Полный текст (2 442 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
تفسير قوله تعالى: (قل رب إما تريني ما يوعدون)
قال تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون:٩٣ - ٩٤].
علم الله نبيه أن يدعو بذلك، قل يا محمد: رب لقد حققت وعيدك في هؤلاء الظالمين المشركين، وأنزلت بلاءك وعذابك ونقمتك وغضبك على هؤلاء، ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون:٩٤]، رب فلا تجعلني ضمنهم؛ فلم أظلم يوماً، فأنا عبدك الذليل بين يديك، الخانع لجلالك وقدرتك، فالكل منك وإليك يفعلون ما تشاء، ولا تسأل عما تفعل، ولكنني أرجوك.
علمه الله أن يقول: ﴿رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون:٩٣] أي: إما أرأيتني ما وعدتهم به من عذاب، إذا أنزلت بهم عذابك ونقمتك وحضرت ذلك وشاهدته فلا تجعل ذلك العذاب مما يشملني، ولا تجعلني فيهم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]، فعلم نبيه أن يقول لربه: لا تجعلني يا رب إذا ما أوعدت وحققت وعيدك وعذابك ونقمتك لهؤلاء وعشت وأدركت ذلك فلا تجعلني بينهم، وقد استجاب الله له فلم تكن محنة ولا عذاب على الصحابة والمسلمين أيام الحياة النبوية، وبعد الحياة النبوية ارتد من ارتد، ومنع الزكاة من منعها، وقتل عمر، وسم أبو بكر، وقتل عثمان، وقتل علي، وتحاربوا فيما بينهم أربع سنوات متصلة أريق فيها الكثير من الدماء، وحدث ما حدث بين الكبار من القوم، وكان ذلك من الله امتحاناً وفتنة وبلاء.
﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون:٩٥]، ولو أردنا أن نريك أن تعيش في واقع النقمة والعذاب والفتنة والبلاء فإننا على ذلك لقادرون، فيفعل الله ما يشاء، فيحسن للمسيء ويعاقب المحسن، فالله يفعل ما يشاء، والضمائر والقلوب بيد الله، فلا يشق القلوب إلا هو، ونحن نشهد للإنسان بحسب ما رأينا فنقول: فلان صالح، وأما ما في قلبه فلا يعلم هذا إلا الله.
﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون:٩٥] يقول الله لنبيه ولعبده ورسوله ﷺ : لو أردنا أن نريك ذلك وأن نعيشك في بلائهم وفي نقمتهم لفعلنا، ولكن الله لم يفعل؛ تكرمةً لنبيه ﷺ ، وتكريماً لأمة نبيه.
والله تعالى منذ أرسل محمداً في الأقوام جميعاً ﷺ حفظهم وصانهم من أن يبتليهم بما ابتلى به الأمم السابقة: من مسخ، وخسف، وصيحة، وبلاء مما كان يبتلى به الأولون، ومن غرق شامل كما كان أيام نوح، فالصيحة تأخذ الحي والميت والكبير والصغير والصالح والطالح، من قذف بحجارة من فوق كما حدث لقوم لوط، ومن قتل بعضهم لبعض؛ ليتوب الله عليهم كما فعل مع بني إسرائيل عندما أشركوا وعبدوا العجل في قصة السامري التي قصها الله علينا، وأما الأمة المحمدية فهي محفوظة من ذلك وإن كان ليست محفوظة من مسخ العقول، فقد مسخت عقول كثير ممن نعايشهم، وقد قال ﷺ مخبراً عن قوم: (ألسنتهم ألسنة العرب وقلوبهم قلوب الأعاجم) أي: ليس فيه من الإسلام إلا اللسان، وأما عقولهم فكعقول الكفار، وتفكيرهم كتفكير الكافرين، وما أصدق هذا الحديث على عصرنا! فترى الرجل الحافظ العالم المتكلم الفصيح البليغ فإذا به يفاجئك بأنه من اتباع ماركس اليهودي، ومن اتباع الشياطين، وقد ترك المذاهب والإسلام كله إلا المذاهب الضالة الباطلة الوافدة من خارج حدود ديار الإسلام.
ويأخذ أحياناً يجادل ويحاور وهو يظن نفسه أنه على شيء، فيقول لك: بلى ما قال هذا صحيح، فالدنيا كانت في الأصل خلية واحدة ثم توالدت، ألا ترى الماء يكون راكداً وإذا بنا نجد فيه الديدان، فنقول لهذا: فالخلية الأولى التي تزعم من الذي أوجدها؟ وعندما يقف معناه أنه قد اعترف بعجزه وكفره وشركه، ونحن نقول: الخلية الأولى هي آدم، ولكن من الذي خلقه؟ وهل وجد هكذا سبهللا عبثاً؟ أليس الله هو الذي خلقه؟ أليس الله هو الذي نفخ فيه من روحه؟ والحشرة التي لا تكاد ترى إلا بالمجهر مكبرة على آلاف المرة تجدها في هذا الصغر فهي لا ترى بالعين المجردة، ومع ذلك لها قلب، ولها مصارين، ولها لسان، ولها سمع، ولها كل حركة!
стр. 597
تفسير سورة المؤمنون [٩٦ - ٩٨]
لقد أرشد الله تعالى نبيه ﷺ بأن يقابل السيئة بالحسنة، وأن يدفعها بها، وهذا كان في أول الإسلام في العهد المكي، وهذه إذا كانت صادرة من الكفار، ففي ذلك العهد لم يأمر الشرع بمواجهتهم ومقاتلتهم.
وأرشده أيضاً -وهو إرشاد للأمة- إلى الاستعاذة بالله تعالى والتحصن به من كيد الشيطان وحضوره، ومن وسوسته وشروره، فلا يجير من ذلك إلا الله تعالى.
стр. 598
تفسير قوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن السيئة)
قال الله جلت قدرته: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٦ - ٩٨].
يقول الله ﷻ لنبيه ﷺ : ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون:٩٦] أي: قاوم السيئة وادفعها وردها على صاحبها بما هو أحسن نبلاً وأحسن فضلاً وأحسن مقابلة ومعاملة.
ويحتمل أن يكون معنى هذه الآية: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون:٩٦] أي: سيئة الكافرين، وسيئة العصاة المؤمنين، والبدو الجفاة من الأعراب، لكن قول الله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩٦] دل على أن هذا الدفع هو دفع سيئة الكافرين؛ إذ لا يقول كلمة كفر أو كلمة شرك أو كلمة فيها قلة أدب مع رسول الله ﷺ إلا من كان كافراً غير مسلم.
أي: لا تقاوم هؤلاء الكافرين ولا تحاربهم ولا تشهر السيف في وجوههم، بل ادفع سيئتهم بالحسنة وبالكلمة الطيبة وبالصبر إلى حين.
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩٦].
أي: نحن أعلم بحال هؤلاء الكافرين وما يقولونه من تكذيب لك، وتكذيب لكتاب ربك، وشرك بإلههم، فالآية على ذلك كانت قبل آية السيف، وهكذا الأمر فالسورة مكية، ومكة لم يكن القتال فيها قد شرع بعد، فكان ﷺ يمر على أصحابه وهم يعذبون وينكل بهم فلا يزيدهم على قوله: صبراً صبراً، فمر على ياسر وولده عمار وزوجته سمية وهم يعذبون العذاب الشديد فما زاد على قوله لهم: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة).
وهكذا استشهدت سمية وهي تصر على كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، ولكن هذا كان في مكة فقط، وبعد أن رحل وهاجر ﷺ إلى المدينة نسخ كل ذلك، وشرع الجهاد والحرب والقتال، وقد صبر المسلمون على أعداء الله اثنتي عشرة سنة وهم يكذبون وهم يقاومون، فاضطر النبي ﷺ لترك مكة المكرمة مسقط رأسه وكذلك أصحابه المهاجرون، وهي أحب ما تكون إليه وأعز ما تكون إليه، وكان يدعو قبل الهجرة فيقول: (رب كما أخرجتني من أحب البلاد إلي فأسكني أحب الديار إليك).
فكانت المدينة هي المنتخبة، وهي المرادة، وهي التي اختارها الله ﷻ لنبيه وعبده وحبيبه ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى ذلك نتلو هذه الآية ونحن نعتبرها قد نسخت بالقتال والجهاد والمقاومة، وقد كانت أول آية نزلت في شرع القتال هي قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩]، وببقية الآية الواردة في الحرب والقتال: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١]، وكقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦].
وقد شرع الحرب والقتال لقتال الوثنيين، وقتال الكتابيين، وحرب البغاة العصاة من المسلمين، وهذه الآية تشبه الآية الأخرى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٤ - ٣٥]، وهذه الآية تبقى مثالاً أبداً للنبي ﷺ .
ولذلك كان من فضائل الأخلاق الإسلامية: الصبر، الذي طالما دعا الله إليه بالعشرات من الآيات وفي سورة خاصة، ولكن للصبر حدوداً فإذا تجاوزت المعقول إلى الظلم بسفك الدم، وهتك العرض، وأكل أموال الناس بالباطل، والرغبة في الاستيلاء على الأوطان وديار الإسلام فهنا يجب القتال ويجب الدفاع ويجب الحرب على كل قادر لحمل السلاح من رجل وامرأة وولد بلغ سن التمييز أو كان يافعاً، وكان ﷺ يقبل الشباب للقتال وحمل السلاح عندما يبلغون أربع عشرة سنة.
ثم قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون:٩٧] أي: في صبرك على هؤلاء، وفي دعوتك لربك، وفي تبليغك لرسالته تعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقل يا محمد: أعوذ بك يا رب من همزات الشياطين، والقول له وهو لكل مسلم من أتباعه إلى يوم القيامة، فقل أيها المسلم! ﴿أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون:٩٧] أي: أتعوذ وأتحصن بك، وأجعلك يا رب مرجعي ومآلي ومعاذي وحصني من همزات الشياطين.
والهمزات: جمع همز، والهمز الدفع، والهمز الوسواس، والهمز الإفساد، والهمز ما يخطر ببال الإنسان من وساوس الشيطان، والتخلي عن العبادة، أو الإفساد بين المؤمنين، أو نشر ما لا يليق بخلق المسلم.
وفي أول التفسير ذكرنا أنه يشرع أن تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: من همزه، ونفثه، ووسواسه، وقد قاله ﷺ .
واشتكى خالد بن الوليد ﵁ لنبي الله ﵊ فقال: يا رسول الله يصيبني الأرق عند النوم فلا أنام، فقال له ﵊ قل عند النوم: (باسم الله، أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون).
فالشيطان يحرص على أن يشغل المؤمن عند النوم، وأن يؤرقه، وأن يخطر بباله أنواع الهواجس والوساوس والهمزات؛ لكي يسهر أكثر مدة ممكنة فينام عن صلاة الفجر، فلا يستيقظ إلا وحر الشمس قد مس ظهره وبدنه، فتفوت عليه صلاة الفجر في وقتها، هذه الصلاة التي تشهدها الملائكة، فالملائكة ينزلون متعاقبين عند بداية النهار وعند نهايته، فيشهدون عند ربهم: رب إننا نزلنا فوجدنا فلاناً يقرأ القرآن، وتركناه وهو يقرأ القرآن، فتكون شهادة الملائكة لها من الخير ولها من البر ولها من الأجر والثواب ما لها، وذاك معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨].
ومن هنا يبقى التعوذ بالله من الشيطان علاجاً نفسانياً وعلاجاً طبياً روحانياً من سيد البشر ﷺ لكل من أرقه، ولكل من أصيب بما يخاف منه من الوساوس والهمزات وحضور الشيطان؛ لأن الشيطان إذا حضر فلا يحضر معه إلا الفساد والخصام والتخلف عن الطاعات.
وقد كان عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ يعلم أطفاله ويعلم تابعيه قراءة وتلاوة هذا الدعاء والتعوذ الكريم الذي دل عليه ﷺ ، وخالد بن الوليد عندما كان يصاب بالأرق كان يقول: (باسم الله، أعوذ بكلمات الله التامة)، فكانوا يقرءونها صباحاً عند الصباح ومساء عند النوم وهم على الفراش.
﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٧ - ٩٨] أي: أتعوذ بك يا رب، وأتحصن بجلالك، واستغيث بقوتك أن تدفع عني الشياطين صدوراً لأشخاصهم، وحضوراً لوساوسهم؛ لكي أتفرغ لعبادتك، وأتفرغ للدعوة لك، مبتعداً عنهم ومبتعداً عن حضورهم ووساوسهم، وإذا كان هذا لرسول الله المعصوم ﷺ فكيف بنا نحن الذي يقول عنا ﷺ : (إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم).
ومن هنا أذن لنا وشرع لنا إذا قرأنا القرآن أن نتعوذ بالله؛ لكي نكون مع التلاوة حاضري الوعي والفهم والإدراك؛ لنفهم عن ربنا ما أمرنا بفعله وما نهانا عنه، ولنفهم عن ربنا ما يجب علينا أن نتحلى به من أخلاق فاضلة، ومن محاسن لا يليق سواها بالمسلم، ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٨].
стр. 599
تفسير سورة المؤمنون [٩٩ - ١١٨]
في هذه الآيات يذكر الله حال الكفار والمشركين إذا حضرهم الموت، فيطلبون من ربهم الرجوع إلى الدنيا كي يعملوا صالحاً، وهيهات فقد عاشوا وعمروا السنين التي يتذكر فيها المتذكر، ومع ذلك لم يعملوا خيراً، وذكر حالهم في النار وهم يصطرخون فيها ويطلبون الغوث والخروج منها، فيقال لهم: اخسئوا فيها ولا تكلمون.
стр. 600
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون)
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠].
الكلام لا يزال نسقاً في آيات متتابعات عن الكافرين وشركهم، والمشركين وعنادهم، والمتمردين على الله ورسله فيما يصرون عليه من معصية وخلاف وكفر وشرك، فهؤلاء يبقون كذلك حتى إذا حضر أحدهم الموت واحتضروا وحضرتهم ملائكة الموت: عزرائيل وأعوانه، وجاءوا ليأخذوا منهم الروح لينتزعوها من أعضائهم في هذه الحالة يرون مقامهم في الآخرة إن خيراً وإن شراً، فيرى ملائكة الرحمة إن كان مؤمناً وقد جاءوا إليه بكل لطف وبكل لين، فيقولون للروح: اذهبي عند ربك، وارتفعي للملأ الأعلى، بكل لطف وبكل لين وبكل عطف.
وأما الروح الكافرة فينتزعونها انتزاعاً، ويذهبون بها إلى الجحيم، ويذهبون بها إلى أمثالها من الكفرة والعصاة والمتمردين، ولذلك عندما يصبح الإيمان شهوداً ولا يبقى غيباً لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، وهذا كان إيمان فرعون فعندما حضره الموت قال: آمنت بإله موسى وهارون، ولم يكن ذلك ينفعه، فقرعه الله وأذله فقال: (الآن) فلم تذكر الإيمان ولم تذكر الطاعة إلا وقد رأيت مقامك ورأيت عذابك ورأيت ملائكة النار وملائكة الجحيم، فالله حافظ على جسده؛ ليبقى آية لمن خلفه ممن كان يعتقد ألوهيته كي يرأوا جسده، وقد كانوا يظنون أنه لم يمت ولا يليق به أن يموت، وهو لا يزال إلى اليوم في الموميات محفوظ فيما تبقى من الفراعنة، وإن كانت الجثة بعينها ضائعة بين أمثالها فلا يدرى أيهم فرعون موسى؟ ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠].
عندما يرى تلك الحالة تجده يستغيث حيث لا يغاث، وتجده يجأر حيث لا يجيبه ولا يهتم به، وينادي ربه، ولم يذكر ربه إلا بعد أن انتهت الأيام وانتهت الأعمار وصنع ما صنع من كفر وخلاف وتمرد على نبي الله، فيأخذ بالاستغاثة ويأخذ بالجئير والصيحة: أن يرجع ولا يموت؛ وهو يظن أنه إذا أعيد سيعمل صالحاً فيما ترك، وسيؤمن بالله، وسيقول: لا إله إلا الله، وسيتدارك ما ترك وهو حي وهو قوي وهو مقتدر، فأراد عند سكرات الموت أن يوقف عنه الموت وأن تعود إليه الحياة؛ ليطيع ويفعل ما كان قد تركه من توحيد ومن شهادة ومن طاعة ومن عبادة، فيجاب إما أن الملائكة تقول له ذلك أو أن الله نفسه ﷻ : كلا وهيهات، فالوقت سيف إن لم تقطعه قطعك.
فقد أضعت شبابك، وأضعت حياتك، وأضعت الفرصة التي عشت فيها وقد كانت دهراً يشتمل على السنين وعلى الليالي والأيام، وكتاب الله يدعوك صباحاً ومساء، ونبيك يدعوك ﵊ صباحاً ومساء، وأنت تأبى إلا الكفر والشرك والمخالفة، وتظن أنك ما خلقت إلا عبثاً وما خلقت إلا سدىً، وهيهات هيهات طالما أنذرك ربك وأنذرك نبيك بهذه الحالة وأنت صاد عن السمع وعن الطاعة وعن فعل الصالحات.
﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون:١٠٠]، والكلمة التي يقولها المحتضر الذي جاءه الموت هي: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠].
كلمة يقولها لا اهتمام بها، ولا يجاب لتحقيقها؛ لأن الوقت فات، وتبقى حجة الله البالغة، وهو قد عصى وهو قد تمرد وهو قد خالف وهو قد أبى إلا الشرك وإلا العصيان وإلا الكفران، فلا ينفعه وقد أصبح ما كان يجب أن يكون إيماناً بالغيب أصبح إيماناً بحضور، وقد رأى ملائكة الموت ورأى حاله من سعادة وشقاوة، ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون:١٠٠]، لا جواب عليها ولا اهتمام بها ولا يلتفت لها.
﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠] يكون هذا عند الموت وعند الاحتضار، فوراءه بعد ذلك وأمامه وبين يديه زمان طويل وهو البرزخ، ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ [المؤمنون:١٠٠] والبرزخ هو الحاجز ما بين الموت وبين البعث والنفخ في الصور، فنرجو الله أن يكون مآلنا إلى الجنة فضلاً منه وكرماً ﷻ وعلا مقامه.
﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠]، ومن أمامهم ومن خلفهم ومن بين أيديهم، وقد أنذروا قديماً بالموت، وأنذروا بالحساب، وأنذروا بالبعث والنشور، وأنذروا بالبرزخ والحاجز الذي سيكون بين الموت والقبر وبين القيام إلى رب العالمين، يوم النفخة الثانية يوم البعث والنشور.
سيبقى هذا الحاجز وهذا البرزخ إلى يوم البعث، وهم مع ذلك تعذب أرواحهم، وينتقم منها ويعيشون في ألم نفساني، حيث يرى عن يمينه مكانه من الجنة فيما لو مات على خير، ويرى مكانه من النار عن يساره وقد حل فيه، فيزيده رؤية مكانه من الجنة حسرة على حسرة، وألم على ألم، وندم على ندم، ويرى مكانه من النار وهو حال بعذابها، وهذا هو البرزخ إلى يوم القيامة، فيجمع مع الأرواح الأشباح، ويكون العذاب جسدياً وروحانياً ونفسياً.
стр. 601
تفسير قوله تعالى: (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم)
قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١].
يبقى هذا الحاجز وهو في قبره وهو لا يزال في الدنيا ميتاً إلى يوم النفخ في الصور النفخة الثانية كما قال ابن عباس، وكما قال مجاهد، وكما قال مفسرون هذه الفقرة الكريمة من هذه الآية؛ لأن النفخة الأولى تكون للموت، فلا يبقى على الأرض نفس ولا روح متحركة، ويبقى الله ﷻ كما كان، وهو يقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦]؟ فلا مجيب، فيجيب نفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦]، وهذا يوم يفنى فيه كل ما عليها، ويوم تصبح السماء عهناً منفوشاً، ويوم تهدّ الجبال، وتغور المياه، وتتساقط السموات، ويوم لا يبقى إلا الله ﷻ .
والصور هو بوق الله أعلم بكبره وعظمته، والملك المكلف به حانٍ رأسه ينظر الأمر والإشارة لينفخ النفخة الأولى عند الموت، ثم يبقى كذلك بعد أن يفنى معها، ثم يبعث فينفخ النفخة الثانية، وهي المقصودة في هذه الآية، فيبقى الحاجز بين الموت وبين البعثة الثانية زمناً الله أعلم بقدره وأعلم بمدته، فإذا نفخ في الصور قاموا في هذه الحالة وكل يقول: نفسي نفسي، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]، ﴿وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج:١٠]، فلا يبحث أب عن ولد، ولا ولد عن أب ولا زوج عن زوجة ولا زوجة عن زوج، وإنما كل يقول: نفسي نفسي، ويقول ذلك حتى الأنبياء عندما تذهب الخلائق إليهم مستشفعين من آدم إلى خاتم أنبياء بني إسرائيل وكل يقول: نفسي نفسي، ثم يأتون إلى نبينا ﷺ فيقوم ويسجد تحت ساق العرش ويقول: رب أمتي أمتي، فيكون له نصيب عظيم، والشفاعة العظمى ينفرد بها بين كل الخلائق.
وهو -كما سماه الله تعالى-: موقف عظيم، يوم يقال للرجل: قم خذ حقك من ولدك، وخذ حقك من أخيك، وخذ حقك من حميمك وصديقك، فتجده يبادر ولا يتنازل ولا يتسامح، وكل ما يهمه أن ينجو هو من عذاب الله ومن ناره، وبعد أن يدخل المؤمنون الجنة وتطمئن نفوسهم عند ذلك يتساءلون: من أنت؟ من أنت؟ فيتعارف الآباء والأولاد والأقارب في الآخرة كما كانوا متعارفين في الدنيا، وقد يمرون على من كان يضلهم وهو في جهنم فيقولون له: كنا نظنك ونظنك، مما قص الله علينا في أكثر السور وأكثر الآيات.
فالله ينذرنا ويحذرنا غضبه ويحذرنا عقوبته ما دمنا أحياء نملك أمر أنفسنا للتوبة والعودة.
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١] فلا ينفع نسب ولا سبب، ولا يسأل أحد عن أحد، فالكل يقول: نفسي نفسي، وهنا يقول ابن كثير في تفسيره وفي كتبه: إلا من مات على التوحيد وهو من السلالة النبوية، فقد ورد في الصحيح وورد في مسند أحمد عن جماعة من الأصحاب: عن المسور بن مخرمة، وعن أبي سعيد الخدري، وعن عمر بن الخطاب، وعن أبي هريرة ﵃ جميعاً يقول النبي ﷺ : (كل نسب وحسب ينقطعان يوم القيامة إلا نسبي وسببي)، وعمر خطب من علي ابنته أم كلثوم، فهنأه من هنأه بما تعاهدوا وتعارفوا عليه، وإذا به بعد أن تزف إليه يقول: ما هنأتموني، فيقولون: قد قلنا لك: بارك الله لها فيك وبارك لك فيها، فقال: والله ما بي إلا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كل نسب وسبب ينقطعان يوم القيامة إلا نسبي وسببي)، فأرادت أن يرتبط نسبي وسببي بالنبي الله ﷺ ، والحديث أصله في البخاري، ورواه بأطول من ذلك أحمد في المسند، والبزار في المسند وأصحاب السنن.
وقد فسر البعض السبب والنسب هنا أنه سبب الإسلام ونسب الإسلام، والنبي ﷺ زوجاته أمهات المؤمنين، وفي قراءة: (وهو أبوهم)، وقد قال ﷺ : (إنما أنا لكم والا)، وقال لـ أنس وناداه: (يا ولدي) وقد كانت أحب إلى أنس من حمر النعم.
стр. 602
تفسير قوله تعالى: (والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه)
قال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢].
ففي يوم القيامة ويوم البعث والوقوف أما الله للعرض والحساب، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [المؤمنون:١٠٢] جمع ميزان، فللحسنات ميزان، وللسيئات ميزان، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [المؤمنون:١٠٢] أي: ثقلت بالحسنات وخفت كفة السيئات، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢] أي: الذين فازوا وأفلحوا وسعدوا برضا ورحمة الله ودخول الجنان.
﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٣]، وأما أولئك الذين طاشت كفة الحسنات وثقلت كفة السيئات فأولئك هم الذين خسروا دنياهم وخسروا أخراهم، فكان خلودهم في جهنم، فهؤلاء الذين خسروا دنياهم حيث لم يستفيدوا منها، ولم يؤمنوا بربهم، ولم يؤمنوا بنبيهم، ولم يفعلوا الحسنات ويعبدوا الله.
стр. 603
تفسير قوله تعالى: (تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون)
وهم في النار ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٤].
(تلفح) أي: تصيب وتضرب وتحرق وتشوه، ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٤] أي: عابسون مشوهو الخلقة، وقد وصفوا كما في آثار للصحابة وآثار نبوية وردت: أن الواحد منهم وهو وفي النار تتقلص شفته العليا إلى أن تكاد تغطي وجهه إلى رأسه، وشفته السفلى تتدلى إلى أن تصل إلى سرته، وتبرز أسنانه وأنيابه ويصبح في صورة مشوهه؛ بسبب غضب الله، وما صنعوه في دنياهم من شرك وكفر، فهم الآن يجازون عليه.
﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٤] أي: مقلصو الشفتين ومشوهو الخلقة، نعوذ بالله من حالهم، ونرجو الله تعالى رحمته ورضاه، وأن يعيذنا من ذلك كله، وأن يحيينا على الإسلام، وأن يميتنا على الإسلام رحمة منه وفضلاً وكرماً.
وهم على هذه الحالة في جهنم كالحون، يقول الله ﷻ لهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٥]، فلا تلوموا إلا أنفسكم، فقد أحييتكم دهراً، وأعطيتكم وعياً، وأعطيتكم بصراً، وأعطيتكم سمعاً، وأعطيتكم قلباً لتفقهوا به ومع ذلك لم تستفيدوا من كل ذلك، فما زدتم إلا إصراراً على الشرك والكفر، والآن وجدتم نتيجة عملكم وكفركم، فلا تلوموا إلا أنفسكم.
﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي﴾ [المؤمنون:١٠٥] وهذا استفهام تقريعي توبيخي، أي: يا هؤلاء! وهم يوبخون: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي﴾ [المؤمنون:١٠٥] كتابي وقدرتي، ومعجزات أنبيائي ترونها بالأبصار، وتسمعونها بالآذان، وتعون الحكمة منها، وتدركونها بقلوبكم، ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون:١٠٥] تسمعونها بوعي وبفهم، ولكنكم عن كل ذلك معرضون، ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٥]، فكذبتم بربكم وكتابه، وأشركتم به، وكذبتم بنبيكم ولم تؤمنوا به، وأنكرتم معجزاته، وأنكرتم ما جاءكم به عن الله.
стр. 604
تفسير قوله تعالى: (قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين)
﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦].
فأخذوا يعترفون ولكن هيهات، فهذا الاعتراف لم يفدهم وهم في سكرات الموت وهم يحتضرون، وما كان ليفيدهم وما كان لينجيهم وهم الآن في قعر جهنم، فعندما قيل لهم ذلك وكوشفوا به طمعوا: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦]، فقد غلب عليهم شقاؤهم وبؤسهم وجحودهم، وشدة كفرهم وتكذيبهم، أي: كانوا أشقياء غير سعداء، ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦] أي: ضلوا الطريق وابتعدوا عن الهدى، وابتعدوا عن سبيل المؤمنين، وابتعدوا عن الطريق الحق: كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ ، وسبيل المسلمين، ومن يتولى غير سبيل المؤمنين نوله ما تولاه ونصله جهنم.
стр. 605
تفسير قوله تعالى: (ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون)
وهكذا كان حالهم عندما أصبحوا في جهنم، ثم عادوا فقالوا -وقد طمعوا وقد سكت عنهم في الجواب-: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧] أي: أخذوا يدعون ربهم وأخذوا يضيفونه لأنفسهم؛ طمعاً بأن يعودوا للحياة.
أخذوا يطلبون وأخذوا يطمعون بأن يخرجوا من النار ويعودوا للدنيا وللحياة، وأنهم إن أعيدوا للحياة وأخرجوا من النار فإنهم سيعملون صالحاً، ولا يظلمون بشرك ولا غيره! وحيث قد اعترفتم بأنكم ضالون وبأنكم ظالمون فما عسى أن يفيدكم ذلك من بعد؟ وإذا بالله الكريم يأمر ملائكته أن يجيبوهم أو يجيبهم بنفسه ﷻ والآية تدل على كلا المعنيين، قال تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] أي: ابتعدوا، واخسأ كلمة زجر وردع في لغة العرب، فتردع وتزجر بها الكلاب، فقيل لهم: ابتعدوا واخسئوا واسكتوا فلا مجال للقول الآن منكم، فلا طمع ولا حياة أخرى بعد الحياة الفانية: الحياة الدنيا.
فقد جاءكم الأنبياء، ونزلت عليكم كتب الله، وأعطيتم الحياة للتفكير وللعمل وللعبادة فلم تفعلوا، فحري بكم إن عدتم إلى الدنيا ألا تفعلوها أيضاً، وهم قالوا ذلك متشككين، فقالوا مع كل ذلك: لعل، وقالوا كلمات تشتمل التنفيذ وعدم التنفيذ، والله قد كذبهم وأبعدهم، ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، قال مفسرو الآية: كان بين قولهم وبين قوله: اخسئوا أربعون عاماً، هذا وردت فيه آثار عن بعض الصحابة والتابعين، وهي تحتمل الصدق، ولم يرد فيها حديث.
فلما قيل لهم: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] سكتوا البتة وما عادوا يطلبون، ويئسوا وخابوا، وأصبح كلامهم نباحاً لا يخرج منهم إلا كما يخرج النباح من الكلاب، حيث خاطبهم الله ﷻ بما يردع به الكلاب ويزجر به الكلاب، ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ:٢٦]، فقد جاءتهم فرصة الحياة، وأرسلت إليهم الرسل، وأنزلت إليهم الكتب، وبين لهم، وأعطوا من النطق ومن السمع ومن البصر ومن القلب ما يمكن أن يفهموا وأن يعوا به، فأعرضوا عن كل ذلك، واستهزءوا بالصالحين، وكفروا برب العالمين، وكذبوا نبي الله ورسول رب العالمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قال الجمهور من مفسري الآية: يا أيها الذين آمنوا! يا أيها الناس! وأنتم لا تزالون في الحياة افعلوا ما تمناه الكفار وهم في النار، فما دمتم أحياء فاعبدوا ربكم، وأطيعوا نبيكم، وافعلوا الخير لعلكم ترحمون، ولا تكونوا حتى إذا خرجتم من الدنيا وأنتم مقصرون في العبادة والطاعة فتطلبون وتدعون ما دعا به الكفار ورجوه، ولات حين مندم، ولا سبيل إلى الحياة بعد ذلك في دار الدنيا، والوقت شيء قد قطعهم وكان يمكنهم أن يقطعوه، فلم يفعلوا وهم يملكون حياتهم، ولا يزالون في دنياهم وهم يقدرون على ذلك ولم يفعلوا.
стр. 606
تفسير قوله تعالى: (إنه كان فريق من عبادي يقولون)
ثم أخذ الله تعالى يقرعهم ويوبخهم؛ لتزداد حسرتهم، وليزداد تذكرهم لذنوبهم وجرائمهم، وليوقنوا أن لله الحجة البالغة، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٩ - ١١٠].
قال تعالى: يا هؤلاء! أنتم ترجون العودة إلى الدنيا وقد كنتم فيها وما صنعتم شيئاً، وقد كنتم ترون فريقاً من عبادي المؤمنين في الدنيا وهم معترفون بأن الله ربهم، وبأن الله خالقهم، وبأنه الواحد الذي لا ثاني له لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾ [المؤمنون:١٠٩] آمنا بك إلهاً واحداً، وآمنا بمحمد عبداً ونبياً ورسولاً لك، أرسلته لهداية البشر، وأرسلته لإخراجهم من الظلمات إلى النور.
فهم يقولون: عافنا واغفر لنا ذنوبنا ما كان قبل الإسلام وما تخلل الإسلام من مخالفات ومن سوء، استغفرناك وطلبنا رحمتك وطلبنا مغفرتك، أي: أنهم كانوا أذلة لله خاضعين لجلاله وسلطانه، ويعلمون أنه إذا لم يغفر لهم هو فلن يغفر لهم أحد، وإذا لم يوفقهم هو فلن يوفقهم أحد، فهو الرازق وهو المحيي وهو المميت.
﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي﴾ [المؤمنون:١٠٩] أي: طائفة من عبادي وجماعة مؤمنة، ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [المؤمنون:١٠٩] أي: ارحمنا بمغفرة الذنوب، وارحمنا بالإنقاذ من النار، وارحمنا بدخول الجنان، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون:١٠٩] أي: أنت خير من يرحم، وأنت خير من يكرم، وأنت خير من ينقذ، وأنت خير من يجيب الداعي إذا دعاه.
стр. 607
تفسير قوله تعالى: (فاتخذتموهم سخرياً)
فهؤلاء -وهذا مقامهم- كنتم في الحياة الدنيا تتخذونهم سخرياً وتهزئون بهم، وتضحكون عليهم، ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [المؤمنون:١١٠]، قرئ سُخرياً وسِخرياً بضم السين وكسرها والمعنى واحد، أي: اتخذتموهم مساخر، وأخذتم تتضاحكون وتهزءون بهم وهم عباد الله الصالحون، وسيضحكون منكم يوماً وتندمون حين لا ندم.
﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ [المؤمنون:١١٠] أي: اشتغلتم بهم ليلاً ونهاراً، فتارة تقولون عنهم: رجعيون، وتارة تقول عنهم: متأخريون، وتارة تقول عنهم: خرافيون، فإذا مروا أمامكم تغامزتم عليهم وتضاحكتم بهم، وظننتم أنفسكم شيئاً وأنتم لستم بشيء، ومع كل هذا كانوا يدعونكم لربكم ويعظونكم ويرشدونكم وتأبون إلا الإصرار على الشرك والكفر والعصيان.
﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ [المؤمنون:١١٠] أي: اشتغلتم بذلك ليلكم ونهاركم حتى نسيتم ذكري وتوحيدي وعبادتي، وحتى نسيتم أن تذكروا أن هناك رباً خالقاً هو ﷻ أحكم الحاكمين يوم لا حاكم إلا هو، فينتقم منكم لهم، ويحكم لهم عليكم، وتجازون الجزاء الأوفى خالدين في النار أبد الآبدين ودهر الداهرين.
﴿وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون:١١٠]، فأخذتم تتضاحكون وتتغامزون منهم، وانظروا الآن العاقبة ومن هو الأجدر بأن يضحك عليه، ومن هو الأجدر بأن يسخر منه!!
стр. 608
تفسير قوله تعالى: (إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون)
قال تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١١١].
فهؤلاء هم الذين صمدوا على دين ربهم، والذين رسخوا في عبادة إلههم، والذين ثبتوا على الإيمان بنبيهم، فصلوا وصاموا، وزكوا وحجوا، وسامحوا وغفروا، وصبروا عن حقوقهم، وحرصوا على إيمانهم.
فهؤلاء الذين صبروا في الحياة الدنيا على استهزائكم بهم وتضاحككم عليهم أنا اليوم أجازيهم وأكافئهم وأحسن إليهم، فأغفر ذنوبهم، وأرحم ضعفهم، وأنقذهم مما أنتم فيه، وأدخلهم الجنان خالدين مخلدين.
﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [المؤمنون:١١١] أي: بسبب صبرهم على أذاكم وعلى كفركم بأنهم هم الفائزون، فقد فازوا برحمة الله، وفازوا برضا الله، وفازوا بالجنان، وفازوا بأن قبل الله منهم في الدنيا عبادتهم وطاعتهم وصبرهم لأجله، فلم يهتموا بكم، ولم يلتفوا إليكم، فكانوا الفائزين وكانوا الناجحين، وكنتم أنتم الخاسرين، وكانوا المرحومين، وكنتم الملعونين.
стр. 609
تفسير قوله تعالى: (قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين)
﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون:١١٢].
أي: قالت لهم ملائكة الله بأمر الله: أنتم الذين ظننتم يوماً أنكم في الدنيا خالدون، وأنكم بالملك فائزون، وأنكم بالتسلط على الأرض انفردتم بذلك، فلا مسكيناً ولا مؤمناً ولا صالح يستحق منكم كلمة إعجاب أو ثناء، فطالما تجبرتم وطغيتم فيها وطالما ظلمتم وآذيتم المؤمنين، كم تظنون هذه الدنيا التي مضت في طغيانكم وتجبركم كم تظنون عددها؟ كم عشتم؟ ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون:١١٢]؟ أي: كم لبثتم وكم أقمتم في الدنيا عدد سنين؟ وإذا بهم يتركون السنة ويتركون العام بل ويتركون حتى الشهر، ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣]، فمنهم من عاش التسعين والثمانين والأقل والأكثر فانقضت وذهبت مع أمس الذاهب وكأنها لم تكن.
فما قدروها إلا بيوم أو بعض يوم، ثم عادوا فتشككوا وقالوا للملائكة: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣]، ويعد ذلك من الملائكة المكلفين: ملك عن اليمين وملك عن الشمال، وهما اللذين يكتبان أعمال الخير وأعمال الشر، فيسألان كم مدة عشنا؟ وكم عام بقينا؟ وكم سنة ارتحنا فيها؟ ومعنى ذلك: أن تلك السنين لا تكاد تذكر بالنسبة لدوام الآخرة وخلودها، لكنكم مع ذلك عشتم أعواماً وعشرات السنين وفي كل تلك السنين لم تقولوا يوماً ولم تفكروا يوماً أن تقولوا: ربنا اغفر لنا يوم الدين، فعشتم كافرين ومتم كافرين.
﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣] أي: فاسأل الحاسبين واسأل المكلفين بنا فهم أدرى بنا وأعلم، فهم كانوا يعدون ونحن لم نكن نفعل ذلك، فيتكلمون عن ذهول ويتكلمون عن ضياع، ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣].
стр. 610
تفسير قوله تعالى: (قال إن لبثتم إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون)
﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:١١٤].
(قال إن لبثتم) أي: ما لبثتم إلا قليلاً، وهذا كما فهموا ولم يكن ذلك يوماً أو بعض يوم، ولكنه بانقضائه وبذهابه صار كأنه ساعة وكأن الإنسان يحلم وتظهر له الخيالات حتى إذا صحا وجد نفسه في المنام قد كبر وشاخ وتزوج وولد له وغير ذلك، وهو لم ينم إلا دقائق، فكان كل هذا المنظر الطويل في دقائق وهكذا الحياة، ولكن من جعلها للخير ربحها وكان الفائز، ومن خسرها كان الخائب وكان الضائع وكان المنبوذ والمطروح في جهنم.
﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:١١٤] أي: لو كنتم في دنياكم تعلمون ذلك وتعملون من أجله لما وقعتم فيما وقعتم فيه الآن من نار وعذاب ولعنة وغضب.
стр. 611
تفسير قوله تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون)
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥].
أي: يا هؤلاء! أكنتم تظنون وأنتم قد خلقناكم ورزقناكم وأكرمناكم بالبصر وبالحواس وبالقدرة وبالشم وباللمس، ورزقناكم من أنواع الطيبات، وأنواع الزوجات، وأنواع الأولاد، وأنواع الخدم، أكنتم تظنون أن كل هذا خلقناه عبثاً لاعبين؟ أتتصورون هذا عن ربكم؟ أخطر هذا ببالكم حتى جعلتم دنياكم كلها عبثاً ولعباً وسخرية بالموحدين المؤمنين الصالحين؟! ﴿أَفَحَسِبْتُمْ﴾ [المؤمنون:١١٥] هذا استفهام إنكاري توبيخي تقريعي، فيوبخهم الله ويقرعهم، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون:١١٥] أي: لعباً، ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] أظننتم أننا خلقناكم ورزقناكم ومع ذلك نترككم سداً ونترككم هباً لا مسئولية ولا حساب ولا بعث ولا نشور؟! ألم تنصحكم أنبياؤكم وتذكر لكم الكتب المنزلة عليكم، ويعلمكم ويفهمكم ورثة أنبيائكم ويدلوكم على الخير ويحذروكم الشر؟ أكل هذا قد نسيتموه وتركتموه وظننتم أن الحياة عبث، وأننا خلقناكم سداً وخلقناكم لاعبين؟ هيهات إنما هو ظنكم أرداكم وأهلككم وأوقعكم في هذه المهالك، فأنفسكم فلوموا وأنفسكم فذموا.
стр. 612
تفسير قوله تعالى: (فتعالى الله الملك الحق)
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦].
نزه الله نفسه عن اللعب، ورفع جلاله ومقامه عن اللهو والباطل، فلا يليق بالله لهو ولا يليق به لعب، وإنما ذلك من شأن المخلوق العابث الضائع، وليس المخلوق الصالح ولا المؤمن فضلاً على الأنبياء والصالحين.
فالله بعد أن ذكر ذلك عنهم وأنهم ظنوا الدنيا لعباً ولهواً، وأن الله ما خلقهم إلا لذلك، نزه وقدس وعظم نفسه كي يعلمنا أن نعظمه ونرفع شأنه، فقال وهو الرفيع الجليل ﷻ : ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون:١١٦].
فالله حق وهو الحق ولا يصدر عنه إلا حق، وحاشا لله أن يكون شيء من عمله لعباً، وحتى الحيوانات وإن كانت لا حساب ولا عقاب عليها لم تخلق عبثاً، بل خلقت من أجلكم؛ لتجعلوها غذاء، ولتتمتعوا بها، ولتعبدوا الله عند أكلها والشرب منها، فتقول في البداية: باسم الله، وفي النهاية تشكر الله وتحمده.
قوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون:١١٦] الحق في اسمه، والحق في فعله، والحق في رسالته، والحق في أنبيائه، والحق في كتبه، وكل ذلك قد تعالى عن العبث والباطل فيه.
﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [المؤمنون:١١٦]، ونقول: لا إله إلا الله بنطقنا وجناننا وكل خلايا جسومنا، فنعيش عليها ونموت عليها فضلاً من الله وكرماً، ولا يليق بالله الواحد الذي لا ثاني له ولا شريك له أن يخلق شيئاً عبثاً، أو أن يلعب ﷻ .
﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦] ذكر العرش هنا لأنه أعظم المخلوقات على الإطلاق، فذكره دال على القدرة الإلهية المفردة البديعة التي لا يتصور وجودها من مخلوق، والكرسي معلوم والكيف مجهول، وهو كالدرج إلى العرش، وقد ذكر النبي ﷺ أن السموات السبع والأرضيين السبع وما بينهما بالنسبة للكرسي كحلقة مرماة في صحراء من الأرض، أي: هذا الملكوت كله كخاتم أمام عظم وكبر الكرسي، والكرسي كحلقة مرماة في فلاة من الأرض أمام العرش، وأشار ﷺ بيده كالقبة وقال: (عرش الرحمن على خلقه هكذا)، وأشار بيده كالقبة.
ولذلك يذكر في القرآن العرش لعظمته وكبره، ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦]، قرئ الكريم بالكسر صفة للعرش، أي: الحسن البديع، وقرئ بالرفع صفة لله ﷻ .
стр. 613
تفسير قوله تعالى: (ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به)
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ﴾ [المؤمنون:١١٧] أي: يقول: يا رب، ويدعو من يعبده مع الله، أي: أنه يشرك مع الله إلهاً ثانياً: ملكاً أو إنساً أو جناً، ﴿لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون:١١٧] أي: عند ربه ليس له عليه دليل ولا سلطان ولن يكون، وإنما هذا للتعجيز، والشرك كله لا برهان ولا منطق له، ولا يمكن أن يتم ذلك في منطق العقول ومنطق الوعي.
﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون:١١٧] فحساب هذا وعقوبته إنما تكون يوم العرض على الله، فيحاسب على شركه، ويحاسب على كفره، ويحاسب على ما اخترع من نفسه بلا دليل ولا برهان ولا سلطان، على ذلك الإله الذي لا وجود له إلا في مخيلته وفي وهمه، ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون:١١٧]، فيحاسب على هذا الذي دعاه وعبده وأشرك به.
﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:١١٧] (إنه) أي: الشأن والأمر أن الكافرين لا يفلحون، فلا فلاح ولا نجاح لهم عند ربهم، فهم في النار دائماً خالدون فيها أبد الآبدين ودهر الداهرين، فهؤلاء هم الذين دعوا مع الله إلهاً آخر لا برهان لهم به فحسابهم إنما هو على ربهم، وهم بذلك لا يفلحون ولا ينجحون ولا يفوزون كما فاز المؤمنون.
стр. 614
تفسير قوله تعالى: (وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين)
ثم قال تعالى لنبيه: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون:١١٨].
أي: قل يا محمد وقل أيها المؤمن! رب اغفر، وأطلقت اغفر عن ذكر مفعولها ليدخل تحتها كل أنواع المعاصي، فاغفر ذنوبنا، واغفر سيئاتنا، واغفر جهلنا، واغفر سهونا، واغفر ما فعلناه عن قصد وما فعلناه عن غير قصد، وما أسأنا فيه غافلين وما أسأنا فيه متعمدين، اغفر كل ذلك يا رب فأنت وحدك القادر على المغفرة.
﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ﴾ [المؤمنون:١١٨] أي: ارحمنا بهذه المغفرة، وارحم ضعفنا فإننا آمنا بك، ولم نشرك بك يوماً من الأيام، فاغفر لنا وارحمنا وعاملنا بما تعامل به عبادك المؤمنين الموحدين المسلمين.
﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون:١١٨] أي: وأنت يا ألله يا ذا الجلال والإكرام وحدك القادر على المغفرة، ووحدك القادر على الإنقاذ من النار، ووحدك القادر على جزائنا بدخول الجنان، ووحدك القادر على أن نخلد مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين فيها.
وهكذا الله ﷻ يدعونا منذ بداية كتابه إلى آخر هذه السورة من سورة المؤمنين وإلى بداية السورة الآتية سورة النور وإلى ما بعدها ألا نعبد سواه، وألا نتعلق بغيره، وأن ندعوه بالمغفرة، وأن ندعوه بالتوفيق، وأن ندعوه بالسداد، وأن نصر لساناً وجناناً وأركاناً على عبادة الله بالقول والعمل على قدر الاستطاعة والطاقة، كما أمر النبي ﵊ بالضابط الكامل فقال: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا)، فمجهود الإنسان بالأعمال محدود، فما أمرت به فافعل منه ما استطعت، وأما ما نهيت عنه فهو عدم الفعل، وعدم الفعل سلب، فتستطيع أن تترك كل ما نهى الله عنه ونهى رسوله ﷺ ، ولا يكلفك هذا عملاً ولا جهداً، وإنما يكلفك عزيمة وإرادة.
ونحن بهذه الآية الكريمة نكون قد ختمنا سورة المؤمنون وأتممناها، وننتقل بعدها بعون الله وقدرته إلى سورة النور.
стр. 615
تفسير سورة النور [١ - ٢]
الزنا جريمة تفسد المجتمع، وتنشر الرذيلة، وتؤدي إلى ضياع الأنساب واختلاطها، وتفتح الباب للأمراض والمصائب، وقد حذر الله منها، وجعل جزاء من يرتكبها الجلد أو الرجم.
стр. 616
أهمية سورة النور وما فيها من آداب وأحكام
قال الله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:١].
لقد أنهينا سورة المؤمنون، وقد فصل الله فيها حال المؤمنين وأخلاقهم، منذ ابتدأ السورة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢] إلى أن أنهيت بقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون:١١٧ - ١١٨].
فابتدئت بصفات المؤمنين الذين هم أهل الجنة، والذين استحقوا من ربهم -فضلاً منه وكرماً- رحمته ورضاه والجنة، وختمت بالتنفير من الشرك، ومن اتخاذ الإله الذي لا برهان عليه، ثم ختمت بآخر آية بأن قال الله لنبيه: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ﴾ [المؤمنون:١١٨].
فطلب منه وأمره أن يستغفر لنفسه، وأن يستغفر لأمته، وأن يدعو لها بالرحمة، وأن يدعو لها بالسداد والهداية ليكون من أهل الجنة، وقد فعل صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وننتقل الآن إلى السورة التالية وهي سورة النور، وهي سورة مدنية بإجماع علماء التفسير، وفيها أربع وستون آية، وتكاد تكون كلها أحكاماً وحدوداً، وأوامر ونواهي، ومن المعلوم عند علماء القرآن أن القرآن الكريم كان في نزوله بمكة يقرر التوحيد، وكانت الآيات تنزل لتسفيه الشرك، وتزييف الشركاء، وقلما يوجد في السورة المكية أوامر ونواه وحدود وأحكام، وإنما كان أغلب ذلك في المدينة المنورة، وقد استقر فيها قدم الإسلام حاكماً وآمراً، وأصبح النبي ﷺ يتصرف تصرف الحاكم، فيقاتل ويجاهد، ويقيم الحدود من قتْل ورجم وجلد وقطع، ويعاقب الفئات والكتل المتمردة المخالفة: كما قاتل اليهود فقتل من قتل، وشرد من شرد، وصادر من صادر، وطرد من طرد، وأمر عند وفاته ﷺ أن يطردوا جميعاً من جزيرة العرب نصارى ويهوداً، ولم يكن ذلك إلا أمر منه ﷺ بطرد غير المسلمين من جميع ديار الإسلام، ومن العالم الإسلامي كله؛ لأن النبي ﵊ قد قال: (لا تصلح قبلتان في أرض، ولا يصلح دينان في أرض).
وعندما قال: (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب) كان العالم الإسلامي هو جزيرة العرب لم يخرج بعد عنها.
فهذه السورة مدنية بجميع آيتها الأربع والستين، وقد ابتدئت بحدود الزناة، وحدود القذفة، وباللعان، ثم بعد ذلك ذكرت قصة الإفك، وكان سبب نزولها قصة الإفك.
стр. 617
تفسير قوله تعالى: (سورة أنزلناها وفرضناها)
﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا﴾ [النور:١].
ابتدأ الله ﷻ بهذه البداية؛ ليلفت الأنظار إلى أهميتها، وإلى ما سيجيء فيها مما تعم بلواه كل البشر منذ نزول الرسالة المحمدية، ونزول كتاب الله الكريم، وإلى يوم النفخ في الصور، فأنزل له حدوداً وعقوبات لتكون زاجرة رادعة.
قال: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا﴾ [النور:١] أي: أنزل الله تعالى هذه السورة بآياتها الأربع والستين على خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه.
﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور:١].
وفرض أحكامها وجعلها حكماً لازماً لكل إنسان يخرج عن حدود ربه، ويرتكب ما عنه الله نهى، وفرض فيه العقوبات اللازمة.
﴿وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [النور:١] واضحات مفسرات متلوات، فيها البداية والنهاية من ارتكاب الإثم والعقوبة عليه.
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:١] لعلكم أيها المؤمنون تفكرون بأن الله هو الآمر والناهي، فلا ينبغي ولا يجوز أن يخالف ويعصى، فإذا خولف وعصي استوجب المخالف والعاصي غضب الله وعقوبته ونقمته في الدنيا، ولعذاب الله أشد وأنكأ.
стр. 618
تفسير قوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة)
стр. 619
معنى قوله تعالى: (الزانية والزاني)
ثم دخل في الموضوع فقال ﷻ : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢].
هذه السورة كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أمته ورعيته ومن كان حاضراً معه في المدينة: أن يحفّظوا هذه السورة لنسائهم، وأن يتعلموها ويعوا ما فيها من أحكام وعقوبات، ومن لعنة وغضب؛ حتى يكونوا على بينة من أمرهم فيما أحل الله وحرم.
وهذه السورة كان سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين كثيراً ما يبينون أحكامها، ويلزمون أولادهم -صغارهم وكبارهم- والنساء منهم خاصة -عواتق ومحصنات- بأن يحفظوها ويعوا ما فيها؛ ليعلموا أن الدنيا لم تخلق عبثاً، وأن من عصى وخالف فسيكشف نفسه، ويفضح على رءوس الخلائق مع اللعنة والغضب من الله.
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور:٢].
والزانية والزاني هما: المرأة والرجل إذا أتيا حراماً مما يأتيه الزوج والزوجة حلالاً، فإذا تجامعا وأدخل أحدهما في الآخر فرجه من غير زواج ولا ملك يمين فإنه يعتبر في هذه الحالة زانياً، وهي تعتبر في هذه الحالة زانية.
ومن صدر عنه ذلك جعل الله له حداً، فللعزب البكر حد، وللمحصن حد، وقد ذكر في هذه الآية بعض عقوبة الزناة الأبكار، والبكر هو من لم يتزوج ولم يجامع مرة حلالاً، فمن لم يفعل ذلك ولم يحصل منه ذلك في زوجة بعقد صحيح فهو بكر، ومن تم منه ذلك ولو مرة واحدة في عمره يعتبر محصناً، وحده وعقوبته غير هذه التي نذكرها الآن ونبينها ونفسرها.
стр. 620
معنى قوله تعالى: (فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة)
يقول الله ﷻ : ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢].
أي: اضربوهما وأدبوهما بأن يجلد كل واحد منهما مائة جلدة، وكيف يكون الجلد؟ يكون الجلد بعصاً أو بجلد لا يكسر عظماً، ولا يجرح لحماً، ولكن بما يؤلم وبما يوجع، والجمهور على أن يجلد الزناة قائمين، ويضربون على كل عضو إلا المقاتل، فيتقي الوجه والرأس ومكان العفة قبلاً ودبراً، وفيما عدا ذلك يضرب على الظهر، ويضرب على الألية، ويضرب على الأظفار ويضرب على السيقان، ويضرب على البطن بما يوجعه ويؤلمه دون أن يجرح أو يكسر.
وجلد عمر مرة إنساناً على الرأس وكان يسأل أسئلة تتحول للشرك، واسمه صبيغ بن عسل، ولكن ذلك كان مبالغة في الزجر، ولم تكن الضربات إلا عدداً يسيراً لا مائة جلدة.
وابن عمر أقام الحد يوماً على إحدى إمائه وقد زنت، وكان ابنه واقفاً يراه فقال له: يا أبت إنك لا تضرب؛ لقد أخذتك بها رأفة! قال: يا بني لم نؤمر بقتلهم، ولكن أمرنا بجلدهم.
أي: فأنا أجلدها حتى الوجع والإيلام.
قال تعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢].
والمراد هنا بالرأفة: الشفقة والحنان على الزانية والزاني، والمراد: لا تضربوهما ضرباً خفيفاً كمن يلاعب ولداً أو يلاعب زوجة، ولكن اضربوهما ضرباً موجعاً، يتألمان منه الأيام المتوالية؛ غير ألا تجرحوا لحماً ولا تكسروا عظماً.
وأما الشفقة الطبيعية فلا مانع منها، وليس في إمكان الإنسان أن يمنعها، فقد جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إنني لأذبح الشاة وأنا أرحمها، فقال: (لك بذلك أجر).
وليس معناه: أنه رحمها وأشفق عليها فلم يأكلها؛ لأن ذاك عمل المجوس، ولم يخلق الله هذه الأنعام إلا لنا لنتمتع بها، ولنأكل لحمها حلالاً طيباً إذا ذكر اسم الله عليها.
وهكذا فما منعه الله هو: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢].
وليس معناه: ألا تضربوهما، بل اضربوهم ضرباً مؤلماً موجعاً، لا ضرب من يغازل ويلاعب، أي: لا تصل بكم الرأفة إلى ألا يكون هناك أثر لهذه العقوبة ولهذا الحد.
стр. 621
معنى قوله تعالى: (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)
ثم قال تعالى: ﴿إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النور:٢].
أي: إن كنتم حقاً مؤمنين فيجب أن تلتزموا بأوامر الله، وبأن تتركوا نواهي الله، ولو كان الحد على ولد، وعلى قريب، وعلى أب، وعلى زوجة، وعلى أي كان فلابد أن تقام الحدود، وقد قال ﷺ : (حد يقام في الأرض خير من أربعين يوماً تمطر فيه الأرض).
ولو أقيمت الحدود كما يجب لقلت الكثير من الجرائم، والكثير من الفساد في الأرض، وكمثل نضربه في بلدنا هذا المقدس الذي لا يزال يقيم الحدود في بعض أحكامها وأشكالها، نجد السرقة في جميع بلاد الله لا يكاد يخلو منها مكان صباحاً ومساءً، فلا يأمن الإنسان على مال في أرض، ولا في بيت ولا على عرض، وإذا عاقبوا لا يزيدون على أكثر من أن تسجنه الدولة مدة، وبهذا تضيع أموال المسلمين عبثاً، ولا يوجد السجن في الإسلام إلا بأشياء لا تكاد تذكر، كأن يوقف ليبحث عنه، ولا يتجاوز ذلك أياماً فإن طالت فأسابيع، ولا يكون السجن المؤبد إلا في حالتين وليس هو عند كل المذاهب: فعند الأحناف إذا امتنع المصلي المسلم من الصلاة فإنه يسجن إلى نهاية وقتها، فإن صلى أطلق سراحه، وإن لم يصل بقي في السجن إلى الصلاة أو الموت.
وكذلك يكون السجن المؤبد في حال القتل فيما قال عنه ﷺ : (اقتلوا القاتل وأمسكوا الممسك) فإذا اشترك شخصان أحدهما حبس القتيل أو أمسكه، والآخر نفذ القتل فالقاتل يقتل، والممسك يسجن إلى الأبد حتى الموت.
وأما هذه الآلاف التي تعمر السجون في ديار الإسلام حتى تفسد أخلاقها، وينتشر بينهم ما لا يليق بين المسلمين من فسوق، وتصرف عليهم أموال طائلة وحراسة شديدة، فهذه كلها تنفق من بيت مال المسلمين ظلماً وعدواناً، وليس في ذلك أي حق إضافة إلى أنه مخالفة لأمر الله، وعصيان في ترك الحدود، ولا يليق ذلك بدولة إسلامية بحال من الأحوال.
وأما الديون التي يسجن فيها الكثيرون فلا يخلو: إما أن يكون المدين عامر الذمة له مال، وإما ألا يكون له مال، فإن كان له مال فيجب أن يؤدي المال قهراً وغلاباً، فإن لم يفعل بيع ماله حتى مسكنه لأداء الدين، ولا حاجة للسجن، وإن كان لا مال له فقد قال الله ﷻ : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]، فينتظر به إلى أن يغنيه الله فيؤدي.
قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢] أي: في حكم الله وفي حد الله.
﴿إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النور:٢] ولفظة (تؤمنون) لا تكاد تفهم إلا في عصرنا الفاسد، فنزعم أننا مسلمون ومع ذلك تبيح قوانيننا في أكثر ديار الإسلام أنواعاً من الزنا والفسوق والعصيان، بل تعطى الزانية رخصة للزنا، وهي تعيش بالزنا، فهناك قوانين كفر استوردت من بلاد الكفر فتبناها المسلمون، وامتلأت بها ما تسمى كليات الحقوق، ومجالس الدولة، ويقوم مدعي الدولة والمحامون وما إلى ذلك ليدافعوا عن هذا القانون المجرم، وعن هذه المواد القانونية الفاسدة التي تنشر الكفر والمخالفة والفساد والفجور في الأرض، فيقولون عن البنت إذا ملكت أمرها وبلغت سن الرشد إن عرضها لها تؤديه لمن شاءت، ويقولون عن الزوجة: لها أن تسلم عرضها لمن شاءت، ولا حق لأحد في المعارضة إلا زوجها، فإن لم يعارض فقد أذن لها.
وللرجل أن يخالل من شاء وهو مسلم وهي مسلمة، فإذا رفعت به قضية يقول القاضي والوزير والحاكم في أكثر ديار الإسلام: أنت تخالف القانون الذي أعطاها حريتها وأعطاه حريته، ولذلك عندما نقرأ الآن: ﴿إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النور:٢] فما أشد وقعها، وما أصدق معناها، أي: هؤلاء يزعمون أنهم مسلمون ومع ذلك لا يقيمون حداً على زانية ولا زانٍ، ولو كانوا مؤمنين حقاً لكان كتاب الله واجب الطاعة في كل ما أمر به، واجب الطاعة في ترك كل ما نهى عنه، وعندما لم يفعلوا ذلك دخلوا في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النور:٢] أي: إن لم يفعلوا فلا يكون إيمانهم صحيحاً، وبالتالي لا يكون تاماً ولا كاملاً بحال من الأحوال.
стр. 622
معنى قوله تعالى: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين)
ثم قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢].
أي: وليحضر جلدهما وعقوبتهما طائفة من المؤمنين، والطائفة: قال البعض من الأئمة: تشمل الواحد فما فوق، وما أرى هذا صحيحاً، بل الطائفة: تشمل الجماعة، وقد حدد الإمام مالك والإمام الشافعي الطائفة بالأربعة فما زاد، قالوا: لأنه إذا لم يكن هناك اعتراف فإنه لا تتم إقامة الحد إلا بأربعة شهداء، ولذلك ينبغي أن يكون هؤلاء الأربع من الحاضرين، فإن كان عن اعتراف فليحضر أربعة.
وحضور هؤلاء فيه زيادة العقوبة النفسية، وزيادة الزجر والردع لمن تحدثهم أنفسهم بهذه الجرائم، وبهذه اللصوصية على الأعراض، فإن الإنسان قد يقبل ألف جلدة ولا يفضح بتلك الفضيحة، ولكن هذا من تمام الحد، فلا يفلت منهم وجيه ولا غير وجيه، كبير ولا صغير، ذو جاه أو صعلوك من مساكين المسلمين، فالكل أمام الحق سواء.
في هذه الآية بالنسبة للزناة ذكوراً وإناثاً: أن يجلدوا مائة جلدة، وأن تكون هذه الجلدات دون شفقة ولا رحمة تؤدي إلى النقص من الجلد، أو إلى ألا يكون جلداً موجعاً.
الثالثة: أن يحضر عقوبتهما جماعة من المؤمنين، ولا يتم الحد في الآية الكريمة إلا بذلك.
стр. 623
التفريق بين حد الزاني البكر والزاني الثيب
أنزل القرآن على النبي ﷺ وهو المكلف بالبيان، فكان بيان رسول الله ﷺ التفريق في حدود الزنا بين البكر والثيب، فقد قال ﷺ : (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم).
وكان هذا إجماعاً لم يختلف عليه أحد من الصحابة، فكان إجماعاً صحابياً حقيقياً، وأولى الإجماعات بالصحة والعمل إجماع الصحابة، وحدث بعد ذلك خلاف لا يعتبر؛ لأنه خروج على إجماع الصحابة، وإلغاء للنصوص المتواترة المفروضة الواجبة، فقال بعض الخوارج وبعض المعتزلة: ليس في كتاب الله في حد الزناة إلا مائة جلدة، فلا تغريب ولا رجم، والمحصن وغير المحصن سواء.
وقد خطب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يوماً على المنبر فقال ﵁: (يوشك أن يزعم زاعم وأن يقول قائل: ليس الرجم في كتاب الله، وقد نزلت آية فيه قرأتها وقرأها الناس، ولولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لألحقتها بالمصحف، ثم قال: وقد رجم رسول الله ﷺ ، ورجم أبو بكر).
فأما النبي ﷺ فلا يخالفه إلا كافر، وأما أبو بكر فلم يخالفه أحد، ولم يعترض على فعله أحد، فكان أيضاً أجماعاً صحابياً، ثم قال عمر: لم تنته الدنيا حتى يكذب الناس بالرجم، وبعذاب القبر، وبالشفاعة، وبكون الإنسان يخرج من الجحيم بعد أن يمتحن، وبعد أن تكون أعضاؤه فحمة، وقد قال ﷺ : الرجم حق، وعذاب القبر حق، وسؤال القبر حق، والشفاعة حق، وبكل ذلك شهد عمر وشهد معه عبد الرحمن بن عوف وفلان وفلان من الصحابة.
وعن زيد بن ثابت العالم بكتاب الله، قال: لقد قرأنا زمناً في القرآن الكريم آية هي من سورة الأحزاب: الشيخ والشيخة إذا زنيا فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، وارجموهما البتة.
والقراءة الشهيرة: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، وهو حديث مالك في الموطأ.
وقوله: (الشيخ والشيخة) أي: المحصن والمحصنة.
ومن المعلوم من الدين بالضرورة عند علماء القرآن والسنة أن آيات القرآن ثلاثة أنواع: آية نسخت ورفعت حكماً كما رفعت تلاوة ووجوداً.
وآية نسخ عملها وبقي لفظها، وآية نسخ لفظها وبقي حكمها، ومنها الشيخ والشيخة، وقد قال تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦].
وقد رجم ﷺ في حياته رجالاً ونساءً، فرجم من النساء الغامدية، والجهنية، والسيدة التي زنت بعسيفها وأجيرها، واليهودية واليهودي اللذين جاءا يحتكمان عند رسول الله ﷺ ، فرجمهما معاً ﷺ .
وماعز بن مالك الأسلمي رجمه ﷺ حتى الموت، ورجم أبو بكر، ورجم عمر ورجم عثمان وجلد علي شراحة يوم الخميس مائة جلدة، ورجمها يوم الجمعة، فقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله.
ولكن جمهور الفقهاء اعتبروا كقاعدة أصولية أنه إذا اجتمعت عقوبتان يعاقب بأشدهما، ويكتفى بها، فإذا اجتمعت عقوبتان: الرجم والجلد، فالرجم أشد من الجلد، فيكتفي بالرجم عن الجلد، وجاء أعرابيان إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما: يا رسول الله! إن ابني كان عسيفاً عند هذا فزنا بزوجته، وكنت قد فديت ولدي منه بمائة شاة وجارية، فاحكم بيننا بكتاب الله، فقال ﷺ : (لأحكمن بينكما بكتاب الله، أما الشياه والوليدة فهي عليك رد، وأما ولدك فعليه مائة جلدة وتغريب عام، وقم يا أنيس إلى زوجة هذا فإن اعترفت فارجمها.
فاعترفت فرجمت).
وقد قال ﵊: (إن الله جعل للزناة سبيلاً: الثيب بالثيب مائة جلدة الرجم، والبكر بالبكر مائة جلدة وتغريب عام).
وهذا متواتر عن جماهير الصحابة، وهذا ما قاله وأفتى به الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي وأحمد، وأنه لابد مع المائة جلدة من أن ينفى ويغرب عاماً.
وقال الحنفية: التغريب بيد الحاكم إن شاء غرب وإن شاء ترك، واعتبروا ذلك تعزيراً زائداً، وقالوا عن التغريب: هو سجن لا يترك في البلدة قريباً، هكذا فهم أبو حنيفة وأصحابه، وعلى هذا فالآية بقيت غير منسوخ فيها حكم الأبكار، والتغريب أبانه رسول الله ﷺ ، والرجم كان يتلى قرآناً.
لكن عندما نسخت ورفع نصها لم تبق آية معتبرة، فلا تتلى، ولا يصلى بها، ولا يعتبر القراءة بها كالقراءة بالقرآن على كل حرف عشر حسنات.
стр. 624
أضرار الزنا
حذر الشارع من الزنا لعدة أسباب ظاهرة معلومة قبل وبعد، يقول ﵊ كما في الصحاح وعند أحمد في المسند وعند أصحاب السنن: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمرأة المسترجلة تتشبه بالرجال، والديوث).
والديوث: هو الذي يرى المنكر في أهله فيقره ولا يغار، ولا يكاد يحرك ساكناً.
وإذا كان التلصص على الأموال جزاؤه قطع اليد أولاً، ثم قطع الرجل ثانياً، ثم قطع اليد ثالثاً، ثم قطع الرجل الرابعة إلى أن يصبح لحماً على وضم، فالذي يتلصص على الأعراض ويفسد على الناس أنسابها، هل جزاؤه إلا الرجم، على أن الزنا قد حذر منه الشارع حفاظاً على الأنساب والأحساب، وحفظاً للصحة، وسلوا اليوم الأطباء جميعاً في بلاد الإسلام وبلاد غيرهم، فسيقولون: أكثر ما نعالج هي أمراض الفروج وأمراض الأدبار، وما ذلك إلا نتيجة للزنا، وذلك أن الإنسان مجمع القاذورات ومجمع الأوساخ، ومجمع الجراثيم حتى إذا زنى جمع جراثيمهما لبعضهما، ثم ذهب المتزوج فأفسد بذلك زوجته، وأفسد رحمها، وأفسد أولاده وهم في بطون أمهاتهم، ويحملون من الأمراض والجراثيم ما يصبح عدوى للأم، وعدوى للوليد، وعدوى لمن سيعاشر هذا الوليد.
فهذا القيح والصديد الذي يتوالى من فروج النساء والرجال، وأدبار النساء والرجال، يفسد على الإنسان شبابه، ويفسد على الرجل رجولته، ويفسد على المرأة أنوثتها، ويفسد شهامتهم، ويفسد أخلاقهم، ويصبح كل عضو يحمل مرضاً دائماً مزمناً ينتشر بالمصافحة أحياناً.
وهذا القيح وهذا الصديد الذي ينزل منها أماماً وخلفاً يعلق بالثياب، ويعلق بالمجالس، ويعلق بالحمامات، فيأتي الآخر وإذا به قد علق به، ثم قد يلزمه، فاسألوا الأطباء وقولوا لهم: لم هذه الأمراض؟ فسيجيبونك: هذا نتيجة نشر الزنا، ونشر الفساد، ونتيجة نشر التلصص على الأعراض، فكيف إذا أصبح ذلك في الدولة شيئاً رسمياً تفتح له الدور، وتقوم له بغايا تنتشر في الأحياء، وبين الشباب، وبين المتزوجين، وبين البنات، وبين المتزوجات، فماذا ستكون النتيجة؟ يصبح البلد كله ماخورة من المواخير، وبؤرة فساد، وخمارة من الخمارات، وعادة يضاف لذلك الخمرة والحشيش والبلاء من كل نوع.
ومن هنا ضاعت الغيرة من الناس الذين يرتكبون مثل هذا، وضاع الشرف، وضاعت الرجولة، وضاعت الشخصية، وصاروا أشبه بالكلاب والخنازير؛ لأن هذه هي التي تفقد الغيرة، وتجد أحدهم ينزو على إحداهن والآخرون ينتظرون دورهم دون أن يحركوا ساكناً، ولا يقلدون الجمل في غيرته، ولا الديك على الأقل الذي يكاد يفترس الإنسان فيما إذا حاول أن يمس دجاجته، فتجده يثور ثورة الأسد الهصور، وليس إلا طائراً مسكيناً يذبحه الناس بالملايين يومياً، فلا هو تعلم غيرة الرجال ولا غير ذلك، فما بالك بغيرة المسلمين! وأما الجمل فمن المعلوم عنه أنه إذا رأى إنساناً يأتي ناقته فإنه يحقد عليه إلى أن يقتله، ولا يقبل حتى أن ينظر إليه، وطالما تقاتل فحلان من الجمال في سبيل ناقة فقتل أحدهما الآخر، ولا يفقد الشهامة، ولا يفقد الغيرة إلا إنسان فقد إنسانيته وآدميته بعد أن فقد دينه وإسلامه من قبل، وأصبح كالكلب والخنزير.
стр. 625
تفسير سورة النور [٣ - ٥]
حفظ الله أعراض المسلمين من أن يتعرض لها بالكلام، فجعل حد القذف ثمانين جلدة، وحكم على القاذف بالفسق ورد الشهادة إلا أن يتوب.
стр. 626
تفسير قوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة)
قال تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣].
ينكح هنا معناها: الجماع لا الزواج، وأدخل بعض المفسرين فيها حتى الزواج، والمعنى: الزاني لا يزني إلا بزانية مثله، وهذا طبيعي، فإنها ما طاوعت حتى كانت زانية مثله، أو كانت مشركة تحلل ذلك ولا دين لها، فإذاً: لا يقع التطاوع بين زانٍ وزانية حتى يكون كلاهما زانياً ولصاً من لصوص الأعراض.
стр. 627
تفسير قوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤].
هذا هو ما يسمى بالقذف، فعندما يعف الرجل والمرأة ثم يأتيهما مجرم فيتهمهما ويقذفهما بالزنا، فقد جعل الله على القاذف إن قذف محصناً أو محصنة ثمانين جلدة.
فمن كانت عفيفة متزوجة، أو سبق أن تزوجت، أو عفيفاً مسلماً تزوج أو سبق أن تزوج، ثم جاء هذا فقذفه وقال له: هو زان، أو قال له ما يشعر بذلك أو يؤكده، يقول تعالى: من قال ذلك وقذف به يجب أن يأتي بأربعة شهداء يشهدون في آن واحد، فيقولون: رأينا مرود فلان في مكحلة فلانة، أو رأينا الذكر في الفرج، وإذا لم تكن الشهادة في وقت واحد فإنها تسقط ولا تقبل بحال، وإن نقص عن الأربعة واحد فإنه يعتبرون قذفة، ويجلد الثلاثة ثمانين جلدة.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ [النور:٤] جعله الله رمياً كمن يرمى بالرصاص، وجعله قذفاً كمن يقذف بالحجارة، فشرف الإنسان وعرض الإنسان وكرامة الإنسان عادة أشرف وأعظم من حياته، فكيف يقذف ويتهم في دينه وهو محصن وزوج وأب، وقد يكون جداً، فهذا الذي فعل ذلك أتى إثماً كبيراً، لكن إذا أتى بالشهداء الأربعة ليشهدوا بذلك فذاك زان، وحق عليه الردع والزجر بإقامة الحد، وهو الرجم، فإن لم يفعل فهو عند الله كاذب، فيجب أن يؤدي جزاء كذبه ثمانين جلدة، وليشهد عذابه أو عذابهم طائفة من المؤمنين، وحضور الطائفة في حدود الله رجماً أو قتلاً أو صلباً أو تقطيعاً أو جلداً لابد منه؛ لإتمام العقوبة وزجر الآخرين ممن تحدثه نفسه في أن يرتكب مثل ارتكابه، وأن يجرم مثل جرمه، ولو لم يكن ذلك لما أفاد حد ولما أفادت عقوبة، وفي مثل هذا يقول ربنا ﷻ : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٩].
وذلك أنك لو لم تقتل القاتل لفعل ذلك كثيرون ممن تحدثهم أنفسهم بإزهاق الأرواح وبالقتل، فعندما يرون القاتل يقتل تجدهم ينكصون على أعقابهم، وأما لو يعلمون أنهم سيسجنون وفي يوم من الأيام سيطلق سراحهم، أو يؤدون الغرامة فهذه ليست جزاءً وفاقاً، ومن هنا امتلأت الأرض جرائم، حيث جاء هؤلاء الذين يقولون بالشفقة والرحمة وأن السجن مدرسة.
ونحن نقول: السجن خمّارة، والسجن مدرسة للفساد، فيدخل الرجل عفيفاً لسبب من الأسباب وقد يكون سياسياً، فيخرج من أخبث خلق الله في الغالب؛ حيث يفسده من معه، فيعلمونه الحشيش والخمر والفساد بكل أنواعه، ويتركون زوجته وهي في حاجة، وقد تضل وتفسد، ويتركون أطفاله في الشوارع يحتاجون ويجوعون، لم كل هذا؟ إن قتل فاقتلوه والله تعالى يعوض على الزوجة، والأولى أن تتزوج، ويشرف على الأولاد غيره، أما وهو حي فهذا لا يتم، وليس هناك إلا الفساد ونشر الفساد، ولذلك تجد جميع قوانين الأرض غير القوانين الإسلامية لا تدعو إلا للفساد وللظلم، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥].
﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧].
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤].
ظالمون؛ لأن هذه الأحكام ليست عدلاً بل هي الظلم بعينه، وليست إيماناً بل هي الفسق بعينه، وليست إسلاماً بل هي الكفر بعينه؛ لأنه خالف كتاب الله، وخالف سنة رسول الله، وألغى الحدود، ولا يفعل ذلك إلا كافر ظالم فاسق، وهكذا حدث.
وكما ورد عن نبي الله ﵊ أن الناس في آخر الزمان كما دخلوا في دين الله أفواجاً فسيخرجون منه أفواجاً.
وأحد المعاصرين من العلماء الأفاضل الدعاة إلى الله كتب بحثاً وألقى محاضرة ونشرها في غير ما قطر من أقطار الإسلام قال: ردة ولا أبا بكر لها، فالردة الأولى التي كانت عقب الموت النبوي عندما ذهب للرفيق الأعلى ﷺ ، وجد لتلك الردة الخليفة الأول أبو بكر فردعها وزجرها وقضى عليها، فإما العودة إلى الإسلام أو الموت والدفن في التراب، وهذه الردة لا رادع لها ولا زاجر عنها، ولا من يهتم بها، وفي أكثر هذا تجد الرجل قد ارتد وهو متزوج مسلمة صالحة، والزوجة قد ارتدت وتتزوج مسلماً صالحاً، والزواج بينهم مفسوخ لأنه لا يصح الزواج بين كافر ومسلم.
فالمسلمة لا تتزوج إلا مسلم، والمسلم لا يتزوج إلا مسلمة أو كتابية تحت ذمة المسلمين وتحت أحكامهم وليس تحت ذمة غيرهم، فالمسلمون اليوم يعيشون تحت الذمة، فعندما يتزوج المسلم الكافرة يعرض أولاده للكفر وللردة وللذهاب للكنائس والابتلاء بالبيع، وكم رأينا ورأيتم من هذا الكثير في كل قطر من أقطار العالم الإسلامي.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور:٤].
رموهم وقذفوهم ولم يؤكدوا دعواهم وقذفهم للمحصنات بالشهداء، والمحصنات يدخل فيها المحصنون.
قال تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤].
هذه هي العقوبة الأولى، وهي تقع على كل عضو من أعضائه سوى القبل والدبر والوجه كما تقدم في الزنا.
قال تعالى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور:٤].
لأنهم أصبحوا قذفه، وأصبحوا فساقاً ولم يبقوا مزكيين ولم يبقوا عدولاً، فلا تقبلوا لهم أي شهادة، ولو شهد على بصلة فهو فاسق.
فالعقوبة الأولى: الجلد، والعقوبة الثانية: أن تلغى شهادتهم وتزكيتهم.
﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤].
حكم الله عليهم بأنهم فسقة، وأصبحوا فجاراً، ولذلك لا تقبلوا لهم شهادة أبداً، وعمر ﵁ في أيام خلافته جاءه أربعة شهود يشهدون على فلان من أمرائه أنه زنى بفلانة، فشهد ثلاثة أنهم رأوا فلاناً على فلانة وسموه -وأنا لم اسم احتراماً لمقام الصحبة- وأما الرابع فكان شاباً في حدود العشرين، وكان يظهر من ملامحه الذكاء، وكان له شأن بعد ذلك، قال: يا أمير المؤمنين، رأيت فلاناً يجهد فلانة، وهو بين شعبها الأربع، ولكنني لم أر مروداً في مكحلة، وإذا بـ عمر يقول: الله أكبر! ودعا بالسياط ودعا بالجلادين فجلد الثلاثة كل واحد ثمانين جلدة، وكان أحدهم من صالحي الصحابة ومن كرامهم ومن كبارهم، وكان يجلد وهو يقول: أشهد بالله لقد رأيته فاجلدوا أو لا تجلدوا، فجلده الثمانين، ثم بعد ذلك حاول أن يجلده مرة ثانية؛ لأنه أصر، وإذا بمن كان حاضراً من الصحابة قال: يا أمير المؤمنين التهمة واحدة، وإنما كرر القول، ولذلك لا يجلد مرتين.
стр. 628
تفسير قوله تعالى: (إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا)
يقول الله بعد ذلك: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٥].
فهم فساق بحكم الله، فتمنع شهادتهم، وتزول تزكيتهم، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور:٥] لم يغلق الله باب رحمته على المؤمن مهما صدر منه، ومع هذا الحكم من الجلد ومن التفسيق ومن إلغاء الشهادة إذا هؤلاء تابوا إلى الله بعد ذلك وأنابوا وأصلحوا، ومعنى الإصلاح: ألا يعودوا لاتهام أحد، ولا لقذف محصنة ولا محصن، فهؤلاء يعتبرون قد تابوا، فإذا تابوا ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٥] يغفر الذنوب ويرحم العصاة، وباب رحمته مفتوح باستمرار، ويمد يده في النهار لمستغفري النهار، ويمد يده بالليل لمستغفري الليل، ولكن الناس يفرون ممن يرحمهم، ويغفر ذنوبهم، وإلا فالله يغفر الشرك ويغفر الكفر به، والإسلام يجب ما قبله فكيف بغير ذلك، ولذلك كان ﷺ مع عصمته وجلالته يقول: (إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة) يعلمنا بذلك أن نستغفر الله، ولذلك ورد في الأذكار والأوراد أن يستغفر الإنسان خلف كل صلاة، وأن يجدد الاستغفار عند كل وقت: عند النوم، وعند الصحو، وعند النهاية من الصلوات، وفي كل ما يصدر منه ويظنه معصية ولو وهماً ليستغفر الله؛ عسى الله أن يغفر ذنوبه، وعساه إن مات يموت على مغفرة، ويموت على رحمة.
وهذه الآية للقذفة الذين يقذفون المحصنات، وأما الذي يقذف الحدث البكر العزب غير المحصن فهذا يعزر؛ لأن قذف المحصن ليس كقذف العزب المحصن، فهناك حق زوجته، وهناك حق أولاده؛ ولأن الجريمة لو ثبتت وقد أعلنها هؤلاء لكان جزاؤها الرجم وهي عقوبة شديدة، وأما العزب فالعقوبة الجلد، والتغريب عاماً، وشتان بين مائة جلدة وتغريب عام، وبين الرجم والنفي من الحياة كلها.
لذلك فإن جزاء قذف المحصنين والمحصنات ثمانون جلدة، وقذف البكر والعزب أنثى كان أو ذكراً، جزاؤه التعزير، والتعزير لا يزيد عند بعض الأئمة على عشر جلدات، ولكن للحاكم أن يقدر مقدار ما صدر عنه من إيذائه لهذا الشاب أو لهذه الشابة، كأن يريد مصاهرة إنسان في ابنته فيأتي هذا ويقول: فلان أنا رأيته زانياً، فيفسد عليه المصاهرة التي كان يمكن أن تكون ربحاً له في الدنيا والآخرة، وقد يقذف البنت فيقول: تأخذ فلانة وأنا رأيتها مع فلان، وهو كاذب، فهذا ينظر الإمام فيه ويرى رأيه.
وقد يكرر التعزير بمقدار ما تأذى به المقذوف، والعدل قامت عليه السموات والأرض، وبه جاء الإسلام، ولذلك كان القرآن والسنة المطهرة هما العدل المطلق بين كل البشر: مؤمنهم وكافرهم، صديقهم وعدوهم على حد سواء.
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [النور:٥] أي: من بعد القذف ومن بعد قيام الجلد، ولو تاب قبل الجلد فذلك لا يعفيه من العقوبة، ولا يعفيه من الحد، والضابط في ذلك قول النبي ﵊: (تعافوا قبل أن تأتوني) أي: فليعف أحدكم ذنب الآخر في حد قبل أن تصلوا إلي، أما إذا وصلت التهمة إلى الحاكم فلا عفو، فلابد من قيام الحد.
стр. 629
تفسير سورة النور [٦ - ١٠]
من الأحكام التي بينها الله تعالى في سورة النور حكم اللعان، وذلك أن الرجل قد يجد مع امرأته رجلاً ولا يجد أربعة شهداء يشهدون على ذلك، فيتحير فيما يفعله تجاه هذا الموقف الحرج، فشرع الله حد اللعان لذلك.
وكذلك ذكر الله حادثة الإفك وكذب المنافقين والمغفلين فيها.
стр. 630
تفسير آيات اللعان
стр. 631
حد اللعان
قال الله جلت قدرته: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:٦ - ٧].
هذا الحكم يتعلق بمن قذف زوجته ورماها بالفاحشة، أو تبرأ من حمل لها، أو من وليد لها، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾ [النور:٦].
أي: الذين يقذفون زوجاتهم بالفاحشة ثم لم يأتوا بأربعة شهداء كما سبق، فهذا يعتبر قاذفاً يجلد على قذفه ثمانين جلدة، وإلا فاللعان.
واللعان: هو أن يأتي بأربعة أيمان، والخامسة اللعنة، كما قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٦].
فيأتي إلى الحاكم فيقذف زوجته بأنه رأى الفاحشة بعينه، وسمع بأذنه، ولم يكن له شهداء، فإذا لم يكن له شهداء، ولم يشهد بذلك إلا نفسه، ولم ينقل ذلك إلا عن رؤيته وعن سمعه، فهذا يشهد أربع شهادات، والخامسة اللعنة؛ فيقوم مقام الشهداء الأربعة، قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ [النور:٦].
فيقف أمام ملأ من الناس في أشرف بقعة في البلدة، وإذا كان في مكة ففي بيت الله الحرام بين الركن والمقام، وبعد صلاة العصر، وإن كان في المدينة المنورة فبعد صلاة العصر وعند المنبر النبوي، وإن كان في غيرهما ففي المسجد الأعظم في الجامع الكبير من المدينة بعد صلاة العصر كذلك، ويحضر اللعان -لعان المرأة والرجل- جماعة كذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢].
فيؤتى بالرجل أولاً فيقول للحاكم: رأيت بعيني وسمعت ببصري، فيأمره الحاكم بعد أن يعظه بألا يكذب وألا يفتري، فيقسم القسم الأول أنه يُشهد الله على أنه فلانة -ويسميها- زنت بفلان -ويسميه-، ويُشهد الله أنه صادق في قذفه، وصادق في اتهامه، وصادق فيما ادعى وزعم عليها، ثم يقسم ثانياً، ثم يقسم ثالثاً، ثم يقسم رابعاً، وعند الخامسة يوقفه الحاكم ويقول له: إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة، أي: الموجبة لعذاب الله، فعذاب الله مهما يكن أشد من ثمانين جلدة كان سيجلدها إذا كان كاذباً.
وفي الخامسة يقول: إن لعنة الله عليه إن كان كاذباً، فإن فعل ذلك يدرأ عنه العذاب وهو الجلد، ويكتفى بذلك، ويبقى الأمر بينه وبين ربه، فإن كان صادقاً فلا شيء عليه، وإن كان كاذباً فقد أقسم كاذباً أربع مرات، ثم لعن نفسه إن كان كاذباً وهو كذلك.
قال تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:٨]، ثم يؤتى بالزوجة المتهمة المقذوفة فتشهد أربع شهادات، وتشهد الله على أن زوجها فلاناً قد كذب عليها في اتهامها بالزنا مع فلان، وتسمي الزوج وتسمي الرجل المتهمة به.
وعند الخامسة يقول لها الإمام أو القاضي أو نائبه: يا فلانة هذه الموجبة، أي: الموجبة لغضب الله ولعنته، إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل فيكما من تائب، فإن عذاب الدنيا مهما يكن أخف من عذاب الآخرة، فعندما تصر تقول في الخامسة: إن غضب الله عليها إن كان هو صادقاً في تهمته.
стр. 632
سبب كون اللعنة على الرجل والغضب على المرأة
ولم ذكر الزوج بالعذاب والزوجة بالغضب؟ لأن الغضب يكون على الجرم والإثم عن علم، وعن نية مبيتة وقصد سابق، ومن هنا عندما أمرنا الله ﷻ بتلاوة الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة فرائض ونوافل، علمنا أن ندعو الله فيها: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] وهم اليهود، فقد غضب الله عليهم لأنهم ضلوا عن علم ومعرفة سابقة، وضلوا عن أنبياء كثر علموهم وهدوهم وأرشدوهم وبلغوهم رسالة الله، وقد وصف لهم نبينا ﵊ الوصف البليغ الوافي، ومع علمهم بذلك حسدوا النبي ﷺ ، وحسدوا العرب أن تكون النبوءة فيهم، فكانوا مغضوباً عليهم، وكان النصارى ضالين، لأنهم ضلوا عن جهل، فتلاعب بهم اليهود أيام عيسى، وتلاعبوا بهم بعد رفع عيسى حتى ضلوا.
ومن هنا كانت اللعنة على الرجل إن كان كاذباً أي: الطرد من الرحمة، وأما هي فتدعو على نفسها بالغضب إن كان زوجها صادقاً.
هذا الحكم -وهو اللعان- يرفع به الحد عنها وعنه، فهي لا ترجم وهو لا يجلد، فهذا حكم الله الواجب الذي أنزله على رسوله ﷺ ، وأصبح حكماً مجمعاً عليه في جميع المذاهب دون خلاف من أحد.
стр. 633
سبب نزول آيات اللعان
لما نزلت الآية جاء سعد بن معاذ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أهكذا نزلت الآية؟ أيرى أحدهم فاحشة في زوجته فيتركها إلى أن ينتهي الزاني منها، وهو يبحث عن أربعة شهود؟! ولا يكاد يجدهم حتى يكون الزاني قد أتم حاجته، وفي هذه الحالة إن سكت سكت عن بلاء عظيم، وإن قتل قُتِل، وإن اشتكى جلد حد القذف، فيقول له النبي ﵊ وكان الأنصار حاضرين: ألا ترون يا أيها الأنصار إلى سيدكم كيف يقول؟ فقالوا له: يا رسول الله، اعذره ولا تؤاخذه فهو رجل عرف بيننا بالغيرة، فما تزوج في حياته إلا بكراً، وإن طلقها فلا يجرؤ أحد على الزواج منها، فقال سعد: والله إني يا رسول الله لأعلم أن هذا أنزل عليك، وأنه الحق من ربك، وآمنت وسلمت، ولكن كيف؟ إذا سكت الإنسان سكت على بلاء، وإذا قتل قتلتموه، وإذا قذف ضربتموه! قال هذا عند نزول آيات القذف.
وكان سبب نزول هذه الآيات أن رجلين أحدهما يقال له: عويمر العجلاني، والثاني يقال له: هلال بن أمية وقع لكل منهما قصة، فأما هلال فهو أحد الثلاثة الذين خلفوا عن حضور معركة تبوك، وأدبوا بالهجران خمسين يوماً متصلة، وقد رجع هلال من صلاة العشاء مع رسول الله وإذا به وهو يدخل الدار يرى على بطن زوجته شريك بن سحماء، يقول هلال: رأيت ببصري، وسمعت بأذني.
فكره النبي ﷺ ما سمع من هلال، وبان ذلك في وجهه ﷺ ، وإذا بالنبي ﵊ يقول له: (بينة أو حد في ظهرك) أي: إما أن تأتي بأربعة شهود تشهد لك بالذي زعمته من قذف امرأتك، وإلا فالحد ثمانون جلدة على ظهرك، فأخذ يقول هلال: والله لم أكذب يا رسول الله! فماذا أصنع؟ كيف آتي بالأربعة شهداء؟ والنبي ﷺ يكرر: (بينة أو حد في ظهرك).
وإذا بنفس المجلس تأخذ البرحاء رسول الله صلى الله ﵊ وينزل الوحي، فيظهر ذلك في وجهه من شدة ما تأخذه حتى يعرق وجهه ﷺ ، ويسيل منه مثل الجمان عرقاً، فانتظر الكل ساكتاً، وإذا برسول الله ﵊ ينفك عنه جبريل، وينزل الوحي بما نزل: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٦] إلى آخر الآيات.
وإذا بالنبي ﵊ يأمر أن تحضر زوجته واسمها خولة، ويأمر بحضور شريك المتهم به، فحضر الثلاثة، وكان ذلك بعد صلاة العصر، وكان القوم لا يزالون حاضرين، وإذا بالنبي ﵊ يقول لـ هلال: (أتقسم بالله أربع شهادات؟ قال: نعم) فأخذ يقسم هلال بالله صادقاً، وأنه ما كذب على زوجته خولة، وما كذب على من اتهمه بها، وعند انتهائه من الشهادة واليمين الرابع قال له ﷺ : هذه الموجبة، فاتق الله، وأخذ يعظه: إن عذاب الآخرة لأشد من عذاب الدنيا، وإذا بـ هلال يصر، فلعن نفسه وقال: إن لعنة الله عليه إن كان كاذباً على زوجته خولة، وعلى من اتهمها به وهو (شريك)، ثم أتي بالزوجة فأقسمت أربع شهادات والنبي يقول لهما معاً: (إن الله يعلم إن أحدكما كاذب، فهل فيكما تائب؟) فأشهدت الله مقسمة بأن زوجها هلالاً يكذب عليها، وأنا ما زنت لا مع شريك ولا مع غيره، قالت: إنما كان هلال غيوراً، وكان يسمر معنا شريك، فكان ذلك يؤذيه ويؤلمه، فأراد إبعاده بما اتهمها واتهمه به.
وعند الخامسة قال لها رسول الله نفسه ﵊: (هذه الموجبة) أي: التي توجب الغضب والعذاب، ولعذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، فتوقفت قليلاً حتى قال الرواة: كادت أن تنكل وتنكص عن أيمانها، وتعترف بما صنعت وبما فعلت، وإذا بها بعد لحظات وهي ساكتة قالت: لن أفضح قومي سائر اليوم، وإذا بها تقول إن غضب الله عليها إن كان زوجها هلال صادقاً.
وكان مما اتهمها به هلال أنه لم يقربها من أربعة أشهر، وأنها حامل وهو ينتفي من الولد ومن الحمل زيادة على الاتهام، فأمر النبي ﵊ بالتفريق بينهما وبفسخ النكاح لا بطلاق، ولم يجعل لها نفقة، ولم يجعل لها سكناً، وقال: (إن ولدت فولدها ينسب لها ولا ينسب لأبيه، ومن قذف الولد أو قذف المرأة بعد ذلك يحد حد القذف) أي: كما أن الأيمان التي أقسمت درأت ودفعت عنها الحد فيدفع عنها الاتهام والقذف والشتيمة، ويبقى الأمر بينها وبين الله، وأما الولد فينسب لأمه.
ثم قال ﵊: (انظروا إن أتت به أورق جعداً حمش الساقين دقيقهما فهو لـ هلال، وإن أتت به أكحل العينين، سابغ الأليتين فهو لـ شريك).
وإذا بأهل المدينة يرقبون ولادتها ليروا ما قاله النبي ﵊ من صفة الوليد، وإذا بها تلد، قالوا: وحضر ولادتها أكثر ما يمكن من أهل المدينة، وإذا بالوليد أشبه ما يكون بـ شريك، فقال النبي ﵊: (لولا ما سبق من حكم الله، ولولا ما سبق من الأيمان لكان لي معها شأن).
ولكن حكم الله كان هكذا، ويبقى الأمر بينها وبين ربها، وبينه وبين ربه، قال الرواة: كبر هذا الوليد وشب وكان من أنجب الناس، ثم كان أميراً على مصر بعد ذلك.
أما عويمر العجلاني فإنه أرسل لرسول الله ﷺ مع ابن عمه عاصم، فقال لرسول الله: يا رسول الله! إن عويمراً يقول ويقول، فكره هذا رسول الله ﵊، وإذا بـ عاصم يرجع لابن عمه ويقول: ما لقيت منك اليوم من شر، لقد لقيت البلاء، وقد تجهم وجه رسول الله من سماع كلامي وكرهه، وإذا بـ عويمر يحضر بنفسه، فقال نفس ما قال هلال، واتهم زوجته كما اتهم هلال زوجته، وكان صنع رسول الله ﷺ معهما كصنعه مع هلال وزوجته خولة.
وهذا ما يسميه الفقهاء باللعان، واللعان فعال، أي: تلاعن بين اثنين، وهي ملاعنة بين الزوج والزوجة، وهو يقوم مقام الشهود الأربعة.
وهنا تكون السورة الكريمة قد بينت حكم ثلاث جرائم لها حدود ولها شهادات: حد الزنا، وحد القذف، وحد اللعان، وحكم اللعان يكاد لا نسمعه في الأرض منذ قرون، وإن كان بعض شيوخنا من قضاة العدل في المغرب حكم باللعان في قضية، فكان سبب عزله؛ لأن قرار الدولة وقانونها يمنع اللعان، ويقول: قد كثر الفساد وقلت الثقة؛ فهذا لم يبال بذلك، فحكم باللعان وأثبته وقام بحكم بحد من حدود الله، فكان سبب عزله فلم يبال.
ثم بعد ذلك قال تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةُ﴾ [النور:٨ - ٩] أي: الشهادة الخامسة، أي: اليمين والقسم الخامس: أن تشهد ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٩].
стр. 634
تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته)
وقال الله بعد ذلك: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:١٠].
أي: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لتحرجتم ولفسدت أسر، ولاتهم أشخاص بالفاحشة دون متابعة ولا عقاب، ولأدخل في الأسر من ليس منهم.
فقوله: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النور:١٠] أي: لولا أن الله تفضل عليكم وما قرره من أربع شهادات ومن لعنة وغضب، لانتشرت الفاحشة بين الأزواج وعجزوا عن علاج ذلك؛ لأنهم إن قتلوا قتلوا، وإن قذفوا جلدوا، وإن أبقوهم حتى يأتوا بأربعة شهداء يكون الزاني والزانية قد انتهيا من الزنا، ويبقى الوليد منسوباً للأب؛ إذ الولد للفراش وللعاهر الحجر، فيجلد الزوج ويبقى الولد ولده؛ لأن معنى الجلد أنه كاذب، ولكن من فضل الله ورحمته بالناس أن جعل لهذا حكماً.
قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ [النور:١٠] فيتوب على من تاب ولو كان ذلك بعد الجريمة وبعد اللعنة وبعد الغضب، وحتى بعد حد القذف وبعد حد الزنا.
(حكيم) فيما أصدر من أحكام، وأمر به من أوامر، ونهى من نواه.
стр. 635
تفسير سورة النور [١١ - ١٣]
لقد خاض المنافقون في عرض رسول الله ﷺ واتهموا أم المؤمنين عائشة ﵂ بالإفك، وقد برأها الله تعالى من ذلك وأنزل في ذلك قرآناً يتلى.
следующие страницы →