Полный текст (2 442 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
تفسير قوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم)
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠].
لا تنظر إلى شيء لا يجوز لك أن تنظر إليه، فغض بصرك عنه، وغضّ البصر يكون بإبعاد بصرك عما رأيته فجاءً أو من أول مرة فلا تنظر إليه البتة، وغض البصر ليس معناه: أن تغمض عينك، ولكن أبعد بصرك عما لا يجوز لك النظر إليه من العورات، فقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣٠] يدخل فيه النساء والرجال، ولكن خص النساء بآيتين.
قوله: (من أبصارهم) (من) قال البعض: هي صلة وزائدة، أي: غضوا أبصاركم.
وقال بعض المفسرين: (من) للتبعيض، أي: غضوا بعض أبصاركم.
فالله تعالى لم يقل: واحفظوا من فروجكم؛ لأن حفظ الفرج ليس فيه تبعيض إلا على الأزواج، وقد مضى ذلك في أول سورة المؤمنون، قال النبي عليه الصلاة السلام: (يا علي! لا تتبع النظرة النظرة؛ فلك الأولى وعليك الثانية).
أي: إذا وقع بصرك على امرأة لا تحل لك فأبعد نظرك عنها، ولا تعد النظرة الثانية؛ لأن النظرة الأولى نظرة فجاء معفو عنها؛ لأنك لم تقصدها، ولكن النظرة الثانية إذا أعدتها وقد علمتها من قبل فإنك تكون آثماً، ومن هنا قال: (يغضوا من أبصاركم).
فالنظرة الثانية محاسب عليها، وتزداد المحاسبة بكثرة الازدياد، فقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] أي: لا ينظر إلى عورات النساء: لا وجهاً ولا جسداً فضلاً عن بقية المحاسن.
قوله: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] الفرج في الأصل: الشق، ولكنه صار يطلق على قبل الذكر والأنثى، ومع كثرة الاستعمال أصبح علماً بالغلبة، فأمر الله المؤمنين أن يحفظوا فروجهم نظراً ورؤيةً وجماعاً واحتكاكاً وأي نوع من أنواع الحفظ.
وقد وصف الله المؤمنين بأنهم يحفظون فروجهم فقال: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٦]، فلا ينظر إلى الفرج ويتصل به إلا الزوج مع زوجته فقط، أو ملك اليمين مع سيدها ومولاها.
فمن آداب المؤمنين ومن الواجب عليهم أن يحفظوا أبصارهم عن رؤية ما لا يحل لهم من غير المحارم، فلا ينظرون إلى أي شيء من محاسن المرأة، كذلك عليهم أن يحفظوا فروجهم في أنفسهم فلا يراها منهم أحد، فقد ورد عنه ﷺ : (لعن الله الناظر والمنظور إليه)، وهذا إن كان ذلك بعلم منه ومطاوعة، فبمجرد أن ينظر الرجل إلى فرج غير الزوجة فهو ملعون، وملعون من وافق على أن ينظر في ذلك، واللعن: هو الطرد من رحمة الله، ولا يقبل هذا مسلم.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠] أي: أطهر لدينهم ولأخلاقهم ولصلاتهم، وأحفظ لعشرتهم وإسلامهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠]، فالله خبير بعمل كل الخلق: هل سيحفظون ذلك أم لا؟ فهو خبير بالصادق منهم والكاذب، خبير بمن نظر عن قصد وأعاد النظرة ثانية، وبمن نظر فجاءً ثم غض بصره وأبعده، خبير بالمطيع من المؤمنين وبالعاصي منهم، فهو خبير بما يصنعونه من شر أو خير.
стр. 667
تفسير قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن)
قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١].
قل للمؤمنات كذلك يغضضن من أبصارهن، فلا ينظرن لعورة رجل لا وجهاً ولا غير وجه، فإن رأين النظرة الأولى الفجائية غير المقصودة فلا يعدن الثانية.
وقد دخل مرة على رسول الله ﷺ عبد الله بن أم مكتوم، وكان ضريراً لا يبصر، وكان بمجلسه ﷺ زوجتان من أمهات المؤمنين، فبقيتا جالستين، فأمرهما ﷺ بالخروج، فقالتا: أليس هو أعمى يا رسول الله؟! قال (أوعمياوان أنتما؟!).
أي: كما لا يجوز له أن ينظر إليكما فلا يجوز لكما أن تنظرا إليه.
فكما حرم الله نظر الرجل إلى المرأة حرم نظر المرأة إلى الرجل، وكما يتمتع الرجل بالمرأة تتمتع المرأة بالرجل، فالعمل واحد، والحسنى واحدة، والجريمة واحدة، وكما أمر الرجل بغض البصر أمرت المرأة بغض البصر، وكما أمر الرجل بحفظ فرجه أمرت المرأة بحفظ فرجها، وألا يراه منها أحد قط إلا زوجها.
ومن هنا كان دخول الحمامات حيث كشف العورات شيء نهى عنه السلف، وشددوا فيه ولعنوا فاعله، لأن الشأن في الحمامات أن يدخلن للحمامات كاشفات عوراتهن لبعضهن، وهذا مما حرمه الإسلام وعده كبيرة من الكبائر، وفجوراً من الفجور.
قال تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١].
أي: لا يظهرن من زينتهن إلا ما ظهر، وزينة النساء: ما عفا الله عما ظهر منها، وأذن في بدوها، قال ابن عباس ﵁: زينة المرأة وجهها وكفاها، وقال بقول ابن عباس جمهور من المؤمنين: صحابةً وتابعين وأئمةً مجتهدين.
وقال ابن مسعود: زينة المرأة ثيابها الخارجة، وإلا فكل بدنها عورة، فلا يجوز لها أن تظهر إلا عيناً واحدة لتنظر الطريق.
والنظر بعين واحدة لا يزال إلى الآن في بلاد المغرب، فالكثيرات على هذه الحالة، وبعضهن ينظرن بعينين معاً.
كذلك كل بلاد الإسلام ما زالت على هذه الطريقة: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١].
قال ابن مسعود: الذي ظهر منها هي الثياب الخارجية، فهذا لا مانع من أن يظهر، واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١].
ومعناه: البسوا أحسن ثيابكم عندما تكونون ذاهبين للمساجد؛ خاصة يوم الجمعة، فالله أطلق في آية أخرى، والقرآن يفسر بعضه بعضاً.
فالزينة الثياب، وبهذه الآية احتج ابن مسعود أن المرأة كلها عورة، فلا يجوز أن يظهر منها إلا عينها أو عيناها بما ترى به الطريق، وقال غيرهما: زينة المرأة الكحل والقرط والسوار والخلخال إذا ظهرت من غير قصد، كأن مدت يدها لشراء أو بيع وظهر الخاتم أو السوار، أو جاءت لتصلح شيئاً فظهر القرط، فهذا عفا الله عنه وسمح.
وجمهور الفقهاء: على أن الوجه واليدين ليسا بعورة، ولكنهم قالوا: إذا خافت على نفسها الفتنة في عصر كثر فيه الفساد، وكثر فيه الفجار والفساق؛ ففي هذه الحالة يجب الرجوع لمذهب ابن مسعود ولكثير من السلف في أن المرأة كلها عورة، وذلك من باب سد الذرائع، ونحن نرى الفجور قد عم وطم، واليوم يكشف المسلمات النحر والصدر والفخذ والساق والشعر، فترى اليهودية والنصرانية والمسلمة لا فرق بينهن قط، ولا تستطيع أن تميز المسلمة من الكافرة.
وعلى هذا فإن الله ﷻ ستراً وحفظاً للأنساب ومحافظة على الأعراض أمر النساء كما أمر الرجال بغض الأبصار، وبحفظ الفروج، وألا يظهر النساء من زينتهن إلا الوجه واليدين، فإن لم تأمن الفتنة، فلتستر بدنها جميعاً، وكم من نساء اليوم يلبسن الثياب الفضفاضة الحريرية، ويلبسن فوقها شيئاً لا يكاد يذكر، أو يلبسن ألبسةً قصيرة يظهر بها الساق والفخذ، وهذا مالا يجوز بحال من الأحوال، فقد حرمه الشارع في كتابه الكريم.
دخلت مرة أسماء على أختها عائشة ورسول الله ﷺ حاضر، وإذا به يخرج، فقالت عائشة لأختها أسماء: (ما خرج رسول الله ﷺ حتى رأى عليك ما يكره، وإذا بالنبي يعود ويقول لها: يا أسماء! المرأة إذا بلغت المحيض لا يجوز أن يظهر منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه) واعتمد ابن عباس هذا الحديث، وقال ابن كثير في تفسيره: وهذا الذي عليه الجمهور من المسلمين.
وليت المسلمين اقتصروا على هذا، فإنه لا ينبغي للمرأة أن تتزين بكحل ولا حمرة ولا تطيب ولا تفعل أي شيء يلفت الأنظار، ومن خرجت من بيتها متطيبة لعنتها الملائكة حتى تعود.
فقد رأى أبو هريرة ﵁ مرة امرأة آتية فقال لها: أين كنت يا أمة الجبار؟! قالت: جئت من المسجد، قال: وله تطيبت؟ قالت: نعم، قال: اذهبي لبيتك واغسلي بدنك غسل الجنابة، وإلا فلا صلاة لك، والملائكة تلعنك ما دمت في هذه الحالة حتى تعودي.
وهذا هو الواجب على الزوج مع زوجته، والأب مع بناته، والأخ مع أخواته، وكبير القوم مع قومه، فإذا لم يقم الزوج بالواجب عليه، ولم يقم الأب بالواجب عليه، ولم يقم الأخ بالواجب عليه، ولم يقم المدرس بواجب تدريسه، والداعية إلى الله سكت أثم الجميع، ويوشك إذا اتفق الناس على الباطل أن يعاقب الله البر والفاجر معاً، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥].
والله تعالى لعن اليهود، قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:٧٨]؛ لأن من جملة أفعالهم: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩].
فكان هؤلاء اليهود لا يأتمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر، وكان بعضهم يأمر بالمعروف كما قال نبينا ﷺ ولكنه يصبح الصباح وهو مع أولئك الذين نهاهم يؤاكلهم ويشاربهم ويجالسهم، فيكون كمن لم يأمر، فلا بد للآمر إذا أمر بالمعروف ولم يُطع فيه أن يهجر في الله؛ لأن الحب في الله والبغض في الله من الإيمان.
وقد هجر عبد الله بن عمر ولده مدة حياته، لأنه قال له: يقول ﷺ : (لا تمنعوا إماء الله بيوت الله)، فأجابه: والله لنمنعنها، وإذا به يلعنه ويشتمه ويهجره إلى الأبد، ولم يعد لكلامه البتة.
وأما هجر المسلم أخاه ثلاثة أيام في شئون الدنيا فهو المقصود بالحديث: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) لكن عندما تكون خصومة لله وفي دين الله، فإن الواجب أن يهجره إلى الأبد كما فعل ابن عمر ما لم يرجع عما كان عليه من مخالفة لدين الله.
ويقول النبي ﵊ (سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله) فكان من السبعة: (رجلان تحابا في الله: اجتمعا عليه وافترقا عليه).
فهما أخوان في الله تآخيا يأتمران بالمعروف، ويتناهيان عن المنكر، ويتعاونان على طاعة الله ومدارسة دين الله، فإذا أحدهما أمر الآخر فعصاه، ولم يمتثل لما أمر الله به ورسوله، فارقه لله وقاطعه، وهي مشروعة أبداً.
قال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١].
الخُمُر: جمع خمار، وهو غطاء الرأس، أمر الله تعالى أن يُغطى الشعر بهذا الخمار، ويضرب به على الجيوب، والجيوب: هي الشقوق في ثياب الإنسان، والمرأة تزيده إلى أسفل، فيظهر نحرها وعنقها وصدرها وقرطاها، فالله أمرهن بأن يضربن بالخمر التي تستر الرءوس ليسترن العنق، فلا يظهر العنق ولا الأقراط ولا الصدر ولا النحر بحال من الأحوال.
(وليضربن بخمرهن) أي: وليضعن خمرهن.
والجيوب: جمع جيب، فيقال للشق: جيب، وقد يكون للنساء جيوب للساق فإذا تحركت ظهر لحم الساق، وقد يظهر لحم الفخذ، وقد يكون لها جيوب في الظهر فيظهر ظهرها.
وهذه الجيوب جميعاً أمر الله بسترها وتغطيتها، وحرم كشفها إلا لمن سيذكره من الزوج والمحارم.
قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: إن نساء الأنصار كن من أطوع المؤمنين لأوامر الله، فعندما نزل قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] قالت أصبحن وقد صلين الفجر مع المؤمنين والمؤمنات، وإذا بهن وكأنما على رءوسهن الغربان؛ من تخمير رءوسهن وأعناقهن وجيوبهن وما يظهر من أبدانهن.
والآية تدل في ظاهرها على أن الخمار يضرب على الجيوب لا على الوجه، ومن هنا كان فهم ابن عباس وفهم الجمهور، ولكن ذلك إذا أمنت الفتنة، وأنى لها أن تأمن الفتنة.
стр. 668
تفسير سورة النور [٣١]
لقد أدب الله تعالى المؤمنات بعدة آداب من حيث غض البصر، وحفظ الفرج، وعدم إبداء الزينة وإظهارها، ثم أمرهن بالتوبة إليه مما بدر منهن من أخطاء ومعاص، فإن الفلاح والنجاح يكون مع التوبة.
стр. 669
تفسير قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن)
قال الله عزت قدرته: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١].
فالله ﷻ كما أمر نبيه ﷺ أن يأمر الرجال بغض الأبصار، وحفظ الفروج، والستر والعفة والحياء، أمره أن يأمر النساء بذلك؛ إذ إن الإسلام جاء للنساء كما جاء للرجال، (النساء شقائق الرجال) أي: إخوتهم الشقائق في الأحكام والحلال والحرام وجميع ما أمر الله به ونهى عنه، إلا ما صرح فيه مما يخصهن وحدهن، فقال تعالى: (وقل للمؤمنات) أي: قل: يا محمد! للمؤمنات وللمسلمات، (يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن) أي: قل لهن وهن مؤمنات: لا يليق بهن إلا أن يعشن كذلك في غض الأبصار، وحفظ الفروج، والعفة والستر والحشمة والحياء، فكما أن الرجال لا يحل لهم أن ينظروا إلى النساء وزينتهن، فكذلك لا يحل للنساء أن ينظرن إلى الرجال بشهوة، ولا أن ينظرن إلى محاسنهم وما يدعو إلى الفتنة منهم، فكل ذلك سواء، وفي عصر الصحابة عندما نزلت الآية ظن النساء أن غض البصر إنما هو خاص بالرجال وليس عاماً للنساء كذلك، فجاء إلى النبي ﷺ عبد الله بن أم مكتوم وهو ضرير البصر، وكان في مجلس رسول الله بعض نسائه من أمهات المؤمنين فضللن في المجلس، وإذا بالنبي ﵊ يأمرهن بأن يتركن المجلس ويخرجن، فقلن: يا رسول الله! أليس بأعمى لا ينظر؟ فقال لهما: (أفعمياوان أنتما؟) فقمن إذ ذاك من المجلس.
فكما حرم النظر إلى النساء من الرجال فكذلك حرم النظر من النساء إلى الرجال.
قال تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهم) (من) هنا قلنا: للتبعيض، أي: بعض النظر لا يجوز، وحد ذلك قوله ﵊ لـ علي ﵁: (لا تتبع النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى وعليك الثانية)، ونظر الفجاءة هو الذي يحدث من الرجال للنساء فجاءة فتلك النظرة الأولى هي المعفو عنها، وهي المرادة بالآية، ولكن النظرة الثانية هي المحرمة والممنوعة، وفيها الإثم والوزر.
قال: (ويحفظن فروجهن) أي: يصن فروجهن، والفروج: جمع فرج وهو مكان العفة من النساء، فأمرن بأن يحفظن فروجهن عن النظر وعن الزنا والفاحشة، وكما مضى في سورة المؤمنون أنه لا يجوز ذلك إلا للأزواج، وفي صفة المؤمنين الذين يحفظون الفروج إلا من الأزواج، قال تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٦ - ٧]، فمن ابتغى غير الزوجات وملك اليمين كان معتدياً وظالماً.
فالأمر للنساء كالأمر للرجال بغض البصر، وبألا يرين الرجال بشهوة، وألا يرين محاسنهم، وأن يحفظن فروجهن عن النظر إليها أو الزنا من باب أولى.
стр. 670
اختلاف العلماء في الزينة الظاهرة للمرأة
قال تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) وائمرهن يا محمد! بألا يظهرن من زينتهن إلا ما ظهر منها، فلا يجوز أن تظهر المرأة من محاسنها ومن زينتها إلا ما ظهر منها، واختلف الأصحاب ثم التابعون ثم الأئمة المجتهدون في ذلك، فقال ابن عباس: المرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وقال ابن مسعود: المرأة كلها عورة لا يجوز لها أن تظهر إلا عيناً أو عينين للبصر ورؤية الطريق، فإذا كان الأمر كذلك فما هي الزينة الظاهرة عند ابن عباس؟ قال: الزينة الظاهرة الوجه والكفان بلا كحل ولا دهن ولا حمرة، ولا ما يزيد ذلك زينةً وبهاءً، وقال ابن مسعود: زينة المرأة ثيابها الخارجية فقط وإلا فكلهن عورة، واستدل بقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١]، فقد سمى الله تعالى الألبسة الخارجية زينة، فأمر الرجال أن يلبسوها عندما يأتون المساجد خاصة يوم الجمعة، والآيات يفسر بعضها بعضاً، إذاً: زينة المرأة من خارجها من قوام وشكل ومن لباس، ومع ذلك أمر الله الرجال أن يغضوا من أبصارهم خاصة إذا كانت النظرة الثانية، وأخص من ذلك إذا كانت بنية سيئة من شهوة وتمني سوء وفاحشة.
وقال ابن كثير: جمهور الأئمة على أن عورة المرأة هي عورتها في الصلاة والطواف والحج والإحرام، وعورتها كذلك هي الوجه والكفان، وإحرام المرأة في وجهها، ولكن علماءنا مع ذلك قالوا: إذا خيفت الفتنة وانتشر الفساد فيجب الأخذ برأي ابن مسعود، خاصة وأن ابن مسعود استدل بآية واستدل بما كان في عصر الصحابة، فقد كان بعضهن متنقبات باللثام بحيث كان لا يرى منهن إلا العين، وعلى هذا عاش المسلمون قروناً في مشارق الأرض ومغاربها، وما كان ذلك يتغير إلا في العجائز والبدو، وفيما لا يكاد يكون له خطر من زينة أو محاسن.
فـ ابن مسعود احتج بالآية، وابن عباس احتج بالآية وما يفسرها من حديث أسماء أخت عائشة ابنتي أبي بكر الصديق ﵃، فقد دخلت على رسول الله البيت ﷺ بألبسة شفافة تكاد تظهر لون اللحم من خلفها، فغضب النبي ﷺ وأعرض وترك المكان ثم عاد، فوجدها لا تزال، وقد قالت لها أختها عائشة: لقد كره منك ﷺ شيئاً، وإذا به يقول لها: (يا أسماء! إذا بلغت المرأة المحيض -إذا بلغت سن الرشد بالحيض- فلا يحل أن يرى منها إلا هذا وهذا) وأشار إلى كفيه وإلى وجهه الشريف صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكن مع هذا فـ ابن عباس ومن قال هذا معه من الأصحاب والأتباع والتابعين والمجتهدين ألزموا أن يكون ذلك دون المزيد من الزينة بما يعتبر تبرجاً، والتبرج حرمه الله ﷻ وقال للمؤمنات: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، أي: لا تفعلن أيتها المؤمنات وأيتها المسلمات بعد أن أسلمتن وأكرمكن الله بالتوحيد فعل الجاهلية الأولى من التبرج وإظهار محاسن المرأة مما لا يليق بالمؤمنة، فإن كان الوجه مكشوفاً وأمنت الفتنة فذلك قد أمضاه الفقهاء والعلماء، ولكن الفتنة قلّما تخفى وقلما تؤمن، وعلى هذا كان المسلمون قروناً مضت وتلتها قرون، فكان حالهم في مشارق الأرض ومغاربها على ستر المرأة في كل بدنها، وما نعيش فيه اليوم من فسوق وفجور وتبرج زاد على فعل الجاهلية الأولى بما لا يكاد يقبله حتى أهل الكتاب، فكيف بالمسلمين؟ وكيف بأتباع نبينا خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه؟! قال تعالى: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) الخمر: جمع خمار، والخمار: ما يستر شعر المرأة، وكانت المرأة تستعمله حتى في الجاهلية، ولكنهن كن يكشفن نحورهن وأجيادهن وأذرعهن وظهورهن، فأمر الله ﷻ في كتابه بأن خمار الرأس يجب أن يضرب على العنق وعلى الجيوب كلها، والجيوب: جمع جيب: وهو الشق، ومن هنا سميت الشقوق في القمصان والثياب جيوباً، وهناك جيب العنق، وجيب القفا، وجيب الآباط، كل هذه الجيوب يجب أن تستر وتغطى بالخمر، فلا يجوز أن تظهر المرأة منها شيئاً لا عنقها ولا شعرها ولا أقراطها ولا عقودها ولا أساور يدها ولا خلاخل رجلها ولا شيئاً من ذلك، كل ذلك قد حرمه الشارع وشدد فيه ونهى عنه، وأمر بالعفة والستر والمروءة والحشمة والحياء.
كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩] أي: قل يا محمد! لزوجاتك أمهات المؤمنين ولبناتك: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة والأحفاد منها، وقل للمؤمنين ولنساء المؤمنين عامة يدنين عليهن من جلابيبهن، والجلباب: ما يستر جميع بدن المرأة، ولا يزال يسمى في المغرب بالجلابية ويسمى هنا بالعباءة، ويسمى في كل قطر من الأقطار الإسلامية باسم، فقال الله لنبيه: قل لجميع المسلمات من أمهات المؤمنين وبنات آل البيت وعموم المسلمات أن يدنين ويقربن عليهن الجلابيب بحيث يكون البدن جميعه مستوراً.
стр. 671
عورة الرجل وعورة المرأة
عورة الرجل مع الرجل جميع ما بين السرة والركبة وما سوى ذلك ليس بعورة، وعورة المرأة جميع بدنها مع الأجانب سوى العينين والوجه والكفين كما نقلنا في الرواية عن الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب، ولكن حتى الرجل لا يليق به أن يجلس بدون سبب مكشوف الصدر والظهر من السرة فما فوق، وأن يصلي كذلك، وأن يخرج للأسواق كذلك، فلو فعل لشُكَّ فيه أن في عقله شيئاً، والمرأة كذلك لو جلست مع النساء وعورتها هكذا لقيل عنها: جنَّت.
أما المحارم فقد أباح الشارع أن تظهر المرأة بمحاسنها الخارجية والخفية، والمحاسن الخفية: الأقراط والعنق واليدان والرجلان وبقية الزينة، وليس كشف اللحم وكشف الصدر وكشف الظهر وكشف السيقان وما إلى هذا، فقال تعالى: (ولا يبدين زينتهن) فعمم ثم خصص وفصل، فقال: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن) البعولة: جمع بعل: وهو الزوج، فلا يظهرن زينتهن إلا للأزواج، وللرجل أن يرى جميع بدن امرأته ولو عريانة، لكن الفقهاء مع ذلك كرهوا منه ومنها أن ينظر بعضهم لفرج بعض.
و (زينتهن) التي حرم الله إظهارها أمام الأجنبي.
((وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)) فمع المحارم لا حاجة لذلك، فكشف شعر الرأس والعنق والصدر وما إلى ذلك إلى أحد من المحارم لا مانع من هذا.
قال: ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١] آباء البنات يحل له أن يرى الزينة من ابنته، وأن تري البنت زينتها لأبيها فهو محرم لها وهي محرم له، وليست المحارم ما لا يخطر على البال مما يكون عادة مع الأجانب، قال تعالى: (أو آباء بعولتهن) أي: آباء الأزواج، وهو ما يسمى في اصطلاح بعض ديار المشرق بالعم، فأبو الزوج كذلك محرم حرمة أبدية، فإن بقيت المرأة زوجة أو طلقت فإنه يبقى محرماً لها كما لو كان أباها نفسه.
قال: (أو أبنائهن) والمرأة كذلك مع أبنائها، والأبناء كذلك مع أمهم، قال: (أو أبناء بعولتهن) أو الربائب، فابن الزوج بالنسبة للزوجة هو كولدها؛ لأنه محرم عليها حرمة أبدية.
قال: (أو إخوانهن) جمع أخ، وهو أخوها الشقيق أو غير الشقيق أي: الأخ لأب ولأم، أو الأخ لأب فقط أو الأخ لأم فقط، فكل أولئك محارم، فلها أن تظهر زينتها لهم، ولهم أن يروها كذلك.
(أو بني إخوانهن) أو أبناء الإخوة وهم من ينادونها بالعمة، فهم كذلك محارم وهي محرم لهم.
(أو بني أخواتهن) من يناديها من الأبناء بالخالة، فالخالة والعمة والزوج والأب والربيب والإخوة كل أولئك محارم لمن هذه صلتهم بها، ولمن صلتها بهم كذلك.
(أو نسائهن) النساء: جمع لا مفرد له باللفظ، ومفردها امرأة، والمعنى: المؤمنات مع المؤمنات؛ لأن الأمر بهذا للمؤمنات: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن)، فالمؤمنات مع المؤمنات والمسلمات مع المسلمات كذلك لهن جميعاً أن يظهرن محاسنهن وزينتهن لبعضهن، وخرج من هذا من لسن بمسلمات فهن لسن بنساء مؤمنات، أي: لسن بالنساء اللائي لهن صلة دين أو أخوة إسلامية، ومن هنا يقول جمهور العلماء بأن المرأة غير المسلمة هي من المسلمة كالأجنبي من المرأة، فلا يجوز أن تظهر لها إلا كما تظهر للأجنبي إما مستورة كاملة أو تظهر الوجه والكفين فقط.
فإن قيل: ولم ذلك؟ قالوا: لما يمكن أن تصف تلك النصرانية أو اليهودية الصفة التامة لتلك المؤمنة لأزواجهن من الكفار يهوداً ونصارى وغيرهم، وهذا قد حرمه الشارع، فإن عمر ﵁ كتب لعامل الشام أبي عبيدة عامر بن الجراح ﵁ فقال له: بلغني أن النساء المسلمات يدخلن في الشام للحمامات ومعهن النصارى واليهود، فامنعهن من ذلك، فقد منع الله ذلك ولم يبح إلا للمؤمنات فقط، أما أن يدخلن هكذا عرايا على النساء غير المسلمات فلا، فمنعهن أبو عبيدة من ذلك.
وقال بعض الأئمة: (نسائهن) أراد أن يفهم منها كل النساء، وأن الكافرة كذلك لا مانع منها، ولكن الآية تكاد تكون صريحة وليس هناك ما يؤكد هذا، ومن هنا ننتبه أن الآية تدل على مسلمين آخرين من الأقارب فلم يذكر الخال ولم يذكر العم؛ ليس لأن الخال والعم ليسا بمحرم، قالوا ولكن السبب: أنه لا يجوز للمرأة أن تظهر زينتها ومحاسنها للعم والخال، لأنه يمكن أن العم يتحدث بذلك لأولاده وهم أجانب، ويتحدث الخال لأولاده وهم أجانب، وقد كان ﷺ ينهى الزوجات من أن يصفن النساء لأزواجهن كما لو أنهم يرونهن رأي العين، فمنع الزوجات أن يخبرن أزواجهن بأن فلانة طولها وعرضها وعينها وخدها كذا حرم الشارع ذلك؛ لأنه يمكن أن يشهي مثل هذا الوصف لزوجها، ويدعوه لما لا يليق به مما يكون خطراً على دينها ودينه، فإن كان هذا مع العم والخال وهما محرمان مؤمنان، فمع المرأة الكافرة من باب أولى.
قال: (أو ما ملكت أيمانهن) الكلمة في ظاهرها تدل على أن ملك اليمين عبيداً وإماءً إن كانوا ملكاً للمرأة بأنه لا مانع من أن يكونوا معها كالمحارم، ولكن المفسرين زيفوا هذا الفهم لبعض المفسرين وقالوا: ليس الأمر كذلك، فإن العبيد قد دخلوا من أول مرة على أنهم أجانب، ولا يدخل هنا إلا المرأة الكتابية الكافرة إن كانت أمة للسيدة المؤمنة، فلا مانع من أن تظهر زينتها لها، ولا مانع من أن تعيش معها كما يعيش المحرم مع محرمه؛ لأنها وهي تحت ملكها وتصرفها وملك يمينها كونها تصف لزوجها الكافر أو لأولاده محاسنها وزينتها مأمون هذا فهي أمتها، والشأن ألا تزوجها بكافر، وألا يكون عندها أولاد كفرة، ومن هنا قالوا: إن ملك اليمين يخص الأمة، أي: المرأة المملوكة لا العبد.
قال: (أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال) أو من عادةً يملئون البيت ممن لم يأت إلا لأجل الطعام والشراب والمتاع، وأخذ الصدقة والعطاء ممن ليس له حاجة في النساء، ولا رغبة له فيهن، وهؤلاء كالرجال المغفلين الذين عادة يتصلون ببعض البيوت والأشخاص ولا يشتهون النساء ولا يفكرون فيهن، وليست لهم الرغبة التي تكون عند الآخرين، أو الشيخ الهرم المسن الذي لا رغبة له في النساء ولا النساء لهن رغبة فيه، أو الرجال الذين هم عادة منعوا من الزواج إما لأنهم جبت فروجهم أو دقت أنثياهم فأصبحوا أشبه بالنساء، وهذا ما يسمى بالخصي، وهؤلاء لا يبقون رجالاً، بل يبقون خلقاً لا هم رجال ولا هم نساء، وتذهب منهم الرغبة بالنساء مطلقاً، فدخول هؤلاء كذلك على النساء لا مانع منه بأن يكونوا في البيوت خدماً، أو أن يكونوا ممن يتبعون الناس في البيوت لطعام أو شراب أو خدمة أو ما إلى ذلك، فإذا ظُنَّ إنسان يوماً أنه أبله أو مغفل أو مجبوب أو عنين ثم أخذ يتكلم عن محاسن النساء فإنه يمنع من الدخول عليهن، كما حصل ذلك مرة من مخنث كان يظن أنه من المغفلين، وكان يدخل البيت النبوي، وكان اسمه هيت، فدخل رسول الله ﷺ يوماً فوجده وبعض أمهات المؤمنين حاضرات وهو يقول لأحد أصهار رسول الله ﷺ : لو ذهبت إلى الطائف ورأيت فلانة فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، وأنها وأنها فقال ﷺ : (أراك تفهم هذا؟ أخرجوه عنكم، فطرد) وأخرج من المدينة ألبتة، وأبعد عن سكن الناس بالمرة؛ لأنه أظهر من بلاهته وغفلته ما غر الناس فعوقب بالنفي المؤبد، وبقي منفياً حياة رسول الله ﷺ وحياة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان إلى أواسط أيامه ﵃، فأذن له أن ينزل يوم الجمعة ليسعى فيما يتعيش به هو ومن في خارج المدينة.
فقوله: (أو التابعين غير أولي الإربة) أي: التابعين للأسر أزواجاً وزوجات ممن يخدمونهم وممن يطلبون رفدهم وصدقتهم وعطاءهم وسقط متاعهم، فهؤلاء إن كانوا لا إربة لهم ولا غرض ولا شهوة، ولا يعرفون مما يتعلق بالنساء شيئاً أذن لهم في الدخول على النساء.
قال تعالى: (أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء) (الطفل) هنا: الأطفال، فهو اسم جنس للجميع، فهؤلاء الأطفال الذين لم يطلعوا على عورات النساء بحيث لو رأوا شوهاء أو جميلة عريانة أو لابسة لا يدركون ذلك بالمرة ولا يفكرون فيه، كأبناء خمس سنوات أو ست سنوات أو أقل، أما الولد المميز الذي يستطيع أن يقول: هذه جميلة وهذه شوهاء، وهذه من صفتها كذا وهذه من صفتها كذا فهؤلاء أيضاً لا يجوز لهم أن يدخلوا على النساء، ويجب أن يمنعوا ما داموا يعرفون من النساء محاسنهن ويعرفون منهن صفاتهن، وأما أولئك الأطفال الذين لا يميزون فلا مانع، وعورة المرأة زينتها، وهكذا أعيدت الكلمة باسم (عورات) وهو ما قاله الأئمة ومفسروا الآية، فقوله: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) أي: هي عورة لا يجوز أن تظهر؛ ولذلك نرى لم يذكر العم وهو محرم، ولم يذكر الخال وهو محرم وهو قول الشعبي والضحاك والأئمة من المفسرين، قالوا: منعهم أن يروا زينة المرأة أو محاسنها كيلا لا يصفوها لأولادهم فيكون بذلك كشف للعورة وهذا لا يجوز، وأما الأخ فأبناؤه محارم، والأب كذلك أبناؤه إخوة، والأخت أبناؤها محارم، وأولاد الزوج من الرضاعة فهم محارم، وكل ما ذكر الله من الآباء والأبناء في هذه الآية هم جميعاً من المحارم، ولكن لم يذكر الخال والعم لأن أولادهما ليسوا من المحارم؛ واتقاء أن يذهب العم والخال فيصف للأولاد زينة المرأة ومحاسنها، كما لو كان يراها مباشرة، فمنع من ذلك لهذا المعنى، كما منعت المرأة الكتابية والمرأة غير المسلمة من أن ترى محاسن المسلمة وزينتها؛ كيلا يتحدثن عنها لأزواجهن أو لأولادهن وهم كفار.
قال تعالى: (ولا يضربن بأرجلهن) أي: لا يضربن بأرجلهن ليبدين ما يخفين من زينتهن، وهذا لا يزال إلى الآن في بعض الأقطار، فمن حلية المرأة أن تلبس في رجليها ما يسمى بالخلاخل، فتجد المرأة تلبس ذلك في رجلها إذ تكون متسترة هكذا الشأن في المسلمات، ولكن المرأة بفطرتها تريد أن تشعر المارة بأنها تخفي من الحلية في الرجل واليد والأذنين والعنق ما يدل على رفاهيتها وعزتها على زوجها وعلى أبيها، فتفعل حركة برجليها وتضرب رجلاً برجل ليسمع صوت الخلخال وتلفت أنظار الماشين من الرجال، فإن فعلته لمجرد هذا فهو ممنوع وحرمه القرآ
стр. 672
تفسير سورة النور [٣٢ - ٣٤]
أمر الله تعالى هنا الأولياء بأن يزوجوا أولادهم وبناتهم، وأن يزوجوا الصالحين من عبيدهم وإماهم، وقد تكفل الله تعالى بأن يغني الفقير من فضله، فلا يكن الفقر حجر عثرة أمام الزواج.
كما أمر الله تعالى الذين لا يستطيعون النكاح لعذر من الأعذار أن يستعففوا إلى أن يغنيهم الله تعالى من فضله.
стр. 673
تفسير قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم)
قال الله ﷻ : ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٢].
يأمر الله ﷻ الآباء والأولياء والسادة والموالي بأن يزوجوا أولادهم وبناتهم، والأيامى: جمع أيم، والأيم: كل رجل وامرأة لا زوجة له ولا زوج لها، سواء كانا من قبل قد تزوجا أم لا، فكل ذلك يوصف لغةً بالأيم.
فالله يأمر الأولياء والآباء المشرفين والمنفقين والمكلّفين والمسئولين عن أولادهم وبناتهم أن يزوجوهم ولا يتركوهم عزّاباً، وقد قال ﷺ : (مسكين رجل لا امرأة له) أي: لا زوجة له (ومسكينة امرأة لا زوج لها).
ويأمر الله ﷻ السادة والأولياء أن يزوجوا الصالحين من العباد: من غلمانهم وفتياتهم وإمائهم الصالحين، حيث لا علة فيهم ولا ضرر يمنعهم من الزواج؛ كأن يكون هناك ما يمنعهم من صحة الزواج: كخصاء أو جباء أو ليس فيهم ما يدعو للزواج وللرغبة في النساء مرضاً أو خلقة، فلا تتركوهم بغير أزواج، وأكثر ما يتعلل به العزّاب والعذارى والأولياء المشرفون عليهم بأنهم فقراء لا يملكون مالاً لزواجهم، وهذا الأمر يتعهد الله ﷻ بوجوده وبكينونته فيقول: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢] أي: إن كانت العلة في عدم الزواج هي الفقر فالله تعالى يضمن لهم ويتعهد لهم بأن يغنيهم من فضله ومن واسع كرمه ورزقه ﷻ ، وقد زوج النبي ﷺ رجلاً على خاتم من حديد، ولكنه لم يجد خاتماً فزوجه على أن يعلم زوجته سوراً مما يحفظ من كتاب الله الكريم.
وقد قال أبو بكر وعمر وجمهور من الصحابة ﵃: أيها الناس! إن الله رغّبكم في الزواج وحضكم عليه، وضمن لكم الغنى من أجله، فإذا كان الأمر كذلك فعلة الفقر والتعلل والعذر به ليس عذراً.
والله يقول: أنكحوا، وهو فعل أمر، والأمر في أصول الفقه وأصول تفسير كتاب الله إذا أُطلق من غير أن يصرف عن ظاهره فإنه للوجوب.
وقد أوجب الزواج -بأمر الله- الكثير من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، ولا عُذر في تركه إلا لمن كانت فيه علة بدنية تصرفه عن ذلك؛ وقد قال ﵊ كما في صحيح البخاري ومسلم ومسند أحمد عن عبد الله بن مسعود وغيره من الأصحاب رضوان الله عليهم: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحفظ للفرج، ومن لم يجد فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء).
فنادى ﷺ الشباب ولم ينادِ الكهول ولا الشيوخ؛ إذ قد تزوجوا منذ صباهم، فقال للشباب رجالاً ونساء ذكوراً وإناثاً: (من استطاع منكم الباءة) أي: من استطاع منكم النكاح فليتزوج، فإن الزواج أغض لبصره عن المحارم ورؤية محاسن ما لا يجوز له أن يراه، وأحفظ للفرج من الزنا والفاحشة، وقد أمر الله نبيه ﵊ أن يأمر أتباعه، فقال له: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠]، وقال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١]، ومن أجل ذلك قال: (فإنه أغض للبصر، وأحفظ للفرج)، فمن لم يجد ولم يستطع الزواج لعلة من العلل كأن كان طالباً يخاف أن يشغله الزواج والولادة عن الدراسة وطلب العلم الواجب، قال له في هذه الحالة: فليصم، والصيام له علاج ووجاء، فهو يدفع الشهوة، ويزيل القلق نوعاً ما، على أن الطالب إذا تعهد له والده أو وليه أو حكومته بالإنفاق عليه وعلى زوجته وأولاده زال عذره من عدم الزواج، كما قد يكون عذراً كون الجندي في ساحة القتال، وقد يكون مجنداً لسنتين أو ثلاث أو أكثر، فقد يكون هذا عذراً ريثما يسرح من الجيش، وفيما عدا ذلك فالزواج واجب، ولو أوجبته الحكومات الإسلامية لدفعت الكثير من الفواحش ومن الفساد المنتشر في المجلات وفي الأفلام، وما إلى ذلك من أنواع الفسوق والعصيان المنتشر في أرض الإسلام، ولو فعلوا ذلك لما بقي في بيت عذراء ولا عزب، ولتزوج الجميع، وإذا تزوجوا كان ذلك سبباً للقضاء على الفواحش وما يدفع إليها، والشبعان لا يطلب طعاماً، والغني لا يتسول مالاً، ولكن عندما لا يتم ذلك يحصل ما نراه وترونه جميعاً في بلاد الإسلام مشارقه ومغاربه.
((إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)) وهذا أمر الله ووعد الله الذي لا يخلف الميعاد، وقد جُرّب ذلك في المسلمين قديماً وحديثاً فكان الزواج سبب الغنى والكفاية، وسبب الرزق والعطاء والاستغناء عن الناس.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٢] أي: واسع الجود وواسع الكرم والعطاء ﷻ ، ولذلك فالطريق إلى الغنى لمن لم يجده أن يتزوج إن كان عزباً أو كان أيّماً، وتتزوج المرأة إن كانت عذراء عزباء ليغنيها الله من فضله وعداً من الله حقاً، فقوله: ((وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم)) أي: واسع الكرم عليم بعباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ويطيعون الله، ويخرجون عن المعصية وعن المخالفة، ويكونون من أولياء الله المتقين المتعبدين بالطاعة لله ولرسوله.
стр. 674
تفسير قوله تعالى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً)
قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣].
فإن كان ولا بد وكان العذر لهؤلاء هو الفقر، فمن لم يكن كذلك مكفياً فليستعفف وليطلب العفة بألا يزني ولا يفسق: لا بعينه، ولا بأذنه، ولا بيده، ولا بفرجه، وقد كتب الله الزنا في العين، فإذا ما رأت ما لا يحل لها فقد زنت، والأذن إذا أنصتت لما لا يحل لها فقد زنت، واليد إذا باشرت ما لا يحل لها من بشرة محرمة فقد زنت، وهكذا تجد هذا الذي لا يتزوج تعللاً بالفقر لا يكاد يخلو من الزنا يومه كله، فينظر لأعراض الناس في الطرق والأزقة، ويسمع لغناء النساء ورخامة أصواتهن وفحش قولهن، ويمد يده مصافحاً لمن لا يجوز له أن يصافحها، وهكذا تجده يومه كله في مخالفة وعصيان لله ولرسول الله ﷺ ، وابتعاد عن أخلاق المؤمنين.
فقوله تعالى: ((وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)) السين والتاء إذا دخلت الفعل فهو للطلب، أي: ليطلب العفة، فهؤلاء الفقراء إن أصروا على عدم الزواج للفقر فليكونوا عفيفين عن النظر والسمع والزنا والفرج فيما لا يحل لهم؛ عسى الله أن يغنيهم ويكفيهم، فإن الله قد تعهد بذلك من قبل، وكلمة النكاح إذا أُطلقت تعني الزواج، وقل ما تعني الجماع.
قال تعالى: ((وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا)) هذه الفقرة من الآية تتعلق بحكم آخر كبير الشأن، هذا الحكم يتعلق بتحرير العبيد الأرقاء قبل أن يدّعي هؤلاء الأعداء اليوم أنهم قد أعتقوهم وأوجبوا ذلك، فأعتقوهم أفراداً واستعبدوهم شعوباً وأمماً، استعبدوهم للبطش والذل والهوان والاسترقاق، وأنتم ترون وتسمعون كل حين كيف أن أمم الكفر أطلقت كلب الصيد اليهود فكانوا كلاباً وقردة وخنازير، لضرب المسلمين براً وبحراً وجواً، فيريقون الدم الحرام، وينتهكون العرض الحرام ويستذلون ويقتلون ويستعبدون، وكأن الدنيا لم يبق فيها مسلم، ولم يبق فيها من يدّعي ويزعم الدفاع عن ما يسمونه إنسانية أو آدمية أو بشرية، وهكذا لا نزال نجد أمم الكفر قد تواطأت وتآمرت على إذلال الإسلام والمسلمين، بل حتى المسلمين تواطئوا على أنفسهم ليذلوا أنفسهم ويستعبدوها، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١]، فنحن قد رأينا ولا نزال نرى جميع أمم الكفر والنصرانية في الأرض كيف والوا اليهود وناصروهم وعزّزوهم وعزّروهم وملّكوهم من الأسلحة والأموال والدفاع والكفاح؛ ليذلوا المسلمين، وليذهبوا وجودهم من المشرق العربي؛ إعادةً للصليبية الأولى، وحقداً على المسلمين وعلى دين الإسلام.
قال تعالى: ((وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ)) (والذين يبتغون) أي: الذين يريدون، والكتاب: المكاتبة، (مما ملكت أيمانكم) من عبيدكم وأرقّائكم رجالاً ونساء، ((فَكَاتِبُوهُمْ))، ومعنى الكلام: إذا جاءكم أيها السادة والموالي عبيدكم وأرقاؤكم وجواريكم وفتياتكم فطلبوا منكم أن يعقدوا معكم مكاتبة في تحريرهم وشراء أنفسهم فافعلوا وكاتبوهم، والمكاتبة في لغة الرق والأرقّاء: أن يأتي الرقيق ذكراً كان أو أنثى فيقول لمولاه: كاتبني، أي اكتب بيني وبينك عقداً أؤدي لك قدراً من ثمن، أو أؤدي لك ما يمكن أن أتفق وإياك عليه خلال فترة معينة.
وهذه الفقرة من الآية الكريمة تدعو إلى تحرير العبيد منذ ١٤٠٠ عام نزل بها الوحي الكريم على سيد البشر محمد ﷺ ، وذلك قبل أن يدّعي هؤلاء الأرذال إخوان القردة والخنازير أنهم حرروا العبيد، فحرروهم أفراداً فيما زعموا واستعبدوهم شعوباً وأمماً.
ومعنى ذلك: أن العبد إذا أراد حريته والجارية إذا أرادت حريتها فأعطوها إياه مقابل ما صرفتم من مال يؤدونه إليكم، يقول عمر: يجب على كل مولى وسيد إذا رغب مولاه -عبده أو جاريته- في المكاتبة على قدر من المال من ثمنهما، إن يفعل.
стр. 675
ذكر إجبار عمر بن الخطاب لأنس بن مالك أن يعتق سيرين
كان سيرين غلام أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ ، ووالد الإمام العالم الربّاني محمد بن سيرين مولى لـ أنس، فجاء إليه وقال: يا مولاي! كاتبني، أي: اعتق رقبتي من الرق مقابل شيء أتفق وإياك عليه، وإذا بـ أنس يمتنع، فيذهب سيرين إلى عمر وكان إذ ذاك أميراً للمؤمنين فيشتكي بـ أنس، فدعا عمر أنساً وقال له: كاتبه وأجبه لرغبته، وإذا بـ أنس يمتنع، فيضربه عمر بالدرة كما يفعل عادة مع كل مخالف لما يعتقده أمراً من الله وأمراً من رسول الله ﷺ ، وبذلك أجبر أنساً على مكاتبة سيرين وعتقه مقابل مال يؤديه منجّماً، أي: زمناً بعد زمن ووقتاً بعد وقت.
وما فعله عمر إلا لأنه يعتقد أن قوله تعالى: ((فَكَاتِبُوهُمْ)) أمر ليس للاستحباب ولا للانتداب، وقد قال بهذا عالم مكة عطاء بن رباح، وعالم بغداد الإمام المجتهد داود الظاهري، وعالم الأندلس أبو محمد بن حزم وقال بهذا الكثير من الأئمة المجتهدين سلفاً وخلفاً: إن المكاتِب إذا جاء يطلب حريته فإنه يجاب لرغبته بقيد الله الذي قيّد، حيث قال الله تعالى: ((إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا)) أي: إن علمتم في هؤلاء الأرقاء خيراً.
واختلف المفسّرون في هذا الخير ماذا يعني؟ فقال بعضهم: المال، ولكن هذا كلام غير مقبول؛ لأن العبد لا يملك، وما يملك فهو لسيده ومولاه، فالفرض أنه لا مال له حتى يُقال: ((إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا))، وقالوا: الخير هو الأمانة والصدق والصلاة، ويجمع كل ذلك: إذا علمتم فيهم إسلاماً، بمعنى أن الرقيق كان غير مسلم، ثم أسلم وجاء يريد مكاتبة مولاه على حريته وعتقه في هذه الحالة، فيجب على سيده أن يستجيب لحريته وأن يكاتبه، وبهذا يُصبح الأمر أن كل من أراد حريته ممن مُلكوا رجالاً أو نساءً في أسر في معركة مع الكافرين ثم أسلموا، أو توالدوا مسلمين عن أرقاء ليسوا بمسلمين، إن جاء هؤلاء وأرادوا حريتهم فاستجيبوا لهم، ويُكتب عادة عقد فيه: أن فلاناً مولى فلان الرقيق استجاب لرغبة مولاه فلان أو فلانة من الأرقاء في عتق رقبته وحرية بدنه، مقابل قدر من المال أو عمل من الأعمال يعمله مؤقتاً زمناً بعد زمن لشهر أو سنة أو سنتين أو أكثر أو أقل، فإذا كُتب كتاب عقد الحرية وأعطى الرقيق قدراً من ثمنه ثم عجز عن تسديد الباقي فإنه يصبح مديناً لمولاه، وقد قال تعالى عن المدين: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]، فيُصبح ذا عسرة، وذو العسرة من المدينين يُنتظر غناه فيسد ما عليه.
إذاً: المسلم بمجرد طلب حريته -إن كان رقيقاً- فإنه يجب على مولاه أن يستجيب للمكاتبة، وبمجرد أن يبتدئ بالمكاتبة ويُعطي بعضها يُصبح بعد ذلك مديناً، فإن استطاع أن يؤدي فذاك، وإن أعسر فيُنتظر غناه، وهو حر معتق، قال بالذي أقول الكثير من الأئمة سلفاً وخلفاً.
وقال آخرون: المكاتب رقيق ما لم يؤد آخر ما اتفق عليه مع مولاه، والرقيق ليس واجباً على المولى أن يُعتقه أو يُكاتبه، وإنما ذلك شيء مندوب إليه ومستحب؛ وهكذا اختلفوا، ولكن الآية بالأمر الصادر لا يمنع من كونه واجباً، والذي قال أمير المؤمنين عمر عنه إنه واجب، وسُنة عمر في ذاتها تعتبر سُنة نبوية؛ لحديث: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ).
ثم قال تعالى: ((وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ)) ومعنى هذه الفقرة من الآية الكريمة: إن أراد أرقاؤكم وعبيدكم الحرية والعتق فاستجيبوا لهم، وأعينوهم على عتقهم بأن تُسقطوا لهم وتتنازلوا لهم عن بعض ما اتفقتم عليه معهم، كأن تكونوا قد اتفقتم على أداء عشرين ألفاً فقال البعض: يجب أن تتنازل له على نصف هذا القدر، وبعضهم قال: الربع، وبعضهم قال: الثلث وهكذا، فالآية خطاب للأولياء والسادة.
فقوله: ((وَآتُوهُمْ)) أي: آتوا الموالي المُكاتبين في حريتهم وعتقهم مساعدة وعطاءً، ((مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ)) أي: من هذا المال الذي ملككم الله إياه ورزقكم، وهو في الأصل مال الله رزقكم إياه وأعطاكم إياه، وفرض فيه فرائض وألزم فيه لوازم: من النفقة على العيال، ومن الزكاة الواجبة للفقراء والمساكين، ومن إعطاء كل سائل، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥]، فهذا المال خرجت أنت من بطن أمك ولا تملك منه نقيراً، وقد رزقك الله إياه بعد ولادتك، فمال الله هذا لا تبخل به على مستحقيه نفقةً وزكاةً وصدقةً وعطاءً، ولا تبخل به على مكاتبيك من أرقائك، بل ساعدهم وأعطهم منه.
وقال مفسّرون: ((وَآتُوهُمْ)) الخطاب لكل المسلمين بأن يؤتوا هؤلاء المساكين، سادة وغير سادة، ممن كاتبوهم أو من المسلمين ممن لم يكاتبوهم، يقول: أعينوا هؤلاء المكاتبين الطالبين لحريتهم والطالبين لعتقهم، وساعدوهم على ما اتفقوا عليه من عطاء وأداء مقابل حريتهم وعتقهم، وأعطوهم السهم الذي أوجبه الله في الزكاة وفي الرقاب، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة:٦٠] فثمن الزكاة والعطاء جعله الله قسمة بين ثمانية، وأحد هؤلاء الثمانية: عتق الرقاب وإعفاء هؤلاء عن رقّهم.
ويبقى المعنى بذلك: أن الله يخاطب جميع المسلمين أن يُساعدوا في عتق الرقيق، وفي تحريره، وفي ألا يكون رقيقاً بعد هذا، والله جعل مع ذلك في كثير من الكفّارات عتق رقبة.
واستعباد الناس لم يكن شيئاً من الإسلام، بل جاء الإسلام فوجد الأمم السابقة والأديان السابقة أن هذا من جملة عملهم وتقاليد مجتمعهم، فالله عندما أنزل كتابه وأرسل محمداً برسالته ﷺ دعا للتخفيف من قيود ذلك، مع الإحسان إليهم فيما إذا بقوا كذلك، واعتبارهم إخوةً وأولاداً لأوليائهم، فقد قال ﷺ : (إخوانكم خولكم -أي: عبيدكم إخوانكم- أطعموهم مما تطعمون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون، فإن كلّفتموهم فأعينوهم) وهؤلاء الذين يزعمون اليوم من أدعياء الحضارة والمدنية كذبة فجرة، فقد دعوا إلى ذلك أفراداً وعملوه شعوباً وأمماً، فاستعبدوا الشعوب والأمم وأزالوا عنهم كل حرية واختيار: من سفك دم، وهتك عرض، وزوال مال، وإذلال كرامة، ونحن نعلم أن في هذه الديار المقدّسة قد أُعتق العبيد لسنتين أو أربع مضت، ولما أعتقهم أسيادهم رفض الأرقاء وقالوا: إلى أين نذهب؟ فلا نعرف لنا والداً سواكم، ولا أُسرة غيركم، وإذا كان كذلك إما أن تبقونا أرقاء وإما نحن خدمكم؛ ولذلك فإن الرقيق إذا وجد راحته ووجد سعادته في أن يبقى رقيقاً فالأمر له، فقد يكون ذلك أربح له، وقد يكون ذلك أسعد له، والكثيرون منهم يجدون من مواليهم وساداتهم عطفاً وبراً وعناية، وإذا أُطلقوا سيعجزون حتى عن النفقة على أنفسهم أكلاً وسكناً وشرباً، وفي هذه الآية نرى الله ﷻ قد ذكر المال منسوباً إليه، فأموالنا وكل ما في السماوات والأرض هو لله، فيجب أن يعتقد الإنسان المسلم أن ماله الذي بيده هو لله، فرض الله فيه فرائض من النفقة، وفرائض من الزكاة، وفرائض من المعاملات، فإن لم يفعلها انتزع منه المال على أنه مال الله ولم يحسن استعماله، بل اتخذ الحلال حراماً وآذى به الناس، والله شرع التملك بما تقدر وتستطيع من تجارة وزراعة وصناعة، ولكنه حد حدوداً فمن تجاوزها أزال الكرامة عما يملك، فمن ملك المال بواسطة ما حرّم الله: بواسطة الربا أو الرشوة أو الفساد أو ما لا يليق مما حرّم الشارع، فلا يُعتبر هذا المال مالاً حلالاً، وما لم يكن مالاً حلالاً فإنه يُنزع، ولا يُقال عنه: نزع الملكية، ولا يُقال عنه: التأمين، ولكن يقال عنه: رد المظالم.
стр. 676
رد المظالم إلى أهلها في عهد عمر بن عبد العزيز
إن أول من أقام هذه الإدارات بهذا النوع هو عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الخامس، فقد جاء بين عهدين ظالمين، وخليفتين ظالمين، فوجد الفساد قد انتشر في البر والبحر والسهول والجبال، ففتح دائرة وأسماها دائرة رد المظالم، وابتدأ بزوجته وهي فاطمة بنت عبد الملك بن مروان الخليفة بن الخليفة، فقال لها: يا فاطمة! كل ما تملكين من حلي وأرض وعقار قد أخذه أبوكِ وجدكِ من المسلمين من غير حق، وأنا سآخذه منكِ قهراً وأُعيده إلى بيت المال، فإن كان ذلك برضاكِ فأنت زوجتي في الدنيا والآخرة، وإن لم يكن فالمال سأعيده لأصحابه من المسلمين، وبعد ذلك لن تكوني لي زوجة لا في الدنيا ولا في الآخرة، وبعد ذلك سنّها بنفسه فأزال عنه كل ما كان يسمى ملكاً للدولة وأعاده إلى بيت المال؛ وهكذا تسلل إلى أولاد عمه وإلى أُسرته الحاكمة فنزع عنهم كل ما كان لهم، ثم الأمثل فالأمثل، وفي سنتين أعاد سنة الخلفاء الراشدين التي هي سنة محمد ﷺ في المال وتملكه، ولكن بني عمه وأُسرته الحاكمة لم تتحمل ذلك فغدروا به وسمموه وقتلوه بالسم.
وهكذا سيبقى إلى أبد الآباد أن كل مال أُخذ بغير حق لا يُعترف بملكيته يجب أن يعود لأصحابه، فإن عُلم أصحابه رد إليهم، وإن لم يُعلم فإنه يعود إلى بيت المال، ولا يسمى تأميناً كما يقول لصوص اليوم الذين يسمون أنفسهم الاشتراكيين والشيوعيين، فيذهبون إلى أخذ مال الناس ظلماً وباطلاً لتوزيعه في أباطيلهم وأضاليلهم وحرب الإسلام والمسلمين، ولكن نسميه مظلمة، فيجب أن تزول ويعود الحق لأصحابه مهما طال الزمن، ولا نقول بالقانون الباطل أنه إذا مضى على الحق عشرون سنة فإنه يسقط طلب حقه، بل ما ضاع حق وراءه مطالب، وهكذا يقول الله عن هذا المال: ((وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ))، فالمال في أيدينا عارية لله، فاليوم هو بيدنا وبالأمس كان بيد غيرنا، وبعد فترة هو في يد آخرين.
стр. 677
معنى قوله تعالى: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء)
قال تعالى: ((وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا)) الفتيات: الإماء، جمع فتاة، وقد قال ﷺ : (لا يقل أحدكم: عبدي ولا أمتي، ولكن فليقل: فتاي وفتاتي)، فهذا من أدب النبوة وأدب الإسلام مع الأرقاء ألا نسميهم عبيداً ولا نسميهن إماءً، فنحن جميعاً عبيد لله المالك والمملوك سواء، ولذلك علمنا أن نقول كلمة تدل على الأخوة الإنسانية البشرية فتقول: فتاي وفتاتي، وهذا تعبير القرآن: ((وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا))، والبغاء هنا: الزنا، والتحصّن: العفّة.
стр. 678
سبب نزول قوله تعالى: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء)
كان الناس في الجاهلية يشترون الإماء ويتملكونهن ويجبرونهن على الزنا، فيجلبن لهم المال، وإذا حملن وولدن اعتبروا أولادهن كذلك رقيقاً، فيولَّدونهن كما يولد الإنسان حماره وبغلته، فجاء الإسلام فحرّم ذلك واستنكره، وبقي المنافقون وعلى رأسهم عبد الله بن أبي يفعل ذلك، وأسلم إماؤه، فعندما أراد إكراههن على ما اعتاد في الجاهلية قبل الإسلام وقبل هجرة محمد ﷺ إلى المدينة المنورة امتنعن، فضربهن مولاهن، فذهبن يشتكين إلى رسول الله ﷺ ، فنزل قوله تعالى: ((وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا)) أي: لا تجبروهن على الزنا إن أردن العفة، والكثير ممن لم ينتبه لتفسير الآية قال: لا تكرهوهن إن أردن تحصناً، فإرادة التحصن خرج فخرج الغالب، وليس الكلام كذلك، فإنهن إن لم يردن التحصن فمعناه: أنهن زانيات من غير أن يكون مولاهن آمراً أو ناهياً، فإذا كانت الفتاة لا تريد التحصّن ولا تريد العفة ولا الكرامة والشرف، فما الحاجة إلى أن يكرهها سيدها! فهي من نفسها تذهب وترغب في الفاحشة.
نقول: هذا له حكم آخر، وعلى سيدها أن يقيم عليها الحد، وحدود الإماء والعبيد نصف حد الأحرار، فحد الزنا بالنسبة للعزب الحر مائة جلدة، وهو للإماء خمسون، وحد القذف للحر ثمانون جلدة، هو للإماء وللعبيد الأرقاء أربعون جلدة، فعليهم نصف ما على الأحرار من العذاب كما قال ﷻ ، ولا يُتصور القول بالإكراه إلا بالنسبة لمن أرادت العفة والتحصّن، وأما من لم ترده منهن فلا حاجة للإكراه، ولذلك فالكلام خرج كواقعه ولم يخرج على أنه فعل الغالب والكثير.
ونحن اليوم في عصر سوء؛ وعصر اليهود والتبرّج والفاحشة وأنواع البلاء، هذا العصر الذي يسمونه عصر الحضارة والنور، ما هو إلا عصر الكفر والفساد وعصر الحيوانية والبعد عن الله ورسوله وعن النبل والكرامة، فمن البلاء أن أصبحت هناك جمعيات يشارك فيه مسلمون فتجلب هذه الجمعيات من أوروبا وغيرها من بلاد الكفر ما يسمونه بالرقيق الأبيض، فيأتون بهن للزنا والفاحشة، ويأتون بهن لدور اللهو والرقص والسينما وما إلى ذلك، ويعطونهن قدراً ضئيلاً من المال، ويجبرونهن بأنواع الإيذاء ليكسبن من وراء زناهن وفسقهن ورقصهن وفاحشتهن، وأصبح هذا على الشكل القانوني المقبول في أكثر دول الأرض؛ وهذا من البلاء ومن العودة للجاهلية الأولى والعودة للكفر، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] فبالنسبة للمرأة المكرهة (فإن الله غفور رحيم) يغفر لها؛ لأنها مجبرة، ويرحمها لأنها لا إرادة لها في ذلك.
قوله تعالى: ((وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ)) أي: من يحاول منكم أن يكره هؤلاء الضعيفات على أعراضهن وشرفهن وإسلامهن، فالله من بعد أن تكرهوهن غفور لهن رحيم بهن.
وأما أولئك فقد دخلوا في جملة من المعاصي والآثام، إذ نشروا الفاحشة والفساد وأكلوا به مالاً حراماً، فكانوا بذلك مستحقين لأنواع من الحساب والعقاب في الدنيا فضلاً عن الآخرة، ويعدون ممن دخلوا في الدياثة؛ لأن من يرى الفاحشة في أهله ويرضى بها فهو ديوث، فالجارية أهله ومكان عفّته إن أراد، فهو يذهب لعرضه فيبيعه للناس، ومن كان كذلك فإنه يستوجب عليه العقاب والنفي من الأرض، وقد يوصل ذلك إلى القتل إن كان فساداً في الأرض، وقد قال تعالى عن هؤلاء: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣].
ونشر الفساد في الأرض يكون بنشر الفاحشة والمنكرات بأنواعها، ونشر الحرام وترك الحلال، وسفك الدم الحرام، والتعرض للحرم وللنساء، والتعرض للولدان، وهم بذلك يحاربون الله فيما أمر به، ويحاربون رسوله فيما أمر به، وجزاء هؤلاء وعقوبتهم أن يخيّر الحاكم في واحدة من ثلاث: إما أن ينفيهم من الأرض، أي: يسجنون، وهو النفي التام إلى الأبد، وإما أن يبعدوا إلى صحارٍ لا يراهم الناس ولا يرونهم، أو تقطّع الأيدي والأرجل من خلاف: اليد اليمنى والرجل اليسرى أو العكس، أو يصلّبون أحياءً حتى الموت.
وقول الله تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة:٣٣] قال العلماء: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى في لغة العرب، فلم يقل: يُقْتلون ولم يقل: يُصْلبون، بل قال: يُقتّلوا أو يصلّبوا، فهذا التشديد والتأكيد زيادة في المبنى للتأكيد، فتدل على أن القتل يكون في أشد أنواعه، وعلى أن الصلب يكون في أشد أنواعه، وما ذاك إلا أن يصلبوا أحياءً حتى الموت.
قال تعالى: ((وَمَنْ يُكْرِهُّهنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) هذه الآية الكريمة من جوامع الكلم في كتاب الله، وكل كتاب الله بليغ معجز، وهذه الآية من أبلغها وأفصحها وأجمعها للمعاني، إذ جمعت الدعوة إلى الكرامة والعفة، والصبر إلى أن يُغني الله هذا الفقير المستعفف، وفيها الأمر بتحرير الرقيق، وفيها الأمر بإعطاء الناس من مال الله، وأن يساعدوا على تحرير العبيد، وفيها منع وتحريم المتاجرة بالأعراض وبالشرف وبالمروءة، كل ذلك في آية كثيرة المعاني.
стр. 679
تفسير قوله تعالى: (ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور:٣٤].
يخاطب الله في هذه الآية المؤمنين والكافرين، فيخاطب المؤمنين ليزدادوا إيماناً وعلماً وطاعة، ويخاطب الكافرين ليعلموا حق الله الواجب عليهم، حتى إذا احتجوا قمعتهم حجة الله البالغة، فلا يقولون: لم نسمع ولم نرَ ولم يبلغنا كتاب ولم نسمع رسالة.
قال تعالى: ((وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ)) أي: أنزل أحكاماً مبيّنة ومفسّرة واضحة فيها بيان الحلال والحرام، ومبينّات للكبير والصغير، فهي بيّنة ظاهرة مفسّرة، والتي لم تفسر في القرآن فسّرها رسول الله ﷺ المكلّف بالبيان والإيضاح، قال الشافعي ﵀: السنة كلها بيان وتفسير لكتاب الله.
فقوله تعالى: ((وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ)) أي: مبيّنة للحلال، ومبيّنة للحرام، ومفسِّرة للأحكام، ظاهرة وواضحة لا غموض فيها ولا لبس.
قال تعالى: ((وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ)) ضرب لنا أمثالاً وتشبيهات في الأمم السابقة عندما عصت أمر ربها، وخرجت عن طاعة نبيها، وارتكبت من أنواع الفواحش ومن أنواع الموبقات ما الله به عليم، فعاقبهم بها في الدنيا قبل الآخرة، ودمّرهم، وأغرق من أغرق، وأذهب بالصيحة من أذهب، ورمى بالحجارة من رمى، وأغرق بالنيل وبأنواع البلاء من أغرق عندما فعلوا ذلك، والله لم يقص علينا هذا إلا لنأخذ العبرة والحكمة، ولنعلم عن يقين أننا إن صنعنا صنيع أمثالنا ممن سبقنا من بني آدم في مخالفة الله، والخروج عن طاعة رسول الله، فإنه يوشك أن يعمه الله بعقاب، وأن يعذّبهم الله في الدنيا قبل الآخرة، ولذلك يحذرنا الله نفسه في أكثر من آية وسورة؛ علّنا نهتدي ونقول يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين.
قوله: ((وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ)) أي: مضوا واندثروا وماتوا وهلكوا، ذكر الله قصصهم وأعمالهم وذكر ما عاملهم به ليعتبر الناس قبل الإسلام وأيام رسول الله وإلى يوم القيامة، ومنه ما يفعل الناس اليوم مما أشبهوا به الأمم السابقة والأمم الكافرة الخارجة عن الله وعن رسول الله ﷺ ، ينذر الله بذلك الناس ويتهددهم بذلك ويعظهم فيقول: ((وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ)) أي: نصيحة وتنبيهاً لعل المتقي من الناس يخاف الله، ويترك ما حرّم الله، ويمتثل طاعته، ويفعل الصالحات ويترك الطالحات، ويقول: اللهم أعني على ذلك، ووفقني لكل خير.
стр. 680
تفسير سورة النور [٣٢]
لقد حث الشرع على الزواج وأمر به؛ وذلك لما له من أهمية عظيمة، فهو حصن منيع في وجه الفتن والرذائل والفواحش، وخصوصاً في هذا الزمن الذي كثر فيه الفسوق ونشر الرذيلة المسموعة والمرئية.
стр. 681
تفسير قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم)
قال الله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٢].
قوله: (أنكحوا) الأمر هنا للأولياء بالإنكاح -أي: بالتزويج-، ولو كان الأمر للإنسان أن يزوج نفسه لقال: انكحوا، أي: تزوجوا، لكنه قال: أنكحوا أيها الآباء، أي: زوجوا أولادكم وبناتكم، و (الأيامى): جمع أيم، والأيم: كل رجل وامرأة غير متزوجين سواء سبق أن تزوجا أو لم يتزوجا أصلاً، فكل رجل ليس بمتزوج فهو أيم، سواء كان متزوجاً وطلق، أو ماتت زوجته، أو لا يزال عزباً، هذه لغتهم التي بها تعبدنا الله في كتابه سبحانه، وبها نزل وحيه، فعندما يقول الله لنا: (أنكحوا الأيامى منكم) أي: زوجوا العزاب والعذارى، وزوجوا الأرامل، والأرمل والأرملة: هما اللذين كانا متزوجين يوماً فطلقا أو مات أزواجهما.
وأمر الله الأولياء بتزويجهم جميعاً فالرجل والمرأة التي مات زوجها أو طلقها لا تدعوهما بلا أزواج، وأولادكم وبناتكم الذين لم يتزوجوا بعد لا تتركوهم بلا أزواج، والأمر في لغة العرب وفي أصول الفقه إذا أطلق يكون للوجوب، وهكذا فهم هذه الآية الكثير من الصحابة والكثير من الأئمة، مثل عمر بن الخطاب ﵁، وأبي بكر ﵁، يقول رسول الله ﵊: (عليكم بسنتي وسنة الخليفتين الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجد)، فيصبح الامتثال لهذه الآية امتثالاً لأمر الله، ويصبح الأخذ بفهم عمر ورأيه أخذاً بالسنة وبأمر رسول الله؛ لأن سنة عمر وأبي بكر ﵄ هي سنة لرسول الله صلى الله عليه.
فـ عمر بن الخطاب كان يرى في تفسير الآية: (أنكحوا) للوجوب، والأئمة من بعد اختلفوا: فالجمهور قالوا: الزواج سنة وليس أمراً واجباً، والشافعية قالوا: مباح فقط، ولكن عمر وابن عباس قالا: (وأنكحوا) للوجوب؛ لأنه أمر، فالذي يستطيع أن يتزوج فلم يفعل يكون عاصياً لله ولرسوله، والأمر يختلف.
وقول الله تعالى: (أنكحوا) ولم يقل: انكحوا، فهو أمر للآباء بأن يزوجوا الأولاد والبنات، ومن هنا جاء الولي للزواج والنكاح، والولي أوجبه جمهور الأئمة سوى شيء نقل عن الأحناف في ذلك، والمرأة التي لا ولي لها فإن وليها السلطان الحاكم المسلم، فهو الذي يتولى زواجها، وأما المرأة التي تزوج نفسها بلا ولي فعند الجمهور أن هذا الزواج غير قائم ويعتبر مفسوخاً، والآية تشهد بهذا: (أنكحوا)، فلو كان الأمر لكل واحدة في نفسها لزوجت نفسها بلا ولي، والآية لم تقل: انكحوا، وإنما قالت: (أنكحوا)، أي: زوجوا، ولو قال: انكحوا لكان معناها: تزوجوا، وقد قال ﵊ في هذا المعنى فيما أخرجه أحمد والبخاري ومسلم: (يا معاشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء).
فقد أمر ﷺ بالزواج، وعلق عدم الزواج على عدم القدرة، وكون الرجل في نفسه لا يصلح للزواج كأن يكون عنيناً أو خنثى، والعنين: هو الذي لا يستقيم ذكره ولا يقف، أو يكون خصياً أزيلت منه الأنثيان -البيضتان-، أو يكون في طبيعته -لسبب ما- ما جعله أشبه بالنساء، فهذا غير مستطيع للزواج، وقد يكون أحياناً لسبب آخر بأن يكون الولد طالباً وهو يتنقل في أرض الله، وقد يكون جندياً وهو يتنقل للجهاد وللقتال، فعلى ذلك قد يكون عدم زواجه عذراً، فإذا وجد من يزوجه وينفق عليه من أب أو غيره أو من دولة أو من حاكم، ففي هذه الحالة يعتبر مستطيعاً.
والباءة: هي النكاح وإتيان النساء، ومن لم يستطع لعلة من العلل فعليه بالصوم؛ لأن الصوم له وجاء، أي: قيد، وإيقاف للشهوة، وهو دواء مؤقت وليس دائماً، وقال ﵊: (تناكحوا تناسلوا؛ فإني مفاخر بكم الأمم يوم القيامة)، وقال: (أفضلكم أكثركم أزواجاً)، وأفضلنا هو نبينا ﷺ .
стр. 682
الحث على الزواج بأكثر من واحدة
قال بعض الأئمة في قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣]: إن الزواج بواحدة رخصة، والعزيمة أن يتزوج باثنتين إلى أربع؛ لأن الله ابتدأ باثنتين فقال: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ [النساء:٣] ولم يبدأ بالواحدة، وإنما ذكر الواحدة للضعاف العجزة الذين يخافون نساءهم، أو الذين لا يستطيعون التصرف، قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء:٣]، فليست لهم رجولة كاملة، أي: يعجزون عن الإشراف على النساء وعن إعطائهن حقوقهن، فالأصل مثنى وثلاث ورباع.
وفي حياة رسول الله ﷺ ذهب عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره ليتبتلوا، فقال أحدهم: لا أتزوج النساء، وقال الآخر: أقوم كل الليل، وقال آخر: نصوم النهار، وكان بين عمرو بن العاص وبين ولده عبد الله اثنا عشر عاماً فقط، معناه: أن عمراً تزوج وهو ابن إحدى عشرة سنة، فولد له وهو ابن اثنتي عشرة سنة ولد سماه عبد الله، فزوجه بكريمة من كريمات وعقائل قريش، وإذا به يغيب، فدخل عمرو بن العاص على زوجة ولده فسألها: كيف وجدت زوجك؟ قال: نعم الرجل! ما كشف لنا ستراً، أي: لم يدخل الخدر ولم يسألها قط ولم يبحث عنها، فشتمه أبوه شتماً قاسياً، ثم ذهب يشتكيه إلى رسول الله ﵊ وقال له: يا رسول الله! إن ولدي عبد الله أراد أن يترهب ويتبتل فأجبرته على الزواج فترك زوجته، وقد زوجته بكريمة من كريمات قريش فتركها أياماً لم يلتفت إليها، وهو يقول: إني أريد أن أصوم ولا أفطر، وأن أقوم الليل ولا أنام، وألا أتزوج النساء، فأرسل خلفه ﷺ وقال له: (ما بال كلام سمعته عنك؟) فكررها عليه فقال: نعم، فقال له النبي ﷺ ولمن كان معه على هذا العمل يقول: (إني أصوم وأفطر، وأنام وأصلي، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).
فقد جعل ﷺ ترك الزواج والهروب من تحمل مسئوليات الزوجات والأولاد ليس من سنته ﷺ ، وكفى بذلك توبيخاً وتقريعاً وتنكيراً، كيف والله يأمر ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور:٣٢].
فقوله: (منكم) أي: من الأحرار المؤمنين.
وقوله: (والصالحين من عبادكم وإمائكم) أمر للرجال أحراراً وعبيداً، وأمر به النساء حرات وإماءً، أي: زوجوا الصالحين للزواج من غلمانكم، والصالحات للزواج من إمائكم وفتياتكم، ومن هنا كان عمر وابن عباس وجمهور من الأئمة وهو مذهب الظاهرية وداود وآراء الكثير من الأئمة الأربعة يقولون: إذا كان الولد والأيم والأرملة لا يستطيعون الصبر على عدم الزواج فهؤلاء الزواج في حقهم واجب، ومن فتن هذا العصر وفساد اليهود وإفسادهم وفساد النصارى وإفسادهم أن أشاعوا عدم الزواج، وتبعهم المسلمون في ذلك، فلا تكاد تجد في مشارق الأرض ومغاربها مسلمين إلا والدور فيها فرد أو فردان أو أفراد من النساء والرجال الذين بلغوا الثلاثين وهم بلا زواج، وأخذوا يغرونهم بأنواع الفواحش وبالروايات الداعرة، والصور الفاجرة، والأفلام الفاسدة، وتعليق الصور على أبواب هذه الدور الفاسدة ويسمونها سينما؛ ليزيدوا هؤلاء إغراءً، فلو أن هؤلاء تزوجوا لما وجدوا سوقاً رائجاً لرواياتهم الداعرة، ولا لصورهم الفاسدة، ولا لأفلامهم المتحللة، ولكن اليهودي شيطان الأرض ما عاش إلا لينشر الفساد في الأرض، حتى أفسد النصارى ومزقهم وحلل أشخاصهم وأصبحوا هباءً منثوراً، واستعمر النصارى المسلمين وأمروهم ووجهوهم، وأفسدوهم بدورهم بالمذاهب الوافدة من شيوعية وماسونية ووجودية واشتراكية، وغيرها من الأسماء القذرة التي نشرت الفواحش على أشكالها والكفر على أنواعه، فأفسدوا البلاد والعباد، ونشروا الفساد في البر والبحر والسهول والجبال، بل حتى الأجواء لم تفلت منهم.
فقوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم) أي: لا تتركوا أحداً بلا زواج.
يقول أبو بكر ﵁: عجبت لمن ليس بمتزوج، ومن كان فقيراً كيف لا يتزوج، وقد ضمن الله له الغنى في الزواج! وقد قال ﷺ كما في الصحاح والسنن: (ثلاثة حق على الله تعالى أن يعينهم: الناكح يريد العفاف، والمجاهد في سبيل الله، والمكاتب يريد الأداء)، فالزواج أمرك الله تعالى به وأعانك عليه، وضمن لمن يريد الزواج تحصيناً لنفسه، وطاعة لربه، والفقر ليس بعلة، فقد جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ تعرض نفسها عليه فقالت له: يا رسول الله! أعرض نفسي عليك، وكان هناك رجل مسكين تظهر عليه ملامح الفقر، لما رأى النبي ﷺ لم يجبها قال له: يا رسول الله! زوجنيها، قال له: هل معك شيء؟ قال له: لا شيء، قال له: اذهب وابحث، فغاب ورجع وقال له: يا رسول الله! لم أجد شيئاً إلا هذا الرداء وهذا الإزار، هل أعطيها واحداً منهما؟ قال: لا، هذا الرداء تلبسه والإزار تلبسه، التمس ولو خاتماً من حديد، فرجع وقال: يا رسول الله! ولا خاتماً من حديد، فقال له رسول الله ﷺ : ماذا عندك من قرآن؟ قال له: سور صغيرة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١]، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]، قال له: زوجتكها بما معك من القرآن.
يعني: علمها هذه السور لتصلي بها وتعليمك عمل يحتاج لأجرة، والأجرة التي ستعطيك هذه المرأة مقابل تعليمها هو المهر.
إن هذا الغلاء في المهور وخاصة في هذه البلاد منكر وبدعة يجب أن تزول بالعنف والسجن؛ لأن البنات أصبحن من غير زواج، والأولاد أصبحوا من غير زواج، فإن سألت الشباب لماذا لا تتزوجون؟ يقول أحدهم: ذهبنا نخطب فلانة فطلب أبوها منا عشرين ألف ريال، ومنهم من يقول: أربعين ألف ريال، ثم يشترط عليه سيارة و (فلة)، والنبي ﵊ لم يمنع هذا الشاب الذي طلب منه أن يزوجه كونه لم يملك حتى خاتماً من حديد، فلم يقل له: أنت لست قادراً على الزواج، وأمثالك لا يتزوجون، وهذا دليل على أن عدم القدرة على الزواج ليس في المال؛ لأن الله قد تعهد لمن يريد أن يتزوج ويرجو العفاف بالمال، قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢].
إذاً: قوله ﵊: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج) معناه: القدرة البشرية، فلا يكون عنيناً ولا مجبوباً ولا ضعيفاً ولا مشغولاً بقتال ولا طالب علم، بل إن طالب العلم إذا وجد أباً أو ولياً أو دولة تساعده وجب عليه الزواج، فلا عذر للطالب الجامعي إطلاقاً بألا يتزوج، فالدولة تعطيه المسكن والراتب، فماذا يريد الإنسان أكثر من هذا؟ ولذلك لو تقبل الشعوب والدول الإسلامية مشورتي لأوجبت الدول الإسلامية الزواج، ولأصدرت قراراً أنه لا يجوز للشاب أن يعمل في الدولة إلا بعد أن يكون متزوجاً، وبذلك لن يبقى في البيت عزباً ولا عزبة، كذلك لا يباح للطالب أن يأخذ شهادة بكالوريوس إلا بعد أن يكون محصناً، ومن لم يفعل أحرم من هذه الشهادة، وبالتالي أحرم من دخول الجامعة، ولكن لا حول ولا قوة، فإن هذا البلاء منتشر في الأرض، فقد تركنا النساء للأعداء كما ترون في أكثر بلاد العالم الإسلامي، يخرجن في الشوارع متبرجات عرايا يتزين للدعارة أكثر مما يتزين لأزواجهن، فإن كنا نترك الشابات بلا زواج والشبان بلا زواج حدثت الفواحش والمنكرات، وكل هذا حرمه الشارع.
وأنا أعرف شباباً تزوجوا وأغناهم الله غنىً كبيراً، وهم تزوجوا قصد التعفف والتحصين، والله تعالى استجاب لهم، وصدق الله إذ قال: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢].
стр. 683
تفسير سورة النور [٣٥]
إن الله تعالى هو منور السماوات والأرض وهادي من فيهما، وشارح صدور من فيهما، ومنور قلوبهم بهداه وبدينه وشرعه، وقد ضرب الله تعالى هنا مثلاً لنوره، وهذا المثل اختلف فيه المفسرون قديماً وحديثاً اختلافاً كثيراً.
стр. 684
تفسير قوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض)
قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥] هذه الآية من أعظم آي كتاب الله، ومن أبهرها، ومن أعمرها معانياً وأمثالاً وحكماً ونوراً، فإن سلفنا الصالح من عصر الصحابة فمن بعدهم قد اختلفوا في أمثالها وفي متشابهها اختلافاً طويلاً عريضاً، ولم يكد نقف عند شيء اتفقوا عليه لنتمسك به، والله يؤتي الحكمة من يشاء.
قال تعالى: ((اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) فالله هو الذي نوّر السماوات والأرض، وأشرقت بنوره، وأشرقت السماوات بالملائكة والشمس والقمر والنجوم وأشرقت الأرض بالأنبياء وبالعلماء وبالمؤمنين وذاك من نور الله، وزالت الظلمات وزال الكفر والفسوق والعصيان وعم النور الأرض والسماء، وكل ذلك من نور الله، وقد سئل النبي ﷺ : أرأيت ربك يا رسول الله؟ قال: (نور أنى أراه) أي: هو نور فكيف يرى النور؟! والنبي ﷺ عندما ذهب للطائف يدعو أهلها لدين الله فسلطوا عليه سفهاءهم وصبيانهم وصنعوا ما صنعوه، دخل بستاناً يشكو لربه غربته، وكان هذا في السنوات الأولى من النبوة، ثم صاح وهو يدعو الله: (اللهم يا من أشرقت السماوات والأرض بسبحات وجهه الكريم) وطلب نوراً لعباد الله وللناس جميعاً، طلب نوراً ليقويه على رسالته، ويشد أزره إلى أن يتمها، ويهتدي به من الناس من قدّر الله له الهداية والنور.
((اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) ممن نور الله تعالى أشرقت الشمس وأشرق القمر وتلألأت النجوم، ومن نور الله تعالى تنورت قلوب الأنبياء فدعوا إلى النور والهداية، ومن ذلك تنورت قلوب العلماء فدعوا إلى عبادة الله، وإلى بيان كتاب الله وبيان سنة رسول الله ﷺ ، وإلى وضوح الحلال الحرام، والمؤمنون الذين يعبدون الله قائمين وراكعين وساجدين أشرقت قلوبهم بمعرفة الله ودينه.
((اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) فبنوره اهتدى المهتدون، وآمن المؤمنون، ودعا الأنبياء والمرسلون، وأطاعت الملائكة التي لا تعصي الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، والله ﷻ الخالق الرازق بنوره علم الإنسان كينونته وعلم وجوده، وعلم ما لله عليه وما له على الله ﷻ ، والله لا يجب في حقه شيء وإنما ذلك من فضله وكرمه وجوده.
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ وفي المثل هذا اختلف المختلفون وتنازع المتنازعون وحق لهم ذلك، فيضرب الله مثلاً لنوره وهو ما ختم به الآية: ((وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ)).
قال تعالى: ((اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ)) ضرب مثلاً لنوره ﷻ كالنور في الكوة أو في تلك التعاليق التي يكون فيها القنديل، وفي القنديل المصباح، والمصباح: السراج، والسراج هذا في زجاجة، والضوء في الزجاجة أضوء ما يكون، وأكثر إنارة مما لو كان في غير الزجاجة، ((الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ)) الزجاجة من إضاءتها يكاد سنا برقها يأخذ بالأبصار؛ لشدة نورها كأنها الكوكب الدري، والكواكب الكبار خمسة: منها: المشتري وعطارد والزهرة، وتكون هذه عادة أكثر ضياء، وأعم نوراً، ويعم ضياؤها الخلق والناس وخاصة بالليل، ولا يكاد نورها يظهر في النهار، والشمس والنجوم والكواكب مضيئة باستمرار، تُرى في الليل ولا ترى في النهار، ولكن ليس ذلك لكسوف؛ بل لأن ضوء الشمس أقوى منها فيختفي ضوءها.
стр. 685
اختلاف المفسرين في قوله تعالى: (مثل نوره)
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور:٣٥] إن قلنا: مثل نور الله كمثل مشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة، فكل ما ذكرنا ليس إلا جزءاً صغيراً من خلق الله، والنور قد عمّ من أول الآية بقوله تعالى: ((اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) فكيف هذا النور أصبح أشبه ما يكون بالمشكاة وبالمصباح وبالكوكب، وليس ذلك إلا جزءاً صغيراً من نور الله الأعظم؟! ومن هنا اختلف المفسرون في قوله: ((مَثَلُ نُورِهِ)) هذا الضمير يعود لمن؟ فقال جماعة: ((مَثَلُ نُورِهِ)) أي: نور هدايته الذي يصيب المؤمن نبياً وملكاً وعالماً ومؤمناً بصفة عامة، والبعض قال: ((مَثَلُ نُورِهِ)) أي: نور محمد ﷺ ، ويبقى هذا الضمير لغير مذكور، والنبي لم يذكر في هذه الآية ولا في قبلها، وكيف تعود الضمائر لغير مذكور! والبعض قال: عبد المطلب، ثم عبد الله، ثم نبينا محمد ﷺ ، وأن هذه أضواء تسلسلت من مشكاة، إلى مصباح، إلى زجاجة، إلى كوكب دري.
وقال البعض: الضمير يرجع إلى إبراهيم، فإبراهيم كان المشكاة، وإسماعيل كان المصباح، ومحمد ﷺ كان السراج وكان الكوكب وكان الضوء الذي يشتعل ويوقد من الزجاجة؛ ولكن كل هذا لا ذكر له في الآية قبل، وكلها ضمائر تعود لغير مذكور، وجاء ابن العربي المعافري الأندلسي وقال في كتابه (أحكام القرآن): لا يصح أن تعود هذه الضمائر إلى غير مذكور، والضمير يرجع لله، ونور الله: هدايته، ونور الله ما أرسله للبشر من أنبياء ومرسلين؛ هدايةً للضالين، ونوراً لزوال الظلمات وتبديدها، أي: مثل نور الله أعاد الضمير إلى الله ﷻ ، فقوله: ((مَثَلُ نُورِهِ)) أي: مثل ما هدى به البشر ودعاهم للتوحيد ولعبادة الله وللإيمان برسل الله ((كَمِشْكَاةٍ)) فالنور أصبح مشتعلاً وهاجاً كأنه القنديل المعلّق، والقنديل المعلّق فيه سراج ومصباح ينير ما حواليه، وهذا المصباح من زجاجة، والزجاجة عندما يكون فيها الضوء تكون أكثر ضياء وإنارةً وإشعاعاً، وهذه الزجاجة في ضيائها وقوتها كأنها الكوكب الدري، أي: شديدة النور واللمعان والضياء، وبهذا نفسّر وهكذا نعتقد: أن مثل نور الله، أي: مثل هدايته للبشر: بأن هدى به عباداً للنبوة وللرسالة، وأنزل عليهم رسول الملائكة جبريل ﵈، فهداهم ودعاهم إليه، وهم بدورهم دعوا البشر لذلك، فكانوا مشكاة ومصابيح وسرجاً، وكانوا كواكب نيّرة، وبهذا تبقى المعاني صالحة وطيبة، ويؤكد هذا أن الله وصف نبيه في كتابه بأنه سراج منير، أي: سراج مشع وهاج منير للخلائق، ولا نزال نعيش في نور هدايته ونور رسالته ونور الكتاب المنزل عليه ونور سيرته الزكية الطيبة العطرة ﷺ .
قال تعالى: ((يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ)) أي: يوقد من شجرة كثيرة النماء والخيرات، وهي الزيتون، قال تعالى: ((شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ))، والزيتونة كلها نفع: ورقها وجذورها وأخشابها، وقد قال النبي ﵊ عن الزيت: (الزيت ادهنوا به وكلوه) وهو زيت الزيتون، فهو يعتبر إداماً وطعاماً ودواءً وإضاءةً ونوراً، فما كان أسلافنا قبل اختراع الكهرباء يستضيئون إلا بالزيت.
قال تعالى: ((لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ)) وكذلك في كلمة شرقية وغربية اختلفوا اختلافاً طويلاً عريضاً، فقالوا: ((لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ)) نبتت في مكان لا تحتجب عنها الشمس لا صباحاً ولا مساءً، فهي بهذا ليست شرقية وليست غربية، وقال بعضهم: زيتونة شامية، والشام تعتبر لا من الشرق ولا من الغرب.
قال تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور:٣٥] من صفاء زيته وشدة نوره وصلاحه يستخدم وقوداً للإنارة، فيكاد هذا الزيت ينير قبل أن يوقد.
قال تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥] أي: أنوار المصباح إلى أنوار الزجاجة إلى أنوار الكوكب الدري إلى أنوار الزيت الصافي كله نور على نور، ومن قال: إن النور نور نبينا ﵊ قال: هو من إسماعيل، وإسماعيل نور، وإسماعيل بن إبراهيم وإبراهيم نور، فهو نور من نور إلى نور، ثم هم جميعاً أنبياء، والنبوءة نور مشرق على الناس تبدد ظلماتها.
ومن قال: إن الضمير عائد إلى الهداية إلى الله، فالله ﷻ هدى قلوب المؤمنين، فكان النطق نوراً والقلوب نوراً والأعمال نوراً، فيعيشون من نور الهداية، ويدعون بنور الهداية، ويذهبون إلى ربهم إلى نور رضاه ومغفرته ورحمته، فالله ضرب هذا المثل؛ ليكون أكثر إنارة في الهداية.
ولذلك لم يبق إلا ضرب المثل بالهداية، وبكتاب الله وبما يصدر عن نبينا من نور ينير قلوب العباد جناً وإنساً، وكون الشجرة لا شرقية ولا غربية، قالوا: هي في أرض تشرق عليها الشمس صباحاً ومساءً قالوا: هي الشام فلا هي بالشرقية ولا هي بالغربية.
ولكن سيد التابعين الحسن البصري قال: لا توجد في الأرض إلا شجرة شرقية أو شجرة غربية، وما أظن إلا أن هذه الشجرة التي ضرب الله بها المثل هي من شجر الآخرة.
ونقول اعتماداً على أن القرآن فيه نبأ ما قبلكم ونبأ ما بعدكم: ذكرت هذه الآية وهذا النور نور الكهرباء الذي لم يكن معروفاً يوماً ولم يخطر ببال أحد، إذ كان مجهولاً والكلام عليه سابق لأوانه، والحكم على الشيء فرع عن تصوره.
وهكذا الآي الكريمة والأحاديث النبوية ما نزل منها لمستقبل الأيام وما نطق به النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه بما يستقبل من الأيام لا تكاد تفهم إلا وقت وجودها، ونحن عندما نقول: نور في مشكاة في مصباح في زجاجة نرى هذا الضوء الكهربائي، فنجد هذا المثال مطابقاً له تمام المطابقة، فنحن نصف هذا ونقول: هو نور ليس شرقياً ولا غربياً يوقد من شيء لا من شجر شرقي ولا من شجر غربي، ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٣].
ولو أن هذه الأضواء ونحن في بيت الله الحرام أطفئت لكنا جميعاً في ظلمات، إذا أخرج أحدنا يده لم يكد يراها، فإذا هي أشرقت عمَّ المسجد بالأنوار وكذلك البلدة، فالله ضرب مثل نور هدايته ودينه ومثل النور الذي أرسل به أنبياءه كمثل نور ضياء مصباح لم يكن قد ظهر بعد، ولكنه سيأتي في مستقبل الأيام.
والحسن البصري صدق حين قال: هذه الشجرة لا توجد في الأرض، إذ عندما قال ذلك لم تكن الكهرباء بعد معروفة، ولم يكن يخطر ببال أحد قط ذلك، وهذا الضوء يشتعل وينير ولو لم تمسسه نار، فهانحن نراه قد أنار بلا زيت ولا إيقاد، إنما هي أشياء عنصرها الزيت: سالب وموجب، ماء وحرارة، وكان من أعظم مخترعات هذا العصر ومبتكراته هذه الكهرباء، فلو سلطنا على المسجد الآن أو أي مكان أكثر اللمبات ضياءً ونوراً لما كاد البصر أن يراها، خاصة أن (اللمبة) تشتمل على ١٠٠٠، ومن اللمبات ما تشتمل على ٥٠٠٠ إلى ١٠٠٠٠، ونحن نرى الضياء الذي إذا سلط على العين لا تكاد تبصر، ويكاد السنا يذهب بالبصر، والآية قد نزلت منذ ١٤٠٠ عام، والأمر كما قال تعالى: لا هي بالشرقية ولا هي بالغربية، زيتها وضياؤها يكاد يشتعل بدون وقود.
стр. 686
المعجزات العلمية لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ
أنزل القرآن بياناً للناس، وضياءً وتبشيراً لما يعلمونه ويدركونه، فكان هذا المثال تشبيهاً بشيء يحصل من بعد، والقرآن مليء بهذه المعاني، وقد سبق من قبل ونحن نفسر قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] أن ابن عباس قال: سيخلق الله بعد فيما يستقبل من المراكب ليست بغالاً ولا حميراً ولا إبلاً ولا نوعاً مما يرى، وها نحن أولاء الآن نعيش في هذا، وقد صدق في تفسيره، وكان ملهماً.
وقد بين الله لنا ذلك قبل أن يكون؛ إذ لا وحي بعد محمد ﷺ ، فنحن الآن نقرأ ونتلو تفسيراً وبياناً لا لفظاً وقرآناً، فنقول: والخيل والبغال والحمير والطائرة والدبابة والسيارة والقطار والصاروخ لتركبوها، وفي كل عصر يخلق الله ما لا يعلمه أحد إلا هو، وكلها من أنواع المراكب مما ينتقل عليه الناس في مشارق الأرض ومغاربها.
ومن ذلك أيضاً قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير:٤] العشار: النوق الحوامل، والعشار تطلق على الإبل جميعاً، ويخبرنا الله أن من علامات الساعة أن تعطل الإبل وقد عطلت.
وكان يظن المفسرون قبل ذلك أنها لا تعطل وفي الأرض نفس تتحرك أو عرق ينبض إلا إذا قامت الساعة، ولكن عطلت الإبل في أرضها ومنبتها وموطنها فنحن لا نركبها قط، ولعل جيلنا جميعاً لم يركبها ولم يعرفها، إلا أنها أثر من الآثار تجدها شاردة في صحاري الله وفي أرضه، فلا تركب في داخل المدن فضلاً عن القارات البعيدة، وقد كان يقال لها من قبل: سفن الصحراء، واليوم قد عطلت والساعة لم تقم بعد بما خلق الله من أنواع المراكب الأخرى، ولو قيل لسلفنا: إن المراكب الآتية ستطير في الهواء وستسبح في البحار وستجري على الأرض زحفاً لما صدقوا ذلك ولما قبلوه، ولولا أننا رأينا ذلك وركبناه وعاصرناه وعشنا في واقعه لما تصورناه، والقرآن مليء بهذه المعاني وسنة رسول الله مليئة بهذه المعاني.
وكثيراً ما قلت في الحرمين الشريفين وفي قاعات الدراسة في الجامعات مشرقاً ومغرباً: إن الأصحاب أصحاب رسول الله ﷺ آمنوا برسول الله لمعجزات رأوها وشاهدوها فآمنوا بها، ونحن أيضاً آمنا برسول الله ﷺ ليس تقليداً لآبائنا فقط، بل رأينا من المعجزات في كتاب الله مما أخبر به الله ولم تكن قبل موجودة، وقد كان في عصرنا مما أخبر به الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه مما لم يكن قبل موجوداً، فآمنا بمعجزات شاهدناها وعايشناها مما زادنا إيماناً، ونقل إيماننا عن تقليد للآباء والأجداد إلى إيمان عن يقين وقناعة وبرهان، وكأن القرآن نزل علينا في عصرنا، والنبي ﷺ يعيش بين أظهرنا.
وما ذلك إلا كتاب الله الذي ينطق بالحق، وسيبقى كذلك إلى يوم القيامة، وسيبقى النبي بيننا ﷺ بسنته وببيانه وبنبوءته التي لا تنقطع، فهو آخر الأنبياء والرسل، ورسالته ستبقى عامة شاملة عالمية إلى يوم النفخ في الصور.
وأعظم معجزة للنبي ﷺ القرآن الكريم، وقد قال ﵊: (ما من الأنبياء نبي إلا أوتي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي).
فهناك معجزات كانت قبل القرآن الكريم أدت مهمتها وآمن من أجلها من آمن، ولكن القرآن سيبقى المعجزة المستمرة الدائمة التي يراها كل من عاصرها، فالقرآن معجز بلفظه ومعناه، وقد تحدى الله الخلق كلهم على أن يأتوا بآية من مثله أو بسورة من مثله، ومن قبل ١٤٠٠ عام والإعجاز لا يزال قائماً والتحدي لا يزال قائماً، فلم يستطع أحد في الأرض قبل ولا بعد ولا في عصرنا أن يأتي بآية من مثله أو بسورة من مثله، وسيبقى الأمر هكذا دواماً واستمراراً على كثرة البلغاء والفصحاء والخطباء والعلماء والمتكلمين، ويبقى الإعجاز قائماً، وصدق الله ﷻ حيث قال: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥].
فالله يفعل في خلقه ما يشاء، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ونحمده ﷻ ونشكره بكل خلايا أجسامنا على أن هدانا وجعلنا ممن هداه وأنار قلبه، فآمنا به إلهاً واحداً، وآمنا بمحمد عبده نبياً ورسولاً، وآمنا بالقرآن كتاباً، وآمنا بالرسالة المحمدية رسالةً خاتمة لا رسالة بعدها أبداً، فهذه أنوار وإشراقات، فهي نور على نور أكرم الله به المؤمن، فأصغر مؤمن بل أفجر مؤمن وهو لا يزال يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ أشرف من جميع الخلائق غير المؤمنة، تلك دواب وأنعام خير لها أن تكون في باطن الأرض من أن تكون على ظاهرها، والمؤمن على خير على كل حال، والله ﷻ لا يغفر الكفر ولا يغفر الجحود، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
قال تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ [النور:٣٥] هذه الأمثال جمع مثل ضربها الله ﷻ لما فيها من تشابيه تقرب المعاني للإنسان؛ لأن المعاني العلوية والمعاني الأزلية الإلهية لا يكاد العقل يتحملها، والنفس لا تكاد تطيقها، فالله يأتي بتشابيه تراها العين وتسمعها الأذن؛ ليقرب لنا المعنى.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥] عليم بضمائرنا وقلوبنا وما يجري في أنفسنا، عليم بالصادق منا والمنافق، عليم بالمؤمن منا والكافر، ولذلك فإن العليم ﷻ يعطي عباده المؤمنين من علمه، قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]، ومن هذه المعاني السامية ما هو موجود في هذه الآية الكريمة.
стр. 687
تفسير سورة النور [٣٦ - ٤٠]
لقد اهتم الإسلام ببيوت الله تعالى فأمر برفعها، وذلك يشمل الرفع الحسي والرفع المعنوي، فأما الرفع الحسي فهو ببنائها وتنظيفها والاعتناء بها، وأما الرفع المعنوي فهو بعمارتها بالصلوات والذكر، وحلقات العلم.
وهذه البيوت لم تبن للبيع ولا للشراء ولا للصخب وهيشات الأسواق، وإنما بنيت لذكر الله وما والاه.
стр. 688
تفسير قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع)
قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧].
ارتباط هذه الآية بما قبلها أن هذه الأنوار وهذه المصابيح والأضواء المشرقة، وهذه الهداية العامة مكانها بيوت الله، وأعظمها وأكملها وأشرفها وأسماها البيت الذي بناه وأقام قواعده نبيان كريمان: أب وابن؛ إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، وأشرف بيوت الله بعد المسجد الحرام المسجد النبوي الذي بناه نبينا محمد ﷺ بيده، وحمل الحجارة بيده، وأعانه عليه أصحابه من المهاجرين والأنصار، وأشرف بيت بعد المسجد النبوي المسجد الأقصى الذي بناه داود وسليمان، وهما نبيان كريمان، وكذلك ما سوى هذه المساجد هي مساجد فاضلة، ولذلك شرع لنا إذا دخلنا بيت الله أن نستقبله بتحية إلهية، فهي مكان عبادته، وأمرنا الله بتقديسها واحترامها ورفع شأنها فقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦] أي: أن تقدس وتحترم وتطهر وتجمر وتبخر وتعطر، وأن تصان من المجانين والأطفال القذرين، وأن تصان من إقامة الحدود فيها، ومن اللغو والعبث والبيع والشراء، وما لا يليق أن يكون في بيت الله.
стр. 689
اهتمام الإسلام ببيوت الرحمان وباجتماع المسلمين فيها
قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦] أي: أن تحترم، وكان النبي ﷺ يأمر بكنس مسجده، وقال لنا: (من أنشد ضالة في المسجد فقولوا له: لا ردها الله عليك، ومن باع فيها واشترى فقولوا له: لا أربح الله تجارتك) وهكذا ﷺ فسر لنا الآية قولاً وعملاً وقال: (جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم)، وهكذا ﷺ علمنا وأدبنا وفسر لنا هذه الآية الكريمة في احترام المساجد ورفع شأنها وتقديرها، وألا ندخلها ونحن جنب، وألا تدخلها حائض ولا نفساء، وألا يدخلها مشرك.
وإن قال بعض الأئمة بدخول المشركين فيها بإذن مسلم أو بإذن حاكم، وذلك لا دليل عليه، فالله ﷻ يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨]، فاعتبرهم عين النجاسة فقال: نَجَس، ولم يقل نَجِس، والنجاسة لا تطهر إلا بزوالها، فلو أن المشرك اغتسل في البحر طوال عمره ما زالت نجاسته، كما أن العذرة لا يطهر من نجاستها إلا بزوالها، وأما أن تطهرها نفسها فإنك كمن يريد أن يطهر الخنزير والجيفة ولن تطهر أبداً؛ لأنها عين النجس، ولما كان المشرك عين النجس أمر الله ألا يدخل مسجداً، وأن يصان المسجد من دخوله.
ومنه قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦] أي: أمر وأوصى وأوجب أن تطهر، ويرفع شأنها وتقدس، والمساجد حث الله ورسوله عليها وعلى بنائها وعمارتها، وقال لنا النبي ﷺ : (من رأيتموه يتعهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان)، واعتبر النبي ﷺ الجالس في المسجد -حتى ولو لم يكن يصلي وإنما ينتظر الصلاة- في صلاة، فكيف إذا ضم للجلوس في المسجد ذكراً وتلاوةً وصلاةً ومذاكرةً وتعليماً وبياناً لكتاب الله وبياناً لسنة رسول الله ﷺ ! فإن ذلك نور على نور.
وحث الله ورسوله على بنائها، والأحاديث في ذلك مستفيضة وقد وصلت إلى حد التواتر، منها: (من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة)، ومنها: (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة) أي: ولو كعش طائر.
ولكن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، فينبغي أن تكون هذه الأموال من حلال، ومع ذلك هناك نوع من المساجد حرمه الله وهي مساجد الضرار، وقد ذكر في القرآن الكريم، وهو أن يؤتى إلى مسجد كبيت الله الحرام فيبنى بجواره مساجد أخرى بلا سبب؛ لأن صلاة الجماعة على كثرة ما تعددت على ما كانت الصلاة أكثر أجراً وثواباً من صلاة الفرد، مع أن صلاة الجماعة وصلاة الفرد سواء في ركعاتها وذكرها وتلاوتها وحركاتها، لكن الله تعالى أعطى ثواباً وأجراً لصلاة الجماعة على مقدار سبع وعشرين درجة من صلاة الفرد، مع أن فعلها وقولها شيء واحد، فالجماعة مطلوبة عند الشارع.
ولذلك فإن الشارع جعل للمسلمين جماعات تكون في مسجد الحي، وفي المسجد الجامع للصلاة، وفي مصلى الأعياد، فجعل المسلمين يجتمع بعضهم ببعض خمس مرات في اليوم، وإن شغل شاغل فصلاتان أو صلاة واحدة، ولكن في يوم الجمعة لابد أن يجتمع المسلمون في المساجد الجامعة؛ ليرى المسلم المسلم الآخر الذين عقد الله أخوتهما، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، ولا توجد دار تجمع عموم المسلمين في الأرض كقصر واسع المرافق مثلاً فلا يجمع عموم المسلمين إلا بيوت الله.
وفرض على المسلمين أن يجتمعوا في السنة مرتين في عيدي الفطر والأضحى، ويكون ذلك في الصحراء لا في المساجد ولا في الدور، فيجتمع فيها كل أهل البلدة، وهذه من السنن والشعائر التي تكاد تكون قد تركت في الشرق، ولا نزال نحتفظ بها في المغرب.
وفرض الله حقاً واجباً على جميع مسلمي الأرض أن يجتمعوا مرة في العمر في بيت الله الحرام في المناسك في عرفات ومنى؛ ليرى المسلم أخاه المسلم فيواسيه إن احتاج لذلك، ويتعرف على أمراضه وعلى آلامه، وليعينه إن استطاع باليد، فإن لم يستطع فبكلمة طيبة، وهذه اللغة التي أصبحت في هذا العصر لغة مؤتمرات والتي لا تكاد تنتهي منه مدينة، والإسلام من جملة عقيدته وأعماله أن يجتمعوا لإغاثة رجل واحد على الدواب، فلا طائرات ولا سيارات ولا بواخر، إن هي إلا سفن شراعية، فقد يتنقل الإنسان شهراً وشهرين ولا يكاد يصل إلى الشاطئ إلا وتأتي رياح معاكسة فتعيده إلى المكان الذي جاء منه وكأنه لم يأته.
ولهذا يقول الشاعر: تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
وكان المسلمون مع ذلك حريصين على أداء هذا الركن الخامس؛ ركن حج بيت الله الحرام، فيجتمعون ويكتبون الراحلات: وجدنا إخواننا في المشرق، واجتمعنا بمغارب وهنود وصينيين وسود وبيض، واجتمعنا بصالحين وعلماء، والكل قد جمعهم حب الله، ونشر دينه، والقيام بعبادته وطاعة كتابه وطاعة نبيه ﷺ ، وهكذا فإن الاجتماع في حد ذاته مطلوب، ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦].
وشعار اسم الله في المساجد أن ينادى باسمه واسم نبيه وعبده ورسوله ﷺ في الأذان خمس مرات في اليوم والليلة، فيؤذن المؤذن فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ويختم بالله أكبر، ثم يعيد هذا في الإقامة، ويدخل المصلي المسجد فيذكر الله بما شاء من أنواع الأذكار، وبالصلاة على نبيه ﷺ وهو من ذكر الله، فهذه المساجد يتلى فيها كتاب الله، ويصلى فيها الفرائض والنوافل، والمقام في المسجد نفسه يعتبر عبادة قائمة بنفسها انتظاراً للصلاة واعتكافاً.
ولذلك قال فقهاؤنا: من دخل المسجد فنوى أنه معتكف مدة مقامه في المسجد فإنه يؤجر أجر المعتكف، على أن يحرص على التلاوة وعلى الذكر، وأن يكون دائم الطهارة وهو جالس في المسجد، ويزداد بيت الله الحرام على المساجد الأخرى بالطواف بالكعبة المقدسة، وبالسعي بين الصفا والمروة.
ولذلك لا يوجد مسجد في الأرض سوى بيت الله الحرام يفعل فيه ذلك، لذا أمر النبي ﷺ أن تبقى أبوابه شارعة ليلاً ونهاراً، وقال: (يا بني عبد مناف لا تغلقوا باب الكعبة المشرفة)، فالصلوات الخمس لها أوقات، وأما السعي والعمرة والطواف فلا وقت لهن، فيطوف الإنسان ليلاً ويطوف نهاراً، وفي جميع الفصول صيفاً وشتاءً ربيعاً وخريفاً، فهذه عبادة دائمة مستمرة، وقد قال العلماء: إن الكعبة هي سرة الأرض وتعلو إلى سرة السماوات السبع التي تحاذيها، ويكون فيها الملائكة، كما قال عنهم النبي ﷺ : (أطت السماء وحق لها أن تئط؛ ما من موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع يقول: سبوح قدوس)، ويذكرون الله بأنواع الأذكار، ففي الوقت الذي يكون فيه المؤمنون يطوفون بهذه البنية المقدسة كذلك في السماء الأولى فالثانية إلى السماء السابعة ملائكة يفعلون هذا الفعل ساجدين وراكعين وذاكرين وتالين، يرجون رحمة ربهم، نفسهم الذكر، لا يأكلون ولا يشربون.
قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]، والتسبيح يشمل الصلاة والذكر والتلاوة، ويشمل السعي والطواف، ويشمل جميع أنواع العبادات القولية والعملية، ويشمل نشر علم كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، ويشمل العلوم الموصلة لذلك من علوم عربية وبلاغية تؤدي إلى فهم كتاب الله الذي نزل عربياً على النبي العربي صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
والغدو: جمع غداة، وهو الصبح والبكور، والآصال: جمع أصيل، وهو العشاء والمساء، فبالغدو صلاة الصبح، ومن الظهر إلى العصر إلى المغرب إلى العشاء كلها صلاة الآصال، فبمجرد ميلان الشمس عن كبد السماء يدخل المساء؛ لأنها مالت إلى الغروب وانتهى إشراقها إلى كبد السماء، وهو ما يسمى بالزوال، ومنه سميت المزولة، والساعة الزوالية هي الساعة التي تقدر بالزوال، والمزولة: ساعة كانت عند العرب من أسلافنا، وبها تعرف الأوقات، وهي موجودة في جميع المساجد الكبيرة في الأرض، وبها كان يعرف الزمان والوقت بالثانية، وأضبط شيء للأوقات هي المزولة.
قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]، ولم يقل: نساء، ومعنى ذلك: أن المساجد وصلاة الجماعة تجب على الرجال، ولا يحل لهم أن يتركوا الجماعة إلا لعذر شرعي قاهر، وقد قال النبي ﷺ : (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)، والجيرة للمسجد هي قريب من ميل، (وجاءه يوماً عبد الله بن أم مكتوم وكان أعمى فقال: يا رسول الله! أيجب علي أن أحضر صلاة الجماعة وأنا كما ترى؟ قال: أتسمع الأذان؟ قال: نعم، قال: لا أرى لك عذراً)، فكان يأتي على مرضه وزمانته الصلاة مع الجماعة، (ومرة أذن المؤذن، وأقام المقيم، وقام ﷺ ليستقبل القبلة، فبينما هو يسوي الصفوف افتقد فلاناً وفلاناً وأفراداً لم يأتوا للجماعة، فقال ﷺ : لقد هممت أن آتي لأقوام لم يحضروا الجماعة فأحرق عليهم بيوتهم، وأنيب عني من يصلي إماماً بالناس)، أو كما قال ﵊.
ولم يقل: نساءً؛ لأن النساء لا تجب عليهن جمعة ولا جماعة، وقد قال ﷺ كما في الصحاح: (لا تمنعوا إماء الله من بيوت الله، وبيوتهن أفضل لهن)، وقال ﷺ : (صلاة المرأة في بيتها خير لها من الصلاة في المسجد، وصلاتها في مخدعها خير لها من الصلاة في البيت، والصلاة في قعر البيت أفضل لها من صلاتها في المخدع وفي البيت).
لكن مع ذلك نهى ﵊ الرجال عن منع النساء من حضور صلاة الجماعة، وعبد الله بن عمر اشتكى له نساء أولاده بأن أولاده يمنعونهن من حضور الجماعة في المسجد ال
стр. 690
تفسير قوله تعالى: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع)
قال الله تعالى: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧].
أثنى الله على رجال يلزمون المساجد، ويصلون فيها الصلوات الخمس وإن شغلهم شاغل، وإذا تركوا صلاة الجماعة في المسجد صلوها جماعة في أي مكان؛ لعذر أو لمرض أو لسبب ما، ولكنهم يحرصون على ألا يتركوا المساجد ولا صلاة الجماعة فيها، فالله أشاد بهؤلاء وأثنى عليهم وقال: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور:٣٧]، وهؤلاء على شغلهم بالتجارة وشغلهم بالبيع والشراء لا يقدمون دنياهم على دينهم، ولا تشغلهم مادتهم عن روحانيتهم، ولا يظهرون الشدة على جمع الدنيا، بل يريدون أن يتاجروا كذلك ويتزودوا للآخرة بصلاة في جماعة، وبعبادة الله ذكراً وصلاةً وزكاةً وحضوراً في بيوت الله.
وذات مرة رأى ابن عمر المؤذن يؤذن وإذا بأصحاب الدكاكين يغلقون دكاكينهم ويذهبون للمسجد، فقال لهم: فيكم نزل قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور:٣٧].
وكثيراً ما يستفتينا أشخاص ويقولون: وقت الأذان والصلاة نكون منشغلين بالتجارة أو بعمل في الدائرة أو نكون في اجتماع، فنقول لهم: كل ذلك اجعلوه في هذه الساعة هباءً، فقد دعاكم الله على لسان المؤذن: حي على الصلاة حي على الفلاح، أي: أقبل أيها المسلم للصلاة وللفلاح والعبادة والذكر والاجتماع في بيت الله، فكيف إذا كان النداء من بيت الله الحرام أو من المسجد النبوي أو من المسجد الأقصى فك الله أسره، وأعاده للمسلمين وأنوف اليهود في التراب راغمة.
قال: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ﴾ [النور:٣٧] أي: لا يلتهون ولا يلعبون ولا يضيعون أوقاتهم في التجارة، ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور:٣٧] (ذكر الله) كلمة عامة فتشمل الصلاة، والتلاوة، والذكر بأنواعه: ذكر اللسان وذكر القلب.
وقوله: (وإقام الصلاة) أكثر من إتيان الصلاة، والإقامة: هي المحافظة عليها في أول أوقاتها بشروطها وأركانها وواجباتها وأدائها، وكما قال النبي ﵊: (أول الوقت رضوان الله، ووسطه رحمة الله، وآخره عفو الله)، وشتان بين الرضا والعفو، فالعفو يكون عمن صدر منه خطأ أو ما لا يليق، فيعفو الله عنه؛ إذ كان ينبغي أن تكون في أول وقتها، وأما الصلاة في أول وقتها فهو رضا الله، فقبل الصلاة وجازى فاعلها عليها، والوسط رحمة الله، ولكن الرضا أفضل وأكمل.
وكذلك لا تشغلهم تجارة ولا بيع، وفرّق هنا بين البيع والتجارة؛ لأن الجالس في الدكان أو المخزن يسمى بائع، وأما الذي يشتري ويبيع فهو تاجر.
وكذلك عندما يحل وقت الزكاة ويتم النصاب في الزرع وفي المواشي وفي الدراهم وفي الذهب والفضة بمجرد تمام سنة، فلا ينشغل عن أدائها ويقول: غداً أزكي، أو بعد غد أزكي؛ لأنه قد حل الفرض والركن وحلت ملكية الفقراء والمساكين، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة:٦٠]، وعلماؤنا يقولون: إن هذه اللام في الآية للملكية، ولا يجوز للإنسان أن يمنع المالك من ملكه، ولا أن يتصرف فيه بعد تملكه له، فإن فعل فإنه يكون ظالماً، وقد قال ﵊: (لي الظالم يوجب عقوبته وأدبه) أي: عليَّ أدبه وعقوبته.
فمن وجب عليه حق للإنسان وحل وقت أدائه ولم يفعل، كأن يؤخر ويقول: لو أتيتني غداً، لو أتيتني بعد غد، لو جئتني وأنا غير مشغول، فإن هذا يوجب عقوبته وعرضه، أما عرضه فتقول عنه: آكل أموال الناس بالباطل، ولا تعد هذه شتيمة ولا سباً؛ لأنه ارتكب ذلك واستحقه.
وأما العقوبة فيباع عليه ماله؛ ليؤدى الحق ويؤخذ منه غلاباً وقهراً، وقد يعزر على تأخيره واتجاره في مال ليس له، فمن أبقى عنده الزكاة أكثر من وقتها بعد تمام نصابها فإنه يكون كمن أخذ مالاً لإنسان بغير حق، فأخذ يتاجر فيه ويربح به، فيجب عليه أن يؤدي المال لأصحابه، وإذا أراد أن يرفع عنه الأخذ فإنه يعطيه إما مناصفة أو يعطي الربح لأصحاب الزكاة؛ لأنه اتجر في مال لا يملكه.
قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧]، فهؤلاء يلازمون وقت الأذان والذكر والصلاة وأداء الزكاة، وهم في هذه الحالة يخافون في يوم القيامة ألا تقبل صلاتهم ولا زكاتهم، ولذلك تجدهم في خوف ووجل من يوم القيامة، فهذا اليوم تتقلب فيه القلوب وتصعد من مكانها إلى الحناجر، وتكاد قلوبهم تخرج من مكانها رعباً وفزعاً وهلعاً، والأبصار تزيغ وترى: هل سيأخذون كتابهم بأيمانهم أو بشمائلهم، وهل سيدخلون الجنة أو النار، وهل سيرحمهم الله أو لا، وهل سيقبل الله أعمالهم أو يرمي بها على وجوههم.
ولذلك يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة وخائفة ألا تقبل منهم، وقد سألت السيدة عائشة ﵂ نبي الله ﷺ : هل هؤلاء الذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة خائفة مرتعبة هم الزناة وشاربو الخمر والسارقون؟ قال: (لا يا عائشة، لا يا ابنة الصديق! ولكن هؤلاء قوم صلوا وتصدقوا وعبدوا، ولكنهم يخافون يوم القيامة ألا يقبل منهم ذلك).
стр. 691
تفسير قوله تعالى: (ليجزيهم الله أحسن ما عملوا)
قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٨].
يتركون التجارة والبيع والشراء، ويؤدون الصلاة، ويزكون ومع ذلك يخافون، فمن رحمة الله ومجازاته لهم أن يغفر ذنوبهم، ويرفع درجاتهم، ويرحمهم بالجنة، قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ [النور:٣٨] أي: يجازيهم على حسناتهم ويغفر لهم سيئاتهم ﷻ ، ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٨]، أي: يجعل الحسنة عشراً، والعشر يضاعفها أضعافاً مضاعفة، فيجازيهم على العمل القليل بالجزاء الكثير، والحسنة بعشر أمثالها ويضاعفها سبحانه إلى ما يشاء، فعطاء الله كثير فهو يعطي بغير حساب ﷻ .
قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:٣٨] ولا حصر للضعف ولا حصر للأجر والثواب، فقد يجازي على الحسنة أضعافاً مضاعفة، وقد يجازي على كلمة يوم القيامة بدخول الجنان ولم يقل سواها، وحديث البطاقة معروف، وذلك أن رجلاً يأتي يوم القيامة ليحاسب، وإذا به لا يجد حسنات فتوزن أعماله فتطيش كفة الحسنات وتثقل كفة السيئات، فيؤمر به إلى النار، وبينما الملائكة تأخذه إلى النار إذ يقول الله ﷻ : (ردوه لا ظلم اليوم، فيؤتى ببطاقة، ويقول الله لملائكته: ضعوها في ميزانه، فيقول: ماذا عسى أن تكون هذه البطاقة مع كثرة ذنوبي وآثامي؟! وإذا بهذه البطاقة توضع في الكفة الطائشة فتثقل للأرض وتطيش كفة السيئات)، وهذه البطاقة كما قال نبينا ﷺ : فيها لا إله إلا الله، ولذلك يقول نبينا ﵊: (من مات وهو يقول: لا إله إلا الله دخل الجنة)، ومن مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة، ومعنى ذلك أنه قد يدخل الجنة دون أن يدخل النار، ويغفر الله له ذنوبه كصاحب هذه البطاقة، وقد يعذب على ذنوبه بما شاء الله، ولكن العبرة بالخواتيم، أي: الخروج من النار والدخول للجنة.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:٣٨] هذا جزاء المؤمنين الصالحين، من أنار الله أقوالهم وأعمالهم وقلوبهم، أنارها الله بالقرآن والإسلام والهداية الإلهية وبدين محمد ﷺ ، هؤلاء الذين أنار الله قلوبهم فعمروا بيوته ذاكرين ومصلين ومزكين ووجلين ألا تقبل أعمالهم، جزاؤهم من الله أضعاف مضاعفة من الحسنات، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:٣٨].
стр. 692
تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة)
هذه آيات وعيد وتهديد للكافرين المقصرين الذين ماتوا على الكفر والشرك، ضرب الله فيها لهم أمثالاً معنوية وأمثالاً حسية، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩].
هذا الكافر الذي يصف نفسه بالحضارة والعلم والمعرفة والفهم والإدراك، وقد يقول: أنا تصدقت وأحسنت وأعطيت، فمثل هذا أعماله كسراب تذهب هباء منثوراً لا تقبل ولو كانت صالحاً؛ لأن الشرك قد غطى على كل حسنة، ولأن الكفر بالله أعظم أنواع الظلم، فكل عمل صالح وصدقة وتعليم وغيره أمام كفره وجحوده ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ [النور:٣٩]، والسراب معروف وهو ذلك الشعاع الذي يكون عند شدة الشمس في الأراضي المستوية، والقيعة: جمع قاع: وهي الأرض الفسيحة المتسعة.
فعند اشتداد الحر وضياء النهار ترى من بعد كما لو كانت نهراً أو نبعاً أو مياهاً، فيراها الظمآن بعينه فيأتي مسرعاً ومهرولاً إلى ذلك المكان لشدة عطشه يريد أن يشرب، فإذا أتاه وجده سراباً ولم يجد ماءً ولا شراباً.
قال تعالى: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ [النور:٣٩] يظنه العطشان ماءً، كذلك هؤلاء يأتون يوم القيامة ويظنون أن أعمالهم حسنة، وأنهم يعاملون عليها معاملة الموحدين المؤمنين، وإذا بهم عندما يحاسبون ويسألون: من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ لا يحسنون جواباً، وهكذا يجدون أنفسهم بلا عقيدة ولا إيمان بالله ولا برسول الله ﷺ ، وفجأة يجدون أعمالهم هباءً لا نفع لها، وهم يظنون أنها أعمال صالحة، وأنها أعمال حضارية وتقدمية، وأنهم أحسنوا للشعوب بنشر الحضارة وأنواع المخترعات، وأعانوا الإنسان على كذا وكذا.
فعقولهم ونفوسهم مليئة بالسراب والخواء، ومليئة بما لا معنى له، إن هي إلا الجهالات والضلالات حسبوها علماً ومعرفة ويوم القيامة عرفوا أنها سراب، وقد جاءوا إلى أعمالهم عطشى فلم يجدوا شيئاً، هذا مثل ضربه الله لهؤلاء الكفار.
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور:٣٩] أي: حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده بالمرصاد لمحاسبته وعقوبته وعذابه: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ:٢٦]، فقد كان في دار الدنيا يملك نفسه، ويستطيع أن يستغل حياته، ويستفيد من شبابه ومن قوته ورزقه، فيؤمن بالله ورسوله، ويصلي مع المصلين، ويزكي مع المزكين، ويحج مع الحاجين، ويصوم مع الصائمين، لكنه في دنياه كان يسخر من الصالحين ويلمزهم بالألقاب: رجعيون خرافيون متأخرون، ويقول: إن هي إلا أرحام تدفع وقبور تبلع، ولا قيامة ولا آخرة ولا حساب ولا عقاب، فهذه عقول ضائعة، ونفوس هزيلة، وعلم كاذب، ودعوى عريضة، وعند الموت تنكشف لهم الحقائق ولكن هيهات ولات حين مندم، والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، وهكذا يُقطعون.
فقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور:٣٩] أي: وجد الله له بالمرصاد يرصد أعماله، فقد كلف لرصدها ملكين عن يمينه ويساره؛ ليشهدا عليه بالنقير والقطمير، حتى إذا جاء يوم القيامة فإنه يستلم كتابه بشماله، ومعنى ذلك: الخسارة والخزي والعار، وعند الامتحان يعز المرء أو يهان.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩] أي: والله ﷻ يسرع في حساب هؤلاء، وعقوبتهم، والنكال بهم، وإدخالهم النار خزايا مغضوباً عليهم أبد الآباد؛ جزاء ما جحدوا من النعم الإلهية الظاهرة والباطنة، وجزاء سخريتهم بأنبيائهم والمؤمنين من أتباعهم، فهذا مثل معنوي ضربه الله لهم.
стр. 693
تفسير قوله تعالى: (أو كظلمات في بحر لجي)
قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور:٤٠].
إن الأنوار التي وصف الله بها المؤمنين أنهم ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥]، وأن هؤلاء الكافرين يعيشون في ظلمات بعضها فوق بعض، قال عنهم الله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور:٤٠] أي: بحر كثير الماء والأمواج المتلاطمة، ومع هذه الأمواج ظلمات الليل.
стр. 694
تفسير سورة النور [٤٠ - ٤٣]
ضرب الله تعالى هنا مثالاً لما يعيش فيه الكافرون من ظلمات في العقيدة والأخلاق والمعاملات، فشبه حاله وظلماته بالبحر اللجي العميق الذي تغشاه الأمواج العظيمة المتراكمة في الليلة الظلماء، والليلة الملبدة بالغيوم والسحب السوداء، فذلك ظلام في ظلام في ظلام، وهكذا حال الكافر، فهو لا يرى نور الحق ولا نور الهدى، ولا يشم رائحة الهدى الزكية.
стр. 695
تفسير قوله تعالى: (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج)
قال الله ﷻ : ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠].
يضرب الله ﷻ في الآية السابقة مثلاً لنور هدايته، ونور رسالته، ونور ما أرسله من أنبياء وكتب إلى الناس كافة، ضرب لذلك مثلاً بمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، إلى أن قال ﷻ : ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥]، فالله يهدي لهذا النور من يشاء من عباده، فقد هدى في الأمم السابقة واللاحقة ثلة من الأولين، وقليلاً من الآخرين.
وهنا يضرب ﷻ مثلاً لظلمات الشرك، وسواد الشرك وريبه وضلاله، يقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩]، فشبه ظلمات الشرك والكفر بالسراب الذي لا ظل له ولا حقيقة له، وإنما هو خداع للنظر والرؤية، فليس هو ماء حقاً، ولا غياثاً حقاً، وإنما هو سراب وشعاع تأتي به الشمس فيظهر في الأرض المتسعة وكأنه ماء، فيأتيه الصادون فلا يجدون شيئاً.
وفي الآية الثانية: ضرب الله لهم مثلاً آخر، فقال عنهم: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ [النور:٤٠] مثال ظلمات الكفر، وسراب الشرك، وضلال من لم يؤمن بالله، ولم يعمر قلبه بذكر الله ورسوله، والإيمان بهما، والامتثال لأمر الله ورسله، فوق السراب الذي لا حقيقة له، مثاله كظلمات في بحر لجي، واللجي: البحر العميق المتلاطم الأمواج، الكثير المياه، وهو مع ذلك يغشاه موج، أي: يركبه موج ويغطيه، (يغشاه موج من فوقه موج) فهي أمواج متلاطمة متضاربة وكأنها الجبال، فحتى الأمواج نفسها تتلاطم فتعلوها أمواج (يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب) فهي أمواج متراكبة متلاطمة كأنها الجبال، يغشى بعضها بعضاً، ويركب بعضها بعضاً، ثم فوق الكل سحاب وغمام، كما قال ﷻ : ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [النور:٤٠] أي: ظلمات البحر، وظلمات الموج، وظلمات السحب، وظلمات الليل، فهي ظلمات بعضها فوق بعض، ومن شدة هذا الظلام: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور:٤٠] و (يكد): من أفعال المقاربة، أي: يقارب ولا يصل، كما نقول: كاد النعام أن يطير، وهو لا يطير ولكنه قارب ذلك؛ إذ هو من أنواع الطيور وله جناحان، ولكن جسمه أثقل من جناحيه، وجناحاه أقصر من جسمه، حتى ولو حاول الطيران فلن يستطيع، وهكذا هذه الظلمات، فهو يحاول أن يمد يده لشدة الظلمة المتراكبة ليراها لكنه لا يستطيع؛ لشدة الظلمة، فهو تشبيه وضرب مثل من الله تعالى لظلمات الكافر، فقوله ظلمة، وعمله ظلمة، وسيرته ظلمة، ويعتقد الظلم والظلام، فهو في ظلمات الشرك، وظلمات الفواحش، وظلمات العقائد، وظلمات الظلم والإيذاء، ومعاكسة أوامر المؤمنين والمسلمين، والصد عن الله وكتابه، وعن الرسول وسنته، فهو ظلمة مركبة، ظلام متراكب، ومن هنا يحذرنا الله من الاتصال بأمثال هؤلاء قبل أن يعدوا المؤمنين، فإن لم يعدوهم بالقول كانت العدوى بالفعل أو بالعقائد أو بظلمة من هذه الظلم، فإنه لا تكاد ظلمة تصيب مؤمناً إلا وسرت فيه بقية الظلمات كما نرى في واقع الحال الذي نراه في عصرنا.
فترى الطالب أو العامي أو الرحالة العالم يبتدئ لأول مرة في قراءة كتاب معين أو مقالة أو محاضرة أو محاورة إنسان، هكذا يبتدئ وهو مصمم على عقائده وعمله، ولكنه لا يكاد يتصل بهم بشكل من الأشكال وإذا بآرائهم، وإذا بظلمتهم تتسرب إليه، وإذا بك تفاجأ بهؤلاء يقولون بعض ذلك في دروسهم، وفي كتابتهم، وفي محاضراتهم، وهكذا عم الفساد وطم في البحر والجو، والأرض والسهل والجبل، والله ما أعلن لنا ذلك إلا ليحضنا على تركه، وينفرنا منهم، فالضياء لا يليق أن يضيع نوره وشعاعه بسبب هذه الظلمات المتراكبة.
وضياع هؤلاء إما سراب لا حقيقة له، وأوهام باطلة لا وجود لحقيقتها، أو ظلمات بعضها فوق بعض: كلاماً وعملاً وعقيدة وسلوكاً وكلما يصدر عنهم، فهم في ظلمات بعضها فوق بعض، ومن شدة هذا الظلام وتراكمه، والتفافه، وتجمع بعضه ببعض يكاد الكافر إذا أخرج يده لم يراها، فإذا أراد أن يتلو آية، أو أن يسمع حكمة، أو أن يجالس مؤمناً فشدة الظلام التي هو فيها تبعده عن أن يفهم ذلك، ولذلك كان يقول الإمام مالك ﵀: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.
فيبعد عن الفساق، ومن باب أولى عن المنافقين والكفار، أن يتخذهم الإنسان شيوخاً، وأن يتخذهم دعاةً، وأن يهتم بأقوالهم وبكتبهم وبرسائلهم وما إلى ذلك.
﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]، من لم يهده الله ويعطه من نوره، وهو نور السماوات والأرض، (مثل نوره) مثل هدايته التي يهدي بها من شاء، ولمن شاء وكيف شاء ﷻ ، ومن يهده الله فلا مضل له، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]، من لم يهده الله ويعطه من نوره وهدايته وحكمته، ومن كتابه المقدس المعجز، ومن نبوءة أنبيائه، ومن هدايتهم، ومن سنتهم، فسيبقى ضالاً مضلاً يخبط في ضلاله خبط عشواء.
стр. 696
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض)
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور:٤١].
ألم ترَ يا محمد! وهو المكلف بالأصل، وهو أول المسلمين، وأول المؤمنين برسالته، وذلك قبل أن يؤمن بها غيره، ألم ترَ يا محمد! والرؤية هنا رؤية علم ورؤية بصيرة، ورؤية عقيدة، وفي معنى ذلك: ألم ترَ أيها المسلم! ألم ترَ أيها المؤمن! أن الله يسبح له ويدعوه ويعبده ويوحده السماوات ومن فيها، والأرضون السبع ومن فيها، حتى الطير المصطف في الأجواء وفي السماء، ولذا كان الجماد خيراً من هؤلاء الكفار، وكان الطير خيراً منهم، وكان الحيوان خيراً منهم، فهم كالأنعام، بل قال الله وأضرب عن الكلام الأول: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩]، أي: أضل من الأنعام؛ لأن الأنعام تسبح الله، وتوحد الله، ويوحد الله الملك والجن والإنس ممن أنار الله بصائرهم، والحيوان والطير، وحتى الجماد والجبال، فتسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الإسراء:٤٤] كما قال ربنا وكرر وأعاد ليستقر في الأذهان: أنها تسبح له السماوات السبع ومن فيها، والأرضون السبع ومن فيها، يسبح له كل مخلوق عاقل ملكاً وجناً وإنساً، وكل الطير، وكل الحيوانات، وحتى الجماد: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الإسراء:٤٤] (من) إذا دخلت على النكرة على قواعد اللغة العربية فإنها تدل على العموم، أي: كل شيء، وهو ما في هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ [النور:٤١]، فالسماوات ومن فيها، وفيها الملائكة، وفيها كثير من خلق الله، والله أعلم بحقائقهم، وتسبح له الأرض، الأرضون السبع ومن فيها: من إنس وجن، وبهائم وحشرات، لكن هنا نجد الكافر، ونجد الإنسي والجني عندما يشرك بربه فكل شيء أشرف منه، وكل شيء أكرم منه، حتى الجماد وحتى الحيوان وحتى الطير: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ [النور:٤١]، فيسبح له من في السماء ومن في الأرض، ومن بين السماء والأرض كالطير، فالطير عندما تكون أجنحتها مصطفة في الأجواء هي كذلك تسبح ربها، وهي إذ ذاك ليست في الأرض، وليست في السماء، ولكنها في الأجواء والفضاء، فهي تذكر الله، ومن هنا ينبغي للمسلم عندما يركب الطائرات في الأجواء إذا دخلت أوقات الصلاة أن يصليها وهو في الأجواء، والطائرة تعتبر مدينة مستقرة في مكانها، فليؤذن للصلاة، وليقم الصلاة، وليصلها جمع تقديم أو جمع تأخير، حسب الأوقات التي هو فيها، وينبغي أن يتلو كتاب الله، وأن يذكر الله بكل ما ألهمه الله، وبكل ما فتح عليه به، ولا يليق أن يعتبر الطير خيراً منه عبادة، وخيراً منه طاعة، فالطير تعبد الله وهي في الأجواء، فالإنسان أولى منها بذلك، وهو الذي خلقت له السماوات والأرض ليعبد ربه، وليتمتع بما متعه الله به، فإن كان عن إيمان فذلك له حق حلال، ولنعم الله يوم القيامة أجمل له وأكمل وأدوم.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور:٤١] وإذا كنا لا نعلمها فالله يعلمها، فيعلم صلاة المصلي من خلقه وعباده: من ملائكته وجنه وإنسه، ويعلم تسبيح الطير، وتسبيح كل شيء، وكل يسبح بما ألهمه الله، فالطير وهو صاف جناحه في السماء هو في هذه الساعة أيضاً يسبح الله، وتسبيحه عبادته، وتسبيحه تقديسه، وتسبيحه تمجيده، وتسبيحه توحيده، فهو إلهام ألهمه الله إياه، ومن هنا كان الكل أشرف وأكمل وأصلح وأتم من الإنسان الكافر والجني الكافر.
قال تعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ﴾ [النور:٤١] التنوين هنا تنوين عوض عن كلمة، والتقدير: كل موجود، فكل من في السماء ومن في الأرض قد علم الله ﷻ صلاته وعبادته له، وتسبيحه له، وذكره له ﷻ ، و (من) في لغة العرب تطلق عادة على العاقل، و (ما) في لغة العرب تطلق عادة على غير العاقل، تقول: من في الدار؟ أي: من الرجال أو النساء العقلاء الذين في البيت؟ فإن كان في البيت هوام ودواب وطير قلت: ماذا في البيت؟ فإذا اجتمعا غلب أحياناً العاقل على غير العاقل، وأحياناً غير العاقل على العاقل، وهنا في الآية هذه وما بعدها غلب العاقل على غير العاقل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٤١]، وفي الأرض عاقل وغير عاقل، فغلب العاقل على غيره.
﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور:٤١] عليم بفعل عباده، عليم بفعل خلقه: أناسي وملائكة وجناً وطيراً وحيواناً ودواباً وحشرات، علم عبادتهم، وأدرك عبادتهم، وجازاهم عليها، فجازى المؤمن بإيمانه، وجازى الكافر بكفره، وأحسن إلى هؤلاء بأن متعهم زمناً؛ متعهم بالعيش وبالعافية، لكن هؤلاء لم يخلقوا إلا للدنيا وانتهوا.
стр. 697
تفسير قوله تعالى: (ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير)
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [النور:٤٢].
كل هؤلاء عبيد من خلق الله، وهم ملك من أملاك الله، فالسماوات ومن فيها وما فيها، والسبع الأرضون من فيها وما فيها، ما في الكل وما بينهما من ملك وإنس وجن، وما سوى ذلك من أنواع المخلوقات كلهم يأتي الله يوم القيامة عبداً، وهم في الدنيا كذلك عبيد ومماليك لله، فلا أمر لأحد منهم ولا نهي مع الله، فالكل عبد لله سواء كان مطيعاً مؤمناً، أو عاصياً متمرداً كافراً، فمنذ وقف ﷺ في هذه الأرض المقدسة وقال: (يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً) كانت هذه الأمم منذ دعا لذلك أمماً محمدية، فمن أطاع فهو من أمة الاستجابة، ومن تمرد كان من أمة الدعوة.
﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [النور:٤٢] فمصيرنا بعد ذلك إلى الله، حيث نموت ثم نحيا ونبعث ونحاسب على ما قدمناه في حياتنا، فمن كان مؤمناً فقد فاز وأفلح، وسيعيش العيشة الأبدية في نعيم من الله ورضوان، ومن حشر وعرض كافراً فله الخزي والغضب والخلود في النار، ولذلك فكلمة المصير هنا فيها نذارة وتهديد ووعيد، والمعنى: يا هؤلاء الذين تمردوا على الله وعصوه وعصوا رسله! مصيركم مهما طالت حياتكم، وامتدت أزمانكم إلى البعث والنشور، فسيبعثون ليحاسبوا على ما قدمت أيديهم: إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
ثم قال تعالى في بيان قدرته على كل شيء ليفكر المفكر، ويتدبر المتدبر، ويزداد المؤمن بذلك إيماناً، وتعود إلى الكافر يوماً بصيرته، ويعود إليه فهمه، فيؤمن ويقول: رب اغفر لي يوم الدين.
стр. 698
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يزجي سحاباً)
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٣].
يرشد الله في هذه الآية الكريمة عباده على أن يقفوا عندها قليلاً ويفكرون، فقال تعالى مرة أخرى: (ألم ترَ) أي: يا محمد! ألم ترَ أيها المؤمن! أيها المسلم! ألا ترى بصيرتك ويرى بصرك: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ [النور:٤٣] يسوق ويدفع، والسحاب: هي هذه السحب التي نراها في السماء، فترى السماء صافية، وتراها زرقاء وكأنها قطعة من ماء البحر عند صفاء الجو، وإذا بها تصعدها سحابة هنا وسحابة هناك، وإذا بها تتصل ببعضها، وتتجمع وتتراكم، وإذا بها يعلو بعضها بعضاً، وإذا بالأمطار تخرج منها، وإذا بالبروق والرعود تسمعها تكاد تهز الأرض، ويكاد سنا هذه البروق يأخذ بالأبصار: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ [النور:٤٣] أي: يجمعه: ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ [النور:٤٣] هذا السحاب الذي يرتفع إلى الأجواء متفرقاً يجمعه الله تعالى ويؤلفه، فتجتمع هذه السحابة إلى هذه، وهذه إلى هذه، ثم يجعله متراكماً متجمعاً يعلو بعضه بعضاً، ويركب بعضه بعضاً، ولما ركبنا الطائرات الساعات الطوال ونحن بين السحب من فوقنا، والسحب من تحتنا، والسحب أمامنا، والسحب خلفنا، متراكمة بعضها على بعض، والطائرات عادة تتعب في مثل هذه السحب، وتعرض للهز وللاضطراب وقد يصيبها ما يصيب إن تزايد ذلك، ولكن الله يحفظ ويصون ﷻ ، وهكذا يؤلف بينه، ثم يجعله ركاماً بعضه على بعض.
﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ [النور:٤٣] فترى المطر يخرج من خلاله، وينزل ﴿مِنْ خِلالِهِ﴾ [النور:٤٣] جمع خلل، أي من ثناياه ووسطه، ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ [النور:٤٣] ترى المطر ينزل من هذه الغيوم المتراكمة والسحب المتراكبة، هذه الأمطار التي تنزل تنتقل بعد ذلك إلى نوع آخر فتصبح برداً، فقال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من العلو ﴿مِنْ جِبَالٍ﴾ هذه السحب تتراكم حتى تصبح كالجبال، حتى تصبح وكأنها جبال، ثم هذه الأمطار وهذا البرد يتراكم ويعلو ويصبح متجمعاً مع هذه السحب وكأنها الجبال: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور:٤٣] فيصيب بهذا البرد من يشاء، ويصرفه عمن يشاء، ونزول البرد يعتبر رجماً، فإذا نزل كسر الأشجار، وأسقط الثمار، وأضاعها قبل نضجها، ويكون نزوله بلاءً من الله ﷻ ، فمن أراد إصابته وأراد عقوبته أنزله عليه كالحجارة، فيفسد الزرع، وقد يفسد الضرع، وقد يضرب الرءوس فيميتها، وقد ينزل كالحجارة من السماء.
﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٤٣] يصاب به فيصبح في مصيبة، ﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٤٣] يدفعه فلا يمسه ولا يضره.
﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٣] هذه السحب المتراكمة، وهذا المطر الوافر الذي يخرج من بينها، يخرج معه برق، هذا البرق من شدة ضوئه وإشعاعه ونوره يكاد يأخذ الأبصار، (يكاد سنا برقه) السناء: هو الضياء، والسنا: شدة الضوء، وشدة الشعاع وكثرته، والإنسان بعادته لا يستطيع النظر إلى الأضواء الكثيرة؛ لأنها تؤذيه في بصره، وإن هو زاول ذلك مرة بعد مرة فقد يصاب بالعمى أو بالمرض.
﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ [النور:٤٣] هكذا يقول تعالى: (يكاد) من أفعال المقاربة، أي: يكاد البصر يذهب، ويكاد ضوءه ينحل ويتحلل فيصبح الناس عمياً، فمن الذي صنع هذه النتيجة؟ ومن الذي رفع هذه السحب، ثم جمعها، ثم أخرج منها الأمطار، ثم أخرج من الأمطار هذا البرد، ثم أنزله فأصاب قوماً فأضاع زروعهم وضروعهم، وصرفه عن أقوام فحفظهم وصانهم؟! هل فعل هذا الشركاء؟! حاشاه ومعاذ الله فهم أعجز من ذلك، سواء كانوا إنساً أو ملائكة أو جناً، فضلاً عن الجمادات.
أليس للإنسان عقل يدرك ويعي ويفهم، وبصيرة تعي وتفهم وتدرك؟ وإذا كان الأمر كذلك أين هؤلاء الكفار مع أبصارهم، ومع أسماعهم، ومع قلوبهم؟ كيف لا يبصرون بعين، ولا يسمعون بأذن، ولا يعون بقلب؟! وهذا يعرضه الله علينا، ويلفت إلى تدبره أنظارنا، وهو بذلك يرشدنا وينصحنا في دار الدنيا والإنسان لا يزال يملك أمر نفسه، فليفكر يوماً من الذي خلق هذه السماوات العلى؟ ومن الذي بسط هذه الأراضي؟ ومن الذي أخرج ماءها ومرعاها؟ وثمارها وأشجارها؟ ومن الذي خلق هؤلاء الخلق: أبيض وأسود وطويلاً وقصيراً وصغيراً وكبيراً وامرأة ورجلاً؟ أليس الله ﷻ ؟ وإذا كان الأمر كذلك -وهو كذلك- فمن الذي يستحق منا العبادة؟ ومن الذي يستحق منا التسبيح والتعظيم والتمجيد والطاعة أليس الله ﷻ ؟ أليس الله هو واجب الطاعة، وأن يعبده خلقه على كل نوع وشكل.
هذه الفقرة من الآية ذكرت فيها (من) ثلاث مرات: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [النور:٤٣] (من) الأولى ﴿مِنْ جِبَالٍ﴾ [النور:٤٣] (من) الثانية، ﴿فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور:٤٣] (من) الثالثة، وكل حرف من هذه الأحرف لها معنى قائم بنفسه، وليست مكررة.
﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [النور:٤٣] (من) الأولى بداية الغاية، أي: إنزال هذه الأمطار وهذا البرد من هذه السحب التي يجمعها ويؤلفها ويخلقها قبل ذلك، ثم تتراكم بخلقه وإرادته، ثم يخرج المطر من بينها بقدرة الله، ثم بعد ذلك يخرج البرق والرعود منها، ثم يصيب بذلك من شاء من عباده، ويصرفه عمن يشاء من عباده، فـ (من) الأولى ((وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ)) هي لبداية الغاية.
((مِنْ جِبَالٍ)) هذه تبعيضية، فليس الجبال كلها ينزلها، فلو نزلت لأصبحت الأرض قاعاً صفصفاً، ولصار للناس ما صار لأهل لوط عندما رفع الأرض عاليها ورماها إلى الأرض رأساً على عقب، وأصبح القوم كالعصف المأكول، كما يخرج من بطون الدواب عندما تأكل العصف، ولكن الله قد رحم أمة محمد خاصة، وأما الأمم الأخرى فعاقبها في الدنيا قبل الآخرة: عاقبها بالغرق، وعاقبها بالريح، وعاقبها بالرجم، وعاقبها بالمسخ، وأما أمة محمد فمرحومة؛ لأن النبي ﷺ ما أرسله الله إلا رحمة للعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، فإنما هو رحمة مهداة كما يقول نبينا عليه صلوات الله وسلامه، ورحمته عمت المؤمن والكافر، فأما المؤمن فيزيد إيماناً وطاعة وعملاً يكافأ بذلك ويجازى يوم القيامة، وأما الكافر فيمتع بحياته وسمعه وحواسه جميعها، ويعطى فرصة من عمره، ولا يمسخ قرداً كما كان يمسخ أسلافه، ولا ترسل عليه صواعق من السماء، ولا تخسف به الأرض، بل يعطى فرصة في حياته لعله يوماً يفكر في ربه، ويفكر في قدرته، ويفكر في إرادته، ويفكر فيما أنزل على أنبيائه من كتب، وما نطق به الأنبياء من بيان وشرح لهذه الكتب من السنة المطهرة، فهو رحمة مهداة كما قال ﵊، وهو رحمة للعالمين: عالم الإنس والجن، عالم المرأة والرجل، عالم المؤمن والكافر معاً.
ثم قال: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور:٤٣] و (من) الثالثة للتبيين، أي: لا ينزل من الجبال حجارة ولكن من جنس الماء، فقد جمد وأصبح كالحجارة يرجم به من شاء من عباده، ويصرفه عمن يشاء من عباده، أولئك لعقوبتهم، وهؤلاء رحمة بهم، وقد يحصل ذلك للمؤمن فيكون كفارة للمؤمن التقي، ويكون عقوبة للمؤمن الفاجر، قال تعالى: ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٣]، يكاد سنا برقه يذهب بالبصر، فيخطف البصر، ويعمي العين ويذهب ضوءها، كل هذا خلقه الله، وكونه الله سبحانه.
стр. 699
تفسير سورة النور [٤٤ - ٥٠]
لقد خلق الله كل دابة من ماء، ثم جعلها أصنافاً وأنواعاً، فمنها من يمشي على رجليه، ومنها من يمشي على أربع، ومنها من يمشي على بطنه، ويخلق ما يشاء سبحانه وهو على كل شيء قدير.
стр. 700
تفسير قوله تعالى: (يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار
قال تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٤].
يقلب الليل والنهار، وينوع فيهما، ويشكل فيهما، فتارة يطول النهار ويقصر الليل، وتارة يطول الليل ويقصر النهار، وتارة الليل يشتد حره، وتارة يشتد برده، ويشتد ما فيه من رياح وعواصف، حتى إنها تكاد تذهب بالبيت كله، حتى لا يكاد الإنسان ينام خوفاً، وهذه التقلبات من فعل الله وخلق الله، والليل والنهار لا يتجاوزان أربعاً وعشرين ساعة، ولكن يكون البعض على حساب البعض الآخر، ويقصر على حساب الآخر: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [النور:٤٤]، فهو الذي يقلبه لا سواه، وهو وحده القادر على ذلك.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٤] إن في إنزال الأمطار، وفي تراكم السحب، وفي خروج الودق والمطر من خلالها، وصور الرعود والبروق، وفي تقليب الليل والنهار أنواعاً وأشكالاً: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ [النور:٤٤] أي: لمدعاة للتفكير والتدبر، فيقول الإنسان يوماً: من الذي فعل ذلك؟ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٤] لأصحاب البصائر، و (أبصار) جمع بصيرة، وقد تجمع على البصر، وهنا معناها: البصيرة، فهؤلاء بصيرتهم تتبع أبصارهم وما رأوه، وفكروا فيه، واعتبروا منه، ليقولوا يوماً: الله وحده القادر على هذا، والله وحده الخالق لهذا، وما يشركون به مع الله مما سوى الله لا يقدر على شيء من ذلك.
стр. 701
تفسير قوله تعالى: (والله خلق كل دابة من ماء)
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور:٤٥].
وهذا أيضاً من مدعاة الاعتبار والتفكير، فنحن نرى -هذا يراه المؤمن والكافر بالبصر، وينبغي أن يؤمن به ببصيرته- أن الله خلق الخلق كلهم من ماء، وعلى الأقل الخلق الذين نراهم من إنس، ومن دواب، ومن طير، ومن حشرات، فكلها خلقها من ماء: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور:٤٥]، فنحن خلقنا من الماء، قالوا: ولكن الملك خلق من نور، وخلق الجن من نار، لكنهم أيضاً تفرعوا عن الماء وخلقوا من الماء؛ لأن الله تعالى خلق الماء أولاً قبل السماء والأرض وكان عرشه على الماء كما قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله، ولم يكن بعد قد خلقت حياة أخرى مع الله، فلم يخلق بعد لا ملكاً ولا إنساً ولا جناً، ثم بعد ذلك خلق من الماء كل شيء، ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠]، وهذه الآية تؤكد: أن الملك كذلك، وأن الجن كذلك، وأن النار من الماء، وأن النور من الماء، فالله قال: (كل شيء حي) وشيء: يطلق على كل ما سوى الله، والحي أيضاً كذلك كل خلق الله، فالله ﷻ خالق الكل من ماء وأكد هنا ذلك وفي التلاوات السبع.
﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور:٤٥] والدابة: ما يدب على وجه الأرض، ثم ذكر هذه الأنواع من الدواب فقال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور:٤٥] وهي الزواحف: الحيتان والحيات والديدان، فكلها تزحف وتمشي على بطنها، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ [النور:٤٥] كالإنسان والطير.
قال: ﴿وَمِنْهُم مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور:٤٥] كجميع الدواب والأنعام، فأغلب الخلق يمشون على أربع، قالوا: وهناك من يمشي على أكثر من أربع كبعض الحشرات، ولكنها تمشي على الأربع، وهناك قراءة تعتبر شاذة خارجة عن القراءات السبع: (ومنهم من يمشي على أربع ومنهم من يمشي على أكثر) ولكنها ليست تلاوة متواترة، وليست من السبع، والأمر كذلك، وكأنها تفسير وبيان، وهذا الذي جاء عن عثمان بن عفان ﵁، فعندما جمع القرآن الكريم وجده هكذا مفسراً يشبه الآي على من جاء بعده، فأحرقه وأتلفه.
وعائشة كانت تزيد بعض الكلمات شرحاً وبياناً، وابن مسعود كان يفعل ذلك، كما زادت السيدة عائشة شرحاً وبياناً عند قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] زادت بخط يدها: وصلاة العصر، تريد بذلك الشرح، وأن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وذلك ثابت في صحيح مسلم لا شك فيه، وفيه نزاع بين الأئمة.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [النور:٤٥]، ومن خلق الله فيما شاء: أن جعل الحديد والأخشاب تطير وتتحرك بقدرته، وبما أقدر عليه خلقه من الإنسان: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]، فقد أعطى الله للإنسان قدرة ليصنع هذه الأشياء، ولكن ماذا صنعنا؟ لم نخلق ولم نبتكر، وإنما جئنا لحديد خلقه الله، وإلى أخشاب خلقها الله، وإلى مياه سميناها: النفط والبترول وأنواعه، والله خلقها، ثم جئنا لهذه الأجواء، والله جعل فيها من الأثير ما يمكن أن يحمل الأجسام الثقيلة فتطير كما يطير الطائر، فقلدوا الطير في طيرانه، وقد أصبح ذا جناحين، قالوا: لِمَ يطير الطير ولا يطير غيره، وهكذا صنع الإنسان هذه الصناعات من الحديد والأخشاب، وبالمياه التي هي من خلق الله، فأصبحت تطير وهي من خلق الله، حتى إن أحدهم جعل لنفسه جناحين وهو عباس بن فرناس الأندلسي، فبعد أن فكر وأطال الفكر، وعاش بين الطيور زمناً وهو يرى كيف تطير وتحلق وكيف تنزل، وإذا به يصنع لنفسه جناحين وطار بهما في الجو، وإذا به وهو يحلق ويطير يريد أن يهبط فيعجز؛ لأن تفكيره كان مفرداً، ويد الله مع الجماعة، فقد فكر في التحليق ولم يفكر في كيفية نزوله، والله خلق للطائر ذيلاً يساعده على النزول.
ونحن نرى الطير وهو ينزل كيف يأتي إلى ذيله وينزله بما يصادم الهواء ويواجهه في النزول، لذلك فإن الطائرات والبواخر يوجد لها خلفها ما يشبه ذيل الطائر؛ ليساعدها عند النزول، وليقاوم شدة الأجواء والأثير والهواء، فهو عندما لم ينتبه لذلك وهو في الأرض تأكد أنه فقد حياته وانتهى، فحاول الاندفاع فعجز، فبقي يلف ويدور ويطير إلى أن تعب فسقط جريحاً مكسراً، وقال: فكرت في طيراني ولم أفكر في نزولي، ثم مات نتيجة عدم تدبره.
ثم جاء الذين بعده فما أرادوا أن يجعلوا التجربة في الإنسان نفسه فجعلوها في الأخشاب والحديد، ولكنهم لم يفكروا أن يجعلوا للبشر أجنحة كما صنع عباس بن فرناس، ولا يبعد أن يتم هذا ويقع، وقد حصلت تجارب لا تتجاوز مئات الأمتار طار فيها الإنسان ونزل، ولكن حصول مثل هذا من الخطر بمكان، فلا يأمن الإنسان أن يطير إليه إنسان من النوافذ.
﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور:٤٥].
ودائماً هذه الآية الكريمة يبقى مغزاها في خواتمها، فقد قص الله علينا خلقه، وقد رأيناه بالبصر وفكرنا فيه بالبصيرة، وأتم الله ذلك بأنه على كل شيء قدير، وهكذا ﷻ على كل شيء قدير ويخلق ما يشاء، (ويخلق ما يشاء) فعل مضارع يدل على الحال والمستقبل، أي: وهو قادر ﷻ كما خلق ما مضى من أشكال عرفها الماضون وعرفها الآتون قادر على أن يخلق شكلاً آخر وأنواعاً أخرى ليست كما مضى في الخلق، ومن ذلك هذه المخترعات التي نراها من أنواع الطائرات والصواريخ والسفن والقطارات والسيارات.
ونبقى دائماً نقول: ويخلق الله ما يشاء، ونبقى نقول ونحن نعطف على أنواع المركوبات، قال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨]، وقد سبق أن قلت: بأن ابن عباس حبر القرآن قال: ما عطف الله قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] على أنواع المركوبات حتى كان من جنسها، وتم هذا الفهم لـ ابن عباس بعده بألف وأربعمائة عام.
стр. 702
تفسير قوله تعالى: (لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)
قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور:٤٦].
فالله أرسل محمداً صلى الله عليه وعلى آله بالكتاب الكريم، وبما فيه من آيات مبينات، مفسرات، موضحات، شارحات، تبين الحلال والحرام، والآداب والرقائق، وتبين القدرة الإلهية، وتبين خلق السماء وما فيها من عجائب، وخلق الأرض وما فيها من عجائب، تلك الآيات المبينات، المفسرات، الشارحات، الواضحات أنزلها الله تعليماً لعباده، وتعليماً لخلقه، تعليماً للناس علهم يؤمنون به، علهم يؤمنون بنبيه، علهم يؤمنون بالكتاب المنزل إليه، علهم يعيشون مؤمنين، ويموتون مؤمنين، ويبعثون مؤمنين، وذلك من رحمة الله بعباده.
ولذلك إن ضل من ضل فستبقى الحجة البالغة لله وحده، وسيقال للإنسان في القبر بسؤال الملكين: من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ كيف أنت مع صلاتك؟ كيف أنت مع بقية الأركان؟ فإذا قال: لا أدري فسيسأل: ألم يأتك نبي؟ فيقول: نعم ولا سبيل للإنكار، وإن أنكر شهد عليه جلده ولسانه وجوارحه، ولا سبيل للإنكار قط، وبعد ذلك يعترف الإنسان أحب ذلك أم كرهه.
стр. 703
تفسير قوله تعالى: (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وما أولئك بالمؤمنين)
﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٤٧].
يتكلم الله عن قوم كان منهم في العصر الأول منافقون، والكلام عندما يكون له سبب فذلك السبب ليس إلا سبباً للنزول وإلا فالعبرة دوماً واستمراراً في كتاب الله وسنة رسوله العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وما أشد تطبيق هذه الآية علينا، فاليوم وما قبل اليوم وإلى ما بعد اليوم يقول تعالى عن طائفة من أدعياء الإسلام: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٤٧] يقول: نحن مسلمون آمنا بالله رباً وإلهاً، وآمنا بمحمد نبياً ورسولاً، وماذا يكون بعد ذلك؟ ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [النور:٤٧] يتولى فريق -من هؤلاء الذين يقولون: آمنا بالله وبرسوله وأطعنا- ويعرضون ويبتعدون ويستنكفون عن الإيمان حقاً وعن الطاعة حقاً، فالله تعالى يقول عن هؤلاء: ﴿وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٤٧].
ونحن اليوم نجد أن الشعوب الإسلامية والدول الإسلامية يقولون: نحن مسلمون جميعاً، وإذا قلت له: اسكت يا كافر! أو يا زنديق! لقام في وجهك قيام الضواري والحيوانات المفترسة، وهم مع ذلك يتحاكمون بغير كتاب الله ويتحاكمون بغير سنة رسول الله، فأنت تقول لهم: كيف تقولون: نحن مؤمنون بالله ومؤمنون برسول الله، ثم لا تطيعون بعد ذلك؟! فالإيمان بالله له فرع والإيمان بالرسول له أثر، فالإيمان بالله يلزم من ادعاه أن يكون مطيعاً لكتاب الله، ممتثلاً للأوامر، مجتنباً للنواهي، والمدعي للإيمان برسول الله يجب أن يكون مطيعاً له فيما أمر، ومجتنباً لما نهى عنه وزجر، وإذا زعم أنه مطيع لله ورسوله، فقل له: أين الطاعة؟ أنت تهمل كتاب الله حكماً وقانوناً: في الشارع في الدولة في الجيش في المعاملة في جميع شئون الحياة، وتحكم بغير ما أنزل الله، وتعمل بغير ما أنزل الله، وتنشر الكفر أشكالاً وألواناً، فالله تعالى يقول عن هؤلاء الذين يصنعون ذلك بعد أن ادعوا الإسلام وقالوا: إنهم مؤمنون بالله وبالرسول ﷺ ومطيعون لهما، قال الله عنهم: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [النور:٤٧]، بعد دعواهم الإيمان والطاعة، قال تعالى مكذباً لهم: ﴿وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٤٧] أي: هؤلاء الذين يدعون الإيمان والطاعة ليسوا من المؤمنين؛ لأن الإيمان له شروط، والإسلام له قواعد وله ضوابط، وقد قال تعالى في كتابه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧]، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥] وهل بعد كلام الله كلام لأحد؟ وهذا من ذاك، فتجده يدعي الإسلام والإيمان والطاعة وقد يصلي وقد يصوم، وإذا به عند الحكم وإذا به عند التعليم وإذا به عند التصرف تجده قد أباح الزنا بأنواعه، وأباح الربا بأنواعه، وأباح إلغاء الحدود بأنواعها، وكشف الأعراض، وأخرج النساء عراة في الشوارع، وملأ المدارس والجامعات بغير كتاب الله، وبغير سنة رسول الله، وبغير القرآن الكريم، وبغير مذاهب الأئمة الذين استنبطوا فقههم من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين، فكيف بهؤلاء أن يدعوا بأنهم مطيعون مؤمنون؟! ولذلك أكد الله فقال عنهم: ﴿وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٤٧].
وليس بعد كلام الله كلام، وإذا أرادوا أن يكونوا مؤمنين فليتوبوا إلى الله من كذبهم، ومن عملهم للباطل، وتركهم لكتاب الله وسنته، وليس هذا خاصاً بالمنافقين وإن كانوا سبباً في نزول الآية، بل إن الكفار في عصرنا هم السواد الأعظم ممن ألغوا كتاب الله عملاً وحكماً وآداباً، وألغوا سنة رسول الله ﷺ حكماً وتعليماً وآداباً، إلا قلة أبعدت عن الحكم وأبعدت عن القضاء وأبعدت عن التوجيه والتفسير، وهذه القلة مع ذلك لا تزال موضع الأمل وموضع الرجاء، وهي الدليل الناطق لتحقيق قول نبي الله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم إلى يوم القيامة).
стр. 704
تفسير قوله تعالى: (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون)
سيبقى الحق حقاً إلى أبد الآباد، ولن يضره خذلان المنخذلين أو كفر الكافرين، وسيبقى الباطل باطلاً ولو تكاثر المتمسكون به، والدعاة إليه، والعاملون به، فهو هباء منثور، والباطل باطل لا يفيد بل يضر، وهؤلاء من خصائصهم: أنهم إذا دعاهم علماؤهم الصادقون ورثة النبي صلى الله عليه وعلى آله صاروا كما قال الله: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور:٤٨].
أي: إذا دعي هؤلاء من قبل العلماء أو بعض المؤمنين الصالحين إلى الإيمان بالله عملاً لا مجرد القول، أو إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وعلى آله عملاً لا قولاً، وليحكم بينهم كتاب الله، ولتحكم بينهم سنة رسول الله ﷺ ، ولتكون دعواهم صادقة، كانت النتيجة الإعراض: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور:٤٨].
ولماذا قال: ليحكم؟ أي: ليحكم الله بكتابه، فهو يرجع لهما معاً: ليحكم الله بكتابه وليحكم رسوله بسنته صلى الله عليه وعلى آله، فإذا فريق منهم وطائفة يعرضون عن ذلك، أي: الحكم بكتاب الله، أو الحكم بسنة رسول الله ﷺ ، وأعرضوا عن الفقه والعمل به.
وقول الله صريح ودليل على أن الإسلام سيبقى خالداً إلى يوم القيامة، فإن الكل لم يعرضوا عن كتاب الله، ولم يعرض الكل عن رسول الله ﷺ ، ولم يترك الإسلام كل الناس، بل إن دين الله سيبقى وإلى أبد الآباد خذله من خذله وحاربه من حاربه، وسيبقى الحق منصوراً مبصراً، وستبقى هذه المصابيح والسرج التي تنير أوساط المسلمين وتنير بلادهم، فالمسلمون الآن في ضعف وغداً في قوة، وليس شيء يدوم سوى الله، وهكذا علمنا تاريخ الإسلام في أحقاب ودهور مضت، فكم من حروب طاحنة مرت على المسلمين ثم كانت العاقبة لجند الله ورسوله ﷺ .
وقد حاولوا في عصر الصحابة أن يقتل من الصحابة الكثير، وأن يوقف الزحف الإسلامي في فتح العالم، وطال ذلك واستطال وتولاهم منافقون ادعوا الإسلام، وكاد الإسلام يذهب، وأخذ الرومان في الزحف حتى أوشكوا على الوصول إلى العواصم، وإذا بالله ينصر دينه، ويذهب من فعل ذلك، ويزيد الإسلام انتشاراً، ثم بعد وقت تأتي الصليبية فتحتل نفس الأرض المحتلة اليوم ويبقون فيها أكثر من مائة سنة، وتنزل الجيوش إلى ينبع، وتنزل في الحجاز، وتأخذ طريقها إلى المدينة المنورة، وإذا بالله الكريم ينصر دينه، فيسحق أولئك ويرمون في البحار في بطون الحيتان والمقابر، ويعود الإسلام أقوى مما كان، وينتشر أكثر مما كان.
وهكذا في القرن التاسع الهجري يزحف بالإسلام وينتشر ويدخل أقطاراً ما سبق له أن دخلها، فقد فتحوا القسطنطينية التي كانت مكمن النصرانية في الشرق، ويتحقق بذلك ما أخبر به المصطفى ﵊ في قوله: (رأيت أمتي ملوكاً على الأسرة أو كالملوك على الأسرة، يفتحون مدينة نصفها في البر ونصفها في البحر يقال لها: القسطنطينية)، وتصبح بعد ذلك عاصمة للإسلام سبعمائة عام إلى أن ارتد من ارتد وخزي من خزي وتزندق من تزندق، وأخذ الإسلام يتقلص، فسلط عليهم الاستعمار الأوروبي والاستعمار الأمريكي والاستعمار الروسي، ولكن بعد أن استقل المسلمون لم يحمدوا الله على نعمه، ولم يشكروه على آلائه، وإذا بهم يسلط عليهم الاستعمار اليهودي، وقد قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم:٨٣]، وما ذاك إلا عقاب الله تعالى، وكأنها لطمة سكران عندما يشتد سكره لعله يفيق ويعود، وسيعود المسلمون وسيسحق اليهود سحقاً هم وأنصارهم ومن خلفهم من المنافقين الذين يتخللون أوساطنا، أو من اليهودية الدولية أو الصليبية العالمية، وقد قال بذلك الصادق المصدوق ﷺ : (تقاتلكم يهود فتقاتلونهم فتنتصرون عليهم، حتى يقول الشجر والحجر والمدر: يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله).
ولم يكن هؤلاء يوماً أقوى ولا أشمل ولا أكثر من الصليبيين قبلهم، ثم هم لا يتجاوزون كلاب الصيد اصطادت بهم الصليبية في هذا العصر بعد أن وجدت المسلمين في ضعف وتشتت، وكذلك ما هم فيه من ترك لكتاب الله وسنة نبيهم ﷺ ، فسلطوا عليهم لا لقوتهم ولكن لشتات المسلمين وضياعهم، وستكون هذا تربية صعبة رادعة، وسيكون العود بعد ذلك لله ولكتاب الله، ولقيادة سيد البشر محمد صلوات الله وسلامه عليه.
﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور:٤٨]، وهكذا يبقى دائماً الذي يعرض ويكذب، فهو فريق من الناس وليس كل الناس، فالإسلام كان وما يزال شمساً مشرقة في رابعة النهار، وقد قال الله بشأن حفظ دستور الأمة: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، ومن حفظ القرآن حفظ بيانه وهو سنة النبي ﷺ ، والمستنبطات كذلك من الفقه الإسلامي، واللغة التي بها نزل القرآن، بل إنه يوجد في هذا العصر حركات في جامعات وفي أقطار عربية شرقية تجمع فقه الصحابة، وفقه آل البيت، وفقه التابعين، وقد صدر من ذلك الكثير الطيب بما يعد ميزة لهذا العصر، وإن كان هذا قد حصل في التاريخ، فقد ذكر: أن ابن مفوز من أعلام الأندلس جمع فقه الحسن البصري، وجمع فقه ابن شهاب الزهري، ولكنه ضاع مع ما ضاع من تراث الأندلس وعلوم الأندلس وخزائن الأندلس.
стр. 705
تفسير قوله تعالى: (وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين)
ثم يقول الله عن هؤلاء المنافقين القدماء والمحدثين: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور:٤٩] يعني: إذا وجدوا في الشريعة ما يتفق مع مصالحهم بادروا إليه مذعنين خاضعين مستسلمين، فتجدهم ملتزمين بما يخص مصالحهم كالمواريث والسياحة والمعاملة وغيرها.
فإذا أتت الحدود بالرجم والصلب وتقطيع الأيدي والأرجل وبالجلد أمام الشهود، إذا بهم يصيحون ويستنكرون ويقولون بوحشية هذه الحدود، ولم يروا إفكهم ودعارتهم وضلالهم، ومن قتل القاتل وظلم الظالم وفسق الفاسق، فلم يفكروا في ذلك، وهكذا هم في كل زمان ومكان، فإنهم إذا دعوا لما يرون فيه مصلحة في الإسلام قبلوه وأذعنوا إليه وخضعوا له، ومن هنا كان المنافقون في العصر النبوي -وما أشبه اليوم بالأمس- إذا علموا أن رسول الله سيحكم لهم ذهبوا إليه وتحاكموا إليه، وإذا رأوا أن الحكم عليهم نفروا منه وحكموا بعضهم، وقد يحكمون اليهود كـ كعب بن الأشرف وأمثاله، وهكذا هم اليوم، فقد ألغوا الشريعة وتركوا منها آثاراً أشبه بآثار الوشم في اليد.
следующие страницы →