذي رزقنا العلم وقد خرجنا فقراء من بطون أمهاتنا؟ ومن الذي أعطانا بعد ذلك العقل للفكر وللعمل؟ فنحن ليس إلا آلة في يد الله يصنع بها ما شاء، فهو الذي خلقها، وهو الذي يشغلها، فنحن عندما نزعم لأنفسنا الكثير الكثير نكون حمقى بعداء عن الحق والواقع، فالله هو الذي خلق لنا السمع والبصر والقدرة والفهم، وعندما ينسى الواحد منا هذا يزداد إغراقاً في الكفر والحمق والرعونة.
﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون:٢٢] والفلك اليوم كذلك تطورت تطوراً عجيباً، فقد كانت هناك السفن الشراعية ولم ندركها ولم نركب عليها، وهي توجد اليوم لصيد الحيتان، وأما اليوم فتوجد الباخرة، وتسير الباخرة بقوة البخار، وأيضاً تسير بالبترول وأنواعه، فهذه تعاكس الريح وتذهب، وتعاكس الأمواج، يا ما ركبنا البواخر من ثلاثين سنة فكنا نكون تارة كالريشة في أعلى الموجة، وتارة تنزل الموجة، فنكون بين جبلين من الماء، ونقول: قد ذهبنا، ولكن البواخر مع ذلك ازدادت سعة وعظمة وكبراً، فهي أصبحت تقطع هذه البحار التي كانت تقطع في الشهر والشهرين تقطعها في يومين وثلاثة، ولا يزالون يخترعون، وهذا العقل الذي خلقه الله لا يزال الله يعلمه ما لم يعلم، ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:١١٣] قالها للأنبياء وهي لنا كذلك.
стр. 542
تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه)
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون:٢٣].
سيقص الله علينا قصة نوح مع قومه، وقد مضت معنا مرات، وفي كل مرة يذكر الله فيها زيادة حكمة، وزيادة فائدة، وزيادة درس وعبرة، وزيادة آية ومعجزة.
فقد أرسل الله نوحاً إلى البشر وأمره بأن يدعوهم إلى عبادته وتوحيده والإيمان به، فاستجاب نوح، وقال: ((يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ))، فالله خلق الناس يوم خلقهم مؤمنين، فخلق آدم وجعله نبياً لأولاده وسلالته وذريته، وخلقنا مؤمنين، وأنزل أبانا آدم من الجنة إلى الأرض، وتركنا وأعطانا من الإلهام لنزرع ونبحث ونقوم بما يحتاج إليه الإنسان على وجه الأرض، وانتقل آدم من الراحة والنعيم إلى أن أصبح مزارعاً إلى أن أصبح كساراً يبني في داخل الجبال البيت؛ ليفر من الدواب والهوام، ويزرع الأرض ويستزرعها بالحبوب والفاكهة ليعيش، وهكذا مع الأيام عاش الناس مؤمنين، ومضت ألف سنة فيما زعموا ولا نستطيع البت في ذلك، فليس هناك نص في القرآن ولا نص عن نبي الله ﵊، وكل الذي نقوله هو الذي قاله القرآن، فأرسل الله نبيه نوحاً فلبث في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وكم كان سنه؟ لنفرض أنه كان سنه خمسين فقط، فيكون قد أقام فيهم ألف سنة، وبعد قرون نسوا الإيمان والتوحيد، وأخذوا يعبدون غير الله مشركين معه وداً وسواعاً ويغوث.
стр. 543
تفسير سورة المؤمنون [٢٣ - ٣١]
يحكي الله تعالى لنا في هذه الآيات قصة نبيه ﵇ مع قومه، فقد ظل فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً وهو يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فعصوه وأبوا إلا الشرك، واستهزئوا به، وسخروا منه، وما آمن منهم إلا القليل، فأهلكهم الله تعالى شر هلكة، وأبادهم عن بكرة أبيهم إلا من آمن مع نوح وقليل ما هم.
стр. 544
تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه)
قال الله ﷻ : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون:٢٣].
يقص الله ﷻ علينا قصة نوح لنعتبر بما فيها من حكم وأمثال، ومن تشابه بين الكفر قديماً وحديثاً، وما جعله الله عقوبة ونقمة من المكذبين للرسل والمشركين بالله، فقال تعالى: ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ)) أرسل نوحاً إلى قومه؛ ليبلغ عنه، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويرشدهم إلى عبادة الله، ويأمرهم بترك الأوثان والشرك بالله، وليتحلوا بالأخلاق الفاضلة في ظواهرهم وبواطنهم، ويكونوا مسلمين أنفسهم وعقائدهم وحياتهم لله الخالق الرازق.
وقد كان الرسل قبل يرسلون إلى أقوامهم وإلى عشائرهم فقط، وما أرسل للناس كافة بشيراً ونذيراً حال حياته وبعد حياته إلى يوم القيامة إلا نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه، فليست هناك ديانة عالمية إلا دين الإسلام، وليس هناك رسول عالمي إلا محمد خاتم الأنبياء ﵊، ونوح جاء بعد إدريس وآدم، وزعموا أن بينه وبين آدم ألف عام، والقطع بذلك الزمن الذي بينهما لا يتأتى، ولكنه كان أقرب الرسل إلى آدم، فما بينه وبينه إلا إدريس عليهم وعلى نبينا جميعاً السلام.
((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ)) أي: امتثل نوح وأطاع وذهب يبشر وينذر قومه، ((فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ)) فقام نوح منذراً ومبشراً، مبشراً للمؤمنين إن هم آمنوا ووحدوا وتركوا الشرك والأوثان أن لهم الجنة، وبشرهم بأن الله يرضى عنهم ويرحمهم، وأنذر المشركين إن هم استمروا على الشرك والكفر بغضب الله وسعيره.
((فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)) دعاهم إلى عبادة الله الواحد لا إله إلا هو، ولا معبود بحق سواه.
((فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ)) ألا تتقون الله وتجعلون وقاية بينكم وبين عذابه ونقمته وتأديبه: فتؤمنون بالله الواحد، وتتركون عبادة الأصنام والأوثان، فكل ذلك ضلال وباطل ما أنزل الله به من سلطان؟
стр. 545
تفسير قوله تعالى: (فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم)
قال الله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون:٢٤].
فقام قومه مكذبين ومشركين ومصرين يقولون ويتنادرون مع بعضهم: ((فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ)) وكلهم قد كفر إلا قليل منهم مع كونه ظل في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً وهو يدعوهم إلى الله الواحد، فقال الكفار من قومه: ((مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ)) وتصوروا بعقلهم السخيف وشركهم الضائع الضال أن البشر لن يكون نبياً ولن يكون رسولاً! فجعلوا من حججهم ومن دلائلهم على تكذيب نبيهم نوح أنه بشر.
((مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ)) أي: إنما يريد بكذبه -وحاشاه من ذلك- أن يكون أفضلهم، وأن يكون المتبوع لا التابع، وأن يتظاهر عليهم بالرفعة والسؤدد، وهكذا عقول الكافرين تملي عليهم هذا الشيء في الزمان القديم، ولا يزال هذا إلى عصرنا.
((يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً)) أي: لو شاء الله حقاً عبادته، ولو شاء الله حقاً إرسال رسول لما أرسله بشراً، ولما أرسله إلا ملكاً، كانت هذه حجة الكفار منذ عهد نوح إلى عهد نبينا ﷺ ، فقد قالوا ذلك وكرروه أمة بعد أمة، وقالوه لرسلهم رسولاً بعد رسول إلى نبينا ﵊، فكذلك قاله الكافرون الذين عاصروه، وقاله الذين جاءوا بعدهم؛ قالوا: لو أراد الله نبياً ورسولاً لجعله ملكاً.
((مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ)) قالوا مبهتين وكاذبين: ما سمعنا بهذا في عصر آبائنا ومن قبلهم إلى عهود أجدادنا أن الله أرسل نبياً بشراً إلا نوح الذي زعم ذلك لما به من جنة وافتراء، هكذا زعم الكافرون، وهذا الذي قاله قومه هم أول من يعلم أنهم كذبة، وأنهم مبهتون، وأنهم قالوا غير الحق، فلقد كان العهد بهم قريباً إلى إدريس نبي الله، وكان العهد به قريباً إلى آدم نبي الله وإلى أبنائه المعاصرين له، فهم عندما يزعمون بأنهم لم يسمعوا بنبي بشر ولم يسمعوا برسول بشر كذبوا وافتروا، وزادوا على تكذيب نبيهم وشركهم بالله أن استدلوا بالأكاذيب والأضاليل والافتراءات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وهكذا شأن الكافرين عندما يعجزون -وهم دائماً عجزة- عن الإتيان بالدليل ليحاجوا به الحق، فيبحثون عن الأكاذيب فيتخذونها أدلة، ولن تكون أدلة لا نقلية ولا عقلية.
стр. 546
تفسير قوله تعالى: (إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين)
قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون:٢٥].
بعدما افتروا وقالوا إنه: لم يرسل الله في آبائنا السابقين رسولاً بشراً، وزعموا أنه إنما أراد السؤدد والزعامة والبروز عليهم، وزادوا فكذبوا وقالوا عنه: إنه ينطق بما يدل على جنونه وعلى عدم عقله، فتربصوا وانتظروا به إلى أن يموت، وما كانوا يظنون وهم يتمنون ويتربصون بنوح الدوائر أنهم هم سيموتون شر ميتة، فلا يبقى لهم بلد ولا اسم ولا ذكر إلا أحاديث يتحدث بها السمار في المجالس كقصص الأولين، فانتقلوا عن كونهم أناساً أحياء إلى قوم قد فنوا وقتلوا شر قتلة، وأصبح الناس يتخذونهم قصصاً وسمراً.
((إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ)) أي: به حمق وجنون.
((فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ)) أي: انتظروا به فسيموت يوماً وتبقى لكم أصنامكم وتبقى لكم دياناتكم وعقائدكم، ومن سخف المشركين وضياع عقولهم أنهم قبلوا أن يكون الحجر إلهاً ومعبوداً واستبعدوا عن بشر أن يكون نبياً رسولاً، فمن الذي يقبل هذا ويجعله حقيقة مسلمة يدافع ويقاتل من أجلها ولو ذهبوا مع الذاهبين وهلكوا مع الهالكين؟! أنكروا على نوح -وهو بشر- أن يكون نبياً رسولاً، وهم في ذات الوقت قد آمنوا واعتقدوا في الحجر أنه إله يعبدونه دون الله ومع الله، أهناك سخافات في العقول وضلال في النفوس أكثر من هذا؟!
стр. 547
تفسير قوله تعالى: (قال رب انصرني بما كذبون)
قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون:٢٦].
أي: قال نوح ذلك عندما بهته قومه، وبعد أن انتظر بهم القرون تتبعها القرون وهم بين مكذب ومستهزئ ومشرك مصر على الشرك.
(فقال الملأ) الملأ: هم أشراف القوم وقادتهم وزعماؤهم، وهم الذين يكونون عادة أهل الكفر وأهل الشقاق وأهل الاستعلاء على أهل الحق من الأنبياء والرسل والدعاة إلى الله، فيأخذهم الغرور بما أكرمهم الله به من صحة وجاه وملك وسلطان ومال ورفاهية ونعمة، ويبقى هؤلاء المساكين الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا، يبقون هم أهل الحق إلى أن يسودوا بعد ذلك، وكما قال نبينا ﵊ عن دين الإسلام: (يرفع الله به قوماً ويضع به آخرين)، وكما هو وصف الحال في كل الأديان جميعاً فهؤلاء الذين اعتبروهم أقلهم واعتبروهم دونهم كانوا هم السادة والقادة، وكانوا هم الأئمة، وكانوا هم المبلغين عن الله وعن رسل الله، وذل أولئك وحقروا في الدنيا قبل الآخرة.
((قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ)) قال نوح: يا رب انصرني على هؤلاء؛ بسبب كذبهم وتكذيبهم، كذبهم علي فيما زعموه من جنة، وتكذيبهم للحق حين جاءهم، فانصرني عليهم، واكشف حالهم، وعاقبهم بما أنت أهل له، وأظهرني عليهم، ومكني من رقابهم بما أنت وحدك تقدر عليه؛ لأن الناس كلهم أبوا إلا الشرك والكفر والعصيان، وإذا بالله الكريم يستجيب له بعد اصطباره وبعد محنته مع قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً.
стр. 548
تفسير قوله تعالى: (فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا)
قال الله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون:٢٧].
بعد أن انتظر نوح ما انتظر، وبعد أن تحمل من قومه ما تحمل، أخذ يطلب من ربه النصرة، ويطلبه الفوز، ويطلبه النقمة على أعدائه، فاستجاب الله له وأوحى إليه أن اصنع الفلك -وهي السفينة- لتحملك أنت ومن آمن معك، فذهب يشتغل بها سنوات، وقال: يا رب لست نجاراً، كيف أصنع السفينة وأنا لا أعرف؟ وزعموا أن نوحاً كان نجاراً بذلك، ولم يكن، وقالوا: إن السفن قبله لم تكن معروفة، ولا شيء يدل على حقيقة ذلك، والذي ترك قومه يستغربون ويتعجبون لا من صنع السفينة نفسها، ولكنه عندما كان يصنعها في أرض ليس فيها بحر ولا شاطئ، فأخذوا يتعجبون وهم يمرون عليه هازئين وضاحكين: أتصنع سفينة وأنت على البر والتراب؟! ماذا تصنع بها؟! فكانوا وهم يهزءون يقول لهم نوح: ونحن كذلك سنستهزئ بكم في العاقبة.
((فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ)) أي: أن اصنع السفينة، فأخذ يصنعها بتعليم الملائكة له، وأخذ لها الأخشاب من كل جانب، وزعموا أن ذلك كان من جبال لبنان ومن غير جبال لبنان إلى أن أتم صنعها وأصبحت قائمة، وجعل لها أبواباً من جوانبها ومن فوقها، وجعل لها طبقات: طبقة للآدميين من المؤمنين أتباعه، وطبقة للحيوانات المفترسة، وطبقة للحيوانات الدواجن، وطبقة للطيور وهكذا، فقال الله له: ((اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا)) أي: تحت نظرنا وعوننا وإرادتنا وقدرتنا وتعليمنا، وقد كان ذلك، (ووحينا) أي: بما أوحاه الله إليه من صنعها.
((فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا)) إذا جاء أمر الله بالطوفان وتفجير العيون والأرض عيوناً ومياهاً ليغرق كل من عليها.
((فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ)) تفجرت المياه من التنور، والتنور قيل: هو سطح الأرض، وقيل: أعالي التلال والجبال، وقيل: هو التنور كما يطلق عليه اليوم، وهو مكان طبخ الخبز، وكان ذلك أعجز في التعبير، كما قالوا: إن مواضع النار التي يخبز عليها الخبز -وهي شأنها أن تكون نيراناً متصلة- تفجرت منها الأنهار، على أن الأنهار تفجرت من البراكين وتفجرت من مختلف أقطار الأرض، وفار التنور فوراناً وتفجرت الأرض جبالاً ووهاداً، تفجرت عيوناً وأنهاراً، وتفجرت بحاراً حتى غرق الكل وذهب الكل، وتفصيل ذلك قد مضى في سورة هود وسيأتي في مناسباته كذلك.
((فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا)) أي: أدخل في الفلك، يقال: سلك وأسلك بمعنى واحد، أي: دخل وأدخل، ((فَاسْلُكْ فِيهَا)) فأدخل في السفينة من كل ((زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ)) أي: من كل ذكر وأنثى على وجه الأرض، فخذ معك زوجين ذكراً وأنثى وأدخلهما معك في السفينة؛ لتعاد الحياة بعد الطوفان على هؤلاء الكافرين الجاحدين، ((فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ)) أي: وخذ كذلك من آمن بك من أهلك ومن أتباعك، وقد قال الله عنه: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠].
((إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ)) إلا من سبق القول عليه بأنه يبقي على الكفر والشرك، فكفر الولد بأبيه، وكفرت الزوجة بزوجها نوح، وكان له أربعة أولاد أسلم ثلاثة منهم وأصر واحد على الكفر.
((فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا)) علم الله ﷻ أن نوحاً ستأخذه الرأفة والرحمة بولده وهو يغرق، فيقول: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود:٤٥]، وكما قال الله عنه فقد طلب إنقاذ ابنه على شركه وكفره، وقد طلب نوح من ولده أن يلحق به، فأخذ يقول: إن الجبل سيعصمني من الماء، فقال له أبوه: ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود:٤٣]، ولم يرحم الله إلا المؤمن الموحد التابع لنوح في نبوءته ورسالته.
((وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا)) أي: في الذين أشركوا وظلموا أنفسهم من هؤلاء سواء كانوا أهلاً، أو كانوا أتباعاً، أو على أي صفة كانت، ((إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ)) سبق في علم الله وإرادته بعد أن دعاهم نوح ألف سنة إلا خمسين عاماً، وبعد أن أمهلهم الله كل هذه القرون، فكانت إرادته التي لا ترد ولا يقف دونها خلق من خلقه أن يغرق كل هؤلاء، سواء كانوا أقارب أو أباعد لنوح، وكان ممن غرق زوجه وولده.
هكذا قال الله لنوح بعد أن نصره في دعوته، حيث قال لربه: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح:٢٦]، فقد دعا نوح بعد أن صبر ما صبر ألا يدع كافراً على الأرض يملك داراً أو يسكن داراً أو يعيش من أجل ذلك.
﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٧] أي: لا خير فيهم ولا في ذريتهم وسلالاتهم، فاستجاب الله دعوته وأغرق الكل وعاقب الكل في الدنيا قبل الآخرة، ولعذاب الله أشد، وهذا قصه الله على قريش، وقصه الله على العرب، وقصه الله على من آمن بالإسلام وبنبي الإسلام بعد ذلك؛ لينبههم على أن الله عندما يأمر عباده بالإيمان به، وبتوحيده، وبعدم ظلم أنفسهم بالشرك وبالوثنية: أنه يمهلهم، ولكن الله يمهل ولا يهمل، فهو يصبر كما قال ﷺ : (لا أحد أصبر من الله، فهو يرزقهم وهم ينسبون له الولد)، ولكن الله يمهل ولا يهمل، ولا يترك من عقابه مشركاً؛ إذ المشرك لا مغفرة له ولا تقبل له دعوى.
стр. 549
تفسير قوله تعالى: (فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك)
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون:٢٨].
فأنت يا نوح عندما تستوي على السفينة، وعندما تركبها ويركبها من آمن معك من قومك، وعندما تجد نفسك قد أنقذت من أهلك وأنقذت من قومك وطالما تربصوا بك الدوائر، وعندما يكونون غرقى وأنت قد أنقذت ونجيت فاحمد الله على أن نجاك وأنقذك من القوم الظالمين، الذين ما ضروا إلا أنفسهم ولم يضروا أحداً، وقد أركب نوح معه من كل ما على وجه الأرض من حيوان مفترس وغير مفترس، ومن دابة وطير، وأركب معه من كل نوع زوجين: ذكراً وأنثى، حتى إذا غرق الكافرون وعوقب المجرمون تجددت الحياة بعد ذلك بنوح، ولذلك يعتبر نوح أبانا الثاني بعد آدم.
((فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ)) أي: استقررت وأصبحت مستوياً وقائماً ومستقراً في الفلك وهي السفينة.
((فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ))، ولذلك ينبغي على كل مسلم عندما يدعو على أعدائه وأعداء الله ويستجيب الله دعاءه أن يحمد الله على ذلك، وأن يشكر الله على ذلك، وما أمر الله نبيه نوحاً بذلك، وأوحى ذلك إلى نبينا إلا ليكون ذلك لنا أسوة وقدوة، فبهداهم اهتده كما قال الله لنبيه، وهو قول لنا كذلك بالتبع لهم، فعندما يكرمنا الله بفضل، ويكرمنا بمكرمة فإننا نشكره ونحمده؛ لأن الشكر يديم النعم، ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]، فجحود النعمة يوشك أن يسلبها المنعم عليه، وبالشكر عليها يزيدها الله ويضاعفها.
стр. 550
تفسير قوله تعالى: (وقل رب أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين)
قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ [المؤمنون:٢٩].
أي: عندما تستوي على السفينة وتجد نفسك ومن معك قد أنقذك الله ونجاك ونصرك كما طلبت على عدوك الظالم لنفسه المشرك بربه، فاشكر نعمة الله عليك، فإذا غاضت المياه وغارت ونزلت إلى البر مرة ثانية فاطلب من ربك وادعه وقل: ((رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا)) أي نزولاً، وقرئ: (منزلاً) أي: مكاناً أنزل فيه، (مباركاً) أي: تبارك لي فيه وفي ذريتي وذرية من معي، وتبارك لي فيه بالخيرات والأرزاق المتوالية المتتابعة، فقد علمه الله أن يدعوه، واستجاب لدعائه ﷻ وعلا مقامه، فالدنيا من بعد نوح جددت كما كانت أيام آدم، وزادها الله بركات ويمناً، وزادها خيرات ونماء، فقد أخذ زوجين اثنين من كل نوع وأصبحوا الآن بما لا يعد ولا يحصى عداً لا في البشر، ولا في الحيوان، ولا في الطير، ولا في كل ما خلق الله من قبل.
((وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ)) أي: أنت خير من ينزل، وخير من يكرم، وخير من يجعل للإنسان منزلاً مباركاً يبارك فيه، فالإنسان قد يستضيف والضيافة لا تكاد تكفي مهما كانت، ولكنك القادر على أن تضيف كل خلقك، وأن تنزل كل خلقك، وأن تبارك لهم في الذرية والرزق والعطاء وكل ما هم في حاجة إليه في الحياة الدنيا.
ومن هنا استحب فقهاؤنا أن الإنسان عندما يركب مركباً يقول هذا الدعاء في الركوب، وعندما ينزل يقول: ((رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا))، وقريء: (منزلاً مباركاً) وكلها قراءات متواترة نزل بها الوحي القاطع.
فعند الركوب دعوات منها: باسم الله مجراها ومرساها، ونوح أيضاً قد ذكر ذلك عندما ركب السفينة، وحمد الله على أن أنجاه كذلك، فقال: (باسم الله مجراها) أي: جريانها وسفرها وقطعها لهذه البحار والمياه، ﴿بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود:٤١] باسم الله والتيمن به أركب وأسير، وباسم الله أنزل وأرسو على البر بعد أن غاضت المياه وظهر وجه الأرض.
стр. 551
تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ [المؤمنون:٣٠].
((إِنَّ فِي ذَلِكَ)) أي: في قصة نوح وكفر قومه به، وصبر نوح على قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وتحدي قومه له بالشتائم والنقائص والكذب والافتراء، واتهامه بالجنون وبأنه يريد العلو والسيادة عليهم، ثم بكون الله أنقذ نوحاً واستجاب دعوته في نصرته، فعلمه صنع السفينة، وأغرق كل الظالمين المشركين، وعاد فجدد الدنيا من جديد بذرية جديدة، ومنازل جديدة، وخيرات جديدة بما نسي به ما كان قبل نوح، وما كان وقت المشركين من قومه.
((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ)) لعلامات على قدرة الله على كل شيء، فالله هو الذي يرزق، والله هو الذي يوقف رزقه، والله هو الذي يحيي وهو الذي يميت، والله هو الذي يأمر، فإذا عصي عاقب بالفناء والدمار وبالغرق وبما يريد ﷻ .
((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ)) ولقد كنا مبتلين، أي: مختبرين وممتحنين هل إذا أرسلنا لهم رسولاً منهم يعرفونه ويؤمنون به؟ وهل سيؤمنون بالرسالة والمرسل بها أو سيبقون على شركهم ويصرون على ذلك؟ فالله ابتلاهم، فلم ينجح في الابتلاء والاختبار إلا قلة قليلة، وهم في أكثر ما قال المفسرون لم يتجاوزوا السبعين رجلاً وامرأة، وقال قوم: اثنا عشر أو ثلاثة عشر، أي: دون العشرين، فعلى العموم كما قال الله: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]، فقد آمنت به قلة، ولكن الله زكاها وزادها، وهم الذين لا يزالون الآن الذين يعدون بالملايين في مختلف أقطار الأرض وفي القارات الخمس، ولكنهم عادوا بعد أزمان إلى الشرك والكفر، ونسوا ما عاقب الله به أجدادهم من الغرق والخسف والتدمير من السماء والأرض.
((وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ)) وما كنا إلا مبتلين، وقد كنا مبتلين، أي: مختبرين ممتحنين، وبكل ذلك قد فسر، وكل ذلك تشمله الآية ولفظها.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون:٣١] يذكر الله ﷻ أنه بعد دمار قوم نوح بالغرق وبعد قوم نوح الذين أنقذوا بآبائهم الذين آمنوا انتهوا كذلك وذهبوا في أمس الدابر، وبادوا مع من بادوا، أنشأ الله بعدهم قوماً آخرين، ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون:٣١] ثم أنشأ الله بعد هؤلاء الذين أنقذوا من الغرق وعاشوا ما قدر لهم ثم ماتوا، هؤلاء بعد موت نوح أرسل الله إليهم كذلك نبياً رسولاً، وقد أشركوا أيضاً وكفروا، وقد نسوا إفضال الله على آبائهم من قبل كما نسي قوم نوح إفضال الله على أجدادهم من قوم إدريس وقوم آدم الأولين.
((ثُمَّ أَنشَأْنَا)) وابتكرنا وأحدثنا، ((ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ)) أي: من بعد هؤلاء الذين أنقذوا من الغرق وماتوا مع من مات وبادوا مع من باد، أنشأ الله قرناً آخر، والقرن يطلق على العدد من السنين وهي مائة عام، ويطلق على الأمة من الناس.
стр. 552
تفسير سورة المؤمنون [٤٥ - ٥٠]
لقد أرسل الله تعالى إلى فرعون وملائه نبيين كريمين وهما موسى وهارون، فما كان من فرعون وقومه إلا أن عصوا واستكبروا، وكان من حججهم على عدم الإيمان أن موسى وهارون بشران من البشر، وهذه حجة العاجزين والجاهلين.
стр. 553
تفسير قوله تعالى: (ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا)
قال الله جلت قدرته: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ * فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ * فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون:٤٥ - ٤٨].
بعد أن قص الله علينا قصص أمم وقرون مضت وأجمل القول في ذكر أنبيائهم ورسلهم ورسالاتهم والكتب المنزلة عليهم، فقد أبوا جميعاً إلا الكفر وتكذيب كتاب ربهم وتكذيب رسله، وكانت حجتهم التي يكادون يتواطئون عليها: كيف يؤمنون ببشر مثلهم؟ فلم لا يكون الرسل ملائكة يمشون على الأرض؟ ولو كانوا ملائكة لكانوا بشراً، ثم لكذبوهم ولما آمنوا بهم.
ثم قص الله ﷻ علينا باختصار سبق تفصيله وبيانه وسبقت جزئياته: قصة إرسال موسى وأخيه هارون إلى فرعون وقومه وقومهم من بني إسرائيل.
فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ ثم أرسل الله موسى وجعله رسولاً مبلغاً عنه لرسالته، ومبلغاً لكتابه، وعززه وجعل معه أخاه هارون وزيراً، وقد طلبه موسى للكنة كانت في لسانه، إذ كان هارون أفصح منه بياناً، وأقدر على التعبير عما في نفسه وما يريد قوله بفصيح العبارة وبليغها، فاستجاب الله له، وكانت أخوة موسى لهارون لم يسبق ولم يأت بعدها مثلها، فقد دعا لأخيه بأن يكون رسولاً، فاستجاب الله له، فارتفع هارون من كونه بشراً عادياً إلى رسول ونبي كريم.
فأرسل الله موسى وهارون معاً بآياته لبيان الذي يمكن أن يقبله كل من وفق للخير وألهم الإيمان، ولكن فرعون الذي أرسل إليه هذان النبيان الكريمان كان من الكفر هو وقومه ومن الإصرار عليه بما تندى له الجباه، ولم يؤمنوا على كثرة ما رأوا من الآيات البينات والمعجزات الواضحات مما أتى به موسى وهارون، فقد أتيا بالآيات بقدرة الله ﷻ على ما لم يقدر عليه سواه، مما أكد صدقهما، وأنهما الرسولان الصادقان الكريمان، وأنهما أتيا من الله رسولين بآيات واضحات، وسلطان مبين، ودليل وبرهان واضح بين ظاهر لمن ألقى السمع وهو شهيد، ولمن فتح أذنه، وشرح صدره لقبول الهداية والرسالة.
وقد أرسلهما الله إلى فرعون المتأله الذي أبى إلا أن يستخف قومه ويدعي الألوهية عجزاً وسفهاً، محتجاً بأن له ملك مصر، وأن الأنهار تجري من تحته.
﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [المؤمنون:٤٥ - ٤٦].
أي: أرسلهما ليقولا لفرعون: ﴿إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه:٤٧]، وإذا به يأبى هو وقومه، واستعبد هو وقومه بني إسرائيل، فقتلوا الشباب واستحيوا النساء، واستخدموهن فيما لا يكاد يطيقه الحيوان الأعجم على ما له من قدرة ومن قوة، ومع هذا أبى فرعون وملؤه أن يستجيبوا لموسى وهارون.
((إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا)) أي: تعالوا على الحق، واستكبروا على موسى، وظنوا أن لهم شأناً وأن لهم قدراً وأن لهم مكانة، واغتروا بما معهم من سلطان زائل ومال ونشب غير باق، وهكذا غروا، وغر بعضهم بعضاً إلى أن عاقبهم الله، فدمرهم وأغرقهم، وملّك ديارهم وسلطانهم لموسى وهارون وملئهما.
((فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ)) استكبر فرعون وقومه وتعاظموا وتعالوا واستنكفوا (وكانوا قوماً عالين) طغاة جبابرة يأبون الحق والخضوع له، ويأبون قبول الهداية بدليلها وبسلطانها وببرهانها، وكانت حجتهم هي حجة من سبقهم من الأمم السابقة الكافرة المشركة التي أبت إلا كفوراً وأبت إلا عصياناً، فقال فرعون وملؤه: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ أي: كيف يتصور -وهذا في عقولهم الزائفة السخيفة- أن يرسل لهم بشراً مثلهم؟! ولو كان موسى أول رسول ولو كان هارون أول نبي لقلنا إن القوم جهلوا ولم يروا هذا في سابق الدهور والأزمان، ولكن الأمر ليس كذلك فقد أرسل الله قبلهم رسلاً وأرسل نبيئين، فبلغوا الرسالة، وهدوا القوم منذ آدم إلى إدريس فنوح فإبراهيم فسلالته من إسماعيل وإسحاق إلى موسى وهارون، فلم يكونا بدعاً من الرسل ولا بدعاً من الأنبياء.
ولقد كان الكل بشراً يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، ويتزوج النساء، ويولدهن الذراري والأسباط والأولاد، فما العجب هنا أن يكونا بشرين؟ ولكنهم مع ذلك أصروا على هذا، وظنوه دليلاً وبرهاناً فقالوا: (أنؤمن)؟ فهم يستنكرون باستفهام استنكاري يعود عليهم وباله، ويعود عليهم جهله، ويعود عليهم ذله.
((أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا)) أي: يأكلون كما نأكل، ويتناكحون كما نتناكح، ويتوالدون كما نتوالد، أيمكن أن يكون هذا؟ واطمأنوا لهذا الدليل السخيف الذي يدل على أنهم عطلوا عقولهم عن الفهم والإدراك والوعي.
((أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ))، وزادوا هنا على قولهم السابق: أن هؤلاء هم من عشيرة ومن قوم هم لنا عبيد، فزادوا واحتجوا بما ظلموا به القوم فاستعبدوهم وجعلوا منهم السراري، وجعلوا منهم العبيد، ولم يكونوا قبل كذلك، وهذا من طغيان الفراعنة، ومن طغيان القبط، وهو من طغيان الكفرة المشركين، وموسى وهارون يتحملان ذلك منهم، والله يعززهم ويؤيدهم بالمعجزة بعد المعجزة، وبالقدرة بعد القدرة، وما يزدادون بذلك إلا عتواً وفساداً في الأرض.
стр. 554
تفسير قوله تعالى: (فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا)
﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون:٤٧].
أي: مستخدمون مستعبدون، ((فَكَذَّبُوهُمَا)) بسبب الحجة الباطلة من كونهما بشرين، ومن كون قومهما لهم عابدين مستعبدين، ((فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ)) كذبوا موسى أن يكون نبياً رسولاً، وكذبوا هارون أن يكون نبياً ورسولاً، فكانوا بذلك مكذبين لرسالة إلههم وللكتاب المنزل عليهم، فازدادوا بذلك إثماً وعتواً وفساداً في الأرض، فحلت عليهم العقوبة وحلت عليهم النقمة، فدمرهم الله وأغرقهم وأصبحوا كأمس الدابر، وملك الله موسى وهارون وقومهما ديارهم، وملكهم جنانهم وخيراتهم وكنوزهم وما اشتغلوا له وعملوا من أجله قروناً تتبعها قرون.
والله حين يعرض علينا هذا يعرضه على من عاصر النبوءة المحمدية، وعلى من جاء بعدهم، وفي معناه الإنذار والتهديد والوعيد، أي: إذا لم تؤمنوا ولم تصدقوا ولم تقبلوا الآيات البينات التي أتى بها محمد صلى الله عليه وعلى آله، فما عوقب له الأولون سيعاقب به الآخرون، فهو نذير ووعيد، وقد كان ذلك ولا يزال لكل أمة ولكل شعب إذا أبى الإيمان وأبى الهداية، وكذب الرسالة، وكذب الرسول فالله ﷻ يدمره في الدنيا.
ووقف تدمير الناس بعد خروج نبينا ﷺ عن أن يمسخوا قردة، وعن أن يمسخوا خنازير، وعن أن يضربوا بما ضرب الله به من سبقهم من الصيحة والزلزلة والزعازع التي نزلت من السماء وقامت من الأرض، فكانوا كأن لم يعيشوا يوماً ولم ينبسوا ببنت شفة يوماً، فهذا لا يحدث بعد؛ تكرمة للنبي ﵊، ولكن هذا لا يمنع من أن يستعبدوا أصلاً، ومن أن تؤخذ منهم نساؤهم وأموالهم غنائم، وهكذا حصل فقد عذب على يد رسول الله ﷺ من بقي منهم ولم يؤمن، وزلزلوا في غزوات وخاصة في غزوة بدر، وفي فتح مكة، فقتل من قتل، وأسر من أسر، وأخذت أموال من أخذت منه، واستعبد من استعبد، ولعذاب الله أشد وأنكى لمن أصر على كفره ولم يؤمن قبل أن يموت، ولم يقل يوماً: ربي الله.
وهكذا رأينا الأمم بعد فقد أصاب الله الناس بالحروب الماضية من لدن الصليبيين، إلى التتر، إلى الاستعمار الأوربي، إلى الاستعمار الأمريكي إلى الاستعمار الصيني والروسي، إلى الاستعمار اليهودي، وإذا بقي المسلمون على عصيانهم والكافرون على شركهم فعند الله من أنواع العذاب والنكال ما تتزحزح له النفوس، وتزلزل له الأرواح، ولعذاب الله بعد ذلك أشد وأنكى.
((فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ)) فكانوا من المهلكين بالغرق، مهلكين في النيل بالخنق وبالإذلال وبالضياع وبالبوار بما ضاعت فيه ألوهيتهم الزائفة، وزعامتهم الكاذبة، وملكهم الفاني، وهكذا الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين.
стр. 555
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [المؤمنون:٤٩].
بعد أن أنهي القول مختصراً ومضى قبل مفصلاً بتمام القصة بياناً منذ البداية إلى النهاية، فهنا أعاد الله ذلك لتذكير هؤلاء المصرين من قريش ومن العرب ومن الفرس والروم بعد ذلك، وجميع ملل الأرض وشعوبها على الإطلاق ممن أرسل لهم جميعاً محمد العربي صلوات الله وسلامه عليه.
ذكر الله تعالى بعد هلاك فرعون وملئه أنه أرسل لبني إسرائيل الكتاب: ((وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ))، فأنزل عليه التوراة ليبلغه إلى قومه من بني إسرائيل هادياً وداعياً إلى الله وتوحيده وعبادته، وإلى تصديق موسى وهارون في كل ما يبلغانه عن الله، وكانت النتيجة أيضاً أن بني إسرائيل على ما لقي منهم موسى، ولقي منهم هارون من عنت، وعلى ما ذاقوه من ذل واستعباد فرعون لهم، وقهر ملئه إلا أنهم أخذوهم وذهبوا بهم إلى القدس إلى فلسطين، فما كادوا يعبرون النهر ويتجاوزون النيل حتى أخذوا يصنعون الأصنام ويعبدون العجل، فعوقبوا به أربعين عاماً يتيهون في الأرض، فلم يصلوا إلى القدس إلا وهم في ذل، وأبوا الدخول على عادتهم قديماً وحديثاً، فقالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، وأرادوا كما أرادوا اليوم أن تأتي دول الكفر على كل أشكالها ويعطوهم أرضاً بعد فراغها من سكانها وشعوبها، فيعطوها لهؤلاء الضائعين الذين لعنهم الله ومسخهم قردة وخنازير، ولعنوا لعنة الآباد، وإنما يستدرجهم الله بما هو أشد بلاء وأعظم جزاء، وهكذا إلى أن أخذوا الأرض كما أخذت قبل، فلم يحسنوا سابقاً ولم يحسنوا لاحقاً، وكانوا المصدر للفساد، وكانوا الأس لنشر الظلم، وسفك الدماء، وهتك الأعراض قبل وبعد.
((وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ)) أنزل عليه التوراة فيها الهداية والنور، فأول ما صنعوا أنهم أخذوا يتلاعبون بكتاب ربهم، فبدلوه وغيروه وحرفوه، ونقلوه من كتاب يدعو إلى الله الواحد إلى عبادة العزير وإلى عبادة العجل، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧]، وكفر اليهود إذ قالوا: العزير ابن الله، كما قال ذلك النصارى عن عيسى ابن مريم، فهم أمم كلما جاءت أمة لعنت أختها، وزادت وتبرت إياها كفراً وشركاً وطغياً وظلماً وعدواناً، وهكذا دمر الله الكل وأصبحوا أحاديث وقصصاً تتلى وعبراً؛ لعل الآتين بعدهم يتعظون بها، ويأخذون منها الحكمة والعبرة، فلا يفعلون فعلهم، ولكنهم مع هذا أبوا إلا أن يفعلوا فعلهم، فعوقبوا عقوبتهم، بل سلط عليهم هؤلاء الأذلون أنفسهم.
﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم:٨٣]، والكل بعد ذلك إلى جنهم وبئس المصير.
стр. 556
تفسير قوله تعالى: (وجعلنا ابن مريم وأمه آية)
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون:٥٠].
ثم لخص الله ﷻ أيضاً لنا قصة مريم وقصة ابنها عيسى، وأنه جعلهما آيتين معجزتين يدلان على قدرته وعلى عظيم إرادته، وأنه يفعل ما شاء كيف شاء ﷻ وعز ومقامه، وقد مضت القصة كذلك مفصلة في غير ما سورة، كما أرسل الله موسى وهارون إلى فرعون وملئه وإلى بني إسرائيل، وكذلك جعل في الكون للنصارى وغير النصارى، لبني إسرائيل وغير بني إسرائيل، جعل ابن مريم وأمه آية.
وما هي هذه الآية؟ العادة بعد آدم وحواء أن يولد الرجل من نطفة تختلط من ماء الرجل من صلبه، وماء المرأة من صدرها، فيختلط ذلك فينشأ عنه بشر سوي، فخلق الإنسان من تراب ثم من نطفة ثم سواه رجلاً، فخلق آدم من تراب بلا أب ولا أم، وخلق حواء من رجل بلا أم، وذلك من ضلع آدم، ثم بعد ذلك خلق عيسى من أم بلا أب، والقادر على خلق الإنسان من تراب هو قادر على أن يخلقه من أم بلا أب، كما خلق آدم بلا أبوين وحواء بلا أم خلق بعد ذلك عيسى ابن مريم بلا أب، خلقه من نفخة أمر بها جبريل رسول الملائكة إلى البشر، فنفخ في جيبها فحملت فولدت، فأتت به قومها تحمله، فأخذوا يسألونها ويتهمونها: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم:٢٨ - ٢٩]، وإذا بالطفل الرضيع ينطق ويقول: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم:٣٠]، وإذا به يظهر لهم المعجزة منذ كان طفلاً رضيعاً، وهكذا آمن من آمن من بني إسرائيل، وأصر على الكفر من أصر، وهو خاتم أنبياء بني إسرائيل، وكانت معجزة عيسى وأمه مريم في كونهما آيتين، فهي ولدت بلا فحل، وهو ولد بلا أب.
((وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ)) أي: عيسى ابن مريم وأمه مريم آية، ولم يقل: آيتين؛ إذ إنه عندما ينطق بها: (آية) فالمعنى: جعلنا عيسى آية وجعلنا أمه آية، أو جعلنا النشأة والشأن آية في كونها بلا فحل وبلا رجل ولدت عيسى.
((وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ)) آواهما الله وأسكنهما وأنزلهما إلى ربوة، والربوة هي المكان المرتفع من الأرض.
((ذَاتِ قَرَارٍ)) أي: ليست بادية تحتاج إلى التنقل من مكان إلى مكان للكلأ وللخصب وللماء، ولكنها ربوة قارة لما فيها من خصب وخيرات وثمار وأرزاق وماء معين.
((ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ)) أي: ماء جار، وأنهر جارية متدفقة، وهكذا كان، فبعد أن اتهم مريم قومها بما اتهموها به أكرمها الله تعالى وآواها وأسكنها في مكان مرتفع ذي أشجار وثمار وخصوبة ومياه جارية دافقة.
واختلف المفسرون أين هذه الربوة وأين مكانها، فيقول الدجال غلام القادياني هذا الجاسوس الإنجليزي الذي تبعه الكثيرون: إن الربوة في أرض الهند، وادعى أنه هو عيسى الذي سينزل وأنه قد نزل، وقد كان دعياً وكان دجالاً، وقد قال ﵊: (إن بين يدي الساعة ثلاثين دجالاً) ولا عبرة بالعدد، فهو أحد الدجاجلة.
وزعموا أن الربوة في أرض الهند، وأتوا إلى ربوة مرتفعة ذات خصوبة ومياه فعمروها وسكنوها، ولا تزال قائمة إلى اليوم، وهم يفجرون ويكذبون على الله، ولم يقل أحد من المفسرين بأن هذه الربوة في الهند، ولكنها من جملة أكاذيب الدعي الدجال.
وأما المفسرون فقال بعضهم: الربوة هي دمشق، وقالوا: هي غوطة دمشق، وقالوا: في مصر، وقالوا: الرملة من أرض فلسطين، وقالوا: بيت المقدس، وقالوا: فلسطين، ولكن الآي يفسر بعضها بعضاً، فالربوة كانت على أميال من بيت المقدس، وقد ذكرت في القرآن وأنها ذات مياه وذات خصب، وأن الله قال لـ مريم عندما ولدت عيسى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم:٢٥]، فالربوة قد ذكرت في القرآن، والقرآن يفسر بعضه بعضاً، فكون في الشام أو في الغوطة قرية اسمها الربوة هذا لا يزيد ولا ينقص، وأما مصر فلم يذكر أن عيسى وصلها، وأما الشام ففلسطين ولبنان والأردن وما يسمى اليوم سوريا، فهي في أرض الشام ولكن على أميال من بيت المقدس، وقد ذكرت غير مرة.
((وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً)) أي: جعلناهما آيتين؛ جعلنا عيسى آية وجعلنا مريم آية، أو جعلنا الشأن فيهما آية دالة على القدرة الإلهية، وعلى المعجزة النبوية لعيسى ومريم، وآواهما وأسكنهما وأنزلهما في ربوة في أرض مرتفعة ذات مياه دافقة، وثمار وأشجار وخيرات متتابعة.
стр. 557
تفسير سورة المؤمنون [٥١ - ٦٢]
لقد أمر الله تعالى عباده بأن يأكلوا من الطيبات كما أمر بذلك الأنبياء والمرسلين، فالمؤمن طيب ولا ياكل إلا الطيب، وأنذر الكافرين بألا يفرحوا بما فتح عليهم من الخيرات، وألا يظنوا أن ذلك محبة لهم أو تفضيل، فإنما هو استدراج.
стр. 558
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات)
ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١].
يقول الله لنبيه وخاتم أنبيائه أنه قد سبق أن قال للأنبياء السابقين: ((يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ)) أي: كلوا الحلال الطيب ولا تقربوا الحرام بحال، فلا تتخذوه مشرباً، ولا تتخذوه مطعماً، ولا تتخذوه متجراً، ولا تتخذوه ملبساً، وفي الحديث النبوي: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ))، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢]، يقول الراوي وهو أبو هريرة: ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر) أي: أشعث في شعره، أغبر في ثيابه؛ لطول السفر ولطول العبادة ولطول السياحة، ولطول الدعوة، (ثم هو يقول: يا رب يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له!)، وهذا معنى قوله ﵊: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، فالمال الحرام مهما بذله باذله ومهما صرفه صدقة أو عطاء أو هدية أو حجاً أو نفقة فلا يعود عليه إلا بالوبال، فالفاسد لا ينتج إلا فاسداً، والصالح هو الذي ينتج الصالح، فالله لا يقبل إلا طيباً، ولا يقبل من الأعمال إلا الصالح وإلا المال الصالح، وقد قال ﵊: (نعم المال الصالح للرجل الصالح)، وما دون ذلك فهو ثقل يحمله الإنسان، فيتخفف منه من زال عنه، ويعذب به من ابتلي به.
﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون:٥١] أي: وكما أمرنا من سبقك من الأنبياء نأمرك كذلك يا محمد، وقد ألهم الله عبده محمداً ﷺ قبل النبوءة برعي الغنم، وقد ذكر ﷺ ذلك عن نفسه فقال كما في الصحيح: (ما نبي إلا ورعى الغنم، فقيل له: يا رسول الله وأنت؟ قال: نعم، وأنا رعيت لقومي على قراريط) أي: على هللات.
فهو منذ الطفولة عاش بالحلال وبكد العمل وبعرق الجبين، ثم عندما شب شارك السيدة خديجة في مالها مضاربة، وذهب يتاجر لها في أرض الشام، وبعد ذلك جعل الله رزق محمد ﷺ في سيفه في غنائم الكفار وفي غنائم المشركين مالاً وأرضاً وفي كل ما يملكون.
﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر:٧] أي: من أهل القرى المشركة، فملك نبيه ﷺ قراهم ونساءهم ورجالهم وأطفالهم، فامتن على من شاء منهم، واستعبد من استعبد، وقتل من قتل، وغنم ما غنم، كما ﵊: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي) أي: في الحرب والجهاد والدعوة إلى الله.
((يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا)) وهذا ما يؤمر به أتباعهم: أن يكون طعامهم حلالاً طيباً، وملبسهم كذلك، ومشربهم كذلك، وغذاؤهم كذلك، ومسكنهم ومأواهم كذلك، وأن يعملوا الصالحات، وما الصالحات إلا الطاعة للإله ﷻ ، والطاعة للنبي ﷺ ، (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا)، فافعل من الأوامر ما استطعت، واترك جميع ما نهيت عنه.
((يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)).
هذه الفقرة من الآية الكريمة فيها وعيد وتهديد، وإن كان للأنبياء فمن باب أولى لغيرهم ممن ليس بمعصوم، أي: يقول ﷻ لأنبيائه ويقول تبعاً لأتباعهم: كلوا الحلال، وكلوا الطيب واعملوا الصالح، فإني بما تعملون عليم.
((يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)) أي: رقيب عليكم وعلى أعمالكم، فآمر الملائكة المرافقين للإنسان أن يكتبوا الخير والشر، ولكن الرسل أكرمهم الله فعصمهم عن السوء، وعصمهم عن الذنوب، ولكن مع ذلك قال لهم الله بأني عليم بأعمالكم، فاصنعوا ما أمرتكم به ولا تخرجوا عنه، واعلموا أن عيني عليكم رقيبة، وملائكتي الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون يكتبون كل شيء عليكم.
((إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)).
стр. 559
تفسير قوله تعالى: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون)
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٥٢].
قرئ (إن وأن)، (وأن) عطف على الآية قبل: ((يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا)) أي: ويا أيها الرسل! إن أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون، معناه: أن الدين واحد، وأن ما أرسلتم به من عبادة الله لم تختلف الرسالات في ذلك، فمنذ أرسل آدم إلى أولاده، وإلى أحفاده وأسباطه، أمرهم الله أن يدعوهم إلى الله الواحد، وإلى عبادته، وإلى عدم الشرك به، وهكذا كل من جاء بعده، وهذا معنى قوله ﷺ : (نحن معاشر الأنبياء ديننا واحد وأمهاتنا شتى) أي: الشرائع مختلفة، فلكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً، فتختلف الأوامر وتختلف الأحكام وتختلف النواهي، ولكن الدعوة العامة والدعوة الرئيسية الأساسية من كون الله الخالق، وأن الله واحد في ذاته وواحد في صفاته وواحد في أفعاله؛ هي دعوة الرسل جميعاً.
﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٥٢] إن الدين واحد، فلم يرسل نبي، ولم يرسل رسول، ولم ينزل كتاب من الله على بشر إلا ويدعو إلى عبادة الله الواحد، وعدم الشرك به.
((أُمَّةً وَاحِدَةً)) حال، أي: أرسل جميع رسله وأنبيائه، وأنزل الكتب المنزلة من الله: صحائف إبراهيم وزبور داود وتوراة موسى وإنجيل عيسى وقرآن محمد عليهم الصلاة والسلام، كل هذه الكتب الإلهية السماوية ما جاءت إلا للتوحيد ولعبادة الله، وإن وجد فيها غير ذلك فبتحريف الكاذبين وبكذب المشركين وبتغييرهم لما أنزل الله على رسلهم وأنبيائهم.
((وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً)) أنزلت حال كونها أمة وديناً واحداً، ورسالة واحدة، وكلها تدعو إلى الله وعبادته.
((وَأَنَا رَبُّكُمْ)) رب الأنبياء، ورب الأديان، ورب الخلق، ورب الملائكة والناس والجن وكل ما خلق الله، فهو ربهم وقاهرهم وخالقهم ورازقهم ومميتهم، ثم محييهم وموجدهم من العدم.
((فَاتَّقُونِ)) أي: اجعلوا وقاية بينكم وبيني من عذابي ومن نقمتي ومن النار والسعير، وما الوقاية إلا طاعة الله، وطاعة رسوله، وتصديق الأنبياء، وتصديق كتب الله، والعمل بما جاء فيها، ومن خرج عن ذلك خرج عن الإيمان إلى الكفر، ومن دخل في الكفر حلت عليه اللعنة في الدنيا، ودخل النار يوم القيامة خالداً مخلداً أبداً.
стр. 560
تفسير قوله تعالى: (فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً)
فكانت النتيجة: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣].
تقطعوا، أي: هذه الشعوب التي أرسلت إليها الرسل والأنبياء قطعوا الدين الواحد والملة الواحدة والدعوة إلى الله قطعوها قطعاً.
وزبر: جمع زَبْر أو زبور، وهي القطعة من قطع الحديد والفرقة من الفرق، فجعلوا أنفسهم فرقاً، فهذا يعبد مريم، وهذا يعبد عيسى، وهذا يعبد عزيراً، وهذا يعبد العجل، وهذا يعبد الحيوان، وهذا يعبد الملك، وهذا يعبد الجماد.
((فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ)) قطعوا الأمر، وقطعوا الرسالة، وقطعوا الوحدة، وقطعوا الدين الواحد، والدعوة الإلهية الواحدة وجعلوها فرقاً وأحزاباً.
﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي: كل طائفة من هؤلاء أشربوا الكفر، وانشرحت له صدروهم، ففرحوا بما لديهم، وزعموا أنهم وحدهم هم الذين على الحق، هكذا زعم اليهود، وهكذا زعم النصارى، وهكذا زعم المجوس، وهكذا زعم الضالون المبتدعون من المسلمين عندما فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، فقد قال ﵊: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، فميزان الدين الحق والفرقة الناجية التي هي على الحق: هو الأسوة النبوية، وهو السيرة الراشدة النبوية، وهو ما قال الله عنه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، فموضع الأسوة والهداية والاقتداء ما فعله ﷺ أو قاله أو أقره، فهو الحق المبين الذي لا يختلف فيه مسلمان، ولا يعارض فيه إلا كافر مشرك، فمن ائتسى به كان على الحق، وكان مع محمد على الحوض في الحنة صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما سوى ذلك فباطل وهراء وكذب وزيغ.
وإذا قلنا: الأمة المحمدية فالمراد الأمة التي أرسل لها النبي ﷺ ، والأمة التي أرسل إليها هي كل شعوب الأرض.
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]، فمنذ قالها وأرسل بها في هذه البقاع المقدسة وهذه الأرض الطاهرة لزمت كل من بلغته، فهو خاتم الأنبياء، وهو محمد المكي المدني صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن الدين الحق هو الإسلام: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]، فكل من هو على الأرض فهو من الأمة المحمدية، ومن استجاب وكان مسلماً فهو من أمة الاستجابة، ومن أبى وتمرد فهو من أمة الدعوة، والحجة قد قامت عليه بكتاب الله المقروء بالألسنة، والمحفوظ في الصدور، والمكتوب في السطور، والمذاع في أجهزة الإعلام سماعاً وتدبراً، وهكذا في جميع بقاع الأرض: في أرض الكافر وأرض المؤمن وأرض المنافق كل ذلك سواء، فقد قامت الحجة وبلغت الجميع، لكن اليهود والنصارى حرفوا التوراة والإنجيل وغيروهما بأكاذيبهم وضلالهم وانحرافهم، وهكذا غيروا التوراة فهي غير التي أنزلت من قبل، فهذه فيها هجو الأنبياء وقذفهم، والتطاول على المقام الإلهي، وفيها الشرك، وفيها الكذب، وفيها الفسق، وفيها الفساد، وقل مثل ذلك على الإنجيل كما رأيناه، وكما كان وقت نزول القرآن، فقد ألهوا عيسى، وألهوا مريم، وجعلوا الرب ثلاثة، وهكذا غيروا وبدلوا، وجعلوا الزبور كذلك.
وجاء بعدهم آخرون فوضعوا كتباً نسبوها لمن سموهم فلاسفة وسموهم هداة، وسموهم قادة، فغيروا كتاب الله، وغيروا دين الله، فكذبوا وفجروا وأشركوا كل حسب عقله وحسب شركه، وكانت كلها فرقاً باطلة كاذبة، كما قال ربنا ﷻ : ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣] أي: يفرحون بالباطل، ويفرحون بالضلال، وفرحوا بتكذيب أصل الدعوة وأصل الكتاب: بأن الدعوة واحدة وهي عبادة الله وحده لا شريك له من ملك أو جن أو إنس أو جماد أو أي شيء، فالمعبود الواحد هو الله ﷻ ، وبذلك أتت الأنبياء من أولهم آدم إلى خاتمهم نبينا صلوات الله وسلامه.
стр. 561
تفسير قوله تعالى: (فذرهم في غمرتهم حتى حين)
قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون:٥٤].
أي: ذرهم يا محمد! وما على الرسول إلا البلاغ، فأنت بلغ وادعهم إلى ربك، واتل عليهم الكتاب المنزل عليك، وبين لهم الرسالة التي أرسلت بها، ومن هنا كان ﵊ في حجة الوداع حريصاً على أن يشهد هؤلاء الخلق الذين دعاهم، وأرسل رسله إلى جميع أقاليم جزيرة العرب، وكانت وحدها إذ ذاك التي أسلمت ولم يخرج الإسلام بعد عن حدود الجزيرة، فأعلموهم أن النبي محمداً سيحج هذا العام، فحضر مائة وعشرون ألف حاج بين رجل وامرأة، وبين شيخ وطفل، فخطب فيهم خطبة حجة الوداع عند جبل الرحمة في آخر يوم عرفة، وهو يشهد الله ويشهدهم، فقال لهم: (هل بلغت؟ قالوا: نعم، اللهم قد بلغت وأبررت وأحسنت)، فكان ﵊ يرفع أصبعه السبابة إلى السماء ويقول: (اللهم فاشهد، اللهم فاشهد) أي: اشهد على هؤلاء أني قد بلغتهم ما أرسلتني به: من رسالة، ومن كتاب، ومن هداية، ومن دين، وأما الهداية فليست في يد أحد من الخلق، قال تعالى لخاتم الأنبياء: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢].
وهكذا عرض الله ﷻ على خاتم أنبيائه قصص الكافرين ومواقفهم من الشرك والإصرار على الشرك، والتكذيب لأنبيائهم، وهددهم وتوعدهم، ثم قال له بعد أن أمر بتبليغ الرسالة: ((فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ)) أي: دعهم واتركهم وتخل عنهم، ((فِي غَمْرَتِهِمْ)) في ضلالهم، وفي ضياعهم، وفي هرائهم، وفي ظلمتهم التي يعيشون فيها، ((حَتَّى حِينٍ)) أي: إلى وقت لا محالة في مجيئه، وهو يوم موتهم وهلاكهم، وهو يوم عرضهم على الله ليحاسب كل بما قدمت يداه: إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
стр. 562
تفسير قوله تعالى: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين)
ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون:٥٥ - ٥٦].
قال تعالى عن هؤلاء: أيظنون أن ما رزقناهم من أموال، ومن غنىً، ومن ترف، ومن خيل، ومن إبل، ومن قصور، ومن شباب، ومن قوة، أيظنون أننا بذلك نسارع لهم في الخيرات؟! قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾ أيظن هؤلاء المشركون الكافرون ((أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ)) نعطيهم إياه لبقاء حياتهم، أيظنون أنا نسارع لهم في الخيرات، ونبتليهم بالخيرات في الدنيا قبل الآخرة، وأنا يوم القيامة سنزيدهم من ذلك؟! قال تعالى عنهم: بل هؤلاء في غوايتهم وفي تيههم وفي ضلالهم، فلا يشعرون بأن هذا الذي أعطيناهم ليس إلا ابتلاء واختبار واستدراج، وسيحاسبون على ذلك بالنقير والقطمير يوم عرضهم على الله يوم البعث والنشور، وفي هذا يقول ﷺ : (إن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن يحب، فمن أعطاه الدين فقد أحبه، وإن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم)، ولذلك فالمجنون الضال هو الذي إذا رزق ووسع عليه وقوي في شبابه وقوي في أولاده، وقوي في سلطانه، ظن ذلك لما له من يد عند الله، فالله تعالى أعطاه ذلك في الدنيا، وأنه سيعطيه غيرها يوم القيامة، وقد قال ﵊: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة لما سقى منها كافراً شربة ماء).
ونحن نرى اليهود أكثر غنىً، والنصارى أكثر سلطاناً ومالاً، ومع ذلك هم الأمم الخاسرة، والأمم الملعونة، والأمم الوثنية التي تعبد مع الله بشراً، وتجعل له آلهة مزيفة لم تكن يوماً كذلك، ولم يأتوا بالسلطان عليها، وما ذلك إلا ابتلاء واختبار، والمؤمن الصالح هو الذي لا يغتر، بل إذا كثرت عليه النعم يجب أن يستكثر من الصدقة، ومن العطاء ومن العبادة؛ حتى يقبل، وكيلا يكون ذلك ابتلاء واختباراً، ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥]، وقد قال ﵊: (هلك المكثرون إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا) هلك: ضل.
فهؤلاء الذين أكثروا من جمع النشب والمال ضالون إلا الذين أكثروا من العطاء يميناً وشمالاً، وأنفقوا على أهليهم وعيالهم وذوي رحمهم، وأخرجوا الزكاة لمن ذكر الله في كتابه: للفقراء والمساكين وبقية الأقسام الثمانية، فيعطون السائل ولو جاء على فرس، وكما وصف الله المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥]، للمحروم الفقير والمسكين وللسائل حتى ولو لم يكن محتاجاً، فقد قال ﷺ : (للسائل حق ولو جاء على فرس)، فهذا الذي بذل لك ماء وجهه حتى ولو كان عنده فهو يحرم عليه أن يسألك، ولكنك أنت إذا سألك لا يليق بك أن ترده وقد بذل لك ماء وجهه، وذل لك وقال: أعطني فأعطه، فإن كان فقيراً فقد كان المال في مكانه، وإن كان مستغنياً فقد أجبت السائل كما قال الله: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥] وابتدأ بالسائل، وقد الله لنبيه: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:١٠].
فأنت إما أن تعطيه إن استطعت، وإما أن تقول له كلمة طيبة، مثلاً: غداً يأتيني مال وأعطيك، أو أعطاك الله ورزقك، ولا تنهره ولا تصح في وجهه، وما يدريك أن تنقلب الآية فتصبح يوماً أنت السائل وهو المسئول.
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون:٥٥ - ٥٦].
أي: أيظن هؤلاء النوكى والحمقى أن ما نعطيهم ونبتليهم ونختبرهم به من مال أن ذلك سرعة منا لخيرهم في الدنيا قبل الآخرة؟! ((بَل لا يَشْعُرُونَ)) أنه ابتلاء وأنه اختبار وأنه زيادة في النقمة وزيادة في المحاسبة؛ لأنهم عندما ابتلوا بذلك لم يعطوا فقيراً، ولم ينفقوا على من يحتاج نفقة، ولم يعطوا سائلاً، ولم يخرجوا حقوق الله في مالهم، وأول معركة وأول حرب أهلية في الإسلام كانت منذ الوفاة النبوة على من امتنعوا عن أن يؤدوا الزكاة، فحاربهم أبو بكر الصديق بعد مخالفة من بعض الصحابة، فقد احتج عليه عمر وقال: كيف نقاتل هؤلاء وهم يقولون: لا إله إلا الله؟ فقد أمرنا أن نقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، وإذا بـ أبي بكر يعنفه ويصيح في وجهه ويقول له: يا ابن الخطاب أبطاش في الجاهلية خوار في الإسلام؟! أتمم حديث رسول الله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها)، فأخذ يقول له: أليس من حق لا إله إلا الله أداء الزكاة؟ أليس من حق لا إله إلا الله القيام بالصلاة؟ فقال عمر: والله ما هو إلا أن شرح الله صدر أبي بكر بما شرحه له حتى شرح صدري، فكان إجماعاً من الصحابة على أنه إذا تواطأت فئة أو أهل مدينة على منع الزكاة فإنهم يحاربون ويقاتلون، فمن قتل منهم فإلى جهنم ودمه هدر، ومن بقي فإنه يجبر على إعطاء وأداء الزكاة رضي أو لم يرض، وكما في الحديث النبوي قال النبي ﵊ عن الزكاة: (إنا آخذوها أمراً من أمر ربنا، فإن أعطوها عن طيب خاطر وعن رضاً كان لهم أجرها، وإلا أخذناها عن يد وهم مقهورون) أو كما قال ﵊.
وهذا مذهب الشافعي أن من امتنع من أداء الزكاة فإنها تؤخذ منه قهراً ولا أجر له ولا ثواب، بمعنى أنه تباح أملاكه وما عنده من نشب في أداء ذلك، وترى الضرائب التي تعطى في دول إسلامية غير دولتنا عندما لا يؤدون الضرائب للحكومة فإنهم يبيعون عليهم أملاكهم ونشبهم ودورهم، ويكون التمام إلى السجن والعذاب والمهانة، فحق الله هو في إعطاء الفقراء والمساكين ما ملكهم الله إياه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة:٦٠]، وقد أجمع مفسروا الآية على أن هذه اللام في الآية هي للتمليك، أي: ملك الله الفقراء والمساكين ومن ذكر الله قدراً من المال في مال الأغنياء.
стр. 563
تفسير قوله تعالى: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧ - ٥٩].
بعد أن قص الله علينا قصص الكافرين الجاحدين الذين يظنون أنهم بما ملكهم الله من أموال ونشب وعرض وقوة أولاد وكثرة خدم وحشم؛ أن ذلك يسارع لهم في الخيرات، فذكر الله: أن الذين يسارع لهم الله في الخيرات وهم يحرصون عليه هم من وصفهم الله فقال: ((إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ)) أي: الذين هم مع عبادتهم ودينهم يخشون الله ويخافون ألا يقبل الله عبادتهم وطاعتهم، وأن يرمى بها في وجوههم، ويقول لهم: قد أشركتم معي غيري مراءاة وتسميعاً، ولا تريدون بذلك الإخلاص ولا وجه الله، فهم يخافون من ذلك وإن كانوا ليسوا كذلك.
وهم الذين لا يكفرون ولا يجحدون بقدرة الله، ولا بمعجزات أنبيائه، ولا بما أظهر الله على أيديهم، فيؤمنون بها ويصدقونها ويضعونها على الرأس، ويجعلونها من العقائد التي لا تقبل الشك ولا الميل.
((وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ)) فلا يشركون بالله ولا يتخذون معه إلهاً ثانياً لا في ذات ولا في صفة ولا في أفعال.
стр. 564
تفسير قوله تعالى: (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠].
(والذين يؤتون ما أتوا) أي: الذين يعطون ويتصدقون ويعبدون ويطيعون وهم مع ذلك وجلون خائفون أنهم إلى ربهم راجعون، فعندما يرجعون إلى الله يوم القيامة يخافون أن يقال لهم: إن عبادتكم كانت مشوبة، وإن صدقتكم لم تكن من طيب ولا حلال، فتجدهم يبالغون في العبادات والطاعات وفي الصدقات والزكاة، ومع ذلك يخافون ألا تقبل منهم.
وقد سألت السيدة عائشة ﵂ رسول الله ﷺ فقالت: (يا رسول الله! ((وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)) أهؤلاء الذين يزنون ويسرقون ويشربون الخمر؟ قال: لا يا بنت الصديق! وإنما هؤلاء الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ويخافون ألا يقبل أعمالهم ولا عبادتهم).
فهم لشدة حرصهم ورغبتهم في أن تقبل طاعتهم يخافون أن تكون هناك شائبة في هذه الطاعة فلا تقبل، أي: يعبدون الله بين خوف ورجاء كما أمر المؤمنين.
стр. 565
تفسير قوله تعالى: (أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون)
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٦١].
يذكر الله تعالى أن هؤلاء السابقين في الخيرات هم الذين يسبقون إليها لا أولئك الذين رزقوا مالاً ولم يصنعوا به شيئاً، ورزقوا ولداً فلم يصنعوا به شيئاً، فالله هو الذي رزقهم وأعطاهم ومتعهم بالعافية وبالأولاد وبالخدم والحشم، لا لكونهم سادة الناس، ولكن ابتلاء واختباراً، فإن هم عملوا بذلك وأطاعوا بذلك وأدوا الحقوق فذاك، وإلا كان ذلك ابتلاء ومزيداً في العذاب، ولا يظن هؤلاء أننا نسارع لهم في الخيرات، بل الذين نسارع لهم في الخيرات هم يسارعون في الخيرات، والإكثار من العبادات والطاعات، وهم مع ذلك يخافون ألا تقبل منهم، هم هؤلاء الذين يشفقون ويخافون من ربهم مع عبادتهم، والذين يؤمنون بكل آياته وقدرته ومعجزات أنبيائه، والذين لا يشركون مع الله أحداً، والذين يبالغون في العبادة والطاعة والصدقات ومع ذلك يخافون ألا تقبل منهم.
((أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ)) فهؤلاء الذين وصف الله هم الذين يسارعون ويتسابقون: من الذي يسبق الآخر فيكون أكثر عبادة وأكثر صدقة وأكثر تهجداً.
((وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)) أي: هم بفعلهم ذلك واعتقادهم ذلك سابقون للناس في العبادة والطاعة والصدقة والخشية من ربهم، فهؤلاء هم الذين نسارع لهم في الخيرات لا أولئك.
следующие страницы →