Полный текст (2 442 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
تفسير قوله تعالى: (فذرهم في غمرتهم حتى حين)
قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون:٥٤].
أي: ذرهم يا محمد! وما على الرسول إلا البلاغ، فأنت بلغ وادعهم إلى ربك، واتل عليهم الكتاب المنزل عليك، وبين لهم الرسالة التي أرسلت بها، ومن هنا كان ﵊ في حجة الوداع حريصاً على أن يشهد هؤلاء الخلق الذين دعاهم، وأرسل رسله إلى جميع أقاليم جزيرة العرب، وكانت وحدها إذ ذاك التي أسلمت ولم يخرج الإسلام بعد عن حدود الجزيرة، فأعلموهم أن النبي محمداً سيحج هذا العام، فحضر مائة وعشرون ألف حاج بين رجل وامرأة، وبين شيخ وطفل، فخطب فيهم خطبة حجة الوداع عند جبل الرحمة في آخر يوم عرفة، وهو يشهد الله ويشهدهم، فقال لهم: (هل بلغت؟ قالوا: نعم، اللهم قد بلغت وأبررت وأحسنت)، فكان ﵊ يرفع أصبعه السبابة إلى السماء ويقول: (اللهم فاشهد، اللهم فاشهد) أي: اشهد على هؤلاء أني قد بلغتهم ما أرسلتني به: من رسالة، ومن كتاب، ومن هداية، ومن دين، وأما الهداية فليست في يد أحد من الخلق، قال تعالى لخاتم الأنبياء: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢].
وهكذا عرض الله ﷻ على خاتم أنبيائه قصص الكافرين ومواقفهم من الشرك والإصرار على الشرك، والتكذيب لأنبيائهم، وهددهم وتوعدهم، ثم قال له بعد أن أمر بتبليغ الرسالة: ((فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ)) أي: دعهم واتركهم وتخل عنهم، ((فِي غَمْرَتِهِمْ)) في ضلالهم، وفي ضياعهم، وفي هرائهم، وفي ظلمتهم التي يعيشون فيها، ((حَتَّى حِينٍ)) أي: إلى وقت لا محالة في مجيئه، وهو يوم موتهم وهلاكهم، وهو يوم عرضهم على الله ليحاسب كل بما قدمت يداه: إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
стр. 562
تفسير قوله تعالى: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين)
ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون:٥٥ - ٥٦].
قال تعالى عن هؤلاء: أيظنون أن ما رزقناهم من أموال، ومن غنىً، ومن ترف، ومن خيل، ومن إبل، ومن قصور، ومن شباب، ومن قوة، أيظنون أننا بذلك نسارع لهم في الخيرات؟! قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾ أيظن هؤلاء المشركون الكافرون ((أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ)) نعطيهم إياه لبقاء حياتهم، أيظنون أنا نسارع لهم في الخيرات، ونبتليهم بالخيرات في الدنيا قبل الآخرة، وأنا يوم القيامة سنزيدهم من ذلك؟! قال تعالى عنهم: بل هؤلاء في غوايتهم وفي تيههم وفي ضلالهم، فلا يشعرون بأن هذا الذي أعطيناهم ليس إلا ابتلاء واختبار واستدراج، وسيحاسبون على ذلك بالنقير والقطمير يوم عرضهم على الله يوم البعث والنشور، وفي هذا يقول ﷺ : (إن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن يحب، فمن أعطاه الدين فقد أحبه، وإن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم)، ولذلك فالمجنون الضال هو الذي إذا رزق ووسع عليه وقوي في شبابه وقوي في أولاده، وقوي في سلطانه، ظن ذلك لما له من يد عند الله، فالله تعالى أعطاه ذلك في الدنيا، وأنه سيعطيه غيرها يوم القيامة، وقد قال ﵊: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة لما سقى منها كافراً شربة ماء).
ونحن نرى اليهود أكثر غنىً، والنصارى أكثر سلطاناً ومالاً، ومع ذلك هم الأمم الخاسرة، والأمم الملعونة، والأمم الوثنية التي تعبد مع الله بشراً، وتجعل له آلهة مزيفة لم تكن يوماً كذلك، ولم يأتوا بالسلطان عليها، وما ذلك إلا ابتلاء واختبار، والمؤمن الصالح هو الذي لا يغتر، بل إذا كثرت عليه النعم يجب أن يستكثر من الصدقة، ومن العطاء ومن العبادة؛ حتى يقبل، وكيلا يكون ذلك ابتلاء واختباراً، ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥]، وقد قال ﵊: (هلك المكثرون إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا) هلك: ضل.
فهؤلاء الذين أكثروا من جمع النشب والمال ضالون إلا الذين أكثروا من العطاء يميناً وشمالاً، وأنفقوا على أهليهم وعيالهم وذوي رحمهم، وأخرجوا الزكاة لمن ذكر الله في كتابه: للفقراء والمساكين وبقية الأقسام الثمانية، فيعطون السائل ولو جاء على فرس، وكما وصف الله المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥]، للمحروم الفقير والمسكين وللسائل حتى ولو لم يكن محتاجاً، فقد قال ﷺ : (للسائل حق ولو جاء على فرس)، فهذا الذي بذل لك ماء وجهه حتى ولو كان عنده فهو يحرم عليه أن يسألك، ولكنك أنت إذا سألك لا يليق بك أن ترده وقد بذل لك ماء وجهه، وذل لك وقال: أعطني فأعطه، فإن كان فقيراً فقد كان المال في مكانه، وإن كان مستغنياً فقد أجبت السائل كما قال الله: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥] وابتدأ بالسائل، وقد الله لنبيه: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:١٠].
فأنت إما أن تعطيه إن استطعت، وإما أن تقول له كلمة طيبة، مثلاً: غداً يأتيني مال وأعطيك، أو أعطاك الله ورزقك، ولا تنهره ولا تصح في وجهه، وما يدريك أن تنقلب الآية فتصبح يوماً أنت السائل وهو المسئول.
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون:٥٥ - ٥٦].
أي: أيظن هؤلاء النوكى والحمقى أن ما نعطيهم ونبتليهم ونختبرهم به من مال أن ذلك سرعة منا لخيرهم في الدنيا قبل الآخرة؟! ((بَل لا يَشْعُرُونَ)) أنه ابتلاء وأنه اختبار وأنه زيادة في النقمة وزيادة في المحاسبة؛ لأنهم عندما ابتلوا بذلك لم يعطوا فقيراً، ولم ينفقوا على من يحتاج نفقة، ولم يعطوا سائلاً، ولم يخرجوا حقوق الله في مالهم، وأول معركة وأول حرب أهلية في الإسلام كانت منذ الوفاة النبوة على من امتنعوا عن أن يؤدوا الزكاة، فحاربهم أبو بكر الصديق بعد مخالفة من بعض الصحابة، فقد احتج عليه عمر وقال: كيف نقاتل هؤلاء وهم يقولون: لا إله إلا الله؟ فقد أمرنا أن نقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، وإذا بـ أبي بكر يعنفه ويصيح في وجهه ويقول له: يا ابن الخطاب أبطاش في الجاهلية خوار في الإسلام؟! أتمم حديث رسول الله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها)، فأخذ يقول له: أليس من حق لا إله إلا الله أداء الزكاة؟ أليس من حق لا إله إلا الله القيام بالصلاة؟ فقال عمر: والله ما هو إلا أن شرح الله صدر أبي بكر بما شرحه له حتى شرح صدري، فكان إجماعاً من الصحابة على أنه إذا تواطأت فئة أو أهل مدينة على منع الزكاة فإنهم يحاربون ويقاتلون، فمن قتل منهم فإلى جهنم ودمه هدر، ومن بقي فإنه يجبر على إعطاء وأداء الزكاة رضي أو لم يرض، وكما في الحديث النبوي قال النبي ﵊ عن الزكاة: (إنا آخذوها أمراً من أمر ربنا، فإن أعطوها عن طيب خاطر وعن رضاً كان لهم أجرها، وإلا أخذناها عن يد وهم مقهورون) أو كما قال ﵊.
وهذا مذهب الشافعي أن من امتنع من أداء الزكاة فإنها تؤخذ منه قهراً ولا أجر له ولا ثواب، بمعنى أنه تباح أملاكه وما عنده من نشب في أداء ذلك، وترى الضرائب التي تعطى في دول إسلامية غير دولتنا عندما لا يؤدون الضرائب للحكومة فإنهم يبيعون عليهم أملاكهم ونشبهم ودورهم، ويكون التمام إلى السجن والعذاب والمهانة، فحق الله هو في إعطاء الفقراء والمساكين ما ملكهم الله إياه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة:٦٠]، وقد أجمع مفسروا الآية على أن هذه اللام في الآية هي للتمليك، أي: ملك الله الفقراء والمساكين ومن ذكر الله قدراً من المال في مال الأغنياء.
стр. 563
تفسير قوله تعالى: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧ - ٥٩].
بعد أن قص الله علينا قصص الكافرين الجاحدين الذين يظنون أنهم بما ملكهم الله من أموال ونشب وعرض وقوة أولاد وكثرة خدم وحشم؛ أن ذلك يسارع لهم في الخيرات، فذكر الله: أن الذين يسارع لهم الله في الخيرات وهم يحرصون عليه هم من وصفهم الله فقال: ((إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ)) أي: الذين هم مع عبادتهم ودينهم يخشون الله ويخافون ألا يقبل الله عبادتهم وطاعتهم، وأن يرمى بها في وجوههم، ويقول لهم: قد أشركتم معي غيري مراءاة وتسميعاً، ولا تريدون بذلك الإخلاص ولا وجه الله، فهم يخافون من ذلك وإن كانوا ليسوا كذلك.
وهم الذين لا يكفرون ولا يجحدون بقدرة الله، ولا بمعجزات أنبيائه، ولا بما أظهر الله على أيديهم، فيؤمنون بها ويصدقونها ويضعونها على الرأس، ويجعلونها من العقائد التي لا تقبل الشك ولا الميل.
((وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ)) فلا يشركون بالله ولا يتخذون معه إلهاً ثانياً لا في ذات ولا في صفة ولا في أفعال.
стр. 564
تفسير قوله تعالى: (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠].
(والذين يؤتون ما أتوا) أي: الذين يعطون ويتصدقون ويعبدون ويطيعون وهم مع ذلك وجلون خائفون أنهم إلى ربهم راجعون، فعندما يرجعون إلى الله يوم القيامة يخافون أن يقال لهم: إن عبادتكم كانت مشوبة، وإن صدقتكم لم تكن من طيب ولا حلال، فتجدهم يبالغون في العبادات والطاعات وفي الصدقات والزكاة، ومع ذلك يخافون ألا تقبل منهم.
وقد سألت السيدة عائشة ﵂ رسول الله ﷺ فقالت: (يا رسول الله! ((وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)) أهؤلاء الذين يزنون ويسرقون ويشربون الخمر؟ قال: لا يا بنت الصديق! وإنما هؤلاء الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ويخافون ألا يقبل أعمالهم ولا عبادتهم).
فهم لشدة حرصهم ورغبتهم في أن تقبل طاعتهم يخافون أن تكون هناك شائبة في هذه الطاعة فلا تقبل، أي: يعبدون الله بين خوف ورجاء كما أمر المؤمنين.
стр. 565
تفسير قوله تعالى: (أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون)
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٦١].
يذكر الله تعالى أن هؤلاء السابقين في الخيرات هم الذين يسبقون إليها لا أولئك الذين رزقوا مالاً ولم يصنعوا به شيئاً، ورزقوا ولداً فلم يصنعوا به شيئاً، فالله هو الذي رزقهم وأعطاهم ومتعهم بالعافية وبالأولاد وبالخدم والحشم، لا لكونهم سادة الناس، ولكن ابتلاء واختباراً، فإن هم عملوا بذلك وأطاعوا بذلك وأدوا الحقوق فذاك، وإلا كان ذلك ابتلاء ومزيداً في العذاب، ولا يظن هؤلاء أننا نسارع لهم في الخيرات، بل الذين نسارع لهم في الخيرات هم يسارعون في الخيرات، والإكثار من العبادات والطاعات، وهم مع ذلك يخافون ألا تقبل منهم، هم هؤلاء الذين يشفقون ويخافون من ربهم مع عبادتهم، والذين يؤمنون بكل آياته وقدرته ومعجزات أنبيائه، والذين لا يشركون مع الله أحداً، والذين يبالغون في العبادة والطاعة والصدقات ومع ذلك يخافون ألا تقبل منهم.
((أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ)) فهؤلاء الذين وصف الله هم الذين يسارعون ويتسابقون: من الذي يسبق الآخر فيكون أكثر عبادة وأكثر صدقة وأكثر تهجداً.
((وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)) أي: هم بفعلهم ذلك واعتقادهم ذلك سابقون للناس في العبادة والطاعة والصدقة والخشية من ربهم، فهؤلاء هم الذين نسارع لهم في الخيرات لا أولئك.
стр. 566
تفسير قوله تعالى: (ولا نكلف نفساً إلا وسعها)
قال تعالى: ﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:٦٢].
يقول الله: مع كل هذا فنحن لا نكلف أحداً بما ليس في طاقته ولا في وسعه، وقد أمر الناس بعبادته والإيمان به وحده، والإيمان عمل عقدي يضمره الإنسان ويجمع جوانحه عليه، فيؤمن بأن الله واحد، وكل ما عبد الناس سواه من جن أو إنس أو ملك أو جماد كل ذلك باطل، بل على العبد أن يمتثل لربه فيما أمر به وما نهى عنه، ولنبيه فيما أمر به وما نهى عنه، وما يؤمرون به كما قال ﷺ : (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فلم يكلف الله عبداً إلا بما هو في وسعه وطاقته، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فقد أمرنا بالصلاة قياماً، فإن لم يكن ذلك في وسعنا فنصلي جلوساً، وأمرنا بالصيام فإن لم يكن ذلك في وسعنا أفطرنا، وأمرنا بالحج فإن لم يكن ذلك في وسعنا لا زاداً ولا راحلة ولا قدرة لم نحج، وأمرنا بالزكاة فإن لم يكن عندنا مال نزكي ولم يكن ذلك في وسعنا أسقط الله عنا ذلك.
إذاً: فالله لا يكلف مؤمناً شططاً، ولم يأمره بما يعجز عنه.
لم يمتحنا بما تعيا العقول به حرصاً علينا فلم نرتب ولم نهم فلم يأمرنا إلا بما في قدرتنا عقيدة، وفي قدرتنا جناناً، وفي قدرتنا أعمالاً، وفي قدرتنا بما نملكه ونستطيعه، وما دون ذلك لم يأمرنا الله بشيء، بل من اعتاد عبادة وهو صحيح البدن كثير المال بحج أو عمرة أو صدقة أو زكاة بقوة من طواف وسعي وحج وأنواعها ثم مرض، فإن الله تعالى يتابع أجره وثوابه كما لو بقي على ذلك إلى لقاء الله إلى الموت؛ لأن الله هو الذي أعجزه وأشاخه، ولأن الله هو الذي أفقره فهو لم يستطع؛ لأن ما كان عنده قد أخذه الله، فهو بذلك معذور، بل وكما قال نبينا ﵊ فإنه يجازى على ذلك ويكثر أجره وثوابه كما لو كان لا يزال صحيح البدن، مليء الجلد، كثير الحركة والنشاط، فيؤجر على ذلك ثواباً وأجراً مستمرين.
стр. 567
تفسير سورة المؤمنون [٦٢ - ٦٧]
لم يكلف الله تعالى أحداً من عباده شططاً، وإنما كلفنا ما نطيق، وجعل هذا الدين يسراً وليس بعسر، ثم يحشر الناس يوم القيامة ويحاسبهم بما كانوا يعملون، فلا يظلم أحداً.
وقد ذكر الله تعالى حال المترفين وأنهم إذا أصابهم العذاب إذا بهم يصيحون ويجأرون، ولكن لا ينفعهم ذلك، فقد فرطوا في زمن العمل والفراغ والصحة.
стр. 568
تفسير قوله تعالى: (ولا نكلف نفساً إلا وسعها)
قال الله ﷻ : ﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:٦٢].
بعد أن قص الله علينا صفات المؤمنين من الإيمان بالله والإيمان بآيات الله وعدم الإشراك بالله ﷻ ، والعبادة مع الخوف ألا تقبل وأن تضرب بها الوجوه لنقصانها، ولما يخاف أن يكون فيها من رياء وتسميع، مع كل ذلك يقول الله ﷻ : ((وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)) فلم يكلف الله أحداً من العباد بأن يأتي بأكثر مما تطيقه نفسه، قلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وما جعل عليكم في الدين من حرج.
فالله ﷻ أمرنا بما نقدر عليه وبما نطيقه، فإذا مرض أحدنا أو منعه مانع فإنه ينتقل من الوضوء بالماء إلى التيمم، ومن الصلاة قياماً إلى الجلوس، ومن الحج إلى عدم الحج، ومن الصيام إلى الإفطار، ومن الضيق إلى السعة مع الأجر والثواب في كل ما كان يصنعه هذا الذي مرض وحال مرضه دون ذلك، أو افتقر وحال فقره دون ذلك من زكاة وحج وما إلى ذلك.
يقول الله ﷻ : ((وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)) ما تسعه طاقتها، وما تسعه قدرتها، وما سوى ذلك لم يكلف ولم يطالب به أحد.
قال الله تعالى: ((وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ)) لدى الله ﷻ كتاب ينطق بالحق وينطق بأعمال العباد إن خيراً وإن شراً، والكتاب هو الذي يكتبه الملكان المكلفان عن يمين وشمال عن كل إنسان مكلف من الخلق في الأرض، فمن على اليمين يكتب الحسنات، ومن على اليسار يكتب السيئات، وذلك يحفظ إلى يوم الحشر والعرض على الله.
((وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ))، فهؤلاء عندما يأتون للحساب وللعقاب يأتون إما إلى جنة وإما إلى نار، فتنطق عليهم أعمالهم وكتبهم بالحق الذي صدر منهم وبالحق الذي علموه، فلا يظلم أحد في ذلك نقيراً، ولا تنقص الحسنات ولا تزيد السيئات، بل قد تكفر السيئات أو بعضها وتزداد الحسنات ويعظمها الله تعالى من حسنة إلى عشر إلى سبعمائة إلى ما يشاء الله ﷻ .
والله ﷻ لا يظلم نفساً شيئاً لا يضيع على إنسان عمله خيراً كان أو شراً، قد يغفر الشر ويزيد في الخير.
стр. 569
تفسير قوله تعالى: (بل قلوبهم في غمرة من هذا)
قال تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون:٦٣].
يقول الله عن هؤلاء الكافرين والمشركين والجاحدين: ليس الأمر معصية وخلافاً فقط، بل قلوبهم لم يفتحوها للإيمان، ولم يعوا ما يقول لهم نبيهم، ولم يعوا ما يقول لهم كتاب ربهم، فقلوبهم في غمرة، وفي ضلال وفي عماية وفي غواية، فلهم قلوب لا يعقلون بها، فلا وعي ولا فهم ولا إدراك؛ لأنهم لا يريدون ذلك، فزادهم ذلك عماية وضلالة، وزادت قلوبهم ركساً وجهلاً وتعمقاً في الباطل.
((بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ)) غمرة وجهل، وغمرة عدم إدراك ووعي.
((بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا)) أي: من كتاب الله ومن نبي الله محمد صلى الله عليه وعلى آله، ومن الدين الحق هذا، فالإشارة هنا تتناول الإسلام والقرآن والنبي ﵊، والمعنى بكل ذلك صحيح، وبكل ذلك تتم الآية معنىً ومبنىً.
((بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ)) فهؤلاء الكفرة ليست ذنوبهم الكفر فقط، بل لهم أعمال أخرى سيئة زيادة على الكفر: من سرقة، وزنا وفساد، ورباً، وأكل أموال الناس بالباطل، وسفك الدماء، وهتك الأعراض، ونكران الحق، والوقوف في وجهه، وبهذه الفقرة في هذه الآية الكريمة نعلم أن الحق مع من قال بأن الشرائع كلياتها وجزئياتها يخاطب بها المؤمن والكافر.
فأما المؤمن فتقبل منه إن أداها كما هي شرائط وواجبات وسنناً، وأما الكافر فالإيمان شرط في العمل وشرط في قبوله، فلا تقبل صلاة ولا زكاة ولا إحسان إلا ممن آمن بالله أولاً؛ لأن العمل هو لله، فمن أشرك فهو لمن يصلي، ولمن يزكي، ولمن يصوم، ومن يعبد، فهو لم يؤمن بالله الواحد، بل أشرك معه غيره، ومن أشرك بالله فعمله لشركاء الله، ولا يقبل الله من العبادة إلا ما كان خالصاً له.
((وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ)) أي: لهؤلاء الكفرة الجاحدين المشركين أعمال زيادة على الكفر: من سرقات وفجور وكذب وهتك أعراض واستباحة دماء، فهم يوم القيامة سيحاسبون على كل ذلك، فيحاسبون على الإيمان بالله الواحد، ثم يحاسبون على جزئيات الشريعة فيما أمر الله به ولم يقوموا به، أو قاموا به أو ببعضه لا لله ولكن لمعان أخرى في أنفسهم.
وفي إحدى الغزوات رأى الصحابة رجلاً أظهر من الشجاعة ومن البلاء ومن الحرص على قتل أعداء الله من الكافرين الشيء العجيب، وإذا به يسقط جريحاً، فأخبروا بذلك رسول الله ﷺ ، فقال لهم: (هو في النار، فعجبوا لذلك، فقالوا في أنفسهم: إن كان هذا مع جهاده ومع بلائه ومع قتاله ومع شجاعته نهاية إلى النار! فكيف يكون حالنا؟! ومن الذي سيدخل الجنة بعد ذلك؟! وإذا بهم يأتون إلى هذا الجريح وهو يحتضر ويجود بنفسه، فقالوا له: يا فلان هنيئاً لك الجنة، قال: أي جنة! والله لا أقاتل لدين، ولا أقاتل لنبي، وإنما أقاتل حمية عن العشيرة، وحمية عن البلد)، كما يقال اليوم: وطنية وقومية، وهناك علموا أن الرجل كافر لا يؤمن برب ولا يؤمن بنبي ولا يؤمن بكتاب، وإنما دفعه لما دفعه إليه معان أخرى لا صلة لها بإسلام، ولا صلة لها بطاعة، ولا صلة لها برب ولا نبي، وقد سئل ﷺ : (عن الرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل للغنيمة، والرجل يقاتل ليقال شجاع، فقال: من قاتل لتكون كلمة الله العليا فهو في سبيل الله)، وهكذا: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)، فمن نوى الشرك فلا عمل له سوى الشرك، ومن نوى الإيمان والإسلام فهو وعمله، فإن كانت النية صالحة وقام بالأعمال بشرائطها وواجباتها فله أجره وله ثوابه.
((وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ)) أي: قائمون بها يعملونها زيادة على الشرك وزيادة على الكفر، فليسوا فقط كافرين في أنفسهم، ولكنهم عملوا بمقتضى كفرهم، فحاربوا نبي الله ﷺ ، وحاربوا الأصحاب، وحاربوا المؤمنين، وحاربوا الدعاة إلى الله، وارتكبوا من الآثام ومن الجرائم ومن المخاطر ما هو مكتوب في صحائفهم، ومسجل في الكتاب الذي عند الله، الذي سينشر يوم العرض عليه.
((وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ)) أي: لهؤلاء المشركين سوى الشرك أعمال جاحدة وأعمال فاسقة سيحاسبون عليها، فهم قائمون بها وعاملون لها.
стр. 570
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب)
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٤].
فهؤلاء الذين يعيشون حياتهم كلها مصرين على الكفر ومصممين على الشرك، يأبون إلا الجحود وإلا حرب الله ورسوله والمؤمنين، فهؤلاء يبقون هكذا إلى أن يأخذ الله أغنياءهم وكبراءهم ومترفيهم في الدنيا قبل الآخرة، وقد كانوا في نعم وترف، فما زادهم الإنعام ولا زادهم الترف ولا زادهم الجاه إلا جحوداً وكفراناً، ومن يكفر بالنعمة جدير أن يسلبها، ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]، والعذاب على الكفران بالنعمة سلبها وزوالها.
وهكذا سلط الله على الأغنياء والمترفين والمنعمين عندما أكلوا أموال الفقراء والمساكين، ولم يؤدوا الزكاة الواجبة، ولم يؤدوا حق السائل ولا حق المحروم، فسلط عليهم من يأخذ أموالهم ويصادر أملاكهم، ويذلهم مع ذلك جزاء وفاقاً لما كفروا بالنعمة.
حتى قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾ [المؤمنون:٦٤] أي: حتى إذا أخذ الله هؤلاء المترفين -من الترف والعيشة في بذخ وفي غنى- حتى إذا أخذ الله هؤلاء المترفين والأغنياء بالعذاب: بأن نزع عنهم أموالهم، وأزال عنهم صحتهم، وأزال عزهم وجاههم وسلطانهم، ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٤] أي: يصيحون ويستغيثون، فحينئذٍ يتذكرون الرب، فيأخذون في الاستغاثة، فيستغيثون بالله إن كانت لا تزال عندهم بقية من إيمان، وقد لا يستغيثون إلا بالشيطان إذ كانوا كافرين في الأصل لا يؤمنون بدين، ولا برب، ولا بنبي، فيبقون على كفرهم.
((حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ)) ففي هذه الحالة ينسون كفرهم وشركهم وجرائمهم، وإذا بهم يصرخون ويجأرون ويستغيثون، ولا مغيث ولا صارخ إن هو إلا العذاب الذي حق عليهم جزاء أعمالهم وجزاء كفرهم.
стр. 571
تفسير قوله تعالى: (لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون)
فقال الله لهم: ﴿لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٥].
وهذا يعم الدنيا والآخرة، ((لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ)) بعد أن كفرتم وبعد أن أشركتم وبعد أن حاربتم الله ورسوله، فلم تطيعوا كتاباً، ولم تطيعوا نبياً، ولم تستجيبوا لدعاتكم ولا لعلمائكم، ولم تشفقوا على فقير أو مسكين فتعطوه حقه وتعطوه نواله وتؤدون له ما أمركم الله بأدائه.
فلا تصيحوا ولا تستغيثوا، فلا مغيث ولا صارخ، ((لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ)) أي: ليس لكم نصير دوننا، ولا يملك أحد من الخلق ملك أو جن أو إنس أن يغيثكم من عذاب الله، فذلك جزاء كفرهم وشركهم وعصيانهم.
((لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ)) أقرب ما يكون المعنى أن هذا يكون في الآخرة.
стр. 572
تفسير قوله تعالى: (قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون)
قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٦ - ٦٧].
ففي حال الحياة وحال قبول الأعمال أو رفضها كانت آياتي تتلى عليكم وجاءكم أنبياء الله، ورأيتم معجزات الرسل وقدرة الله على الخلق والإيجاد والإحياء والإماتة ثم الإحياء والبعث، ((فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ)) كنتم تسمعون ذلك فتهزون أكتافكم وتسخرون بالتالي وبالقارئ وبالداعية، ثم تنقلبون متنكصين على أعقابكم القهقرى، فرجعتم إلى جاهليتكم الأولى وإلى شرككم الأول قبل أن يأتيكم أنبياؤكم، وقبل أن ترسل لكم رسلكم، وقبل أن تنزل كتب الله عليكم؛ لتعلموا الحق، وتميزوا بينه وبين الباطل.
فآلآن وقد عشتم بعد الموت ووجدتم ما كنتم تنكرون وقد أصبح واقعاً، وهاأنتم الآن قد بعثتم بعد الموت لتعرضوا على الله إما إلى الجنة وإما إلى النار.
﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ [المؤمنون:٦٦]، الأعقاب جمع عقب وهو آخر الرجل، والمعنى: كنتم ترجعون إلى الوراء وترجعون القهقرى، فرجعوا للكفر، ورجعوا للشرك، ورجعوا للباطل والضلالة، وهكذا قال النبي ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، فالرجعي هو الذي يرجع للكفر، ويرجع للشرك، ويرجع لحالات الجاهلية، ويرجع لحالات الفوضى حيث لا نبي ولا كتاب ولا رسول، فكانوا يرجعون القهقرى وتركوا التقدم، وتركوا التجدد، وما التقدم والتجدد إلا في التمسك بكتاب الله، والالتزام بدين الله، وطاعة رسول الله ﷺ فيما أمر به ونهى عنه.
((مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ)) هذا الضمير لم يكن له ذكر ظاهر، ومن هنا قال البعض: (مستكبرين به) أي: مستكبرين متعالين متعاظمين على نبي الله، فالضمير يرجع على كتاب الله المتلو، وقيل: على البيت، وأقرب المعاني أنه يرجع على البيت، والخطاب يخص قريشاً خاصة.
((مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ)) أي: متعاظمين ببيت الله الحرام، فقد كانت قريش تزعم أنهم جوار زوار بيت الله لا يخافون أحداً ولا يخشون عذاباً، ولا يخشون نقمة، ويعتقدون أن ما هم فيه من شرك ومن أوثان ومن أصنام ومن تغيير دين إسماعيل ودين إبراهيم هو الحق الذي يعيشون عليه، ويرون بذلك أن لهم حقاً على جميع العرب وغير العرب؛ حيث حرسوا البيت وكانوا سدنته، وكانوا مستقبلين ضيوفه، وكانوا وكانوا، ولكن كل ذلك لم يفدهم شيئاً عندما بقوا على كفرهم وشركهم، فقد كانوا متعاظمين مستكبرين بالبيت، وقد حاولوا أن يضلوا البيت إلى أن جاء النبي ﷺ فأعزه، وكسر الأصنام ورمى بها ونبذها، وأقعد بلالاً على ظهر الكعبة يعلن كلمة الحق ويعلن شهادة الحق: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولم يقبل النبي ﷺ أن يطوف بالكعبة حتى يزيل تلك الأصنام التي كانت على عدد الأيام (٣٦٠) صنماً، فكسرها وجعلها شذر مذر ورماها، حتى لقد تمنى زنديق في هذا العصر ممن يقوم بالحفريات أن يخرج هذه الأصنام ويظهرها كأثر ويظهرها كتاريخ؛ شوقاً إلى عهد الوثنية، وشوقاً إلى عهد الأصنام، واقترح ذلك على الحكام قبل وبعد فخاب وخاب فأله.
((مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ)) (سامراً) ساهراً من السمر، وهي كلمة مفردة يراد بها الجمع، أي: كانوا سامرين ساهرين، ويراد بها الزمن، كأن تقول: سَمَراً، وهذا موجود في لغة العرب أن تذكر كلمة مفردة ويقصد بها الزمن، أي: مستكبرين به سَمَراً يهجرون.
((سَامِرًا تَهْجُرُونَ)) سامرين جميعاً ساهرين، و (تهجرون) قرئ يُهجرون ويهجرون من الهجر أو الهجران، أي: يسمرون حول الكعبة وحول البيت ويهجرون، أي: ينطقون بالهجر وبالفحش وبالسب، فكانوا يسبون نبي الله ﷺ ، ويتهمونه في صدق رسالته، وفي صدق الكتاب الذي أنزل عليه، وفي دعوته ﷺ ، فكانوا يسبون القرآن فيقولون عنه: شعر، ويقولون: سحر، كما يقولون هذا عن نبي الله ﷺ .
أو يهجرون من الهجران، أي: يهجرون الرسالة، ويهجرون النبي ﷺ ، ويهجرون الحق ويبتعدون عنه، ويهجرون كتاب الله، أي: هؤلاء الذي استكبروا وتعالوا بالكعبة وببيت الله الحرام لم يكن ذلك عن حق ولا عن إيمان ولا عن هدى، وإنما كان ضلالاً، وكان كفراً وكان جهلاً وكان إصراراً على الكفر، ولهذا عندما لم يعرفوا قيمة البيت وجلال البيت في سدانته وفي القيام عليه نزعه الله من أيديهم ودخله ﷺ فاتحاً عزيزاً سيداً مظفراً عليهم، وهو ينشد نشيد الفتح: (الحمد لله الذي نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده)، منكساً رأسه على بعيره بكل تواضع، وهو على جمل وليس على فرس، ومشية الجمل هوجاء ومشية الفرس تكون رقصاً، والنبي ﷺ زيادة في التواضع لربه دخل على هذه الهيئة ولم ينسب لنفسه شيئاً، فالله هو الفاتح، والله هو الناصر، وهو قد أعاد الكل إلى الله، ولا شك أن كلاً منه ﷻ ، وهو يعلم بذلك المؤمنين والفاتحين والحاكمين؛ لأن الله يكرم المؤمن فتحاً وزيادة وغنىً وجاهاً؛ ليزداد بذلك تواضعاً وخنوعاً لله وطاعة لله، فالكل منه وإليه.
стр. 573
تفسير سورة المؤمنون [٦٨ - ٧٦]
في هذه الآيات ينعي الله تعالى على الكافرين المشركين عدم تدبرهم لهذا الوحي، وعدم تفكرهم فيه وهو بلغتهم ولهجتهم، وهم أهل الفصاحة والبلاغة، فهل يريدون أن يتبع الحق أهواءهم حتى يؤمنوا؟! فلو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيها، ولخربت البلاد وهلك العباد.
стр. 574
تفسير قوله تعالى: (أفلم يدبروا القول)
قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون:٦٨].
الكلام هنا لقريش، ولكن كما يقول علماء الأصول: العبرة بعموم اللفظ، فالخطاب كان وسيبقى إلى يوم البعث والنشور خطاباً لكل كافر كان على شكل أولئك الذين عاصروا رسول الله ﷺ من الكافرين، والكلام سوف يبقى كما أنزل خطاباً لكل مسلم، فللمؤمن الجنة وللكافر النار، فإذا قال ربنا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة:٢١] فهو خطاب للمؤمن والكافر، وإذا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:١٠٤] فهو خطاب للؤمن وحده.
((أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ)) أي: هل هؤلاء أصابتهم البلادة، وأصابهم العجز عن الفهم وتقدير المعنى وتدبره وفهمه؟ كيف لم يدبروا ولم يفهموا ولم يعوا ما أنزل عليهم من كتاب؟ فهو خير الكتب للناس، وخاتم الكتب للناس، فيه ذكرهم، وفيه تعليمهم، وفيه هدايتهم، وفيه ما يجعلهم سادة الدنيا وأئمتها وحكامها.
أفلم يدبروا كلام نبيهم ويفهموا قوله وهو يخاطبهم بلغتهم ولهجتهم، وهو منهم وإليهم، حسباً ونسباً؟ كيف جهلوا كل ذلك؟ فهذا استفهام إنكاري توبيخي تقريعي، فيوبخهم الله ويقرعهم كيف مع فصاحتهم وبلاغتهم ومع ذكائهم جهلوا وتبلدوا؟ فقد صار حسهم مطبوعاً طبع الحمر التي لا تعي ولا تدرك.
((أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ)) أي: قول الله وقول رسوله، وقول الحق والمنطق.
((أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ)) أو لأنه قد جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين من رسالة، ومن نبوءة، ومن كتاب، ومن وحي، أهذه علة للكفر، أو يجب أن تكون علة للإيمان في كونهم كرموا بين الآباء والأجداد بأن أرسل إليهم، وبأن شرفوا بذكرهم، وبأن شرفوا بالنبي منهم وإليهم، وبأن شرفوا بأن يقوموا برسالة ينشرونها في الأرض وهم سادتها ومعلموها وناشروها كما كان بعد؟ ((أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ)) ما لم يأت آباءهم من رسالة ومن نبوءة ومن كتاب، وقد فسروا (أم) هنا بمعنى بل، ((أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ)) بل جاءهم، ولا حاجة لهذا التأويل.
فالله تعالى يمتن عليهم بأنهم قد جاءهم من الخصائص ومن التشريف ومن التكريم ما لم يكرم به الآباء ولم يشرف به الأجداد، فجعل منهم نبياً من أوساطهم، ومن أشرافهم، من أوسطهم وأعلاهم شرفاً، يعرفون صدقه وأمانته، ويعرفون نشأته وصباه وشبوبيته، وقد جاءهم برسالة عن الله فكيف جهلوه؟ وكيف أعرضوا عنه؟ وكيف ابتعدوا عنه؟ ((أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ)) وهذا الاستفهام إنكاري أن آباءهم لم تأتهم نبوءة ولم تأتهم رسالة، ولأول مرة أتى العرب رسول ونبي وكتاب.
ومن هنا فأهل الجاهلية لا يعذبون، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وما بعث رسولاً إلا محمداً ﷺ ، ولم يكن قبله للعرب رسول، ومن هنا يؤكد القرآن: ((أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ)) أي: عوضاً عن أن يشكروا هذه النعمة، وهذا الشرف، وهذه الخصيصة اتخذوها كفراً وجحوداً، وقد خصصوا بما لم يخص به الآباء والأجداد.
стр. 575
تفسير قوله تعالى: (أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون)
قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٩].
أي: ما بال هؤلاء أين ضاعت عقولهم؟ وأين ضاع ذكاؤهم؟ وأين ضاعت فطنتهم؟ ألم يعرفوا هذا الرسول؟! ((أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ)) كيف أنكروه وجهلوه وهو منهم وإليهم؟ فقد علموا ولادته، وعرفوا صباه، ونشأ بينهم، واشتهر بينهم باسم الصادق الأمين، وعلموا صدقه، وعلموا أمانته، حتى إن أبا سفيان بن حرب وكان زعيم الكفر وزعيم الشرك في مكة ذهب إلى الشام في تجارة، فسأل هرقل ملك الروم عن هذا النبي العربي الذي يزعم أنه نبي وأنه رسول للناس كافة، فسأل أن يؤتى له بمن هو قريب من العرب إلى النبي صلى الله عليه، فوجدوا أبا سفيان الذي هو أيضاً من قريش ومن أهل مكة ومن بيوتاتهم الكبيرة، فأتي به ومعه جماعة من أصحابه أيضاً من قريش، فأوقف هرقل أبا سفيان أمام وأصحابه خلف، وقال لـ أبي سفيان: أنا سائلك أسئلة فأجبني بالصدق، وقال لمن خلفه: إذا كذب فأشيروا لي برءوسكم حتى لا يتحرجوا مع زعيمهم، ولكن من خصائص العرب أنها لا تكذب، هكذا كانت أخلاقها حتى في الجاهلية، فـ أبو سفيان على عداوته للرسول ﷺ ، وعلى حربه له وحقده عليه، عندما سأله هرقل أجاب بالأجوبة التي يعتقدها الحق، فسأله أيصدق؟ وسأله أيخلص؟ وسأله إذا عاهدكم أيفي؟ قال: نعم، ونحن الآن على عهد، وكانت حينئذٍ غزوة الحديبية، ولا ندري ما هو فاعل، قال أبو سفيان: لم أجد كلمة أدخل فيها إلا هذه، قلت: هو يفي، ولكن العهد قد قام الآن فلا ندري هل سيفي مستقبلاً أم لا، فكان مما سأله: هل تعرفونه قبل؟ قال: نعم، قال: ماذا تعرفون؟ قال: نعرف ولادته، ونعرف أبوته، ونعرف أمومته، وعرف بيننا بالأمانة وبالصديق، قال: هل كان يكذب؟ قال: لا، قال: هل كان أحد من آبائه يدعي ذلك أو يزعمه؟ قال: لا، وإذا بـ هرقل يقول له: من عاش بينكم هذه المدة الطويلة ولم يكذب على الناس جدير ألا يكذب على الله، ومن ليس في آبائه وأجداده من ادعى هذه الدعوى فلا نقول عنه: قام ليطالب بشيء سبق أن طالب به آباؤه وأجداده، وهكذا النبي ﵊ عرف عند هدم الكعبة برأيه السديد، وعرف عند حلف الفضول برأيه السديد، وعرف عندما أراد أن يحضر ولا يزال شاباً صغيراً يافعاً إلى أحد أعراس مكة وإذا بالنوم يغلبه، فلا يرى مما يفعله الجاهلية شيئاً، يقول: (ولم أشعر إلا وحر الشمس على ظهري)، حدث هذا مرتين، وكانت له إرهاصات.
وهكذا جعفر بن أبي طالب عندما هاجر للحبشة بزعامة المهاجرين الأول سأله النجاشي عن هذا الذي يقول إنه نبي: أتعرفونه؟ قال: نعم، نعرف أمانته ونعرف صدقه ونعرف نشأته ونعرف أبوته ونعرف أجداده، وهكذا قال المغيرة بن شعبة عندما ذهب للتفاوض في حرب الفرس مع نائب كسرى، فسأله: أتعرفون محمداً هذا الذي كان يدعوكم لنبوءته ورسالته؟ وقد حدث هذا في خلافة عمر، قال: نعم نعرف صدقه ونعرف أمانته.
وهكذا يقول الله لهم: ((أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ))، أهؤلاء أنكروا نبوءة محمد وصدق محمد ورسالة محمد؛ لأنه رجل مجهول لديهم، ونكرة عندهم، فلا يعرفونه وظنوا فيه الظنون، وتوهموا فيه الأوهام؟! فهو استفهام إنكاري توبيخي بأن الأمر لم يكن كذلك، فهم جميعاً يعرفونه، فهو ابن وحفيد سيد مكة، وسيد جزيرة العرب عبد المطلب الذي كان موضع الإجلال، وموضع الإكرام، وموضع الاحترام من جميع أهل مكة، وكذلك كان والده الشاب عبد الله على صغره وعدم طول حياته ما كان يعرف إلا بالجد بينهم، وهكذا أمه آمنة، فلقد كان ﷺ من بيئة صادقة، ومن بيئة معروفة بالصدق وبالأمانة وبالشرف وبالذكر، وعرفوا النبي ﷺ خلال الأربعين عاماً قبل الهجرة بالصدق والأمانة، أفهذا الذي كان لا يكذب على الخلق وعلى الناس لمدة أربعين عاماً أبعد الأربعين سيكذب على الله؟! حاشى لله، هذا لا يقبله منطق العقل، ولا منطق الفهم، ولا منطق الناس.
((أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ)) أي: جاهلون، وشأن المجهول أن ينكر، ولم يكن نبيهم مجهولاً.
ومن هنا فعلماء الجرح والتعديل إذا وجدوا في السند مجهولاً عطلوا العمل به، وأوقفوه إلى أن يعرف، فإن بقي مجهولاً سقط السند والمتن والعمل به.
стр. 576
تفسير قوله تعالى: (أم يقولون به جنة)
قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [المؤمنون:٧٠].
أو يعرفونه ولكنهم اتهموه بالجنون، فقالوا: تارة مجنون، وتارة شاعر، وتارة وتارة، أصحيح هذا؟ ليس الأمر كذلك، وإنما قالوها شتيمة، وقالوها انتقاصاً ولم يقولوها عن يقين، فهم كانوا يعلمون منه العاقبة النبيلة، فقد كان وهو في شبيبته سبباً لتوائمهم ولتآخيهم، فقد كادوا يتقاتلون عندما أرادوا وضع الحجر الأسود في مكانه بعد أن بنوه وقد خربته السيول، فأخذوا يتنازعون من الذي سيحصل على شرف رفعه من الأرض إلى مكانه من الركن، وإذا بواحد منهم يقول: مادمتم لم تتفقوا على واحد منكم فلنحكم أول آت، وإذا بالآتي هو محمد صلى الله عليه وعلى آله، فقالوا: حكمناك، وكل قد سروا لما يعلمون من عقله ومن فكره وحسن تدبيره، فقالوا: يا محمد إن قومك كادوا يشهرون السيوف في وجوه بعضهم؛ لشرف وضع هذا الحجر في مكانه فماذا تقترح؟ فقال: ائتوني بثوب، فأتوه بثوب، ورفعه بيده الشريفة ووضعه عليه، وقال: ليتقدم واحد من كل فخذ من كل قبيلة من قبائل قريش، ومن قبائل العرب الموجودة في مكة، فحضروا وحملوه معه، فنالوا جميعاً شرف رفع الحجر، وإذا به بعد ذلك يحمله بيده ويضعه في مكانه، وهدأت الناهرة، وسكتت الثائرة، وعادوا للإخوة والمودة.
وحضر معهم ﷺ حلف الفضول، وحلف الفضول: أنه جاء رجل من الخارج عرض تجارة فأخذت ولم يأخذ أثمانها، فوقف يصيح: يا لقريش، يا عبد المطلب يا لفلان يا لفلان، أأظلم بينكم وتؤخذ أموالي ولا آخذ ثمنها؟ وإذا بكبرائهم يتنادون ويجتمعون في دار الندوة التي هي الآن الصفا والمروة، وكان برلمانهم وموضع شوراهم، وموضع مفاوضاتهم وكلامهم، فحضروا واتفقوا جميعاً وكانوا في ذلك متفضلين، أي: اجتمعوا من غير أمر يأمرهم به أحد.
وحضر معهم ﷺ فزكى وأيد عملهم، وشجعهم عليه، وهو في العشرين أو تجاوزها بقليل، وقد قال في النبوءة ﵊: (لقد حضرت حلف الفضول ولو أدعى لمثله اليوم لأجبت) أي: لو يدعى إلى اجتماع الأمم، والاجتماع بين شعوب الأرض على نصرة الضعيف، والأخذ على يد الظالم الجائر البطاش لفعل ولأجاب ﷺ ، وكان بذلك قد شرع لنا أننا نتنادى ونتداعى لنصرة الضعيف مع أي إنسان يدعو إلى ذلك، فالإسلام يحرص على نصرة الضعيف، وزوال الظلم، وأداء الحقوق، وعدم أذية الخلق مؤمنين وغير مؤمنين، ولكن غير المؤمنين نطالبهم بالإسلام، فإن رفضوا فالجزية، فإن رفضوا فالسيف؛ لأن دين الله يجب أن يكون هو السيد وهو الشرع، وهو الحاكم في الأرض، ورايته هي الخفاقة دون سواها.
﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [المؤمنون:٧٠].
قال الله لهم: لم يكن به جنة، وهو أعلى من ذلك، وما كنا لنرسل رسولاً مجنوناً أو نبياً مجنوناً، فقد جاء بالحق ودحض به الباطل، وجاء بالقرآن وهو الحق من الحق، وجاء بالسنة بياناً للقرآن، وهي حق لشرح الحق، وجاء بدعوة التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول، فقد جاء بالحق، ودعا إلى الحق، ونصر الحق، ورفع السيف لنصرة الحق ولمحاربة كل معاد للحق، ((بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ))، وأكثر هؤلاء الجاحدين والمسرفين والكافرين يكرهون الحق، ويبتعدون عن الحق، ويتمسكون بالباطل.
والباطل هو كل ما سوى الحق، فكل ما سوى الإسلام باطل، وكل ما سوى الحقيقة الإلهية باطل، وكل ما سوى الحقيقة النبوية باطل، وكل ما ليس شرعاً وليس ديناً حقاً فهو باطل في باطل، وإنما الحق كتاب الله وسنة رسول الله، وإنما الحق ما دعا إليه الله ورسوله، ودان به المسلمون.
стр. 577
تفسير قوله تعالى: (ولو اتبع الحق أهواءهم)
قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٧١].
هؤلاء الذين لا يتبعون إلا الباطل، وسموا الباطل حقاً، والحق هنا هو اسم من أسماء الله، والحق هو كل ما دون الباطل، فلو اتبع الله تعالى أهواءهم ونزواتهم وأنزل القرآن حسب هواهم وحسب رغائبهم: ((لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ))، ولو كان فيهما آلهة لفسدتا، ولعلا بعضهم على بعض، ولو طلبوا أن يعطى الأغنياء وأن يذل الفقراء لفسدت الأرض، ولو نزل القرآن على حسب أهوائهم ونزواتهم لفسدت السماوات والأرض، وفسد نظام الكون، ونظام الحياة، ونظام الأحكام، ونظام الدولة، ولذلك فالحق لا ينطق به إلا الحق، والحق هو الله ﷻ ، وهو الذي أنزل الحق كتاباً، وأرسل الحق رسولاً، وزاد الحق بياناً بالسنة النبوية لصاحب الرسالة ﵊، ولذلك لا ينبغي أبداً للغوغاء وللمبطلين من الناس أن يستشاروا، فهنا جاءت نظم برلمانية يدعون إليها باسم الديمقراطية، فيجتمع فيها كل من هب ودب.
وقد حدث هذا في كثير من ديار الإسلام، فهم يتذاكرون: أنقول: دين الدولة الإسلام؟ فقال الأكثر: لا، فتركوا، وبهذا الاعتبار حلت الخمور، وحل الزنا، وانتشر الفساد، وكثر الربا، وكثرت معصية الله في الأرض، وعم الفساد البر والبحر؛ لأن هؤلاء أرادوا أن يخضعوا الحق لأهوائهم، والله لم يجعل الحق إلا إلى أهل الحق، والله لم يجعل الحق في الشورى إلا لأولي الأمر منكم، ومن هم أولوا الأمر؟ هم العلماء وحكام المسلمين العادلون.
وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]، ويقول: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] وأولو الأمر هم الذين يستنبطون، ولا يستنبط إلا عالم، ولا يستنبط إلا حاكم عالم، وأما أن تترك الأمور سبهللاً لكل جاهل، ولكل حيوان، ولكل من لا يستطيع أن يحكم في بيته مع زوجته ومع أولاده، فكيف نحكمه في رقاب شعب وأمة ودين وشرع؟! إن هي إلا الأباطيل، وإن هي إلا الأضاليل، وبذلك ضحك الاستعمار اليهودي والنصراني والشيوعي على عقول المسلمين، فأفسد برامجهم، وأفسد مدارسهم، وأفسد جامعاتهم، وأصبحوا يجرون خلف هذا الباطل ويقولون: حرية وديمقراطية.
وهكذا إذا كان هناك حيوان لا يكاد يميز بين كوعه من بوعه، وبين الحق والباطل، وبين المؤمن والكافر فإنهم يحضرونه فيما يسمونه بالبرلمان؛ ليعطي من الآراء ما هو ضد لله، وضد لرسول الله، وضد لكتاب الله، وضد لأحكام العدل وأحكام الحق، والله يقول عن هؤلاء وأمثالهم: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون:٧١]، وقد حدث، فأفسدوا الأرض وأفسدوا السماوات بطائراتها، فحتى في الأجواء يشربون الخمور ويفسدون مع الشابات ومع العجائز، فأفسدوا الأرض وأفسدوا السماء، ولكن هيهات فللباطل صولة ثم يضمحل، ويأبى الله إلا أن ينصر دينه وأن يرفع الحق وأعلامه، وهكذا قال نبينا ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق لا يضرها من خذلها وهي على ذلك إلى يوم القيامة).
((وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ)) (من) اسم موصول تطلق على العاقل بانفراده، يقال: جاء الرجال، فتسأل أنت: من؟ فيقال لك: أحمد وعلي وأبو بكر، و (ما) اسم موصول يطلق على غير العاقل بانفراده، ويقال: جاء قطعان من الدواب والماشية، فتقول أنت: ما هي؟ فيقال لك: هي بقر وغنم وماشية، ولكن (من وما) إذا عمت فإنها تشمل العاقل وغير العاقل فتطلق (من) عليهما (وما) عليهما، والقرآن بهذا صريح في كثير من الآيات: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٨٤]، فما هنا تطلق على العاقل وغير العاقل.
﴿أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [يونس:٦٦] (من) هنا للعاقلين وغير العاقلين.
((وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ)) (من) هنا للعاقل وغير عاقل، من مدرك وواع وغير مدرك وغير عاقل.
قال تعالى: ((بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ)) الذكر هنا الشرف، يقول الله عن هؤلاء العرب الذين حاربوا نبي الله، وعن هؤلاء العرب الذين لا يزالون يعيشون بيننا ممن تنكروا لنبيهم ولدينهم ورجعوا القهقرى، فارتد من ارتد، وعصى من عصى، فألغوا الشريعة وألغوا الحكم وحكموا بغير ما أنزل الله.
((بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ)) أتيناهم بشرفهم، والذكر هنا الشرف، وهكذا قال الله: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء:١٠]، ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف:٤٤]، وإنه لشرف لك يا محمد ولقومك؛ لأنهم هم الذين كلفوا بفهم الرسالة، وبنشر الرسالة، وببذل الأرواح رخيصة في سبيل الرسالة، وهذا واقع التاريخ، فالنبوات نزلت على العرب على محمد سيدهم ﷺ ، فالذين قاموا معه هم المهاجرون والأنصار في مكة والمدينة الحرمين الشريفين، ثم في بقية جزيرة العرب، وذهب ﷺ للرفيق الأعلى والإسلام لم يخرج بعد عن جزيرة العرب، فخرج على يد العرب ابتداء من أبي بكر، ثم لقي ربه، ثم قام عمر فنشر الإسلام في العراق وفي الشام وفي مصر وفي فارس وفي المغرب، وهكذا خلال نصف قرن عم الإسلام الأرض من أقصى بلاد الصين شرقاً إلى أقصى بلاد الغرب غرباً، وقال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فمن لم يكن كذلك لم يأمر بمعروف، ولم ينه عن منكر أو فعله، ولم يكن ذلك بناءً على الإيمان بالله، بل كان بفلسفات فارغة وبآراء باطلة، وكان بمذاهب وافدة يسمونها الاشتراكية والماسونية والوجودية والشيوعية مما أتى به اليهود، ودعا إليه أفراخ اليهود، فاستمسك به كذلك من ذل وأذل معه غيره بذلك، وتركوا كتاب الله وراءهم ظهرياً، وتركوا القيادة المحمدية، وتركوا قيادة الأصحاب من الخلفاء الراشدين والعشرة المبشرين بالجنة، وتركوا قوانينهم التي أتت بالحق ودعت للحق وكان فيها شرفهم، وكان فيه ذكرهم، فالله تعالى قرع هؤلاء: كيف تركوا القرآن وفيه شرفهم، وتركوا الإسلام وفيه ذكرهم وعزهم؟! ((بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ)) أعرضوا عن شرفهم، وعن ذكرهم، وعن التنويه بهم؛ جهلاً وضلالاً، وانتحروا وذبحوا أنفسهم فخسروا الدنيا والآخرة، على أن المسلمين في الإسلام سواسية، (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، ولكن يبقى الحق ويبقى الشرف للداعية الأول ومن خلفه، فقد قال ﷺ لـ علي بن أبي طالب ﵁: (لأن يهدي الله على يديك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس)، فمن هدى الله على يده إنساناً من كفر إلى إيمان، ومن عصيان إلى طاعة، ومن زندقة إلى يقين وإلى إيمان صادق، فللمطيع الأجر والثواب، ولمن علمه ولمن وجهه أجره وثوابه، (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزورها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة).
стр. 578
تفسير قوله تعالى: (أم تسألهم خرجاً فخراج ربك خير)
﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المؤمنون:٧٢].
أي: يا محمد أم أكثرت عليهم وأثقلت كواهلهم وطلبت مالاً وأجراً على ما هديتهم إليه، فهو استفهام إنكاري قرعهم به وهو غير موجود، ولكن قال لهم: هل أنتم طولبتم بمال وبأجرة على كون محمد جاع من أجلكم وسهر من أجلكم وجرح من أجلكم وتحمل من أجلكم وكان حريصاً عليكم، وكان يحزنه ألا تؤمنوا، وكان عزيزاً عليه كفركم وجحودكم وبعدكم عن الإسلام؟ كلا، ومع كل هذا أبيتم إلا قتاله وإلا جحود هدى الله إلا من ﵀، وقد تم ذلك بعد ذلك: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨].
﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ [الطور:٤٠] وهذا لم يحدث، فهو أيضاً استفهام إنكاري يقرعهم الله به ويوبخهم، فهل فررتم من دنانير ودراهم وأجرة على هذا الدين؟ فهذا لم يكن كذلك.
((أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا)) أي: أجرة وشيئاً مضروباً عليكم كضريبة مقابل الهداية والإسلام.
((أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا)) أم تسألهم يا محمد خرجاً، ((فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ)) وأجرة ربك خير لك، وثواب ربك خير لك، ومن هنا حرم ﷺ الصدقة والزكاة على أهل بيته؛ حتى لا يقول المشركون: قد شرع في دينه ما يغني أتباعه وأولاده وأسرته، كالأسر الحاكمة عادة، فالله لأجل ذلك حرم ذلك ألبتة، وما كانوا يأخذون إلا ما تأخذه سيوفهم حرباً ونصلاً وغلاباً من غنائم وفيء، وذاك ليس لأحد الحق أن يمتن فيه؛ فلم يؤخذ من المسلمين، وإنما أخذ من الكافرين بعد أن ذلوا، فوزعت أموالهم، وغنم فيؤهم لهؤلاء المجاهدين والمقاتلين والمحاربين.
((أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ)) قرئ: (أم تسألهم خراجاً) والمعنى واحد، وهي من القراءات السبع المتواترة، ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ فلست في حاجة إلى مالهم ولا أوساخ أيديهم، فجعل الله رزق نبيه قبل النبوءة بالعمل، ففي الطفولة برعاية الغنم، فقد رعى الأنبياء جميعاً، وعند شبابه كان تاجراً في مال خديجة مضاربة، ووجد حصته بعرق جبينه وبكد يمينه ﷺ ، وبعد النبوءة قاتل وجاهد وكان على رأس المحاربين، فغنم الغنائم التي حللها الله للمؤمنين والمجاهدين والمسلمين، وجعل الكافرين ليسوا أهلاً لا لبلد ولا لتملكهم، فملك أرضهم وأموالهم حتى نساءهم وبناتهم إلى الفاتحين والمجاهدين، ((وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)).
стр. 579
تفسير قوله تعالى: (وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم)
قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون:٧٣].
أي: أنك لم تطلب منهم أجراً، ولم تطلب منهم مالاً، ولم تطلب منهم رياسة، ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المؤمنون:٧٢].
قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون:٧٣].
أي: دعوتهم إلى الحق الواضح المستقيم الذي لا عوج فيه، ودعوتهم إلى العز والشرف، ودعوتهم إلى الصلاح، ودعوتهم للأمن، ودعوتهم لرفع الظلم، ودعوتهم للإحسان إلى الفقير، والرحمة بالأهل والولد وذوي الأرحام، وما دعوتهم إلا إلى الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا اختلاف ولا نزاع، وما الطريق المستقيم إلا كتاب الله الكريم، والإسلام البين الواضح، والسنة المطهرة التي كانت شرحاً وبياناً لكتاب الله، كما يقول الإمام الشافعي: ما من سنة وردت عن نبينا ﷺ إلا وكانت شرحاً وبياناً لكتاب الله.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ [المؤمنون:٧٤].
ولكن الناكبين عن الصراط، المنحرفين عنه، الزائغين أمامه، الضائعين الذين لم يتبعوا صراطاً مستقيماً، ولا هداية قيمة، هؤلاء الذين لا يؤمنون باليوم الآخر، والذين لا يؤمنون بالبعث بعد النشور، هؤلاء الكافرون المكذبون لأنبيائهم، الجاحدون لكتب ربهم، الناشرون للفساد بين الناس، السفاكون لدماء الناس، الذين لم يعيشوا وهم حال كفرهم إلا للفسق وللكفر ولنشر الظلم والباطل.
وأما طريق المؤمن، وأما ما يدعو إليه محمد صلى الله عليه وعلى آله فهو الصراط المستقيم، والحق الأبلج الذي ليله كنهاره لا يزيغ عنه إلا هالك.
стр. 580
تفسير قوله تعالى: (ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر)
قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون:٧٥].
قال ابن عباس حبر القرآن ﵁: (ولو) هي لمنع ما بعدها البتة، فحيث جاءت (ولو) في القرآن أو في السنة المطهرة فهي للمنع الأبدي لما بعدها.
((وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ)) أي: هؤلاء المشركين الجاحدين وهم على شركهم، ((وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ)) أزلنا ضرهم، وقد كان النبي ﷺ حاربهم فانتصر عليهم، وجازاهم بالجريمة الواحدة عذاباً أليماً، فغزاهم في غزوة بدر، وقتل من قتل وأسر من أسر، وأخذ أموالهم، ودخل مكة ظافراً منتصراً عزيزاً سيداً، فأخذ البلد وجمع الكافرين وأنذرهم وتهددهم: (ماذا ترون أني فاعل بكم معاشر قريش؟ فقالوا له: أخ كريم وابن أخ كريم) وإذا به يرحمهم ويشفق عليهم، ويعفو عنهم عفو القادر، وترك لهم أجل الإيمان والإسلام، ففر من فر، وأسلم من أسلم، وحسن إسلام من حسن، وعاد من فر فأسلم وحسن إسلامه، وأباح دماء أربعة عشرة إنساناً: ست من النساء وثمانية من الرجال، وقال: (اقتلوهم ولو وجدتموهم معلقين بأستار الكعبة)، فالحرم لا يجير عاصياً.
وقد أكثروا من إيذاء المستضعفين من المؤمنين الذين بقوا تحت سلطانهم وأهلهم في مكة، فأذلوهم واستعبدوهم شيوخاً وشيخات وأطفالاً صغاراً وكباراً، حتى قتلوا من قتلوا، وأمرضوا من أمرضوا أمراضاً مزمنة، فدعا عليهم ﷺ وقال: (اللهم سنين كسني يوسف)، فأصيبوا بالجدب سنوات حتى اضطروا إلى أكل الكلاب وأكل الجيف، حتى ذهب إليه أبو سفيان فقال له: يا محمد! إنك تقول: أرسلت رحمة للناس، ونحن أرحامك وأهل بلدك وسدنة بيت الحرام، ادع الله تعالى أن يرفع ما بنا من ضر، فدعا لهم، فما زادهم ذلك إلا جحوداً، حتى مكنه الله من رقابهم ومن بلادهم فطهرها من الشرك والأوثان.
((وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ))، والسورة مكية، وهكذا كانوا، فكشف عنهم بعض ذلك في الدنيا لا في الآخرة، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] ففي الدنيا قد يرحم الكافر إمهالاً؛ عساه أن يؤمن ويسلم، وعساه يوماً أن يقول: ربي الله.
((وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ)) أي: من قهر ومن جدب وقحط وذل واستعباد، ((لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ)) لتمادوا ولأصروا على كفرهم وطغيانهم وضلالهم وعمايتهم.
((يَعْمَهُونَ)) يتيهون في الأرض تيهاناً، فيفقدون البصيرة فلا يميزون حقاً من باطل، ولا ليلاً من نهار، ولا توحيداً من شرك، ولا إيماناً من كفر، وهكذا كان حالهم في الدنيا، فقد رحمهم رسول الله ﷺ أحياناً وعاقبهم أحياناً، وما زادتهم رحمته إلا طغياناً وفساداً إلى أن مكنه الله من رقابهم، وأباد خضراء من بقي منهم على الكفر، وبعد ذلك بقيت جزيرة العرب كلها مسلمة.
وقال ﷺ : (لقد يئس الشيطان أن يعبد في جزيرة العرب بعد اليوم)، فهذه بشرى بشر بها المصطفى منذ ١٤٠٠ عام أن الجزيرة العربية لن ترتد عن الإيمان، ولن تصبح يهودية ولا نصرانية، ولن تصبح مشركة يوماً من الأيام، وقد تكون هناك جهالات، وقد تكون هناك ضلالات، ولكن العلماء والدعاة ومن وفقهم الله يعلمونهم، ويرفعون جهلهم، ويزيلون ضلالهم تبعاً لأسوتهم الأعظم ﷺ ، والعلماء ورثة الأنبياء، وهذا واجبهم في جزيرة العرب وغيرها من ديار الإسلام عامة، بل في الأرض كلها.
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران:١١٠]، ومن الأمر بالمعروف في الدرجة الأولى الدعوة إلى الإسلام، والدعوة إلى لا إله إلا الله وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله.
стр. 581
تفسير قوله تعالى: (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون:٧٦].
فهؤلاء عذبهم الله وانتقم منهم بالأسر والقتل والتشريد والطرد، وهذا في كل كافر وليس الأمر مقصوراً على العرب فضلاً عن قريش، فعل هذا باليهود في المدينة، فقتل في يوم واحد تسعة وخمسين واحداً، وأخرجهم من دورهم وأخذ دورهم، وطرد الكثير منهم، وأوصى بطرد الباقين، فما زادهم ذلك إلا كفراناً وجحوداً، ومن ذلك الوقت وإلى اليوم منذ ١٤٠٠ عام ما زادهم ذلك إلا جحوداً وإلا حقداً على سيد البشر محمد ﷺ ، وحين دخل هؤلاء القردة والخنازير إلى بيت المقدس أخذ منهم من كان يعيش في بلاد العرب يشتم محمداً ﷺ باسمه، ويشتم المسلمين، وهذا استدراج من الله لهم، وسيخرجهم بعد ذلك في ذل وهوان مسحوقين بالأقدام، وصدق الله ﷻ : ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف:١٦٧]، فلا مندوحة ولا مفر من غضب الله عليهم الدائم، ولكن العلامة والإشارة بيننا وبين ربنا أن يدخلوا مرة ثانية إلى المقدس، وقد فعلوا وانتهوا، وسيأتي الله بمن يدمرهم ويذلهم وهم في ذل مع كل ذلك، ومن يسحقهم ويقضي عليهم، ومن يخرجهم لا من القدس فقط بل من جميع ديار المسلمين، ((وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)) إلى يوم الحشر والنشر.
قال تعالى: ((وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا)) أي: ما خشعوا لربهم، وما ذلوا لربهم، وما اعترفوا بعقوبته، ((وَمَا يَتَضَرَّعُونَ)) لم يتضرعوا لله، ولم يطلبوا الله، ولم يذلوا لله، ولم يقولوا: اللهم اغفر لنا فقد أسأنا واعترفنا بذنوبنا، بل ما زادهم العذاب إلا كفراً وإصراراً على الكفر، وعداء وحقداً على محمد، والكتاب المنزل على محمد، وأصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله.
стр. 582
تفسير سورة المؤمنون [٧٦ - ٨٠]
يمتن الله تعالى على عباده بأنه هو الذي أحياهم وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة، وأنه الذي رزقهم وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة، إذاً فهو المستحق للعبادة، فلم عبد المشركون غيره، واستكانوا لغيره ممن لا يصنع شيئاً ولا يضر ولا ينفع؟!
стр. 583
تفسير قوله تعالى: (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم)
قال الله عزة قدرته: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ * حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [المؤمنون:٧٦ - ٧٧].
لا يزال الله ﷻ في هذه الآيات يسوق عذابهم ووعيدهم وتهديدهم فيما إذا بقوا مصرين على الكفر، وسادرين في الشرك، والكلام لهم وهو لأمثالهم كذلك متجدداً إلى يوم الدين.
ذكر ﷻ أن هؤلاء بعد أن أرسل إليهم، وبعد أن بلغوا الدعوة، وبعد أن بقوا على الكفر والإصرار عليه، أخذهم الله بالعذاب الشديد، وأخذهم بالنقمة؛ لعلهم يرعوون، ولعلهم يتوبون، وإذا بهم يبقون على ما هم عليه، فلم يستكينوا ولم يذلوا لربهم، ولم يخشوا ربهم، ولم يمدوا أيديهم بالدعاء ضارعين داعين راجين، ولم يقولوا: ربنا اغفر لنا يوم الدين.
وقد دعا عليهم ﷺ بسنين كسني يوسف، فقحطت الأرض، وأمسكت السماء غيثها وخيراتها، فجاعوا حتى جاء أبو سفيان كبيرهم يقول: يا محمد! إنك تزعم أنك أرسلت رحمة للعالمين، وهؤلاء ذوو أرحام قد قتلت رجالهم، وأجعت نساءهم، فادعُ الله لهم ليرفع عنهم ما هم فيه من بلاء، فدعا لهم، فرزقوا غيثاً مغيثاً، وخيراً عميماً، وإذا بهم ما زاداهم ذلك إلا كفراً وعناداً، ثم أسلم كبير نجد بعد أن أسره أصحاب رسول الله ﷺ ، وهو ثمامة بن أثال فربطه في المسجد النبوي ثلاثة أيام، فكان عند صباح كل يوم يقف عليه ﷺ عندما يخرج لصلاة الصبح ويقول: (هيه يا ثمامة ما عندك؟ فيقول له: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تعف تعفُ على شاكر، وإن ترد المال فلك ما تريد)، وكرر ذلك في اليوم الثاني ثم اليوم الثالث، وهذا جواب ثمامة.
وإذا به في اليوم الثالث يطلق سراحه ﷺ ويعفو عنه، فيخرج الرجل فيغيب زمناً ثم يأتي إليه فيقول: مدّ يدك يا محمد! أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ولا والله يا رسول الله! لا يصل لقريش بعد اليوم حبة من القمح أو الحنطة من نجد، فأسلم ثمامة وأصبح من المجاهدين المنافحين المدافعين عن الإسلام ومن الصحابة المخلصين، وأمسك ميرته وأمسك حبه وأمسك حنطته على مكة، حتى ضاق بها المقام واشتد بها الجوع.
وهكذا عادوا مرة ثانية يستعطفون ويتوسلون إلى رسول الله ﷺ ليتوسط لهم إلى ثمامة، فأمر النبي ﵊ ثمامة بأن يسمح بأن تذهب الحنطة والحب إلى أهل مكة، فما زادتهم هذه الشفقة والرحمة إلا كفراً وعناداً، فما استكانوا وما خشعوا وما ذلوا لله ولا آمنوا به، ثم لم يتضرعوا، ولم يتوبوا، ولم يمدوا أيديهم لله راجين داعين تائبين من شركهم وكفرهم.
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [المؤمنون:٧٧] بقي هذا الإصرار، فكان عذاب الدنيا، ثم ماتوا فهلكوا ففتح الله عليهم باباً في جنهم ذا عذاب شديد.
هذا العذاب الذي كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلوداً غيرها؛ ليذوقوا العذاب، فتح عليهم باباً من نقمته وباباً من عذابه المقيم الأبدي؛ لشركهم ولكفرهم، ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [المؤمنون:٧٧]، فبعد أن ابتلوا ووجدوا ما كانوا ينكرونه في حياتهم من البعث والنشور، ومن العذاب على الشرك والكفر، وجدوا أنفسهم في واقع ذلك، وإذا بهم يقذفون في جنهم مع العذاب المؤلم، ومع العذاب الشديد، وإذا بهم إذ ذاك يرون من ربهم ما لم يكن يخطر لهم ببال، وهم مشركون كافرون جاحدون، وإذا هم مبلسون من رحمة الله، أي: يائسون، فيئسوا من رحمته، ويئسوا من مغفرته؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فلا مغفرة للشرك، ولا مغفرة للكفر، ولا مغفرة للجحود، وبعد أن بعثوا هيهات الرجوع، فقد مضت الأيام في الدنيا، فلم ينتهزوا شبابهم، ولم ينتهزوا دنياهم فيتوبوا إلى الله يوماً، ويقولوا: ربنا اغفر لنا يوم الدين، وهكذا قد يئسوا من الرحمة، وسلموا لملائكة غلاظ شداد كالحي الوجوه، لا يعصون الله ما أمرهم، وهم مطيعون في كل ما أمر الله به؛ جزاءً وفاقاً للكفر والشرك الذي صنعه هؤلاء في دنياهم.
﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [المؤمنون:٧٧] أي: إذا هم في ذلك الباب وذلك العذاب الشديد مبلسون، أبلسوا أي: يئسوا، ولم يعد يخطر لهم ببال أن يرحموا، أو أن يستغفروا، أو أن يتوبوا؛ لأن الأمر أصبح أمر شهود وحضور، والإيمان لا يتم إلا في الدنيا إيماناً بالغيب، وإيماناً بتصديق الرسل، وإيماناً بكتب الله المرسلة على رسله، وأما وقد أصبح الأمر واقعاً فلا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً.
стр. 584
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار)
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [المؤمنون:٧٨].
اسأل هؤلاء من الكفرة والجاحدين، ومن أعداء الرسل والصالحين، ومن المكذبين بكتب الله التي جاءتهم، من الذي خلقكم من غير مثال سابق؟ ومن الذي خلق لكم الأسماع فأصبحتم تسمعون؟ ومن الذي خلق لكم الأبصار فأصبحتم تبصرون؟ ومن الذي خلق لكم القلوب فأصبحتم تعون وتفهمون؟ هل أولئك الذين جعلتموهم شركاء لله كمناة والعزى؟ أو مريم وعيسى؟ أو العزير والعجل؟ أو الملائكة الذين سميتموهم بنات الله؟ أو غير ذلك من جماد وحيوان وإنس وملك وجن؟ هل هم الذين أنشأوا وخلقوا لكم هذه الحواس فأصبحتم سامعين بعد إن لم تكونوا كذلك؟ فقد كنتم مضغة لحم، وكنتم نطفة، وكنتم جنيناً في أرحام أمهاتكم لا سمع ولا بصر ولا وعي لكم، ثم بعد ذلك رزقكم الله من الحواس ما تعيشون بها، وما تدركون بها، وتميزون بين الحق والباطل، فمن الذي أنشأ لكم ذلك واخترعه وخلقه وابتكره؟ (قليلاً ما تشكرون) قلما تشكرون الله على نعمه الظاهرة والباطنة، فالله أنزل وحياً وكتباً سماوية مع أنبيائه وعباده المكرمين من الرسل؛ لينذر خلقه، ولينذر عباده، فإذا جاءوه جاءوه متقين، وجاءوه سالمين من الشرك والكفر والمعصية والخلاف؛ لتبقى حجة الله البالغة، حتى إذا هلكوا وأصبحوا بأمس الدابر، ودخلوا قبورهم وجاء الملكان يسألان من في القبر: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما صلاتك وما زكاتك؟ فإنهم يجيبون بما علموه، وبما قاموا به، وعبدوا به ربهم، وأما إذا جاء وقت السؤال فأخذوا يقولون: لا نعلم، ولم ندرك، سمعناهم يقولون: جاءنا نبي فلم نؤمن به، فيا هلاك هذا، ويا بلاءه ويا عذابه الدائم.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ [المؤمنون:٧٨] الضمير يعود إلى الله تعالى، والضمير هنا للغائب ولكنه يكاد يكون أعرف من كل معرف، فهو أعرف حتى من (أنا) للمتكلم، ومن (أنت) للمخاطب، فعندما يطلق (هو) فلا يعنى به إلا الله ﷻ ، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ﴾ [المؤمنون:٧٨] هو الله، ﴿الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ [المؤمنون:٧٨] خلقه وابتكره، و (السمع) بالألف واللام هو للجنس، أي: الأسماع، أي: سمع كل واحد منا منذ خلق أبانا الأول آدم وأمنا الأولى حواء وإلى آخر إنسان في الأرض، وقد يبتلى الإنسان فلا يكون له سمع، ولا يكون له بصر، ويكون مجنوناً فلا يكون له وعي، ولكن هذا بالنسبة للمجموع يكون نادراً وقليلاً، والأصل في الأشياء العموم.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ [المؤمنون:٧٨] جمع بصر، والأفئدة: جمع فؤاد، وهو العقل، ويطلق على القلب، وبكليهما يعي الإنسان ويعقل، ولو أصيب قلبه لمات، ولو أصيب عقله لَجُنّ، فلا إدراك ولا وعي ولا فهم، ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [المؤمنون:٧٨] يا أيها الناس! فلا تشكرون الله على نعمه الظاهرة والباطنة، ولا على ما أكرمكم به من مرسلين يأتونكم لتعلموا ولتؤمنوا، ولينذروكم يوم التلاق، يوم هم شاخصون، ويوم هم معروضون على الله.
стр. 585
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون)
﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المؤمنون:٧٩].
(ذرأكم) أي: خلقكم، فهو الذي خلقنا على الأرض، وملكنا إياها ومنافعها، فنأكل من ثمراتها ومن حيواناتها، ونشرب من مياهها، ونعيش في أجوائها صيفاً وشتاءً وربيعاً وخريفاً، وجعلنا خلفاءه في الأرض، فقال ربنا للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]، فجعلنا خلفاء لنحكم بالعدل، وندعو لعبادة الله، ونقاوم الشرك، ونقضي على الظلم، فإذا قام الإنسان بهذه المعاني كان خليفة حقاً، وقد قام بما خلفه الله عليه، فإذا لم يقم كان مشاكساً، وكان مخالفاً، وكان عبداً عاقاً، فيعاقب بما يعاقب به العققة والمخالفين لأمر الله من المشركين والعصاة.
﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [المؤمنون:٧٩] أي: خلقنا في الأرض ولم يخلقنا في السماء، وجعل لنا كل ما عليها بحاراً وجبالاً وأشجاراً، رجالاً ونساءً، أطفالاً وخدماً، وجعل الكل مسخراً يخدم بعضهم بعضاً، وكلنا فقراء إليه، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]، فمهما استغنى الرجل منا، ومهما ملك الرجل منا فهو يحتاج لمن يخبز له، ولمن يبني له، ولمن يطبخ له، ولمن يخيط له، ولمن يعالجه إذا مرض ولمن ولمن، وهكذا سخر بعضنا لبعض، وخدم بعضنا بعضاً، والغني المطلق الذي لا يحتاج إلى مؤازرة ولا مشاركة هو الله ﷻ ، ربنا وإلهنا وخالقنا وتعالى مقامه.
﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المؤمنون:٧٩]، فقد خلقنا مدة وزمناً معيناً له بداية وله نهاية، وأوجدنا من العدم، ثم سيميتنا، ثم سيحينا مرة ثانية، ويحشرنا إليه ونقف بين يديه لنحاسب على حياتنا وما صنعنا فيها: هل صدقنا رسلنا؟ وهل آمنا بربنا؟ وهل أطعناهم فيما أمرونا به وتركنا ما نهونا عنه؟ وهنا ذكر الحشر إنذاراً وتهديداً بأنه قد ذرأنا في الأرض ولم يتركنا عبثاً، ولم يخلقنا للعب والهوى، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فهل هذه العبادة التي خلقنا الله لها ومن أجلها قد قمنا بها حق القيام أو بعض القيام؟ وهل استغفرنا الله على النقص وعملنا جهدنا في بعض، عسى الله أن يغفر ذنوبنا؟ وأعظم شيء أن يعيش الإنسان موحداً وأن يموت موحداً، فيعبد الله ولا يشرك به أحداً، ويصدق رسله، ويصدق كتبه فمهما كان فهو إلى مغفرة في النهاية، إما بعد أدب وعذاب في النار، وقد يغفر ذلك بلا عذاب ولا نار، والله تعالى لا يسأل عما يفعل.
стр. 586
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار)
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [المؤمنون:٨٠].
الله ﷻ هو الذي أحيانا بعد أن لم نكن، وأوجدنا من العدم، فنحن نشعر بأنفسنا أحياءً ننطق ونتحدث، ونسمع ونبصر، ونلبس ونعرى، ونشبع ونجوع، ونشكر ونلغي الشكر، وهذا دليل على وجودنا، فنحن نتحرك ونعمل، ألم يفكر الكافر والمشرك يوماً: من أنا؟ ومن الذي خلقني؟ وما الفرق بيني وبين تلك الجثة التي فقدت الروح وهذا الجماد؟ ولِمَ كنت أتحرك قبل أن أموت؟ وما هي هذه الروح؟ وكيف تحركت يدي ونطق لساني؟ وكيف أبصرت عيني وسمعت أذني؟ وكيف وعى قلبي؟ وكيف حفظت ما حفظني الله إياه من علوم في الشريعة أو في الدنيا؟ ومن الذي أعطاني هذا العقل أفكر فيه؟ فالمؤمن يقول على كل شيء: الله الخالق الرازق المنشئ، مالك كل شيء، والكافر يذهب فيقول كلاماً قلد فيه الآباء والأجداد، فتكلم بما لم يعلم، وهرف بما لم يعرف، وأخذ يقول كلاماً هو كلام المغرورين والمجانين، وكأنه ظن أنه سيخلد أبداً، فلم ينظر إلى من سبقه من أبٍ أو جد أو كبير أو صغير وقد كانوا يوماً أعظم سلطاناً وأقوى شباباً وأغنى جاهاً وأكثر ترفاً ومقاماً، ومع ذلك ذهبوا مع الذاهبين، فقد جاءا من التراب ثم ذهبوا إلى التراب، أفيظن أن ذلك قد كان ثم لا عيشة ولا بعثة ثانية؟ هيهات، فالله ينبئنا في دار الدنيا أن نفكر يوماً ونعتبر، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [المؤمنون:٨٠]، فأما الحياة فرأيناها، وسل الأولين والآخرين ومن يدعون العلم اليوم: ما هي الروح؟ وقد سأل هذا السؤال الآباء والأجداد ومن عاصروا الوحي وعايشوا محمداً ﷺ ، وقال له الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، فإذا أخذنا نفسرها ونشرحها بأنها الحركة وبأنها الإدراك فيكون هذا شرح الجهلة وليس حتى شرح المبتدئين في رياض الأطفال، فالحركة ليست إلا أثراً لها، والنطق ليس إلا أثراً لها.
ولكن ما هي الروح؟ ما هو هذا الشيء الذي دخل أجسامنا وحرك عروقنا وأجرى دمائنا وتركنا نعي ونسمع ونعقل مائة سنة أو عشر سنوات أو أقل أو أكثر هذا ما لم يبلغه الأطباء ولا علماء تشريح والجسد، فهم يدخلون فيه جهالاً ويخرجون منه ولو بعد ألف عام جهالاً، وقد قال الله لنا: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، وإياكم أن تطغوا وتتجبروا وتقولوا: قد علمنا، فلم تعلموا شيئاً، ولذلك علم الله نبينا ﷺ وهو أعلم الخلق على الإطلاق، فقال له: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]، فالنبي ﷺ الخليل المختار كان في حاجة دوماً إلى المزيد من العلم، وموسى عندما سئل وهو من أنبياء الله عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: هل هناك أعلم منه، قال: لا، وإذا بالله الكريم يؤدبه على هذه الكلمة، فيقول له: بلى عبدنا خضر، فيتعبه ويسافر إليه ويذهب من المشرق إلى المغرب إلى مجمع البحرين والبحر المحيط في أرض طنجة كما قال الصحابة والتابعين، إلى أن وجد رجلاً عادياً في المنظر، يجلس على حشيش أخضر، يتعبد الله باكياً خاشعاً ذليلاً، ولا يزيد على أن يقول: رب اغفر لي يوم الدين، قال له: السلام عليكم، قال: من أنت؟ وأنى السلام في أرضك؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم.
فكان ما قص الله علينا في سورة الكهف.
والشاهد: أنه جاء عصفور صغير فنقر نقرة وأخذ قطرة ماء من البحر، فالتفت الخضر إلى موسى وقال: يا موسى! أترى أن هذا العصفور نقط من هذا البحر شيئاً؟ قال: لا، قال: ما علمي وعلمك أمام علم الله إلا كهذه القطرة يأخذها هذا الطائر من هذا البحر! وهكذا سنقول دوماً ولو عشنا ما عاشه نوح وزدنا: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]، فقد قالها لسيد الخلائق وخاتم الأنبياء ﷺ ، فكيف بنا؟! قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [المؤمنون:٨٠] فأحيانا وأوجدنا من العدم، وسيميتنا بعد، ثم يعيدنا في يوم البعث والنشور للحساب على الأعمال في الدنيا.
قال تعالى: ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [المؤمنون:٨٠] لله الليل والنهار واختلافهما، فهذا أسود مظلم إذا مددت يدك وخاصة في الليالي التي لا قمر فيها ولا هلال لا تكاد تراها، والنهار أبيض مشرق، وتارة هذا قصير وهذا طويل وتارة العكس، وهكذا يتعاقبان، ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس:٤٠]، فهما يختلفان في الأوقات والأزمان، وفي الألوان، وفي الأحوال، فمن الذي جعل السواد سواداً، والنهار بياضاً، والليل ليلاً والنهار نهاراً، وجعل هذا بياتاً وراحة وجعل النهار معاشاً وجهاداً وسعياً في الرزق وما إليه؟ إنه الله ﷻ .
﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [المؤمنون:٨٠] أليس لكم عقول تفكرون فيها يوماً؟ فمن أنت؟ وأين كنت قبل أن يتزوج أبوك بأمك؟ ومن كان يعلم بوجودك، ومن أين أتيت؟ ومن الذي أوجدك؟ وقل ذلك عن أبيك، ثم قله عن ولدك، ثم قله عن حفيدك، وما تقوله عن واحد هو الذي يقال عن جميع الخلق، ثم ترى الموتى ليلاً نهاراً في كل صلاة وفي كل صباح وفي كل مساء، فنصلي على الميتة، وعلى الطفل، ألم يخطر لك ببال أنه سيأتي دورك يوماً ويقول المؤذن: الصلاة على الجنازة؟ فماذا أعددت لهذه الساعة، وماذا أعددت لهذا الوقت، ثم بعد الدخول للقبر ماذا أعددت جواباً لسؤال الملكين الكريمين المكلفين من قبل الرب ﷻ ؟ فنحن ونحن أطفال ونحن كبار إذا هددت بسؤال أستاذ فإنك تخاف أن تجيب خطأ فستكون فضيحة، فتسهر وتذاكر حتى لا تفضح.
فكيف إذا علمنا أننا يوماً ما سنسأل من رسل الله الملائكة، ثم يعطون الجواب لله ﷻ ، هل كنت على الإسلام أو الكفر؟ وينبني على ذلك: أن تدخل النار أو الجنة، وأن تعذب أو تنعم إلى يوم القيامة.
стр. 587
تفسير سورة المؤمنون [٨١ - ٩٥]
ذكر الله تعالى هنا بعض مقولات الكفار المشركين من حيث استبعادهم لقيام الساعة وحشر الأجساد، فجادلهم الله تعالى وأفحمهم بالحجج العقلية البينة الواضحة الدامغة على صحة ما أنكروا واستبعدوا.
وهذه الحجج هي دامغة لكل مشرك كافر قال مقولتهم في أي زمان ومكان.
стр. 588
تفسير قوله تعالى: (بل قالوا مثل ما قال الأولون)
قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ * قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون:٨١ - ٨٢].
يذكر الله الكفرة الجدد الذين عاصرهم نبينا ﷺ وقد أنكروا كل شيء: وأنكروا الوجود والخلق والربوبية والألوهية، وجعلوا لها شركاء من خلق الله، ومن الحيوانات ومن الجمادات، فالله ﷻ قال لنبيه: قل لهم، وعلم نبيه ليعلمهم، وبلغه ليبلغهم، فما ازداد أكثرهم إلا إصراراً على الكفر، كان ذاك ولا يزال، فالقرآن نحن مخاطبون به كما خوطب به الآباء والأجداد منذ ألف وأربعمائة عام في مختلف بقاع الأرض، وليس محمد نبي العرب فقط، بل نبي الأبيض والأسود، والأحمر والأصفر، وهو خاتم الأنبياء، وقد أرسل للمشارق والمغارب، فجميع الأنبياء ذهبت نبوءاتهم بموتهم، وانتهت بتبليغ عشائرهم وأقوامهم، وأما نبينا ﷺ فهو النبي المستمر، فلا نبوة ولا رسالة بعده، ورسالته قائمة، ومن أنكرها من الإنس والجان فعليه العذاب واللعنة والغضب.
﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ﴾ [المؤمنون:٨١] أي: كانوا رجعيين، فقد رجعوا إلى مقولة الكفار السابقين من قوم نوح وقوم إبراهيم، ومن زعموا أنهم نصارى، ومن الملاحدة والكفرة، فقال هؤلاء ما قال الأولون، فأنكروا أبرز شيء في الأديان وأظهر شيء في الأديان: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ﴾ [المؤمنون:٨١]، وأعاد الله (قالوا) للتنويه والإشادة، وبدل الكلام السابق، ﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون:٨٢]، فيفخرون ويستفهمون استفهاماً إنكارياً، ويقولون: اسمعوا يا جماعة! هل يتصور أننا بعد أن نصبح تراباً وعظاماً نخرة، وبعد أن تخرج منا الروح أن نعود إلى للحياة مرة أخرى؟ أنبعث بعد الموت؟ أيجتمع التراب ويعود بشراً سوياً كما كان؟ وقد ذكر الله في غير هذه الآية أنهم قالوا وهم يتساءلون: كيف يحيي الله الموتى؟ فقال الله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩]، فالله الذي أوجدنا من عدم وابتكرنا على غير مثال سابق، أقدر عليه وأسهل أن يعيدنا من تراب، وكل شيء سهل عليه ﷻ ، فما دمنا قد آمنا بالواقع، وأنا قد أوجدنا، وأننا لم نكن، ونرى يومياً تزاوج ذكراً بأنثى لا ولد لهذا ولا ولد لهذه، وإذا بعد السنة يأتوننا بطفل، فمن صنعه؟ أشهوتهم صنعت ذلك المخلوق؟ وهل كان لهم علم به؟ هل سعوا في أجله؟ هيهات، ثم هكذا يكبر الطفل ويشب ويصبح كهلاً، ثم يصبح شيخاً، وهكذا يعود إلى التراب، فإذا خلقه الله من عدم أليس قادراً على أن يعيده بعد أن أوجده المرة الأولى؟ بلى، فأخذوا يتساءلون ساخرين مستفسرين.
﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ * قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا﴾ [المؤمنون:٨١ - ٨٢] أي: هلكنا وانتهينا من الدنيا.
﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ [المؤمنون:٨٢] أي: أصبحنا فناءً.
стр. 589
تفسير قوله تعالى: (لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل)
﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ﴾ [المؤمنون:٨١].
أي: أنبعث مرة أخرى، وأيضاً يستفهمون مستنكرين: ﴿أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون:٨٢]، قالوا: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون:٨٣].
فهكذا جاء الأنبياء قبل محمد ﷺ وقد سمعوا بهم، فجاء موسى فقال ذلك، وجاء عيسى وقال ذلك، وجاء أنبياء بني إسرائيل فقالوا ذلك، وجاء الخليل إبراهيم فقال ذلك، قاله جميع الأنبياء لأقوامهم، وإذا بهؤلاء يقولون: أين الذي قالوه؟ ولماذا لم نبعث؟ فنقول: إن ذلك متى أراد الله لا متى أردتم أنتم، فهل انتهى الجسم البشري؟ وهل انتهت الحياة على الأرض؟ وهل دهدهت السماوات والأرض فأصبحت عهناً منفوشاً كأنها لم تكن؟ لم يكن هذا بعد، ولا يعلم الساعة ولا وقتها ولا زمنها إلا الله، وعندما جاء جبريل عليه وعلى نبينا السلام ليعلم الصحابة سأل النبي ﷺ عن الإيمان، وسأله عن الإحسان، ثم أخذه يسأله: (متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل).
فلا يعلم الساعة تعيينا ولا وقتاً إلا الله، نعم تعلم علاماتها وأشراطها، وقد أخبرنا النبي ﵊ وأخبرنا الله عن ذلك في كتابه، ولها شرائط صغيرة، ولها شرائط كبيرة، ومن الشروط الأولى الصغرى: البعثة المحمدية، وقد قال ﷺ : (بعثت أنا والساعة كهاتين؛ وأشار بسبابته وبالوسطى من أصابعه) أي: ما بيني وبين الساعة كما بين السبابة والوسطى، وكم مضى من السبابة؟ أيضاً لا نعلم، فلو علمنا كم مضى لعلمنا كم بقي، ولكن الذي نعلمه أن نبينا خاتم الأنبياء فلا نبي بعده، ولذلك كان وجوده وبروز نبوءته هو العلامة الأولى الصغرى لقيام الساعة، وأجدادنا في التاريخ تخاصموا وكتبوا الكتب، وتجادلوا في قيام الساعة، فقال بعضهم: إنه سيكون من البعثة المحمدية إلى قيام الساعة ألف عام، وقال البعض: ثلاثمائة عام، وقال البعض بعد مائة عام، وكتب السيوطي في ذلك كتاباً، واحتج على أولئك فقال: سنتمم ألف سنة، فتمت ألف سنة ومضى بعدها أربعمائة سنة وسنة أيضاً، وستبقى قرون للدنيا؛ لأن العلامات الكبرى لم تبدو بعد، فلن تقوم الساعة وعلى وجه الأرض أحد يقول: ربي الله، ولا تزال ربي الله تقال في مشارق الأرض ومغاربها حتى في بلاد الكفر، فما من رقعة من بلاد الكفر إلا وفيها مؤمنون يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولهم مساجد يصلون فيها، ويعتكفون، ويصومون، دعك من أرض الإسلام التي تعد ملياراً من البشر.
يقول النبي ﵊: (لن تقوم الساعة إلا على لكع ابن لكع) أي: على مشرك خبيث ابن مشرك خبيث، أي: سيطول الزمان في الشرك إلى أجيال: آباء وأبناء وأجداد.
ونقول: قد ابتدأ هذا، ومع ذلك لا تزال المسافة طويلة جداً، ومهما قلنا: عصى آل فلان، أو الشعب الفلاني، أو الدولة الفلانية، فلا تزال بيوت الله ومساجد المسلمين في كل أرض، ونجد المصلين والعاكفين والعابدين، ونجد الزاهدين، وهيهات أن ينقضي هذا بجيل أو جيلين، أو قرن أو قرنين.
﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ * قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون:٨١ - ٨٢]، وإذا بالله الكريم يقول لنبيه: قل لهؤلاء وحاورهم: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤] أي: سلهم وقل لهم: هذه الأرض التي أنتم عليها، وما عليها من إنسان وحيوان وجن، ومن بحار وهضاب وخيرات وأرزاق لمن هي؟ ومن مالكها؟
стр. 590
تفسير قوله تعالى: (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون)
إذا ثبت أن الله مالكها إذاً: فهو خالقها، قل يا محمد: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤] أي: إن كنتم تدعون المعرفة كما تزعمون فلمن هذه؟ ومن خلقها؟ ومن ملكها؟ وإذا ملكها الله فهو إذاً خالقها.
فكان
الجواب
﴿ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٥]، فقد أجابوا اعترافاً بوجود الله، وملك الله، وقدرة الله، وخلق الله، ﴿قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٥] أي: قل يا محمد لهؤلاء وقد آمنوا بأن الأرض وما فيها لله، ﴿قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٥] أفلا تعتبرون؟ ألا تفكير ألا عقل ألا رأي؟ فما دمتم وقد اعترفتم بوجود الله، وبقدرة الله، وبخلق الله، وأنكم وجميع من على الأرض من عاقل وغير عاقل، من إنسي وجني وملك، من حيوان ودابة، وكل ما عليها، ما دمتم قد اعترفتم أنها لله أفلا تعون وتعقلون؟ فكيف جعلتم معه شريكاً؟ وكيف أنكرتم وهو الذي أخبركم: أن هناك بعثة، وأن هناك حياة ثانية؟! ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٥]، أفلا تعون وتقفون يوماً وتتفكرون مع أنفسكم، وتعتبرون بهذا، وتقولون: ما دامت المقدمة صحيحة، وأن الأرض خالقها الله، وأن الأرض مالكها الله، وأن الأرض رازقها الله، فلم إذاً نكران ما جاء به الله؟! وقد أرسل الله أنبياء سابقين يخبرون بالبعث وبالتوحيد، وبالقدرة لله على كل شيء، فلِمَ إذاً تتناقضون؟ وهكذا الكفر قديماً وحديثاً لا منطق له، ولا عقل له، إن هم إلا قردة ببغاوات يقلدون ما وجدوا عليه آباءهم، فإن أنت سألتهم: ما دليلكم وما برهانكم؟ قالوا: هكذا وجدنا آباءنا، وإنا على آثارهم مقتدون.
وأما المؤمن فتارة يخاطبك بدليل العقل، وتارة يخاطبك بدليل السمع، فيقول لك: قال الله، قال رسول الله، قال العلماء، فإن كان المخاطب لا يؤمن بشيء من هذا خاطبه بمنطق العقل، كما يخاطبهم القرآن، وكما يخاطبهم نبينا ﵊، وجميع الأنبياء السابقين قبله عليه وعليهم سلام الله وصلاته.
стр. 591
تفسير قوله تعالى: (قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم)
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون:٨٦ - ٨٧].
سألهم مرة أخرى، فسألهم أولاً عن الأرض فاعترفوا بأن الله مالكها، وبأن الله خالقها، فقال الله لعبده ونبيه ﷺ : سلهم مرة أخرى: من رب السماوات السبع؟ هذه المخلوقات العالية الشامخة لمن هي ومن خلقها؟ ومن رب العرش العظيم؟ ومن صاحبه ومن إلهه ومن خالقه؟ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون:٨٧].
فمرة أخرى اعترفوا وأقروا بأنه كما كانت الأرض ملكه، وما كانت ملكه حتى كانت خلقه، كذلك السماوات السبع وما فيهن، وكذلك أعظم خلق الله وهو العرش العظيم، وقال ﷺ : (ما السماوات السبع والأرضين السبع وما بينهن مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، وما الكرسي أمام العرش إلا كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض).
ولذلك قال الله: (العرش العظيم) أي: الكبير الذي لا تكاد العقول تصل إليه، وهو كالقبة بالنسبة للمخلوقات من كائنات الكون كله، وهو مستدير كبقية المخلوقات جميعاً، ككروية الأرض وكروية السماء، وهذا ما أجمع عليه المسلمون منذ العصور الأولى كما ذكره ابن حزم وابن تيمية والغزالي وابن القيم ونقلوا الإجماع على ذلك.
فالنبي ﵊ عندما ذكر العرش أشار بيده هكذا، قال الصحابة: أشار كالقبة فوق هذه الكائنات والمخلوقات، وهم يسمعون بالعرش، ومع ذلك لما سألهم نبينا ﷺ كما أمره ربه: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون:٨٦ - ٨٧] فما دمتم تعترفون وتؤمنون بذلك ألا تخافون الله؟ ألا تتقونه من عذابه ومن نقمته ومن غضبه؟ ألا تصدقون نبيكم؟ ألا تصدقون كتاب ربكم؟ أتكذبون الأنبياء كما كذب من سبقكم أنبياءهم؟ أهذا منطق العقل ومنطق الفهم ومنطق الإدراك؟ هيهات، فهم كالأنعام بل هم أضل.
стр. 592
تفسير قوله تعالى: (قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه)
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٨ - ٨٩].
سلهم يا محمد مرة ثانية: من بيده ملكوت كل شيء؟ (ملكوت) أي: ملك، والتاء للمبالغة، كما يقال: بهموت وجبروت، قل من بيده التصرف في هذا الملك الأعظم؟ ومن الذي نظم هذا العالم: نظم ليله ونهاره، وصيفه وشتاءه، وربيعه وخريفه؟ ومن الذي رزق هؤلاء الخلق من إنسان ومن جن، ومن حيوان، ومن طير، ومن يمشي على أربع، أو يمشي على رجلين، أو يمشي على بطنه، ومنهم من يعيش فوق التراب، ومنهم من يعيش داخل البحار؟ فهذا التنظيم الدقيق في كل شيء من الذي صنعه؟ ومن الذي دبره؟ ومن الذي قام عليه؟ فكان
الجواب
الله.
قوله: (يجير) أي: يدفع ويحمي، فالذي يجير هو الله ﷻ ، فمن منعه الله من الناس فلا يخاف أحداً من الخلق، ومن حفظه الله لا يخاف مخلوقاً قط، فقد يقع من الأجواء وشاهق الجبال فتجده بقي حياً؛ لأن الله لا يزال يدافع عنه، ولم يأتِ وقت موته بعد، وقد يحصل الذي يحصل ويبقى حياً، ويبقى مرزوقاً، ويبقى قائماً، ويبقى مقتدراً بقدرة الله، وذكر التعبير هنا بما هو معروف في لغة العرب التي نزل بها القرآن.
فقد كان عادة العرب أن يأتي إنسان فيدخل القبيلة الفلانية فيستجير بفلان فيكون في جواره وفي حمايته وفي وقايته وفي حفظه، فلا يجرؤ أحد أن يمسه بسوء، ولو فعل لبطش به وبكل ما يتصل به سيد القبيلة، ولا يمكن لغير سيدها أن يجير أحداً من الناس يدخل قبيلته؛ لأن ذلك فيه فضول عليه وعلى سلطانه وعلى رئاسته.
فإن حماه الله احتمى، ومن لم يحم ولم يدافع عليه فهيهات أن يستطيع أحد أن يحميه دون الله، فلن يكون هذا وما كان قط.
فلا يمكن أن يأتي إنسان مخلوق أياً كان إذا أراد الله عذاب شخص أو النقمة على شخص أن يأتي إنسان فيحمي ذاك من عذاب الله ويحميه من عقوبة الله، فلن يكون ذلك، ولا يفكر فيه مخلوق على الأرض لا كافر ولا مسلم، ولو فكروا فيه فليحموا أنفسهم من الموت.
﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:٨٨] أي: إن كنتم كما تزعمون أنكم ذوو عقول مدبرة وأفكار سديدة ورأي مقبول، فافعلوا.
قوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٩].
فهم يقولون: لله، مرة ثانية، أي عادوا فقالوا: صاحب الملكوت ورب الخلق والتصرف المطلق والرزق والتنظيم هو الله وحده لا أحد معه.
﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٩]، والسحر في الأصل معناه: التخييل، أي: كيف تتخيل عليكم الحقائق فتصبح خيالات وأوهاماً؟ وكيف جئتم بالأباطيل فتوهمتم صحتها وأحقيتها وليست كذلك، فكيف خدعتم عن عقولكم؟ وكيف خدعتم عن دينكم؟
стр. 593
تفسير قوله تعالى: (بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون)
قال الله: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [المؤمنون:٩٠].
فهؤلاء هم الذين حاربهم رسول الله ﷺ بأمر الله ﷻ ؛ لتكون الحجة البالغة لله، ولكي لا يقولون: ما أرسلت لنا رسولاً ولا بلغنا شيء، ولم نعلم هذا، وعقولنا في الأصل لم تبلغه ولم تصل إليه، فسيكذبون، بل جاءكم كتاب من السماء وحياً على نبيكم، وهو بشر منكم تعلمون حسبه ونسبه، وتعلمون بيته ونشأته، وتعلمون أبوته وتعلمون بلاده، فكيف تزعمون أنه لم يكن؟! قال الله تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [المؤمنون:٩٠] أتاهم بالحق أتاهم بالقرآن الكريم وهو حق، وأتاهم بالنبي خاتم الأنبياء وهو حق ﷺ ، وأتاهم ببيان كتابه بالسنة المطهرة التي نطق بها ﷺ ، وأتاهم بالحقائق التي لا يجادل فيها إلا أرعن أحمق أخرق، أو من عطل الله حواسه فأنكر الحقائق وهو يسمع ويرى ويبصر ويعي ويدرك.
﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [المؤمنون:٩٠] اللام بعد إن المشددة يقال عنها: اللام الموطئة للقسم، ومعنى الكلام: أن الله يقسم بأنهم كاذبون في جحودهم، كاذبون في شركهم، كاذبون في عصيانهم، وكاذبون فيما ادعوه.
стр. 594
تفسير قوله تعالى: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله)
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩١].
يقول تعالى بمنطق العقول لمن له عقل يسمع ويدرك ويعي: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون:٩١] يقول للنصارى: يا كذبة على الله، ويقول لمن قال: إن الملائكة بنات الله: يا كذبة على الله، ويقول لليهود الذين قالوا عن العزير: إنه ابن الله، ويقول للنصارى واليهود جميعاً الذين زعموا أنهم أبناء الله: يا كذبة لم يتخذ الله ولداً قط ولا يليق ذلك بألوهيته ولا بربوبيته، فهو الخالق الرازق، ولو اتخذ ولداً لكان إلهاً، ولدخل ذلك في عموم قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢].
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١] أي: لا شريك له لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فهذا جدل بمنطق العقل للكافر، والمفروض فيه أنه عاقل.
إذاً لو كان هناك إله ولو كان هناك ولد لنازعه في الملك؛ لأن الولد يشارك أباه، فيكون ولي عهده، وقد ينازعه في الحياة في عرشه وسلطانه وماله، وهو شريك له في ماله وفي كل شيء، ويقول له: أنت الذي تسببت في خروجي لهذا العالم وتتركني عالة على الناس! وكذلك لو كان لله ولد عن ذلك علواً كبيراً.
﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون:٩١] ولأصبحت المملكة والعالم كالممالك في الأرض، فهذا يملك السماء، وهذا يملك الأرض، وهذا يملك البحار، وهذا يملك الجبال، وكثير من اليونانيين القدماء الذين سموا أنفسهم فلاسفة يقولون: رب السماء، ورب الأرض، ورب النور، ورب الظلمة وهكذا، فهؤلاء المجانين وهؤلاء الكفرة المشركون لا يعقلون.
﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون:٩١]) لأخذ كل إله من هذه الآلهة المزيفة جزءاً مما خلقه وقام عليه، ولو كان ذلك لعلى بعضهم على بعض كملوك الأرض ودول الأرض وحكام الأرض، فهذا يطمع في حدود هذا، وهذا في مخازن هذا وفي معادن هذا وفي أمواله وفي ثرواته، كما نرى الأرض كما كانت منذ آدم منذ أن تقاتل ابنا آدم، فأحدهما قتل الآخر وإلى الآن والناس تسفك دماء بعضها؛ حباً في المال والجاه والتسلط.
فإذا ملك اثنان فإنه يطمع واحد منهما أن يغلب الثاني، وهذا ما يسمى في لغة الأصول والمنطق: التدافع، والتدافع ما دخل في شيء إلا وألغاه ألبتة، فقد زعم المشركون أن الدنيا فيها آلهة وأن الكون له آلهة، فإذا كان الأمر كذلك كما قال تعالى ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون:٩١]، وحاول كل واحد من هذه الآلهة أن يكون أعلى وأقوى وأكثر بطشاً وأكثر أتباعاً وأكثر جاهاً وأكثر سلطاناً وأكثر تجبراً، ففي هذه الحالة إما أن يتدافعوا فلا يغلب أحدهم الآخر ولا يصل لغايته، إذاً فكلاهم عاجز، فإذا عجزوا فهم ليسوا بآلهة، وليس العجز من صفة الإله والرب، فسقطوا جميعاً، وإذا غلب أحدهم الآخر فالمغلوب ليس إلهاً، ومن هنا تجد عقول النصارى عقول سخيفة تداس بالأقدام بلا كرامة، فقد زعموا أن عيسى ابن الله، وأحياناً قالوا: هو الله، ثم زعموا أن اليهود تغلبوا عليه وصلبوه وقتلوه، إذاً يصبح اليهود أقوى من ربهم الذي زعموه رباً.
وبذلك لم يكن عيسى إلهاً، ولو كان إلهاً لما تغلب عليه اليهود، وقد جاء في القرآن الكتاب المنزل خاتم الكتب والمهيمن على الحدود كلها: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ [النساء:١٥٧] أي: كذبوا وافتروا وأفكوا، ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧] أي: قتلوا شبيهاً له، وهذا ما ثبت في إنجيل برنابا، وبرنابا أحد حواري عيسى، فيه أن عيسى لم يقتل، فيه: أن هذا الذي خانه، عندما دخل رفع الله عيسى إليه وشق السقف وإذا بهذا الذي تجسس عليه وباعه بثمن بخس دراهم معدودة إلى الروم من حكام القدس، وإذا بالله تعالى يلبس هذا الخائن يلبسه صورة عيسى، فقال الحاضرون لهم: هذا عيسى فأخذوه، هذا في إنجيل برنابا، أخذوه وجعلوا على كتفيه صليباً أكبر منه وأطول، وجعلوا على رأسه تاج شؤم؛ لأنهم قالوا للروم: إن عيسى يريد أن يأخذ عرشكم وملككم، ويتبعونه بالتفال وبالضرب وبالخزي وباللعنة، فكان يبكي ويقول: لست عيسى، أنا الذي بلغتكم على عيسى، فأخذ يفضح نفسه، فالمؤمنون بعيسى حقاً كانوا يهينونه ويضربونه؛ لخيانته التي اعترف بها، وأولئك كانوا يكذبونه؛ لأن الحواريين أصحاب عيسى قالوا لهم: هذا عيسى؛ لأن وجهه وصفته كانت صفة عيسى، وهو ما قاله الله ﷻ : ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ﴾ [النساء:١٥٧]، وكان هؤلاء الذين قتلوه أو زعموا أنهم قتلوه في خلاف طويل: هل قتلناه أولم نقتله؟ وهل هو هو أوليس بهو؟ إلى قرون بعد ذلك.
فراحت السلطة وكانت في يد الرومان، والروم كانوا تنصروا فأوجبوا على كل من ادعى النصرانية أن يؤمن بأن عيسى رب، وأن عيسى صلب، فطغى بذلك اليهود ولا يزالون يطغون، وأذلوا النصارى وجعلوهم تحت الأقدام، فقتلوا إلههم وتغلبوا عليه، ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢].
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون:٩١].
في هذه الحالة لو كان هناك آلهة معه لذهب كل إله بما خلق، أي: لأخذ جزءه الذي خلقه: سماءه أرضه جبله بحره، وعندما يأخذ ذلك ويتسلط عليه لعلا بعضهم على بعض، فهذا يعلو على هذا، وهذا يقاتل هذا، وهذا النوع نفس جين اليونانيين الذين يسمونهم فلاسفة، فقد جعلوا بينهم حروباً، وجعلوا بينهم قصصاً، وجعلوا بينهم خرافات، فقالوا: الرب الأعظم، ورب الأرض، ورب النور، ورب الظلمة، وهذه خرافات ما أنزل الله بها من سلطان، وما نزلت الكتب على الأنبياء إلا لتزيفها ولتبين أنها خرافات وأوهام.
﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩١]، فالله ﷻ ينزه نفسه ويعظم نفسه ويعلي شأنه؛ ليعلمنا أنه أعظم وأعلى من ذلك، فليس بحاجة إلى ولد، وليس بحاجة إلى شريك، ولم يكون ذلك الشريك، وكلمنا بالعقول التي تفهم لو حدث ذلك -على أنه لم يحدث-، فالكون منذ وجد يمشي على غاية ما يكون من النظام بالثانية: الليل والنهار، الصيف والشتاء والربيع والخريف، والحياة والإنسان، ولم يوجد في يوم من الأيام أن ولد إنسان حماراً، أو حمار ولد إنساناً، وما يوم من الأيام اختلفت الفصول فكان الصيف ربيعاً، أو أصبحت مكة باردة كبرد الشام أو المغرب، لن يكون هذا في هذا النظام الدقيق الذي أقام الله عليه ملكه، وما كان متصرفاً فيه لم يزد ثانية ولم ينقص على نظامه كما خلقه الله ﷻ ، فمن دبر ذلك؟ ومن أشرف على ذلك؟ ولله ملائكة ولكنهم عبيد يفعلون ما يؤمرون لا يعصون الله ما أمرهم قط.
ولذلك فهذا أعظم دليل منطقي، وعندما يقال: الكتب الدينية فإنهم يعنون كتب النصارى التي اختلفت وتغيرت وتبدلت، وأما نحن فلا نقول: القرآن كتاب ديني، وإنما هو كتاب ديني وكتاب دنيوي، وكتاب عسكري، وهو كتاب مدني، وهو كتاب قانون، وهو كتاب شريعة، وهو كتاب أدب وهو كل شيء، فماذا تقول في هذه المحاورات العقلية: أفلسفة هي، قل إن شئت: هي المنطق والعقل، وقل إن شئت هو محاورة في الأدب والبلاغة؟ ولكن ليس طقوساً كما يزعم النصارى والجهلة من أبناء المسلمين الذين تلقفهم النصارى واليهود وأفسدوا عقولهم، ودينهم، وعلومهم، وجعلوهم خلقاً لا مسلماً ولا كافراً في أكثرهم، إلا من حفظ الله.
стр. 595
تفسير قوله تعالى: (عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون)
قال الله تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٩٢].
(عالم الغيب) صفة لله ﷻ ، وقرئ (عالم الغيب) كلام مستقل، فالله يعلم ما غاب عن خلقه ويعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، ويعلم الشهادة ويعلم حضورنا، ويعلم ما نحن عليه الآن ومن تدارس كتابه تجاه الكعبة المشرفة، ويعلم خلقه، ويعلم ما ينفعهم وما يضرهم، ويعلم ما تجري به الضمائر والنفوس، فلا تخفى عليه خافية جل وعلا وعز مقامه وعلا شأنه.
﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٩٢] تعالى عن شركهم، نزه نفسه عن شركهم فلا ولد له ولا شريك له، ولا يحتاج إلى شيء من ذلك وإلا لتدهده هذا الكون وخرب وضاع ولا يبقى مستقيماً، كما نرى الدول عندما يختلف حكامها وزعماؤها تقوم الفوضى: فلا بيع ولا شراء ولا قيام ولا قعود إلى أن يغلب أحدهما الآخر، وتخرب معه البلاد والعباد، وهذا لم يحدث في الأرض؛ لأن مالك الأرض واحد، ومالك السماء واحد، وخالق الكل واحد وهو الله ﷻ ، فلا ابن له ولا ولد معه ولا شريك.
стр. 596
تفسير قوله تعالى: (قل رب إما تريني ما يوعدون)
قال تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون:٩٣ - ٩٤].
علم الله نبيه أن يدعو بذلك، قل يا محمد: رب لقد حققت وعيدك في هؤلاء الظالمين المشركين، وأنزلت بلاءك وعذابك ونقمتك وغضبك على هؤلاء، ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون:٩٤]، رب فلا تجعلني ضمنهم؛ فلم أظلم يوماً، فأنا عبدك الذليل بين يديك، الخانع لجلالك وقدرتك، فالكل منك وإليك يفعلون ما تشاء، ولا تسأل عما تفعل، ولكنني أرجوك.
علمه الله أن يقول: ﴿رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون:٩٣] أي: إما أرأيتني ما وعدتهم به من عذاب، إذا أنزلت بهم عذابك ونقمتك وحضرت ذلك وشاهدته فلا تجعل ذلك العذاب مما يشملني، ولا تجعلني فيهم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]، فعلم نبيه أن يقول لربه: لا تجعلني يا رب إذا ما أوعدت وحققت وعيدك وعذابك ونقمتك لهؤلاء وعشت وأدركت ذلك فلا تجعلني بينهم، وقد استجاب الله له فلم تكن محنة ولا عذاب على الصحابة والمسلمين أيام الحياة النبوية، وبعد الحياة النبوية ارتد من ارتد، ومنع الزكاة من منعها، وقتل عمر، وسم أبو بكر، وقتل عثمان، وقتل علي، وتحاربوا فيما بينهم أربع سنوات متصلة أريق فيها الكثير من الدماء، وحدث ما حدث بين الكبار من القوم، وكان ذلك من الله امتحاناً وفتنة وبلاء.
﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون:٩٥]، ولو أردنا أن نريك أن تعيش في واقع النقمة والعذاب والفتنة والبلاء فإننا على ذلك لقادرون، فيفعل الله ما يشاء، فيحسن للمسيء ويعاقب المحسن، فالله يفعل ما يشاء، والضمائر والقلوب بيد الله، فلا يشق القلوب إلا هو، ونحن نشهد للإنسان بحسب ما رأينا فنقول: فلان صالح، وأما ما في قلبه فلا يعلم هذا إلا الله.
﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون:٩٥] يقول الله لنبيه ولعبده ورسوله ﷺ : لو أردنا أن نريك ذلك وأن نعيشك في بلائهم وفي نقمتهم لفعلنا، ولكن الله لم يفعل؛ تكرمةً لنبيه ﷺ ، وتكريماً لأمة نبيه.
والله تعالى منذ أرسل محمداً في الأقوام جميعاً ﷺ حفظهم وصانهم من أن يبتليهم بما ابتلى به الأمم السابقة: من مسخ، وخسف، وصيحة، وبلاء مما كان يبتلى به الأولون، ومن غرق شامل كما كان أيام نوح، فالصيحة تأخذ الحي والميت والكبير والصغير والصالح والطالح، من قذف بحجارة من فوق كما حدث لقوم لوط، ومن قتل بعضهم لبعض؛ ليتوب الله عليهم كما فعل مع بني إسرائيل عندما أشركوا وعبدوا العجل في قصة السامري التي قصها الله علينا، وأما الأمة المحمدية فهي محفوظة من ذلك وإن كان ليست محفوظة من مسخ العقول، فقد مسخت عقول كثير ممن نعايشهم، وقد قال ﷺ مخبراً عن قوم: (ألسنتهم ألسنة العرب وقلوبهم قلوب الأعاجم) أي: ليس فيه من الإسلام إلا اللسان، وأما عقولهم فكعقول الكفار، وتفكيرهم كتفكير الكافرين، وما أصدق هذا الحديث على عصرنا! فترى الرجل الحافظ العالم المتكلم الفصيح البليغ فإذا به يفاجئك بأنه من اتباع ماركس اليهودي، ومن اتباع الشياطين، وقد ترك المذاهب والإسلام كله إلا المذاهب الضالة الباطلة الوافدة من خارج حدود ديار الإسلام.
ويأخذ أحياناً يجادل ويحاور وهو يظن نفسه أنه على شيء، فيقول لك: بلى ما قال هذا صحيح، فالدنيا كانت في الأصل خلية واحدة ثم توالدت، ألا ترى الماء يكون راكداً وإذا بنا نجد فيه الديدان، فنقول لهذا: فالخلية الأولى التي تزعم من الذي أوجدها؟ وعندما يقف معناه أنه قد اعترف بعجزه وكفره وشركه، ونحن نقول: الخلية الأولى هي آدم، ولكن من الذي خلقه؟ وهل وجد هكذا سبهللا عبثاً؟ أليس الله هو الذي خلقه؟ أليس الله هو الذي نفخ فيه من روحه؟ والحشرة التي لا تكاد ترى إلا بالمجهر مكبرة على آلاف المرة تجدها في هذا الصغر فهي لا ترى بالعين المجردة، ومع ذلك لها قلب، ولها مصارين، ولها لسان، ولها سمع، ولها كل حركة!
стр. 597
تفسير سورة المؤمنون [٩٦ - ٩٨]
لقد أرشد الله تعالى نبيه ﷺ بأن يقابل السيئة بالحسنة، وأن يدفعها بها، وهذا كان في أول الإسلام في العهد المكي، وهذه إذا كانت صادرة من الكفار، ففي ذلك العهد لم يأمر الشرع بمواجهتهم ومقاتلتهم.
وأرشده أيضاً -وهو إرشاد للأمة- إلى الاستعاذة بالله تعالى والتحصن به من كيد الشيطان وحضوره، ومن وسوسته وشروره، فلا يجير من ذلك إلا الله تعالى.
стр. 598
تفسير قوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن السيئة)
قال الله جلت قدرته: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٦ - ٩٨].
يقول الله ﷻ لنبيه ﷺ : ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون:٩٦] أي: قاوم السيئة وادفعها وردها على صاحبها بما هو أحسن نبلاً وأحسن فضلاً وأحسن مقابلة ومعاملة.
ويحتمل أن يكون معنى هذه الآية: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون:٩٦] أي: سيئة الكافرين، وسيئة العصاة المؤمنين، والبدو الجفاة من الأعراب، لكن قول الله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩٦] دل على أن هذا الدفع هو دفع سيئة الكافرين؛ إذ لا يقول كلمة كفر أو كلمة شرك أو كلمة فيها قلة أدب مع رسول الله ﷺ إلا من كان كافراً غير مسلم.
أي: لا تقاوم هؤلاء الكافرين ولا تحاربهم ولا تشهر السيف في وجوههم، بل ادفع سيئتهم بالحسنة وبالكلمة الطيبة وبالصبر إلى حين.
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩٦].
أي: نحن أعلم بحال هؤلاء الكافرين وما يقولونه من تكذيب لك، وتكذيب لكتاب ربك، وشرك بإلههم، فالآية على ذلك كانت قبل آية السيف، وهكذا الأمر فالسورة مكية، ومكة لم يكن القتال فيها قد شرع بعد، فكان ﷺ يمر على أصحابه وهم يعذبون وينكل بهم فلا يزيدهم على قوله: صبراً صبراً، فمر على ياسر وولده عمار وزوجته سمية وهم يعذبون العذاب الشديد فما زاد على قوله لهم: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة).
وهكذا استشهدت سمية وهي تصر على كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، ولكن هذا كان في مكة فقط، وبعد أن رحل وهاجر ﷺ إلى المدينة نسخ كل ذلك، وشرع الجهاد والحرب والقتال، وقد صبر المسلمون على أعداء الله اثنتي عشرة سنة وهم يكذبون وهم يقاومون، فاضطر النبي ﷺ لترك مكة المكرمة مسقط رأسه وكذلك أصحابه المهاجرون، وهي أحب ما تكون إليه وأعز ما تكون إليه، وكان يدعو قبل الهجرة فيقول: (رب كما أخرجتني من أحب البلاد إلي فأسكني أحب الديار إليك).
فكانت المدينة هي المنتخبة، وهي المرادة، وهي التي اختارها الله ﷻ لنبيه وعبده وحبيبه ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى ذلك نتلو هذه الآية ونحن نعتبرها قد نسخت بالقتال والجهاد والمقاومة، وقد كانت أول آية نزلت في شرع القتال هي قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩]، وببقية الآية الواردة في الحرب والقتال: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١]، وكقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦].
وقد شرع الحرب والقتال لقتال الوثنيين، وقتال الكتابيين، وحرب البغاة العصاة من المسلمين، وهذه الآية تشبه الآية الأخرى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٤ - ٣٥]، وهذه الآية تبقى مثالاً أبداً للنبي ﷺ .
ولذلك كان من فضائل الأخلاق الإسلامية: الصبر، الذي طالما دعا الله إليه بالعشرات من الآيات وفي سورة خاصة، ولكن للصبر حدوداً فإذا تجاوزت المعقول إلى الظلم بسفك الدم، وهتك العرض، وأكل أموال الناس بالباطل، والرغبة في الاستيلاء على الأوطان وديار الإسلام فهنا يجب القتال ويجب الدفاع ويجب الحرب على كل قادر لحمل السلاح من رجل وامرأة وولد بلغ سن التمييز أو كان يافعاً، وكان ﷺ يقبل الشباب للقتال وحمل السلاح عندما يبلغون أربع عشرة سنة.
ثم قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون:٩٧] أي: في صبرك على هؤلاء، وفي دعوتك لربك، وفي تبليغك لرسالته تعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقل يا محمد: أعوذ بك يا رب من همزات الشياطين، والقول له وهو لكل مسلم من أتباعه إلى يوم القيامة، فقل أيها المسلم! ﴿أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون:٩٧] أي: أتعوذ وأتحصن بك، وأجعلك يا رب مرجعي ومآلي ومعاذي وحصني من همزات الشياطين.
والهمزات: جمع همز، والهمز الدفع، والهمز الوسواس، والهمز الإفساد، والهمز ما يخطر ببال الإنسان من وساوس الشيطان، والتخلي عن العبادة، أو الإفساد بين المؤمنين، أو نشر ما لا يليق بخلق المسلم.
وفي أول التفسير ذكرنا أنه يشرع أن تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: من همزه، ونفثه، ووسواسه، وقد قاله ﷺ .
واشتكى خالد بن الوليد ﵁ لنبي الله ﵊ فقال: يا رسول الله يصيبني الأرق عند النوم فلا أنام، فقال له ﵊ قل عند النوم: (باسم الله، أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون).
فالشيطان يحرص على أن يشغل المؤمن عند النوم، وأن يؤرقه، وأن يخطر بباله أنواع الهواجس والوساوس والهمزات؛ لكي يسهر أكثر مدة ممكنة فينام عن صلاة الفجر، فلا يستيقظ إلا وحر الشمس قد مس ظهره وبدنه، فتفوت عليه صلاة الفجر في وقتها، هذه الصلاة التي تشهدها الملائكة، فالملائكة ينزلون متعاقبين عند بداية النهار وعند نهايته، فيشهدون عند ربهم: رب إننا نزلنا فوجدنا فلاناً يقرأ القرآن، وتركناه وهو يقرأ القرآن، فتكون شهادة الملائكة لها من الخير ولها من البر ولها من الأجر والثواب ما لها، وذاك معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨].
ومن هنا يبقى التعوذ بالله من الشيطان علاجاً نفسانياً وعلاجاً طبياً روحانياً من سيد البشر ﷺ لكل من أرقه، ولكل من أصيب بما يخاف منه من الوساوس والهمزات وحضور الشيطان؛ لأن الشيطان إذا حضر فلا يحضر معه إلا الفساد والخصام والتخلف عن الطاعات.
وقد كان عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ يعلم أطفاله ويعلم تابعيه قراءة وتلاوة هذا الدعاء والتعوذ الكريم الذي دل عليه ﷺ ، وخالد بن الوليد عندما كان يصاب بالأرق كان يقول: (باسم الله، أعوذ بكلمات الله التامة)، فكانوا يقرءونها صباحاً عند الصباح ومساء عند النوم وهم على الفراش.
﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٧ - ٩٨] أي: أتعوذ بك يا رب، وأتحصن بجلالك، واستغيث بقوتك أن تدفع عني الشياطين صدوراً لأشخاصهم، وحضوراً لوساوسهم؛ لكي أتفرغ لعبادتك، وأتفرغ للدعوة لك، مبتعداً عنهم ومبتعداً عن حضورهم ووساوسهم، وإذا كان هذا لرسول الله المعصوم ﷺ فكيف بنا نحن الذي يقول عنا ﷺ : (إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم).
ومن هنا أذن لنا وشرع لنا إذا قرأنا القرآن أن نتعوذ بالله؛ لكي نكون مع التلاوة حاضري الوعي والفهم والإدراك؛ لنفهم عن ربنا ما أمرنا بفعله وما نهانا عنه، ولنفهم عن ربنا ما يجب علينا أن نتحلى به من أخلاق فاضلة، ومن محاسن لا يليق سواها بالمسلم، ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٨].
стр. 599
تفسير سورة المؤمنون [٩٩ - ١١٨]
في هذه الآيات يذكر الله حال الكفار والمشركين إذا حضرهم الموت، فيطلبون من ربهم الرجوع إلى الدنيا كي يعملوا صالحاً، وهيهات فقد عاشوا وعمروا السنين التي يتذكر فيها المتذكر، ومع ذلك لم يعملوا خيراً، وذكر حالهم في النار وهم يصطرخون فيها ويطلبون الغوث والخروج منها، فيقال لهم: اخسئوا فيها ولا تكلمون.
стр. 600
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون)
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠].
الكلام لا يزال نسقاً في آيات متتابعات عن الكافرين وشركهم، والمشركين وعنادهم، والمتمردين على الله ورسله فيما يصرون عليه من معصية وخلاف وكفر وشرك، فهؤلاء يبقون كذلك حتى إذا حضر أحدهم الموت واحتضروا وحضرتهم ملائكة الموت: عزرائيل وأعوانه، وجاءوا ليأخذوا منهم الروح لينتزعوها من أعضائهم في هذه الحالة يرون مقامهم في الآخرة إن خيراً وإن شراً، فيرى ملائكة الرحمة إن كان مؤمناً وقد جاءوا إليه بكل لطف وبكل لين، فيقولون للروح: اذهبي عند ربك، وارتفعي للملأ الأعلى، بكل لطف وبكل لين وبكل عطف.
وأما الروح الكافرة فينتزعونها انتزاعاً، ويذهبون بها إلى الجحيم، ويذهبون بها إلى أمثالها من الكفرة والعصاة والمتمردين، ولذلك عندما يصبح الإيمان شهوداً ولا يبقى غيباً لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، وهذا كان إيمان فرعون فعندما حضره الموت قال: آمنت بإله موسى وهارون، ولم يكن ذلك ينفعه، فقرعه الله وأذله فقال: (الآن) فلم تذكر الإيمان ولم تذكر الطاعة إلا وقد رأيت مقامك ورأيت عذابك ورأيت ملائكة النار وملائكة الجحيم، فالله حافظ على جسده؛ ليبقى آية لمن خلفه ممن كان يعتقد ألوهيته كي يرأوا جسده، وقد كانوا يظنون أنه لم يمت ولا يليق به أن يموت، وهو لا يزال إلى اليوم في الموميات محفوظ فيما تبقى من الفراعنة، وإن كانت الجثة بعينها ضائعة بين أمثالها فلا يدرى أيهم فرعون موسى؟ ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠].
عندما يرى تلك الحالة تجده يستغيث حيث لا يغاث، وتجده يجأر حيث لا يجيبه ولا يهتم به، وينادي ربه، ولم يذكر ربه إلا بعد أن انتهت الأيام وانتهت الأعمار وصنع ما صنع من كفر وخلاف وتمرد على نبي الله، فيأخذ بالاستغاثة ويأخذ بالجئير والصيحة: أن يرجع ولا يموت؛ وهو يظن أنه إذا أعيد سيعمل صالحاً فيما ترك، وسيؤمن بالله، وسيقول: لا إله إلا الله، وسيتدارك ما ترك وهو حي وهو قوي وهو مقتدر، فأراد عند سكرات الموت أن يوقف عنه الموت وأن تعود إليه الحياة؛ ليطيع ويفعل ما كان قد تركه من توحيد ومن شهادة ومن طاعة ومن عبادة، فيجاب إما أن الملائكة تقول له ذلك أو أن الله نفسه ﷻ : كلا وهيهات، فالوقت سيف إن لم تقطعه قطعك.
فقد أضعت شبابك، وأضعت حياتك، وأضعت الفرصة التي عشت فيها وقد كانت دهراً يشتمل على السنين وعلى الليالي والأيام، وكتاب الله يدعوك صباحاً ومساء، ونبيك يدعوك ﵊ صباحاً ومساء، وأنت تأبى إلا الكفر والشرك والمخالفة، وتظن أنك ما خلقت إلا عبثاً وما خلقت إلا سدىً، وهيهات هيهات طالما أنذرك ربك وأنذرك نبيك بهذه الحالة وأنت صاد عن السمع وعن الطاعة وعن فعل الصالحات.
﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون:١٠٠]، والكلمة التي يقولها المحتضر الذي جاءه الموت هي: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠].
كلمة يقولها لا اهتمام بها، ولا يجاب لتحقيقها؛ لأن الوقت فات، وتبقى حجة الله البالغة، وهو قد عصى وهو قد تمرد وهو قد خالف وهو قد أبى إلا الشرك وإلا العصيان وإلا الكفران، فلا ينفعه وقد أصبح ما كان يجب أن يكون إيماناً بالغيب أصبح إيماناً بحضور، وقد رأى ملائكة الموت ورأى حاله من سعادة وشقاوة، ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون:١٠٠]، لا جواب عليها ولا اهتمام بها ولا يلتفت لها.
﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠] يكون هذا عند الموت وعند الاحتضار، فوراءه بعد ذلك وأمامه وبين يديه زمان طويل وهو البرزخ، ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ [المؤمنون:١٠٠] والبرزخ هو الحاجز ما بين الموت وبين البعث والنفخ في الصور، فنرجو الله أن يكون مآلنا إلى الجنة فضلاً منه وكرماً ﷻ وعلا مقامه.
﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠]، ومن أمامهم ومن خلفهم ومن بين أيديهم، وقد أنذروا قديماً بالموت، وأنذروا بالحساب، وأنذروا بالبعث والنشور، وأنذروا بالبرزخ والحاجز الذي سيكون بين الموت والقبر وبين القيام إلى رب العالمين، يوم النفخة الثانية يوم البعث والنشور.
سيبقى هذا الحاجز وهذا البرزخ إلى يوم البعث، وهم مع ذلك تعذب أرواحهم، وينتقم منها ويعيشون في ألم نفساني، حيث يرى عن يمينه مكانه من الجنة فيما لو مات على خير، ويرى مكانه من النار عن يساره وقد حل فيه، فيزيده رؤية مكانه من الجنة حسرة على حسرة، وألم على ألم، وندم على ندم، ويرى مكانه من النار وهو حال بعذابها، وهذا هو البرزخ إلى يوم القيامة، فيجمع مع الأرواح الأشباح، ويكون العذاب جسدياً وروحانياً ونفسياً.
следующие страницы →