Полный текст (2 442 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
حد اللعان
قال الله جلت قدرته: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:٦ - ٧].
هذا الحكم يتعلق بمن قذف زوجته ورماها بالفاحشة، أو تبرأ من حمل لها، أو من وليد لها، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾ [النور:٦].
أي: الذين يقذفون زوجاتهم بالفاحشة ثم لم يأتوا بأربعة شهداء كما سبق، فهذا يعتبر قاذفاً يجلد على قذفه ثمانين جلدة، وإلا فاللعان.
واللعان: هو أن يأتي بأربعة أيمان، والخامسة اللعنة، كما قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٦].
فيأتي إلى الحاكم فيقذف زوجته بأنه رأى الفاحشة بعينه، وسمع بأذنه، ولم يكن له شهداء، فإذا لم يكن له شهداء، ولم يشهد بذلك إلا نفسه، ولم ينقل ذلك إلا عن رؤيته وعن سمعه، فهذا يشهد أربع شهادات، والخامسة اللعنة؛ فيقوم مقام الشهداء الأربعة، قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ [النور:٦].
فيقف أمام ملأ من الناس في أشرف بقعة في البلدة، وإذا كان في مكة ففي بيت الله الحرام بين الركن والمقام، وبعد صلاة العصر، وإن كان في المدينة المنورة فبعد صلاة العصر وعند المنبر النبوي، وإن كان في غيرهما ففي المسجد الأعظم في الجامع الكبير من المدينة بعد صلاة العصر كذلك، ويحضر اللعان -لعان المرأة والرجل- جماعة كذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢].
فيؤتى بالرجل أولاً فيقول للحاكم: رأيت بعيني وسمعت ببصري، فيأمره الحاكم بعد أن يعظه بألا يكذب وألا يفتري، فيقسم القسم الأول أنه يُشهد الله على أنه فلانة -ويسميها- زنت بفلان -ويسميه-، ويُشهد الله أنه صادق في قذفه، وصادق في اتهامه، وصادق فيما ادعى وزعم عليها، ثم يقسم ثانياً، ثم يقسم ثالثاً، ثم يقسم رابعاً، وعند الخامسة يوقفه الحاكم ويقول له: إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة، أي: الموجبة لعذاب الله، فعذاب الله مهما يكن أشد من ثمانين جلدة كان سيجلدها إذا كان كاذباً.
وفي الخامسة يقول: إن لعنة الله عليه إن كان كاذباً، فإن فعل ذلك يدرأ عنه العذاب وهو الجلد، ويكتفى بذلك، ويبقى الأمر بينه وبين ربه، فإن كان صادقاً فلا شيء عليه، وإن كان كاذباً فقد أقسم كاذباً أربع مرات، ثم لعن نفسه إن كان كاذباً وهو كذلك.
قال تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:٨]، ثم يؤتى بالزوجة المتهمة المقذوفة فتشهد أربع شهادات، وتشهد الله على أن زوجها فلاناً قد كذب عليها في اتهامها بالزنا مع فلان، وتسمي الزوج وتسمي الرجل المتهمة به.
وعند الخامسة يقول لها الإمام أو القاضي أو نائبه: يا فلانة هذه الموجبة، أي: الموجبة لغضب الله ولعنته، إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل فيكما من تائب، فإن عذاب الدنيا مهما يكن أخف من عذاب الآخرة، فعندما تصر تقول في الخامسة: إن غضب الله عليها إن كان هو صادقاً في تهمته.
стр. 632
سبب كون اللعنة على الرجل والغضب على المرأة
ولم ذكر الزوج بالعذاب والزوجة بالغضب؟ لأن الغضب يكون على الجرم والإثم عن علم، وعن نية مبيتة وقصد سابق، ومن هنا عندما أمرنا الله ﷻ بتلاوة الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة فرائض ونوافل، علمنا أن ندعو الله فيها: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] وهم اليهود، فقد غضب الله عليهم لأنهم ضلوا عن علم ومعرفة سابقة، وضلوا عن أنبياء كثر علموهم وهدوهم وأرشدوهم وبلغوهم رسالة الله، وقد وصف لهم نبينا ﵊ الوصف البليغ الوافي، ومع علمهم بذلك حسدوا النبي ﷺ ، وحسدوا العرب أن تكون النبوءة فيهم، فكانوا مغضوباً عليهم، وكان النصارى ضالين، لأنهم ضلوا عن جهل، فتلاعب بهم اليهود أيام عيسى، وتلاعبوا بهم بعد رفع عيسى حتى ضلوا.
ومن هنا كانت اللعنة على الرجل إن كان كاذباً أي: الطرد من الرحمة، وأما هي فتدعو على نفسها بالغضب إن كان زوجها صادقاً.
هذا الحكم -وهو اللعان- يرفع به الحد عنها وعنه، فهي لا ترجم وهو لا يجلد، فهذا حكم الله الواجب الذي أنزله على رسوله ﷺ ، وأصبح حكماً مجمعاً عليه في جميع المذاهب دون خلاف من أحد.
стр. 633
سبب نزول آيات اللعان
لما نزلت الآية جاء سعد بن معاذ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أهكذا نزلت الآية؟ أيرى أحدهم فاحشة في زوجته فيتركها إلى أن ينتهي الزاني منها، وهو يبحث عن أربعة شهود؟! ولا يكاد يجدهم حتى يكون الزاني قد أتم حاجته، وفي هذه الحالة إن سكت سكت عن بلاء عظيم، وإن قتل قُتِل، وإن اشتكى جلد حد القذف، فيقول له النبي ﵊ وكان الأنصار حاضرين: ألا ترون يا أيها الأنصار إلى سيدكم كيف يقول؟ فقالوا له: يا رسول الله، اعذره ولا تؤاخذه فهو رجل عرف بيننا بالغيرة، فما تزوج في حياته إلا بكراً، وإن طلقها فلا يجرؤ أحد على الزواج منها، فقال سعد: والله إني يا رسول الله لأعلم أن هذا أنزل عليك، وأنه الحق من ربك، وآمنت وسلمت، ولكن كيف؟ إذا سكت الإنسان سكت على بلاء، وإذا قتل قتلتموه، وإذا قذف ضربتموه! قال هذا عند نزول آيات القذف.
وكان سبب نزول هذه الآيات أن رجلين أحدهما يقال له: عويمر العجلاني، والثاني يقال له: هلال بن أمية وقع لكل منهما قصة، فأما هلال فهو أحد الثلاثة الذين خلفوا عن حضور معركة تبوك، وأدبوا بالهجران خمسين يوماً متصلة، وقد رجع هلال من صلاة العشاء مع رسول الله وإذا به وهو يدخل الدار يرى على بطن زوجته شريك بن سحماء، يقول هلال: رأيت ببصري، وسمعت بأذني.
فكره النبي ﷺ ما سمع من هلال، وبان ذلك في وجهه ﷺ ، وإذا بالنبي ﵊ يقول له: (بينة أو حد في ظهرك) أي: إما أن تأتي بأربعة شهود تشهد لك بالذي زعمته من قذف امرأتك، وإلا فالحد ثمانون جلدة على ظهرك، فأخذ يقول هلال: والله لم أكذب يا رسول الله! فماذا أصنع؟ كيف آتي بالأربعة شهداء؟ والنبي ﷺ يكرر: (بينة أو حد في ظهرك).
وإذا بنفس المجلس تأخذ البرحاء رسول الله صلى الله ﵊ وينزل الوحي، فيظهر ذلك في وجهه من شدة ما تأخذه حتى يعرق وجهه ﷺ ، ويسيل منه مثل الجمان عرقاً، فانتظر الكل ساكتاً، وإذا برسول الله ﵊ ينفك عنه جبريل، وينزل الوحي بما نزل: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٦] إلى آخر الآيات.
وإذا بالنبي ﵊ يأمر أن تحضر زوجته واسمها خولة، ويأمر بحضور شريك المتهم به، فحضر الثلاثة، وكان ذلك بعد صلاة العصر، وكان القوم لا يزالون حاضرين، وإذا بالنبي ﵊ يقول لـ هلال: (أتقسم بالله أربع شهادات؟ قال: نعم) فأخذ يقسم هلال بالله صادقاً، وأنه ما كذب على زوجته خولة، وما كذب على من اتهمه بها، وعند انتهائه من الشهادة واليمين الرابع قال له ﷺ : هذه الموجبة، فاتق الله، وأخذ يعظه: إن عذاب الآخرة لأشد من عذاب الدنيا، وإذا بـ هلال يصر، فلعن نفسه وقال: إن لعنة الله عليه إن كان كاذباً على زوجته خولة، وعلى من اتهمها به وهو (شريك)، ثم أتي بالزوجة فأقسمت أربع شهادات والنبي يقول لهما معاً: (إن الله يعلم إن أحدكما كاذب، فهل فيكما تائب؟) فأشهدت الله مقسمة بأن زوجها هلالاً يكذب عليها، وأنا ما زنت لا مع شريك ولا مع غيره، قالت: إنما كان هلال غيوراً، وكان يسمر معنا شريك، فكان ذلك يؤذيه ويؤلمه، فأراد إبعاده بما اتهمها واتهمه به.
وعند الخامسة قال لها رسول الله نفسه ﵊: (هذه الموجبة) أي: التي توجب الغضب والعذاب، ولعذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، فتوقفت قليلاً حتى قال الرواة: كادت أن تنكل وتنكص عن أيمانها، وتعترف بما صنعت وبما فعلت، وإذا بها بعد لحظات وهي ساكتة قالت: لن أفضح قومي سائر اليوم، وإذا بها تقول إن غضب الله عليها إن كان زوجها هلال صادقاً.
وكان مما اتهمها به هلال أنه لم يقربها من أربعة أشهر، وأنها حامل وهو ينتفي من الولد ومن الحمل زيادة على الاتهام، فأمر النبي ﵊ بالتفريق بينهما وبفسخ النكاح لا بطلاق، ولم يجعل لها نفقة، ولم يجعل لها سكناً، وقال: (إن ولدت فولدها ينسب لها ولا ينسب لأبيه، ومن قذف الولد أو قذف المرأة بعد ذلك يحد حد القذف) أي: كما أن الأيمان التي أقسمت درأت ودفعت عنها الحد فيدفع عنها الاتهام والقذف والشتيمة، ويبقى الأمر بينها وبين الله، وأما الولد فينسب لأمه.
ثم قال ﵊: (انظروا إن أتت به أورق جعداً حمش الساقين دقيقهما فهو لـ هلال، وإن أتت به أكحل العينين، سابغ الأليتين فهو لـ شريك).
وإذا بأهل المدينة يرقبون ولادتها ليروا ما قاله النبي ﵊ من صفة الوليد، وإذا بها تلد، قالوا: وحضر ولادتها أكثر ما يمكن من أهل المدينة، وإذا بالوليد أشبه ما يكون بـ شريك، فقال النبي ﵊: (لولا ما سبق من حكم الله، ولولا ما سبق من الأيمان لكان لي معها شأن).
ولكن حكم الله كان هكذا، ويبقى الأمر بينها وبين ربها، وبينه وبين ربه، قال الرواة: كبر هذا الوليد وشب وكان من أنجب الناس، ثم كان أميراً على مصر بعد ذلك.
أما عويمر العجلاني فإنه أرسل لرسول الله ﷺ مع ابن عمه عاصم، فقال لرسول الله: يا رسول الله! إن عويمراً يقول ويقول، فكره هذا رسول الله ﵊، وإذا بـ عاصم يرجع لابن عمه ويقول: ما لقيت منك اليوم من شر، لقد لقيت البلاء، وقد تجهم وجه رسول الله من سماع كلامي وكرهه، وإذا بـ عويمر يحضر بنفسه، فقال نفس ما قال هلال، واتهم زوجته كما اتهم هلال زوجته، وكان صنع رسول الله ﷺ معهما كصنعه مع هلال وزوجته خولة.
وهذا ما يسميه الفقهاء باللعان، واللعان فعال، أي: تلاعن بين اثنين، وهي ملاعنة بين الزوج والزوجة، وهو يقوم مقام الشهود الأربعة.
وهنا تكون السورة الكريمة قد بينت حكم ثلاث جرائم لها حدود ولها شهادات: حد الزنا، وحد القذف، وحد اللعان، وحكم اللعان يكاد لا نسمعه في الأرض منذ قرون، وإن كان بعض شيوخنا من قضاة العدل في المغرب حكم باللعان في قضية، فكان سبب عزله؛ لأن قرار الدولة وقانونها يمنع اللعان، ويقول: قد كثر الفساد وقلت الثقة؛ فهذا لم يبال بذلك، فحكم باللعان وأثبته وقام بحكم بحد من حدود الله، فكان سبب عزله فلم يبال.
ثم بعد ذلك قال تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةُ﴾ [النور:٨ - ٩] أي: الشهادة الخامسة، أي: اليمين والقسم الخامس: أن تشهد ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٩].
стр. 634
تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته)
وقال الله بعد ذلك: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:١٠].
أي: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لتحرجتم ولفسدت أسر، ولاتهم أشخاص بالفاحشة دون متابعة ولا عقاب، ولأدخل في الأسر من ليس منهم.
فقوله: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النور:١٠] أي: لولا أن الله تفضل عليكم وما قرره من أربع شهادات ومن لعنة وغضب، لانتشرت الفاحشة بين الأزواج وعجزوا عن علاج ذلك؛ لأنهم إن قتلوا قتلوا، وإن قذفوا جلدوا، وإن أبقوهم حتى يأتوا بأربعة شهداء يكون الزاني والزانية قد انتهيا من الزنا، ويبقى الوليد منسوباً للأب؛ إذ الولد للفراش وللعاهر الحجر، فيجلد الزوج ويبقى الولد ولده؛ لأن معنى الجلد أنه كاذب، ولكن من فضل الله ورحمته بالناس أن جعل لهذا حكماً.
قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ [النور:١٠] فيتوب على من تاب ولو كان ذلك بعد الجريمة وبعد اللعنة وبعد الغضب، وحتى بعد حد القذف وبعد حد الزنا.
(حكيم) فيما أصدر من أحكام، وأمر به من أوامر، ونهى من نواه.
стр. 635
تفسير سورة النور [١١ - ١٣]
لقد خاض المنافقون في عرض رسول الله ﷺ واتهموا أم المؤمنين عائشة ﵂ بالإفك، وقد برأها الله تعالى من ذلك وأنزل في ذلك قرآناً يتلى.
стр. 636
تفسير قوله تعالى: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١].
هذه القصة -وهي في عشر آيات ابتداءً من هذه الآية- هي سبب نزول السورة كلها.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ﴾ [النور:١١].
الإفك: أشد أنواع الكذب، وهو قلب الحقائق، والافتراء على الله، والكذب على الناس بما لا يصدر عنهم، وبما لا يمكن أن يكون منهم.
وكان هذا الافتراء على السيدة المطهرة أم المؤمنين عائشة، وهي أحب نساء الرسول ﷺ إليه بعد السيدة خديجة ﵂، فافتري على أم المؤمنين عائشة واتهمت بالفاحشة وحاشاها من ذلك، ولولا أن الله ذكر هذا ليبرأها لما وجدنا لساناً ينطق به، ولما قدمنا الكلام به، ولكن شيئاً قد قيل، وكانت البداية سيئة، وكانت النهاية مكرمة ورفعة لأم المؤمنين، ورفعة لـ أبي بكر وآله وزوجته أم رومان، ورفعة للمتهم صفوان بن المعطل.
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ﴾ [النور:١١].
أي: جاءوا بالكذب والافتراء على السيدة عائشة أم المؤمنين.
﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١] جماعة منكم، فيهم نساء وفيهم رجال.
﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ [النور:١١].
أي: لا تظنوه كان شراً لكم، بل كان طريقاً للرفعة، وكان طريقاً للخير، وقد يأتي الخير عن طريق الشر، وقديماً قال العرب في جاهليتهم: رب ضارة نافعة، وقال ربنا ﷻ : ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦].
فكانت هذه التهمة القاسية التي تألم لها رسول الله ﷺ شهراً كاملاً قبل البراءة، وتألمت لها عائشة شهراً كاملاً وهي تبكي، وتألم لها أبو بكر، وتألمت لها أم عائشة أم رومان، وكان الحزن مخيماً على البيت النبوي، وعلى بيت أبي بكر، وعلى آل محمد صلى الله عليه وعلى آله، وهم يعيشون في أحزاناً متوالية، ولم يستطيعوا أن يصنعوا شيئاً.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ﴾ [النور:١١].
لكل كاذب من هؤلاء كان امرأة أو رجلاً إثمه وجرمه وعذابه ونقمة الله منه بمقدار ما اكتسبه من الافتراء والكذب على الله، والكذب على البيت الطاهر، والكذب على عرض سيد البشر وخاتم الأنبياء ﷺ .
﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١].
وكبير هؤلاء الذي أفشى ووشى ذلك، وكذب في ذلك له العذاب العظيم، وما العذاب له إلا الخلود في النار والغضب واللعنة الدائمة في الدنيا والآخرة.
والقصة كما وردت في السنن والمسانيد والصحاح عن عائشة ﵂ نفسها، وعن أمها أم رومان، وعن ابن عباس وعن الجماهير من الصحابة، يدخل حديث بعضهم في بعض، مجموعه وملخصه كما في البخاري ومسلم ومسند أحمد تقول عائشة وهي صاحبة الشأن: كان من عادة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه أنه إذا أراد غزاة أو خروجاً من المدينة أن يخرج معه أحد أزواجه، ولا يفضل واحدة على أخرى، ولكنه يصنع القرعة، فأيها خرج سهمها خرجت معه، وفي غزوة من الغزوات أقرع بين النساء وإذا بالقرعة تخرج لـ عائشة، فخرجت عائشة مع رسول الله ﵊، فغزا وجاهد وحارب، وأتم غزوته وحربه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، تقول عائشة: وبينما نحن عائدون وقد قربنا من المدينة المنورة إذا بالجيش النبوي ينزل ويستريح ليلاً، قالت: فخرجت لقضاء حاجة فغبت قليلاً ثم عدت، وإذا بي أنتبه أن عقداً من عقيق ظفار قد ضل مني -وظفار مدينة مشهورة في دولة عمان- ففقدته من عنقها فلم تجده، وكان هذا العقد بمثابة عقد اللؤلؤ اليوم، فعادت لنفس الطريق الذي كانت فيه وهي تبحث إلى أن وجدته، وفي هذه المدة التي بحثت عن العقد كانت القافلة قد ذهبت، وكان هودجها قد كلف به من يحمله، ومن يقود بها جملها، فجاءوا وحملوا الهودج فوضعوه على جملها وهم يظنون أنها راكبة، وكانت لا تزال صغيرة خفيفة اللحم، كما تقول: لم نكن نأكل إلا العلقة من الطعام، فنحن خفاف الأجسام خفاف الأبدان.
قالت: فحملوا الهودج وهم يظنونني فيه، وإذا بي أعود فلم أجد أحداً، وقد وجدت العقد ولم أجد الراحلة ولا الجمل ولا الهودج، فجلست في مكاني وأنا أعتقد أنهم سيفتقدونني ويبحثون عني، وإذا بالنوم يأخذني، وإذا بي أسمع عند رأسي رجلاً يسترجع ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون! وكيف كان ذلك؟ كان من العادة في الجيوش النبوية المحمدية وجيوش المسلمين في العصر الأول، وفي كل وقت أنهم يدعون مؤخرة تتبع القافلة فيما إذا نسيت شيئاً، أو تركت مريضاً، أو غير ذلك فيأتون به، فكان خلف الجيش في هذه الرحلة صفوان بن المعطل السلمي، فجاء إلى مكان القافلة بعد ساعات، وإذا به يجد أم المؤمنين هي التي نسيت وتركت، تقول عائشة: وكان يعرفني قبل الحجاب، وإذا بي أستيقظ وأسمع الترجيع، والله لم أسمع منه كلمة سواها ولم يكلمني سواها، فأناخ جمله، فصعدت الجمل وذهبت، وأدركنا القافلة مع حر الظهيرة.
وإذا بالجيش المحمدي كان فيه منافقون، وكان من عادة هؤلاء المنافقين ألا يجلسوا مع الجيش النبوي مباشرة، إنما ينتبذون في الأركان والأطراف ليتم لهم التكلم والاستهزاء والمسارة في الكيد للإسلام والمسلمين ولرسول الله ﷺ ، وكان هؤلاء المنافقون معهم كبيرهم عبد الله بن أبي ابن سلول، فإذا به يقول: انظروا إلى زوجة نبيكم تبيت الليل كله مع رجل من أصحابه.
تقول عائشة: ولما رجعت إلى البيت إذا بي أمرض، وطال مرضي شهراً، وما كنت أنكر شيئاً إلا أن النبي ﵊ كان يأتيني صباحاً على خلاف عادته عندما أشتكي.
أي: أن من عادته إذا اشتكت ومرضت أن يلاطفها ويجالسها ويتكلم معها، ولكن في مدة هذا الشهر كله يأتي إلى الباب ويقول: كيف تيكم؟ أي: كيف تلك المرأة؟ قالت: فقدت منه اللطف الذي كنت أعرفه قبل، ولكن مع ذلك لم يخطر ببالي شيء.
وبعد تمام الشهر أرادت حاجة فخرجت معها أم مسطح بن أثاثة، وبينا هي تذهب لحاجتها إذا بها تعثر فتقول: تعس مسطح! فتقول لها عائشة: بئس ما قلت، أتدعين على رجل من أصحاب رسول الله ﷺ حضر غزوة بدر! وإذا بها تقول لها: يا عائشة! أنت في غفلة مما يقول الناس، قالت: وماذا يقول الناس؟ قالت: يقولون كذا وكذا! قالت: وإذا بكل ما كان بي قد توقف، فعادت إلى البيت، ودخل عليها رسول الله على العادة فوقف عند الباب في صباح اليوم التالي فقال: كيف تيكم؟ قالت له: يا رسول الله، ائذن لي بالذهاب إلى أبوي، فأذن لها، فدخلت البيت وأبو بكر يسمع ما حدث، وأم رومان أمها تسمع ما حدث، فأخذت أم رومان تقول لها: ما الذي جاء بك؟ خطر ببالها أن تكون قد طلقت نتيجة ذلك، وسيكون الأمر عظيماً، وأبو بكر كان يقرأ في العلية في تلك الساعة التي دخلت فيها عائشة، فسمع صوت عائشة فنزل، فأخذت عائشة تسأل أمها: ماذا هناك يا أماه؟ قالت: تحدث الناس وتحدث، فقالت: أسمع ذلك رسول الله ﷺ ؟ قالت: أسمع ذلك أبي؟ قالت: نعم.
وإذا بها تبكي، ويشتد بكاؤها، فنزل أبو بكر على ذلك، فلم يستطع الأب ولا الأم أن يقولا شيئاً.
стр. 637
تبرئة الله تعالى لأم المؤمنين عائشة مما رميت به
وسأل رسول الله أسامة بن زيد مولاه ابن مولاه عما يعرفه عنها، وسأل علي بن أبي طالب، فقال لـ أسامة: ماذا تعلم يا أسامة عن عائشة؟ قال: يا رسول الله! والله ما سمعت إلا خيراً، والله ما رأيت إلا خيراً.
وسأل علياً فقال له علي: يا رسول الله! النساء غيرها كثير، واسأل الجارية تصدق، فسأل رسول الله جاريتها وخادمتها وكان اسمها بريرة، وإذا بـ بريرة تقول: يا رسول الله! والله ما أعلم إلا خيراً، ولا رأيت إلا خيراً، وإن يكن شيء في عائشة فهو أنها كانت تعجن العجين فتأتي الداجن فتأكله.
أي: هذا كل ذنبها.
فسأل زوجاته أمهات المؤمنين الأخريات -أي: سأل الضرائر- سأل زينب بنت جحش، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من ضرائري، فقالت زينب: يا رسول الله! أحمي سمعي وبصري عن أن أقول نظرت سوءاً، وعن أن أقول: سمعت سوءاً، والله ما أعلم عليها إلا خيراً.
ولكن تأتي أختها حمنة بنت جحش زوجة طلحة بن عبيد الله فأخذت تقذفها وأخذت تتهمها انتصاراً لأختها عليها.
وكذلك مسطح بن أثاثة أخذ يتهمها، وأخذ يشيع ذلك، وحسان بن ثابت شاعر النبي ﵊ أخذ يتهمها وأخذ يقذفها ويقول ما يقول الناس.
وأما الذي تولى كبر المهمة وتولى إشاعتها والتشنيع بها فهو: عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين، الذي قال الله عنه: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١]، فقد عاش منافقاً ومات منافقاً وإلى لعنة الله والجحيم الدائم.
تقول عائشة: كنت أبكي ليلي وأبكي نهاري، حتى ظننت أن البكاء فالق كبدي، وإذا بأمي تريد أن تسليني فتقول لي: يا بنيتي ما كانت امرأة وضيئة حسناء عند زوج يحبها ولها ضرائر إلا وحسدنها، وشنعن عليها، فما يزيدني ذلك إلا بكاءً.
وبينا هم على هذه الحال صعد النبي ﵊ المنبر يوماً فقال للناس: (من عذيري في هؤلاء الذين يشتمون عرضي ويقذفون أمهات المؤمنين) فوقف سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله! إن كان هذا منا الأوس قتلناه، وإن كان من الخزرج فسنفعل به ما تأمر، فقام سعد بن عبادة وقال: والله لن تقتله إلا لأنه ليس من عشيرتك، فقام أسيد ين حضير وقال: إنك منافق تدافع عن المنافقين! وكادوا يقتتلون بالسيوف في المسجد النبوي والنبي على المنبر فأسكتهم.
ثم ذهب إلى عائشة فدخل عليها فوجد عندها أباها وأمها في الغرفة التي هي فيها، فقال لها: (يا عائشة، إن كنت قد ألممت بذنب فاعترفي)، تقول عائشة: كانت الدموع جارية على عيني مدراراً، وإذا بي عندما أسمع رسول الله يقول لي: اعترفي، يرقأ دمعي وكأنني لم أدمع قط، والتفتت إلى أبيها فقالت: يا أبت، أجب عني رسول الله، فقال لها: وبماذا أجيبه؟ وسكت، فقالت لأمها: يا أمتاه، أجيبي عني رسول الله، قالت: بماذا أجيبه، وسكتت، فالتفتت هي تجيب فقالت: إنني إن قلت نعم -والله يعلم أني بريئة- سركم ذلك، وإن قلت: والله لم يكن ذلك لكذبتموني ولما صدقتموني، قالت: ولم أكن حافظة إذ ذاك من القرآن الكثير، ونسيت اسم يعقوب أبي يوسف فقلت: ولا أقول لك إلا كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨].
قالت: بينما نحن كذلك وإذا برسول الله ﷺ يأخذه رحضاء الوحي، وتأخذه الشدة التي تأتيه عادة عند الوحي، وإذا به يتفصد جبينه عن عرق كأنه الجمان واللؤلؤ، ثم يفيق ضاحكاً ويقول: (أبشري يا عائشة، قد نزلت براءتك من الله) ففرح أبوها وفرحت أمها، وقالا لها: اشكري رسول الله، قالت: والله لا أشكره ولا أشكركما، ولا أحمد إلا الله الذي برأني.
قالت: والله ما كان ليخطر ببالي أن يتكلم الله عني بعشر آيات وحياً في كتابه، وإن كنت على يقين أن الله سيبرؤني، ولكن كنت أظن البراءة ستكون رؤيا نبوية، فيرى النبي ﷺ شيئاً في منامه فيقصه، وأما أن يقول الله عني ما قال فقد كنت أحقر في نفسي من أن يكون ذلك.
وبهذا أصبحت عائشة بريئة بنص القرآن، ومن قذفها بعد ذلك يعتبر كافراً حلال الدم.
ومن شتم أباها يعزر ولا يكفر؛ لأن الله لم يذكره في القرآن كما ذكر أم المؤمنين عائشة، وأما عائشة فقد برأها الله وطهرها وأشاد بها، فالذي يقذفها بعد ذلك يكون قد كذب الله، وكذب القرآن وكذب الوحي، وهنا يبقى معنى قوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١].
стр. 638
عقوبة الذين خاضوا في حديث الإفك
كانت عائشة امرأة من النساء، وكانت من أمهات المؤمنين، فكونها يعتنى بها، وينزل في شأنها عشر آيات متصلات، فهذا لم يكن يخطر ببال، قالت عائشة: وبعد ذلك أمر ﷺ بكل من تكلم في هذا من نساء أو رجال أن يجلدوا حد القذف، فجلدوا ثمانين جلدة، جلد حسان مع مقامه عند النبي ﵊، وجلدت حمنة، وجلد مسطح بن أثاثة، وبذلك برئت عائشة وكرمت، وشرفت، وأصبحت بهذه المثابة، وبذلك سلم عرض رسول الله ﷺ -وهذا هو الأهم-، وبقي عزيراً منيعاً كريماً سيداً مصاناً، والنبوءة أكرم على الله ﷻ من أن تقذف في عرضها وفي شرفها وفي نسائها.
ومن هنا جاء قول الله تعالى ونزلت هذه الآيات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١] إلى آخر الآيات.
فالله ﷻ يعلن للخلق كلهم: أن الذين قذفوا وافتروا على الله وقالوا ما قالوه لم يقولوا ذلك عن شيء شاهدوه، ولا عن شيء سمعوه، ولكنهم أبوا إلا الفجور والكذب والبهتان.
стр. 639
براءة أم المؤمنين عائشة وبراءة مريم ﵍
إن النصارى يحاولون أن يتهموا عرض رسول الله، فقال لهم بعض السلف: إن يقل النصارى هذا فقد اتهمت من يعتقدونها إلهاً وأم إله!! فأما أمنا فلم تحمل في بطن ولا تحمل على يد، وأما الأخرى فجاءت تحمله على يدها، ومع هذا فهي بريئة، وأم المؤمنين كذلك بريئة.
ونحن عندما نكرر هذا لا نريد أن نقول شيئاً، فـ مريم ﵍ هي البريئة المطهرة، وإنما يتهمها اليهود، وأم المؤمنين برأها الله من فوق سبع سموات، وكذلك مريم فإن الله ﷻ هو الذي جبريل أمر بالنفخ، وكان ابنها آية من آيات الله، حيث خلق آدم بلا أب ولا أم، وخلق عيسى بأم بلا أب، كما خلق حواء بأب بلا أم، والله قادر على ما يشاء، فليس لأحد أن يسأله، وليس لأحد أن يقترح عليه، فهو وحده الفعال المختار، فلا يسأل عما يفعل، وقدرته صالحة لكل شيء، ولذلك نوع قدراته في خلق الإنسان، فخلق البعض -وهو الأب الأول للبشر- بلا أب ولا أم، وخلق حواء بأب بلا أم، وخلق مريم عيسى ابن مريم بأم بلا أب.
فـ عائشة بريئة، ومريم بريئة مما اتهمتا به من قبل أولئك اليهود الكفرة، وهؤلاء المنافقين الكفرة، والمغفلين البله ممن اتهموها من الصحابة من مثل حسان، ومسطح، وحمنة، فهؤلاء لم يكونوا راسخين، فنطقوا بما قاله آخرون، وهذا يعتبر قذفاً.
ومن كرر كلام الفاحشة في المحصنات من المؤمنات يجلد حد القذف، ويقال له: لماذا تقول ما لم تره وما لم تسمعه وما لم تشهد عليه؟ وقديماً قال ﷺ : (ناقل الكذب أحد الكاذبين) ومن كذب لك كذب عليك.
стр. 640
معنى قوله تعالى: (عصبة منكم)
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١].
أي: لم يكونوا يهوداً ولا نصارى، ولكن كانوا جماعة منكم، ومن هذه الجماعة عبد الله بن أبي ابن سلول الذي تولى كبره، وكان من أهل المدينة، وممن كان يدعي الإسلام وهو كاذب منافق.
وممن قال ذلك مسلمون صحابة، ولكن أخذتهم الغفلة والسذاجة والبلاهة، ونسوا مقام رسول الله ﷺ ومقام عرضه، فذهبوا يكررون ما قاله المنافقون، وكان منهم حسان وحمنة ومسطح بن أثاثة.
وقد دخل أحد التابعين الكبار على السيدة عائشة -وكان بينه وبينها حجاب- فوجد عندها حساناً، فقال: يا أم المؤمنين! أتسمحين لـ حسان أن يدخل عليك وهو الذي قذفك، وهو الذي جلد من أجلك حد القذف، وإذا بها تقول: إن حساناً كان ينافح عن رسول الله، إن حساناً كان ينصب له رسول الله ﷺ منبراً ويقول له: (اهجهم -أي: الكفار- وروح القدس معك).
إن حساناً كان فيما قال: وإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منك وقاء وقد حُدّ، وأرجو أن يكون الله قد تاب عليه، ومع ذلك ماذا تريد أن يكون أكثر من ذلك؟ أهناك عذاب أشد مما يعيش فيه -وكان قد عمي في آخر أيامه-، فقالت: ألا يكفي هذا العذاب والمحنة التي عاش فيها؟ دعوه لعل الله أن يكون قد تاب عليه.
وأما مسطح فقد كان من أهل بدر، ومع ذلك جلده رسول الله ﵊، ولم يقل عنه ما قاله عن حاطب بن أبي بلتعة عندما خان المسلمين غفلة، وكتب يتجسس عن جيش النبي ﷺ ، وحاول عمر أن يقتله، فوقف على رأس رسول الله ﵊ وسل سيفه من غمده، وقال: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق، وإذا بالنبي ﷺ يقول له: (لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اصنعوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فلم يقتله، ولم يحكم عليه بردة ولا بجاسوسية ولا بخيانة، وإنما اعتبرها غفلة وبلاهة.
وأما هذا فجلده مع كونه من أهل بدر.
وقوله: ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١] العصبة: الجماعة، ولا مفرد لها من لفظها.
﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ [النور:١١].
أي: لا تظن يا محمد أن هذا كان شراً لك، ولا تظني يا عائشة، ولا تظن يا أبا بكر، ولا تظني يا أم رومان، ولا تظنوا يا أيها المسلمون جميعاً أن هذا الذي حدث لمدة شهر كان شراً لكم بل هو خير لكم، حيث زيد فيه مقام رسول الله ﷺ ، وطهر الله عرضه، وبرأ ساحته، وطهر زوجته، وبرأ ساحتها، وطهر أبا بكر من أن تكون ابنته كذلك، وهو الذي سيكون الخليفة الأول بعد ذلك، وهكذا كان الخير شاملاً لرسول الله ﷺ ، ولأهل بيته ولأمهات المؤمنين، ولـ أبي بكر صاحبه الأول، ولـ أم رومان زوجته، كما قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦].
وقديماً قال العرب: رب ضارة نافعة! وقد يأتي الخير عن طريق الشر؛ ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١].
وهكذا كان الخير في التبرئة والتطهير الإلهي، وكان الخير في كذب أولئك وكشف عوارهم، ففضحوا على رءوس الخلائق، وجلدوا على رءوس الخلائق.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ﴾ [النور:١١].
لكل منهم حده من الجلد في الدنيا، ولعذاب الله -إن شاء الله- أشد وأنكى وأبقى، وقد يكون قد تاب على المؤمنين لغفلتهم، وقد أوصى بعد ذلك بـ مسطح كما ستأتي به الآية.
وأما المنافق ابن سلول فكان خزيه وعذابه وحده زيادة على عذاب الدنيا العذاب العظيم بالخلود في جهنم والسعير، وهو الذي تولى كبره كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١].
стр. 641
تفسير قوله تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً)
قال تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور:١٢].
يقرع ويوبخ أولئك الذين كرروا ما سمعوه عن جهل، وأعادوا ما قاله المنافقون عن سذاجة وبلادة وعدم فهم، فقال: (لولا) وهي كلمة تحريض وتحضيض على الفعل.
قوله: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور:١٢].
أي: هلا إذ سمعتم هذا البلاء يقوله المنافقون، ويقوله السذج ممن يكرر ويعيد كل ما يسمع.
وهذا تأديب لعموم المؤمنين ألا يقولوا كل ما يسمعون، فلا يقولون إلا ما تأكدوا من صحته.
وأيضاً فإن أعراض المؤمنين محرمة، وأعراضهم مصونة محفوظة، فمن حاول أن يتكلم عنها ولو بالإشاعة يعتبر قاذفاً ويحد، فهي حصانة كما تكون للقوم من كبار الناس في الدول هي كذلك لعرض كل مسلم ومسلمة، فمن تجاوزه وهتك هذه الحصانة فإنه يجلد ويهان ويذل، ويفضح على رءوس الخلائق.
﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:١٢] فهذه أمنا، وهذا نبينا، وهذا هادينا، وهذا صاحب نبينا، وهذه صاحبة نبينا وزوجه وابنة الصاحب الأول، أفيكون هذا؟ هل رأيتم بأعينكم؟ هل سمعتم الفاحشة بآذانكم؟ كلا، ولم إذاً تكررون كل ما تسمعون ولو سمعتموه من الكفرة الفجرة الكذبة؟! ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:١٢] ولم أنفسهم؟ لأن المؤمن لا يكون مؤمناً إلا إذا كانت نفس رسول الله أحب إليه من نفسه، وأعز عليه من نفسه، وأعظم عليه من نفسه، ولذلك إذا أوذيت نفس رسول الله أوذينا، وإذا هتك عرض رسول الله ﷺ هتك عرضنا، وإذا ضاع شرف رسول الله -ومعاذ الله من ذلك- ضاع شرفنا، فكيف تأتي يا مغفل وأنت مسلم صالح؟! ويا مغفلة فلانة وأنت مسلمة صالحة؟! كيف تقولين مثل هذا عن رسول الله وعن عرضه؟ ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور:١٢] الإفك: هو شر أنواع الكذب، ففيه البهت والمواجهة بالباطل وبالكذب، وفيه قلب الحقائق، يقال: فلان أفك على فلان، أي: قلب وجه الحق، وما وجه الحق هنا؟ أم المؤمنين لفضلها ولعلمها ولكونها زوجة رسول الله وحبيبته، ولكونها أم المؤمنين الثانية بعد خديجة، يجب أن يثنى عليها، وأن يشاد بها، وأن يترضى عليها، وأن يستفاد من علمها ومعرفتها وروايتها عن رسول الله ﵊، لا أن تقلب الحقائق فجأة وينتقل المدح إلى ذم، والإشادة إلى إشاعة، فهذا ما لا يقبله عقل، ولا يقبله منطق فضلاً عن دين وشريعة، وهذا بهتان مبين واضح ظاهر.
وإذا كان كذلك فقد أوجب الله الحد على من اتهم وقذف وهو لم يسمع ولم ير، ولم يأت بشهود أربعة، فكيف بأن يكون ذلك في أم المؤمنين عائشة ﵂!!
стр. 642
تفسير قوله تعالى: (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء)
قال تعالى: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور:١٣].
أي: هلا أتوا على هذا الإفك والباطل بأربعة شهداء، فإن الله ﷻ جعل نصاب شهود الزنا أربعة، فهل لكم شهود أو حتى شاهد واحد؟ لم يكن ذلك ومعاذ الله وحاشا الله أن يكون! وفي قوله: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور:١٣] هنا الله تعالى جعلها كبقية المؤمنات في أن الفاحشة تثبت بأربعة شهداء، فلم يأتوا بهم، فكيف إذاً: يقذفون سيدة جليلة مصانة هي أم لكل المؤمنين، فكيف يجوز ذلك؟ وكيف يقال هذا؟! ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور:١٣].
أي: هلا أتوا على هذا الإفك المبين الواضح الظاهر بأربعة شهداء، وهم لم يفعلوا، وليس عندهم ذلك، ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور:١٣].
فعندما لم يأتوا بالشهداء فهم الكذبة عند الله، وكذلك عند الناس، ولذلك فلهؤلاء اللعنة والخزي.
стр. 643
تفسير سورة النور [١٤ - ٢٠]
وبخ الله المؤمنين الذين خاضوا في حديث الإفك، وحذرهم من العودة إلى ذلك، وزجر المنافقين وحذر منهم، وتوعد الذين يحبون أن تشيع الفاحشة بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، ونهى المؤمنين عن اتباع خطوات الشيطان.
стр. 644
تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة)
قال الله ﷻ : ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٤].
لا نزال مع فرحة أم المؤمنين عائشة ﵂، حيث أكرمها الله بعد أسابيع قاسية شديدة من الاتهام والكلام الباطل من المغفلين والمنافقين، إلى أن برأها الله ﷻ من فوق سبع سموات، وفرض على المنافقين وعلى المغفلين بأن يحدوا الحد اللازم؛ لأنهم قالوا ما لم تر أعينهم، ولم يحضره شهودهم، فاستحقوا بذلك ثمانين جلدة: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ:٢٦].
مع فضيحتهم بذلك أمام المؤمنين، وبذلك يكون ما قالت عائشة: لقد كانت نفسي أقل علي وأحقر من أن أبرأ بوحي ينزل من السماء، وآيات تتلى في سبيلي إلى يوم البعث والنشور، وكل ما كنت أنتظر أن يرى رسول الله ﷺ رؤيا يبرئني الله فيها، ويظهر حقي وعفتي وشرفي.
فنحن لا نزال في سياق الآيات النازلة في تبرئة عرض الرسول ﷺ ، وأمنا أم المؤمنين عائشة، وقدسية النبوءة والرسالة، وما أوجب الله في ذلك من حد وعقوبة وفضيحة.
قال تعالى بعد ذلك: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٤].
أي: لولا فضل الله أنه اكتفى بأن يعاقب المؤمن المغفل منكم ثمانين جلدة، وأن يعلن ذلك بمحضر طائفة من المؤمنين؛ لولا ذلك ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٤].
قوله: (أفضتم فيه): أي: تجمعتم من أجله، وروى بعضكم عن بعض باطلاً، فروى ما لم ير، ونقل ما سمع من غير تثبت، ومن غير حقيقة، ومن غير واقع، فلولا فضل الله واكتفاؤه بالجلدات الثمانين لمسكم في هذا الحديث وهذا البهتان عذاب أليم في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا بالجلد ثمانين جلدة، وقد كان ذلك، وفي الآخرة بألا تغفر ذنوبهم، وبأن يعاقبوا بالنار والنكال، ولعذاب الله أشد وأنكى.
هذا بالنسبة للمؤمنين، فإن الله رحمهم، وتفضل عليهم، وأما بالنسبة للمنافقين فلا فضل ولا رحمة ما لم يؤمنوا بالله، ويعلنوا توحيد الله، ويزيلوا النفاق من نفوسهم، فحُدَّ من حُدَّ من المؤمنين الذين استغفلوا، ثم تاب الله عليهم، وحد عبد الله بن أبي ابن سلول فكان عذاباً في الدنيا وفضيحة، ولعذاب الله أشد وأنكى يوم القيامة، إذ لا توبة لكافر يوم القيامة.
стр. 645
تفسير قوله تعالى: (إذ تلقونه بألسنتكم)
قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥].
أي: تأتون إلى هذا الشيء العظيم من البهتان والكذب والافتراء، فتلقونه بألسنتكم، يلقي بعضكم لبعض قولاً، ويقول سمعت عن عائشة كذا، وسمعت عن صفوان كذا، وقال الناس كذا، وتحدثوا بكذا، فهذا التلقي بالألسنة دون رؤية بعين، ودون تثبت، وفي شيء عظيم.
﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [النور:١٥].
والأفواه جمع فاه، وهذا الجمع لا مفرد له من لفظه، فالمفرد هو فم، والأفواه جمع (فو)، تقول: نطق فوك، ورأيت فاك يتحدث، ونظرت إلى فيك وهو يتكلم ويتحدث، وهو من الأسماء الخمسة التي ترفع بالواو، وتنصب بالألف، وتجر بالياء.
﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [النور:١٥].
الألسنة تنطق بشيء لا علم لها بحقيقته، وهل توجد مصيبة أعظم من أن يأتي الإنسان ويسمر ويلهو بأعراض المؤمنين، فكيف بأعراض رسول الله ﷺ ، وبأعراض أمهات المؤمنين! هؤلاء الذين قالوا ما قالوا لم يزعم أحد منهم أن عينه رأت، ولم يزعم أحد منهم أنه اشتبه فيما يشك فيه، ولكن أحدهم تلقى قولاً من الآخر فتبادلوا القول والسماع، يقول: سمعت فلاناً يقول فقلت، وقال فلان فقلت؛ ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [النور:١٥].
نطقت الأفواه بشيء لا علم لكم به ولا يقين ولا ظن، إن هي إلا أوهام أشاعها المنافقون أعداء الإسلام، وأعداء رسول الله ﷺ ، فذهبتم تعيدونه وتذكرونه من غير تثبت: كيف يحل هذا؟ وكيف يجوز؟ ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ [النور:١٥].
تظنون أن القول سائغ، وأن القول لا يكاد يمس شيئاً، ولكنه عظيم جداً، فهو طعن في رسول كريم هو سيد الأنبياء وخاتمهم، وطعن في أم من أمهات المؤمنين وزوجات رسول الله ﷺ ، والنطق بمثل هذا ليس هيناً في نفسه، بل هو عظيم عظيم، وهو كذلك عظيم عند الله.
كيف يبعث الله رسولاً لا عرض له؟ وكيف يزوجه بنساء غير عفيفات ولا طاهرات؟ وكيف تقبلتم هذا وتحدثتم فيه؟ وكيف استسهلتم تبادل القول فيه؟! وهذه سياط إلهية يعظ الله بها المؤمنين الأول، كما يعظ المؤمنين الذين يأتون بعدهم بألا يتكلموا على الأعراض لمجرد السماع، أي: لكل من الناس أم وزوجة، ولكل من الناس بنت، فمن الذي يهون عليه أن يسمع الفاحشة تذكر عن أمه، فإن ذكرت فمعنى ذلك أنه لقيط لا أب له، فهذا الذي لا تريده لنفسك، فكيف يقبله المغفلون في حق السيدة البرة الطاهرة، العالمة الصالحة، الغافلة عما أريد بها؟ فهذه قوارع إلهية، وهذا توبيخ إلهي لمن قال هذا القول من هؤلاء.
وأما النصارى والمنافقون فيقال: الشيء من معدنه لا يستغرب، فإن ما يعشون فيه من كفر وشرك هو أعظم بكثير مما زعموه، ولكن البلاء عندما يصدر مثل هذا من مثل حسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، ومن مثل ومسطح بن أثاثة، وكل هؤلاء رجال صالحون أطهار.
وقد كان حسان لسان رسول الله وسيفه المدافع، وكان الأخر رجلاً صالحاً من المهاجرين الأول، وحمنة هي أخت أم المؤمنين زينب بنت جحش، فكيف يا هؤلاء الثلاثة وأنتم على صحبتكم وعلى دينكم يغركم المنافقون، ويتلاعبون بكم حتى تنطقوا بما تنطقون به؟! قوله: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ [النور:١٥] أي: شيئاً سهلاً لا يكاد يؤذي أحداً، ليتذكر كل إنسان في نفسه لو طعنت أمه في شرفها أو زوجته أو بنته كيف سيكون حاله، فكيف والشرف شرف رسول الله، والعرض عرض رسول الله، والمطعونة أم من أمهات المؤمنين، وهي أحب إلينا من أمهاتنا وجداتنا، وكل ما يتعلق برسول الله ﷺ يجب أن يكون هكذا عند كل مؤمن.
في مسند أحمد، وأخرجه البخاري ومسلم يقول ﷺ : (إن أحدكم لينطق بالكلمة لا يلقي لها بالاً، فيهوي بها في جهنم سبعين خريفاً).
أي: إن أحدكم يا أيها الناس! ينطق بالكلمة لا يفهم لها معنى، ولا يلقي لها بالاً، ولا يهتم بها، ولكنها في نفس الأمر كلمة عظيمة، فيكون جزاؤها أن يهوي الإنسان في قعر جهنم سبعين خريفاً، أي سبعين عاماً، إذ لكل سنة خريف واحد، فيبقى يهوي في قعر جهنم سبعين سنة، ويعذب فيها نتيجة هذه الكلمة.
وطالما كان سلفنا الصالح يتحدثون متداعبين بكلام المزاح فيما يجوز فيه أن تكون المداعبة والمزاح، وإذا بأحدهم ينطق بكلمة يراها الحاضرون عظيمة وكبيرة، فمثلاً: كان جماعة من طلاب العلم يتجولون بين بساتين الأندلس ورياضها -أعادها الله دار إسلام بفضله وكرمه- وأخذت السماء تلقي رذاذاً ومطراً خفيفاً، فقال لهم أحدهم: إن الدباغ يرش جلوده، وهو يريد بذلك أن يتضاحك ويمزح، وإذا بالآخرين يقفون ويعبسون وجوههم، وقالوا: أتدري ما الذي قلت؟ لقد ارتددت عن الإسلام، فأصر على أنه كان يمزح، فاحتسبوا عليه، وما أتى الليل في ذلك اليوم إلا ورأسه مفصولة عن جسده.
ومن هنا فإن الطعن في عرض رسول الله ﷺ ليس كالطعن في غيره، ومن رحمة الله أنه اكتفى بجلد هؤلاء ثمانين جلدة، وإلا فالعقوبة أصبحت بعد ذلك القتل والردة.
وقد أجمع العلماء على هذا بعد أن نبه الله المؤمنين بهذا المسلسل من هذه الآيات الكريمة، ولذلك يقول الله بعد ذلك: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور:١٧].
стр. 646
تفسير قوله تعالى: (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا)
قال تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦].
قال لهؤلاء المتكلمين القاذفين ممن جمعوا وجلدوا: أين ذهبت عقولكم؟ كان ينبغي عليكم وأنتم المؤمنون الصالحون، وفيكم المهاجرون والأنصار، وفيكم من حضر عزوة بدر، أما كان يليق بكم والأجدر بدينكم: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ [النور:١٦].
أي: لا يليق بنا ولا يجدر بنا ولا يجوز لنا أن نتكلم بهذه الفاحشة في عموم المسلمين، فكيف بأم المؤمنين!! فليس مما يليق بمؤمن ومسلم يجل نبيه، ويكرم أمهات المؤمنين أن يعيد كلاماً لم تره عينه، ولم تتأكد منه نفسه، فيذهب فيلقي الكلام على عواهنه، ويتلاعب بالأعراض الطاهرة والأعراض العفيفة البريئة.
دخلت أم أيوب زوجة أبي أيوب الأنصاري على زوجها فقالت: أسمعت يا أبا أبوب ما يقول الناس في عائشة؟ فوضع يده على فيها وأسكتها، وقال: اسكتي! ولو ذكرت لكانت من القاذفات، ولجلدت.
فسمع الكلام ولم يكرر، وقال: بمجرد ما أشارت: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦].
فكان من دينه ككل الصحابة الذين سمعوا هذا هو أنهم ظنوا خيراً.
قوله: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ﴾ [النور:١٦].
ينزه الله نفسه ويقدسها عن أن يكون له نبي ينتهك عرضه، هكذا فسر الآية أقوام، وقال البغوي: (سبحانك) هنا للتعجب، وهي تقال عادة في لغة العرب كذلك؛ يعجب الله كيف أن هؤلاء مع إيمانهم ودينهم وصلاحهم يتسلل إليهم مثل هذا القول، فيعيدونه ويسمرون عليه، ولا يتذكرون العاقبة من هذا القول فيقولون: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦].
والبهتان هو الافتراء على الله بالكذب الذي لا حقيقة له لا إشارة ولا تلويحاً ولا تصريحاً، لا من جهة عائشة، ولا من خلقها، ولا من بيتها، ولا من أمها، ولا من أبيها.
فكان الأجدر أن تجل عائشة عند هؤلاء وتحترم، وتذكر بالصالحات، لمقامها في نفسها، ولمقامها من أبيها، ولمقامها عند رسول الله ﷺ ، ولكن هؤلاء لبلاهتهم تكلموا في ذلك، ويوم يكثر هذا في الصالحين فيتكلمون بالقول ولا يلقون له بالا، ويحسبونه هيناً كما قال ربنا وهو عند الله عظيم، فإنه مفتاح شر عظيم.
стр. 647
تفسير قوله تعالى: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله)
قال تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور:١٧].
وبخ الله وقرع، وهذب وعلم، وأصدر أحكاماً بالحدود على من قال ذلك من المؤمنين والمنافقين، فحد أربعة، وهم الذين قالوا ذلك وثبت عنهم، ورددوه وسمروا فيه.
وكان كبيرهم في ذلك من قال الله عنه: ﴿والذي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١].
والذي تولى الكبر هو كبير المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول، فجلد ثمانين جلدة، وجلدت زوجة طلحة بن عبيد الله حمنة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب بنت جحش ثمانين جلدة، وجلد الشاعر حسان بن ثابت ثمانين جلدة، وجلد مسطح بن أثاثة المؤمن الصالح كذلك، وهو الذي حضر غزوة بدر، وهو المجاهد والمستشهد في سبيل الله، لكنهم قالوا ذلك غفلة وسذاجة، وقالوا ذلك ضعفاً.
ولذلك وعظ الله هؤلاء وأوجب عليهم الحد، وقد حدوا، وحد ابن أبي، لكن ابن أبي لا رحمة له ولا مغفرة، ولا تقبل توبة من كافر حتى يؤمن بالله ويوحد الله، ويؤمن برسول الله ﷺ ، وبأن الإسلام حق، وأنه لا نبي بعد محمد، ولا دين بعد الإسلام، ولا رسالة، ولا نبوءة بعد النبي صلوات الله وسلامه عليه.
قوله: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ﴾ [النور:١٧] أي: يحرم عليكم ﴿أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ [النور:١٧] أي: أن تعودوا للقذف، والخوض في أعراض أمهات المؤمنين بالدرجة الأولى، وأعراض المؤمنات الغافلات المحصنات الصالحات، ولذلك، من عاد في طعن أمهات المؤمنين -وفي الدرجة الأولى عائشة - فإنه يقتل ولا يجلد فقط، وذلك لأمور: أولاً: لأنه اتهم من برأها الله تعالى من فوق سبع سموات.
ثانياً: لأنه آذى رسول الله في عرضه.
ثالثاً: لأنه افترى على الله الكذب.
ولو رأينا منافقاً، أو مغفلاً من المسلمين أو يزعم أنه من المسلمين، ومن باب أولى إن كان منافقاً أو كافراً، فبمجرد ما يثبت عنه أنه نطق بذلك، فإنه يقتل ولا تقبل له توبة.
فالمعنى: يحذركم الله أن تعودوا لمثله في أعراض المسلمات دون تثبت وأربعة شهود.
﴿إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور:١٧] أي: هذا إن كنتم مؤمنين حقاً، أما إذا لم يكونوا مؤمنين فلا يقبلون موعظة، ولا يقبلون أمراً ولا يقبلون نهياً، وما هم فيه من شرك وكفر هو أعظم بكثير مما يتلقاه ألسنتهم وتنطق به أفواههم.
стр. 648
تفسير قوله تعالى: (ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم)
قال تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:١٨].
يبين لكم الله حلالاً وحراماً، ويوضح ويفسر الأحكام، وينزل فيها الآيات على عبده ونبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه، فلا يدعكم على جهل، ولا يأمركم بما لا يعلمكم، فقد علمكم أن القاذف لعرض محصن أو محصنة جزاؤه ثمانون جلدة، ويحضرها طائفة من المسلمين.
ومن طعن بعد ذلك وقذف أماً من أمهات المؤمنين، وعرضاً لرسول الله ﷺ بعد أن برأ الله عرض محمد، وشرف محمداً وأمهات المؤمنين، صلى الله على نبينا ورضوان الله عليهم، من عاد لهذا بعد ذلك فإنه يقتل ولو قال: أنا تائب.
ولـ ابن تيمية ﵀ كتاب عظيم في مثل هذا المعنى اسمه (الصارم المسلول على شاتم الرسول)، طبع غير مرة، وهو يتجاوز سبعمائة صفحة، يقول على من مس رسول الله ﷺ وآذاه في عرضه أو في رسالته، أو في شخصه، بكل نوع من أنواع الإيذاء: يقتل ولو قال: أنا تائب.
واستشهد على ذلك بالعديد من النصوص الواقعية في الحياة النبوية، وحياة الخلفاء الراشدين، وبالأدلة المتضافرة المتواترة المتكاثرة: في أن من نال رسول الله ﷺ بأي نوع من أنواع الإيذاء، أو قل الأدب مع مقامه الكريم، فإنه يقتل ردة ولو قال: أنا تائب.
وقوله: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور:١٧].
أي: فإن لم يكونوا كذلك فسيعاملون معاملة الكافر، ومعاملة الكافر أن تقام عليه الحدود في الدنيا، فإن أصر على الكفر فعذاب الله أشد وأنكى.
قال تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:١٨].
أي: يبين الحلال من الحرام، ويوضح الأوامر والنواهي، ويوضح الأحكام في ما يجب أن تقوموا به، وما يجب أن تتركوه.
((وَاللَّهُ عَلِيمٌ)) بالصادق في دينه، الصادق في حاله، وبالكاذب المنافق المتظاهر بالإسلام وهو كاذب.
((حكيم)) فيما أمر به ونهى عنه، حكيم في حدوده التي أمر ألا يتجاوزها مسلم، ومن فعل فعليه من الله العقوبة قتلاً أو صلباً أو تقطيعاً أو جلداً أو نفياً من الأرض، كل حسب جرمه وذنبه، وهو أيضاً حكيم بعباده فيما يصلحهم في دنياهم وأخراهم.
стр. 649
تفسير قوله تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩].
كان الكلام الأول مع القذفة جهلاً عن بلادة، وهذه تخص المنافقين، وتخص من لا يهمه دينه، فأشبه المنافقين والكافرين، فهؤلاء موقفهم أعظم من القاذف بلادة وغفله؛ لأن هؤلاء يقذفون ويحبون أن تشيع الفاحشة في المؤمنين.
فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور:١٩] أي: إن الأشخاص الذين يشيعون الفاحشة فيتهمون فلاناً في دينه، وفلانة في شرفها، ويتهمون فلاناً في صدق بنوته لأبيه، وفي صدق أبوته لأولاده، ثم هم يحبون أن يشيع ذلك، وأن يعلنوه على الملا، ظناً منهم أنهم بذلك يذلونه ويحقرونه، فهم يحبون هذا، ولا يفعلونه غفلة، ولا سذاجة، ولا بلادة، بل حقداً على المسلمين، ونشراً للفواحش بين المسلمين، وتشهيراً بهم وبإيمانهم وإسلامهم، ولا يفعل هذا مسلم، فإن فعله فيكون أقرب إلى الكافرين منه إلى المؤمنين، ويدخل تحت عموم قول النبي ﵊: (إن أحدكم لينطق بالكلمة لا يلقي لها بالاً، فيهوي بها في نار جهنم سبعين خريفاً).
وقوله: ﴿أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [النور:١٩] الإشاعة: الإذاعة، أي: يحب إشاعة الكلمة، يقولها في المجلس، ويقولها في السمر، ويقولها في السفر، ويقولها في الحضر، كما فعل ابن أبي المنافق؛ إشاعة للفساد، وإشاعة لانتهاك الأعراض، وأذية لرسول الله ﷺ ، وللمقدسات والمكرمات والعفيفات من أمهاتنا أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن، وإشاعة للفواحش في المسلمات المؤمنات الغافلات المحصنات، فمن يكون هذا عمله وهذا حبه ورغبته فإن الله ينذرهم ويهددهم ويتوعدهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:١٩].
العذاب الأليم بالضرب الغير الكاسر لعظم، ولا الشاق للحم، ولكنه مع الذل والمهانة، بأن يحضر عذابهم وضربهم ومذلتهم طائفة من المؤمنين، وبأن يكون ذلك عقب صلاة الجمعة، والناس تخرج من بيت الله؛ تأديباً لهذا، ووعظاً له.
وإن كان الأدب لا يفضي إلى الموت فذاك زجر له لكي لا يعود، وزجر للآخرين الذين قد تحدثهم أنفسهم بأن يفعلوا مثل فعله، فإن كان كافراً فهو سيقتل، فيكون زجراً لأمثاله، وعقوبة لأمثاله، ويفضي هو إلى ربه إن شاء غفر وإن شاء عذب.
وإن كان من المعلوم في الفقه الإسلام وعند المذاهب أن الحدود كفارات، فمن أقيم عليه حد من الحدود يكون كفارة لعمله إن مات وهو غير مصر عليه، ومات وهو على التوحيد والإيمان.
قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور:١٩].
وعذاب الله في الآخرة يكون بالنسبة للمنافق وللكافر، والعذاب هو الخلود في النار على كفره ونفاقه وعدم إيمانه.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩] الله يعلم الصادق منكم من الكاذب، ويعلم المؤمن من الكافر، ويعلم من قال كلمة عن غلط وعدم فهم، ومن قالها عن رغبة وحب لإشاعة الفاحشة بين المؤمنين؛ إذلالاً للمؤمنين وللإسلام الذي تمسك به هؤلاء.
ومما يجري في عصرنا أن يشتم الصالحون شتماً للإسلام، وأن يذم العلماء ذماً للإسلام، وأن يذم العابدون والزاهدون والصالحون ذماً للإسلام وطعناً في الإسلام، ومن يفعل ذلك يوشك أن يرتد وأن يخرج عن الإسلام؛ لأنه بذلك لم يطعن في شخص بعينه، وإنما طعن فيه لأنه رمز من رموز الإسلام، ومظهر من مظاهر الإسلام، ومن فعل ذلك يوشك أن يعذب في الدنيا بإقامة الحد، وفي الآخرة بعذاب الله الخالد في النار.
стр. 650
تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم)
قال تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٠].
جواب الشرط مفهوم من الكلام، أي: لولا فضل الله عليكم أيها المؤمنون ورحمته بكم، لما اكتفى بالحد، ولما ما قبل منكم توبة، ولما غفر لكم ذنباً، ولكن بما أنكم أذنبتم، وبما أنكم أسأتم مع الصلاح في الداخل وسلامة العقيدة والتوحيد رحمكم الله، فاكتفى منكم بثمانين جلدة، وقبل منكم توبتكم.
(والله رءوف) بعبادة، مشفق بهم، يغفر الذنب ويقيل العثرة، فهو رحيم بضعاف عباده الذين يذنبون عن جهل، أو عن عمد قد ضاع فيه عقلهم، فعادوا وتابوا وأنابوا، واستغفروا ربهم، والله تواب لمن تاب، وباب رحمته مفتوح باستمرار، فيمد الله يده بالليل لتائب الليل، وفي النار لتائب النهار: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠].
والله ﷻ يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب وأناب، والإسلام يجب ما قبله و: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له).
فمهما عظم الذنب، فالله الكريم العظيم، الرحيم الرءوف، رءوف بعباده، وبمن تاب منهم حتى ولو بعد كفر.
стр. 651
تفسير سورة النور] ٢١ - ٢٣ [
بعد أن ذكر الله حادثة الإفك، وبرأ عرض رسول الله وزوجه، نهى أبا بكر ﵁ عن أن يمتنع من الإنفاق على مسطح الذي خاض في الإفك، وبين الله أن عدم الامتناع سبب للمغفرة والرحمة.
стр. 652
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان)
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٢١].
هذه هي العبرة والنتيجة، وهذا هو الدرس الذي يستفاد من قصة الإفك، وهو أن كل ذلك كان نتيجة اتباع الشيطان وتهاويل الشيطان، ولذلك أمر الله المؤمنين جميعاً ألا يتبعوه.
ومنذ أن قام ﷺ في هذه البطاح المقدسة وهو يدعو الناس جميعاً ويقول لهم: إني رسول الله إليكم جميعاً، ومنذ كانت قصة الإفك، وما نزل فيها من توبيخ وتقريع وتأديب، فكان رمزها وكان نتيجتها أن الإنسان لا يتخذ الشيطان صديقاً ولا حبيباً، فهو عدو لنا، فيجب أن نتخذه عدواً.
يقول الله ﷻ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور:٢١].
كان الخطاب لمن أدب وعوقب نتيجة قذفه ونتيجة استسهاله للعرض الذي قذفه وقال عنه الباطل، فأمر هؤلاء وقد تاب عليهم، ونبه المؤمنين جميعاً من مضى ومن يأتي بعد ذلك فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١].
الخطوات جمع خطوة، والخطوة السبيل والطريق، أي: لا تتبعوا الشيطان في معاصيه، وفي وساوسه فيما ينزغ به بينكم وبين ربكم، ومع كتابكم، وبين المؤمنين عامة.
يا أيها الذين آمنوا بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن كتاباً، إياكم والشيطان، فلا تتبعوه، ولا تتخذوه إماما، فإن إمامكم القرآن ودينكم الإسلام، ولا يليق بمسلم أن يتخذ الشيطان ولياً وإماماً ومتبوعاً وقائداً.
والخطوة تعني: أن تذهب معه خطوة بخطوة، هو يسبقك فتتبع خطواته، أي تتبع سيرته وعمله، كمن يتبع خطوات من سبقه خطوة خطوة، وقدماً قدماً، وطريقاً طريقاً.
والمعنى: لا تتخذوا الشيطان إماماً فسيقودكم إلى النار وإلى الكفر والنفاق، وإلى الذل والمهانة، فهو الذي أخرج أبويكم من الجنة، فاتخذوه عدواً، ولا تتخذوه مولىً، فلو فعلتم لأخرجكم عن دينكم، ولأذلكم في الدنيا والآخرة.
ولا تتبعوا طريقه وسننه وأخلاقه ودينه، ودين الشيطان كل أنواع الفواحش والمعاصي والمخالفات لله، والمخالفة لرسول الله، والمخالفة لكتاب الله، واكتساب الحرام، وترك الطاعات بكل أنواعها.
وهكذا فاتباع خطوات الشيطان لا تقود إلا للعنة وللردة وللكفر.
قوله: ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١].
الذي يفعل ذلك ويتبع خطوات الشيطان ويجعله قدوته، ويجعله القائد له في مسيرته، فإن الشيطان لا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر، فيأمر بالزنا وتوابعه، ويأمر بكل ما لا يحبه الله، وبكل ما نهى الله عنه ورسوله، وبكل ما حرمه الإسلام، تلك طريقته، وذاك دينه، وتلك خطواته، وكيف يليق بالمؤمن اتباعه والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور:٢١].
فالمؤمن المفروض فيه أن يكون تابعاً ومؤتسياً برسول الله ﷺ ، وأن يكون مؤمناً بربه، تابعاً لكتابه، ممتثلاً لأمره، تاركاً لما نهى عنه، فأنتم عندما تتبعون خطوات الشيطان فالشيطان لا يأمر بمعروف قط، بل يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف، ويأمر بالفواحش على كل أشكالها، وأي مؤمن لا يرضى ذلك ولا يقبله.
وكيف يليق ذلك بكم وهاأنتم هؤلاء عندما اتبعتم نزغات الشيطان، ووساوس الشيطان، قمتم وأنتم مؤمنون صالحون مجاهدون فقذفتم أم المؤمنين، وارتكبتم ما كانت نتيجته ذُلكم وجلدكم ومهانتكم، ولولا الرحمة والفضل من الله فقد قبل توبتكم، واكتفى بجلدكم، واكتفى بهذا الحد، ولولا ذلك لنكل الله بكم في الدنيا والآخرة، ولما قبل توبة، ولما اكتفى بالجلدات فقط، لذلك فهو لم يكتف من المنافقين بذلك، فقد جلدوا في الدنيا وحدوا، ولعذاب الآخرة أنكى وأشد.
قال تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور:٢١].
لولا الرحمة الإلهية، ولولا الفضل والجود والكرم الإلهي، ﴿مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور:٢١] أي: ما آمن ولا أسلم، والمعنى: أن الذين لم يخوضوا في الإفك، ولم يخوضوا في الباطل، ولم يكرروا ما قاله المنافقون في قذف أم المؤمنين، وقذف عرض رسول الله ﷺ ، فإن الله هو الذي طهرهم من ذلك، وزكاهم بذلك، وأكرمهم بذلك ولولا فضل الله في ذلك لم يزكوا ولم يتطهر منهم أحد أبداً، ولكن فضل الله كبير.
قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٢١] أي: ولكن الله يزكي من يشاء فضلاً منه ورحمة وكرماً، وقد زكّى الكثيرين، وطهر الكثيرين، فلم يدخلوا في هذه الوساخة، وهذه القذارة، وهذا القذف للأعراض الطاهرة الشريفة، فكانوا بذلك مطهرين، وكانوا بذلك صالحين قد زكاهم الله فطهرهم، وحفظ ألسنتهم، من قول السوء، ومن تكرار ما قاله المغفلون والمنافقون.
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ [النور:٢١] سميع لأقوالكم، ناظر لأعمالكم، حكيم في أوامره ونواهيه، يسمع منكم ما تقولون، (عليم) يعلم الصادق منكم من الكاذب، عليم بأحوالكم، عليم بالمؤمن الصادق، وبالمؤمن المذبذب الضعيف، عليم بالمؤمن المخلص كما هو عليم بالمنافق، فلا تظنوا يوماً ولا لحظة ولا ساعة أنكم يمكن أن تعملوا عملاً لا يعلمه الله.
стр. 653
تفسير قوله تعالى: (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة)
قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢].
هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضوان الله عليه، والعشر الآيات السابقة نزلت في ابنته أم المؤمنين عائشة.
وذلك أنه كان لـ أبي بكر ابن خالة اسمه مسطح بن أثاثة، وكان مسطح من المهاجرين الأول، وممن شارك في معركة بدر، والمشاركون في معركة بدر لهم فضل كبير، قال رسول الله ﷺ : (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اصنعوا ما شئتم).
وكان مسطح قد تكلم في هذا القذف، وجلد مع من جلد، والذين جلدوا أربعة: ثلاثة رجال وامرأة، هم مسطح وحسان بن ثابت، وعبد الله بن أبي ابن سلول، وحمنة بن جحش.
وكان مسطح فقيراً، وكان الذي ينفق عليه أبو بكر، فلما خاض في حديث الإفك وبلغ ذلك أبا بكر أقسم بالله ألا ينفعه، وأن يوقف النفقة عليه، ولكن الله ﷻ أكرم من عباده، وأرحم بعباده منهم بأنفسهم، والله ﷻ جعل لكل شيء حداً، والعقوبة لها حد لا ينبغي تجاوزه.
والله رأى في الجلد كفاية، لكن أبا بكر بقي معاقباً له وهو فقير مدقع، فاجتمع على مسطح الفقر والبؤس مع الجلد والمهانة، وأصبح لا يجد قوت يومه، ونفر منه الناس كما نفروا ممن قذفوا أم المؤمنين، وعندما رأوا أبا بكر قد نفر منه، وفعل ما فعل، قالوا: هذا لا خير فيه، فقد غدر بفضل أبي بكر عليه، وغدر برسول الله في عرضه، ولم يعرف لقيمة الإحسان والإفضال فائدة، وإذا بالله الكريم ينهى أبا بكر رحمة منه وفضلاً، فقال: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى﴾ [النور:٢٢].
وأولو الفضل: هم أصحاب الفضل والإحسان.
(لا يأتل): من الإيلاء، وهو اليمين والحلف، أي: لا يقسم أحدكم ممن تفضل بالإحسان وبالصدقة وبالعطاء ممن أوسع الله عليهم وكانوا ذوي غنىً وذوي سعة في الحياة، لا يأتل ولا يحلف على ألا يفعل خيراً، وألا ينفق على المحاويج وعلى الأقارب، ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ [النور:٢٢].
قوله: ﴿وَالسَّعَةِ﴾ [النور:٢٢] أي: ممن وسع الله عليهم، وإذا أوسع الله فأوسعوا.
﴿أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى﴾ [النور:٢٢] أن يعطوهم من إفضالهم وسعتهم وخيرهم، ومما رزقهم الله به ووسع عليهم، وكان مسطح من ذوي القربى له، فقد كان ابن خالة له، ولذا قال: ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ [النور:٢٢]، وكان مسطح مسكيناً.
﴿وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور:٢٢]، وكان مسطح مهاجراً في سبيل الله، بمعنى أنه لم يهاجر لمال، ولا لجاه، ولا ليخدمه أو ينفق عليه قريبه وابن خالته أبو بكر، ولكنه هاجر في سيبل الله، فترك الأهل في مكة، وترك المال، وترك السعة، وجاء للمدينة بنفسه، مهاجراً لله ولرسوله، فاراً بدينه ممن اضطهده من كفار مكة، فقال الله لـ أبي بكر: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا﴾ [النور:٢٢].
فهم قد أذنبوا حقيقة، ولكن أين مزية العفو؟ ﴿وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور:٢٢] أي: ليصفحوا عنهم ويتجاوزوا عن سيئاتهم.
﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢] كان يتحدث بضمير الغيبة، وإذا بالكريم عندما أراد أن يتفضل على أبي بكر بالمغفرة أصبح الخطاب خطاب مواجهة: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢].
وإذا بـ أبي بكر يتلو عليه رسول الله ﷺ الآيات ساعة نزولها عليه، فكان جوابه: بلى يا رب! أحب أن تغفر لي، ومن اليوم وإلى لقاء الله سأنفق على مسطح، وسأعود عليه بإحساني ونفقتي، والله إني أحب أن تغفر لي.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢]، فالله يغفر الذنوب جميعاً، ويغفر الشرك والكفر، فالإسلام يجب ما قبله، ألا تغفرون أنتم كلمة قد قيلت كانت في الأصل فساداً وكانت نتيجتها إفضالاً كبيراً، فقد كانت إشادة بآل أبي بكر وبيت أبي بكر وبنت أبي بكر، إلا يكفي أبو بكر ما نزل في حق ابنته من تبرئة ومن تطهير وتزكية أصبحت وحياً يتلى إلى يوم القيامة، وفيم إذاً إيقاف النفقة وإيقاف الإحسان؟! سئلت السيدة عائشة: ماذا كان خلق رسول الله؟ قالت: القرآن.
فالله غفور فكان محمد غفوراً، والله رحيم فكان نبينا رحيماً، فكان يرحم أعداءه، ويعفو عن أعدائه، وحسان مع ما صدر عنه كان ينصب له رسول الله منبراً في المسجد، ويقول له: اهج الكفار فداك أبي وأمي.
وكان يقول له: (اهجهم وروح القدس معك) أي: جبريل، وكان يقول: (والله لكلامك أشد عليهم من وقع النبال) مع كون حسان صنع ما صنع، وكان جباناً لا يستطيع القتال، فقد كانت المعركة شديدة في غزوة الخندق، فكان حسان مع الضعاف من الشيوخ والأطفال والنساء فوق حصن، وإذا بيهودي أخذ يحيط بالحصن عله يجد غرة فيدخل الحصن، ويأسر ويقتل ويسرق، وإذا بـ صفية عمة النبي ﷺ تراه فقالت: يا حسان! هذا يهودي يطوف بالحصن وما أراه إلا يريد أن يجد غرة، أو يجد منفذاً ليدخل، قم على السطح وارمه بهذه الصخرة، فقال لها: لو كنت أصلح لذلك لما بقيت معكم! وإذا بها تقف على السطح وتأخذ الصخرة وترميها على اليهودي، فقتل، فقالت له: يا حسان اذهب فخذ سلبه، فالنبي يقول (من قتل قتيلاً فله سلبه).
قال لها: أتعلمين حالي، أنا لا أستطيع أن أمد يدي إليه وهو ميت، قالت: أنا لم أتركه إلا لأني امرأة وهو رجل، قال: لا أريد سلبه! لكن مع ذلك كان لسانه ﵁ وعفا عنه- كما قال ﷺ عنه: (أشد عليهم من النبال)، وله ديوان شعر مطبوع منتشر كله من غرر الشعر وفصيحه وبليغه.
هذه الآية الكريمة تزيدنا طمعاً في الله وطمعاً في رحمته وفي مغفرته، وتدل على العناية الإلهية بعباده الموحدين المؤمنين، فإنه مع شدته ومع قوارعه لهؤلاء الذين قذفوا وقالوا ما قالوا، عاد فرحمهم، ودعا عباده لرحمتهم، وبقي قابلاً ومعترفاً لـ مسطح بجهاده وسماه مجاهداً في سبيل الله، وحض أبا بكر على الإحسان إليه، وعلى العفو عنه، وعلى الصفح عن ذنوبه، وهكذا ينبغي، فهذا أدب لنا، ونحن كثيراً ما نقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
فكان سبب نزول الآية أبا بكر، أما بعد ذلك فهي خطاب لكل المسلمين، وكثيراً ما يسيء إلينا أقارب وأباعد، وبعضهم يبالغ في الأذية، ولكن مهما تكن الأذية فليس هناك أبلغ من أذية مسطح لـ أبي بكر، وطعنه في شرف ابنته وعرضها، فينبغي الاقتداء بـ أبي بكر في العفو والصفح.
وقد كان غفرانه وصفحه عن مسطح سبب مغفرة الله له، ووعد الله بالمغفرة، ومن أوفى بعهده من الله، فبهذه الآية وصريحها أن الله قد وعد أبا بكر بالمغفرة.
والرسول قد بشر أبا بكر بالجنة، وهو في طليعة العشرة المبشرين بالجنة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، ومعنى ذلك أن الله يدعو كل المؤمنين ممن قطعوا رفداً، أو أوقفوا إحساناً، أو ظلوا على حقد وعداوة لشخص ما، في أي ذنب ما، أنه إذا أدب وإذا عذب، وإذا لقي جزاءه من السماء أو الأرض، أن يعفى عنه.
فلنكن أيضاً غفورين رحيمين بأعدائنا، ولكن لكل شيء حد، فإذا تجاوز في الأمر خرج عن معناه، فالمغفرة للتائبين، والرحمة للنادمين، والصفح عن المسلمين، وأما أن تأتي إلى كافر أو منافق استذلك، وأخذ بلدك وقتلك، وهتك عرضك، وحرص على أن يأخذ بلادك، فتأتي أنت وتقف على قبره وتحني رأسك، وتقبل خده، وتقبل يده، وترفع رايته في بلدك، وتجري حول الاستسلام له، وتقول: هذا صفح، فإننا نقول: حاش الله، ليس بذاك، ولا صله له بهذا البتة.
ولكن الصفح عن المؤمنين، والعفو عن التائبين، وعن النادمين كما حصل من أبي بكر الصديق ﵁ لـ مسطح.
وأيضاً هذا قد علم من القرآن والسنة، يقول ﷺ : (من حلف يميناً ورأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير).
أي: من أقسم على خير ألا يفعله، أو على قطع رحم، فهذه اليمين في الأصل لا تجوز، فهذا يجب عليه أن يحنث في يمينه، ويكفر عنها بصيام ثلاثة أيام أو إطعام عشرة مساكين، ويأتي الذي هو خير، فيأتي صلة رحمه، وينفق على من أقسم ألا يحسن إليه.
فـ أبو بكر كان قد أقسم، والله تعالى أمره أن يعود عن يمينه، وأن يعود عن قسمه، وأن يغفر لـ مسطح، وأن يصفح عن مسطح ويعود للإنفاق عليه، فحنث أبو بكر في يمينه وكفر عنها، وأتى الذي هو خير بأمر الله، بل وبتحريض الله له، وتشجيعه له ووعده بالمغفرة: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّع
стр. 654
تفسير قوله تعالى: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣].
كانت هذه أيضاً مغزى القصة ونتيجتها، فالله عمم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ [النور:٢٣] أي: يقذفون، وجعل القذف بالفاحشة كالقذف بالرصاص والنبال؛ فعبر بالرماية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور:٢٣]، وهن العفيفات الطاهرات المتزوجات المسلمات.
﴿الْغَافِلاتِ﴾ [النور:٢٣] أي: غافلات عن ذلك لا يخطر لهن ببال، فتجدها من العفة بالمقام الأعلى، ومن الطهارة في الذروة العليا، فلا يخطر لها ببال يوماً أن تفعل هذا أو تتكلم فيه، وإذا بها فجأة تتهم، كما اتهمت السيدة عائشة ﵂ ولم يكن هذا يخطر لها ببال، ولم تفكر فيه، وهي بعيدة عنه، ونبي الله أكرم من أن يكون هذا في زوجته، وفي عرضه، وفي أم من أمهات المؤمنين.
وقد جعله الله قاعدة عامة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور:٢٣].
стр. 655
تفسير سورة النور [٢٣ - ٢٦]
بين الله تعالى في هذه الآيات أن الذين يرمون المؤمنات المحصنات الغافلات ملعونون في الدنيا والآخرة، وأن لهم عذاباً عظيماً.
ثم بين أن النساء الخبيثات إنما يكن للرجال الخبثاء فقط، ولا يكن للرجال الطيبين المطيبين وعلى رأسهم رسول الله ﷺ ، وأن النساء الطيبات هن للرجال الطيبين المطيبين.
стр. 656
تفسير قوله تعالى: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات)
قال الله جلت قدرته: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣].
هنا آيتان: آية لمن قذف المحصنات من المؤمنات عموماً، وقد مضت، وهذه الآية لمن يرمي المؤمنات المحصنات الغافلات من أمهات المؤمنين ﵅.
فالآية الخاصة برمي المؤمنات أمهات المؤمنين هي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ﴾ [النور:٢٣].
أي: الذين يفذفونهن بالفاحشة ويتهمونهن، كما فعلت فئة من مغفلي القوم ومن المنافقين الذين تظاهروا بالإسلام، وكان ذلك لأول مرة، فاكتفي بجلدهم وإقامة الحد عليهم، وكشفهم أمام الملأ، وضربهم بمحضر جماعة من المسلمين.
وأنذر الله من يفعل مثل ذلك مرة أخرى بالقتل؛ وذلك لأنه يقذف عرض سيد البشر ﷺ ، وأعراض أمهات المؤمنين، فلهن من القداسة والحرمة ما للأم زيادة على كونها زوجة لرسول الله ﷺ .
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ﴾ [النور:٢٣]، والمحصنات: هن العفيفات الطاهرات البريئات الغافلات عن معنى الفاحشة، فذلك لم يخطر لهن على بال يوماً من الأيام ولا ساعة من الساعات، فهؤلاء المؤمنات الصالحات القانتات من يقذفهن يلعنه الله في الدنيا والآخرة، يلعن في الدنيا بإقامة الحد عليه قتلاً، وقد كان الجلد أولاً، وأما بعد الفعلة الأولى فقاذف أم المؤمنين عائشة وبقية أمهات المؤمنين عذابه في الدنيا القتل، وله في الآخرة عذاب عظيم.
فإن قيل: كيف فهم ذلك؟ وكيف أدركنا ذلك؟ ف
الجواب
أن المفسرين ﵏ وجدوا في ذلك آيتين: آية ذكرت فيها التوبة بعد إقامة الحد مع عقوبة الفسق، وعقوبة إلغاء الشهادة البتة، وآية ذكر فيها العقوبة في الدنيا والآخرة، ولم تذكر فيها توبة.
فالتي ذكرت فيها التوبة هي: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٤ - ٥].
فمن قذف المؤمنات الغافلات المحصنات من غير أمهات المؤمنين فله عقوبات ثلاث: يجلد ثمانين جلدة، وتلغى شهادته، ويفسق، ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور:٤].
ولكنه بعد إقامة الحد، وإلغاء شهادته، وإعلان فسقه، إذا تاب وأناب وأصلح بأن لم يعد إلى قذف المؤمنات، تاب الله عليه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٥].
وأما الآية الثانية فلم تذكر فيها توبة، بل ذكرت بعد الوعيد والتهديد، وبعد أن أمر الله ألا يعود الناس لمثل هذا أبداً، وبعد أن استفظع الله ذلك واستعظمه، وقال للمؤمنين: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥].
قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣]، فلم يذكر توبة لهم، ثم عاد فقال ﷻ : ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ﴾ [النور:٢٤].
وهكذا دفعوا دفعاً لعذاب الآخرة، وحسابهم على قذفهم لأمهات المؤمنين الحساب العسير: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:٢٤]، ولا يكون ذلك إلا يوم القيامة؛ يوم العرض على الله، فلم تذكر في هذه الآية توبة.
فهؤلاء يحاسبون وهم ناكسو الرءوس، وفي غاية الشدة والبلاء، ويُسألون: ألم تفعلوا كذا وكذا؟ فيحاولون أن يجحدوا ويكذبوا وإذا بالله الكريم يخرس ألسنتهم أولاً، فتشهد عليهم أيديهم وأرجلهم، فينطق الله -الذي أنطق اللسان في الدنيا- جوارح الإنسان في الآخرة، من يد ورجل وجلد، فتشهد اليدان عليه بأنه صنع كذا وكذا، وتشهد الرجلان عليه، يشهدن عليه بما قدم، ويشهدن عليه بأنه كذب وقذف، وأنه ارتكب وأساء، وعند ذلك ينطق اللسان ويقول للأيدي والأرجل: كيف تشهدن علي وأنا ما كنت أناضل إلا عنكن؛ لكيلا تدخلوا النار ولا تعذبوا؟! فيقلن: ﴿أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢١].
وهكذا يضطر بعد ذلك أن يشهد عليه لسانه كما شهدت يداه ورجلاه عليه، وكما يشهد الرقباء عن اليمين والشمال من ملائكة الله المكلفين بتسجيل الخير وتسجيل الشر.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ [النور:٢٤] وهي جمع لسان، ﴿وَأَيْدِيهِمْ﴾ [النور:٢٤] جمع يد، ﴿وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور:٢٤] جمع رجل ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:٢٤] في دار الدنيا من سوء وإجرام وقذف للمحصنات العفيفات الغافلات عن السوء والفحشاء، المؤمنات بالله ورسوله من أمهات المؤمنين ﵅.
стр. 657
تفسير قوله تعالى: (يومئذٍ يوفيهم الله دينهم الحق)
قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور:٢٥].
يومئذ: أي: يوم حسابهم، يوم شهادة ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم عليهم.
﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ﴾ [النور:٢٥] أي: يحاسبهم بالوفاء والتمام والكمال، فإن كانت حسنة حفظها لهم، وإن كانت سيئة حفظها لهم وقد يغفرها.
لكن هؤلاء الذين يقذفون أمهات المؤمنين ويؤذون رسول الله في عرضه وفي كرامته وشرفه، لا مغفرة لهم، بل يعذبون.
قوله: ﴿دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور:٢٥].
حسابهم، فالدين هنا: الحساب، أي: حسابهم الحق الذي لا ظلم فيه ولا جور، إن كان لهم خير حُسِبَ لهم، وإن كان لهم شر حسب لهم، ويغفر الله ما دون الشرك.
وفي هذه الآية يتوعد الله من يقذف أمهات المؤمنين بعد أن صدر عنهم ما صدر، فقد استعظم الله ذلك جداً واستفظعه، وقال عنه: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥].
فقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحق﴾ [النور:٢٥] أي: حسابهم الذي لا باطل فيها ولا ظلم ولا جور، يحاسبهم بما قدموا بالوفاء والكمال والتمام حساباً حقاً، لا ريب فيه ولا ميل ولا شك ولا زيف.
قوله: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور:٢٥] أي: يعلم هؤلاء المتشككون من المنافقين، وقد فسر البعض هذه الآية أنها خاصة بالقذفة المنافقين وحدهم، وإلا فالتوبة بابها مفتوح عموماً، حتى الكافر إذا تاب ثم أصلح بعد ذلك تاب الله عليه، فقالوا: هذه الآية في المنافقين الذين ماتوا على ذلك، وقذفوا عرض رسول الله ﷺ ، كـ عبد الله بن أبي بن سلول ومن آزره وقال بقوله، فهؤلاء يعلمون أن الله هو الحق، ولا يأتي ولا ينطق إلا بالحق، وما كانت شريعته إلا حقاً، وما كان رسوله إلى الناس إلا حقاً أتى بالحق ونطق به، جل ربنا وصلى على نبينا.
стр. 658
تفسير قوله تعالى: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات)
قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور:٢٦].
لا يزال الله ﷻ يقرّع أولئك ويوبخهم، ويحذرهم نفسه وينذرهم؛ حتى لا يعود إنسان لمثل ذلك، فكان هذا أمراً ووحياً نزل على نبينا ﷺ لمن عاصر حادثة الإفك، وبقي حكماً مستمراً إلى يوم القيامة لمن يجيء بعد حادثة الإفك ويأفك ويكذب ويزور ويقول ما لم يكن له حق، مما لم تره له عين بل ولم يعاصره البتة.
يقول ﷻ : ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور:٢٦] أي: النساء الخبيثات والنساء الفاحشات الزواني لا يكن زوجات إلا لأمثالهن من الخبيثين من الرجال، وهذه السيدة الجليلة زوجة لسيد الخلق والبشر، وزوجة للطيب المطيب صلى الله عليه وعلى آله، فكيف تظنون في الزوجات الخبيثات أن يتزوجهن الطيب المطيب المبرأ المعصوم سيد الخلق والبشر، وإمام الأنبياء والمرسلين ﷺ ؟! هذا ما لا يقبله منطق، ولم ينزل به وحي، ولم يجعل الله للطيبين من الرسل والأنبياء إلا الطيبات القانتات الصالحات المحصنات العفيفات الطاهرات، فقال ﷻ : ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور:٢٦].
فلا يليق بالطيب المطيب والطاهر المطهر ﷺ ، أن تكون له زوجة خبيثة، يصدر عنها ما قاله هؤلاء الأفاكون الكذابون عندما قالوا ما قالوا وهم لا يلقون بالاً لما قالوه.
والنبي ﷺ يقول: (إن أحدكم لينطق بالكلمة لا يلقي لها بالاً، فيهوي بها في نار جهنم سبعين خريفاً)، يقول هذا للمؤمنين؛ ليحفظوا ألسنتهم من السوء من إيذاء أعراض المسلمين عموماً، فكيف بعرض سيد البشر ﷺ ! قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور:٢٦]، ولا يليق بالخبيثة من النساء إلا خبيث مثلها، وإن لم يكن خبثاً في الأصل لكنه إذا رأى الخبث وسكت عنه يصبح خبيثاً، فهو إذا كان مؤهلاً للخبث قبل ذلك -وهي الدياثة التي عبر بها ﷺ من يرى السوء في أهله ويسكت عنه- لا يطلق ولا يؤدب ولا يلاعن، هذه هي الدياثة التي لا تقبلها رجولة، فكيف برجولة مؤمن صادق؟ قال تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦].
فسيد الرسل هو الطيب المطيب، وهذه حقيقة مسلمة ومفروغ منها عند كل مؤمن ومسلم، والكلام هنا للمسلمين الذين قالوا ما لم تر أعينهم، فكيف يتصور أن يكون للطيب غير طيبة؟ وما دام قد ثبت أنه النبي المعصوم، وأنه الطيب الطاهر صلوات الله وسلامه عليه، إذاً: فكل نسائه طيبات وطاهرات، وكلهن عفيفات صالحات قانتات، وعلى ذلك فمجرد كون السيدة أماً للمؤمنين وزوجةً لرسول الله ﷺ ، كان ينبغي ألا يخطر هذا ببال مسلم، فضلاً عن أن ينطق به.
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور:٢٦].
أي: أولئك المطيبون من الأنبياء والرسل، وأولئك المطيبون من الصحابة من الرعيل الأول ومن الصالحين المؤمنين، هم مبرءون مما يقول السفهاء والمنافقون والبله المغفلون.
وقد برأ ﷻ عرض النبي ﷺ ، وبرأ السيدة عائشة أم المؤمنين مما قذفها به المنافقون والبله المغفلون، فقال: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور:٢٦].
فبرأهم الله في سلسلة منسقة من الآيات آخرها هذه الآية: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور:٢٦].
فهؤلاء الطيبون الطاهرون غفر الله ذنوبهم، وحتى الخواطر التي خطرت في أنفسهم غفرها لهم، وعوض ذلك رزقاً كريماً، وهو الرزق الخالد في الجنة.
ومعنى ذلك: أن الله بشر السيدة عائشة في الدنيا قبل الآخرة بأنها طيبة مطيبة، وأنها زوجة الطيب المطيب، وهي مغفور ذنوبها والخواطر التي تخطر بنفسها، وأن الله عوضها بهذا الذي قذفت به رزقاً كريماً في الجنان.
وعندما أخطأت عائشة ﵂ وقامت تقاتل علي بن أبي طالب في فتنة الهودج، وحدث الذي حدث حاول بعض المنافقين أن يلعب دوراً في ذلك، فإذا بـ علي يقول: والله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، وإنها لحبيبة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولو صح أن تكون امرأة خليفة لكانت عائشة، وبذلك قطع لسان كل أفاك، وقطع لسان كل من أراد أن يصطاد في الماء العكر، فهذه فتنة كانت وانتهت، فُتِنَ بها من فتن، وآب بالمغفرة من آب.
стр. 659
تفسير سورة النور [٢٧ - ٣١]
لقد أدب الله تعالى المؤمنين بآداب الاستئذان: من حيث دخول البيوت، والسلام على أهلها، وعدم الكشف على عورات الأقارب من الأم والأب والأخت ونحوهم.
ثم أدب الله تعالى المؤمنين بأن يغضوا أبصارهم فذلك أزكى لهم ذكوراً وإناثاً.
стр. 660
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم)
بعد ذكر أحكام الزناة وما أمر الله به من جلدهم مائة جلدة، وتغريب عام إن كانوا أبكاراً، وبالرجم حتى الموت إن كانوا محصنين رجالاً ونساء، وبعد أن أصدر حكمه ﷻ على القذفة بثمانين جلدة، وأن يحضر عذاب الجميع طائفة من المؤمنين، وبعد ذكر حكم اللعان فيما إذا وقع الاتهام من الرجل لزوجته وليس هناك شهود، فيلاعنها وتلاعنه، ويدرأ اللعانُ الحدَّ عن الرجل وعن المرأة، ثم ذكر بعد سلسلة من الآيات في تقريع الله لمن قذف السيدة عائشة أم المؤمنين، ثم تأتي هذه الآيات التي يعلم الله فيها المسلمين ويؤدبهم بآداب المنازل ودخولها: فكيف يستأنسون؟ وكيف يُسَلِّمون؟ وكيف يكونون بشراً لهم خلق وحضارة، ولهم نبل، فلا يكونون كالحيوانات يدخل هذا على هذا، فقد يجد في الدار زوجته أو أمه أو أخته وهي على حالة لا تريد أن يراها عليها ابنها ولا أخوها ولا أي قريب لها، فقال ﷻ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:٢٧].
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور:٢٧] الخطاب للمؤمنين، وعلى عادة كتاب الله أن فروع الشريعة يخاطب بها المؤمنون، لأن الأصل وهو من الإيمان قد تم، وبعد الأصول تأتي الفروع، فإذا كان الخطاب في الأصول هو في الدعوة للتوحيد وللإيمان بالله ورسله وكتابه فإنه يقال: يا أيها الناس، لكن الخطاب هنا للمؤمنين بعد أن آمنوا بنبيهم، وامتثلوا ما أمر به من أركان الإسلام: من شهادة، وصلاة، وزكاة، وصيام، وحج.
وهنا يعلمهم الله الآداب والرقائق، ويعلمهم كيف يتصلون ويتعاشرون ويتآخون ويتعارفون، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧] أي: إذا دخلتم بيوتاً -جمع بيت ومسكن- ليست ببيوت لكم فلا تدخلوها بلا إذن ولا استئذان ولا سلام ولا كلام؛ فهذا ليس من آداب المسلمين، وليس ذلك خلقاً لائقاً بهم، ولا يعرف هذا الخلق إلا اليهود ورعاع الناس، فتجد الرجل منهم يدخل على بيت الرجل وعلى عياله، حاضراً كان أو غائباً بلا استئذان ولا سلام، ولا يفعل هذا مؤمن، ولا يفعله ذوو خلق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور:٢٧].
ومعناه: إذا كانت البيوت بيوتكم فلا حاجة إلى الاستئذان، وإن كان هذا بالغالب الأعم، ولكن مع ذلك أمروا إذا دخلوا بيوتهم أن يقولوا كلمة تشعر بدخولهم، كالتكبير والنحنحة أو كلمة تشعر بدخوله؛ لأنه قد تكون في البيت أمه أو أخته أو ابنته على حالة لا يليق بالأب أن يراها ولا بالولد ولا بالأخ، أيريد أن يرى الولد أمه عريانة؟ أيريد أن يرى الأخ أخته عريانة؟ أيليق ذلك في دين المسلمين وفي أخلاقهم؟! إذاً: الأذن والاستئذان لا بد منه.
بل أكثر من ذلك أن النبي ﷺ حتى في بيته كان إذا غاب في غزاة أو معركة أو سفر أو حج أو عمرة، ورجع في تلك الليلة فإنه لا يدخل البيت، بل يبقى في ضاحية البلدة، ويأمر من معه ألا يطرقوا نساءهم ليلاً، ويقول: ليعلموا ذلك ولكي لا تتخونوهن.
وقد يخطر بالبال أنه جاء مفتشاً ليرى ماذا صنعت، فإذا حصل سوء الظن بين الزوج والزوجة شقيت الحياة وما سعدت.
وكان يقول (حتى تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة).
فقوله: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور:٢٧] أي: تستأذنوا، ثم بعد الإذن تقول: السلام عليكم، أأدخل؟ وبّين ذلك النبي ﷺ ، إذ جاءه مرة طارق يريد الدخول للبيت دون سلام، وإذا بالنبي يأمر خادمه أن يقول له: استأنس أولاً، قل: أأدخل؟ ثم بعد أن يؤذن لك قل: السلام عليكم، فعمل ذلك فأذن له، ودخل وقال: السلام عليكم.
стр. 661
استئذان رسول الله ﷺ على سعد بن عبادة
واستأذن ﷺ مرة على سعد فقال (السلام عليكم، فلم يسمع جواباً ثم ثانية، ثم ثالثة فرجع).
وإذا بـ سعد خرج مسرعاً، وقال: يا رسول الله! سمعت سلامك، وأجبتك خفيةً ولم أسمعك؛ لأنني أريد أن تبلغني سلامك مرة وثانية وثالثة، لعل ذلك يدخل علي البركة واليمن والسلام والأمن، وإذا به يأذن له ويدخل بيته معززاً مكرماً.
стр. 662
استئذان أبي موسى الأشعري على عمر
استأذن أبو موسى الأشعري على عمر ﵁ ثلاث مرات فلم يؤذن له، فرجع، فإذا بـ عمر -وكان منشغلاً بأمور المسلمين- يقول لمن حضر: ألم أسمع صوت أبي موسى؟ قالوا: نعم يا أمير المؤمنين! قال: وما باله؟ قالوا: سلم مرات ثم رجع، فأرسل عليه فقال له: لم ذهبت؟ قال: استأذنتك بالدخول وسلمت ثلاث مرات فلم تأذن لي، وقد سمعت النبي ﷺ يقول: (من استأذن ثلاث مرات فلم يؤذن له فليرجع).
فإذا بـ عمر يقول له: لتأتيني بشاهدي عدل وإلا أوجعتك ضرباً، وكان عمر شديداً فيما يُروى عن رسول الله ﷺ ، وإذا بـ أبي موسى يذهب منزعجاً إلى المهاجرين والأنصار ويقول لهم: لقد لقيت اليوم بلاءً من أمير المؤمنين: استأذنته ثلاثاً فلم يأذن فذهبت، ثم أرسل خلفي، فقال: لم ذهبت؟ فقلت له: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من استأذن ثلاث مرات فلم يؤذن له فليرجع).
فقال لي: إما أن تأتي بشاهدي عدل أو جلدتك، فقال له جماعة -وكلهم كانوا قد سمعوا هذا الحديث من رسول الله ﷺ : والله لا يقوم معك إلا أصغرنا، فذهب شابان وقد سمعا هذا الحديث، فقالا: يا أمير المؤمنين! نحن نشهد، والأنصار يشهدون والمهاجرون يشهدون، حينئذٍ انبسط عمر له، وأظهر بشره له وترحيبه وأدخله.
فقوله: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور:٢٧].
أي: حتى تسأذنوا، وفي قراءة: (تستأذنوا) هكذا، ولكنها ليست سبعية، وتستأنسوا من الأنس، وهذه كلمه يقولها أهل مكة، آنسكم فلانٌ وأنستم فلاناً، أي: رأيتموه ورآكم وسلمتم عليه وسلم عليكم، ووقع الأذن بينكم زائرين ومزورين، وعندما يحصل الأذن يحصل الأنس والتأنس والمؤانسة.
ثم قال: ﴿وَتُسَلِّمُوا﴾ [النور:٢٧].
أي: بعد أن تقول: أنا فلان، أألج: أأدخل؟ فإن قيل: نعم، فادخل وقل: السلام عليكم.
стр. 663
ذكر بعض آداب الاستئذان
طرق النبي ﷺ مرة طارق، فقال من؟ وإذا بالرجل يقول: أنا، وإذا بالنبي عليه الصلاة السلام يعيد عليه كلمة أنا أنا، أي: كره قوله: أنا، ﷺ .
فكان ينبغي له أن يقول: أنا فلان، فيجب أن يعرف بنفسه، وقد يأذن رسول الله ﷺ لإنسان دون إنسان، ولا لوم ولا عتاب في ذلك، إذ أصبح من الواجب والأدب الاتصال والمعاشرة والمصادقة.
ومرة طرق طارق عليه الباب، وإذا به عليه الصلاة السلام ينتبه والرجل ينظر من شق الباب، وعندما علم الطارق أن النبي ﷺ يراه ابتعد برأسه، فقال: (لو بقيت في مكانك لجئت بما يفقأ عينك، وهل جعل الإذن إلا للنظر؟).
لماذا الاستئذان؟ لكي لا يرى الإنسان عورة البيت ومن فيه، فإذا استمر هكذا يسرق النظر فإنه يكون بذلك قد خان وخرج عن العهد، وتلصص على أعراض المسلمين، فكيف بأعراض رسول الله ﷺ ، فإما أن يكون فاعل ذلك مغفلاً من أمثال هؤلاء الذين قذفوا عن غفلة، وإما أن يكون منافقاً، بل قال النبي عليه الصلاة السلام: (من رأى إنساناً يسترق النظر لداخل بيته ففقأ عينيه فلا جناح عليه).
فقد أهدر تلك العين بفقئها، وهذا مذهب الظاهرية والكثير من السلف.
قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ﴾ [النور:٢٧].
أي: هذا الفعل منكم والاستئناس والاستئذان والسلام خير لكم؛ لدوام المحبة والأخوة، ولصيانة الأعراض.
قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:٢٧] أي: لعلكم تتذكرون فيما يجب أن تقوموا به من آداب ورقائق في دوام الأخوة بين هؤلاء المسلمين، فقد آخى الله بينهم فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠].
فلو جاء هذا الزائر فدخل ولم يستأذن فقد يطرد، وقد يضرب، وقد تفقأ عينه كذلك، وقد يتهم باللصوصية، وبأنه جاء للفاحشة، وقد يتعرض للرصاص، والفقهاء يعتبرون من دخل البيت بلا إذن صائلاً، والصائل يقتل.
وما جعلت الأبواب إلا لذلك، وما جعلت الستور إلا لذلك، وهذا أدب الله الذي أدب به المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:٢٧].
تتذكرون أن هذا في صالحكم، وتتذكرون أن هذا من آداب نبيكم وآداب دينكم، والآداب التي أعلنها الله وأمركم بها في كتابه.
стр. 664
تفسير قوله تعالى: (فإن لم تجدوا فيها أحداً)
قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور:٢٨].
إذا أردت دخول بيت غيرك فاطرق الباب، فإن لم يجب أحد صحت بالصوت: أنا فلان، فإن لم يجب سلمت، فإن لم يجبك أحد فمعناه: أنه لا أحد في البيت، فإياك أن تدخل بيتاً وأصحابه ليسوا فيه فيكون هذا مما يفسد الأخوة، ومما يؤدي بالفاعل إلى التهمة، وقد يكون في البيت نساء، فلا يليق أن يفتح من بالباب الباب للرجال.
فإذا كان البيت لا رجل فيه فلا ينبغي ولا يجوز بحال من الأحوال أن يدخله أجنبي، ولذلك لا تجيب المرأة التي في البيت، وإذا دخل فإنه يكون قد دخل في مكان غير مكانه، وتسور حرمة ليست حرمته، وفضح عرضاً ليس عرضه، فينتقل الأمر من فقء العين إلى الاتهام بالفاحشة، وإلى السرقة واللصوصية، وقد يكون الرجل في البيت ولم يرد الفتح له، فالأمر أمره والشأن شأنه.
وقد يخرج له في هذه الحالة ويقتله، وقد يضربه، لذلك قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا﴾ [النور:٢٨] أي: لا تدخلوا هذا البيت حتى يؤذن لكم، فإذا لم يكن في البيت من يأذن فلا تدخلوا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ [النور:٢٨] أي: إذا لم يأذن لكم من في البيت وقيل لك: ارجع فارجع ولا تغضب، ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور:٢٨] أي: أطهر لقلوبكم ولنفوسكم، وأزكى لأخوتكم، فقد يكون للرجل مانع من الموانع، أو سبب من الأسباب، فقد يقوله وقد لا يجد مصلحة في قوله.
فلا تدخل ولا تغضب فالحرم حرمه، والمكان مكانه، وقد يكون له عذر وأنت تلومه، ولكل صاحب بيت الحق في ذلك، وأما في هذه الأيام فإنك تجد الأجراس التي تكون في البيوت وهي نوع من الاستئناس والاستئذان، فإذا فتح الباب فهذا إذن، وقل: السلام عليكم، فإن قيل لك: ادخل فهو إذن بالدخول، وإن لم يقل لك ذلك فمعناه: أنه لم يأذن، وقد لا يستطيع أن يخرج حتى يقول لك: ارجع؛ فقد يكون له مانع من الموانع أو سبب من الأسباب، والمؤمن يقبل عذر إخوانه المؤمنين.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور:٢٨] أي: والله عليم بأعمالكم، وبمن يتخلق بأخلاق المؤمنين منكم، فامتثلوا لما تؤمرون به، فهو عليم بالصالح من أعمالكم، وبالطالح منها، ولذلك اعلموا وتيقنوا أنه يعلم السر وأخفى.
فما أمركم به من أمر فامتثلوه وقوموا به، فلا يأمركم إلا بما يعود عليكم بالخير والسعادة في الدنيا والآخرة، ولا ينهاكم إلا عما يضركم في الدنيا والآخرة، فامتثلوا واسمعوا وأطيعوا، فهو عليم بكم، وعليم بمطيعكم، عليم بمسيئكم وعاصيكم.
стр. 665
تفسير قوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة)
قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [النور:٢٩].
هذا نوع آخر: فهي بيوت غير مسكونة فيها متاع لكم، مثل فنادق النزول والدكاكين والمتاجر والمكاتب والإدارات، وفي كل هذا متاع، أي: شيء تستمتعون به بيعاً أو شراء، أو نزولاً أو أخذاً وعطاء، وهي ليست مسكونة، وليس فيها نساء، وعادة تكون الأبواب مشرعة ومفتوحة، ومجرد فتح الأبواب إذن بالدخول، خاصة وأنت تعلم أنه ليس هناك نساء، فإذا كان المكان فتح للتجارة أو الفندق فتح للنزول، أو فتح المكان لعمل من الأعمال كمصنع أو معمل أو متجر أو أي شيء من هذا القبيل فـ ((لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا))، وكلمة (بيت) تشمل كل ما تقيم فيه وتجلس، (غير مسكونة) أي: ليست للسكنى وإنما أعدت لشيء آخر غير السكنى، كأن تكون أعدت للصناعة أو التجارة أو المتاع.
стр. 666
تفسير قوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم)
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠].
لا تنظر إلى شيء لا يجوز لك أن تنظر إليه، فغض بصرك عنه، وغضّ البصر يكون بإبعاد بصرك عما رأيته فجاءً أو من أول مرة فلا تنظر إليه البتة، وغض البصر ليس معناه: أن تغمض عينك، ولكن أبعد بصرك عما لا يجوز لك النظر إليه من العورات، فقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣٠] يدخل فيه النساء والرجال، ولكن خص النساء بآيتين.
قوله: (من أبصارهم) (من) قال البعض: هي صلة وزائدة، أي: غضوا أبصاركم.
وقال بعض المفسرين: (من) للتبعيض، أي: غضوا بعض أبصاركم.
فالله تعالى لم يقل: واحفظوا من فروجكم؛ لأن حفظ الفرج ليس فيه تبعيض إلا على الأزواج، وقد مضى ذلك في أول سورة المؤمنون، قال النبي عليه الصلاة السلام: (يا علي! لا تتبع النظرة النظرة؛ فلك الأولى وعليك الثانية).
أي: إذا وقع بصرك على امرأة لا تحل لك فأبعد نظرك عنها، ولا تعد النظرة الثانية؛ لأن النظرة الأولى نظرة فجاء معفو عنها؛ لأنك لم تقصدها، ولكن النظرة الثانية إذا أعدتها وقد علمتها من قبل فإنك تكون آثماً، ومن هنا قال: (يغضوا من أبصاركم).
فالنظرة الثانية محاسب عليها، وتزداد المحاسبة بكثرة الازدياد، فقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] أي: لا ينظر إلى عورات النساء: لا وجهاً ولا جسداً فضلاً عن بقية المحاسن.
قوله: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] الفرج في الأصل: الشق، ولكنه صار يطلق على قبل الذكر والأنثى، ومع كثرة الاستعمال أصبح علماً بالغلبة، فأمر الله المؤمنين أن يحفظوا فروجهم نظراً ورؤيةً وجماعاً واحتكاكاً وأي نوع من أنواع الحفظ.
وقد وصف الله المؤمنين بأنهم يحفظون فروجهم فقال: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٦]، فلا ينظر إلى الفرج ويتصل به إلا الزوج مع زوجته فقط، أو ملك اليمين مع سيدها ومولاها.
فمن آداب المؤمنين ومن الواجب عليهم أن يحفظوا أبصارهم عن رؤية ما لا يحل لهم من غير المحارم، فلا ينظرون إلى أي شيء من محاسن المرأة، كذلك عليهم أن يحفظوا فروجهم في أنفسهم فلا يراها منهم أحد، فقد ورد عنه ﷺ : (لعن الله الناظر والمنظور إليه)، وهذا إن كان ذلك بعلم منه ومطاوعة، فبمجرد أن ينظر الرجل إلى فرج غير الزوجة فهو ملعون، وملعون من وافق على أن ينظر في ذلك، واللعن: هو الطرد من رحمة الله، ولا يقبل هذا مسلم.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠] أي: أطهر لدينهم ولأخلاقهم ولصلاتهم، وأحفظ لعشرتهم وإسلامهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠]، فالله خبير بعمل كل الخلق: هل سيحفظون ذلك أم لا؟ فهو خبير بالصادق منهم والكاذب، خبير بمن نظر عن قصد وأعاد النظرة ثانية، وبمن نظر فجاءً ثم غض بصره وأبعده، خبير بالمطيع من المؤمنين وبالعاصي منهم، فهو خبير بما يصنعونه من شر أو خير.
стр. 667
تفسير قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن)
قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١].
قل للمؤمنات كذلك يغضضن من أبصارهن، فلا ينظرن لعورة رجل لا وجهاً ولا غير وجه، فإن رأين النظرة الأولى الفجائية غير المقصودة فلا يعدن الثانية.
وقد دخل مرة على رسول الله ﷺ عبد الله بن أم مكتوم، وكان ضريراً لا يبصر، وكان بمجلسه ﷺ زوجتان من أمهات المؤمنين، فبقيتا جالستين، فأمرهما ﷺ بالخروج، فقالتا: أليس هو أعمى يا رسول الله؟! قال (أوعمياوان أنتما؟!).
أي: كما لا يجوز له أن ينظر إليكما فلا يجوز لكما أن تنظرا إليه.
فكما حرم الله نظر الرجل إلى المرأة حرم نظر المرأة إلى الرجل، وكما يتمتع الرجل بالمرأة تتمتع المرأة بالرجل، فالعمل واحد، والحسنى واحدة، والجريمة واحدة، وكما أمر الرجل بغض البصر أمرت المرأة بغض البصر، وكما أمر الرجل بحفظ فرجه أمرت المرأة بحفظ فرجها، وألا يراه منها أحد قط إلا زوجها.
ومن هنا كان دخول الحمامات حيث كشف العورات شيء نهى عنه السلف، وشددوا فيه ولعنوا فاعله، لأن الشأن في الحمامات أن يدخلن للحمامات كاشفات عوراتهن لبعضهن، وهذا مما حرمه الإسلام وعده كبيرة من الكبائر، وفجوراً من الفجور.
قال تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١].
أي: لا يظهرن من زينتهن إلا ما ظهر، وزينة النساء: ما عفا الله عما ظهر منها، وأذن في بدوها، قال ابن عباس ﵁: زينة المرأة وجهها وكفاها، وقال بقول ابن عباس جمهور من المؤمنين: صحابةً وتابعين وأئمةً مجتهدين.
وقال ابن مسعود: زينة المرأة ثيابها الخارجة، وإلا فكل بدنها عورة، فلا يجوز لها أن تظهر إلا عيناً واحدة لتنظر الطريق.
والنظر بعين واحدة لا يزال إلى الآن في بلاد المغرب، فالكثيرات على هذه الحالة، وبعضهن ينظرن بعينين معاً.
كذلك كل بلاد الإسلام ما زالت على هذه الطريقة: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١].
قال ابن مسعود: الذي ظهر منها هي الثياب الخارجية، فهذا لا مانع من أن يظهر، واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١].
ومعناه: البسوا أحسن ثيابكم عندما تكونون ذاهبين للمساجد؛ خاصة يوم الجمعة، فالله أطلق في آية أخرى، والقرآن يفسر بعضه بعضاً.
فالزينة الثياب، وبهذه الآية احتج ابن مسعود أن المرأة كلها عورة، فلا يجوز أن يظهر منها إلا عينها أو عيناها بما ترى به الطريق، وقال غيرهما: زينة المرأة الكحل والقرط والسوار والخلخال إذا ظهرت من غير قصد، كأن مدت يدها لشراء أو بيع وظهر الخاتم أو السوار، أو جاءت لتصلح شيئاً فظهر القرط، فهذا عفا الله عنه وسمح.
وجمهور الفقهاء: على أن الوجه واليدين ليسا بعورة، ولكنهم قالوا: إذا خافت على نفسها الفتنة في عصر كثر فيه الفساد، وكثر فيه الفجار والفساق؛ ففي هذه الحالة يجب الرجوع لمذهب ابن مسعود ولكثير من السلف في أن المرأة كلها عورة، وذلك من باب سد الذرائع، ونحن نرى الفجور قد عم وطم، واليوم يكشف المسلمات النحر والصدر والفخذ والساق والشعر، فترى اليهودية والنصرانية والمسلمة لا فرق بينهن قط، ولا تستطيع أن تميز المسلمة من الكافرة.
وعلى هذا فإن الله ﷻ ستراً وحفظاً للأنساب ومحافظة على الأعراض أمر النساء كما أمر الرجال بغض الأبصار، وبحفظ الفروج، وألا يظهر النساء من زينتهن إلا الوجه واليدين، فإن لم تأمن الفتنة، فلتستر بدنها جميعاً، وكم من نساء اليوم يلبسن الثياب الفضفاضة الحريرية، ويلبسن فوقها شيئاً لا يكاد يذكر، أو يلبسن ألبسةً قصيرة يظهر بها الساق والفخذ، وهذا مالا يجوز بحال من الأحوال، فقد حرمه الشارع في كتابه الكريم.
دخلت مرة أسماء على أختها عائشة ورسول الله ﷺ حاضر، وإذا به يخرج، فقالت عائشة لأختها أسماء: (ما خرج رسول الله ﷺ حتى رأى عليك ما يكره، وإذا بالنبي يعود ويقول لها: يا أسماء! المرأة إذا بلغت المحيض لا يجوز أن يظهر منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه) واعتمد ابن عباس هذا الحديث، وقال ابن كثير في تفسيره: وهذا الذي عليه الجمهور من المسلمين.
وليت المسلمين اقتصروا على هذا، فإنه لا ينبغي للمرأة أن تتزين بكحل ولا حمرة ولا تطيب ولا تفعل أي شيء يلفت الأنظار، ومن خرجت من بيتها متطيبة لعنتها الملائكة حتى تعود.
فقد رأى أبو هريرة ﵁ مرة امرأة آتية فقال لها: أين كنت يا أمة الجبار؟! قالت: جئت من المسجد، قال: وله تطيبت؟ قالت: نعم، قال: اذهبي لبيتك واغسلي بدنك غسل الجنابة، وإلا فلا صلاة لك، والملائكة تلعنك ما دمت في هذه الحالة حتى تعودي.
وهذا هو الواجب على الزوج مع زوجته، والأب مع بناته، والأخ مع أخواته، وكبير القوم مع قومه، فإذا لم يقم الزوج بالواجب عليه، ولم يقم الأب بالواجب عليه، ولم يقم الأخ بالواجب عليه، ولم يقم المدرس بواجب تدريسه، والداعية إلى الله سكت أثم الجميع، ويوشك إذا اتفق الناس على الباطل أن يعاقب الله البر والفاجر معاً، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥].
والله تعالى لعن اليهود، قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:٧٨]؛ لأن من جملة أفعالهم: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩].
فكان هؤلاء اليهود لا يأتمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر، وكان بعضهم يأمر بالمعروف كما قال نبينا ﷺ ولكنه يصبح الصباح وهو مع أولئك الذين نهاهم يؤاكلهم ويشاربهم ويجالسهم، فيكون كمن لم يأمر، فلا بد للآمر إذا أمر بالمعروف ولم يُطع فيه أن يهجر في الله؛ لأن الحب في الله والبغض في الله من الإيمان.
وقد هجر عبد الله بن عمر ولده مدة حياته، لأنه قال له: يقول ﷺ : (لا تمنعوا إماء الله بيوت الله)، فأجابه: والله لنمنعنها، وإذا به يلعنه ويشتمه ويهجره إلى الأبد، ولم يعد لكلامه البتة.
وأما هجر المسلم أخاه ثلاثة أيام في شئون الدنيا فهو المقصود بالحديث: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) لكن عندما تكون خصومة لله وفي دين الله، فإن الواجب أن يهجره إلى الأبد كما فعل ابن عمر ما لم يرجع عما كان عليه من مخالفة لدين الله.
ويقول النبي ﵊ (سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله) فكان من السبعة: (رجلان تحابا في الله: اجتمعا عليه وافترقا عليه).
فهما أخوان في الله تآخيا يأتمران بالمعروف، ويتناهيان عن المنكر، ويتعاونان على طاعة الله ومدارسة دين الله، فإذا أحدهما أمر الآخر فعصاه، ولم يمتثل لما أمر الله به ورسوله، فارقه لله وقاطعه، وهي مشروعة أبداً.
قال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١].
الخُمُر: جمع خمار، وهو غطاء الرأس، أمر الله تعالى أن يُغطى الشعر بهذا الخمار، ويضرب به على الجيوب، والجيوب: هي الشقوق في ثياب الإنسان، والمرأة تزيده إلى أسفل، فيظهر نحرها وعنقها وصدرها وقرطاها، فالله أمرهن بأن يضربن بالخمر التي تستر الرءوس ليسترن العنق، فلا يظهر العنق ولا الأقراط ولا الصدر ولا النحر بحال من الأحوال.
(وليضربن بخمرهن) أي: وليضعن خمرهن.
والجيوب: جمع جيب، فيقال للشق: جيب، وقد يكون للنساء جيوب للساق فإذا تحركت ظهر لحم الساق، وقد يظهر لحم الفخذ، وقد يكون لها جيوب في الظهر فيظهر ظهرها.
وهذه الجيوب جميعاً أمر الله بسترها وتغطيتها، وحرم كشفها إلا لمن سيذكره من الزوج والمحارم.
قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: إن نساء الأنصار كن من أطوع المؤمنين لأوامر الله، فعندما نزل قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] قالت أصبحن وقد صلين الفجر مع المؤمنين والمؤمنات، وإذا بهن وكأنما على رءوسهن الغربان؛ من تخمير رءوسهن وأعناقهن وجيوبهن وما يظهر من أبدانهن.
والآية تدل في ظاهرها على أن الخمار يضرب على الجيوب لا على الوجه، ومن هنا كان فهم ابن عباس وفهم الجمهور، ولكن ذلك إذا أمنت الفتنة، وأنى لها أن تأمن الفتنة.
стр. 668
تفسير سورة النور [٣١]
لقد أدب الله تعالى المؤمنات بعدة آداب من حيث غض البصر، وحفظ الفرج، وعدم إبداء الزينة وإظهارها، ثم أمرهن بالتوبة إليه مما بدر منهن من أخطاء ومعاص، فإن الفلاح والنجاح يكون مع التوبة.
стр. 669
تفسير قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن)
قال الله عزت قدرته: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١].
فالله ﷻ كما أمر نبيه ﷺ أن يأمر الرجال بغض الأبصار، وحفظ الفروج، والستر والعفة والحياء، أمره أن يأمر النساء بذلك؛ إذ إن الإسلام جاء للنساء كما جاء للرجال، (النساء شقائق الرجال) أي: إخوتهم الشقائق في الأحكام والحلال والحرام وجميع ما أمر الله به ونهى عنه، إلا ما صرح فيه مما يخصهن وحدهن، فقال تعالى: (وقل للمؤمنات) أي: قل: يا محمد! للمؤمنات وللمسلمات، (يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن) أي: قل لهن وهن مؤمنات: لا يليق بهن إلا أن يعشن كذلك في غض الأبصار، وحفظ الفروج، والعفة والستر والحشمة والحياء، فكما أن الرجال لا يحل لهم أن ينظروا إلى النساء وزينتهن، فكذلك لا يحل للنساء أن ينظرن إلى الرجال بشهوة، ولا أن ينظرن إلى محاسنهم وما يدعو إلى الفتنة منهم، فكل ذلك سواء، وفي عصر الصحابة عندما نزلت الآية ظن النساء أن غض البصر إنما هو خاص بالرجال وليس عاماً للنساء كذلك، فجاء إلى النبي ﷺ عبد الله بن أم مكتوم وهو ضرير البصر، وكان في مجلس رسول الله بعض نسائه من أمهات المؤمنين فضللن في المجلس، وإذا بالنبي ﵊ يأمرهن بأن يتركن المجلس ويخرجن، فقلن: يا رسول الله! أليس بأعمى لا ينظر؟ فقال لهما: (أفعمياوان أنتما؟) فقمن إذ ذاك من المجلس.
فكما حرم النظر إلى النساء من الرجال فكذلك حرم النظر من النساء إلى الرجال.
قال تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهم) (من) هنا قلنا: للتبعيض، أي: بعض النظر لا يجوز، وحد ذلك قوله ﵊ لـ علي ﵁: (لا تتبع النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى وعليك الثانية)، ونظر الفجاءة هو الذي يحدث من الرجال للنساء فجاءة فتلك النظرة الأولى هي المعفو عنها، وهي المرادة بالآية، ولكن النظرة الثانية هي المحرمة والممنوعة، وفيها الإثم والوزر.
قال: (ويحفظن فروجهن) أي: يصن فروجهن، والفروج: جمع فرج وهو مكان العفة من النساء، فأمرن بأن يحفظن فروجهن عن النظر وعن الزنا والفاحشة، وكما مضى في سورة المؤمنون أنه لا يجوز ذلك إلا للأزواج، وفي صفة المؤمنين الذين يحفظون الفروج إلا من الأزواج، قال تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٦ - ٧]، فمن ابتغى غير الزوجات وملك اليمين كان معتدياً وظالماً.
فالأمر للنساء كالأمر للرجال بغض البصر، وبألا يرين الرجال بشهوة، وألا يرين محاسنهم، وأن يحفظن فروجهن عن النظر إليها أو الزنا من باب أولى.
стр. 670
اختلاف العلماء في الزينة الظاهرة للمرأة
قال تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) وائمرهن يا محمد! بألا يظهرن من زينتهن إلا ما ظهر منها، فلا يجوز أن تظهر المرأة من محاسنها ومن زينتها إلا ما ظهر منها، واختلف الأصحاب ثم التابعون ثم الأئمة المجتهدون في ذلك، فقال ابن عباس: المرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وقال ابن مسعود: المرأة كلها عورة لا يجوز لها أن تظهر إلا عيناً أو عينين للبصر ورؤية الطريق، فإذا كان الأمر كذلك فما هي الزينة الظاهرة عند ابن عباس؟ قال: الزينة الظاهرة الوجه والكفان بلا كحل ولا دهن ولا حمرة، ولا ما يزيد ذلك زينةً وبهاءً، وقال ابن مسعود: زينة المرأة ثيابها الخارجية فقط وإلا فكلهن عورة، واستدل بقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١]، فقد سمى الله تعالى الألبسة الخارجية زينة، فأمر الرجال أن يلبسوها عندما يأتون المساجد خاصة يوم الجمعة، والآيات يفسر بعضها بعضاً، إذاً: زينة المرأة من خارجها من قوام وشكل ومن لباس، ومع ذلك أمر الله الرجال أن يغضوا من أبصارهم خاصة إذا كانت النظرة الثانية، وأخص من ذلك إذا كانت بنية سيئة من شهوة وتمني سوء وفاحشة.
وقال ابن كثير: جمهور الأئمة على أن عورة المرأة هي عورتها في الصلاة والطواف والحج والإحرام، وعورتها كذلك هي الوجه والكفان، وإحرام المرأة في وجهها، ولكن علماءنا مع ذلك قالوا: إذا خيفت الفتنة وانتشر الفساد فيجب الأخذ برأي ابن مسعود، خاصة وأن ابن مسعود استدل بآية واستدل بما كان في عصر الصحابة، فقد كان بعضهن متنقبات باللثام بحيث كان لا يرى منهن إلا العين، وعلى هذا عاش المسلمون قروناً في مشارق الأرض ومغاربها، وما كان ذلك يتغير إلا في العجائز والبدو، وفيما لا يكاد يكون له خطر من زينة أو محاسن.
فـ ابن مسعود احتج بالآية، وابن عباس احتج بالآية وما يفسرها من حديث أسماء أخت عائشة ابنتي أبي بكر الصديق ﵃، فقد دخلت على رسول الله البيت ﷺ بألبسة شفافة تكاد تظهر لون اللحم من خلفها، فغضب النبي ﷺ وأعرض وترك المكان ثم عاد، فوجدها لا تزال، وقد قالت لها أختها عائشة: لقد كره منك ﷺ شيئاً، وإذا به يقول لها: (يا أسماء! إذا بلغت المرأة المحيض -إذا بلغت سن الرشد بالحيض- فلا يحل أن يرى منها إلا هذا وهذا) وأشار إلى كفيه وإلى وجهه الشريف صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكن مع هذا فـ ابن عباس ومن قال هذا معه من الأصحاب والأتباع والتابعين والمجتهدين ألزموا أن يكون ذلك دون المزيد من الزينة بما يعتبر تبرجاً، والتبرج حرمه الله ﷻ وقال للمؤمنات: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، أي: لا تفعلن أيتها المؤمنات وأيتها المسلمات بعد أن أسلمتن وأكرمكن الله بالتوحيد فعل الجاهلية الأولى من التبرج وإظهار محاسن المرأة مما لا يليق بالمؤمنة، فإن كان الوجه مكشوفاً وأمنت الفتنة فذلك قد أمضاه الفقهاء والعلماء، ولكن الفتنة قلّما تخفى وقلما تؤمن، وعلى هذا كان المسلمون قروناً مضت وتلتها قرون، فكان حالهم في مشارق الأرض ومغاربها على ستر المرأة في كل بدنها، وما نعيش فيه اليوم من فسوق وفجور وتبرج زاد على فعل الجاهلية الأولى بما لا يكاد يقبله حتى أهل الكتاب، فكيف بالمسلمين؟ وكيف بأتباع نبينا خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه؟! قال تعالى: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) الخمر: جمع خمار، والخمار: ما يستر شعر المرأة، وكانت المرأة تستعمله حتى في الجاهلية، ولكنهن كن يكشفن نحورهن وأجيادهن وأذرعهن وظهورهن، فأمر الله ﷻ في كتابه بأن خمار الرأس يجب أن يضرب على العنق وعلى الجيوب كلها، والجيوب: جمع جيب: وهو الشق، ومن هنا سميت الشقوق في القمصان والثياب جيوباً، وهناك جيب العنق، وجيب القفا، وجيب الآباط، كل هذه الجيوب يجب أن تستر وتغطى بالخمر، فلا يجوز أن تظهر المرأة منها شيئاً لا عنقها ولا شعرها ولا أقراطها ولا عقودها ولا أساور يدها ولا خلاخل رجلها ولا شيئاً من ذلك، كل ذلك قد حرمه الشارع وشدد فيه ونهى عنه، وأمر بالعفة والستر والمروءة والحشمة والحياء.
كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩] أي: قل يا محمد! لزوجاتك أمهات المؤمنين ولبناتك: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة والأحفاد منها، وقل للمؤمنين ولنساء المؤمنين عامة يدنين عليهن من جلابيبهن، والجلباب: ما يستر جميع بدن المرأة، ولا يزال يسمى في المغرب بالجلابية ويسمى هنا بالعباءة، ويسمى في كل قطر من الأقطار الإسلامية باسم، فقال الله لنبيه: قل لجميع المسلمات من أمهات المؤمنين وبنات آل البيت وعموم المسلمات أن يدنين ويقربن عليهن الجلابيب بحيث يكون البدن جميعه مستوراً.
следующие страницы →