Полный текст (2 442 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
تفسير قوله تعالى: (والله خلق كل دابة من ماء)
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور:٤٥].
وهذا أيضاً من مدعاة الاعتبار والتفكير، فنحن نرى -هذا يراه المؤمن والكافر بالبصر، وينبغي أن يؤمن به ببصيرته- أن الله خلق الخلق كلهم من ماء، وعلى الأقل الخلق الذين نراهم من إنس، ومن دواب، ومن طير، ومن حشرات، فكلها خلقها من ماء: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور:٤٥]، فنحن خلقنا من الماء، قالوا: ولكن الملك خلق من نور، وخلق الجن من نار، لكنهم أيضاً تفرعوا عن الماء وخلقوا من الماء؛ لأن الله تعالى خلق الماء أولاً قبل السماء والأرض وكان عرشه على الماء كما قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله، ولم يكن بعد قد خلقت حياة أخرى مع الله، فلم يخلق بعد لا ملكاً ولا إنساً ولا جناً، ثم بعد ذلك خلق من الماء كل شيء، ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠]، وهذه الآية تؤكد: أن الملك كذلك، وأن الجن كذلك، وأن النار من الماء، وأن النور من الماء، فالله قال: (كل شيء حي) وشيء: يطلق على كل ما سوى الله، والحي أيضاً كذلك كل خلق الله، فالله ﷻ خالق الكل من ماء وأكد هنا ذلك وفي التلاوات السبع.
﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور:٤٥] والدابة: ما يدب على وجه الأرض، ثم ذكر هذه الأنواع من الدواب فقال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور:٤٥] وهي الزواحف: الحيتان والحيات والديدان، فكلها تزحف وتمشي على بطنها، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ [النور:٤٥] كالإنسان والطير.
قال: ﴿وَمِنْهُم مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور:٤٥] كجميع الدواب والأنعام، فأغلب الخلق يمشون على أربع، قالوا: وهناك من يمشي على أكثر من أربع كبعض الحشرات، ولكنها تمشي على الأربع، وهناك قراءة تعتبر شاذة خارجة عن القراءات السبع: (ومنهم من يمشي على أربع ومنهم من يمشي على أكثر) ولكنها ليست تلاوة متواترة، وليست من السبع، والأمر كذلك، وكأنها تفسير وبيان، وهذا الذي جاء عن عثمان بن عفان ﵁، فعندما جمع القرآن الكريم وجده هكذا مفسراً يشبه الآي على من جاء بعده، فأحرقه وأتلفه.
وعائشة كانت تزيد بعض الكلمات شرحاً وبياناً، وابن مسعود كان يفعل ذلك، كما زادت السيدة عائشة شرحاً وبياناً عند قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] زادت بخط يدها: وصلاة العصر، تريد بذلك الشرح، وأن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وذلك ثابت في صحيح مسلم لا شك فيه، وفيه نزاع بين الأئمة.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [النور:٤٥]، ومن خلق الله فيما شاء: أن جعل الحديد والأخشاب تطير وتتحرك بقدرته، وبما أقدر عليه خلقه من الإنسان: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]، فقد أعطى الله للإنسان قدرة ليصنع هذه الأشياء، ولكن ماذا صنعنا؟ لم نخلق ولم نبتكر، وإنما جئنا لحديد خلقه الله، وإلى أخشاب خلقها الله، وإلى مياه سميناها: النفط والبترول وأنواعه، والله خلقها، ثم جئنا لهذه الأجواء، والله جعل فيها من الأثير ما يمكن أن يحمل الأجسام الثقيلة فتطير كما يطير الطائر، فقلدوا الطير في طيرانه، وقد أصبح ذا جناحين، قالوا: لِمَ يطير الطير ولا يطير غيره، وهكذا صنع الإنسان هذه الصناعات من الحديد والأخشاب، وبالمياه التي هي من خلق الله، فأصبحت تطير وهي من خلق الله، حتى إن أحدهم جعل لنفسه جناحين وهو عباس بن فرناس الأندلسي، فبعد أن فكر وأطال الفكر، وعاش بين الطيور زمناً وهو يرى كيف تطير وتحلق وكيف تنزل، وإذا به يصنع لنفسه جناحين وطار بهما في الجو، وإذا به وهو يحلق ويطير يريد أن يهبط فيعجز؛ لأن تفكيره كان مفرداً، ويد الله مع الجماعة، فقد فكر في التحليق ولم يفكر في كيفية نزوله، والله خلق للطائر ذيلاً يساعده على النزول.
ونحن نرى الطير وهو ينزل كيف يأتي إلى ذيله وينزله بما يصادم الهواء ويواجهه في النزول، لذلك فإن الطائرات والبواخر يوجد لها خلفها ما يشبه ذيل الطائر؛ ليساعدها عند النزول، وليقاوم شدة الأجواء والأثير والهواء، فهو عندما لم ينتبه لذلك وهو في الأرض تأكد أنه فقد حياته وانتهى، فحاول الاندفاع فعجز، فبقي يلف ويدور ويطير إلى أن تعب فسقط جريحاً مكسراً، وقال: فكرت في طيراني ولم أفكر في نزولي، ثم مات نتيجة عدم تدبره.
ثم جاء الذين بعده فما أرادوا أن يجعلوا التجربة في الإنسان نفسه فجعلوها في الأخشاب والحديد، ولكنهم لم يفكروا أن يجعلوا للبشر أجنحة كما صنع عباس بن فرناس، ولا يبعد أن يتم هذا ويقع، وقد حصلت تجارب لا تتجاوز مئات الأمتار طار فيها الإنسان ونزل، ولكن حصول مثل هذا من الخطر بمكان، فلا يأمن الإنسان أن يطير إليه إنسان من النوافذ.
﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور:٤٥].
ودائماً هذه الآية الكريمة يبقى مغزاها في خواتمها، فقد قص الله علينا خلقه، وقد رأيناه بالبصر وفكرنا فيه بالبصيرة، وأتم الله ذلك بأنه على كل شيء قدير، وهكذا ﷻ على كل شيء قدير ويخلق ما يشاء، (ويخلق ما يشاء) فعل مضارع يدل على الحال والمستقبل، أي: وهو قادر ﷻ كما خلق ما مضى من أشكال عرفها الماضون وعرفها الآتون قادر على أن يخلق شكلاً آخر وأنواعاً أخرى ليست كما مضى في الخلق، ومن ذلك هذه المخترعات التي نراها من أنواع الطائرات والصواريخ والسفن والقطارات والسيارات.
ونبقى دائماً نقول: ويخلق الله ما يشاء، ونبقى نقول ونحن نعطف على أنواع المركوبات، قال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨]، وقد سبق أن قلت: بأن ابن عباس حبر القرآن قال: ما عطف الله قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] على أنواع المركوبات حتى كان من جنسها، وتم هذا الفهم لـ ابن عباس بعده بألف وأربعمائة عام.
стр. 702
تفسير قوله تعالى: (لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)
قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور:٤٦].
فالله أرسل محمداً صلى الله عليه وعلى آله بالكتاب الكريم، وبما فيه من آيات مبينات، مفسرات، موضحات، شارحات، تبين الحلال والحرام، والآداب والرقائق، وتبين القدرة الإلهية، وتبين خلق السماء وما فيها من عجائب، وخلق الأرض وما فيها من عجائب، تلك الآيات المبينات، المفسرات، الشارحات، الواضحات أنزلها الله تعليماً لعباده، وتعليماً لخلقه، تعليماً للناس علهم يؤمنون به، علهم يؤمنون بنبيه، علهم يؤمنون بالكتاب المنزل إليه، علهم يعيشون مؤمنين، ويموتون مؤمنين، ويبعثون مؤمنين، وذلك من رحمة الله بعباده.
ولذلك إن ضل من ضل فستبقى الحجة البالغة لله وحده، وسيقال للإنسان في القبر بسؤال الملكين: من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ كيف أنت مع صلاتك؟ كيف أنت مع بقية الأركان؟ فإذا قال: لا أدري فسيسأل: ألم يأتك نبي؟ فيقول: نعم ولا سبيل للإنكار، وإن أنكر شهد عليه جلده ولسانه وجوارحه، ولا سبيل للإنكار قط، وبعد ذلك يعترف الإنسان أحب ذلك أم كرهه.
стр. 703
تفسير قوله تعالى: (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وما أولئك بالمؤمنين)
﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٤٧].
يتكلم الله عن قوم كان منهم في العصر الأول منافقون، والكلام عندما يكون له سبب فذلك السبب ليس إلا سبباً للنزول وإلا فالعبرة دوماً واستمراراً في كتاب الله وسنة رسوله العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وما أشد تطبيق هذه الآية علينا، فاليوم وما قبل اليوم وإلى ما بعد اليوم يقول تعالى عن طائفة من أدعياء الإسلام: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٤٧] يقول: نحن مسلمون آمنا بالله رباً وإلهاً، وآمنا بمحمد نبياً ورسولاً، وماذا يكون بعد ذلك؟ ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [النور:٤٧] يتولى فريق -من هؤلاء الذين يقولون: آمنا بالله وبرسوله وأطعنا- ويعرضون ويبتعدون ويستنكفون عن الإيمان حقاً وعن الطاعة حقاً، فالله تعالى يقول عن هؤلاء: ﴿وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٤٧].
ونحن اليوم نجد أن الشعوب الإسلامية والدول الإسلامية يقولون: نحن مسلمون جميعاً، وإذا قلت له: اسكت يا كافر! أو يا زنديق! لقام في وجهك قيام الضواري والحيوانات المفترسة، وهم مع ذلك يتحاكمون بغير كتاب الله ويتحاكمون بغير سنة رسول الله، فأنت تقول لهم: كيف تقولون: نحن مؤمنون بالله ومؤمنون برسول الله، ثم لا تطيعون بعد ذلك؟! فالإيمان بالله له فرع والإيمان بالرسول له أثر، فالإيمان بالله يلزم من ادعاه أن يكون مطيعاً لكتاب الله، ممتثلاً للأوامر، مجتنباً للنواهي، والمدعي للإيمان برسول الله يجب أن يكون مطيعاً له فيما أمر، ومجتنباً لما نهى عنه وزجر، وإذا زعم أنه مطيع لله ورسوله، فقل له: أين الطاعة؟ أنت تهمل كتاب الله حكماً وقانوناً: في الشارع في الدولة في الجيش في المعاملة في جميع شئون الحياة، وتحكم بغير ما أنزل الله، وتعمل بغير ما أنزل الله، وتنشر الكفر أشكالاً وألواناً، فالله تعالى يقول عن هؤلاء الذين يصنعون ذلك بعد أن ادعوا الإسلام وقالوا: إنهم مؤمنون بالله وبالرسول ﷺ ومطيعون لهما، قال الله عنهم: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [النور:٤٧]، بعد دعواهم الإيمان والطاعة، قال تعالى مكذباً لهم: ﴿وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٤٧] أي: هؤلاء الذين يدعون الإيمان والطاعة ليسوا من المؤمنين؛ لأن الإيمان له شروط، والإسلام له قواعد وله ضوابط، وقد قال تعالى في كتابه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧]، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥] وهل بعد كلام الله كلام لأحد؟ وهذا من ذاك، فتجده يدعي الإسلام والإيمان والطاعة وقد يصلي وقد يصوم، وإذا به عند الحكم وإذا به عند التعليم وإذا به عند التصرف تجده قد أباح الزنا بأنواعه، وأباح الربا بأنواعه، وأباح إلغاء الحدود بأنواعها، وكشف الأعراض، وأخرج النساء عراة في الشوارع، وملأ المدارس والجامعات بغير كتاب الله، وبغير سنة رسول الله، وبغير القرآن الكريم، وبغير مذاهب الأئمة الذين استنبطوا فقههم من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين، فكيف بهؤلاء أن يدعوا بأنهم مطيعون مؤمنون؟! ولذلك أكد الله فقال عنهم: ﴿وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٤٧].
وليس بعد كلام الله كلام، وإذا أرادوا أن يكونوا مؤمنين فليتوبوا إلى الله من كذبهم، ومن عملهم للباطل، وتركهم لكتاب الله وسنته، وليس هذا خاصاً بالمنافقين وإن كانوا سبباً في نزول الآية، بل إن الكفار في عصرنا هم السواد الأعظم ممن ألغوا كتاب الله عملاً وحكماً وآداباً، وألغوا سنة رسول الله ﷺ حكماً وتعليماً وآداباً، إلا قلة أبعدت عن الحكم وأبعدت عن القضاء وأبعدت عن التوجيه والتفسير، وهذه القلة مع ذلك لا تزال موضع الأمل وموضع الرجاء، وهي الدليل الناطق لتحقيق قول نبي الله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم إلى يوم القيامة).
стр. 704
تفسير قوله تعالى: (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون)
سيبقى الحق حقاً إلى أبد الآباد، ولن يضره خذلان المنخذلين أو كفر الكافرين، وسيبقى الباطل باطلاً ولو تكاثر المتمسكون به، والدعاة إليه، والعاملون به، فهو هباء منثور، والباطل باطل لا يفيد بل يضر، وهؤلاء من خصائصهم: أنهم إذا دعاهم علماؤهم الصادقون ورثة النبي صلى الله عليه وعلى آله صاروا كما قال الله: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور:٤٨].
أي: إذا دعي هؤلاء من قبل العلماء أو بعض المؤمنين الصالحين إلى الإيمان بالله عملاً لا مجرد القول، أو إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وعلى آله عملاً لا قولاً، وليحكم بينهم كتاب الله، ولتحكم بينهم سنة رسول الله ﷺ ، ولتكون دعواهم صادقة، كانت النتيجة الإعراض: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور:٤٨].
ولماذا قال: ليحكم؟ أي: ليحكم الله بكتابه، فهو يرجع لهما معاً: ليحكم الله بكتابه وليحكم رسوله بسنته صلى الله عليه وعلى آله، فإذا فريق منهم وطائفة يعرضون عن ذلك، أي: الحكم بكتاب الله، أو الحكم بسنة رسول الله ﷺ ، وأعرضوا عن الفقه والعمل به.
وقول الله صريح ودليل على أن الإسلام سيبقى خالداً إلى يوم القيامة، فإن الكل لم يعرضوا عن كتاب الله، ولم يعرض الكل عن رسول الله ﷺ ، ولم يترك الإسلام كل الناس، بل إن دين الله سيبقى وإلى أبد الآباد خذله من خذله وحاربه من حاربه، وسيبقى الحق منصوراً مبصراً، وستبقى هذه المصابيح والسرج التي تنير أوساط المسلمين وتنير بلادهم، فالمسلمون الآن في ضعف وغداً في قوة، وليس شيء يدوم سوى الله، وهكذا علمنا تاريخ الإسلام في أحقاب ودهور مضت، فكم من حروب طاحنة مرت على المسلمين ثم كانت العاقبة لجند الله ورسوله ﷺ .
وقد حاولوا في عصر الصحابة أن يقتل من الصحابة الكثير، وأن يوقف الزحف الإسلامي في فتح العالم، وطال ذلك واستطال وتولاهم منافقون ادعوا الإسلام، وكاد الإسلام يذهب، وأخذ الرومان في الزحف حتى أوشكوا على الوصول إلى العواصم، وإذا بالله ينصر دينه، ويذهب من فعل ذلك، ويزيد الإسلام انتشاراً، ثم بعد وقت تأتي الصليبية فتحتل نفس الأرض المحتلة اليوم ويبقون فيها أكثر من مائة سنة، وتنزل الجيوش إلى ينبع، وتنزل في الحجاز، وتأخذ طريقها إلى المدينة المنورة، وإذا بالله الكريم ينصر دينه، فيسحق أولئك ويرمون في البحار في بطون الحيتان والمقابر، ويعود الإسلام أقوى مما كان، وينتشر أكثر مما كان.
وهكذا في القرن التاسع الهجري يزحف بالإسلام وينتشر ويدخل أقطاراً ما سبق له أن دخلها، فقد فتحوا القسطنطينية التي كانت مكمن النصرانية في الشرق، ويتحقق بذلك ما أخبر به المصطفى ﵊ في قوله: (رأيت أمتي ملوكاً على الأسرة أو كالملوك على الأسرة، يفتحون مدينة نصفها في البر ونصفها في البحر يقال لها: القسطنطينية)، وتصبح بعد ذلك عاصمة للإسلام سبعمائة عام إلى أن ارتد من ارتد وخزي من خزي وتزندق من تزندق، وأخذ الإسلام يتقلص، فسلط عليهم الاستعمار الأوروبي والاستعمار الأمريكي والاستعمار الروسي، ولكن بعد أن استقل المسلمون لم يحمدوا الله على نعمه، ولم يشكروه على آلائه، وإذا بهم يسلط عليهم الاستعمار اليهودي، وقد قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم:٨٣]، وما ذاك إلا عقاب الله تعالى، وكأنها لطمة سكران عندما يشتد سكره لعله يفيق ويعود، وسيعود المسلمون وسيسحق اليهود سحقاً هم وأنصارهم ومن خلفهم من المنافقين الذين يتخللون أوساطنا، أو من اليهودية الدولية أو الصليبية العالمية، وقد قال بذلك الصادق المصدوق ﷺ : (تقاتلكم يهود فتقاتلونهم فتنتصرون عليهم، حتى يقول الشجر والحجر والمدر: يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله).
ولم يكن هؤلاء يوماً أقوى ولا أشمل ولا أكثر من الصليبيين قبلهم، ثم هم لا يتجاوزون كلاب الصيد اصطادت بهم الصليبية في هذا العصر بعد أن وجدت المسلمين في ضعف وتشتت، وكذلك ما هم فيه من ترك لكتاب الله وسنة نبيهم ﷺ ، فسلطوا عليهم لا لقوتهم ولكن لشتات المسلمين وضياعهم، وستكون هذا تربية صعبة رادعة، وسيكون العود بعد ذلك لله ولكتاب الله، ولقيادة سيد البشر محمد صلوات الله وسلامه عليه.
﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور:٤٨]، وهكذا يبقى دائماً الذي يعرض ويكذب، فهو فريق من الناس وليس كل الناس، فالإسلام كان وما يزال شمساً مشرقة في رابعة النهار، وقد قال الله بشأن حفظ دستور الأمة: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، ومن حفظ القرآن حفظ بيانه وهو سنة النبي ﷺ ، والمستنبطات كذلك من الفقه الإسلامي، واللغة التي بها نزل القرآن، بل إنه يوجد في هذا العصر حركات في جامعات وفي أقطار عربية شرقية تجمع فقه الصحابة، وفقه آل البيت، وفقه التابعين، وقد صدر من ذلك الكثير الطيب بما يعد ميزة لهذا العصر، وإن كان هذا قد حصل في التاريخ، فقد ذكر: أن ابن مفوز من أعلام الأندلس جمع فقه الحسن البصري، وجمع فقه ابن شهاب الزهري، ولكنه ضاع مع ما ضاع من تراث الأندلس وعلوم الأندلس وخزائن الأندلس.
стр. 705
تفسير قوله تعالى: (وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين)
ثم يقول الله عن هؤلاء المنافقين القدماء والمحدثين: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور:٤٩] يعني: إذا وجدوا في الشريعة ما يتفق مع مصالحهم بادروا إليه مذعنين خاضعين مستسلمين، فتجدهم ملتزمين بما يخص مصالحهم كالمواريث والسياحة والمعاملة وغيرها.
فإذا أتت الحدود بالرجم والصلب وتقطيع الأيدي والأرجل وبالجلد أمام الشهود، إذا بهم يصيحون ويستنكرون ويقولون بوحشية هذه الحدود، ولم يروا إفكهم ودعارتهم وضلالهم، ومن قتل القاتل وظلم الظالم وفسق الفاسق، فلم يفكروا في ذلك، وهكذا هم في كل زمان ومكان، فإنهم إذا دعوا لما يرون فيه مصلحة في الإسلام قبلوه وأذعنوا إليه وخضعوا له، ومن هنا كان المنافقون في العصر النبوي -وما أشبه اليوم بالأمس- إذا علموا أن رسول الله سيحكم لهم ذهبوا إليه وتحاكموا إليه، وإذا رأوا أن الحكم عليهم نفروا منه وحكموا بعضهم، وقد يحكمون اليهود كـ كعب بن الأشرف وأمثاله، وهكذا هم اليوم، فقد ألغوا الشريعة وتركوا منها آثاراً أشبه بآثار الوشم في اليد.
стр. 706
تفسير قوله تعالى: (أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا)
ثم قال تعالى عن هؤلاء موبخاً ومقرعاً ومسفهاً: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور:٥٠].
يقول الله موبخاً على طريقة الاستفهام في لغة العرب وفصاحتها: أفي قلوب هؤلاء مرض؟ فهؤلاء الذين يصنعون ذلك ويقولون: سمعنا وأطعنا ثم لا يصنعون شيئاً، ويؤمنون ببعض الحق في تصورهم ثم يتنكرون له وينقلبون عليه: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [النور:٥٠] أي: أفي قلوبهم كفر؟ إذا قيل في الإنسان: قلبه مريض فيعني: أنه منافق مخادع يظهر خلاف ما يبطن، أهؤلاء مسلمون حقاً أم هم منافقون؟! ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا﴾ [النور:٥٠] أي: أم شكوا في ربهم من جديد وعادوا للكفر صراحة؟ أم شكوا في صدق نبيهم؟! أم شكوا في صدق الكتاب المنزل على نبيهم وهو القرآن الكريم؟ ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ [النور:٥٠] أي: أن يجور عليهم الله ورسوله، فيخافون أن يكون في أحكام الله جور عليهم وظلم لهم، وهل هذا يخطر في بال مسلم؟!
стр. 707
تفسير سورة النور [٥١ - ٥٤]
ذكر الله تعالى أن من صفات المؤمنين حقاً أنهم إذا دعوا إلى التحاكم إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ فإنهم يذعنون لذلك، ويقولون: سمعنا وأطعنا، فمن فعل ذلك كان من المفلحين.
ثم ذكر بعض صفات المنافقين، وذلك أنهم يحلفون بالله لئن أمرهم الرسول ﷺ بالخروج للجهاد والقتال فإنهم سيطيعون وسيخرجون، وهم كاذبون في ذلك، فحالهم معروف، ونفاقهم بيّن.
стр. 708
تفسير قوله تعالى: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله)
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١].
أي: أنه يجب أن تظهر أمارات حب الله ورسوله على زاعمها قولاً وعملاً واعتقاداً؛ ليكون مؤمناً حقاً، فليس الإيمان قولاً يقال باللسان فقط، بل هو قول باللسان، وعقد بالجنان، وعمل بالأركان.
فإذا خلت هذه الصفة من إيمان المؤمن انقلب منافقاً كذاباً مشركاً يزعم الإيمان وما هو بمؤمن، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٥١] وهذا الذي يليق بالمؤمنين، وهنا تقدم خبر كان على اسمها وهذا كثير في لغة العرب، والقرآن نزل بلغة العرب فكان البليغ والمعجز والفصيح، وفائدة تقديم الخبر على الاسم هنا الدلالة على الحصر: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النور:٥١] أي: إذا طولبوا بتحكيم شرع الله فليس لهم إلا أن يقولوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١] أي: سمعنا قول الله وأطعناه، وسمعنا قول رسوله ﷺ وأطعناه، فهذه هي الصفة الواجبة واللازمة واللائقة بالمؤمن، وأما أن يقول: سمعت وهو عاصٍ فهذا ليس بمؤمن حقاً، وإنما هو ظالم لنفسه بشركه وعصيانه.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١] إنما كان قول المؤمن الحق إذا دعي إلى تحكيم كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ أن يقول: سمعت وأطعت في المنشط والمكره، فيما يريد وما لا يريد، فيما يعجبه وما لا يعجبه، وليس القرآن وليست السنة وليس الإسلام خاصاً لنزوات الناس، ولا لشهواتهم، ولا لما يتفق مع أغراضهم وألاعيبهم، وإنما جاء بالحق الصراح والعدل المطلق، وإنما جاء لردع الظالم وإعطاء المظلوم حقوقه رضي بذلك الظالم أم لم يرض، بل يجب عليه إن كان مؤمناً حقاً أن يتقبل ذلك بالرضا والسمع والطاعة وإلا كان منافقاً كذاباً.
قال تعالى: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١] أي: هذا المفلح الذي حصل على الفلاح والنجاح والرحمة والرضا من الله على دخول الجنان، والبعد عن النار وسعيرها وعذابها، وعن النفاق وباطله، وهؤلاء الذي ينبغي لهم -وهم يقولون إنهم مؤمنون- أن يسارعوا إذا دعوا للحكم بكتاب الله والحكم بسنة رسول الله ﷺ ، ويقولوا: سمعنا ووعينا وأدركنا، ويقولوا: أطعنا طاعة مطلقة سواء كان الحكم لنا أو كان علينا، وذلك ما يقول الله فيه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤].
فالحكم بغير كتاب الله وبغير سنة رسوله ﷺ إنما هو الظلم والفسق والكفر، وما سوى ذلك فهراء لا طائل تحته، فليس هناك إلا حق وباطل، والحق ما جاء به الإسلام، والباطل ما جاء به غيره، والعدل ما أتى به الإسلام، والظلم ما جاء به غيره من الكتب المنسوخة المحرفة، ومن الأديان الباطلة، ومن الفلسفات التي أدت مهمتها يوماً إن كانت صالحة ثم عادت إلى الظلم وإلى الفسق وإلى العصيان وإلى نشر الفواحش بكل أشكالها وألوانها.
стр. 709
تفسير قوله تعالى: (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله)
﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢].
يقول ربنا ﷻ : من يطع الله فيما أمر به في كتابه ونهى عنه في كتابه، ومن يطع الرسول ﷺ فيما أمر به في سنته ونهى عنه في سنته، ويخش الله ويخافه على ما سبق منه من معصية ومن كفر ومن ظلم ومن ذنوب، مع توبته ومع استغفاره ومع ندمه على ما فات منه، فيجب أن يخاف أن يكون الله لم يقبل توبته ولن يرحمه بذلك؛ لأنه كان كاذباً، فهو يقول: أنا تائب وهو لا يزال يرتكب ذلك الذنب، والتوبة لا تتم إلا بالعدول عنه، والندم على فعله، والعزم على ألا يعود إليه، فإن حدث بعد هذا شيء فليجدد التوبة وهو يصر على هذه المعاني الثلاثة، ثم بعد ذلك عليه أن يلتزم التقوى، والتقوى: فعل الأوامر وترك النواهي، فالحل ما أحل الله، والحرام ما حرم الله، والتقوى: أن تجعل وقاية بينك وبين الباطل، بينك وبين المعصية، بينك وبين الذنوب، ولا تكون تلك الوقاية إلا بالعمل بكتاب الله والعمل بحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، فمن أطاع الله، وأطاع الرسول، وخشي من ذنوبه أن يحاسب عليها، وألا تكون توبته قد قبلت منه، ثم اتقى الله فيما يعمله بعد أن التزم الفعل كما أمر الله ورسوله، أو ترك الفعل كما نهى الله عنه ورسوله، فهؤلاء عندها يكونون مطيعين لله ولرسوله ﷺ ، خائفين على أنفسهم من ذنوبهم، متقين فيما يعملونه من أعمالهم، وأولئك هم الفائزون الناجحون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون، وهؤلاء هم الفائزون برحمة الله ورضاه، ففازوا بخير الدنيا ونعيم الآخرة.
وهكذا الله ﷻ يدلنا على الطريق المستقيم لنسلكه، وينفرنا من الطريق المعوج لنبتعد عنه، ويرشدنا إلى طريق أهل الاستقامة وإلى المؤمنين الصادقين لنفعل فعلهم ونسلك طريقهم، وينفرنا من الطريق المعوج طريق الظالمين لأنفسهم، طريق المنافقين والمشركين والكاذبين؛ لنبتعد عنها وننفر منها، هذا إذا كنا نريد الفوز ورضا الله ورحمته حقاً.
стр. 710
تفسير قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم)
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [النور:٥٣].
المنافقون الذين تسللوا بين الصحابة من أمثال عبد الله بن أبي بن سلول، والمنافقون الذين تسللوا في عهد الخلفاء الراشدين وانكشفوا بألسنتهم وبمخالفتهم، والمنافقون الذين تتابعوا وإلى عصرنا الذين يدعون إلى إلغاء كتاب الله والحكم به، وإلغاء السنة المطهرة والحكم بها، والتعلق بأحكام الكافرين، والارتباط بحضارة المنافقين، هؤلاء يظهرون الإسلام ويبطنون سواه، فإذا دعاهم الرسول ﷺ أو ورثته من أئمة الحق -ومنهم العلماء الصادقون- إذا دعوهم للخروج للجهاد والقتال فإنهم يقولون لهم: إذا أمرتمونا بالخروج للقتال وللجهاد سنخرج معكم، ويقسمون بالله على ذلك وهم كاذبون، فأقسموا ولم يفعلوا، فخرجوا وتراجعوا وزلزلوا الجيوش كما كان في غزوة أحد التي زلزلت بالمسلمين، وأوذي فيها رسول الله ﷺ ، بل إنه كاد يستشهد فيها بعد أن ذهب المنافق ابن أبي وأخذ طوائف معه حتى إذا التقى الجيشان وتقابلت الفئتان نكص على عقبيه، فتزلزل المسلمون وظنوا الهزيمة قد أحيطت بهم، والهزيمة بعد لم تحن ولكنه كان سبباً فيها، فقد قتل بسببه الكثير من المسلمين في هذه المعركة، ولكن الله تدارك المؤمنين بلطفه وبرحمته، وأولئك لم يأخذوا نتيجة ظفرهم ونصرهم من الكفار فعادوا لمكة، وهم الذين ظفروا بالجيش النبوي، ولو دخلوا المدينة ولو ذهبوا يجهزون على جرحى المسلمين لكان الموقف أصعب، وكانت الهزيمة أشد وأكبر.
كان هذا فعل المنافقين، فقد أقسموا بالله جهد أيمانهم، أخذوا يقسمون ويبالغون بجهدهم كله، يقسمون بالله وبصفاته ويؤكدون ويكررون الأقسام والأيمان: ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ [النور:٥٣]، إن أمرتهم بالخروج للجهاد فسيخرجون معك، قال تعالى لنبيه ﷺ : قل لهم: ﴿لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ [النور:٥٣] لا تقسموا بالله فقد علمنا طاعتكم وعرفنا حقيقتها فهي طاعة كاذبة مزورة منافقة ملغومة، تقولون هذا بأفواهكم ويكذب ذلك قلوبكم بما كتمتم المسلمين وزعزعتم جيوشهم، وكنتم السبب في هزيمة المسلمين في الكثير من الغزوات، ولكن الله ناصر نبيه ﷺ وناصر دينه وناصر كل صادق من المؤمنين، صلى الله على نبينا، ورحم الله سلفنا، وثبتنا على دينه.
قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ [النور:٥٣] أي: إن أمرتهم بالخروج للقتال فسيفعلون ذلك، وقد أكدوا ذلك بلام القسم ونون التوكيد الثقيلة، فقال الله لنبيه ﷺ وقد كشفهم: ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا﴾ [النور:٥٣] أي: قل لهم يا محمد! لا تقسموا ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ [النور:٥٣] أي: قد علمنا طاعتكم ونفاقكم وكذبكم، فلن تخرجوا وإن خرجتم، فلن تقاتلوا، وإن قاتلتم تراجعتم واستؤسرتم وكنتم السبب في هزيمة المسلمين كما وقع في غزوة أحد وغيرها: ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [النور:٥٣]، إن الله خبير عالم بما تضمره قلوبكم، وتنطوي عليه أجنحتكم، وما تعملون مما لا تقوله ألسنتكم، ومما تقولونه مما لا تعمله جوارحكم، وهؤلاء هم المنافقون.
والله عندما أعلمنا ذلك، وأرشدنا إليه، أعلمنا ذلك لنعلم المنافق من المخلص، ولنحذر المنافق عندما نراه يقول ما لا يفعل، ويفعل ما لا يقول.
стр. 711
تفسير قوله تعالى: (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤].
يقول تعالى لمحمد سيد الخلق ﷺ : قل يا محمد: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، أي: أطيعوا الله في كتابه بما أمر به ونهى عنه، وأطيعوا النبي إن كان بين أظهركم، هذا في عصر الصحابة وفي الحياة النبوية، وإن كان بعد ذلك فإلى يوم القيامة: أطيعوا نبيكم ورسولكم بطاعة سنته؛ لتكونوا بذلك مؤمنين صادقين، وفي هذه الحالة: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوا﴾ [النور:٥٤] أي: فإن أعرضوا، وصدوا عن الإسلام، ونافقوا، وأظهروا الطاعة لساناً، وأظهروا الإيمان قولاً، وكانوا في حقيقة الأمر ليسوا كذلك: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ [النور:٥٤] فإن على الرسول ﷺ ما كلف وأمر به والذي أمر به: هو البلاغ: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤] كما ختم الله الآية الكريمة، فعلى النبي ﷺ أن يبلغ دين الله مبيناً الحلال والحرام، وأن يأمر بالجهاد، وأن يكشف المنافقين؛ لينفر عنهم المؤمنون، وأن يعرفنا الصادق من الكاذب؛ ليكون الصادق قدوة، وليكون المنافق نفرة ينفر الناس عنه، ويبتعدون عن مجالسه، وعن قبول قوله، وعن ظاهر عمله، فهو منافق كذاب، ففي هذه الحالة يكون قد أدى ما حمل به من رسالة وأمانة.
﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ [النور:٥٤] أي: عليكم يا هؤلاء! الذين أمرهم الله بطاعته وبطاعة رسوله ﷺ ما حملتم، والذي حملنا وأمرنا به: هو أن نطيع الله في قوله، وأن نطيع الرسول ﷺ في قوله، فما حلله الله حللناه، وما حرمه حرمناه، لنكون مؤمنين صادقين ملتزمين بكل ما ورد في كتاب الله من الأركان الخمسة وواجباتها وآدابها وسننها، وهكذا في بقية الأعمال من الصدق في القول، والإحسان للمؤمن، وجهاد الكافر، وعمل ذلك ما دمنا أحياء حتى لقاء الله.
فالذي حملناه الطاعة، وتصديق الرسالة، وقبول ما جاء في كتاب الله على أنه من الله حقاً، وقبول ما جاء عن رسول الله ﷺ على أنه النبي الصادق المصدوق المبلغ عن الله، والمعصوم صلى الله عليه وعلى آله، والذي حمل نبينا هو تبليغ الرسالة، والذي حملناه طاعته، والتزام هذه الرسالة، والقيام عليها مدة حياتنا إلى أن نلقى الله، وأن نأمر بها غيرنا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فهذه رسالة بلغنا إياها رسول الله ﷺ عن الله ﷻ ، فعلى رسولنا البلاغ، وعليه كذلك أن يعمل بالرسالة التي أرسل بها، فهو رسول إلى نفسه وهو أول المسلمين، وقد كان يصلي كما نصلي، ويصوم كما نصوم، ويزكي كما نزكي، ويحج كما نحج، بل كان أول مصل وأول حاج وأول مزك وأول صائم، بل إنه كان يتنفل فوق هذه الفرائض، فقد كان يتهجد حتى تتورم قدماه ﷺ ، وكان يجوع ويبتعد ويتزهد في الطعام حتى يربط الحجرة على بطنه الشريف، وكان ﷺ يعمر جميع وقته بعبادة الله من أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، وصلاة، وزكاة، وتهجد، وتدريس، وتعليم، وجهاد، فقد جاهد بسيفه، وجاهد بلسانه، وجاهد بحاله، وجاهد بمقاله.
وكان ﵊ المثل الإنساني الكامل للمسلم، ولذلك فالله تعالى يقول لنا عنه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، فهو أسوتنا وهو قدوتنا وهو نبينا ﷺ ، نهتدي بهديه، ونعمل بقوله، ونطيع أمره، ونفعل فعله، ومن هنا عندما كان يقول لنا ﵊: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة)، وقال عن أمته: (وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قيل: ما هي يا رسول الله؟! قال: ما أنا عليه وأصحابي).
ولذلك الاطلاع على السيرة النبوية والبحث عن ظواهرها وبواطنها وحفظها ووعيها واجب على كل مسلم؛ لأن النبي ﷺ كان القدوة في فعله، وكان القدوة في قوله، وما السنة إلا قول وفعل وإقرار، وهي السيرة النبوية كلها، فكل ما كان يفعله ﷺ يعتبر شريعة، وكل ما يقوله شريعة، وكل ما يقره شريعة، فوجب إذاً على كل إنسان في الأرض أن يحكم بها، وأن يعمل لها، وإلا كان كافراً أو منافقاً أو عاصياً، ولذلك فالنبي ﵊ يصف هذه الفرقة التي هي على الحق: بأنها التي تأتسي به، وتعمل بعمله، وتجعله القدوة وتجعله الأسوة صلى الله عليه وعلى آله، وقل مثل ذلك عن أصحابه رضوان الله عليهم: السابقين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، فهؤلاء ﵃: فرضي قولهم، ورضي عملهم، كما رضي من اتبعهم في أعمالهم وفي أقوالهم، والذين اتبعوهم من جاء بعدهم وإلى يوم القيامة، وما سوى ذلك فباطل وضلال، ومهما زعم من زعم أن ذلك هو الإسلام وذلك هو الدين وذلك هو الرسالة إذا لم يكن ذلك حسب الشريعة المحمدية والقدوة المحمدية وأسوة الصحابة رضوان الله عليهم، مهما زعم الزاعم وقال القائل فإنه يكون كذباً ونفاقاً.
﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور:٥٤]، إذاً: على الرسول ﷺ ما حمله الله من أمانة، وأمره بها، وما هذا الذي حمله إلا الرسالة والنبوة، فهو الذي لا ينطق عن الهوى، فما هو إلا وحي يوحى.
﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ [النور:٥٤] أي: وعليكم الطاعة في كل ذلك، وضابط ذلك ورابطه: ما قال نبينا صلوات الله وسلامه عليه: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا)، ففعل الحرام يجب أن يترك كله، ولا تقل: سأترك هذه دون هذه، فلا يحتاج منك ترك الحرام أكثر من إرادة ومن عزيمة ومن قوة يقين وإيمان، وأما الفعل فقدرة الإنسان لا تسعه كله، فقد أمرنا بالصلاة قياماً لكن من مرض فليصل جالساً، فإن لم يستطع فليصل ممدداً، وأمرنا بالوضوء بالماء فمن لم يجده أو عجز عنه فليتيمم بالصعيد الطيب، وأمرنا بالصيام في شهر رمضان فمن كان مسافراً أو كان مريضاً، ومن كانت حائضة أو نفساء فليقضوا إذا زال هذا العرض.
وهكذا أمرنا الله تعالى بالأمر عزيمة ثم رخص لنا للأعذار وللضرورات، والضرورات تبيح المحظورات، وهذا أصل من أصول الشريعة.
﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور:٥٤] أي: إن أطعتم رسول الله ﷺ في أمره، وأطعتم نهيه: اهتديتم إلى الطريق الحق، فصرتم الموحدين المؤمنين حقاً، فطاعة رسول الله ﷺ هي الربح وهي الفلاح وهي الفوز، ومن حاد عنها فقد حاد عن الإيمان وحاد عن الإسلام، ويوشك أن يكون منافقاً أو كافراً، ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور:٥٤] فعلق الهداية على الطاعة، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤] أي: ليس على الرسول محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا أن يبلغ كل الناس في المشارق والمغارب، ففي حياته بما سمعوه منه، أو سمعوه عمن سمع منه، وبعد موته لمن قرأ حديثه وتلا سنته، أو سمع من ورثة الأنبياء وهم علماء الشريعة، فكل ذلك يوجب الطاعة على كل إنسان، فهو مرسل إلى الأبيض والأحمر والأسود، إلى المشارق والمغارب، فلا نبي بعده، وقد انفردت ديانته بأنها عالمية، فهي مرسلة لكل الخلق، وليست الرسالات السابقة إلا رسالات قومية محلية، فعيسى كان نبياً لبني إسرائيل، وموسى كان نبياً لبني إسرائيل، ولم يؤمر أحد بالإيمان به من غير بني إسرائيل، وقد قال النبي ﵊: (كان الأنبياء قبلي يرسلون إلى أقوامهم خاصة، وبعثت إلى الناس عامة)، وهذا من الخصائص المحمدية.
وفي الإنجيل عن عيسى بأنه قال لهم: إنما أرسلت إلى خراف بني إسرائيل فلم يرسل لعرب، وإنما أرسل لبني إسرائيل فقط.
والقرآن أكد هذا وهو المهيمن على الكتب السابقة فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف:٦]، وتقديم المعمول على العامل في لغة العرب يدل على الحصر، أي: إنما كانت رسالته لبني إسرائيل خاصة وليست لغيرهم، وهذا ما صرح به الإنجيل وأكده من البداية إلى النهاية، وقد بقيت فيه دلالات أكدها القرآن المهيمن عليه.
إذاً: فعلى رسولنا البلاغ المبين البين الواضح، وقد بين ﷺ رسالته ووضحها، فقد كان يقول الكلمة ثلاثاً لتفهم عنه، وكان ربما يقول القول الواحد في عدة مجالس، فإننا نجد الكثير من السنة نطق بها بألفاظ مختلفة، وليس ذلك من تصرف الرواة، ولكن نبي الله ﵊ كان إذا قال القول -وهو سيد العرب فصاحة وقد أعطي جوامع الكلم- كان يقول القول في المرة الأولى بلفظ، وفي الثانية بلفظ، وفي الثالثة بلفظ، لكن المؤدى واحد؛ ليفهم عنه، وكان كثيراً ما يقول: (نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع)، وقال: (تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن سمع منكم).
وهكذا انتشر الإسلام، فالصحابة سمعوا من نبي الله ﵊، وبعد ذهاب النبي للرفيق الأعلى صلوات الله وسلامه عليه قاموا بنشر رسالته وتبيينها بالسيف والقلم، وخرجوا بها عن جزيرة العرب فنشروها في مختلف أصقاع الأرض، وهكذا ذهبوا إلى ربهم راضين مرضيين، فجاء
стр. 712
تفسير سورة النور [٥٥]
لقد وعد الله تعالى عباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالاستخلاف في الأرض كما استخلف الصالحين من الأمم السابقة، ووعدهم بأن يمكِّن لهم دينهم المرتضى لهم، وأن يبدلهم بعد الخوف أمناً، وذلك بشرط: أن يعبدوا الله تعالى وحده لا شريك له.
стр. 713
تفسير قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات)
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥].
هذه الآية من معجزات القرآن، وكثيراً ما قلت وأقول: لقد آمن الصحب بنبينا محمد ﷺ على معجزات عاصروها ورأوها وسمعوها شهوداً وحضوراً، وآمنا نحن بها إيماناً وتصديقاً ولم ندركها، ولكن القرآن الذي وصفه النبي ﷺ بأنه معجزته الخالدة الباقية هو معجزة بعمومه؛ إذ تحدى الله البشر على أن يأتوا بسورة مثله، أو بسورة مثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، ومضى على هذا التحدي ١٤٠٠ سنة وإلى الآن وهم عاجزون، وسيبقون عاجزين إلى يوم القيامة على أن يأتوا بسورة مثله.
وهذا سيد البشر صلى الله عليه وعلى آله وهو فصيح العرب وبليغهم قد أوتي جوامع الكلم، ومع ذلك عندما تقرأ كلامه في سنته وكلام الله في كتابه تجد بين قول النبي ﵊ وقول الله من الإعجاز ومن البلاغة ومن الفصاحة ما لا يصل إليه القول النبوي ولا لقريب منه، فبينه وبينه ما بين الخالق والمخلوق.
والعجب أن الكافرين يقولون عن نبينا ﷺ : إنه الذي اخترع القرآن ونطقه، مع أنه كلام الله جاء بالإعجاز، وإذا قال كلامه الذي من نفسه نزل كلامه عن الإعجاز بمراحل ودرجات كبيرة، فليس هناك أي تشابه لا في البلاغة ولا في الفصاحة ولا في الإعجاز بين القول الإلهي والقول النبوي، فالقول النبوي تسمعه فتجده كلاماً فصيحاً يقاربه وقد يشبهه غيره من الكلام الفصيح، ولكن كلام الله لن يكون ذلك ولو في أصغر السور، ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢]، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١]، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] فتقرؤها وتشعر بالإعجاز في لفظها، والإعجاز في سبكها، إعجاز في معناها، ولن يستطيع إنسان أن يأتي بمثل ذلك، وقد أتى بعض الكفرة ببعض الترهات كـ مسيلمة الكذاب وغيره، ونسبوا لبعض الشعراء كذلك، وهؤلاء حاولوا أن يقلدوا القرآن ويأتوا بمثله فأتوا بخزعبلات تحس النفس بركاكة ألفاظها، فهي لا تكاد تفهم، بل إنها تضحك الثكلى التي فقدت ولدها، ومن هنا كان الإعجاز.
وهذه الآية هي إحدى المعجزات الخاصة بنفسها، القائمة بذاتها، مضافة إلى المعجزة العامة في كتاب الله، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ﴾ [النور:٥٥] فالله وعد ووعده الحق، ومن أوفى بعهده من الله؟! وعد المؤمنين منكم -أيها الناس الذين آمنوا بالله وعملوا الصالحات- أي: آمنوا بالله قولاً وعملاً، وما الصالحات إلا الطاعة، وما الصالحات إلا القيام بالأركان الخمسة، وما الصالحات إلا التقوى، فعل الصالحات وترك المنكرات، وعدهم الله ليستخلفنهم في الأرض، أي: يجعلهم خلفاء ويحكمهم في الأرض، ويصبحون أئمتها المحكمين فيها، يقتلون بأمر الله، ويحيون بأمر الله، وينشرون بين الناس الحكم والعدل، كلمتهم الكلمة، وأمرهم الأمر، بأيديهم مقاليد الأرض.
هذه الآية مدنية كما قلنا في بدايتها، والنبي ﵊ قد تحمل الشدائد في مكة، ثم تحمل الشدائد في المدينة، ولكن في المدينة أذن له بالجهاد والكفاح والقتال، فكان يوم له ويوم عليه، وإن كانت العاقبة له وللمؤمنين، فالله يقول هنا له وللمؤمنين عموماً، وهو أول المؤمنين صلوات الله عليه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ﴾ [النور:٥٥] اللام: لام القسم، أو اللام الموطئة للقسم، كأن الله يقول: بذاتي العلية لأجعلنكم خلفائي في الأرض، وأكد القسم بنون التوكيد الثقيلة، على أن تكونوا خلفاء الله في القيام بما يأمر الله به وينهى عنه، ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ [ص:٢٦]، ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]، وهم كانوا خلفاء بأن يحيوا بالله، ويميتوا بالله، وأن يعطوا العطاء من مال الله، فيعطون هذا ويفقرون هذا، ويأخذون مال الكافر ويغنمونه في الحروب والمعارك ويعطونه للفقراء المسلمين المجاهدين.
стр. 714
نور الهداية يسطع بمبعث محمد ﷺ
لنرى تحقيق هذه الآية، لقد كان النبي ﵊ في غاية ما يكون من الضنك في العيش في مكة والمدينة معاً، فكان في مكة لا يستطيع أن يأمر بما يريد، ولا أن ينهى عما يريد، بل كانوا يتعرضون له بالأذى وبالشتائم وبقتل أصحابه وباضطهادهم إلى أن اضطروه إلى ترك مكة، فهاجر إلى المدينة وإذا بيهودها يقومون متكاتفين متآمرين على إيذائه وعلى شتمه وعلى الصد عنه، وكان معهم المنافقون من الأوس والخزرج، ولكن الله تعالى نصره بالأنصار من الأوس والخزرج، ولكن ماذا كان بعد ذلك، لم يمت النبي ﵊ بعد ٢٣ سنة منها ١٢ سنة في مكة، و١١ سنة في المدينة المنورة، ما انتهت هذه السنوات حتى كانت جزيرة العرب جميعها تحت سلطان محمد وسيادة محمد وأمر ونهي محمد صلوات الله وسلامه عليه، فكان الحاكم عن الله يأمر وينهى، وكان رئيس الدولة، ولا نقول عنه رئيس دولة؛ لأن الإنسان يلقب بأشرف ألقابه، وأشرف ألقاب محمد: نبي الله، وقد أمرنا الله تعالى عنه بقوله: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣]، نقول للبعض: ملك، ونقول: رئيس دولة، ونبينا كان أعظم من ملك، فكان ملكاً، وهو رئيس دولة، ولكن الملوك تقبل قدميه، والرؤساء يحملون أحذيته إن قبلهم، لا كما تسمعون في بعض القصص أن الملوك لم تكن تهابه، فهذه ليست صفة من يعرف النبي ويعرف حياته ويعرف مقامه ﷺ .
لقد كانت ترتعد فرائص أصحابه عندما يقف أمامهم، بل كانت ترتعد فرائص علوج الروم إذا قيل لهم: هذا عمر بن الخطاب مثلاً، فكيف بالنبي ﷺ ! ولكن الله تعالى حفظ ذلك؛ لأنه لو أرعب كل من يجلس بين يديه لعدمت الفائدة من اجتماعهم به والاستفادة من كلامه وأخلاقه، ولكن النبي كان لطيفاً وديعاً، فكان ﵊ يألف ويؤلف، وكان كما قال الله فيه: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]، فكان ﵊ مع أصحابه يزورهم ويتردد عليهم، ويبدؤهم بالسلام، ويحضر جنائزهم، ويسمع كلام المرأة وكلام الخادم، فيقف معها في الشارع والطريق زمناً، وكان ﷺ المثال العالي في الخلق البشري، فهو بشر ليس بملك، ولكن أخلاقه ﷺ كانت الفذة الفريدة، فما مات ﵊ حتى كانت جزيرة العرب جميعها تحت يديه: يقتل من يقتل، ويحيي من يحيي بإذن الله، فتصرف في كنوزها وفي أموالها، وولى عليها المناصب من القواد والمجاهدين والقضاة والسفراء المتنقلين، فكان المطاع الذي لا يخالف، وكان إذا خولف خاصة فيما يتعلق بنبوءته ومقامه كان ﵊ في هذه الحالة يكون صارماً، فقد قتل المنافقين، واغتال الكثير من اليهود، والكثير من الأعداء.
وقد ألف ابن تيمية كتاباً من أعظم كتبه على الإطلاق وهو (الصارم المسلول على شاتم الرسول) ذكر فيه من صفات النبي ﵊، والمقامات العلية، والهيبة التي أكرمه الله بها، واللطف في التعامل، وكل المعاني السامية التي انفرد بها ﷺ ، فقد كان في بيته المثال العالي للزوج وللأب وللجد، وكان لأصحابه الصاحب الصافي الطيب، يقبل الهدية ويجازي بأعظم منها، ويستجيب لدعوة العبد والفقير والمسكين والمرأة والرجل صلوات الله وسلامه عليه، فجزاه الله على ذلك بأن ملكه جزيرة العرب التي لم تخضع قبله لا لفرس ولا لروم، فقد كان العرب يتقاتلون على بصلة أربعين سنة، وحروبهم كانت دائمة، إلى أن جاء النبي ﵊ فوحد كلمتهم، وجعلهم أمة المستقبل وسادة الأرض وحكامها.
قال ابن تيمية: كانت العرب أرضاً خصبة تحتاج إلى الزرع والزارع، فكان الزرع الإسلام وكان الزارع محمداً ﵊، فقد نشر دين الله خلال نصف قرن في الأرض كلها ما بين الصين إلى بلاد فرنسا إلى عمق أوروبا وما بين ذلك جنوباً وشمالاً، فالنبي ﵊ ما مات حتى كانت جزيرة العرب كلها تحت سلطانه، ثم ولي أبو بكر فـ عمر فـ عثمان فـ علي، ولم تمض سنوات حتى كان العرب الذين يتقاتلون على أقل شيء، كحروب داحس والغبراء، وحروب كليب التي دامت أربعين سنة؛ لأن أحد العرب ضرب كلباً وكان محمياً لواحد من الجبابرة الطغاة من نسل العرب، فهؤلاء أصبحت قوتهم وذكاؤهم وشجاعتهم ورجولتهم للإسلام، فنشروا الإسلام في مختلف أقطار الأرض.
وكان محمد رسول الله إلى العرب والناس كافة، وكان العرب رسل رسول الله إلى الناس كافة، وما كاد يذهب للرفيق الأعلى حتى جاء أبو بكر فأدب المرتدين وغيرهم من مانعي الزكاة وخلال سنتين، وإذا به يسوق جيوشه خلال سنتين، ففتح بعض أرض الشام وبعض أرض العراق، ثم جاء عمر وكان قد هيأ له أبو بكر الدولة، وإذا بـ عمر يفتح الشام والعراق ومصر وفارس والمغرب، وإذا بالإسلام ينتشر، ثم جاء عثمان وإذا بالإسلام في أيامه يدخل المغرب ويتجاوزه إلى أوروبا فيفتح الأندلس ويفتح كثيراً من الأرض إلى أن يصل إلى حدود جبال برينيه في فرنسا، ثم جاء علي وإذا به يعاقب البغاة، وعن علي عرفت أحكام البغاة، وإلا ففي حياة رسول الله لا يتصور وجود بغاة؛ لأن الذي سيبغي على نبينا يكون مرتداً، ولذلك قال علماؤنا: علي بن أبي طالب أكثر من قاسى من الشدائد، وقد قال النبي ﵊ كما في الحديث المتواتر عنه وعن عمار الذي قتل في جيشه: (ويح عمار! تقتله الفئة الباغية - سماها الباغية - يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار)، وكان قد أعلن أحكام البغاة وما يجب في حقهم وما يجوز، فما كان يأسر منهم، ولا يأكل أموالهم غنائم، وإنما كان يأخذ السلاح ويؤدبهم: فمن قتل قتل، ومن جرح جرح، من أخذ مالاً من غيره أخذ منه، وأخضعهم إلى كتاب الله وإلى سنة نبيه ﷺ .
وهكذا جعل الله تعالى المؤمنين خلفاءه في الأرض، وهذا الحديث يؤكد خلافة صادقة للخلفاء الراشدين، فقد قال النبي ﵊: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تصبح ملكاً عاضاً)، يقول سفينة مولى رسول الله ﵊ وهو يروي الحديث ورفع يده وقال: سنتا أبي بكر، ثم عشر سنوات عمر، واثنتا عشرة سنة لـ عثمان، وست سنوات لـ علي، وليست ستاً كاملة، بل كانت خمس سنوات وستة أشهر، والستة الأشهر التي كان فيها الحسن، فهي ثلاثون سنة من الخلافة الراشدة، وبذلك تتبين أحقية الخلفاء الراشدين في تسميتهم: خلفاء الحق، والخلفاء الذين أوصى بهم رسول الله إشارة، وهم أوصى بعضهم ببعض، وقد قال ﵊: (إن الله يؤيد هذا الدين على يد أقوام ليسوا منا، يكونون خلف الجيوش النبوية)، وكما قال: (لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً ما حكمه اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش).
إذاً: فالخلفاء الراشدون ليسوا فقط الذين كانوا بعد وفاة النبي ﵊، فقد ذكر علماؤنا أن الخلافة نوعان: خلافة نبوة وخلافة ملك، فالخلفاء الراشدون كانوا خلفاء نبوة، فقد لقب أبو بكر بخليفة النبي، وعمر بأمير المؤمنين، وهو خليفة النبي، وعثمان كذلك، وعلي كذلك، والحسن كذلك، ولكن النبي يحصر الخلافة الراشدة في اثني عشر خليفة كلهم من قريش، وعلماؤنا ضموا إلى هؤلاء عمر بن عبد العزيز من بني أمية، وهو جدير بذلك، واختلفوا في اثنين من بني العباس: المهدي والظاهر، والمغاربة يزيدون إدريس بن عبد الله بن الحسن، ومثنى بن الحسن بن علي وفاطمة، وولده إدريس، فببركة هؤلاء عاش المغرب مسلماً إلى اليوم، وإلا فعندما ضاعت الأندلس وأجبروها على الردة والنصرانية احتلوا شواطئ المغرب لمدة مائتي عام، وكانوا ينتظرون الأقليات من غير المسلمين ليجهزوا على المسلمين، ولكن الأدارسة سنوا في دولتهم سنة الخلفاء الراشدين هنا، والنبي وهو يموت ﵊ يوصي: (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب) فلا تصلح قبلتان في أرض، ولا يصلح دينان في أرض، وبهذا القول عم ذلك الكل.
стр. 715
تفسير سورة النور [٥٥ - ٥٧]
لقد وعد المؤمنين بالاستخلاف في الأرض والتمكين إن هم عبدوا الله تعالى ولم يشركوا به شيئاً، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وسيبدل خوفهم أمناً، وقد حدث هذا في تلك العصور عندما كان أصحابها على هذه الصفات والشرائط، فلما بدل من بعدهم بدل الله عليهم، فسلط عليهم أعداءهم، ورماهم بالخوف والذل.
стр. 716
تفسير قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات)
قال الله جل وعلا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥].
هذه الآية الكريمة تعتبر من آيات الله المعجزات التي أخبر الله وبشر بها نبيه والصحابة والمؤمنين بأن ينصرهم ويملكهم الأرض، ويجعلهم خلفاء فيها، ويزيل خوفهم، وقد كان ذلك كله بعد ما كان في مكة من الخوف والاضطهاد والظلم والإيذاء وسفك الدماء والصد عن الله والإسلام.
فالله وعد ووعده الحق، وعد الذين آمنوا من الناس وعملوا الصالحات، وكان إيمانهم لساناً وجناناً وأركاناً، فيفعلون ما يقولون، وعدهم وأقسم بذاته العلية (ليستخلفنهم) اللام موطئة للقسم، أي: سيجعلهم خلفاء يحيون بإذنه، ويقتلون بإذنه، ويتصرفون في العباد بما يروه صالحاً عدلاً حقاً، وهكذا كان سلفنا الصالح، فالنبي ﵊ بعد سنين كانت كلها ظلم واضطهاد، إذا بالله الكريم لم يذهب بمحمد ﷺ إلى الرفيق الأعلى حتى مكنه من رقاب العباد في جزيرة العرب، فأصبح الحاكم والقاضي والموجه.
стр. 717
استخلاف الصحابة وتمكينهم بعد نبيهم
وما كاد ليذهب للرفيق حتى مكن أصحابه الخلفاء الراشدين، ففتحوا البلاد والعباد، وزادوا على الجزيرة العربية أرض الشام والعراق وفارس ومصر وغيرها، فكانوا المتحكمين والآمرين والناهين في العباد، واستخلفهم الله في الأرض وجعلهم الملوك والقادة، والمعلمين والموجهين، جعلهم يأمرون بأمره وينهون بنهيه، ويتصرفون في عباده بما يرونه الحق، وقد كان كل ذلك.
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٥] كما استخلف موسى وهارون، وكما استخلف نوحاً وإبراهيم عليهم وعلى نبينا السلام، وكما حكم الإسكندر المقدوني دولتي فارس والروم، وغيرهم ممن سبقوا وحكموا، فكان بعضهم يحكم بالعدل كالأنبياء وخلفائهم، وكان بعضهم يحكم بالباطل كمن كفر من الروم والفرس وأشكالهم وأنواعهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور:٥٥] وهكذا مكن الله للخلفاء الراشدين وللخلفاء بعدهم، مكن لهم دينهم فنشروه في مشارق الأرض ومغاربها، فأصبحت المآذن وبيوت الله والمدائن والقرى والأصقاع والأقاليم تشهد شهادة الحق: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وكلهم يدينون بالإسلام دين الله، دين الحق، دين خاتم الأنبياء ﷺ .
فأصبح الإسلام متيناً ثابتاً راسخاً رسوخ الجبال الرواسي في الأرض، نشروه مشارق الأرض ومغاربها، وإلى يوم الناس هذا لا تكاد ترى رقعة في الأرض ولا مدينة كبيرة ولا صغيرة إلا وفيها جماعة من المسلمين، يعلنون شهادة الحق ويدينون بها، ويشهدون لنبي الله وخاتم رسله بالرسالة والنبوة الإمامة على الخلق كلهم.
قال تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ﴾ [النور:٥٥] أقسم الله بذلك، واللام هي الموطئة للقسم، والتمكين: هو الثبات والنصر والتأييد.
стр. 718
الدين الذي ارتضاه الله لعباده
ثم قال تعالى: ﴿دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور:٥٥] فالدين الذي ارتضى لهم هو دين الإسلام، دين محمد ﵊، الذي لا يرتضى سواه ولا يقبل غيره، الدين الذي نسخ الأديان السابقة، وقد كانت قبل ذلك ثم بدلت وغيرت وحرفت، هذا هو الدين الذي لا يرتضى غيره.
ومنذ أن ظهر نبينا في بطاح هذه الديار المقدسة، وقال: (إني رسول الله إليكم جميعاً) لا يسع أحداً لا جناً ولا إنساً إلا أن يدين به، ويعمل بمقتضاه، وإلا كان كافراً من أهل النار.
فهذا الدين هو الذي وعد الله تعالى محمداً ﷺ وأتباعه بأنه سينصرهم به، وينشره ويجعله المكين في الأرض، فهو المعمول به لا دين غيره، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] فلا دين غيره من الأديان السماوية أو من الأديان التي اخترعت وافتريت يقبله الله ﷻ ، إنما يقبل الإسلام الذي جاء به محمد ﵊.
стр. 719
نزول الأمن بعد الخوف
ثم قال تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور:٥٥] فكانوا يقولون: يا رسول الله! إلى متى ونحن خائفون؟ إلى متى ونحن مسلحون؟ لا نكاد نلقي السلاح لا ليلاً ولا نهاراً، لا سفراً ولا حضراً، إلى متى ونحن غير آمنين على الحياة والأعراض والأموال ولا على دوام ديننا، وإذا بالله الكريم يتولى الجواب عن نبينا ﵊، وينزل هذه الآية الكريمة في هذه السورة الشريفة سورة النور، فيعدهم بنصرهم واستخلافهم في الأرض، حكاماً ودولاً، وأنه سيمكن لهم دينهم الذي رضيه لهم، ويبق الدين الحق وحده، وكل الأديان السابقة تحت الجزية، وتحت حكم وتصرف الإسلام وأهله، ووعدهم كذلك أنه سيبدلهم بعد خوفهم أمناً، ويعيشون آمنين في أوطانهم لا يخافون إلا الله، فلا سرقة ولا اغتيال، ولا من يحاول أن يسيطر على بلادهم ويتمكن منها.
أسلم عدي بن حاتم سيد قبائل طيء فقال له النبي ﵊: (يوشك يا عدي! أن ترى المرأة تخرج من الحيرة إلى مكة حاجة بيت الله الحرام، فلا تخاف إلا الذئب) والحيرة بلدة في العراق، (ويوشكن يا عدي! إن مد الله في حياتك أن تفتح كنوز كسرى، فقال له عدي: كسرى بن هرمزان؟! قال: نعم كسرى بن هرمزان، وليوشك أن تخرج بملء يدك ذهباً لتتصدق به على الفقراء والمساكين فلا تجد من يقبله منك).
قال عدي: وقد رأيت بعيني المسلمات يخرجن ليس معهن إلا الله، من الحيرة إلى مكة وفي جميع ديار الإسلام التي فتحت على المسلمين، لا تخاف أحداً من الناس، فتأتي إلى الحج وإلى العمرة، وتتجول في هذه الصحاري الواسعة، وتعود لبيتها ولأهلها فلا يمسها سوء ولا ينالها رعب، وقد شاركت في الاستيلاء على فارس وأخذ كنوز كسرى بن هرمز، وحكمت فيها مع المسلمين، وإن مدت بي حياة فسيكون الثالث مما أخبرني به النبي ﷺ ، أي: أن يخرج أحدنا بالذهب في يده يمده للفقراء والمساكين فلا يجد فقيراً ولا محتاجاً، فقد استغنى المسلمون جميعاً فلم يبق فيهم فقير ولا مسكين.
وهكذا كان في الصدر الأول، كان هذا في أيام عمر بن عبد العزيز، وغيره، في أيام عز الإسلام في مختلف الأقطار والأصقاع، في المشارق والمغارب، ولم يغير ذلك، ولم يعد الخوف بعد الأمن، والفقر بعد الغنى، والذل بعد العز، إلا بعد أن غير الناس ما في نفوسهم، فعصوا وخالفوا، فقتلوا عثمان وعلياً، وتمردوا على خلافة الحق فأغرقت الدماء أنهاراً، وإذا بالله الكريم يعاقبهم ويخيفهم ويفقرهم، ويستولي أعداؤهم على أرضهم، فكان ما كان من تلك الحروب الطاحنة، والصليبين والتتر والاستعمار الأخير، ومن البلاء الذي لا نزال نراه إلى اليوم، حتى إن ألعن الخلق وأشدهم غضباً -إخوان القردة والخنازير اليهود- تسلطهم على المسلمين لا يخفى، فيستبيحون دماءهم، وينتهكون أعراضهم، ويأكلون أموالهم، ويستحلون أرضهم، وهم مع ذلك لم ينتبهوا لما ابتلوا بسببه وعوقبوا؛ لمخالفتهم كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ .
لذا قال الله جل وعلا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النور:٥٥] فلا يكفي أن يزعم الزاعم منا أنه مسلم، وقد وعد الله المسلمين بالنصر، ولكنهم لا يعملون بالإسلام، فإذا دعوا لحكم الله أبوا وصدوا، وقد قال الله عن أمثال هؤلاء: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] فلم يبق من الإسلام إلا رسمه عند كثير من الناس إلا من رحم ربك، فعاقب الله عباده عندما تركوا دينه، ونشروا الفواحش والمعاصي على كل أشكالها، وغيروا الإمامة المحمدية، وقيادة الخلفاء الراشدين، إلى إمامة اليهود والنصارى، وتركوا كتاب الله وراءهم ظهرياً، ولن يرفع الله ذلك حتى يعود المؤمنون لدينهم، لكتاب ربهم وسنة نبينهم.
وهكذا علمنا التاريخ والواقع، فعندما حدثت الفتن بين الصحابة لم يرفع الله عنهم البلاء والدم والفقر إلا بعد أن تابوا إلى الله وأنابوا، ثم بعد ذلك غير الناس وبدلوا؛ فسلط عليهم الصليبيون، فتابوا وأنابوا فرفع الله ذلك عنهم، ثم بعد ذلك مد لهم الملك والسلطان، وأعطاهم ما عودهم من خير وعز وغنىً، ولكنهم بعد ذلك كما قال الله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩]، وما أنذر الله به قد حدث مرات تلو مرات في التاريخ، فسلط على المسلمين بعد الصليبين التتر، فاستباحوا ديار المسلمين، وشربوا مياه أنهارهم، واسقطوا الدور عليهم، وقتلوهم إلى أن جرت أنهر وبحار دماً عبيطاً من دماء المسلمين، ثم تابوا وأنابوا وتضرعوا إلى الله أن يرفع ما بهم من ذلة وهوان، فنصرهم وعاد بأفضاله عليهم، ففتحوا القسطنطينية، وأصبحت تسمى دار الإسلام، تسمى: إسلام بول، أي: مدينة الإسلام، وهكذا انتصر الإسلام إلى أراض أخرى لم تكن دخلت في الإسلام ولا في عصر الصحابة، ولا في عصر التابعين، وهكذا انتشر الدين وامتد.
стр. 720
التغيير سبب تسلط الأعداء
ولكنهم بعد ذلك أيضاً بدلوا وغيروا وعصوا وخالفوا فسلط الله عليهم الاستعمار الأوروبي، فلم يتوبوا فسلط عليهم الاحتلال اليهودي، وهانحن نعيش اليوم في بلاء ومحنة وفتنة، ولن ترفع حتى نعاود ديننا، وإذا لم نفعل يوشك أن يغير الله هذه الأجيال بأجيال غيرها أصلح منها.
وقد قال ربنا ﷻ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤].
فهؤلاء -أي: الصليبيون وأذنابهم- لم يأتوا المسلمين إلا لإذلالهم، وسفك دمائهم، وانتهاك أعراضهم، ونحن نتفرج عليهم، ونحن كأن الأمر لا يعنينا، مزقنا ديار الإسلام إلى وطنيات ضيقة، وقوميات فاجرة، ووثنيات ما أنزل الله بها من سلطان.
وهكذا وعد الله المؤمنين الصادقين بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥].
أي: يعيشون عابدين لله موحدين له، ممتثلين لكتابه ولسنة نبيه، فكانوا السادة وكانوا القادة قروناً بعدها قرون، حتى بدلوا وغيروا، وهو ما قاله الله في ختام الآية: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥] فمن جحد النعمة، وخرج على الدين الحق، واستبدل النعمة بالنكران وبالجحود، وخالف أمر الله وأمر نبيه المعصوم ﷺ ، فالأمر كما قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، فغيرنا ما بأنفسنا فغير الله عنا نعمه، فنرجو الله أن يرفع عنا ذلك، ويعيدنا لدينه وينصرنا بنصره، ويطلقنا لطاعته، وللجري وراء من يجدد أمر هذا الدين بفضل الله وكرمه.
وهذا كله قد حدث، كان أيام الخلفاء الراشدين، وأيام الدول الأموية والعباسية والعثمانية، كانت الكثير من أصقاع الأرض مغارب ومشارق تحت حكمهم، ولكن عندما بدلوا ابتداءً من قتل عثمان بن عفان ذي النورين صاحب رسول الله ﷺ ، وإلى قتل علي بن أبي طالب الخليفة الراشد الرابع ﵁، ذل الإسلام بذلهم، وهان المسلمون على الناس، وهكذا دواليك يغيرون فيغير الله عليهم، ويتوبون فيتوب الله عليهم.
ونعيش نحن اليوم ومن زمن طويل في أوضاع تزداد سوءاً، فيعيش المسلمون في ذل وهوان على غناهم وترفهم، وعلى سلاحهم وكثرتهم، ولكنهم غثاء كغثاء السيل، كما قال ﷺ : (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قيل: يا رسول الله! أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: لا، بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل)، فمن كفر بعد ذلك، ومن كفر بعد هذه النعمة وبعد هذا العز والشرف، وبعد هذه الخلافة الإلهية التي كانت بفضل الله وبنصره، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥] أي: العصاة المخالفون الذين خرجوا عن الحق، وخرجوا عن الدين؛ فلم يشكروا النعمة، وقديماً قيل: من لم يشكر النعمة سلبها، وقد قال الله في ذلك ﷻ : ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]، والعذاب الشديد هو سلب تلك النعمة، نعوذ بالله من السلب بعد العطاء.
стр. 721
تفسير قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول)
قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور:٥٦].
دلنا الله على الخير الذي قاله في أول الآية: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النور:٥٥] فكان من هذه الصالحات إقامة الصلاة، والإتيان بالفروض الخمسة وإقامتها، والمحافظة عليها في أول أوقاتها بطهارتها، وباستقبال قبلتها، وبالمحافظة على أركانها وواجباتها وآدابها وسننها، وأن تكون لله ليس فيها رياء ولا سمعة.
وفي هذه الآية الأمر بالقيام بحق الله وحق العباد، فحق الله تعالى عبادته ليلاً ونهاراً، والسجود له، ولا يليق أن توضع الجباه في الأرض إلا لله، ولا أن تطأطأ الرءوس إلا لله.
وحق العباد هو في قوله: (آتوا الزكاة) أي: آتوهم من مال الله الذي آتاكم، وأعطوا الفقراء حقوقهم، وأعطوا المساكين واجباتهم، أعطوهم من مال الله الذي أعطاكم، وقد خرجنا لهذه الدنيا لا نملك مالاً ولا نسباً، فهو الذي أعطانا من فضله وخيره، وأوجب علينا أن نؤدي من ذلك المال قدراً منه، وقد بينه ﷺ في سنته، فللفقراء حقوقهم وما ملكهم الله في أموالنا، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة:٦٠] فاللام هنا للتمليك، فقد ملك الله الفقراء جزءاً من مال الأغنياء، فللفقراء مالهم وحقوقهم في الذهب والفضة والزراعة والتجارة وفي غيرها، ومن لم يفعل ذلك أفقره الله في الدنيا، وسلط عليه من يأخذ ماله وغناه، وهذا الذي حدث، وما سلطت الشيوعية والاشتراكية وأعداء الله على المسلمين إلا عندما منعوا الفقراء حقوقهم، فسلط عليهم من أخذها وصادرها منهم، وهكذا عندما لا يشكر المسلم المنعَم عليه النعمة الإلهية فإنه يسلبها مع الذل والهوان والعقوبة.
قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور:٥٦] أجمل الله تعالى فعل الخيرات والصالحات بطاعة الرسول، والرسول ﵊ وجدناه مبيناً للقرآن مفسراً له، فأمرنا بالصلاة، وبالزكاة، وبالصيام، وبالحج، وبتعلم العلم، وبترك المنكرات، وبحب المسلمين وخدمتهم واعتبارهم إخوة، وأمرنا أيضاً ببغض الكافرين والمنافقين وجهادهم بالمال والنفس، وبكل ما نملك من عزيز علينا، وإذا ترك المسلمون الجهاد ذلوا، وهذا الذي حدث، وقد قال علماؤنا -بجميع مذاهبهم- ما ترك المسلمون الجهاد في عام إلا وسلط عليهم أعداؤهم، فالجهاد يجب أن يبقى دائماً وإلى أبد الآباد ما دام في الأرض مؤمن وكافر، وفي الأرض مؤمن وكافر دواماً واستمراراً.
وعلماؤنا وفقهاؤنا قسموا الأرض إلى قسمين: أرض إسلام، وهي ما يحكمها المسلمون بكتاب ربهم وسنة نبيهم، وأرض حرب وهي ما يحكمها الكفار بكل مللهم وأشكالهم، وبقوانينهم الجائرة وآرائهم الفاسدة، فما كان من أرض الكفار وأرض الحرب فهو للمسلمين مجال حيوي للقتال فيه، والاستيلاء عليه، فإن لم يفعلوا فبمعصية منهم لربهم ولنبيهم، وسيكونون في ذل يسلط عليهم.
стр. 722
حكم طاعة الرسول
وطاعة الرسول واجبة وجوباً عينياً على كل مسلم، ومن يطع الرسول ﷺ فقد أطاع الله، فطاعة الرسول طاعة لله؛ لأنه يأمرنا بأمر الله وينهانا بنهيه، ويبلغنا دينه، فنحن في طاعته نطيع الله ﷻ .
وقد ذكر تعالى عن طاعة النبي ﵊ الكثير من الآيات والكثير من السور، وقد أمر الله بذلك في غير ما آية، وقال سبحانه عند الخلاف والنزاع: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [النساء:٥٩]، فالرد إلى الله هو رد إلى كتابه، والرد إلى الرسول رد إلى سنته، فعندما نتنازع مذاهب وأفكاراً وآراء فالمحكم هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وهكذا فطاعة الرسول من طاعة الله، ومن يبايع الرسول فقد بايع الله، وقال الله في البيع: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] وكانت البيعة لرسول الله، وكانت اليد يد رسول الله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ولكن الله اعتبر أن البيعة والطاعة كانت له، والإيمان كان بالله؛ لأن النبي مبلغ ومبايع عنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ثم قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور:٥٦] أي: لعل الله يرحمكم بفعل الخيرات، وإيتاء الزكاة، وطاعة النبي ﵊ في كل ما أمر به، وترك كل ما نهى عنه، فيرحمنا من ذل حكم الأعداء، ويرحمنا من غضبه تعالى ومن لعنته، ويرحمنا بأن نكون سادة الأرض وقادتها، والمحكمين في الرقاب، وخلفاءه في الأرض، ولا يليق بالمسلم إلا ذلك، فإن حدث خلاف هذا فبمعصية منا، وبعقوبة من الله لنا.
стр. 723
تفسير قوله تعالى: (لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض)
ثم قال الله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [النور:٥٧] أي: لا تحسبن أيها القارئ ولا تحسبن يا محمد يا رسول الله! أن ما تراه في يد الكفار من حكم ومن مال ومن جاه ظاهر، هو فضل لهم وعناية بهم، ولكنه استدراج وفتنة من الله لهم؛ لتبقى الحجة لله البالغة، عساهم أن يعودوا إليه يوماً، عندما يسألون بعد الموت: ماذا صنعتم فيما رزقكم الله فيه؟ هل آمنتم بربكم الذي رزقكم وأحياكم؟ هل آمنتم بنبيكم الذي أمركم عن الله ونهاكم؟ فعندما يقولون: لا، ستكون الحجة البالغة لله وحده، فيعذبون وتسجر بهم النار، ولا يكونون ظالمين إلا أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران:١٨٢].
إذاً: فمعنى قوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [النور:٥٧] أي: لا تظن أن الكفار الذين تراهم والكلمة كلمتهم كفارس والروم في أيام رسول الله ﷺ ، وغيرهم بعده، أنهم يعجزون أو يفوقون ربهم، ولا يستطيعون أن يقولوا: بلغنا من القوة ومن السلطان ما لا يقدر علينا أحد، وإذا بالله الكريم قد وعد المؤمنين أن يجعلهم خلفاء الأرض وقد فعل، فحكموا فارس وحولوها من دار مجوسية ووثنية إلى دار إسلام إلى يومنا هذا، وقلصوا الروم وطردوهم عن الشام وطرد كثير منهم عن أرضهم فذلوا وأهينوا، والأمر سيبقى، والآية كذلك، ونحن نعيش اليوم فارس والروم القديمة، وهي أوروبا وأمريكا.
فلا تحسبن أيها المؤمن وأنت تتلو هذه الآية أن هؤلاء بما زعموه من قوة، ومن قنابل ذرية فتاكة، ومن أسلحة مدمرة، أنهم يعجزون الله فلا ينالهم عذابه ولا عقابه، وأن المسلمين لا يمكن أن يسلطوا عليهم أو يحكموهم يوماً، فلقد كانت الأمم قبلهم أعظم سلطاناً منهم، وأقوى شأناً وأغنى مالاً، فلم يعجزوا ربهم، وقد أدركنا بريطانيا في هذا العصر التي كان يقال عنها: لا تغرب عن رايتها الشمس، أين هي الآن؟! وكذلك فرنسا، ويوشك عن قريب إذا عاد المسلمون لربهم أن تجد هذه الدول الكبرى بسلطانها وجبروتها وطغيانها وظلمها حديث أمس الدابر، وكأنها لم تكن، ولن يعجز الله شيء ﷻ ، ولكن الأمر يرجع للمسلمين أنفسهم، أي: هل سيطيعون ربهم؟ وهل سيمتثلون أمره أمر نبيه؟ ويقومون بما وجب عليهم؟ أو يبقون هكذا دائماً في المؤخرة وراء الكافرين يهوداً ونصارى ومنافقين؟ فالكفار لا يعجزون ربهم ولا يحسبون أنه يقدر عليهم، أو على البطش بهم وإفنائهم، هيهات، لقد كانت الأمم والتي طال ما حدثنا الله عنها من عاد وثمود والفراعنة وفارس والروم وغير ذلك، كانوا أعظم سلطاناً، ومع ذلك دمرهم الله وأصبحوا كأن لم يكونوا، ورجعوا رمماً بالية، وملك الله أرضهم ورقابهم وأموالهم للمؤمنين، عندما كانوا مؤمنين حقاً، ومع ذلك لو يعودون إلى الله إلى دينه وإلى نبيه ﷺ ، لعاد الله عليهم بأفضاله وبعزه وبنصره، فالقوة لله جميعاً وليست لأحد من الخلق، فهو القادر على كل شيء ﷻ ، ولكنه من حكمته يعز المؤمن عندما يعز المؤمن نفسه بطاعة ربه وطاعة نبيه، فإذا خرج عنه عاقبه، وما من عقوبة إلا بذنب ويعفو عن كثير ﷻ وعلا مقامه.
فليسوا بمعجزين في الأرض وسينالهم الخراب والدمار والذل والهوان، وقد فعل ربنا، ولن يرفع يده عليهم ﷻ ، ومع هذا في الآخرة مأواهم النار هي مسكنهم ومنزلهم ومرجعهم، فيعذبون أبد الآباد, لا موت لهم فيها ولا فناء، وكلما نضجت جلودهم بدلهم الله سبحانه جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [النور:٥٧] أي: بئس المصير النار، فما أقبح وأشد بؤس من كانت نهايته ومصيره الذي سيصير إليه النار وغضب الله.
والله يحذرنا نفسه في الدنيا لعلنا ندرك حياتنا، ونستفيد من وجودنا ونعود إلى ربنا، يخاطب الله الناس كلهم في المشارق والمغارب، منذ نزل القرآن ونزل به جبريل على قلب محمد صلى الله عليه وعلى آله، يدعو الله إليه الخلق كلهم عربهم وعجمهم، بيضهم وسودهم؛ ليعبدوا رباً واحداً، وليطيعوا نبياً واحداً، وليمتثلوا لكتاب واحد بلغة واحدة هي لغة محمد ﷺ ، وقومه الذين نشروا الإسلام بدمائهم وبأولادهم وبحياتهم وبكل ما يملكون من عزيز.
стр. 724
تفسير سورة النور [٥٨ - ٦١]
إن ديننا هو دين الأدب والأخلاق والتحضر، ومن الآداب التي أمرنا الله تعالى بها: آداب الاستئذان عند الدخول على الغير، وفي ذلك من الحكم الشيء الكثير، فذلك حتى لا تنكشف العورات، ولا يطلع على ما يكره الاطلاع عليه.
ومن الآداب أن القواعد من النساء يجوز لهن أن يضعن من ثيابهن الخارجية غير متبرجات بزينة.
стр. 725
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم)
ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٥٨].
هذه الآية الكريمة من آداب الإسلام، يعلمنا الله كيف نكون في بيوتنا مع خدمنا وأولادنا ونسائنا، وأن لا نعيش داخل بيوتنا هملاً رعاعاً، بلا أدب ولا حياء، كما اشتملت السورة جميعها على هذه الحكم والأحكام.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور:٥٨] يخاطب سبحانه المؤمنين ويأمرهم بلام الأمر في قوله تعالى: (ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم) أي: عبيدكم وإماؤكم وخدمكم وصبيانكم، ليستأذنوكم في ثلاث حالات وثلاث مرات.
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ٌ﴾ [النور:٥٨] أي: وأطفالكم المميزون الذين لم يبلغوا الحلم، ولم يصبحوا بالغين، فلم تفرض عليهم صلاة ولا صيام، فهم لا يزالون قبل البلوغ، ولكنهم مع ذلك مميزون مدركون، وتكون هذه لمن كانوا بين السادسة والعاشرة من أعمارهم إلى وقت البلوغ، وكل بلد حسب طبيعته وحالته من حرارة وبرودة، ففي هذه البلاد الحارة يسرع البلوغ للأطفال وللبنات الصغار، وفي البلاد الباردة يتأخرون في بلوغهم سنوات عما يكون في البلاد الحارة.
فأمر الله تعالى أن نأمر خدمنا وعبيدنا وإماءنا وأطفالنا قبل البلوغ بالاستئذان في الثلاثة الأوقات، كأن يقف على الباب فيطرق فإن أجيب بالدخول فليفعل، وإن كان بلا فلا يدخل، وإن لم يجب فمعناه أنه لم يؤذن له، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾ [النور:٥٨].
стр. 726
أمارات البلوغ
الحلم: هو البلوغ، والبلوغ يكون بالمني أو بالإنبات في العانة، أو بعلامات أخرى، أو بالحيض بالنسبة للبنت، أو ببلوغ الثامنة عشرة بالنسبة للبلاد الباردة، إذا لم يكن هناك مني ولا إنبات ولا غلظ صوت ولا ما يشبه هذا، وأما البلاد الحارة فتبلغ البنت بين الثامنة والتاسعة إلى العاشرة، والولد بين العاشرة والثانية عشرة، هذا يعلم من القديم والحديث، وقد كان عبد الله بن عمرو بن العاص بينه وبين أبيه أحد عشر عاماً، فقد حملت به أمه وأبوه عمرو سنه لا تتجاوز الحادية عشرة.
وتزوج النبي ﵊ السيدة عائشة وكانت بالغة، وهذا الموضوع قد تعلق به الكفرة وتعلق به المنافقون، أي: كيف يتزوج النبي ﷺ طفلة صغيرة بسن عائشة؟! فهؤلاء قالوا ذلك لأنهم يعيشون في بلاد باردة، فلا يكاد يبلغ الولد في تلك البلاد إلا بعد أن يصل إلى الثامنة عشرة، ولا تبلغ البنت إلا بعد أن تتجاوز الخامسة أو السادسة عشرة.
والنساء هنا في المدينة منهن من يبلغن في العاشرة، ومنهن من يبلغن في التاسعة أو الحادية أو الثانية عشرة، وهناك من أولاد المدينة المنورة من بلغوا وهم في الحادية عشرة وشهور، فإذاً ليس هناك استغراب ولا تعجب من أن النبي تزوج طفلة، وهو لم يتزوج طفلة، بل كانت عائشة في سن التاسعة، وهي على غاية ما يكون من النضج والفهم والعقل والإدراك.
وهذا معلوم في البلاد الحارة، وكم أخبرتنا الصحف اليوم عن بلاد أمريكا وبلاد الهند في صحاريها الحارة، فقد ذكروا من فسوقهم وفسادهم أن وجدت بنات قد ولدن بلا أزواج، يعني هناك فساد في سن مبكرة، فذلك يأبون أن تزوج الفتاة؛ ليزداد الفساد انتشار، واللقطاء كثرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال تعالى: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور:٥٨].
هذا أمر من الله بلام الأمر، فيأمرنا أن نأمر غلماننا وخدمنا أن يستأذنونا، والغلمان هم الأطفال قبل بلوغ سن التميز بين الخامسة والعاشرة، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ [النور:٥٨] قوله: (منكم) أي: من الأحرار فيستأذنونكم ثلاث مرات.
стр. 727
أوقات الاستئذان الواجب
ثم فصل الله تعالى وذكر هذه المرات الثلاث في اليوم والليلة، فقال تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ﴾ [النور:٥٨]، فعادة الإنسان أن يكون نائماً قبل صلاة الصبح، وأن يكون في غرفته مع زوجته أو وحده، وقد يكون عرياناً أو نصف عريان، وقد يتعرى وهو نائم ولا يشعر، فلو دخل عليه طفله أو دخل عليه غلامه فسيراه في حالة لا يرضى أن يكون عليها.
وقد حدث من الصحابة من عمر ومن غيره، ومن النساء والرجال أن قالوا: يا رسول الله! يدخل علينا خدمنا وأولادنا ونحن في حالة نكره أن يرونا عليها، وبعضهم قد يكون مع المرأة في الحالة التي يكون عليها الزوج والزوجة عادة، وإذا بالآية تنزل كما أمر الله تعالى بالاستئذان ثلاث مرات.
والمراد بقوله: (ومن قبل صلاة الفجر) يعني: قبل أذان الفجر، ويكون الإنسان عادة نائماً، أو في وقت خلوة وعورة له.
ثم قال تعالى: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ [النور:٥٨] أي: عند القيلولة، وذلك عندما يعود الإنسان من عمله، أو من متجره أو مزرعته أو مكتبه أو مدرسته، فيعود فيأكل لقمة أو لقمتين ثم يقيل، وفي الحديث النبوي: (قيلوا فإن الشياطين لا تقيل)، فيدخل غرفته أو بيته ويغلق عليه الباب ويرخي الستور، ويضع الثياب لينام في وقت الظهيرة، أي: وقت الظهر أو وقت الزوال أو وقت وقوف شمس في كبدء السماء.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور:٥٨]، فالعادة أن الإنسان عندما يصلي العشاء فإنه يذهب للنوم؛ ليأخذ راحته، وليستعين بالنوم باكراً على الاستيقاظ لصلاة الصبح في وقتها.
واستدل بالآية على أن الإنسان ينبغي له أن ينام بعد صلاة العشاء، وأما العشاء فيجب أن يكون قبل ذلك؛ حتى لا تمرض معدته، فلا يملأ معدته ثم يذهب للنوم فهذا ضار بالبدن.
ويكره النوم قبل صلاة العشاء والصحو بعدها، وقد ثبت أن النبي ﵊ كان يسمر أحياناً في بيت أبي بكر، ولكن لمصالح المسلمين، والعمل لمصالح المسلمين هو عبادة في حد ذاته، ولا يجوز السهر إلا في هذه الحالة ونحوها، وما عدا ذلك فلا بل ينام مبكراً.
والآن مع وجود التلفزيون الذي قد دخل البيوت، وانتشر في الأرض، ولا يمكن الفرار منه بحال، يخالف كثير من الناس ما تقدم، لكن يجب على رب البيت أن يكون رجلاً، وألا يكون ضعيف الإرادة، أو خائراً، فيجعله في وقت محدود عندما يكون فيما ينبغي أن يرى، وأما ما لا ينبغي أن يرى فيجب أن يمنع منه نساءه وأولاده، ولو أن يزيله البتة، أو يكسره بيده أو بآلة حادة، أو يجعله في مكان فيغلق عليه، لكان حسناً.
وأما إذا كان ضعيف الإرادة خائراً في بيته، فالأمر يصبح مصيبة، ويبقى من البلاء المنتشر ما الله به عليم، وليس التلفزيون فقط، بل تكون السهرات من غير تلفزيون فيما لا يرضي الله، ولا يرضي رسوله ﵊، وكل ذلك بلاء ومحنة وفتنة للإنسان؛ ليختبر هل هو مؤمن حقاً يأمر أولاده بما يجب أن يأمرهم به، وهل يلزم امرأته بما يجب أن تلتزم به من الإسلام وأخلاقه وطاعاته.
стр. 728
علة وجوب الاستئذان في الأوقات الثلاثة
هذه المرات الثلاث هي عورات، لماذا؟ لأن الرجل أو المرأة عندما تدخل غرفتها وتغلقها عليها، سواء كانا معاً أو كان كل واحد منهما في مكان مستقل، فقد تتقلب وتتكشف عندما تزيل ثيابها الخارجية، والرجل كذلك، فإذا دخل عليها طفلها أو خادمها فقد يرى عورتها، أو ما لا يسرها أن تراه.
ففي هذه الحالة من الأدب الواجب أن يعلم الخادم والطفل ألا يفعل ذلك، وأما الكبار فالأمر في حقهم من باب أولى، فلماذا الخدم والصغار؟ لأن الله تعالى قال: ﴿ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور:٥٨] فهذه الأوقات الثلاثة تعتبر عورة لما ينكشف فيها من العورة.
وقال الله بعدها: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ [النور:٥٨] أي: لا مانع ولا جناح ولا متابعة ولا مسئولية عليكم أو عليهم -عليكم يا أصحاب البيوت من أب وأم، وعليهم أي: يا من في البيوت من الخدم والأطفال- بعد هذه الأوقات الثلاث الدخول بغير أذن؛ لأن العورة لا تكون إلا هنا، والاستئذان لا يكون إلا هنا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ [النور:٥٨] أي: أن خدمنا يدخلون في غرفة ويخرجون من أخرى للخدمة، والأطفال كذلك لا يفترقون عن أمهم ولا يبتعدون عن أبيهم، طوافين خارجين داخلين ملتزمين بيوتهم؛ لأنهم يسكنون معك، فيريدون مرة من أمهم أكلاً أو شرباً، ومن أبيهم درهماً أو ديناراً أو كلمة، أو شيئاً يتعلق بهم من دراسة أو لباس أو نحو ذلك.
فقال تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور:٥٨] أي: يطوف بعضكم على بعض، فأنتم تسألونهم ذلك وهم يسألون ذلك، وأنتم تطوفون بهم وهم يطوفون بكم، كما قال النبي ﵊ عندما سأل عن الهرة تشرب من الإناء ثم نتوضأ منه، فقال: (هن من الطوافين عليكم والطوافات) يعني: ملازمات للإنسان في البيت، وكانت تأتي القطة والنبي ﵊ يتوضأ فيصغي لها الإناء لتشرب، ثم يتوضأ من نفس الماء؛ لأن الشأن فيها أنها نظيفة، إلا إذا رأيناها تأكل نجاسة أو جيفة ميتة، فعند ذاك نتحفظ منها.
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [النور:٥٨] أي: كذلك يبين الله لكم آياته من أحكام وأوامر ونواه، حتى تصبح بينة واضحة مفسرة مفهومة.
ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٥٨] الله ﷻ عليم بكل شيء، فيريد أن يعطينا من علمه ويؤدبنا ويعلمنا ويوجهنا، وهو حكيم في أفعاله وأوامره ونواهيه، وحكمة هذه الأوامر والاستئذانات ألا يكون هناك كشف للعورات.
وكل هذا من الآداب العامة، وإذا لم يكن هذا فيدل على فساد في الأدب وفي الدين وفي الأخلاق، ويبقى من لا يفعل هذه الآداب ولا يراعيها همل في همل.
стр. 729
تفسير قوله تعالى: (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم)
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٥٩].
الآية الماضية في الخدم والأطفال الذين هم دون البلوغ، وهذه الآية في الكبار، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ﴾ [النور:٥٩] أي: من الأحرار، والحلم: البلوغ، إذاً: فالكبار يستأذنون في جميع الأوقات؛ لأن الشأن في الكبار ألا يكونوا معكم دوماً، فكل له أدبه وعادته وبيته، وليسوا عادة كالأطفال الصغار ولا كالخدم، أي: ليسوا من الطوافين ولا الطوافات.
قال تعالى: ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٩] أي: من الخدم والأطفال، ولكن استئذان الكبار دون قيد، فليس محظوراً فقط في هذه المرات الثلاث فقط، ولكن يجب أن يكون عاماً في كل الأوقات والأزمان، فما دامت الغرفة مغلقة أو الستور مرخاة فلا يجوز للكبير أن يفتح الباب ويزيل الستار دون أذن، ولا يدخل إلا بعد أن يؤذن له بالدخول، فإن لم يؤذن فلا يفعل.
وأما الأطفال والخدم الطوافون والطوافات فيستأذنون في أوقات ثلاثة فقط، وما عدا ذلك فلا حاجة للاستئذان.
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ [النور:٥٩] أي: يفسر ويوضح آياته وأحكامه وأوامره نواهيه.
ثم قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٥٩] أي: عليم بكل شيء، فلذا يعطينا ويعلمنا من علمه، ويزيل عنا الجهل في أدبنا داخل البيت وخارجه، مع النساء والأطفال والخدم والناس جميعهم، وهو حكيم أيضاً في أوامره ونواهيه، فليس هناك أمر ولا نهي لا حكمة فيه، والحكمة واضحة هنا، فمن الذي يقبل أن يرى عورة أمه، أو أن ترى عورته من أولاده أو خدمه أو أي إنسان سوى الزوجة، فالزوجة فقط هي التي لم تؤمر بالاستئذان، ومع ذلك فلا بد من السلام عند الدخول عليها، وكذلك لا بد لها عند دخولها على زوجها من السلام، وهو يكون أيضاً استئذان.
стр. 730
تفسير قوله تعالى: (والقواعد من النساء)
ثم قال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٦٠].
هذه الآية خاصة بالعجائز، يقول تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور:٦٠] القواعد جمع قاعد، كحائضات وحائض.
وقوله: ﴿اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ [النور:٦٠] هن النساء اللاتي انقطع حيضهن، وما عدن يردن الأزواج، فأصبحن أرامل بموت أو طلاق، أو لأي سبب من الأسباب، وهؤلاء القواعد أكثر حياتهن جلوساً، فلهن الأولاد والنساء يخدمنهن، وهن ﴿اللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق:٤] أي: اللائي لم يعدن يلدن.
ووصفهن الله بقوله: ﴿اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ [النور:٦٠] أي: لا يرجون ولا يرغبن ولا يشتهين النكاح، وهذا ليس للتي انقطع حيضها فقط، فقد ينقطع الحيض عند الأربعين أو قبلها أو بعدها بقليل، ويبقى فيها آثار الجمال، وتكون مرغوبة، ولكن هذه الآية تطلق على العجائز اللاتي لم يعدن يرغبن لا في زواج ولا في جماع، ولو وقع لها فلا تلد؛ لأنها يئست من المحيض، وهؤلاء في هذه الحالة لا يرغب فيهن، فرخص الله تعالى لهن أن يخففن من سترهن دون الشواب.
فقال تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور:٦٠] أي: لا جناح عليهن ولا مانع ولا ذم ولا مسئولية أن يضعن ثيابهن في بيوت الأجانب، أو مع وجودهم إذا دخلوا عليهن بإذن منهن.
وما الثياب التي توضع؟ ليس المراد أن تجلس معهم عريانة، ولا كاشفة شعرها، ولكن هذا الجلباب الخارجي الذي يجب أن تلبسه الشواب ومن لا يزال فيهن أثر من الجمال والرغبة في الرجال.
стр. 731
شروط وضع الثياب للقواعد
ثم قال تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور:٦٠] أي: إذا لم يكن متزينات متشببات بكحل ودهن وحمرة وحلي، ونحو ذلك، فيجوز لهن الوضع من ثيابهن، وكثير من النساء يتزين ويضعن ثيابهن؛ للتغرير بالناس، ولكن هيهات أن يصلح العطار ما أفسد الدهر، وإن فعلت -أي: التزين- فالشرع لم يمنعها، ولكن في هذه الحالة منعها أن تزيل ثيابها عند الأجانب؛ لأنها غيرت شكلها، وقد تغر من لا يعرف أنها عجوز، فقد يغتر بها بعض الناس ويظن أنها ترغب في الاتصال؛ بدليل التزين.
ومعنى: (غير متبرجات بزينة) أي: ألا يكن قد تزين إلى أن أصبحن كالبرج ظاهرة في الزينة، وبما يعتبر فتنة إن هي كشفت ذلك وأزالت ثيابها عنها.
الحاصل: أنه يباح للعجائز أن يخلعن الثياب الخارجية، أي: الرداء أو اللباس الأسود الذين يلبس، مع ستر الشعر والعنق، ولكن بشرط ألا يكن متبرجات متزينات لا بحمرة ولا بعطر ولا بثياب شفافة، ولا بشيء من ذلك.
ولعل عجائز اليوم يتزين أكثر من الشواب، وفي هذه الحالة لا يجوز لهن أن يضعن ثيابهن؛ لأنهن تبرجن بزينتهن، ووضع الثياب مشروط بعدم التبرج بزينة.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ [النور:٦٠] أي: إن يستعففن عن وضع الثياب -أي: الجلباب الخارجي والرداء- إذا دخل عليهن أجنبي فهو خير لهن، وأعظم في الأجر والثواب من الله.
ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٦٠] أي: سميع لهؤلاء فيما يقلن، فمن قالت خيراً فلها الخير، ومن قالت غير ذلك فلها ما قالت، والله يعلم كل ذلك ويسمعه، وهو أيضاً عليم بنياتهن وضمائرهن، فإن تبرجن رغبة في الرجال، وتشبباً فلا يجوز لهن ذلك، ويعتبرن صغيرات العقل، وقد عرضن أنفسهن لمن لا يشتهيهن ولا يخطرن بباله، ولذلك كثيراً ما قالوا: إن العجوز للشاب هي سبب مرضه ودائه وسرعة موته، ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:٣] ولكل شيء أجل وأدب وقاعدة.
стр. 732
تفسير قوله تعالى: (ليس على الأعمى حرج)
ثم قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ [النور:٦١] إلى آخر الآية.
قال بعض المفسرين: هذه الفقرات من أول الآية -أي: قوله: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج) - في ألا يقاتل ويحارب، وهو معذور بمرضه أو بعرجه أو بعماه، وإن كان قد قال بهذا كثير من السلف لكن الآية لا تدل على هذا المعنى هنا، وهذا المعنى مذكور عند آيات الجهاد، والآية تدل على أدب وذوق آخر، وهو في الأكل في الأسرة والعشيرة والأقارب بإذن وبغير أذن.
وأما على المعنى الأول فما علاقة الأعمى والأعرج والمريض في هذه الآية بالحرب والقتال؟! فالحرب والقتال لم يذكرا في السورة كلها منذ البداية، إذاً فما المعنى؟! والمعنى ما قاله بعض الصحابة والتابعين: وهو أنه يأتي المريض والأعمى والأعرج ليأكل أو يشرب في بيت أحد من أقاربه كأبيه أو أمه، أو أخيه أو أخته، أو عمته أو عمه، أو خاله أو خالته، أو صديقه، فالأعمى قد يتحرج ويقول: أنا جئت إليك يا قريبي فلان فكيف تأخذني عند العشيرة! فقال الله له: لا حرج في ذلك، أي: إذ ذهب بك إلى عشيرتك وأقاربك، فبيوت الأقارب بيوت مشتركة للكل، وبهذا المعنى تبقى الآية مفهومة مفسرة.
стр. 733
تفسير سورة النور [٦١]
في هذه الآيات يعلمنا الله تعالى آداب الأسرة واتصال بعضها ببعض، وآداب الأصدقاء ودخول بعضهم على بعض، وأكل بعضهم عند بعض، بإذن وبغير إذن، للأصحاء والمرضى، فتأكلون جميعاً أو أشتاتاً، وكذلك آداب السلام إذا دخلنا على أهلنا، والآداب إذا دخلنا بيوتنا وليس فيها أحد.
стр. 734
تفسير قوله تعالى: (ليس على الأعمى حرج)
قال الله جلت قدرته: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور:٦١].
هذه الآية الكريمة من هذا السورة العظيمة التي كلها أحكام وحكم، وآداب ورقائق، وذوق وحضارة، يعلمنا الله فيها آداب الأسرة واتصال بعضها ببعض، وآداب الأصدقاء ودخول بعضهم على بعض، وأكل بعضهم عند بعض بإذن أو بغير إذن، للأصحاء والمرضى، يأكلون جميعاً أو أشتاتا، وآداب السلام إذا دخلنا على أهلنا، والآداب إذا دخلنا بيوتاً وليس فيها أحد، أي: كيف نسلم على أنفسنا تحية من الله مباركة طيبة.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور:٦١] جمع الله كل هؤلاء هنا، والمرضى جمع مريض، والأعمى مفرد عميان، والأعرج مفرد عرجان، فهؤلاء كصاحب البيت نفسه، أي: لا حرج عليهم أن يأكلوا جميعاً أو أشتاتا عند من دعاهم، أو طلب دخولهم، أو حضروا مع من حضر من أقاربهم، أي: أقارب الأمومة من جهة الأم، وأقارب الأبوة من جهة الأب، فلا حرج أن يأكلوا ويشربوا ويدخلوا البيوت على المحارم، كان أرباب البيوت حاضرين أو غائبين.
وقد تقدم أن بعض المفسرين قال: إن هذه الفقرة الأولى من الآية لا علاقة لها بطعام ولا شراب، وإنما علاقتها بالحرب والقتال، وأن الله تعالى أزال الحرج والشدة، وأسقط التكليف بالقتال والحرب عن الأعمى والأعرج والمريض، وهذا المعنى هو كذلك، لكن له آيات وأماكن أخر من كتاب الله في سور القرآن وآياته.
стр. 735
المراد بنفي الحرج عن المعذورين
أما في هذه الآية فالمعنى ليس كذلك، والمعنى: المريض أو الأعرج أو الأعمى يريد أن يأكل عندي في البيت من تلقاء نفسه فأرحب به، ولكن قد يتفق لسبب من الأسباب بألا يكون الأهل في البيت، وألا يكون في البيت أحد، فلا يأخذه المضيف من بيت أبيه أو أمه أو عمه أو عمته -إلى آخر من ذكر الله- إلى مكان آخر، فكان هؤلاء المعذورون يتحرجون ويتأسفون ويقولون في أنفسهم: جئنا إليك، وعندما سنأكل من طعامك أو ندخل دارك فذلك بإذن منك وترحيب، وأما هؤلاء فلا نعرفهم، وكيف ندخل بيوتهم بغير إذن منهم، ونأكل طعامهم ولا ندري هل يرضون أم لا، فقال الله لهؤلاء: لا تتحرجوا ولا تتأسفوا؛ إذ الابن أو ابن الأخ أو ابن الخالة أو ابن العم ونحوهم، إن أخذك إلى بيته فأنت حر التصرف في ذلك؛ لأن الله فتح لك هذه البيوت جميعاً، وصرت كعضو من أعضاء الأسرة، فلتدخل ولتأكل ولتشرب ولتصنع ما يصنعه عضو البيت، فلا يتحرج هؤلاء، وكانوا يتحرجون أيام الحياة النبوية من مثل هذا، ويظنون أن ذلك ليس لهم بحق، فأعلمهم الله هنا: أن هؤلاء إذا جاءوكم وأردتم أن تأخذوهم لمن ذكر من هؤلاء الأقارب فلا مانع ولا حرج ولا إثم عليهم.
هذا هو المعنى الأقرب للمقصود بالآية، أي: الذي يزيل الحرج والتأثيم عنهم.
стр. 736
معنى قوله تعالى: (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم)
ثم قال تعالى: ﴿وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور:٦١] أي: ولا حرج على أنفسكم أيضاً ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ [النور:٦١] أي: كون الحرج مرفوعاً في بيتي وطعامي ليس هذا هو المقصود، ولكن المقصود ما بعده؛ لأن بيت أمي وأبي وعمي وعمتي وخالي وخالتي وأخي وأختي كلها كبيتي، فكما يباح لي أن آكل في بيتي فكذلك يباح لي أن آكل في بيوت هؤلاء، سواء أكانوا حاضرين أم غائبين، والصديق كذلك.
فكل هؤلاء قد أباح الله تعالى لهم أن يأكلوا مع بعض بلا حرج ولا إثم، حضروا أم غابوا.
وابتدأ الله بذكر بيوتنا لأنفسنا ليضم لها بيوت غيرنا من أقاربنا وأصدقائنا، فيكون المعنى: بيتنا في هذا كبيوت هؤلاء من حيث الطعام والشراب والدخول إليهم.
وذكر الله الصديق، والصديق: من صدقك في وده، وإذا صدقك في وده فيكون قد فتح لك بيته، فإذا جئت رحب بك حضر أم لم يحضر، فإذا أكلت أو شربت فمعناه: أنك أزلت الفوارق بينك وبينه، واعتبرت بيته بيتك، ويوماً سيفعل فعلك نفسه.
وهذه من آداب الأسر، وآداب الطعام والشراب بين أعضاء الأسر، والله تعالى قد ربط وعقد الأخوة بين المسلمين جميعاً، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، فزادت الصلة وثاقاً، وزادها ربطاً بين أفراد الأسرة الواحدة بإباحة الأكل في أي بيت من بيوتها؛ لأنهم كما يقولون في القواعد الأصولية: الغنم بالغرم، فإذا مت قبل هؤلاء فهم يرثونني، وإذا ماتوا قبلي ورثتهم، ثم هؤلاء من افتقر منهم تصبح نفقته واجبة على أقاربه الأدنين في فضول الرزق والمال وهكذا، وهو مذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة وجماعة من المحققين من الأئمة والفقهاء.
فهذا التضامن والترابط الذي علمنا الله فيه الآداب، وأن تكون بيوتهم بيوتنا وبيوتنا بيوتهم، هو لهذا المعنى، أي: الغنم بالغرم، فكما أن الغنائم مشتركة بين الأسرة الواحدة، فكذلك الغرم والتكليف.
وقوله سبحانه: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور:٦١] أي: بيوت الشخص نفسه، وذكر الله بيوتاً أخرى ليجعلها كبيوت الإنسان نفسه، فقال: ﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور:٦١] وهكذا أيضاً أخذ هؤلاء المرضى وإدخالهم معي لهذه الدار من دور الأقارب لا حرج فيه، فذلك شيء أباحه الله، وفتح الأبواب في وجه الأسرة بعضها لبعض؛ لما جعل بينهم من ترابط ومن مشاركة في الغنم والغرم.
стр. 737
من يباح الأكل في بيوتهم بلا استئذان
ثم قال تعالى: ﴿وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ﴾ [النور:٦١] فكل هؤلاء معلومون، ولا نزال نستعمل نفس التعبير الأب أب، والأم أم، والخالة خالة، والعمة عمه، والخال خال، والعم عم، وهؤلاء الذين هم أقاربك من أبيك أو من أمك بيوتهم كبيتك، فلك كل الحق أن تدخل بيوتهم، وجدتهم أو لم تجدهم، فتضع يدك على طعامهم وعلى شرابهم، وتدخل معك من شئت من صديق وقريب، سواء أكان مريضاً أم صحيحاً، فهذا حق جعله الله تعالى لأفراد الأسرة بعضها لبعض، وكما يكون يوماً هو حقاً لي فإنه يكون يوماً آخر حقاً لأقاربي، فيدخلون بيوتي وأدخل بيوتهم، والممتنع من ذلك لئيم خسيس، ومع ذلك يجبر على أن يدخل أقاربه بيته؛ لأن الله هو الذي فتح ذلك بإذن وبلا إذن.
فجعل الأب والأم والأخ والأخت والعم والعمة والخال والخالة، دخولنا لبيوتهم ودخلوهم لبيوتنا حاضرين وغائبين إذ هم محارم مباح، فنأكل طعامهم ويأكلون طعامنا، بإذن وبغير إذن، وندخل من شئنا من الأصدقاء أصحاء ومرضى.
ثم زاد الله وقال: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور:٦١] المفاتح للمخازن، فلا يكون المفتاح إلا وهناك شيء مخزون، فلو أن هناك خادماً قريباً لي أو صديقاً وغبت عن البلد فأعطيته مفاتح البيت، وفيه مؤن وطعام، فله الحق بإعطاء الله له أن يأكل ويشرب بما لا يضر ولا يخرج من البيت، فلك أن تأكل وتشرب دون أن تملئ الجيوب وتخرج الطعام معك، فهذا لم يأذن الله به، ولم يذكره الله فيما يجوز؛ لما فيه من الإيذاء لأعضاء الأسرة، أما إذا أراد الإنسان ذلك من تلقاء نفسه فهذا كلام آخر لا علاقة له بالآية، وإلا فالأصل: أن من أعطي المفاتيح فما في البيت أمانة وضمانة عنده، ويتصرف في البيت طعاماً وشراباً بما يكفيه دون أن يخرج من البيت شيئاً، وله أن يأتي بصديق لكن بالمعروف، فلا يأتي بخمسين شخصاً، ونحو ذلك.
فلو جاءني ضيف ولم يجد عندي في البيت شيئاً، أو لم يجد ربة البيت فآخذه لأخي أو لعمي أو لخالي، ولا مانع من ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور:٦١] كذلك الصديق، أي: يجوز للصديق أن يأكل في بيت صديقه، بإذن وبلا إذن، وأن تأتي معك أيضاً بصديق آخر إن شئت.
هذا من آداب الأسرة وآداب العشرة وآداب الزيارة وآداب الضيافة وآداب الأكل والشراب بين أعضاء الأسرة بعضهم مع بعض.
стр. 738
إباحة الأكل اجتماعاً أو انفراداً
ثم قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾ [النور:٦١].
أي: لا جناح عليك إن ذهبت للبيت وصديقك قد تأخر لسبب من الأسباب وأنت جائع، أو الوقت الذي ستقيم فيه في بيته قليل، أن تأكل وحدك، فإذا جاء صديقك فليأكل وحده، ولك أن تنتظر لتأكل وإياه سواء.
وكقاعدة عامة: أباح الله تعالى للناس أن يأكلوا مجتمعين، أو يأكل كل واحد منهم على حده، وإن كان الأفضل والأكرم أن يأكل الإنسان مع جماعة.
ولم نزلت هذه الآية؟ كان من عادة العرب في جاهليتها -وهي من الأخلاق الكريمة- الكرم والنبل، لكن فيها شدة وكلفه، وليس كل أحد يستطيعها، ولا تزال هذه العادة عند الكثيرين من بلاد العرب في كثير من ديار الإسلام، أي: أن من عادتهم أن أحدهم لا يأكل وحده قط، فهو في كل الأوقات لا يأكل إلا إذا أتى أحد، فإن جاء زائر رحب به، وإن لم يكن بحث عنه ليأتي.
وقد كان العربي قديماً -مع كثرة الرزق في البيت والطعام- قد يبقى منتظراً من الصباح إلى الليل ليطرق عليه طارق، وليزوره زائر ليأكل معه على مائدته، فلا يريد الأكل وحده إلا إذا يئس، ويأكل وهو متأثم حرج، ويصف نفسه بالبخل وبالشره وبالاستئثار على غيره.
فالله تعالى منع هذا وقال: كل وحدك أو مع غيرك مجتمعين ومتفرقين حسب الحالة والحاجة والرغبة، وإن كان الطعام مع جماعة أبرك وأكرم، وفي مسند أحمد والسنن: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! آكل ولا أشبع، فقال له ﵊: (كل مع الجماعة، وسم الله، فذلك أبرك وأزكى) أو كما قال ﵊.
وفي حديث آخر: (طعام الجماعة أكثر زكاة وبركة نماء وبركة، وخير الطعام ما كان على ضفاف) أي: ما كان عليه جماعة تجتمع عليه أيديهم، ولكن ليس هذا فرضاً واجباً، وإنما هو من المندوب إليه والمستحسن.
فالحاصل: أنه لا مانع من أن نأكل مع أعضاء الأسرة من الأقارب الذين سمى الله أو الأصدقاء، ولا مانع أيضاً ولا حرج من أن نأكل أشتاتا، أي: مشتتين كلاً على حده.
стр. 739
حكم التسليم عند دخول المنزل
ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور:٦١].
أي: إذا دخلت بيتك ودارك وفيه زوجتك وأولادك أو أقاربك، فلا تدخل إلا بعد السلام، قائلاً: السلام عليكم! وهم يجيبونك، وإن جئت بيتك ولا أحد فيه فسلم أيضاً وقل: السلام علينا من ربنا؛ لأن الله يقول: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النور:٦١]، ولا شيء أبرك وأكرم من ذلك: السلام علينا من ربنا، والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، والملائكة ترد عليك وتجيبك قائلة: وعليك السلام.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ [النور:٦١] أي: بيوتكم ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور:٦١] يدخل في ذلك زوجتك وابنتك وأعضاء الأسرة إذا كانوا داخل البيت، فسلم عليهم عندما تدخل ولو دخلت في اليوم مرات، فإن لم تجد أحداً وكنت فيه وحدك لسبب من الأسباب فسلم أيضاً قائلاً: السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وأراد البعض أن يفسر (بيوتكم) ببيوت الله، قال: إذا دخلتم بيوت الله فقولوا: السلام على رسول الله ﷺ ، وقد كان بعض السلف يفعل ذلك، لكن الآية في الأقارب وليست في المساجد، والبيوت بيوت الأقارب وليست بيوت الله، على أن بيوت الله نحييها عند دخولها بأن نصلي ركعتين لله تعالى، وإذا دخلنا بيت الله الحرام ونظرنا الكعبة نقول: (اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)، والتحية في بيت الله الحرام إن كان من الساكن في البلد فصلاة ركعتين، وإن كان من الآتي من الخارج فالتحية بالطواف بالبيت.
وعند الدخول للمسجد النبوي لا بد أن تقول: السلام عليك يا رسول الله! ثم تستقبل القبلة أولاً، وتصلي ركعتين، وبعد ذلك تسلم على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
هذه الآداب الرقيقة آداب الإسلام لم يتركها الله لنبيه ولا للعلماء، وإنما تولاها بنفسه ﷻ ، وعلمها لعباده، وترك التفاصيل لنبيه وخلفائه من العلماء، وهذه الآداب الإسلامية الدالة على نبل الإسلام وحضارته، ولم يقل كثير من الأئمة: هذه آداب فقط بل هي واجبة؛ لأن الله أمر بها، والأمر إذا صدر عن الله أو عن رسوله ﷺ وليس هناك ما يدل على كونه سنة أو مستحباً فالأمر حينها إذا أطلق لا يراد به إلا الفرضية والوجوب، ففي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور:٦١] أمر من الله بالسلام.
ثم قال تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النور:٦١] فهي تحية من الله ﷻ وعلا مقامه، فيأمرنا أن نحي أنفسنا ونسلم عليها.
ثم قال تعالى: ﴿مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور:٦١] (مباركة) أي: جميله، و (طيبة) أي: حسنة، فيها النماء والزيادة والخير، وهذه التحية التي من الله ﷻ هي طيبة ومن خير التحيات؛ لأنها من عند الله، ولا يترك هذه الآداب والرقائق إلا جاهل أو منتكس؛ لأنها من الله، وما كان من الله ففيه الخير والبركة والأجر والثواب، وفي الطاعة والامتثال كل الخير.
стр. 740
توضيح الله لأحكامه للناس
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور:٦١].
فقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ [النور:٦١] أي: كما بينا ما مضى من الآداب، ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [النور:٦١] أي: يوضحها ويفسرها، ويبين حلالها من حرامها، حتى تصبح واضحة للكبير والصغير، للرجل والمرأة، وكان هذا الأمر كذلك، فقد بين الله لنا بعض ما أوضحته الآية، ومن لم يكن متعلماً لا يعرف العربية كما ينبغي فقد بين ذلك رسول الله ﷺ ، ووضح ذلك خلفاءه من العلماء الذين لا يزالون يتوارثون ذلك وينشرونه ويوضحونه إلى يوم القيامة.
ثم قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور:٦١] أي: لعلكم تكونون عقلاء مدركين، تفهمون مقدار هذه الآداب والرقائق واللطف الذي أراده الله تعالى لعباده المؤمنين والموحدين، وقد سئلت السيدة عائشة رضوان الله عليها كيف كان خلق رسول الله؟ فكان جوابها: كان خلقه القرآن.
أي: ما ورد عن الله في كتابه كان هو خلق رسول الله ﵊، فالخلق الكامل ما أتى به القرآن العظيم: في الآداب والواجبات والرقائق والحلال والحرام، ومن ذلك: كان رسولنا هو الأسوة الأعظم كما قال الله: ﴿لَقدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، فمن كان متبعاً للسيرة النبوية ومتخلقاً فيكون من الفرقة الناجية، الناجية من عذاب الله، والفائزة بدخول الجنة.
следующие страницы →