Полный текст (2 442 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
معنى قوله تعالى: (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم)
ثم قال تعالى: ﴿وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور:٦١] أي: ولا حرج على أنفسكم أيضاً ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ [النور:٦١] أي: كون الحرج مرفوعاً في بيتي وطعامي ليس هذا هو المقصود، ولكن المقصود ما بعده؛ لأن بيت أمي وأبي وعمي وعمتي وخالي وخالتي وأخي وأختي كلها كبيتي، فكما يباح لي أن آكل في بيتي فكذلك يباح لي أن آكل في بيوت هؤلاء، سواء أكانوا حاضرين أم غائبين، والصديق كذلك.
فكل هؤلاء قد أباح الله تعالى لهم أن يأكلوا مع بعض بلا حرج ولا إثم، حضروا أم غابوا.
وابتدأ الله بذكر بيوتنا لأنفسنا ليضم لها بيوت غيرنا من أقاربنا وأصدقائنا، فيكون المعنى: بيتنا في هذا كبيوت هؤلاء من حيث الطعام والشراب والدخول إليهم.
وذكر الله الصديق، والصديق: من صدقك في وده، وإذا صدقك في وده فيكون قد فتح لك بيته، فإذا جئت رحب بك حضر أم لم يحضر، فإذا أكلت أو شربت فمعناه: أنك أزلت الفوارق بينك وبينه، واعتبرت بيته بيتك، ويوماً سيفعل فعلك نفسه.
وهذه من آداب الأسر، وآداب الطعام والشراب بين أعضاء الأسر، والله تعالى قد ربط وعقد الأخوة بين المسلمين جميعاً، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، فزادت الصلة وثاقاً، وزادها ربطاً بين أفراد الأسرة الواحدة بإباحة الأكل في أي بيت من بيوتها؛ لأنهم كما يقولون في القواعد الأصولية: الغنم بالغرم، فإذا مت قبل هؤلاء فهم يرثونني، وإذا ماتوا قبلي ورثتهم، ثم هؤلاء من افتقر منهم تصبح نفقته واجبة على أقاربه الأدنين في فضول الرزق والمال وهكذا، وهو مذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة وجماعة من المحققين من الأئمة والفقهاء.
فهذا التضامن والترابط الذي علمنا الله فيه الآداب، وأن تكون بيوتهم بيوتنا وبيوتنا بيوتهم، هو لهذا المعنى، أي: الغنم بالغرم، فكما أن الغنائم مشتركة بين الأسرة الواحدة، فكذلك الغرم والتكليف.
وقوله سبحانه: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور:٦١] أي: بيوت الشخص نفسه، وذكر الله بيوتاً أخرى ليجعلها كبيوت الإنسان نفسه، فقال: ﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور:٦١] وهكذا أيضاً أخذ هؤلاء المرضى وإدخالهم معي لهذه الدار من دور الأقارب لا حرج فيه، فذلك شيء أباحه الله، وفتح الأبواب في وجه الأسرة بعضها لبعض؛ لما جعل بينهم من ترابط ومن مشاركة في الغنم والغرم.
стр. 737
من يباح الأكل في بيوتهم بلا استئذان
ثم قال تعالى: ﴿وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ﴾ [النور:٦١] فكل هؤلاء معلومون، ولا نزال نستعمل نفس التعبير الأب أب، والأم أم، والخالة خالة، والعمة عمه، والخال خال، والعم عم، وهؤلاء الذين هم أقاربك من أبيك أو من أمك بيوتهم كبيتك، فلك كل الحق أن تدخل بيوتهم، وجدتهم أو لم تجدهم، فتضع يدك على طعامهم وعلى شرابهم، وتدخل معك من شئت من صديق وقريب، سواء أكان مريضاً أم صحيحاً، فهذا حق جعله الله تعالى لأفراد الأسرة بعضها لبعض، وكما يكون يوماً هو حقاً لي فإنه يكون يوماً آخر حقاً لأقاربي، فيدخلون بيوتي وأدخل بيوتهم، والممتنع من ذلك لئيم خسيس، ومع ذلك يجبر على أن يدخل أقاربه بيته؛ لأن الله هو الذي فتح ذلك بإذن وبلا إذن.
فجعل الأب والأم والأخ والأخت والعم والعمة والخال والخالة، دخولنا لبيوتهم ودخلوهم لبيوتنا حاضرين وغائبين إذ هم محارم مباح، فنأكل طعامهم ويأكلون طعامنا، بإذن وبغير إذن، وندخل من شئنا من الأصدقاء أصحاء ومرضى.
ثم زاد الله وقال: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور:٦١] المفاتح للمخازن، فلا يكون المفتاح إلا وهناك شيء مخزون، فلو أن هناك خادماً قريباً لي أو صديقاً وغبت عن البلد فأعطيته مفاتح البيت، وفيه مؤن وطعام، فله الحق بإعطاء الله له أن يأكل ويشرب بما لا يضر ولا يخرج من البيت، فلك أن تأكل وتشرب دون أن تملئ الجيوب وتخرج الطعام معك، فهذا لم يأذن الله به، ولم يذكره الله فيما يجوز؛ لما فيه من الإيذاء لأعضاء الأسرة، أما إذا أراد الإنسان ذلك من تلقاء نفسه فهذا كلام آخر لا علاقة له بالآية، وإلا فالأصل: أن من أعطي المفاتيح فما في البيت أمانة وضمانة عنده، ويتصرف في البيت طعاماً وشراباً بما يكفيه دون أن يخرج من البيت شيئاً، وله أن يأتي بصديق لكن بالمعروف، فلا يأتي بخمسين شخصاً، ونحو ذلك.
فلو جاءني ضيف ولم يجد عندي في البيت شيئاً، أو لم يجد ربة البيت فآخذه لأخي أو لعمي أو لخالي، ولا مانع من ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور:٦١] كذلك الصديق، أي: يجوز للصديق أن يأكل في بيت صديقه، بإذن وبلا إذن، وأن تأتي معك أيضاً بصديق آخر إن شئت.
هذا من آداب الأسرة وآداب العشرة وآداب الزيارة وآداب الضيافة وآداب الأكل والشراب بين أعضاء الأسرة بعضهم مع بعض.
стр. 738
إباحة الأكل اجتماعاً أو انفراداً
ثم قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾ [النور:٦١].
أي: لا جناح عليك إن ذهبت للبيت وصديقك قد تأخر لسبب من الأسباب وأنت جائع، أو الوقت الذي ستقيم فيه في بيته قليل، أن تأكل وحدك، فإذا جاء صديقك فليأكل وحده، ولك أن تنتظر لتأكل وإياه سواء.
وكقاعدة عامة: أباح الله تعالى للناس أن يأكلوا مجتمعين، أو يأكل كل واحد منهم على حده، وإن كان الأفضل والأكرم أن يأكل الإنسان مع جماعة.
ولم نزلت هذه الآية؟ كان من عادة العرب في جاهليتها -وهي من الأخلاق الكريمة- الكرم والنبل، لكن فيها شدة وكلفه، وليس كل أحد يستطيعها، ولا تزال هذه العادة عند الكثيرين من بلاد العرب في كثير من ديار الإسلام، أي: أن من عادتهم أن أحدهم لا يأكل وحده قط، فهو في كل الأوقات لا يأكل إلا إذا أتى أحد، فإن جاء زائر رحب به، وإن لم يكن بحث عنه ليأتي.
وقد كان العربي قديماً -مع كثرة الرزق في البيت والطعام- قد يبقى منتظراً من الصباح إلى الليل ليطرق عليه طارق، وليزوره زائر ليأكل معه على مائدته، فلا يريد الأكل وحده إلا إذا يئس، ويأكل وهو متأثم حرج، ويصف نفسه بالبخل وبالشره وبالاستئثار على غيره.
فالله تعالى منع هذا وقال: كل وحدك أو مع غيرك مجتمعين ومتفرقين حسب الحالة والحاجة والرغبة، وإن كان الطعام مع جماعة أبرك وأكرم، وفي مسند أحمد والسنن: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! آكل ولا أشبع، فقال له ﵊: (كل مع الجماعة، وسم الله، فذلك أبرك وأزكى) أو كما قال ﵊.
وفي حديث آخر: (طعام الجماعة أكثر زكاة وبركة نماء وبركة، وخير الطعام ما كان على ضفاف) أي: ما كان عليه جماعة تجتمع عليه أيديهم، ولكن ليس هذا فرضاً واجباً، وإنما هو من المندوب إليه والمستحسن.
فالحاصل: أنه لا مانع من أن نأكل مع أعضاء الأسرة من الأقارب الذين سمى الله أو الأصدقاء، ولا مانع أيضاً ولا حرج من أن نأكل أشتاتا، أي: مشتتين كلاً على حده.
стр. 739
حكم التسليم عند دخول المنزل
ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور:٦١].
أي: إذا دخلت بيتك ودارك وفيه زوجتك وأولادك أو أقاربك، فلا تدخل إلا بعد السلام، قائلاً: السلام عليكم! وهم يجيبونك، وإن جئت بيتك ولا أحد فيه فسلم أيضاً وقل: السلام علينا من ربنا؛ لأن الله يقول: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النور:٦١]، ولا شيء أبرك وأكرم من ذلك: السلام علينا من ربنا، والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، والملائكة ترد عليك وتجيبك قائلة: وعليك السلام.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ [النور:٦١] أي: بيوتكم ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور:٦١] يدخل في ذلك زوجتك وابنتك وأعضاء الأسرة إذا كانوا داخل البيت، فسلم عليهم عندما تدخل ولو دخلت في اليوم مرات، فإن لم تجد أحداً وكنت فيه وحدك لسبب من الأسباب فسلم أيضاً قائلاً: السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وأراد البعض أن يفسر (بيوتكم) ببيوت الله، قال: إذا دخلتم بيوت الله فقولوا: السلام على رسول الله ﷺ ، وقد كان بعض السلف يفعل ذلك، لكن الآية في الأقارب وليست في المساجد، والبيوت بيوت الأقارب وليست بيوت الله، على أن بيوت الله نحييها عند دخولها بأن نصلي ركعتين لله تعالى، وإذا دخلنا بيت الله الحرام ونظرنا الكعبة نقول: (اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)، والتحية في بيت الله الحرام إن كان من الساكن في البلد فصلاة ركعتين، وإن كان من الآتي من الخارج فالتحية بالطواف بالبيت.
وعند الدخول للمسجد النبوي لا بد أن تقول: السلام عليك يا رسول الله! ثم تستقبل القبلة أولاً، وتصلي ركعتين، وبعد ذلك تسلم على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
هذه الآداب الرقيقة آداب الإسلام لم يتركها الله لنبيه ولا للعلماء، وإنما تولاها بنفسه ﷻ ، وعلمها لعباده، وترك التفاصيل لنبيه وخلفائه من العلماء، وهذه الآداب الإسلامية الدالة على نبل الإسلام وحضارته، ولم يقل كثير من الأئمة: هذه آداب فقط بل هي واجبة؛ لأن الله أمر بها، والأمر إذا صدر عن الله أو عن رسوله ﷺ وليس هناك ما يدل على كونه سنة أو مستحباً فالأمر حينها إذا أطلق لا يراد به إلا الفرضية والوجوب، ففي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور:٦١] أمر من الله بالسلام.
ثم قال تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النور:٦١] فهي تحية من الله ﷻ وعلا مقامه، فيأمرنا أن نحي أنفسنا ونسلم عليها.
ثم قال تعالى: ﴿مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور:٦١] (مباركة) أي: جميله، و (طيبة) أي: حسنة، فيها النماء والزيادة والخير، وهذه التحية التي من الله ﷻ هي طيبة ومن خير التحيات؛ لأنها من عند الله، ولا يترك هذه الآداب والرقائق إلا جاهل أو منتكس؛ لأنها من الله، وما كان من الله ففيه الخير والبركة والأجر والثواب، وفي الطاعة والامتثال كل الخير.
стр. 740
توضيح الله لأحكامه للناس
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور:٦١].
فقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ [النور:٦١] أي: كما بينا ما مضى من الآداب، ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [النور:٦١] أي: يوضحها ويفسرها، ويبين حلالها من حرامها، حتى تصبح واضحة للكبير والصغير، للرجل والمرأة، وكان هذا الأمر كذلك، فقد بين الله لنا بعض ما أوضحته الآية، ومن لم يكن متعلماً لا يعرف العربية كما ينبغي فقد بين ذلك رسول الله ﷺ ، ووضح ذلك خلفاءه من العلماء الذين لا يزالون يتوارثون ذلك وينشرونه ويوضحونه إلى يوم القيامة.
ثم قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور:٦١] أي: لعلكم تكونون عقلاء مدركين، تفهمون مقدار هذه الآداب والرقائق واللطف الذي أراده الله تعالى لعباده المؤمنين والموحدين، وقد سئلت السيدة عائشة رضوان الله عليها كيف كان خلق رسول الله؟ فكان جوابها: كان خلقه القرآن.
أي: ما ورد عن الله في كتابه كان هو خلق رسول الله ﵊، فالخلق الكامل ما أتى به القرآن العظيم: في الآداب والواجبات والرقائق والحلال والحرام، ومن ذلك: كان رسولنا هو الأسوة الأعظم كما قال الله: ﴿لَقدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، فمن كان متبعاً للسيرة النبوية ومتخلقاً فيكون من الفرقة الناجية، الناجية من عذاب الله، والفائزة بدخول الجنة.
стр. 741
تفسير سورة النور [٦٢ - ٦٤]
ذكر الله تعالى من صفات المؤمنين أنهم إذا كانوا مع رسول الله ﷺ في أمر جامع لم ينصرفوا حتى يستأذنوه، فإذا أذن لهم انصرفوا، وإذا لم يأذن لهم للحاجة إليهم فإنهم لا ينصرفون.
ثم أدب الله تعالى المؤمنين بأنهم لا يجعلوا دعاء الرسول ومناداته كدعائهم لبعضهم البعض، وإنما يجلونه ويوقرونه.
стр. 742
تفسير قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٦٢].
علمنا الله في الآية السابقة أدب الاستئذان عند الدخول فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ [النور:٥٨]، وقال في الكبار: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٩]، فذاك الاستئذان عند الدخول، وهذا عند الخروج.
وفي الحديث النبوي عن رسول الله ﷺ كما في مسند أحمد والسنن يقول ﵊: (إذا دخل أحدكم على جماعة فليستأذن، فإذا دخل فليسلم وإذا خرج فليسلم، والسلام استئذان، فليست الأولى بأحق من الثانية) وهكذا يبين لنا النبي ﵊ كتاب الله، ويكون الأسوة قولاً وعملاً وتقريراً عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور:٦٢] أي: المؤمنون منحصرون في هذا؛ لأن (إنما) أداة حصر، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النور:٦٢] أي: كان إيمانهم بالله عن قول وعمل في الطاعة والامتثال.
стр. 743
الاستئذان عند الأمر الجامع
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور:٦٢] وصف الله هؤلاء المؤمنين إن كانوا مؤمنين حقاً وصدقاً، أنهم إذا كانوا مع رسول الله ﷺ في أمر جامع، والأمر الجامع: أن يجمعوا مصالح المسلمين في صلاة جمعة أو مجلس ذكر أو علم، أو معارك وجهاد وغيرها مما يتعلق بمصالح المسلمين عموماً، فهؤلاء لا يكون إيمانهم إيماناً صادقاً وحقاً إذا حضروا في مثل هذه الاجتماعات النبوية، ألا يتركوها ولا يذهبوا عنها إلا إذا استأذنوا رسول الله، وقالوا: يا رسول الله! ائذن لنا عندنا عمل ونحوه، فإن أذن فذاك وإلا فلا.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النور:٦٢] أي: الذين لا يستأذنونك يا محمد! عندما يكونون معك في أمر جامع أو مصلحة جامعة من مصالح المسلمين: من علم أو مشورة أو مدارسة أو جهاد أو أي عمل يحتاجه رسول الله ﵊ لمصالح المسلمون عموما ولمصالح دينهم، فهؤلاء الذين لا يتركون المجلس إلا بعد الاستئذان، فهو هم المؤمنون حقاً، والمؤمنون بالله وبرسوله.
وفي معنى النبي ﵊ إمام المسلمين، وورثة رسول الله ﵊ من الدعاة إلى الله والعلماء بالشريعة والصالحين، فإذا اجتمعوا فلا ينبغي للقوم أن يتركوا مجلساً أو معركة أو أعمالاً جامعة لمصالح المسلمين إلا إذا استأذنوا الكبير أو القائد من إمام المسلمين، أو نوابه من العلماء ورثة الأنبياء، فمن دونهم من المعلمين.
والأمر بالاستئذان سببه هو المصلحة العامة، والعمل الجامع لمصالح المسلمين، فإن كان من رسول الله فذاك الأصل، وإن كان الأمر الجامع من نوابه بعد وفاته ﵊ فهو استأذن من الإمام ومن برتبته من العلماء والدعاة إلى الله.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ [النور:٦٢] أي: إذا استأذنك المؤمنون والصادقون ممن يؤمنون بالله وبرسوله.
﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ [النور:٦٢]، أي: لبعض مصالحهم لسبب ما، كمرض أو مصلحة خاصة لا يقوم بها سواه، ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور:٦٢] ولماذا لمن شئت؟ لأنه قد يكون النبي ﵊ محتاج لبعض هؤلاء الذين استأذنوه، فإذا لم يأذن لهم فمعناه: أن مصلحة المسلمين هي في بقائهم وعدم ذهابهم.
فهنا ترك الأمر في المشيئة لرسول الله، فإن رأى ألا مانع من ذلك أذن لهم، وإن رأى بقاءهم لمصلحة المسلمين لم يأذن.
ثم قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ [النور:٦٢].
أي: ادعو الله أن يغفر لهم، واستغفار رسول الله للمؤمنين يستجاب، ففي بعض الآثار: ادعوني بلسان لم تعصوني به ومن هنا كانت هذه الآداب، فيطلب المعاصر لرسول الله أن يستغفر له، وكذا يطلب العادي من العلماء والصالحين والأطفال الذين لم يعصوا الله بعد أن يدعوا له، فيكون قد دعا بلسان لم يعص به، ويكون هذا أقرب إلى التقوى وإلى الطاعة وإلى الامتثال من الداعي.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٦٢] أمر نبيه وعبده ﷺ أن يستغفر لهؤلاء إن ظهر منهم شيئاً، وليست العصمة إلا للرسل والأنبياء، فليس أحد منا من كبارنا وصغارنا سلفنا وخلفنا إلا وهم في حاجة إلى الاستغفار وإلى التوبة، فالله يغفر الذنوب جميعاً، ويرحم عباده المؤمنين الصادقين اللاجئين إليه؛ لينالوا رحمته ومغفرته.
стр. 744
تفسير قوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم)
ثم قال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
أي: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً، يعلمنا الله تعالى في الآيات الماضية الأدب مع بعضنا من أقاربنا وأهلنا وأصدقائنا، وهنا يعلمنا الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، ولا يترك هذا الأدب إلا مخذول قد غضب الله عليه ولم يرد به خيراً، فقال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣] أي: لا تدعوا رسول الله دعاءكم مع بعضكم، فنحن نقول لبعضنا: يا سيد فلان، أو يا فلان بلا كلمة معها، لكن من الأدب مع رسول الله ألا تقل: يا محمد! ولا يا أبا القاسم، ولا يا سيد محمد، ولا تذكره بلا صلاة عليه، كما يفعل الكثير من سفهاء العصر، يقفون متكلمين أو كاتبين أو دارسين لا يقولون قال: محمد، وإنما يقولون أحياناً: قال رسول الله، وهذا هو الواجب، لكن لا يختمون الكلمة بالصلاة على رسول الله، وقد قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٥٦]، ثم أمر المؤمنين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].
فالصلاة على رسول الله كلما ذكر هي من آداب النبوة والرسالة، ومن الآداب التي حث عليها كتاب الله، فقال: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣] أي: لا تقولوا: يا محمد، وكان يأتي بعض البدو والأعراب ومن لم يدخل الأدب النبوي قلوبهم فينادون من رواء الحجرات: يا أبا القاسم! اخرج لنا، يا محمد! تعال، أو وهم جالسون معه، ويرفعون أصواتهم في ذلك، فحرم الله كل ذلك، وقال: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣] أي: لا ننادي الرسول كما ننادي بعضنا، ولا ندعوه كما ندعو بعضنا: يا فلان أو يا أبا فلان، بل نناديه ونقول: يا نبي الله يا رسول الله، وقد يذكر اسمه وتقول: محمد ﵊، فإذا ناديته باسمه فلابد أن توصل بها ﷺ ، وهذا من الدعاء الذي ليس لبعضنا مع بعض، فلا نصلي على أحد إذا ذكرناه مهما كان، ولا أبي بكر ولا عمر، فلا نقول: قال أبو بكر ﷺ ، ولا قالت فاطمة: صلى الله عليها وسلم، بل نترضى على الصحابة؛ لأن الله رضي عنهم، فنقول: قال أبو بكر ﵁، وقال مالك ﵀.
وأما الصلاة فقد انفرد بها سيد البشر صلوات الله وسلامه عليه، فالأدب أن نقول: قال رسول الله، أو قال نبي الله ونختمها بصلى الله عليه وسلم.
стр. 745
مكانة الصلاة على رسول الله
قال ﵊: (البخيل كل البخيل من إذا ذكرت عنده لم يصل علي)، فلا يكفي أن نقول نحن: قال رسول الله ﷺ ، بل كل من سمع خطيباً أو مدرساً أو متكلماً يذكر رسول الله يجب عليه أن يقول: صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ومن هنا إذا قلنا: قال أبو القاسم -وقد فعل هذا بعض الصحابة والسلف- ينبغي أن نقول معها: ﷺ ، وإذا قلنا: قال محمد، ينبغي أن نقول معها: صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن الله قد حرم أن ندعو نبينا كما ندعو بعضنا، فإننا ندعو بعضنا بيا فلان! أو يا أبا فلان! ولا نصلي عليه، ولا تكون الصلاة إلا على رسول الله، فإذا قلنا: يا محمد، أو يا رسول الله، أو يا نبي الله فيجب أن نختمها بقولنا: صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وهل لا بد أن نقول: سيدنا محمد، أو سيدنا أحمد أو سيدنا أبو القاسم أم لا؟ نقول: السيادة في حد ذاتها لا تشرف النبي، وإنما تشرفنا نحن، وكون الرسول سيدنا معناه: نحن الذين شرفنا بسيادته، فلا يكفي أن تقول: سيدنا محمد دون أن تصلي عليه.
وأما التبجيل والتعظيم فهو أن تقول عنه: رسول الله، أو نبي الله صلى الله عليه وعلى آله، وإذا قلت: سيدنا النبي، فهو سيدنا وسيد الكل، ولكنه شرف لنا نحن، ولقد قال عن نفسه ﵊: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) وهو إمام الأنبياء والمتقين، وأين نحن من سيادته علينا نحن؟ ولكن الشيء الذي لا بد منه ولا يجوز التفريط فيه أنه إذا ذكرناه أو ذكر ونحن نسمع أن نقول: ﷺ .
وحاول البعض أن يقول: الدعاء هنا دعاء النبي ﷺ ، أي: لا تظنوا أن دعاء النبي على أحدكم أو أن دعاءه لواحد منكم هو كدعائكم، بل دعوة النبي مستجابة إذا دعا عليكم أيها المنافقون، وقد مضت الآيات وفيها وجوب أن تعتقد أن ما دعا به واقعاً لا محالة، وإذا دعا لكم أيها المؤمنون الصادقون فتأكدوا من أنفسكم أن دعوته لكم مستجابة، ولكن الموضوع ليس هذا، الموضوع الأدب مع النبوة والرسالة، وفيه ما مضى من قبل ألا نترك أمراً جامعاً أو مجلساً نبوياً للنبي ﷺ ، فنترك مجلسه وأمره الجامع دون أن نستأذنه، فالأدب هو هذا.
وقوله: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ﴾ [النور:٦٣] ومن هذا كذلك لا تقولوا: يا محمد! أو يا أبا القاسم! بل قولوا: يا رسول! أو يا نبي الله! هذا في عصره، وبعد عصره وإذا ذكرناه نذكره برسول الله ونبي الله، ونختمها بصلى الله عليه وسلم.
وقد أمرنا الله بذلك في الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] و (تسليما) مفعول مطلق، أي: كثير السلام كثير الصلاة، كيف والله ﷻ ابتدأ بنفسه بالصلاة عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٥٦]، وهل احتاج بعد ذلك إلى صلاتنا؟! وإنما أمرنا الله بذلك، فكيف وقد صلى الله عليه، وصلت عليه الملائكة، أفناتي نحن ونجمل بكلمة نقولها عند ذكره ﷺ ؟! ومن الأدب مع رسول الله الصلاة عليه عند ذكره، وإلا فنكون قد عصينا أمر الله المتمثل في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وفي هذه الآية يقول الله: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣]، فليس الأمر مع الرسول كالأمر بيننا لا في الآداب ولا في المعاملة ولا في النداء، بل في كل ذلك يجب أن يكون مع النبي ﵊ في الذروة والقمة.
وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يكونون جالسين بين يدي رسول الله كالميت بين يدي المغسل، ويكونون جالسين وكأنما على رءوسهم الطير لا يتحركون، ولا يبتدئونه بكلام إلا إذا هو ابتدأ به ﷺ ، ولا يرفعون أصواتهم إذا تحدثوا على صوته، وقد هدد الله من يفعل ذلك بأن يحبط عمله وهو لا يشعر.
وكانوا يتبادرون إليه ﷺ إذا قص شعره في الحي، فيأخذون شعره ليتبركوا به، وكان إذا توضأ يكادون أن يتقاتلوا على أخذ شيء من مائه، وإذا نادى أحداً يبادر بالجواب لبيك وسعديك يا رسول الله، ولأصحابه من ذلك غرائب وعجائب.
ففي ذات مرة كان يخطب على المنبر وكان ابن مسعود في الشارع لم يصل بعد، فقال النبي: اجلس، وإذا بـ ابن مسعود يجلس في الأرض في الشارع بعد الصلاة، فيخرج النبي ﷺ فيجد ابن مسعود جالساً، فيقول له: ما بالك؟ فيقول ابن مسعود: يا رسول الله! سمعتك تقول: اجلس، فجلست.
والنبي ﷺ إنما قال: اجلس لمن دخل وهو يخطب وأراد أن يصلي ركعتين، فمنعه من ذلك ليسمع الخطبة، وقال له: اجلس فليس هذا وقت صلاة؛ لأن من تمام صلاة الجمعة أن ينصت الإنسان للخطيب، وألا يلهو ساعة الخطبة، وإلا فمن لغى فلا جمعة له.
ونرى كثيراً من الناس اليوم يخطب الخطيب وهم يطوفون، فيجب أن يمنعوا بالعصي، والشرطة لا يقومون بذلك؛ لأن الخطبة إذا ذاك هي الواجبة، وصلاة الجمعة واجبة أيضاً، وقد قال النبي ﵊: (من فاتته صلاة الجمعة ثلاث مرات طبع الله على قلبه)، فهؤلاء الذين لا يذكرون الطواف إلا وقت الخطبة جهلة مقصرون، ويرجعون بالوزر لا بالأجر في تلك الساعة؛ لأنهم مأمورون بسماع ما يقوله الخطيب، ويجب أن يمنعوا من ذلك، وكذلك صلاة التحية أو صلاة ركعتين والإمام يخطب، بل ينبغي أن ينصت الإنسان.
وقد أمر ﵊ من يأتي لصلاة يوم الجمعة أن ينصت ويسمع، ولا يتخطى الرقاب، ومن فعل سوى ذلك فقد قال عنه النبي ﵊: (فليرجع مأزوراً غير مأجور) أي: يرجع بالوزر وبالإثم لا بالأجر.
стр. 746
تفسير قوله تعالى: (قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً)
قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ [النور:٦٣].
(قد) هنا للتحقيق، أي: يعلم الله حقاً الذين يتسللون، والتسلل: هو الخروج خفية، و (لواذاً) أي: يحاولون أن يختفوا وراء بعضهم؛ ليتركوا الصلاة والاجتماع، وليخرجوا بغير أذن، فقال الله عنهم: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ [النور:٦٣]، ومعنى: (قد يعلم الله) أي: قد علم، فهم يخرجون بلا إذن مختفين يلوذ بعضهم ببعض؛ حتى لا يراه رسول الله ويوبخه، ولكن الله قد رأى، وهو قادر أن يُري نبيه ذلك ويعلمه بذلك، وقد فعل.
وقد علمنا الله كيف نتأدب مع النبي ﷺ حياً وميتاً، فالله يعلم هؤلاء المنافقين المتسللين التاركين مجالس رسول الله، ومن ذلك: مجالس علمه وسنته، ومجالس كتاب الله ونشر العلم الموصل إلى معرفة الله ومعرفة نبيه ﷺ .
وفي هذه الفقرة من الآية التهديد والنذارة لمن يفعل ذلك؛ لأن الله عالم به.
стр. 747
تفسير قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره)
ولذا قال الله بعدها: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور:٦٣].
أي: عن أمر رسول الله، فيحذر الله ﷻ ويهدد ويوعد ويخوف من يخالف ويعصي أمر رسوله، ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور:٦٣] أي: أن تصيبهم فتنة في الحياة في الدنيا من نفاق أو كفر وردة، أو من مصائب وبلايا وكوارث.
ثم في الآخرة: ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] في الآخرة عذاب أليم إضافة إلى هذا الذي في الدنيا، ففي الدنيا هدد بالنفاق وبالكوارث، في الآخرة هدد بعذاب النار الأليم الموجع المهلك.
وهذا في مخالفة رسول الله حياً وميتاً، فهو رسول الله في حياته وبعد مماته، فلا نبي ولا رسول بعده، ودينه باق إلى يوم النفخ في الصور، وقد أمر بالإيمان به كل إنسان في مشارق ومغاربها، سواء أكان أبيض أم أسود، رجلاً أم امرأة، وهذه الآية -أي: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور:٦٣]- تعم كل مخالف.
و (عن) في قوله: (عن أمره) صلة، وفسرت (عن) هنا بأنها ليست صلة وإنما هي كلمة أصلية، (يخالفون عن أمره) أي: يختلفون في طاعته ويخرجون عنها.
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور:٦٣] أي: ليحذروا من أن يصابوا بفتنة في حياتهم الدنيا: من شرك، أو بلاء، أو أي نوع من أنواع المصائب والكوارث.
﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] أي: مع هذا فيوم القيامة يصابون بمصائب العذاب الموجع، والعذاب المؤلم في الآخرة بالنار في يوم العرض على الله، وهذا جزاء المخالف لرسول الله وطاعة رسول الله، ومن قال: نطيع القرآن وأما السنة فلا حاجة إليها، فقد قال بهذا زنادقة، وهم بهذا مرتدون، فلا يتصور الإسلام بغير طاعة رسول الله ﷺ .
فالله قد قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، فما أتانا رسول الله وأمرنا به فقد أمرنا الله به أيضاً؛ لأن الله أمرنا بطاعته والامتثال لأمره ﷺ .
وكذلك النهي، فقد أمرنا الله أن نمتثل أمره ونجتنب نهيه، ومن خرج عن ذلك فقد خرج عن القرآن، ومن خرج عن القرآن أصبح مرتداً حلال الدم والمال.
стр. 748
تفسير قوله تعالى: (ألا إن لله ما في السماوات والأرض)
ثم قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٦٤].
قدس الله ﷻ نفسه، وعلمنا أن نقدسه ونعظمه ونجله؛ فله السماوات وما فيها، والأرض وما عليها وما تحتها، وله كل شيء خلقاً وملكاً وتدبيراً وأمراً ونهياً، ومادام الأمر كذلك أيليق بالعبد أن يخالف سيده؟ وهل يصلح أن يعصي خالقه ويخرج عن طاعته؟ هذا في لغة العقول لا يليق، وهو في لغة الشريعة كفر وردة وخروج عن الإسلام.
وقوله: (ألا إن لله) (ألا) حرف تنبيه، وكأن المعنى: ألا انتبهوا أيها الناس، وانتبهوا أيها المنافقون، ويا هؤلاء الذين عصوا وخالفوا وخرجوا عن أمره! ألا اعلموا وانتبهوا أنكم لله بأرضكم وسمائكم، وكل ما في الكون ملك وخلق له، أفيليق بالمخلوق المملوك أن يخالف مالكه وخالقه؟ لا يليق هذا في لغة العقول، وهي لغة الشرع والإسلام كذلك.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور:٦٤] (قد) هنا للتحقيق، أي: قد علم الله ما أنتم عليه، وعلم حالكم من صدق وكذب، ومن إيمان وكفر، ومن صدق ونفاق، وهذا إنذار بأن الله لا تخفى عليه خافية، فهو يعلم السر وأخفى، والسر: هو ما ساررته مع أحد، والأخفى: هو الذي تخفيه ولا تقوله لأحد.
فالله يعلم ما في الضمائر، وما تنطوي عليه النفوس، وما يحدث به الإنسان نفسه ولا يخرج على لسانه.
إذاً: فكيف يخرج هذا العبد عن أمر الله وطاعته والله يعلم كل حاله ما نطق وما أضمر!! وقوله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ [النور:٦٤] أي: ويوم يرجع الخلق إليه يوم البعث والنشور، يوم الحياة الثانية، يعلم أولئك أن الله تعالى علم ما عملوا في دنياهم ظاهره وباطنه، سره وعلنه، وعند ذا يصيح الكفار والعصاة والمنافقون ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف:٤٩]، ينطق بذلك كتاب الله، وينطق بذلك المكلفان عن اليمين والشمال، فإن وجد خير فهو في كتاب اليمين، وإن وجد شر فهو في كتاب اليسار.
وقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٦٤].
ربنا عليم بكل شيء، والشيء: كل ما سوى الله، فالله يعلم أعمالنا ظاهرها وباطنها، وصدقها وكذبها، فهو عالم بكل شيء ﷻ ، وهذا تهديد ونذارة ووعيد للإنسان أن يخفي ما يظن أن الله لا يعلمه، فإذا ظن ذلك معناه أنه ازداد ضلالة وإفكاً وكفراً، ولما كان الله عالماً بكل شيء، ولا تخفى عليه خافية، فلا يليق بالمسلم إلا أن يكون صادق الإيمان، عاملاً بالأركان، مطيعاً لربه فيما به أمر، تاركاً لما عنه نهى، مطيعاً لرسوله كذلك، ومادام أنه يعلم -وهذا من عقائد المسلمين الأساسية- أن الله مطلع على كل شيء ففيما المخالفة والعصيان إذاً.
وهكذا ننتهي بسورة النور المباركة، ذات الأحكام العجيبة والحكم البليغة، وعلى صغر آياتها كانت عظيمة الأحكام والآداب والأذواق والرقائق، قد علمنا الله فيها ما يجب عن المسلم أن يكون عليه مع ربه، ومع نبيه ومع نفسه، ومع أهله وأصدقائه، وأن يتجنب النفاق والعصيان، وأن يتجنب مخالفة الشرع، فالله عالم بكل شيء ومطلع عليه.
стр. 749
تفسير سورة الفرقان [١ - ٣]
لقد فرق الله تعالى في هذه السورة بين الحق والباطل، وأبان عن شبه المشركين وفندها بالطريقة العقلية المقنعة، والأسلوب الراقي الدامغ لشبههم، وأحق الحق بكلماته ولو كره المشركون.
стр. 750
تفسير قوله تعالى: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً)
قال الله جلت قدرته: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:١ - ٢].
سورة الفرقان هذه فرق الله بها بين الحق والباطل، وفيها الكلام على كتاب الله المنزل على نبيه وعبده ﷺ ، وما قاله المبطلون عنه، وعن رسول الله المنزل عليه، ولكن الله دحض باطلهم وكذبهم في هذا الكتاب، وفي هذا النبي ﷺ ، فساق كل كفرياتهم الصلعاء، وأكاذيبهم وافتراءاتهم، وكما يقال: ما أشبه اليوم بالأمس، فهذه الكفريات التي قيلت منذ ألف وأربعمائة عام هي الكفر والظلم والافتراء الذي لا يزال يذكره الكفار اليوم بنفسه وشكله، والكفار منبعهم ومرجعهم واحد، وهو الجحود بالله ورسالاته، والكفر بالكتب السماوية، وما أوحى الله به إلى رسله.
قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ [الفرقان:١] أي: تعاظم وتقدس، وزاد إنعامه على خلقه وعباده مؤمنين ليشكروا النعمة، وليزيدهم الله من فضله، وكافرين لتقوم عليهم الحجة البالغة، ولا يجدون عند العرض على الله ما يبرر كفرهم وجحودهم.
قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ [الفرقان:١] أي: تبارك الله أحسن الخالقين، وتبارك الله منزل الكتاب على عبده، وتبارك الله الخالق الرازق المحيي المميت.
والفرقان: هو القرآن الكريم الذي أنزله على عبده محمد سيد الخلق صلى الله عليه وعلى آله؛ ليكون كتابه الذي به يفرق بين الحق والباطل، والذي به يعلم هو قبل غيره ما الإسلام عقائد، وما الإسلام أحكاماً، وما الإسلام آداباً، وما الإسلام مآلاً وحالاً ودنياً وآخرة.
قوله: (على عبده) أشرف صفة يوصف بها نبي هي كونه عبداً لله، والله قد ذكر العبودية في أشرف حالة أكرم بها نبيه ﷺ في ليلة الإسراء، إذ قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١]، هذه الحالة التي لم تكن لنبي قبل ولا لرسول، حيث أسري به إلى البيت المقدس، ثم عرج به إلى السموات العلى إلى أن سمع صريف الأقلام، وصار قاب قوسين أو أدنى، ومع ذلك ما زاغ منه البصر وما طغى، وفي هذه الليلة صلى إماماً بالأنبياء منذ آدم وإلى آخر الأنبياء قبله وهو عيسى ابن مريم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فالله عندما يصف عبده ونبيه ورسوله بالعبودية له فذلك تشريف ورفعة، وذلك مقام لا يكاد يحله غيره.
قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١] هذا الكتاب أنزله عليه وجعله به رسولاً، وجعله به بشيراً ونذيراً.
(ليكون للعالمين) أي: عالم الإنس والجن، منذ ظهر في هذه البقاع المقدسة وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨] فكان رسولاً للإنس وللجن، قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن:١]، فقد استمع نفر من الجن القرآن واهتدوا به، فمنهم المسلمون كذلك، ومنهم الجاحدون كذلك، ولا يزال يسمى في مدينتنا هذه المقدسة مسجد باسم الجن؛ لأنهم قالوا: في ذلك المكان أوحي إلى نبينا ﵊ سورة الجن، وفي ذلك المكان جاءه الجن مؤمنين به، سائلين عن الكتاب المنزل عليه، طالبين البيان والإيضاح لهذه الرسالة الجديدة؛ الرسالة المحمدية الخالدة، وهذه الآية ﴿لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، وهي كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨].
فأمر الله نبيه وعبده وخاتم أنبيائه محمداً ﷺ أن يقف فينادي في الناس كلهم من عاصره ومن لم يعاصره، ومن سمع فليحدث من لم يسمع، وهكذا إلى أن قامت علينا حجة الله، فسمعنا نحن كذلك النداء عن آبائنا وشيوخنا، وهم سمعوه عن آبائهم وشيوخهم إلى المرسل إليه إلى خاتم الأنبياء محمد ﷺ إلى الروح جبريل رسول الملائكة إلى الرسل من الناس إلى الله ﷻ وعلا مقامه.
قوله: (نذيراً) أي: مخوفاً، ومنذراً، ومهدداً، وموعداً، إذ عندما برز ﷺ ونزل عند أم المؤمنين الأولى بعد نزول الوحي عليه في غار حراء في هذه المدينة الطاهرة المقدسة نزل إلى زوجه يرجف فؤاده، وترعد نفسه، وهو يقول: (زملوني زملوني!) أي: غطوني، فأخذته قشعريرة نتيجة هذا الحمل الثقيل الذي كلف به، ثم قص قصته على خديجة ومنذ أعلم ذلك لم يكن في الأرض مهتد واحد، وكان الوحي ينزل إلى النبي ﷺ بين كل الخلائق؛ ولذلك أنزل عليه القرآن ليكون لجميع العوالم عالم الإنس والجن، فمن أدركه من هؤلاء ومن سيأتي بعده إلى يوم القيامة يكون مخوفاً لهم من عذاب النار، ومن البقاء على الشرك وعلى النصرانية التي بدلت وحرفت ثم نسخت، ومن اليهودية التي بدلت وحرفت ثم نسخت، فقد نسخت التوراة والإنجيل بالقرآن الكريم المهيمن عليهما، ونسخت رسالة صاحبيها برسالة محمد صلوات الله وسلامه عليه إلى الناس كافة الأبيض والأسود، كما قال ﷺ : (بعثت إلى الأحمر والأسود) وكما قال ﷺ : (كان النبي قبلي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة) وذاك من خصائصه، وما يزعم من يزعم بأن الأديان الثلاثة عالمية: الديانة اليهودية، والنصرانية، ثم الإسلام فهذا كذب وزور، ومن التحريف الذي حرف به النصارى واليهود دينهم، وتبعهم بعض من لا يعلمه من أفراخ المسلمين الذين تلقوا علومهم عنهم، فهم اسمهم في القرآن وفي التواريخ القديمة: أنبياء بني إسرائيل، وخاتمهم عيسى، وقد جاء في الإنجيل عنه: (إنما أرسلت إلى خراف بني إسرائيل).
قلت: وقد أكد القرآن المهيمن على الكتب السماوية هذا المعنى فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [الصف:٦]، فجاء مصدقاً لتوراة موسى، وأنه مرسل لليهود فقط، ولبني إسرائيل فقط لا غيرهم، ولو كانت ديانته في أيامها لم تحرف بعد، ولم يحرف الإنجيل والتوراة بعد، ولو آمن بها غير اليهودي لكان آمن بما لم يكلف به ولم يبعث إليه، فنبينا وحده صلى الله عليه وعلى آله هو الذي اختص بذلك، وذاك من خصائصه كما قال في بداية هذا الحديث: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: كان الأنبياء يبعثون إلى أقوامهم خاصة وبعثت إلى الناس عامة) ومصداق ذلك هذه الآية، ونظائرها في القرآن كثير، وهو مما هو معلوم من الدين بالضرورة، يعلمه العالم والجاهل، ويعلمه الكبير والصغير، والرجل والمرأة، والمؤمن والكافر، وأن محمداً عندما ظهر -وهو خاتم الأنبياء والرسل- دعا الناس كافة إلى دينه، وكتب قبل أن يموت ﵊ إلى القياصرة والأباطرة وإلى كسرى وأمثاله، وإلى جميع ملوك الأرض وأمرائه يدعوهم إلى الإسلام؛ لتكون حجة الله البالغة، وليقوم ﷺ بما كلف به من البلاغ ودعوة الناس كافة عربهم وعجمهم، مؤمنهم وكافرهم، وثنيهم وكتابيهم، يدعوهم إلى الله وحده وإلى رسالته، وأنها نسخت ما سبق قبل: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩].
وكما قال ﵊: (لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي) وعيسى في السماء الأولى، وسينزل في آخر الدنيا عند قرب الساعة، سينزل إلى الأرض وهو على دين نبينا، فيصلي صلاتنا، ويصوم صيامنا، ويستقبل قبلتنا، ويحج حجنا، وهو يكون بذلك من أتباعه وأصحابه صلى الله عليه وعلى آله، إذ تعريف الصحابي انطبق على عيسى، وهو: من رأى النبي ﷺ في حياته وآمن به ومات على ذلك، وعيسى اجتمع بنبينا ليلة الإسراء والمعراج في السماء الأولى، وقال عيسى لنبينا: مرحباً بنبي الله أخي، فهو قد اعترف به نبياً، ثم نزل معه، ونزل كل أرواح الأنبياء من في الأرض ومن في السماء وصلوا خلفه في المسجد الأقصى، صلى بهم إماماً، وقد تواترت بذلك الأحاديث والأنباء فلا ينكر ذلك إلا جاهل.
стр. 751
تفسير قوله تعالى: (الذي له ملك السماوات والأرض)
قال تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢].
الذي أنزل الكتاب على عبده هو الله تعالى فهو قائله، والقرآن كلامه، وليس كما زعم الأعداء من الكفرة والجاحدين والمشركين، وسيقص الله كفرهم وجحودهم، وسيرد ذلك ويدحضه بالحجة التي لا تنازع ولا تراجع، هذا الله الذي زكى وعظم نفسه؛ ليعلمنا مقامه، ولنتخذ ذلك ديناً بأن الله ﷻ له ملك السموات والأرض، وهو خالق السموات ومالكها وما بينها، وهو خالق الأراضين السبع وما بينها، وهو مالكها، يدبر أمره من سماواته ﷻ وعلا مقامه، الذي له ملك السموات والأرض ملك عبودية وخلق.
قال تعالى ينزه نفسه ويعظمها، ويرد على كل مختلف ألوان كفر الكافرين: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الفرقان:٢] أي: لم يتخذ ولداً كما زعم من قال: إن الملائكة بنات الله، وزعم ذلك طوائف من العرب وغيرهم، (ولم يتخذ ولداً) كما زعم اليهود والنصارى عندما قالوا عن أنفسهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، ولم يتخذ ولداً كما زعم اليهود عندما قالوا: العزير ابن الله، ولم يتخذ ولداً كما زعم النصارى بأن المسيح ابن الله، ذلك أفكهم، وذلك قولهم بأفواههم تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ولولا أن الله ذكر ذلك لما أبحنا لأنفسنا أن نقوله، ولكن نقوله حكاية لنرد ولندفع ولنكفر أصحابه، ولندعوهم إلى الله كما دعاهم الله ورسوله ﷺ .
قوله: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الفرقان:٢] أي: ليس له ولد، ولم يخلقه، ولم يكن قط يوماً من الأيام، وإنما هي افتراءات وأكاذيب وأضاليل كذبها من زعم ذلك عن الملائكة، وافتراها من زعم ذلك من اليهود، وافتراها من زعم ذلك من النصارى، فالله ﷻ لا تليق به صاحبة، ولا يليق له ولد، فهو خالق ورازق الكل، والكل له عبد، وليس الولد عبداً.
قوله: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء:١١١] أي: ليس في ملكه شريك، فقد خلقه وحده، ولم يحتج إلى عون أحد: لا من ملك، ولا من إنس، ولا من جن، بل هو خالق الملك، وخالق الإنس والجن، وقادر على كل شيء ﷻ ، وكل ما زعمه المشركون من أصنام جعلوها شريكة، ومن بشر جعلوهم شركاء، ومن جن جعلوهم شركاء إن كل ذلك إلا كذب وافتراء على الله، ما أنزل الله بذلك من سلطان، ولم ينزل بذلك دليلاً سماوياً، ولا يقبله دليل عقلي، إن هو إلا السخافات والأكاذيب والأضاليل التي عاش عليها هؤلاء الكفرة، ولا يزال هؤلاء المشركون الضالون من مختلف الملل والمحل من الكافرين يهوداً ونصارى ومجوساً مشركين وملاحدة ووثنيين يعيشون عليها، حتى الذي قال: إنه يعطل ولا يؤمن بشيء، كذب وافترى، فقد جعل الطبيعة شريكاً لربه، وقال: هي التي خلقت، وهي التي صنعت، وقد جعل الإنسان شريكاً لربه فقال: الإنسان هو الذي صنع واخترع، ولا شيء سوى ذلك، فهو قد جاء إلى الإنسان الضعيف الذي كان نطفة، ثم بعد ذلك تسلسل في أطوار الخلق إلى أن عاد للضعف مرة أخرى إلى أن عاد للفناء وكأنه لم يكن، فكيف يشرك الله في ملكه من لم يكن يوماً موجوداً، ومن هو بعد ذلك فان، وسيفنى يوماً ما، فجاء من التراب وسيعود إلى التراب.
فكيف يزعم أنه شريك لله؟ ولكن العقول عندما تضل، ويذهب نورها، وعندما تبتعد عن نور الله ونور دين الله الحق، ونور محمد ﷺ فإنها تعمى، وصدق الله العظيم: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥] فيهدي لنوره من يشاء، فنوره هدايته، ونوره كتابه، ونوره رسالته، وعندما يخرج النور من بين قلوبهم وصدورهم فإنهم يظلون في ظلام وضلال إذا أخرج الرجل يده لم يكد يراها، ظلمات بعضها فوق بعض كما ضرب الله تعالى مثلاً فيما مضى.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء:١١١] أي: ليس هناك شريك قط، وكل ما قد قيل في ذلك كذب وهراء وافتراء على الله، وكيف يتصور في العقول أن أحجاراً نحتها إنسان وسماها مناة أو العزى أو هبل، ثم يجعلها شريكة لله في ملكه وهي لا تضر ولا تنفع، ولا تعي ولا تسمع، كيف يأتي إنسان إلى ملك خلقه الله من نور فيجعله شريكاً لله وإلهاً مع الله أو دونه؟ كيف تقبل لغة العقول أن يؤتى إلى بشر كعيسى لم يكن قبل موجوداً، ثم كان بعد ذلك، ثم سوف يموت ثم يجعلونه عبداً لله وشريكاً لله؟! كيف يكون ال عزير إلهاً وهو عبد من أب وأم، من أم تحيض كما تحيض النساء، وتلد كما تلد النساء بنطفة وجماع؟ إن هي إلا افتراءات وأكاذيب وأضاليل يجب على المسلم عندما يتعقل ذلك ويفهمه أن يكثر الشكر لله على أن أنار قلبه وطهر عقله من أن يعتقد مثل هذه الأضاليل والأكاذيب، ومن هنا جاء قول النبي ﵊: (الحمد لله على نعمة الإسلام) وكفى بها نعمة! فنحن نشكر الله من كل خلايا أجسامنا، ومن كل حواسنا على أن خلقنا مسلمين، وطهر عقولنا من مثل هذه الأضاليل والأباطيل، من أن نعبد حجراً، أو بشراً، أو جناً، أو ملكاً، أو نعبد أي شيء كان خلقاً لله ولم يكن يوماً موجوداً، وسيفنى يوماً ويفنيه الله ويعيده يوم القيامة للسؤال والحساب والعرض على الله.
قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢] هذه الفقرة من الآية الكريمة (فقدره تقديراً) فيها رد على فلاسفة وملاحدة مجانين، والفلسفة تعني الجنون، يأتي الإنسان فيفكر في الأقاويل التي لا دليل عليها، ولا منطق فيها، ولا يقبلها عقل؛ فيسمى بذلك -وهو مجنون- فيلسوف، وهؤلاء الفلاسفة لا يكادون يتفقون على حقيقة من حقائق الكون، فقد اختلفوا في كل شيء حتى في الذات العلية، اختلفوا في الصفات الإلهية، واختلفوا في الأنبياء والملائكة، وكل مجنون منهم يقول ما شاء له هواه، ويسمي ذلك ذكراً، ويسمي ذلك فلسفة وإن هو إلا الهراء والجنون والباطل بعينه، فمن جملة ما قالوه: إن هذا الكون أو الطبيعة الإلهية بفطرتها خلقت دون علم صاحبها تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً! وقالوا: هذا الخلق تسلسل من الخلية الأولى، وهكذا تكاثرت فتوالدت كما يثبت ذلك بطبيعة الماء، وطبيعة القمر، وطبيعة الشمس، وطبيعة التراب، فلم يكن هناك تقدير من قبل، فالله رد على هؤلاء السفهاء فقال: (فقدره تقديراً)، قدر الأجل والزمن، وقدر الحياة، والرزق، والهداية والضلالة، كل ذلك بقدر، وكل ذلك سبق في علم الله، وكتبه القلم باللوح المحفوظ، ولم يدع من ذلك ربنا قليلاً ولا كثيراً، وكل ما نقوله وما يخطر ببالنا وما نعمله منذ آدم أبي البشر الأول إلى الإنسان الأخير الذي ستقوم عليه الساعة كل ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ بعلم الله وتقديره، وبالأجل المسمى الذي ضرب لذلك، ثم هؤلاء السخفاء المجانين عندما يقولون: الخلية الأولى نقول لهم: الخلية الأولى من الذي أوجدها؟ نعم، الخلية الأولى هي آدم، والله هو الذي خلق آدم، ثم خلق من آدم زوجته، ثم خلق منهما السلالة والذرية والأولاد، وهو عندما يريد أن يغير العادة فقد غيرها كما فعل في عيسى، حيث خلقه من أم بلا أب، وقد خالف العادة في خلق ناقة من حجر صلب، خلق منه ناقة بطولها وعرضها، فالله تعالى يخلق ما يشاء، ويفعل ما يشاء، لا يكرهه أحد ﷻ وعلا مقامه، وهكذا الله تعالى عندما يعلمنا، وينور بصائرنا، ويرسل لنا السيد الكريم سيد الأولين والآخرين نبينا ﷺ بكتابه هذا المنزل عليه، أنزله ليكون لنا نذيراً ومخوفاً من النار وعذاب الله، وبشيراً مبشراً بالجنة ورضا الله، ولذلك من أعرض عنه كما يفعل الكثيرون حيث يعرضون عن دروس العلم وعن سماع العلم، وعن تفسير القرآن، والكلام عليه في هراء وضياع، وإذا سألتهم: ما كيفية الوضوء؟ ما فرائضه؟ ما هي كيفية الصلاة؟ إذا سألتك زوجتك عن حيضها ونفاسها ما حكمه؟ يعيش معك حيواناً أعجم، وكأن الإسلام لم ينزل عليه ولم يطالب به، وهو مسلم وتجده في بيت الله: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]، وأخبث من هذا أن تجده قريباً منك وهو مدير لك ظهره كأنه مستغن عنك وعن كتابك، وعن دينك، وعن نبيك، وعن ربك، يقول لسان حاله: أنا لا أحتاج لكل هذا، وهكذا أنت ترى الجهل والنفاق! وهكذا أنت ترى الكفر! وهذه إرادة الله لا راد لقضائه.
قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الفرقان:٢] أي: لم يخلقه ولده، ولم يخلقه شريك؛ إذ لا ولد ولا شريك، فهو المنفرد بالخلق والرزق، ومنفرد في التدبير والعطاء، وقدر كل ذلك بإرادته حسب أمره وإرادته، لا يكرهه أحد، وليس هناك من يكرهه.
стр. 752
تفسير قوله تعالى: (واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون)
قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ [الفرقان:٣].
هذه الأوثان التي عبدوها، والأوثان التي جعلوها شريكة لله وأبناءً لله من ملك أو جن أو إنس أو جماد هذه الآلهة هم اتخذوها ولم يتخذها الله ولداً، وليس لها في واقع الحال وجود ولا كيان، اتخذوها هم كذباً وزوراً على الله؛ ليعيشوا عبيداً من تلقاء أنفسهم للجمادات، ولمن لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، هذه الآلهة التي خلقوها في أذهانهم، وزوروها وكونوها ولا وجود لها، فهي كالخيالات التي ترى في الأفلام والتي تكتب في الرواية، وهي لم توجد يوماً، ولم تكن يوماً، وإنما الأوهام كونتها، وهي في حد ذاتها لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً.
قوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم:٨١] هذه الآلهة الزائفة الضائعة لم تخلق شيئاً في حياتها، ولم تستطع ذلك، ولا يليق بها، بل هي مخلوقة، فاتخذوا الملائكة آلهة والله هو الذي خلقها، واتخذوا الجن آلهة والله هو الذي خلقهم، واتخذوا الإنس آلهة والله هو الذي خلقهم، فهم لا يستطيعون أن يخلقوا شيئاً، وقد ضرب الله مثلاً لكل الخلق ملكاً وإنساً وجناً على أن يخلقوا ذباباً، بل على أن يستنقذوا من الذباب شيئاً، فقال الله عنهم: ﴿لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣] أي: ضعف الملك والجن، والإنس والذبابة، ولو كان هناك شيء أقل من ذبابة لضرب الله به المثل، وهكذا كان وسيبقى وإلى الأبد، فكل ما يذكر الله لنا الآن قد قيل لمن قبلنا، وكأنه يوحى به جديداً على النبي ﵊، فبالنسبة لنا هو إيحاء جديد؛ لأننا نسمعه بعد أن خلقنا، وبعد أن أوجدنا، وبعد أن تأهلنا لذلك، ومن هنا جاء الحديث النبوي: (هو الذي لا يخلق على كثرة الرد، ولا يبلى على كثرة التلاوة) فيبقى جديداً باستمرار، فنستنبط ويستنبط العلماء منه الأحكام والآداب والرقائق، فيه خبر من قبلكم، ونبأ من بعدكم، هو الفصل الذي يفصل بين الحق والباطل، والفرقان كما سماه الله تعالى، ما تركه من جبار إلا قصمه الله، وما تركه من حاكم أو ملك أو طاغية إلا وقصمه الله في الدنيا قبل الآخرة ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٧].
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان:٣] هذه الآلهة التي اتخذوها ولا وجود لها هي أعجز من أن تخلق شيئاً، بل هي مخلوقة موجودة، بل هي التي أوجدها الله عن غير رغبة منها أو إرادة، هكذا خلقت كما أن الله لم يستفتنا في ولادتنا ولا في أي عصر نكون، ولا من يكون آباؤنا، ولا من تكون أمهاتنا، فهذا عمل الله المنفرد به ﷻ ، فيخلق ما يشاء كيف شاء في الزمن الذي يشاء.
قوله: ﴿وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ [الفرقان:٣] أي: هذه الآلهة فوق أنها مخلوقة ولا تخلق شيئاً ولن تستطيع: لا تملك لنفسها أن تدفع عنها الضر، أو تجلب لنفسها المنفعة، إن ضرت فهي عاجزة أن تدفع هذا الضر، وإن نفعت فهي عاجزة عن أن تأتي بالنفع لها، ولكن الله هو النافع والضار، ولكن الله هو خالق كل شيء ﷻ وعز مقامه، أما هي في حد ذاتها فلا تملك نفسها، ولا قدرة لها على جلب منفعة أو دفع ضر كشأن العباد والخلق كلهم، وما نفعله هو بقدرة الله وإرادته، لولا أن الله خلق لنا الأيدي لما استطعنا أن نحمل، ولا أن نبطش، ولولا أن الله خلق لنا أعيناً لما استطعنا أن ننظر، ولولا أن الله خلق لنا عقولاً لما استطعنا أن نفكر، فهؤلاء الذين قالوا: الإنسان هو الله، أو هو شريك الله، ومن الذي خلق الإنسان؟ لو أن هذا الإنسان سلبه الله عقله وحواسه ماذا يستطيع أن يفعل؟ أين قدرته؟ أين استنباطه؟ أين عمله؟ ولكن الضلال والظلام إذا خيم على قلب إنسان أو عقله ضاعت معه كل الحقائق بالنسبة له.
قال تعالى: ﴿وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ [الفرقان:٣].
أي: لا يملكون حياة فيحيوا، أو يعطوا الحياة لأحد، ولا يملكون الموت فيميتوا أحداً، وكم حاول أناس أن يقتلوا فعجزوا، فإن مات فالله هو الذي أماته؛ لأن هذا لم يتجاوز أكثر من ضرب بالرصاص أو بالسيف، أما الروح فلا يعلم ما هي، وقد يضربه ولا يموت وكم حدث هذا! ﴿وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ [الفرقان:٣] فبعد أن نموت نحيا وسننتشر في الأرض، وهذه هي الحياة الثانية، وهذا هو النشور، وهذا البعث الله وحده قادر عليه، وهذه الآلهة المزيفة المخترعة لا تملك من ذلك قليلاً ولا كثيراً، فهؤلاء على كفرهم وظلمهم وضلالهم لم يكتفوا بذلك، بل أصبحوا دعاة للكفر بكل جهل وحماقة.
стр. 753
تفسير سورة الفرقان [٥ - ٨]
ذكر الله تعالى في هذه الآيات بعض شبه وتلبيسات وأضاليل المشركين تجاه كتابه ونبيه، ثم فند تلك الشبه وردها بما لا يدع لمجادل جدلاً، ولا لعاقل متمسكاً إلا أن يؤمن ويصدق.
стр. 754
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه)
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان:٤ - ٥].
هذا أول طعن في كتاب الله قاله الكفرة الأولون، ولا يزال يقوله الكفرة الجدد في كل عصر، (وقال الذين كفروا) أي: المشركون الكافرون الجاحدون، قال هؤلاء: (إن هذا إلا إفك)، (هذا) إشارة للقرآن، و (إن) بمعنى: ما النافية، أي: ما هذا القرآن (إلا إفك) أي: إلا كذب ليس من الله، ولم ينزله الله؛ لأنهم لا يؤمنون بالله، ومن هنا كان الله ابتدأ السورة: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١] هو الذي أنزله ولم يخترعه محمد، ولم يخترعه معه أحد صلى الله عليه وعلى آله، بل هو كلام الله الواحد.
قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ [الفرقان:٤] أي: ليس إلا كذباً افتراه وولده واخترعه وأعانه عليه قوم آخرون، ومن الذي أعانه؟ قالوا: كان في هذه البلدة حداد أعجمي لا يكاد يبين، وكان في الطائف عبد رومي لـ عتبة وعتيبة ابني شيبة، كذلك كان لا يكاد يستطيع الكلام بالعربية فضلاً عن أن يأتي بقرآن بمثل هذه البلاغة والإعجاز، وقالوا: هؤلاء أعانوه، ثم قالوا: اليهود الذين كانوا في المدينة أعانوه، واليهود حاربوا النبي وألبوا على النبي ﷺ ، ومع ذلك هم أعجز من أن يقولوا هذا، وكيف يعينونه ولا يؤمنون به ويحاربونه عليه؟ وقد رأينا شعر الشعراء منهم، وقول الكاتبين منهم، هيهات أن يقولوا مثل هذا من قريب أو بعيد! ولكنه الكفر عندما يستولي على النفوس والقلوب، وينطق اللسان بالظلم والكفر والإفك، وهذا الكلام هو الذي لا يزال يقال إلى الآن، فلا تجتمع بيهودي إلا ويقول هذا، ولا بنصراني إلا ويقول هذا، أو بمرتد يزعم أنه مسلم إلا ويقول هذا، من استولى على عقولهم الكفرة من اليهود والنصارى وجامعاتهم، فيشككون المسلمين في صدق القرآن وصدق نبوات نبينا ﷺ ، ويقولون عن أنفسهم: تقدميون، وهم رجعيون! هذا الكفر قد ذكر منذ ألف وأربعمائة سنة، فهم يرجعون إلى هذا الكفر، ويكررون هذا الكفر، فمن المجدد إذاً؟ المجدد هو المسلم، والنبي ﵊ هو الذي يقول: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، وقال: (إن الله يبعث لهذه الأمة على كل رأس مائة سنة من يجدد لها دينها) فسماه المجدد، وهكذا التجديد: هو الإسلام، والمجدد هو المسلم، والرجعي: هو الكافر، والداعي إلى الكفر هو الرجعي! ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان:٤] أي: إن هو إلا كلام ولده النبي واختلقه، (وأعانه عليه قوم آخرون) أي: من رومي ويهودي ونصراني، فالله أتى بهذا الكلام ليدحضه، ولينشر كل كلام الكافرين؛ ليكون الرد عليه، وقد قيل: يؤمن الناس عن يقين وعقيدة، وعن دليل وبرهان قاطع، ماذا عسى أن يقول الكافر في القرآن أكثر مما قاله الكفرة، وقد ذكره الله كله؟! ولكن من الذي يخاف من الرد والنقد؟! قديماً قيل: من كان بيته من زجاج لا يرمي بيوت الناس بالحجارة، فالإسلام كالجبال الرواسي، وكالفولاذ الذي لا يؤثر فيه إلا الله، وهو الذي أتى به وقواه وناصره وثبته وخلده إلى أبد الآبدين، فمنذ ألف وأربعمائة والكفار المعاصرون لنبينا ومن جاء بعدهم وإلى يوم القيامة يقولون عن القرآن ويقولون عن النبي المنزل عليه القرآن ما شاءوا من كذب وافتراء وأضاليل وأباطيل، وما زال القرآن هو القرآن.
كناطح جبلاً يوماً ليوهنه فلم يضره وأعيى قرنه الوعل فذهبوا إلى جهنم، وسيذهب من جاء بعدهم، وسيبقى القرآن هو القرآن منذ ألف وأربعمائة عام على كثرة الكافرين والجاحدين، فما نقرؤه نحن اليوم ويقرؤه غيرنا حتى من الكفرة عندما يريدون مجرد المطالعة هو القرآن الذي أنزل على نبينا ﵊ سورة وآية، وحركة ومدة، بنفس اللغة والمنطق، وبنفس التجويد والحركات فيما كان يقرؤه هنا تجاه الكعبة المشرفة، وفي مسجده النبوي في المدينة، وقل جميع من جاء بعده كذلك وإلى عصرنا، هؤلاء حاولوا أن يغيروا وأن يبدلوا على الأقل، وأن يصنعوا بالقرآن ما صنعوه في توراتهم وإنجيلهم، وهذه من المعجزة الخالدة التالدة؛ لأن الله قد تعهد بذلك، وهذه من المعجزات الأبدية التي يكفي أن تذكر، ويكون فيها الرد البليغ على كل كافر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] وهذا واضح حيث لا نزال نراه، فالنبي كذبوا عليه وافتروا عليه والأحاديث المكذوبة كثيرة ومعروفة، ولكن الله تعالى حفظاً للقرآن وصيانة للإسلام وللبلاغ النبوي هيأ من الأئمة من مثل مالك وأحمد والشافعي وسفيان بن عيينة وعلي بن المديني والمئات ممن نافحوا عن سنة رسول الله ﵊، فميزوا وغربلوا، وأسقطوا المكذوب، وأثبتوا الصحيح، حتى إنه ما من إنسان قال يوماً: حدثني فلان عن فلان قال رسول الله إلا وسألوه من أنت؟ من أبوك؟ من أسرتك؟ من شيوخك؟ ما هي دراستك؟ فيقبلونه إن ثبت صدقه، وثبتت أمانته، وذكر شيوخه في هذا الحديث، وهؤلاء الشيوخ أيضاً يجب أن يكونوا معلومين معروفين بالعلم والضبط والصدق والأمانة، وهكذا إلى رسول الله ﵊، فإن لم يكونوا كذلك خلدوا مع الكاذبين، وقالوا عنه: فلان كذاب! فلان ضعيف! فلان وضاع! وهكذا كتب السلف؛ فصحت السنة، وأمنت من الزيغ، وأما القرآن فـ ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢]؛ لأن الله هو الذي تعهد بحفظه ﷻ ، وهذه أكبر معجزة للإسلام، فقد غيرت التوراة مع أنها من عند الله، وغير الإنجيل مع أنه من عند الله؛ لأن الله لم يتعهد بحفظهما، ووكل حفظهما إلى علمائهم، فلم يستطيعوا الحفظ فضلوا وأضلوا، وحرفوا وبدلوا وغيروا، وكل ما يذكرونه في دينهم وعن أئمتهم الضالين في التوراة والإنجيل أكاذيب وأضاليل يجري بعضها خلف بعض، ولا يؤخذ من ذلك إلا ما هيمن عليه القرآن وأكده.
قوله: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان:٤] أي: جاء هؤلاء الكفرة بالظلم فظلموا أقوامهم، وستروا عنهم الحق، مع أن أولئك الذين قالوها كانوا في أنفسهم من أعرف الناس بصدق النبي، وأن ما قاله ليس إلا الحق، ولكنهم حسدوه وبغوا عليه، ولما عاش بينهم أربعين سنة ما كانوا يلقبونه إلا بالأمين والصديق، فهذا الذي لم يكذب على الناس مدة أربعين سنة أيكذب على الله بعد أن بلغ أربعين عاماً! كلا.
ثم هم يعلمون من أين له هذه المعارف والعلوم التي كانت مجهولة للعوالم كلها وإلى الآن؟! فالقرآن ليس معجزاً باللفظ فقط، فهو معجز باللفظ والمعنى، وفي كل ما أتى به من معارف سماوية وأرضية، وما كان وما يكون إلى قيام الساعة على كثرة الأعداء، وعلى كثرة الكفار لم يستطع أحد أن يثبت يوماً نقصاً في القرآن: لا في اللفظ، ولا في التعبير، ولا في المعنى، ومن أيام قريبة كتب فرنسي كتاباً يقارن فيه بين القرآن والتوراة والإنجيل، وقد أتى بالآيات التكنولوجية، أي: العلوم التطبيقية من علوم سماء وأرض، وطب وهندسة، وصيدلة وما إلى ذلك، جاء بالآيات التي تكلمت في هذا، وجعل يقارنها بما ذكر في التوراة والإنجيل، فقال: كل ما ذكر من ذلك في التوراة والإنجيل لم يكن صحيحاً من قبل، ولا يؤكده العلم اليوم، ثم جاء إلى ما يسمى بالعلم الحديث، فقال: كل ما وصل إليه العلم الحديث الآن -وهم يزعمون أنهم قد وصلوا من العلم إلى الدرجة القصوى- قد قاله القرآن منذ ألف وأربعمائة سنة، والكثير منهم لا يزالون مترددين ومتشككين فيه، ولكن القرآن قد أخبر وأكد وأثبت سواء آمنوا أم لم يؤمنوا، فالإيمان والهداية بيد الله، وليس على الرسول إلا البلاغ، والله قد قال: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [العنكبوت:١٨]، وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٧٢] فليس على رسول الله الهداية، فذاك أمره بيد الله، ومن باب أولى ليس على الدعاة إلى الله ولا على العلماء ورثة الأنبياء أن يهدوا الناس، ولكن عليهم أن يبلغوا رسالة نبيهم وكتاب ربهم، ويكونوا بذلك قد أزالوا العهدة عن أنفسهم، وأما الهداية فهي توفيق من الله، ونور يقذفه الله في قلب الإنسان، فإن اهتدى فهو المطلوب، ويعين على نفسه بالإكثار من الضراعة والدعاء إلى الله بأن يعلمه وينير بصيرته.
قوله: (فقد جاءوا ظلماً وزوراً) أي: ظلموا الناس، وظلموا أنفسهم بالافتراء والكذب على الحق، (وزوراً) أي: شهدوا شهادة الزور التي ما سمعتها أذن، ولا رأتها عين، ولا تأكدتها نفس، ولا علمتها معرفة، وإن هي إلا الأضاليل! وهكذا إلى عصرنا جاء من يزعم أنه فيلسوف كبير، وعالم كبير، وصرح بالكفر، فقال مثل ما قال الأميون قبل، ومثل ما قال الجهلة قبل، ومثل ما قال الكفار قبل.
ثم زادوا فقالوا شيئاً آخر:
стр. 755
تفسير قوله تعالى: (وقالوا أساطير الأولين اكتتبها)
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان:٥].
وقال هؤلاء الكفار أيضاً، وهم أنواع وأشكال، فهذا الذي قالوه قديماً هو الذي يقال حديثاً، وكأن هذه الآيات أنزلت الآن لتكون رداً على هؤلاء، قالوا: اكتتبها، أي: طلب كتابتها، وهو أمي لا يكتب، وأساطير الأولين جمع أسطورة، كأحاديث وأحدوثة، وهو من التسطير والكتابة، قال تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١]، فهي كتابة طلب تسطيرها وكتابتها ممن يكتب، ومن كان يكتب؟ من هم هؤلاء الذين كانوا يكتبون فكتبوا للنبي هذا ﵊؟! أكتبها هذا الرومي أو هذا النصراني أو هذا اليهودي؟ ثلاثة من البسطاء السذج وهم لا يعلمون الكتابة لا بالعربية ولا بغيرها، ولا يعلمون معرفة، ولا يكادون يبينون بالفهم والمنطق والسماع.
قوله: (وقالوا أساطير الأولين) فهذه أخبار الأولين، وأين الأخبار الجديدة؟ القرآن ليس فيه أخبار الأولين فقط، بل فيه أخبار الأولين وأخبار الآخرين، وفيه الحكم والمعارف والآداب والحقائق، وفيه الحلال والحرام والعلوم، وليس فيه فقط علم السماء، وعلم الأرض، وعلم خلق البشر، وإنما في القرآن كل شيء، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨].
قالوا: هذه أساطير وأقاصيص الأولين اكتتبها، وما سوى ذلك من الذي كتبه؟ ومن كان له هذا العلم بالغيب بكل هذه الدرجة؟ ومن كانت له هذه المعارف التي أعجزت الأولين والآخرين؟! ولكن هذا فعل المجانين عندما يعجزون تجدهم تارة يضربون باللسان شتماً، وتارة باليد ضرباً.
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان:٥] أي: يكتتبها، ثم (تملى عليه) أي: تقرأ وتتلى عليه، من الإملاء.
(بكرة وأصيلاً) صباحاً وعشياً، هكذا زعموا.
стр. 756
تفسير قوله تعالى: (قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض)
قال تعالى: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٦].
أي: قل يا محمد لهؤلاء وأمثالهم: (أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض)، وهذا القرآن كله أسرار، وقد ذكر الله فيه غيباً لم يكن يعرفه أحد، ولكن الذي أملاه وأوحى به، والذي أنزله هو من يعلم السر في السموات والأرض، وأما هؤلاء فمن أين لهم علم السر أو علم الجهر؟ من أين لهم العلوم والمعارف التي لم تحدث بعد، ولم تكن بعد، ولم تخطر على بال بشر بعد، وما صحت إلا بعد ذلك بألف عام، ولا يزال يصح بعضها مع مرور الزمن؟ فالقرآن فيه ذكر اختراع السيارة، والوصول إلى القمر، وكل ما يحدث إلى الآن، كل ذلك أخذ من كتاب الله، وأخذ بياناً من حديث رسول الله، ولذلك يقول النبي ﵊ (فيه خبر من قبلكم، ونبأ من بعدكم، هو الفصل ليس بالهزل) هو الذي يفصل بين الحق والباطل، وهو الذي يبين الحقائق من الأكاذيب، وهو الذي يبدد الظلمات ليحل محلها النور، وهو الذي يعلم الجاهل فيزيل جهله، وهو الذي ما إن تركه جبار إلا وقصمه الله وقضى عليه في الدنيا قبل الآخرة، وعذب عذاب الدنيا ونحن نرى هذا، فمن سبقنا من الأباطرة المسلمين ممن يشبهون الأكاسرة والقياصرة، وتركوا القرآن حاكماً ماذا جرى لهم؟ الكثير عذب في حياته، فسملت عيناه بالنار إلى أن سالتا، وأصبح يتسول على أبواب المساجد ويقول: خليفتكم لا طعام له ولا خبز، وقد كان أيام حكمه طاغية من الطغاة، جبار من الجبابرة، فرعون من الفراعنة، قد كان هذا كثيراً في أيام بني أمية وأيام بني العباس وأيام آل عثمان، وأين ذهبوا؟ وما الذي جرى لهم؟ من الذي يذكر بخير؟ من الذي خلد مع الخالدين؟ الخلفاء الراشدون الذين لا يذكر أحدهم إلا ويقال مع ذكره: ﵁، ولم يذكر إلا الصالحون فنقول: عمر بن عبد العزيز: ﵀ ورضي الله عنه، ونقول هكذا عن الحكام العادلين، وأما أولئك فلا يذكرون إلا ويذكر الظلم معهم، واللعنة تتبعهم، وقد قصمهم الله في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأنكى.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الفرقان:٦] وماذا تعلمون أنتم؟ والذي يعلم السر هو يعلم الجهر، أنزله الله ﷻ خالق السموات والأرضين لا كما يزعم هؤلاء الكاذبون المشركون.
قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٦] قال الحسن البصري: أرأيتم أكرم من الله؟ أرأيتم أكثر جوداً من الله؟ أرأيتم أكثر رحمة من الله حتى مع الكافرين؟ قال الله عن هؤلاء الكافرين وقد طعنوا في كتابه وكذبوه سبحانه، وطعنوا في نبيه وكذبوه، ومع ذلك قال عنهم إن رجعوا عن ذلك فتابوا وأنابوا فإنه يغفر لمن تاب، ويرحم من تاب، ويغفر ذنوب من تاب، وكما قال النبي ﵊ شرحاً لذلك: (الإسلام يجب ما قبله) أي: يقطع ما قبله.
وهكذا تجد الله في الوقت الذي ينذر ويتوعد ويهدد يعود فيذكر الرحمة؛ لأن الله قال عن نبينا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، وقال نبينا ﵊: (إنما أنا رحمة مهداة)، ففي وقت العنف والشدة والبطش يعود فيذكر رحمته ومغفرته؛ لعله يعود إلى الله ويتوب، وقد قاله البعض ورجع وتاب وأناب، وأصبح من كبار الفاتحين وكبار الصحابة، فلا يذكرون إلا ومعهم الرضا.
والنبي ﵊ أخرج من مدينة وحيه ومسقط رأسه الشريف بعد أن تحمل الشدائد من كفار مكة، وخرج وهو لا يريد الخروج، خرج فراراً بدينه، وفراراً برسالته إلى أن يتمها ولم تتم بعد، ومع ذلك عندما نصره الله وأظفره الله بمكة وأعداؤه من الكافرين فيها ماذا صنع بهم؟ إنه لم يأمر إلا بأربعة عشر فرداً منهم، حيث قال: اقتلوهم ولو وجدتموهم معلقين بأستار الكعبة، ومع ذلك بعض هؤلاء جاء مختفياً مستغفراً، فتاب عليه واستغفر له، وبعضهم فر منه، فتاب عليه واستغفر له، والبعض قتل، أما الآلاف فقد تجمعوا بين يديه وأخذ يسألهم: ماذا ترون يا معاشر قريش أني فاعل بكم؟! فنسوا طغيانهم وظلمهم وتآمرهم في كل وقت بقتله وبسجنه وتعذيبه فيما كانوا يريدون، فأخذوا يتملقون ويتمسحون فقالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم، وإذا بالنبي الكريم الذي كان حريصاً على هداية قومه لم يزد على أن قال لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) فسامحهم ﵊، وضرب لهم في الإسلام أجلاً أربعة أشهر، والعرب ما كان يقبل رسول الله منهم إلا الإسلام أو السيف، ولذلك فكل من يزعم أنه عربي وليس بمسلم كذاب، وانظروا الآن هؤلاء النصارى الذين يقتلون المسلمين، واليهود الذين كانوا في بلادنا وخرجوا وهم الآن يقتلون المسلمين؛ أول ما يفعلون أنهم يتبرءون من العربية، ويقولون: لم نكن عرباً يوماً! هكذا يجري الآن في لبنان وفي فلسطين، وهكذا أقباط مصر، وهو الواقع، وقد نص المؤرخون على أن النبي ﵊ ثم الخلفاء الراشدين بعد أن فتحوا العراق والشام لم يبق عربي إلا وأسلم، فكل من يزعم العربية من غير المسلمين فهو كاذب مفتر ليس بعربي.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٦].
فإن كان غفوراً للظلمة للكافرين فهو أولى بأن يغفر للمؤمنين في بعض عصيانهم ومخالفاتهم، وهم منطوون على التوحيد والإيمان بالله، وبرسول الله، وبكتاب الله الحق، فالله غفور رحيم، ولكن لا يغتر الإنسان، يقول النبي ﵊: (لو يعلم الكافر ما عند الله من مغفرة لطمع فيها، ولو يعلم المؤمن ما عند الله من عذاب ليئس من رحمة الله)، ومعنى ذلك: يجب على المؤمن ألا يغتر، فعليه أن يستمر على العبادة والطاعة ولا يقول: الله غفور رحيم، ومن قال لك: إنه سيغفر لك أنت بالذات؟ ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن النار تجمع مؤمنين عصاة ثم يخرجون، وتجمع كافرين أبداً ولا مغفرة ولا رحمة، فمن يدرينا أن أحد هؤلاء الذين يكونون في النار واحد منا؟ إذاً: ماذا نصنع؟ نكثر من الطاعة والتوبة والاستغفار، ونقول ما قاله النبي ﵊: (خيركم من مات على رقعه) أي: ثوبه، أي: أنه أذنب ثم رقعه -أي: تاب-، ثم انقطع ثوبه وتمزق -أي: أذنب- ثم خاطه -أي: تاب-، وهكذا خير الناس من مات على التوبة والمغفرة، والله يحب التوابين ويحب المتطهرين.
стр. 757
تفسير قوله تعالى: (وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام)
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان:٧].
انتقلوا من القرآن إلى النبي نفسه ﵊، فقالوا على القرآن ما سمعتم هذه المرة، وأرادوا أن ينتقصوا النبي ﷺ بشيء، وهذا جنون آخر، فقالوا: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:٧].
قالوا: هذا النبي يقول: إنه نبي، وهو يأكل كما نأكل، وبطبيعة الحال من يأكل يذهب إلى الخلاء، فأرادوا أن يتنقصوه بذلك، وتصوروا أن النبي لابد أن يكون ملكاً، أو يكون نوعاً من البشر لا يأكل ولا يشرب ولا يتزوج ولا يلد! وهذه صفات الله وليست صفات البشر، وصفات الملائكة، فالله الذي لا يأكل ولا يشرب، والملائكة خلقهم من نور وأغناهم بالذكر عن الطعام والشراب، وقد قال النبي عن الملائكة بأن طعامهم وشرابهم هو الذكر؛ ولذلك قال ﵊: (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما من موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع) وهم يخرج الذكر منهم كما يخرج النفس منا، كما أن الإنسان منا إذا انقطع نفسه مات الملك كذلك لا يستطيع أن يقطع الذكر، فالذكر له كالنفس فإذا وقف مات، وهو لا يموت إلى آخر الدهر إلى يوم القيامة ثم الكل ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
فهؤلاء عابوا على النبي ﷺ بأنه يأكل ويمشي في الأسواق، فهم قد رأوا القياصرة والأباطرة من الملوك لا يرونهم في الشوارع، ولا يأتي أحدهم ليشتري خبزاً أو يشتري الزيت، ولا يفعل ما يفعله بقية الناس، هم كانوا يريدون من النبي هذا الفعل، فإذا كان بشراً لابد أن يكون مثل كسرى وهرقل، يترفع عن أن ينزل في الأسواق، والنبي لابد له من النزول إلى الأسواق، ولابد له من أن يتكسب، ولابد له من أن يبيع ويشتري، وكان النبي ﵊ في بيته يذبح شاته ويسلخها، ويعين أهله في شئون البيت، وباع واشترى ﵊ بما يعيش به، فهو إنسان، وعلى إنسانيته هو رسول ونبي، فقد فعل الله هذا بالأنبياء المرسلين قبله.
стр. 758
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام)
قال الله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان:٢٠].
قوله: ﴿لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان:٢٠] فهم آمنوا بأنبياء سبقوا، فالنصارى وآمنوا بعيسى وبأنبياء بني إسرائيل، واليهود آمنوا بموسى وهارون وهم يعلمون كلهم أن موسى تزوج وولد، وأن هارون تزوج وولد وأكل وشرب، وذهب إلى الأسواق، ورضي وغضب، ومرض وارتاح، وأخيراً مات وفني.
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الفرقان:٧] لماذا لا يكون معه ملك فيكون معه نذيراً؟ فلو جاء معه ملك ومشى معه في السوق وجعل يقول: يا جماعة! أنا ملك، ولو قال: أنا ملك لكذبوه وقالوا: أنت لست ملكاً؛ لأنهم سيتصورون أن الملك لا يرى، ولو نزل عليهم بأجنحته التي تغطي الأفق لفزعوا، ولربما جنوا، ولو نزل عليهم في سورة بشر كما حدث لجبريل حيث نزل في صورة أعرابي، ونزل كثيراً في صورة دحية الكلبي لو رأوه لقالوا: هذا دحية الكلبي أين جبريل؟ هذا بدوي أعرابي أين جبريل؟ أين الملك؟ ولذلك فهؤلاء لا يسألون عن الحقائق، وإنما هم متعنتون، هم افترضوا من الأصل أن النبي ﷺ ليس صادقاً، وأن القرآن ليس كلام الله، فهم كلما وصلوا إلى هذه الأكاذيب والأضاليل وعندما يطلبونها لا يقصدون الطلب، وإنما يقصدون التعنت بحيث لو أجيبوا لما طلبوا لما آمنوا، ولعلهم يزدادون كفراً، وإصراراً على الكفر.
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الفرقان:٧] لو أنزل الله ملكاً يعاونه، ولم يحتج إلى ذلك النبي ﵊، فمن هؤلاء الكفار من آمن وكانوا معه أعواناً ووزراء ومعزرين ومؤازرين، وقد توفي ﵊ كما يتوفى كل الخلق والبشر، وقام بالرسالة بعده وبدولته وبأحكامه بعده خلفاؤه الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، والصحب الكرام من الرعيل الأول، ولم يحتج الإسلام إلى ملك، ويكفي أن ينزل الملك بكتاب الله وحياً على نبيه ﵊، وفي هذا كفاية.
قوله: ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:٧] أي: فيعينه على النذارة والدعوة إلى الدين والإسلام، (لولا أنزل) أي: هلا نزل، فهم يطلبون ذلك ويحضون عليه.
﴿لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:٧] ينذر ويبشر معه، ويهدد معه، إذاً لأصبح رسول البشر ملكاً، ولو كان ملكاً لجعله الله رجلاً لنفهم عنه ويفهم عنا، ولو جاءنا إنسان من الأفق له من الأجنحة مثنى وثلاث ورباع كما وصف الله الملائكة بأجنحتهم فكيف سنستفيد منه؟ ولو نزل أمامنا لغطانا، ولكدنا نسحق تحت أجنحته وبدنه، ولو جاءنا بشراً لقلنا: هذا بشر، فما الفرق بينه وبين بشر محمد وموسى وعيسى عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه؟! ثم قالوا كلام آخر: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ﴾ [الفرقان:٨] أي: يرمي له الله من السماء بكنوز.
قال تعالى: ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان:٨].
أي: هؤلاء بقوا على ضلالهم وأكاذيبهم بجملة ما قالوا، حيث قالوا: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ [الفرقان:٧ - ٨] قالوا: لماذا لا ينزل عليه كنز من السماء يستغني به عن المشي في الأسواق وعن البيع والشراء؟! ولو حدث هذا لقلتم: تأتيه الأموال من كسرى وهرقل، وهكذا يفعل هؤلاء المتعنتون الكفرة!
стр. 759
تفسير سورة الفرقان [٩ - ١٦]
لقد ضرب المشركون الأمثال لرسول الله، وهي أمثال باطلة ضالة لا تستند إلى حقيقة ولا يراد بها اتباع الحق، فقالوا: إن النبي من صنعته أنه لا يأكل الطعام، ولا يمشي في الأسواق، وأنه يكون معه كنز يستغني به عن الناس وعن السعي في طلب الرزق.
ثم اتهموه ﵊ بأنه رجل مسحور، وهذه سخافة منهم، فهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وليسوا بمسحرين، فهذه الصفات التي ذكروها لا تنافي النبوة والرسالة.
стр. 760
تفسير قوله تعالى: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال)
قال الله تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٩].
والأمثال التي ضربوها هي قولهم: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان:٧ - ٨].
أي: ضربوا له الأمثال والأشباه والنظائر، فقالوا: ليس هذا الرسول إلا رجلاً مثلنا ليس بمَلِك ولا مَلَك، وليس بكبير بيننا ولا ميزة له، فهو يأكل كما نأكل، ويشرب كما نشرب، ويدخل الأسواق كما ندخل، فيتكسب ويبيع ويشتري ويتبذل، ويظهر في الأسواق والشوارع والأزقة كما يظهر أحدنا، وقد تصور المشركون في النبي أن يكون ملكاً لا تبصره عين، ويستغني عن الطعام، وبالتالي لا يدخل الأسواق كما يدخل من يأكل ويشرب، ويتصورون منه أن ينزل معه ملك من السماء فيصدقه ويقول للناس: صدقوه، فإنه رسول من ربكم.
ويقولون عنه: لو كان كذلك لاستغنى عن الأسواق والكسب والبيع والشراء والتجارة، ولأنزل إليه كنز من السماء يستغني به عن البيع والشراء والتكسب.
وقالوا: لو كان رسولاً لأنزل الله إليه جنة، أو صنعها له في الأرض فيأكل منها ويستغني بها عن البيع والشراء، أو أنزل معه ملكاً يصدقه فيكون معه نذيراً، مهدداً وموعداً ومبشراً للناس أن يتبعوه، فإن لم يفعلوا عذبوا وعوقبوا بغضب الله ولعنته، وعلى ذلك أخذوا جواباً لأنفسهم، قال تعالى عنهم: ((وقال الظالمون)) أي: وقال الكافرون، والظلم هنا: الكفر.
قالوا: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان:٨] أي: رجلاً صرف عن العقل والفهم وغر في نفسه، وزعم ما ليس له، وهكذا أوحت إليهم شياطينهم من الهراء والغث من القول ومما لا دليل عليه، فالمشركون لهم عقول سخيفة لم ينرها نور الإسلام، ولم يهدها علمه، ولم يشرق عليها التوحيد يوماً.
ومتى قال لهم النبي: أنا ملك، أو قال لهم: أنا مستغن عن الطعام والشراب؟ لم يقل هذا قط، فهم يعلمون أنه نشأ بينهم كما ينشأ الناس من أم وأب، وعاش بينهم أربعين سنة يفعل ما يفعله عموم الناس، ولم يقل يوماً: أنا نبي ولا رسول، ولا ادعى دعوى.
وما كان يعرف بينهم إلا بالصديق والأمين، وقد وصل إلى الأربعين وهو لم يكذب مدة حياته، وحاشاه من ذلك على الناس، أبعد الأربعين سيكذب على الله؟! حاشا الله ومعاذ الله.
هذا وقد أتاهم بالمعجزات فعجزوا أن يصنعوا مثلها، وأعظمها ما رأوه وعرفوه أنه منذ كان صغيراً وشاباً إلى أن بلغ الأربعين وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب ولا يخطب ولا يقول شعراً.
وكما قال العارف: كفاك بالعلم في الأمي معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم فكفى معجزة بعد نزول القرآن بأن هذا الأمي لم يقرأ ولم يكتب، ولم يجلس يوماً لشيخ، ولم يسمع من شيخ، ولم يكن في عصره من يمكن أن يجلس إليه، فكلهم كانوا أمة أمية، وقد قال ﵊ عن العرب: (نحن أمة أمية لا نقرأ ولا نكتب).
فهذا الأمي بعد الأربعين عاماً أتى بعلوم الأولين والآخرين، وأتى بما أعجز الآخرين واللاحقين، وما لم يكد يعرفه المعاصرون، ولم يأت بنظيره من سبقه حتى من الأنبياء والمرسلين، فضلاً عن الفلاسفة والعلماء والمثقفين ومن إليهم.
قد رأوا كل هذا رأي العين، وسمعوه سماع الأذن، وعاشروه عشرة القرابة والعمومة والسكن، ومع ذلك أبى كفرهم وأبى ضلالهم إلا أن يضربوا له النظائر والأشباه والأمثال.
فقوله: ﴿انظُرْ﴾ [الفرقان:٩] أي: انظر يا محمد! قوله: ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا﴾ [الفرقان:٩] أي: كيف زاغوا وضلوا عن الحق والهدى، وكيف زادت البصائر منهم عمىً وضلالاً وظلماً، وكيف أخذوا يشبهونك بغيرهم وبأنفسهم، لم؟ لأنك تأكل وتشرب وتتكسب وتستغني عنهم وعما عندهم، فتعيش كما يعيش الإنسان الشريف الفاضل بعرق جبينه، وتعيش بالأخذ والعطاء وكسب الحلال حتى في السنوات التي كانت قبل النبوءة.
فهم يعيرونك بشيء عاره ظاهر عليهم، كيف وقد قالوا: إن الله ما أرسل من المرسلين أحداً إلا وهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق.
قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان:٢٠] أي: لم تكن يا محمد! بدعاً من الرسل، ولم يُقَل لك إلا ما قد قيل لهم، ولكن هؤلاء شياطينهم توحي إليهم ما لا يقبله عقل سليم ولا نفس منيرة، ولا رجل اهتدى يوماً بكلمة حق وكلمة نور وكلمة هداية وتوحيد.
فقوله: ﴿الأَمْثَالَ﴾ [الفرقان:٩] أي: النظائر والأشباه، فشبهوك بعموم الناس بأنك تأكل وتشرب مثلهم.
ثم أخذوا يزعمون أنك بعملك هذا مسحور وساحر، وأنك مفتر وكاذب، وأنك وأنك، وحاشا الله ومعاذ الله.
стр. 761
ذكر رفض النبي عرض قريش عليه، وتحقيق الله له النصر والتمكين
لقد عجز المشركون أن يوقفوا دعوته وأن يسكتوا لسانه، وأن يرعبوه ويخيفوه عن تتمة عمله وما أرسله الله به من بلاغ، فقد اجتمعوا إلى عمه أبي طالب وهو على دينهم وقالوا: يا أبا طالب! إن ابن أخيك قد أكثر علينا، وشتم آلهتنا، وسفه عقولنا، وذم الآباء والأجداد، ونسبنا إلى كل باطل، ونحن نريد أن تدعوه لنعرض عليه كل ما يمكن أن يريده ويسعى إليه، فحضر ﷺ ووجد أبا جهل وشيبة وعتبة وعقبة بن أبي معيط، وصناديد من طغاة مكة وجبابرتها وكفارها وأعداء الله ورسوله.
وإذا بهم يقولون له بمحضر أبي طالب: يا محمد! لقد جاوزت الحد معنا، سفهت أحلامنا، وشتمت آباءنا، وجعلت الآلهة إلهاً واحداً، ولم يصبر أحد على ما صبرنا نحن عليه، ونحن نعرض عليك ما تسمع، إن كنت تريد بهذا أن تكون ملكاً علينا ملكناك، وإن كنت تريد المال جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أغنانا، وإن كنت تريد النساء زوجناك ببناتنا وبنسائنا، إن شئت طلقناهن لك فتزوج منهن من شئت.
وإن كنت مريضاً جئناك بالأطباء من مختلف أصقاع الأرض ليعالجوك، وكان أبو طالب لا يزال ينظر نظرتهم ويدين دينهم، فقال له -وهذا ما أثار النبي ﵊: يا ابن أخي! لقد أنصفوك، لقد أعطوك ما لم يعطوه لأحد.
وإذا بالنبي ﵊ يقول: (والله يا عم! لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه).
وإذا بهم يقومون وهم يحيصون حمر الوجوه ويقولون: ماذا يريد محمد؟ قد أعطيناه كل ما يمكن أن نعطيه، ملكناه وأغنيناه وأعطيناه نساءنا فماذا يريد؟! وهذا الذي لم يهتدوا إليه، فالنبي ﷺ لا يريد ملكاً فهو أعظم من الملوك، وللملوك الشرف في أن يكون أتباعه.
فإن المال قد استغنى عنه ولا حاجة له به، فقد عرض عليه أن تكون جبال مكة ذهباً وفضة، فأبى إلا أن يعيش نبياً عبداً.
وأما النساء فقد تزوج بعد ذلك تسع نساء، ولم يكن إذ ذاك متزوجاً إلا خديجة، فقد قنع بها ولم يتزوج عليها قط حتى ماتت، وقد تجاوزت الستين من عمرها، وكانت قبله أرملة من زوجين آخرين، ولدت من كل واحد منهما.
وتزوجها ﷺ وهي تزيد عليه في السن خمسة عشر عاماً، إذ كان عمره إذ ذاك خمسة وعشرين عاماً، ولو كان يريد النساء فمن ذلك الوقت لأخذ منهن من شاء ولكنه لم يفعل.
فأخذ خديجة لعقلها وفهمها، وأخذ خديجة لأن الله قضى أنها ستكون أول مؤمن به في الأرض، وأنها ستكون المؤازرة المؤيدة والمساعدة والمصدقة، وهكذا لم يتزوج عليها قط إلا بعد أن ماتت.
تزوج وقد كان عمره بعد موتها قد تجاوز الخمسين حيث يرغب الناس عن النساء، ولم يكن متفرغاً لذلك، لم يكن متفرغاً إلا لرسالة ربه وللدين الذي أرسل به، ولكنه تزوج كما يقال بلغة السياسة اليوم: زواجاً سياسياً.
فقد كان الزواج عند العرب يقرب الأرحام ويقوي الصلة بين العشائر والقبائل، والزواج بالنسبة للقبيلة يكون لحمة وحلفاً، ويكون سنداً وقوة.
وهكذا عندما تزوج بنت أبي سفيان عدوه الألد الذي قاد الجيوش في مكة في داخلها وخرج بها إلى المدينة حيث هاجر ﷺ ، وفعل معه الأفاعيل، وقاسى منه النبي ﵊ الشدائد والبلايا والفتن، ومع ذلك فإن أم حبيبة ابنته كانت صالحة وكانت من الرعيل الأول الذي أسلم، فأسلمت قبل أبيها وإخوتها، وهاجرت الهجرة الأولى للحبشة، وارتد زوجها عبيد الله بن جحش في الحبشة، وبقيت ثابتة راسخة مؤمنة بالله وبرسوله على العداوة التي بينه وبين أبيها.
وعندما علم بذلك ﷺ وكان النجاشي أصحمة ملك الحبشة قد أسلم وآمن، فخطبها منه فزوجه إياها، وأصدقها أربعمائة درهم.
وعندما بلغ الخبر أباها أبا سفيان ارتاحت نفسه وقرت عينه، وكاد يترك من العداوة والحرب، بل وقال للملأ من الناس عندما قيل له: محمد تزوج ابنتك، قال: ذلك الفحل الذي لا يجدع أنفه.
ومن تلك الساعة ضعفت المقاومة في نفس أبي سفيان، وأصبح يحارب كما يقال: بغير موضوع، فكان هذا الزواج وأمثاله مما جعل للنبي ﷺ حلفاء وأنصاراً، وجميعاً تزوجهن أرامل ليس فيهن بكر عذراء إلا السيدة عائشة ﵂.
وهكذا النبي ﵊ عندما أخذوا يضربون له الأمثال ويقولون: ساحر، ويقولون: يريد الملك، فقد كذبهم بذلك وسحقهم سحقاً، وتركهم يعتقدون في أنفسهم على الأقل أنهم يجهلون ماذا يريد.
سمعوه يقول النبوءة فلم يتصوروها، وقد أسر أبو سفيان والنبي زاحف على مكة فاتحاً ومقاتلاً ومجاهداً ومكافحاً، وجيء به إلى النبي ﵊ فسلمه لشريكه في الجاهلية عمه العباس، وإذا به يوقفه والجيوش المؤمنة تدخل مكة وهي لا تزال في الضاحية تزحف زحفاً، فيسأل أبو سفيان العباس ويقول: من هؤلاء؟ فيقول العباس: قبيلة فلان، وقبيلة فلان، وقبيلة كذا، فيقول: ما لنا ولها، ما قاتلناها لتقاتلنا، إلى أن جاء القلب، إلى أن جاء رسول الله ﷺ وأمامه الجيوش وخلفه الجيوش وعن يمينه ويساره من الرجال والخيل والسيوف والرماح المشرعة ما لا يحصى، وهم في لامة الحرب الكاملة لا تكاد تظهر منهم إلا أعينهم.
فقال أبو سفيان للعباس: ومن هؤلاء؟ قال: هذا رسول الله، وإذا بـ أبي سفيان يقول للعباس: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً، حتى في هذه الساعة لم ير في هذا المظهر كله إلا أنه طلب الملك فوصل إليه، وهو لو كان يريده فإنهم قد عرضوه عليه من قبل.
ولقد وفروا عليه لو شاء زمناً ووقتاً ودماءً وحروباً، وإذا بـ العباس يصيح فيه موبخاً: إنها النبوة يا أبا سفيان، فيقول أبو سفيان: والله يا أبا الفضل! لا يزال في نفسي من هذا شيء، ومع ذلك استسلم وخضع، لم؟ لأن النبي ﷺ من قبل تزوج ابنته.
قال تعالى: ﴿فَضَلُّوا﴾ [الفرقان:٩] أي: لم يهتدوا بل تاهوا عن الحق، وجهلوا الذي حدث، ولم يعلموا النبي ﷺ وهو بينهم إلا أنه يتيم أبي طالب، وحفيد عبد المطلب وابن عبد الله.
أما أنه سيد الخلائق وخاتم الأنبياء، وأنه المرسل إلى الناس كافة لا نبي بعده ولا نبوءة ولا رسول ولا رسالة، فهذا ما عمي القلب عنه، وما عميت البصائر عن معرفته والنظر إليه.
فقوله تعالى: ﴿فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٩] أي: عجزوا عن الطريق القويم الذي يوصلهم لمعرفة من أنت يا محمد! فبغضهم لك وعداوتهم وحسدهم وفتنتهم مع أنفسهم وكفرهم بالله وباليوم الآخر جعلهم يجهلون من أنت، وماذا تريد، فضلوا في أنفسهم ولم يستطيعوا الطريق السوي الذي يوصلهم لمعرفة من أنت.
стр. 762
تفسير قوله تعالى: (تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك)
قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان:١٠].
يقول الله لنبيه: إن هذا القول لا يقوله إلا سخيف العقل مظلم القلب، فأنت أعظم من كل ذلك، فلك البلاد ومن عليها بل ولك الدنيا، ولك الآخرة كذلك، وستقف يوم القيامة موقفاً لن يقفه ملك ولا نبي، يوم تشفع في الخلائق كلها، وتكون كما أخبرت عن نفسك: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر).
وإن عرضوا عليك ما عرضوه، وقالوا عنك ما قالوه، فأنت سيد الأرض، والعوالم كلها جعلت لك رعية وأمة، فمن آمن بك اهتدى، ومن كفر بك ضل، وعليه الخزي والدمار إلى يوم القيامة.
فقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي﴾ [الفرقان:١٠] أي: تقدس الذي، كأول السورة: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١] أي: تقدس الذي إن شاء، والأمر بمشيئة الله فما شاء فعل.
قوله: ﴿جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان:١٠] أي: خيراً منه، فالبستان الذي عرضوه عليك فيه قليل من النخيل والماعز والضأن والبقر، فسيجعل لك خيراً من ذلك الكثير الكثير في الدنيا إن شئت.
قوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [الفرقان:١٠] أي: في الدنيا.
قوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان:١٠] وليس قصراً واحداً، بل قصور لا يملكها ملك في الأرض، وفعلاً قد جاء ملك إلى النبي ﵊ وعنده جبريل ولم ينزل إلا تلك الساعة، فقال له: يا محمد! جئتك من ربك يعرض عليك مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعدك، يعرض عليك جبال مكة وبطحاءها أن تكون لك ذهباً وفضة، ومكة أنهراً جارية.
وإذا به يقول: (يا رب! أجوع يوماً وأشبع يوماً، أجوع يوماً فأذكر ربي وأتضرع إليه، وأشبع يوماً فأحمد ربي وأشكره).
هذه عبادة النبي ﷺ يعيش بين صبر وشكر، وكل من الصابر والشاكر له الدرجات العلا عند الله في الدنيا والآخرة.
ومن هنا كان سيد البشر ﷺ الأسوة الحسنة لكل الخلق، ولذلك فإن المتتبع لسيرة النبي ﷺ قولاً وفعلاً وتقريراً فهو الناجي بين البشر، وبين الفرق التي تمزقت من المسلمين وستتمزق، فإن الفرقة الناجية هي ما كان عليه ﷺ هو وأصحابه الأول من المهاجرين والأنصار.
إن الحياة رحلة قصيرة، كما شبه ﷺ الحياة كلها كراكب استظل بظل شجرة عند شدة القيظ والحرارة، وإذا بالشمس تزول عن كبد السماء فيأخذ الظل طريقه ويذهب، فهذه هي الدنيا كلها في الأولين والآخرين.
стр. 763
تفسير قوله تعالى: (بل كذبوا بالساعة)
وكذبهم الله بقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان:١١].
أي: هؤلاء كفرة مشركون، وما أملوه عليك من نظائر وأشباه وأمثال إن هو إلا الكفر والجحود والحقد على الله ورسوله والمؤمنين.
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ [الفرقان:١١] أي: كذبوا بيوم الحشر والنشر، وكذبوا بيوم الحساب والعقاب، والجنة والنار.
قال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان:١١] أي: هؤلاء الكفرة الذين كذبوا بيوم البعث والنشور أعد الله لهم وهيأ لهم ناراً مسعرة ملتهبة تحرق من بعد مائة عام أو أكثر.
وزاد الله فوصف هذه النار المتسعرة الملتهبة بقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُم﴾ [الفرقان:١٢] أي: جهنم، ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان:١٢] أي: من بعد مائة عام وأكثر كما قال المفسرون.
فعندما يقربون إليها تراهم زبانيتها، وهم الملائكة المكلفون بعذاب أهل النار ممن شاء الله عذابه ونقمته.
وقد ورد في مسند أحمد عن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﵊ قال: (من انتسب لغير والديه، أو انتسب لغير مواليه، أو كذب على الله، أو افترى على نبي الله ﷺ فليتبوأ مقعداً في النار ذات العينين، قالوا: يا رسول الله! وللنار عينان؟ قال: نعم).
فالذي خلق العينين للإنسان وجعل البشرة والحواس كلها تتكلم وتشهد على المذنب بفعل الشر، وتشهد للصالح بفعل الخير، هو قادر على أن يخلق عينين للنار كذلك.
فعندما تراهم النار من بعيد يسمعون لها قبل الوصول إليها بمائة عام تغيظاً وزفيراً، وما تغيظها إلا صوت ما فيها من نار ووقود، فإن النار عندما نشعل بها حطباً في بدايتها نسمع لها زفيراً، ومعناه: أن النار تلتهب التهاباً وتشتعل اشتعالاً، حتى يأكل بعضها بعضاً إن لم تجد الوقود، قال تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤].
قوله: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان:١٢] أي سمعوا لهبها وصوت نارها وحريقها، وسمعوا شوقها لهم لتعذبهم جزاءً وفاقاً لكفرهم بالله، وطعنهم في أنبياء الله.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان:١٣] أي: وإذا ألقوا في ركن منها ضيق، ووصفوا المكان الذي يدخله المعذب ككوة، فيدخل وعظامه تكاد تتكسر من الضيق الذي يدخل فيه، فمن شدة المحنة يدخل المكان الضيق حتى يسمع لعظامه صوت.
قوله: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ [الفرقان:١٣] أي: مصفدين مكتفين، فالأيدي إلى الأعناق والأرجل مع الأيدي، مقرنين بالشياطين، فيد من الشيطان ويد من الإنسان الذي اتخذ الشيطان إلهاً واتبع هواه.
قوله: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان:١٣] أي: صاحوا: يا ويلهم! ويا هلاكهم! والثبور: الهلاك وجميع أنواع الفساد والبلاء من كفر وغيظ وويل ومحنة وهلاك، كمن يصيح في حياته يقول: يا ويلاه! يا مصيبتاه! يا غوثاه! لمن يغيثه.
فأخذوا يدعون ثبوراً، أي: يا هلاكهم! يا فسادهم! يا خسرانهم! هكذا يدعون على أنفسهم، فتقول لهم ملائكة النار: ﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان:١٤] أي: لا نجاة ولا خروج من النار، فيستمرون في الدعاء يا ويلهم! يا هلاكهم! يا خسارهم! يا مصيبتهم! إلى أن يسمعوا صوتاً: اخسئوا، فيسكتون إذ ذاك، ولا سبيل إلى الكلام والنطق، ولا أمل هناك في خروجهم.
стр. 764
تفسير قوله تعالى: (قل أذلك خير أم جنة الخلد)
قال تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾ [الفرقان:١٥].
يقص الله علينا ما سيحدث يوم القيامة؛ لعل المجرم منا يقول يوماً: تبت إلى الله، ويقول: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، ويقص الله ذلك للمؤمن ليزداد بذلك فرحاً كونه على الخط المستقيم.
يقول الله: قل يا محمد! ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الفرقان:١٥] فأيهما أحسن بالنسبة للصالحين والطالحين: هل هذا الذي ذكره الله من السعير والخلود في النار والسلاسل والأغلال والضيق في جهنم والدعاء بالويل والثبور، أو جنة الخلود والإقامة والسعادة، وأن لهم فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؟ وكلمة (خير) هنا ليست على بابها، فخير في لغة العرب تقتضي المشاركة والزيادة، ولا يقال: هذا خير من هذا في معنى الزيادة، إلا إذا كان اثنان أو عملان فيهما خير ولكن أحدهما أكثر خيراً، فالمعنى هنا: أذلك خير في وجهة نظرهم؟ فهؤلاء عن طواعية منهم ورضاً قبلوا أن يكونوا في صف المشركين، وقبلوا أن يكونوا من أهل السعير، ويكونوا مقرنين مع الشياطين في جهنم، وقبلوا أن ينادوا يا ويلهم! ويا هلاكهم! ويا خسارتهم! هل هذا الذي سيصيرون إليه إن أبوا إلا ذلك وأصروا عليه خير أم الجنة الخالدة؟ قال تعالى: ﴿أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾ [الفرقان:١٥] أي: هذه الجنة الخالدة كانت للمتقين جزاءً مكافأةً وأجراً وثواباً، وإليها يصيرون بعد الموت.
وقد قال الله في تمام وصف الجنة: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ﴾ [الفرقان:١٦] أي: لهم فيها ما يشاءون من مآكل ومشارب ومناكح ومساكن ولذائذ ونظرة كريمة لله العظيم، لهم فيها كل ما اشتهت أنفسهم، ولهم فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
قال تعالى: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ [الفرقان:١٦] أي: وعداً واجباً، فقد أوجب الله ذلك على نفسه ولا يجب عليه شيء، ولكنه أوجبه على نفسه للمتقين الذين يموتون على التقوى، وللموحدين الذين يموتون على التوحيد، وللصالحين الذين يموتون على الصلاح، وهكذا جزاء الله لهؤلاء الصالحين ومكافأته لهم.
وبياناً لمعنى مسئول يقول الله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، فتلك إشارة لقولنا في الدنيا كما علمنا الله وكذلك في الآخرة بفضل الله وكرمه: ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران:١٩٤]، أي: نسأله الذي وعدنا إياه من الجنان ومن النعيم ومن الرحمة والرضا.
وما يدعو به الملائكة للمؤمنين: بأن يؤتيهم الله ما وعدهم من الرحمة والجنان والخيرات والرزق الدائم الحسن الطيب بما لا يكاد يحلم به إنسان في الأرض.
فالله قارن -وهذه سنة القرآن- بين الأتقياء وما أعد الله لهم من خير، وبين الأشرار وما أعد الله لهم من شر؛ نكالاً نتيجة أعمالهم.
وهكذا يقارن الله في هذه الآية، فالعادة في القرآن في كل الآي أن يذكر الله أهل النار وبلاءهم وخزيهم ودمارهم، ويذكر مقابل ذلك أهل الجنة وجزاءهم وخيرهم وما أعد الله لهم من نعيم دائم.
стр. 765
تفسير سورة الفرقان [١٧ - ٢٢]
في هذه الآيات يذكر سبحانه حشره للعباد والمعبودين من دونه يوم القيامة، فيسأل المعبودين هل هم الذي أمروا هؤلاء العبّاد بعبادتهم، فيتبرأ الملائكة من ذلك، ويتبرأ عيسى وأمه من ذلك، وهنا يندم أولئك المبطلون.
وذكر أيضاً حال المشركين في أسئلتهم الاستكبارية والتعجيزية، فقد طلبوا من الرسول حتى يصدقوا رسالته أن يأتي معه بالملائكة، وأن يأتي بالله تعالى، وكل ذلك لا ليؤمنوا، ولكن ذلك على سبيل التعجيز والاستكبار.
стр. 766
تفسير قوله تعالى: (ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله)
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان:١٧].
يوم يحشرهم الله يوم القيامة ويحييهم بعد الموت ويجمعهم إليه للحساب والعقاب، يجمع العابد والمعبود ولا يخفون عليه ﷻ .
يوم يحشر العابدين والمعبودين من هؤلاء المشركين، فيقول الله للمعبودين: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان:١٧] أي: هل أنتم قلتم لعبادي هؤلاء: اعبدونا واجعلونا شركاء مع الله ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان:١٧] أم ضلوا من أنفسهم؟ ويقال هذا للملائكة الذين عبدهم بعض الناس وقالوا عنهم: بنات الله، ويقال هذا لعيسى الذي عبده النصارى، ويقال هذا لعزير الذي عبده اليهود.
وهكذا يجمع الله هؤلاء ويقول لعيسى وللملائكة ولعزيز ولكل من عبد من دون الله من الجمادات والأصنام والتماثيل، إذ يحشرها الله معهم، ويرزقها النطق واللسان للكلام: ﴿أَأَنْتُمْ﴾ [الفرقان:١٧] استفهام تقريعي توبيخي للعبدة للمشركين.
﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان:١٧] يعني: هل أنتم الذين أزغتموهم عن الطريق السوي، وأبعدتموهم عن التوحيد والإيمان؟ قال تعالى: ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان:١٧] أي: من قبل أنفسهم، إذ إن عقولهم لم توصلهم للخير، فلم يقبلوا دعوة العلماء ورثة الأنبياء، ومن قبلهم لم يقبلوا دعوة الرسل والأنبياء والأصحاب الكرام والأتباع التابعين لهم بإحسان.
فأول ما يبتدئون به
الجواب
سبحانك، فينزهون الله عن أن يكون له شريك، أو أن يكونوا هم شركاء، فهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً، وليس بيدهم شيء.
قال تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان:١٨] أي: لا ينبغي لنا ولا يليق، فنحن خلق من خلقك وعبيد من عبيدك، فكيف العبد يعبد؟ وكيف المخلوق يعبد؟ وكيف المخلوق الذي لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً يكون إلهاً معك؟ ننزهك عن هذا ونعظم شأنك ونقدسك، فلا يليق هذا ولا ينبغي لنا وليس من حقنا، فأنت يا رب أعظم من ذلك كله.
فقوله: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان:١٨].
أي: لا يليق بنا وليس من حقنا ولا هو من شأننا أن نتخذ من دونك من أولياء، أنت ولينا ومولانا وخالقنا، وأنت المتفرد بالألوهية والربوبية والخلق والرزق، والمنفرد بالإماتة والإحياء، فكيف ونحن أعجز من أن ننفع أنفسنا أو نضرها فضلاً عن أن نكون آلهة معك كيف نقبل ذلك؟ كيف يعجبنا؟ كيف نوافق عليه؟ قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان:١٨] أي: ولكن الذي حدث يا ربنا! أنك متعتهم بالحياة والرزق والصحة، ومتعتهم بالملك والسلطان، وبطول الأعمار، وهكذا نسوا الذكر، ونسوك ونسوا توحيدك، ونسوا نبيك وكتابك، ونسوا دينك، فضلوا وأضلوا.
قوله: ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان:١٨] أي: كانوا هلكى، تقول: بارت السلعة إذا فسدت ولم تجد مشترياً، وتقول: بارت الأرملة ولم تتزوج إذا لم تصلح للزواج، أو لم يطلبها أحد.
وتقول عن من لم يتزوج من الرجال والنساء: قد بار وهلك في نفسه فلم يتزوج، أي: هلك وكان بائراً.
فهؤلاء كانوا قوماً هلكى، وكانوا قوماً فاسدين لا يصلحون، ولا يميزون بين الحق والباطل، أما أن نقول لهم نحن ذلك فمعاذ الله وحاشى الله.
والله سيقول لعيسى يوم القيامة: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦]، فيقول: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ [المائدة:١١٦] أي: أنزهك يا رب! عن ذلك وأعظمك أن أقول ذلك، قال: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة:١١٦] أي: لا يليق بي ولا يحق لي.
ثم عاد فقال: ﴿إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦]، ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المائدة:١١٧] أي: أنا لم أدعهم إلا لعبادتك وتوحيدك وطاعتك، فهم من أنفسهم كذبوا وافتروا، وزعم اليهود أنهم قتلوني وصلبوني، وزعم هؤلاء الأفاكون أني إله ورب، وليس شيء من ذلك واقعاً، فأنا عبد من عبيدك وخلق من خلقك، لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً.
ولكن هؤلاء طالت بهم الأعمار حتى نسوك ونسوا النبوات السابقة، ونسوا أن الله واحد، وأنه نزل الكتاب على أنبيائهم ليعملوا به، ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان:١٨] أي: كانوا هلكى فاسدين لا يصلحون لنور ولا لحق ولا لدين، ونحن ما قلنا ذلك وما كان لنا أن نقوله.
قال تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا﴾ [الفرقان:١٩] يقول الله أو ملائكته لهؤلاء المشركين: قلتم: إن عزيزاً دعاكم لعبادته وللشرك بالله، وقلتم: إن عيسى دعاكم، وإن الملائكة دعتكم، فأين ما كنتم تزعمون؟ وأين ما كنتم تقولون؟ وإذا بهم يبلسون ويخسئون وييأسون من الرحمة، ولات حين مناص.
وفي تلك الساعة بعد أن كذبهم من كانوا يشركون بهم مع الله، قال الله عنهم: لا يملكون لأنفسهم صرفاً ولا نصراً، أي: لا يستطيعون أن يصرفوا العذاب، ولا يستطيعون ما هو أقل من ذلك وأحقر.
قوله: ﴿وَلا نَصْرًا﴾ [الفرقان:١٩] أي: لا ينصرون أنفسهم ولا يعينونها بشيء وقد تخلى عنهم من كانوا يعبدونهم من دون الله، ومن كانوا يشركونهم مع الله، فصاروا حيارى ضائعين هلكى تائهين لا يملكون صرف العذاب عنهم، ولا يملكون نصر أنفسهم، وهكذا دارت الدائرة عليهم، ولقوا جزاء الشرك والكفر.
стр. 767
تفسير قوله تعالى: (ومن يظلم منكم نذقه عذاباً كبيراً)
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:١٩].
هذا خطاب الله لأمة محمد ﷺ بعد أن عرض عليهم ما فعله بالأمم قبلنا، فعوقب من عوقب وأحسن إلى من أحسن، فقد لقي الكافر جزاءه من النار والسعير، ولقي المؤمن الرحمة والرضا والجنات الدائمة.
فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:١٩] أي: ومن يظلم منكم يا أمة محمد بأن يشرك بالله، ويظلم نفسه، ويبتعد عن النور والهداية والإيمان بربه، ويبتعد عن الإيمان برسوله وبكتاب ربه، ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:١٩] أي: نعذبه حتى يذوق ويتمتع ويهلك، والذواق هنا معكوس من نوع السخرية، كمن يذوق طعاماً لذيذاً وحلواً، كما قال تعالى لفرعون: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩].
فالذواق: العذاب والشدة والمحنة والسعير.
стр. 768
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام)
قال الله تعالى: ﴿((وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان:٢٠].
هذا جواب قولهم الأول: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان:٧]، فقال الله لنبيه وأسمع أولئك: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان:٢٠].
يقول تعالى لنبيه ﵊: لم تكن بدعاً من الرسل، ولم ترسل بشيء لم يرسل به الأولون، فمن سبقك من الأنبياء كانوا جميعاً بشراً.
فالأنبياء كانوا يأكلون الطعام، وكانوا يتناكحون ويتزاوجون، وكانوا يمرضون ويصحون، وكانوا يحاربون يوماً لهم ويوماً عليهم، وكانوا يتكسبون في الشوارع يبيعون ويشترون، وكانوا يقومون بالمهن وبالصنائع، فكان منهم الحداد، ومنهم الزراع، ومنهم النجار، ومنهم البحار، فكانوا يتكسبون في الأسواق عارضين سلعة وشارين سلعة ومع ذلك يدعون إلى الله.
وفي هذه الآية مشروعية العمل، وأنه لا يليق بالإنسان أن يعيش عالة على الناس، وأن العمل ليس عاراً، والتكسب ليس منقصة.
وكان عمر ﵁ يقول: إني لأرى الرجل فيعجبني، فإذا سألته ما تعمل ووجدته لا يعمل سقط من عيني.
وهكذا الإنسان إذا لم يكن له عمل يعيش به من حرفة أو تجارة أو زراعة أو قلم أو فكر أو أي شيء يستغني به عما في أيدي الناس فإنه يكون ناقص الهمة ضعيف النفس، ويكون غيره الذي ينفق عليه ويتصدق عليه ويعطيه أشرف منه وأكرم وأنبل، إلا إذا كان عاجزاً، فإذ ذاك جعل الله رزقه وجعل حياته في بيت المال بعد أن يكون أولياؤه لا يملكون النفقة عليه ولا يملكون رزقه.
فالأسرة متضامنة، والغرم إذا التزم به إنسان لزم بقية الأقارب إعانته، فالإسلام هو الذي أتى بهذا كاملاً غير منقوص: زكاة وصدقة ونفقة، بحيث لو كانت الزكوات والنفقات تؤدى كما أمر الله ورسوله لما وجد فقير بين المسلمين قط.
ولكن انتشر الظلم، وأكل أموال الناس، فالزكاة في مالك ليست لك، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة:٦٠] واللام هنا هي للتمليك، أي: ملك لهم، وللفقراء إذا منعوا حقوقهم وزكاتهم أن يقاتلوا عليها بحد السلاح، فمن مات من الممتنعين فإلى سقر ودمه هدر، وإذا قيل أحد الطالبين للحق فيقتل قاتله.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان:٢٠] فتن الله الفقير بالغني والغني بالفقير، فالفقير يقول: ما بال هذا أنا أذكى منه وأعلم منه وهو أغنى مني؟ ويقول الغني: ما بال الفقير يحسدني وأنا عملت أكثر؟ وتجد الرعية تفتن بملوكها وحكامها لمكانتهم، فيفتن هؤلاء بهؤلاء، ويفتن الصحيح بالمريض، فيقول المريض: لم هذا صحيح وأنا مريض؟ ويقول الصحيح: لم المريض يحسدني؟ أنا أعالج نفسي، أنا أبذل لها، وأنا لا أستهتر بصحتي، وهكذا دواليك في كل شيء.
وهكذا فتن الله الناس بعضهم ببعض وابتلاهم في الدنيا؛ اختباراً وامتحاناً ليرى هل سيصبرون ويعتقدون أن كل ذلك من الله أو لا، ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٢] أي: أن الله هو الذي قسم المعيشة بين الناس، كما يقول النبي ﵊: (إن الله قسم بينكم عقولكم كما قسم بينكم أرزاقكم).
ومع ذلك يعمل إنسان من الصباح إلى المساء ولا يكاد يحصل شيئاً، ويعمل إنسان آخر ساعة أو ساعتين فيحصل الكثير والكثير، ولذلك ليس للإنسان أن يحسد أو يغار، وليس للإنسان أن يطالب بزوال ما عند غيره، بل عليك أن تعمل واحمد الله على ما رزقك.
فإن لم تكن لك قدرة على العمل أو لم تجد عملاً، فحياتك ورزقك من بيت مال المسلمين وفي أموال الأغنياء، فإن الله فرض في أموال الأغنياء ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا أو عزوا فبمنع الأغنياء، وحق على الله أن يعذبهم على ذلك ويحاسبهم عليه.
إن انتشار الشيوعية والاشتراكية في الأرض عقوبة سماوية من الله؛ لمنع الأغنياء حقوق الفقراء، فاستبدوا بها وتركوهم جياعاً وعرايا ومرضى، وتركوهم جهلة، وإذا بالله الكريم يسلط عليهم من يأخذ أموالهم ويذلهم ويحتقرهم وينقصهم، ويقول عنهم: لصوص، وإقطاعيون وغير ذلك.
ولو كان المسلمون يؤدون زكاة المال وما أوجب الله في ذلك لوجدت الفقير يحرص على الغني، ويدعو له بالخير والسعة وطول العمر؛ لأنه يعيش من ذلك.
وهكذا دائماً فإن العقوبة من جنس العمل، فالله رزقه إذ خرج للدنيا ولا يملك شيئاً، وما هذا المال إلا مال الله، فقد قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣].
فعندما لم يعطوا مال الله للمستحقين من عباد الله سلط الله عليهم من يذلهم ويهينهم، ويزيل عنهم أملاكهم، ولعذاب الله أنكى وأشد إن ماتوا على ذلك.
قال تعالى: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان:٢٠] أي: هل يصبر الفقير على فقره، والغني على إعطاء الزكاة والنفقة وإعطاء السائل ما سأل؟ فقد جعل الله من صفات المؤمنين ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥].
وقد قال النبي ﵊: (للسائل حق ولو جاء على فرس).
فقوله: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان:٢٠] أي: أيصبر هؤلاء ويضرعون ويشكرون؟ أيصبر أولئك على شكر نعم الله ويؤدون من مالهم ما فرض الله؟ وكما قال القدوة الأعظم ﷺ عندما عرضت عليه مكة وجبالها وبطحاؤها ذهباً وفضة: (بل أجوع يوماً فأصبر وأضرع، وأشبع يوماً فأحمد الله وأشكره)، وهكذا المؤمن فلا غنى يدوم ولا فقر يدوم، فهو مال الله يجعله الله دولة بين أيدي عباده، والغنى ابتلاء والفقر ابتلاء.
قال تعالى: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان:٢٠] أي: بصيراً بالصابر من الشاكر، بصيراً بالمؤمن من الكافر، بصيراً بالصالح من الطالح، يعلم كل شيء، وقد أمر بما أمر به، وابتلى بما ابتلى به، فمن أطاع وامتثل فله الجنة والرحمة والرضا والحياة الطيبة في الدنيا، وله في الآخرة الرضا والرحمة والخلود في الجنان.
ومن كفر ولم يشكر ولم يصبر فله العذاب في الدنيا وأنواع البلاء، ولعذاب الله يوم القيامة أشد، والله بصير بكل ذلك.
стр. 769
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا)
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ [الفرقان:٢١].
لقد تمادى هؤلاء المجانين في كفرهم، فقد طلبوا نزول الملائكة مع النبي ليؤيدوه، فهذه المرة طلبوا الملائكة أن تأتيهم، وطلبوا الرب نفسه أن ينزل إليهم ويقول لهم: صدق عبدي محمد، وتقول الملائكة: صدق محمد فقد أرسله الله.
فعندما تنزل الملائكة وتقول: نعم، صدق محمد، كيف سيعلمون أنهم ملائكة؟ وكيف سيصدقونهم؟ وإن كذبوهم فستنزل عليهم عقوبة الأرض والسماء، وقد قال الله لنبيه: إن شاء فعل ذلك، ولكن إن فعله ولم يؤمنوا فإنه سيعاقبهم بما عاقب به الأمم السابقة عندما طلبوا مثل ذلك وأعطاهم الله إياه.
فدمر قوم نوح بالغرق، ودمر ثمود وعاداً وقوم لوط وقوم فرعون بالغرق والسحق والرجم من السماء والعواصف وبكل أنواع البلاء في الدنيا قبل الآخرة.
فقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [الفرقان:٢١] أي: لا يخافون لقاءنا ولا يؤمنون به، أي: لقاء الله يوم القيامة، فهؤلاء الكافرون الذين لا يؤمنون باليوم الآخر لا يؤمنون بالله، قالوا: يا محمد! إن شئت أن نؤمن بك فلتنزل معك الملائكة علينا.
فقوله: ﴿لَوْلا﴾ [الفرقان:٢١] أي: هلا.
﴿لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ [الفرقان:٢١] أي: هلا نزل ربنا فقال لنا: هذا عبدي فصدقوه وأنا أرسلته نبياً.
ولو خاطبهم الله بذلك لأصبحوا رسلاً أيضاً، ولو خاطبهم الملائكة لأصبحوا رسلاً أيضاً، فالله تعالى لا يكلم أحداً من خلقه إلا من وراء حجاب.
وعندما طلب موسى ما يشبه هذا ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] قال له الله: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣]، وموسى من أولي العزم من الرسل، ومع ذلك لما اندك الجبل وحدث له صوت كالرعد إذا بموسى يغمى عليه.
وطلب إبراهيم أبو الأنبياء من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، قال تعالى: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]، فهذا لم يطلب الرؤية، وإنما طلب أن يرى كيف يعيش الإنسان بعد الموت، ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة:٢٦٠] وقد فعل، إذ جاء بأربعة من الطيور في قرية برزة من أرض الشام في الغوطة، فقطعها وخلطها عظاماً وريشاً ولحماً، وجعل في رأس هذا الجبل شيئاً وفي هذا شيئاً، ثم دعاها كما أمره الله، فأخذ الريش والأعضاء تطير حتى صار كل عضو في مكانه، وهكذا رأى ما أراد به الاطمئنان واليقين، أما أن يرى ربه فلم يطلب ذلك.
قال تعالى عن هؤلاء: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ﴾ [الفرقان:٢١] أي: تعالوا وتعاظموا وظنوا أنفسهم شيئاً، وهم على كفرهم وشركهم أرادوا أن يؤكد الله أن هذا نبيه ولم يكتفوا بالمعجزات، ولم يكتفوا بالسيرة النبوية في حد ذاتها، ولم يكتفوا بنزول القرآن، فقال الله عنهم: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ﴾ [الفرقان:٢١] أي: تعاظموا حتى ذهبت عقولهم، فاستعملوا الكبرياء والعظمة التي لا تليق إلا به ﷻ .
قال تعالى: ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٢١] العتو: هو شدة الطغيان والكفر، والإغراق في الكفر والإصرار عليه، فهؤلاء الكافرون لم يكتفوا بالكفر والشرك، بل زادوا فعتوا وطغوا وتجبروا واستكبروا استكباراً، وقوله: (عتواً) مفعول مطلق، أي: ازدادوا في الطغيان والجحود والكفران حتى تجاوزوا الحد في ذلك.
فهؤلاء المشركون أنكروا الساعة وكفروا بالله، فهم ليسوا سائلين حقاً ولا مستدلين بمعجزة، ولكنه التعنت والجحود والكفران، فلا يكاد النبي يظهر لهم معجزة أو آيةً أو عملاً إلا تركوا ذلك وطلبوا غيرها.
وهكذا إلى أن وصلوا ليطلبوا الملائكة تنزل عليهم، والرب نفسه ينزل عليهم -تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً- ليقول لهم: صدق عبدي، ولم يكتفوا بأن يقول: صدق عبدي بما أنزل عليه من وحي وكتب وعلم وأدب وسيرة انفرد بها دون الخلق، وكانت هي المثال الأعلى.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان:٢٢] أي: اليوم الذي سيرون فيه الملائكة لن يبشروا فيه بخير، فإنهم لن يروا الملائكة إلا في حالتين: عند الاحتضار، أو يوم القيامة.
فمن احتضر وهو مشرك كافر تأتيه الملائكة وتنتزع روحه وتضربه من أمامه ومن خلفه؛ لينتزعوا الروح، وإذ ذاك لا يبشرون ولا سبيل إلى البشرى، بل يبشرون بالغضب واللعنة، وإذا أتاهم منكر ونكير وسألوهم: من ربك؟ من نبيك؟ فإنهم لا يحسنون جواباً؛ لأنهم كانوا مشركين في الدنيا، فينزلون عليهم بالمقارع وبالمرازب، إلى أن ينزل الإنسان إلى الأرض السابعة، ثم يصعد، وهكذا العذاب إلى يوم البعث والنشور، وبعد ذلك نار الله المتسعرة ونقمته الدائمة.
стр. 770
تفسير سورة الفرقان [٢١ - ٢٦]
ذكر الله تعالى في هذه الآيات مآل أعمال الكافرين المشركين في الآخرة، فهو سبحانه يجعلها هباء منثوراً؛ لأنها لا تقوم على التوحيد ولا على الإخلاص.
ثم ذكر مقارنة بين حال المؤمنين الفائزين بالجنة والكافرين المغضوب عليهم بالنيران، فأصحاب الجنة خير مستقراً وموئلاً وعاقبة، والآخرون شر مكاناً.
ثم ذكر ما يحصل يوم القيامة من تشقق السماء بالغمام، ونزول الله تعالى لفصل القضاء في ذلك اليوم العظيم.
стр. 771
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا)
قال الله جلت قدرته: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٢١ - ٢٢].
يقول الله ﷻ عن هؤلاء الكفرة الذين لا يؤمنون بيوم البعث والنشور، ولا يخافون قدومهم على الله ولقاءهم له يوم العرض عليه، إنهم قالوا: ﴿لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ [الفرقان:٢١].
أي: قالوا لنبيهم: لم لا يرسل إلينا معك -إن كنت رسولاً حقاً- ملائكة من السماء يظهرون لنا ويبرزون ويصدقون نبوتك ورسالتك، ويشهدون لك بأنك الرسول حقاً.
وإذا لم تأت الملائكة ولم تنزل علينا فليأت ربك بنفسه وليشهد لك بالصدق؛ لنصدقك ولنؤمن بك.
فهؤلاء الذين كفروا وازدادوا كفراً طلبوا مطالب من لا يعلم من ربه، ولا يعلم صدق نبيه بكثرة ما أنزل معه من معجزات ومن آيات بينات، وأخذوا يتعنتون ويطلبون شيئاً لا يقصدون به معرفة حق، ولا إظهار معجزة، وإنما يريدون التعنت على نبيهم، والإصرار على كفرهم، فقال الله عن هؤلاء: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ﴾ [الفرقان:٢١] أي: لقد تعاظموا وتكبروا وطلبوا ما لا يليق بهم وهم أحقر من أن يخطر ببالهم فضلاً عن أن يطلبوه.
﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٢١] العتو: هو شدة الظلم والكفر والطغيان، فقد طغى هؤلاء واعتدوا وظلموا وقالوا كفراً وزوراً، وأتوا بما لم يأت به مؤمن.
ثم قال الله لهم: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان:٢٢] أي: يوم يرون الملائكة -وهم سيرونهم- لا تكون رؤيتهم لهم بشرى لهم، بل يكون خزياً ودماراً وخراباً.
والوقت الذي يمكن أن ترى فيه الملائكة هو ساعة الاحتضار وخروج الروح، وإذ ذاك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً.
فمن احتضر وهو كافر ونزعت منه الروح فسيرى ملائكة العذاب يبشرونه بالويل والثبور واللعنة والغضب، لا يبشرونه بخير ولا بجنة، ثم يرون يوم القيامة ملائكة العذاب الذين يسوقونهم إلى النار وإلى اللعنة والدمار والخزي.
وأيضاً يرون الملائكة في القبر حين يسألونهم عما صنعوه في حياتهم، فيسألونهم: من ربكم؟ ومن نبيكم؟ وما دينكم؟ ولشركهم فإنهم يجيبون جواب الكافرين الذين لم يؤمنوا يوماً برب ولا نبي، ولم يدينوا يوماً بدين حق قط، فهؤلاء ستكون رؤيتهم للملائكة رؤية ذل وهوان وبشرى بالخزي والدمار والعذاب.
﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٢٢] أي: يقول لهم الملائكة: حراماً محرماً أن تدخلوا الجنة قط، أو ترحموا قط، فقد حجرت الجنة عليكم، وأمسكت أبوابها عن دخولكم؛ جزاءً وفاقاً لشرككم ولكفركم.
والحجر: المنع، ومنه سمي حجر إسماعيل، أي: منع من أن يطوف الطائفون داخله وإنما يطوفون خارجه، ومنه قولهم: حجر القاضي على الصبي لسفهه، وعلى المفلس لعجزه عن أداء الديون والحقوق، فحجر ماله؛ لتؤدى الحقوق.
ومنه: الحجر على السفيه الغني الذي يبذل ويصرف ماله في الباطل، ويحرم منه أهله وأولاده، ويصرفه في ما لا يليق بالإنسان أن يصرفه فيه، ويترك أهله وأولاده عالة على الناس، ويصرف ذلك في الليالي الحمراء وفي الفسق والجريمة والعصيان.
﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٢٢] أي: يوم يرى هؤلاء الملائكة يبشرونهم بالويل وبالثبور وبالنار وبالدمار ويقولون: لهم حجراً محجوراً، أي: حراماً محرماً عليكم دخول الجنة، ورحمة الله ورضوانه؛ لكفركم وشرككم إلى أن متم على ذلك.
стр. 772
تفسير قوله تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل)
قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣].
أي: عمدنا وجئنا، فهؤلاء الذين عاشوا مشركين وماتوا مشركين يعمد الله ﷻ إلى أعمالهم التي قاموا بها في الحياة الدنيا والتي يظنون بها أنهم أحسنوا بها صنعاً، وأنها أعمال خير وفلاح وصلاح فيجعلها هباءً منثوراً مشتتاً ضائعاً.
والهباء هو ذلك الغبار الذي يكون في الكوة عندما تشرق عليها الشمس، فيرى غبار منثور لا يمس باليد ولا يرى في الظلام، فهو لا يذكر ولا حساب له ولا عبرة به.
أي: إن الله يذر أعمالهم ويشتتها حتى تصبح هباءً موزعة منثورة، كذلك الهباء الذي يرى في الكوة وفي النافذة عندما تشرق عليها الشمس فيرى متناثراً، ولا يرى في الظل ولا يمسك باليد، ولو فرضنا أنهم تصدقوا وأعطوا وأحسنوا فهم لا يفعلون ذلك إخلاصاً لله، ولا إيماناً برسل الله، ولا طاعة لأوامر ربهم ونبيهم، فهم لا يفعلون ذلك ديناً ولا امتثالاً، وإنما يفعلونه ليقال وليتظاهروا به رياءً، وقصدهم من ذل الذكر والرياء والسمعة، وها قد سمع ذلك ورئي منهم.
وأما أن يجازوا عليه بالجنة وبالرحمة فهم في الأصل لا يؤمنون بجنة ولا برب الجنة، ولا يؤمنون بيوم البعث والنشور.
стр. 773
تفسير قوله تعالى: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً)
قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤].
يقول ﷻ : (يومئذ) أي: يوم القيامة، ورؤية الملائكة، ويوم البعث والنشور، والعرض على الله يكون أصحاب الجنة المتقون المؤمنون المسلمون الموحدون أحسن مستقراً، وأجمل حالاً، أحسن قراراً، فيستقرون بأعمالهم في الجنة وفي رحمة الله ورضاه وهم قريروا العين برحمة الله، وبما أكرمهم به من جنان ومن رحمة.
قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان:٢٤] (خير) هنا على غير بابها، فخير أفعل تفضيل، وأفعل التفضيل يقتضي المشاركة والزيادة، وليست هنا للمشاركة بين مستقر النار لأهل النار وبين مستقر الجنة لأهل الجنة فضلاً عن الزيادة، وإنما معنى الكلام: أصحاب الجنة في مستقرهم في خير ونعمة وسعادة واستقرار ورضاً بما هم فيه، وأما أهل النار فهم في الغضب وفي العذاب وفي اللعنة الدائمة المستمرة.
وقوله: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤] المقيل من القيلولة، يقال: قال فلان يقيل إذا استراح وقت القيلولة، وهو وقت الزوال وشدة الحر ووقوف الشمس في كبد السماء.
وتكون القيلولة بنوم خفيف أشبه بالنعاس، ويكون راحة ولا حاجة للنوم فيه، والنوم لا يكون في الجنة؛ إذ ليس فيها تعب ولا نصب، ولكن فيها الراحة والاستقرار، والقيلولة هي من باب الحديث الوارد: (قيلوا فإن الشياطين لا تقيل)، وفي سنده مقال.
قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤] (يومئذ) أي: يوم يرى الناس الملائكة الذين كان الكفار والمشركون يريدون أن يروهم في دار الدنيا؛ ليصدقوا لهم رسالة النبي ونبوته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يكون أصحاب الجنة ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤] أي: استقرارهم خير ورضا، وإقامتهم دائمة، وهم مغتبطون بالرحمة وبالجنة وبرضا الله.
فهم عندما ينتهي الحساب والعرض على الله يقيلون في الجنة، ويوم الآخرة يعد بألف سنة مما تعدون من أيام الدنيا، وهذا اليوم الذي هو ألف سنة يقصره الله تعالى على المؤمن حتى كأنه صلى فريضة واحدة، أو كأنه من شروق الشمس إلى القيلولة، فلا يشعر بطول ولا بشقاء ولا بتعب، فما هي إلا مدة وبرهة يقضيها ثم تكون قيلولته في الجنة.
فيقيل فيها ويستريح، ويكون بذلك أحسن مستقراً وقراراً وقيلولة من الكافرين المشركين، فهو في خير ورضاً ورحمة، والكافرون في عذاب وفي محنة وغضب.
стр. 774
تفسير قوله تعالى: (ويوم تشقق السماء بالغمام)
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان:٢٥ - ٢٦].
هذا اليوم يوم البعث والنشور هو يوم تتشقق فيه السماء وتزول وتتناثر، وتنزل ملائكة السماء الدنيا إلى الأرض، ويكون عددهم أكثر من عدد الإنس والجن في الأرض، فالسماء الأولى تتشقق وتتناثر وتتطاير وتزول وتفنى، وينزل ملائكتها للعرض على الله وللحساب.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان:٢٥] أي: تتشقق ويظهر منها نور وشعاع أشبه بالغمام، وهو نور من نور الله، فلله نور السماوات والأرض، ونوره ﷻ ظاهر في الكون، وبه أشرقت السماء والأرض، وبه هدى الله القلوب، وبه أشرقت نفوس المسلمين للحق والهداية، ويهدي الله لنوره من يشاء.
وهذا النور الذي ينزل كالغمام ينزل منثوراً يراه من في الأرض ومن في السماء، ثم تنزل ملائكة السماء الدنيا إلى الأرض، ثم تتشقق السماء الثانية وينزل كذلك من فيها، وهم أكثر عدداً، وأكثر ملائكة وجموعاً، وأكثر من ملائكة السماء الأولى.
وهكذا قل عن الثالثة والرابعة والخامسة فالسادسة فالسابعة.
وينزل من السابعة الملائكة الكروبيون، أي: قادة الملائكة ورؤساؤهم كجبريل وكإسرافيل وكعزرائيل وبقية قادة الملائكة، واسمهم الكروبيون.
وهؤلاء سكان السماء السابعة أكثر من جميع سكان السماوات الأخر وسكان الأرض، وينزلون كلهم فزعين، منتظرين أمر الله في الحساب والعرض عليه، في يوم كان مقداره كألف سنة مما تعدون.
فيكون حساب المؤمن يسيراً هيناً، فلا يكاد يشعر به إلا كضحوة نهار إلى القيلولة، وتتم قيلولته على الأسرة في الجنان مع إخوانه المسلمين، ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧].
وأما الكافرون والعصاة المذنبون ممن يريد الله عذابهم وتأديبهم وعقوبتهم فيكون عليهم العذاب والحساب عسيراً.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان:٢٥] أي: تتشقق ويظهر منها هذا الغمام والنور، وتكون قد زالت عن أماكنها.
قال تعالى: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان:٢٥] أي: ينزلون بأمر الله، وينزل كل الملائكة الذين في السماوات جميعاً، وينزل بعد ذلك ربنا ﷻ يحمل عرشه ثمانية من الملائكة، وكل ملك من هؤلاء الملائكة من طوله ومن عرضه ومن عظمته ومن كبره ما لا يكاد يقبله عقل ولا تتصوره نفس حتى يرى ذلك رؤيا العين.
وينزل ربنا نزولاً يليق بجلاله وبألوهيته، وكلما يخطر ببالك فربنا مخالف لذلك، وليس في ذلك شيء يشبه الخلق نزولاً وحركة، وإنما هو نزول كقولنا عن الله ﷻ : ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، وقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦]، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
ونقول ما قاله ربنا، ونثبت ما أثبته نبينا ﷺ ، ونقرأ مع ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ونتلو مع ذلك: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤].
فهو سبحانه لا كفؤ له في ذات، ولا شبيه له في فعال ولا ذات، وهو ربنا ﷻ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار.
ونثبت ما قاله ﷺ : (ينزل الله ﷻ يوم القيامة للحساب وللقضاء وللفصل بين الناس).
وتجتمع الملائكة الذي لا يحصي عددها إلا الله، وعددهم كعدد الحصى والرمل سماءً بعد سماء إلى السابعة، وهذا مضاف إلى ملائكة الأرض، فمع كل واحد منا ملكان، الملك الأول الذي عن اليمين يكتب الخير، والذي عن اليسار يكتب الشر.
فهؤلاء جميعاً يجتمعون ويقفون إجلالاً وعظمة لربهم مع المتقين والمؤمنين كذلك.
وأما المشركون والعصاة فقلوبهم تصل إلى حلاقيمهم رعباً وفزعاً وهلعاً مما هم فيه، والملائكة يقولون: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، فيسبحون ربهم ويقدسونه ويعظمونه، ولا ينقطع لسانهم ونطقهم عن الذكر والتكبير والتهليل والتقديس والتعظيم لربنا جل وعلا.
قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان:٢٦] أي: الملك الحق هو للرحمن وحده، يوم أن يقول: أين الملوك؟ أين الجبابرة؟ أين الطغاة؟ فلا مجيب، فيجب الله نفسه ﷻ ويقول: أنا الملك، أنا الديان، أنا الخالق.
وإذ ذاك لا ملك ولا سلطان ولا جبار ولا طاغية ولا من يقول: أنا، فالكل عبد مطأطئ رأسه؛ ينتظر نتيجة حسابه إما إلى جنة وإما إلى نار.
ويكون الملك يوم ذاك الملك الحق الرازق الخالق، المنفرد بالملك وبالرزق وبالإحياء وبالإماتة، ويكون قد أمات من أمات وأحيا من أحيا، ثم أعاد الكل إلى الحياة الثانية وإلى البعث والنشور؛ ليحاسب كلاً على عمله.
قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ﴾ [الفرقان:٢٦] أي: يوم القيامة، وهو يوم تتشقق فيه السماوات السبع، ويبرز منها الغمام والنور الإلهي، وهذا الذي يظهر كأنه الغمام ما هو إلا نور الله ﷻ ، وهو يوم تندثر فيه السماوات وتتوزع وتصبح هباءً وعهناً منفوشاً، وينزل الكل إلى الأرض؛ ليحاسبوا على أعمالهم، فأهل الجنة المؤمنون بالله إلى الجنة، والكفرة العصاة إلى النار.
قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان:٢٦] أي: الملك الحق ليس لأحد، وأما الملك الذي نراه اليوم فهو ملك زائف معار، لو دام لدام للذي سبقه ولما فني الأول، وما فني الأول إلا ليفنى الثاني، فلا ملك إلا ملك الله، فالله ﷻ المالك المنفرد بالملك وبالخلق.
قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان:٢٦].
وهذا اليوم يكون عسيراً على الكافرين, كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٥ - ٣٧].
وكما قال تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]، وهو يوم يشتد العرق بالناس فيه فيأخذ البعض إلى ركبته، والبعض إلى سرته، والبعض إلى صدره، والبعض يغرق في ذلك ولا يموت، ويختنق ولا يموت وهو في العذاب المقيم.
وهذا اليوم يكون فيه للمؤذنين ميزة، ففي الحديث الصحيح: (المؤذنون يوم القيامة أطول الناس أعناقاً).
ومعنى كون أعناقهم أطول أي: إنهم في هذا اليوم مهما غرقوا في عرقهم فأعناقهم طويلة فلا يصل العرق إلى حواسهم، فلا يصل إلى أعينهم ولا إلى أذانهم ولا إلى مناخرهم ولا إلى شفاههم، فيكونون بذلك في منجى عن الاختناق.
فهذا اليوم يكون عسيراً على الكافرين وصعباً وشديداً، وتتعثر بهم الحياة إذ ذاك ويتعثر حسابهم، ثم يسحبون على وجوههم بعد الوقوف، وهم قد أتوا مفلسين من الإيمان ومن الصلاح ومن طاعة الله وطاعة أنبيائه، فيسحبون على وجوههم إلى النار، وهذا بعد أن يكون اليوم كألف سنة مما تعدون.
وليس يوم القيامة يوماً واحداً بل هو أيام، ولكن الله يقصر ذلك على المؤمنين الأتقياء الصالحين فيكون كما بين الضحوة والقيلولة، وتكون قيلولتهم في الجنة، ولذا قال ربنا: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤].
стр. 775
تفسير سورة الفرقان [٢٧ - ٣٢]
يحكي الله تعالى في هذه الآيات حال الكافر يوم القيامة حين يعض على يديه ندماً وحسرة على عدم اتباع هذا الكتاب، وهذا الرسول، وحسرة على طاعته لأئمة الكفر والضلال حتى ألقوا به في نار جهنم وبئس المصير.
следующие страницы →