← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

تفسير قوله تعالى: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا) قال الله جلت قدرته: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٢١ - ٢٢]. يقول الله ﷻ عن هؤلاء الكفرة الذين لا يؤمنون بيوم البعث والنشور، ولا يخافون قدومهم على الله ولقاءهم له يوم العرض عليه، إنهم قالوا: ﴿لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ [الفرقان:٢١]. أي: قالوا لنبيهم: لم لا يرسل إلينا معك -إن كنت رسولاً حقاً- ملائكة من السماء يظهرون لنا ويبرزون ويصدقون نبوتك ورسالتك، ويشهدون لك بأنك الرسول حقاً. وإذا لم تأت الملائكة ولم تنزل علينا فليأت ربك بنفسه وليشهد لك بالصدق؛ لنصدقك ولنؤمن بك. فهؤلاء الذين كفروا وازدادوا كفراً طلبوا مطالب من لا يعلم من ربه، ولا يعلم صدق نبيه بكثرة ما أنزل معه من معجزات ومن آيات بينات، وأخذوا يتعنتون ويطلبون شيئاً لا يقصدون به معرفة حق، ولا إظهار معجزة، وإنما يريدون التعنت على نبيهم، والإصرار على كفرهم، فقال الله عن هؤلاء: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ﴾ [الفرقان:٢١] أي: لقد تعاظموا وتكبروا وطلبوا ما لا يليق بهم وهم أحقر من أن يخطر ببالهم فضلاً عن أن يطلبوه. ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٢١] العتو: هو شدة الظلم والكفر والطغيان، فقد طغى هؤلاء واعتدوا وظلموا وقالوا كفراً وزوراً، وأتوا بما لم يأت به مؤمن. ثم قال الله لهم: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان:٢٢] أي: يوم يرون الملائكة -وهم سيرونهم- لا تكون رؤيتهم لهم بشرى لهم، بل يكون خزياً ودماراً وخراباً. والوقت الذي يمكن أن ترى فيه الملائكة هو ساعة الاحتضار وخروج الروح، وإذ ذاك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً. فمن احتضر وهو كافر ونزعت منه الروح فسيرى ملائكة العذاب يبشرونه بالويل والثبور واللعنة والغضب، لا يبشرونه بخير ولا بجنة، ثم يرون يوم القيامة ملائكة العذاب الذين يسوقونهم إلى النار وإلى اللعنة والدمار والخزي. وأيضاً يرون الملائكة في القبر حين يسألونهم عما صنعوه في حياتهم، فيسألونهم: من ربكم؟ ومن نبيكم؟ وما دينكم؟ ولشركهم فإنهم يجيبون جواب الكافرين الذين لم يؤمنوا يوماً برب ولا نبي، ولم يدينوا يوماً بدين حق قط، فهؤلاء ستكون رؤيتهم للملائكة رؤية ذل وهوان وبشرى بالخزي والدمار والعذاب. ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٢٢] أي: يقول لهم الملائكة: حراماً محرماً أن تدخلوا الجنة قط، أو ترحموا قط، فقد حجرت الجنة عليكم، وأمسكت أبوابها عن دخولكم؛ جزاءً وفاقاً لشرككم ولكفركم. والحجر: المنع، ومنه سمي حجر إسماعيل، أي: منع من أن يطوف الطائفون داخله وإنما يطوفون خارجه، ومنه قولهم: حجر القاضي على الصبي لسفهه، وعلى المفلس لعجزه عن أداء الديون والحقوق، فحجر ماله؛ لتؤدى الحقوق. ومنه: الحجر على السفيه الغني الذي يبذل ويصرف ماله في الباطل، ويحرم منه أهله وأولاده، ويصرفه في ما لا يليق بالإنسان أن يصرفه فيه، ويترك أهله وأولاده عالة على الناس، ويصرف ذلك في الليالي الحمراء وفي الفسق والجريمة والعصيان. ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٢٢] أي: يوم يرى هؤلاء الملائكة يبشرونهم بالويل وبالثبور وبالنار وبالدمار ويقولون: لهم حجراً محجوراً، أي: حراماً محرماً عليكم دخول الجنة، ورحمة الله ورضوانه؛ لكفركم وشرككم إلى أن متم على ذلك.

стр. 772

تفسير قوله تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل) قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]. أي: عمدنا وجئنا، فهؤلاء الذين عاشوا مشركين وماتوا مشركين يعمد الله ﷻ إلى أعمالهم التي قاموا بها في الحياة الدنيا والتي يظنون بها أنهم أحسنوا بها صنعاً، وأنها أعمال خير وفلاح وصلاح فيجعلها هباءً منثوراً مشتتاً ضائعاً. والهباء هو ذلك الغبار الذي يكون في الكوة عندما تشرق عليها الشمس، فيرى غبار منثور لا يمس باليد ولا يرى في الظلام، فهو لا يذكر ولا حساب له ولا عبرة به. أي: إن الله يذر أعمالهم ويشتتها حتى تصبح هباءً موزعة منثورة، كذلك الهباء الذي يرى في الكوة وفي النافذة عندما تشرق عليها الشمس فيرى متناثراً، ولا يرى في الظل ولا يمسك باليد، ولو فرضنا أنهم تصدقوا وأعطوا وأحسنوا فهم لا يفعلون ذلك إخلاصاً لله، ولا إيماناً برسل الله، ولا طاعة لأوامر ربهم ونبيهم، فهم لا يفعلون ذلك ديناً ولا امتثالاً، وإنما يفعلونه ليقال وليتظاهروا به رياءً، وقصدهم من ذل الذكر والرياء والسمعة، وها قد سمع ذلك ورئي منهم. وأما أن يجازوا عليه بالجنة وبالرحمة فهم في الأصل لا يؤمنون بجنة ولا برب الجنة، ولا يؤمنون بيوم البعث والنشور.

стр. 773

تفسير قوله تعالى: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً) قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤]. يقول ﷻ : (يومئذ) أي: يوم القيامة، ورؤية الملائكة، ويوم البعث والنشور، والعرض على الله يكون أصحاب الجنة المتقون المؤمنون المسلمون الموحدون أحسن مستقراً، وأجمل حالاً، أحسن قراراً، فيستقرون بأعمالهم في الجنة وفي رحمة الله ورضاه وهم قريروا العين برحمة الله، وبما أكرمهم به من جنان ومن رحمة. قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان:٢٤] (خير) هنا على غير بابها، فخير أفعل تفضيل، وأفعل التفضيل يقتضي المشاركة والزيادة، وليست هنا للمشاركة بين مستقر النار لأهل النار وبين مستقر الجنة لأهل الجنة فضلاً عن الزيادة، وإنما معنى الكلام: أصحاب الجنة في مستقرهم في خير ونعمة وسعادة واستقرار ورضاً بما هم فيه، وأما أهل النار فهم في الغضب وفي العذاب وفي اللعنة الدائمة المستمرة. وقوله: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤] المقيل من القيلولة، يقال: قال فلان يقيل إذا استراح وقت القيلولة، وهو وقت الزوال وشدة الحر ووقوف الشمس في كبد السماء. وتكون القيلولة بنوم خفيف أشبه بالنعاس، ويكون راحة ولا حاجة للنوم فيه، والنوم لا يكون في الجنة؛ إذ ليس فيها تعب ولا نصب، ولكن فيها الراحة والاستقرار، والقيلولة هي من باب الحديث الوارد: (قيلوا فإن الشياطين لا تقيل)، وفي سنده مقال. قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤] (يومئذ) أي: يوم يرى الناس الملائكة الذين كان الكفار والمشركون يريدون أن يروهم في دار الدنيا؛ ليصدقوا لهم رسالة النبي ونبوته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يكون أصحاب الجنة ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤] أي: استقرارهم خير ورضا، وإقامتهم دائمة، وهم مغتبطون بالرحمة وبالجنة وبرضا الله. فهم عندما ينتهي الحساب والعرض على الله يقيلون في الجنة، ويوم الآخرة يعد بألف سنة مما تعدون من أيام الدنيا، وهذا اليوم الذي هو ألف سنة يقصره الله تعالى على المؤمن حتى كأنه صلى فريضة واحدة، أو كأنه من شروق الشمس إلى القيلولة، فلا يشعر بطول ولا بشقاء ولا بتعب، فما هي إلا مدة وبرهة يقضيها ثم تكون قيلولته في الجنة. فيقيل فيها ويستريح، ويكون بذلك أحسن مستقراً وقراراً وقيلولة من الكافرين المشركين، فهو في خير ورضاً ورحمة، والكافرون في عذاب وفي محنة وغضب.

стр. 774

تفسير قوله تعالى: (ويوم تشقق السماء بالغمام) قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان:٢٥ - ٢٦]. هذا اليوم يوم البعث والنشور هو يوم تتشقق فيه السماء وتزول وتتناثر، وتنزل ملائكة السماء الدنيا إلى الأرض، ويكون عددهم أكثر من عدد الإنس والجن في الأرض، فالسماء الأولى تتشقق وتتناثر وتتطاير وتزول وتفنى، وينزل ملائكتها للعرض على الله وللحساب. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان:٢٥] أي: تتشقق ويظهر منها نور وشعاع أشبه بالغمام، وهو نور من نور الله، فلله نور السماوات والأرض، ونوره ﷻ ظاهر في الكون، وبه أشرقت السماء والأرض، وبه هدى الله القلوب، وبه أشرقت نفوس المسلمين للحق والهداية، ويهدي الله لنوره من يشاء. وهذا النور الذي ينزل كالغمام ينزل منثوراً يراه من في الأرض ومن في السماء، ثم تنزل ملائكة السماء الدنيا إلى الأرض، ثم تتشقق السماء الثانية وينزل كذلك من فيها، وهم أكثر عدداً، وأكثر ملائكة وجموعاً، وأكثر من ملائكة السماء الأولى. وهكذا قل عن الثالثة والرابعة والخامسة فالسادسة فالسابعة. وينزل من السابعة الملائكة الكروبيون، أي: قادة الملائكة ورؤساؤهم كجبريل وكإسرافيل وكعزرائيل وبقية قادة الملائكة، واسمهم الكروبيون. وهؤلاء سكان السماء السابعة أكثر من جميع سكان السماوات الأخر وسكان الأرض، وينزلون كلهم فزعين، منتظرين أمر الله في الحساب والعرض عليه، في يوم كان مقداره كألف سنة مما تعدون. فيكون حساب المؤمن يسيراً هيناً، فلا يكاد يشعر به إلا كضحوة نهار إلى القيلولة، وتتم قيلولته على الأسرة في الجنان مع إخوانه المسلمين، ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]. وأما الكافرون والعصاة المذنبون ممن يريد الله عذابهم وتأديبهم وعقوبتهم فيكون عليهم العذاب والحساب عسيراً. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان:٢٥] أي: تتشقق ويظهر منها هذا الغمام والنور، وتكون قد زالت عن أماكنها. قال تعالى: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان:٢٥] أي: ينزلون بأمر الله، وينزل كل الملائكة الذين في السماوات جميعاً، وينزل بعد ذلك ربنا ﷻ يحمل عرشه ثمانية من الملائكة، وكل ملك من هؤلاء الملائكة من طوله ومن عرضه ومن عظمته ومن كبره ما لا يكاد يقبله عقل ولا تتصوره نفس حتى يرى ذلك رؤيا العين. وينزل ربنا نزولاً يليق بجلاله وبألوهيته، وكلما يخطر ببالك فربنا مخالف لذلك، وليس في ذلك شيء يشبه الخلق نزولاً وحركة، وإنما هو نزول كقولنا عن الله ﷻ : ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، وقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦]، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]. ونقول ما قاله ربنا، ونثبت ما أثبته نبينا ﷺ ، ونقرأ مع ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ونتلو مع ذلك: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]. فهو سبحانه لا كفؤ له في ذات، ولا شبيه له في فعال ولا ذات، وهو ربنا ﷻ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار. ونثبت ما قاله ﷺ : (ينزل الله ﷻ يوم القيامة للحساب وللقضاء وللفصل بين الناس). وتجتمع الملائكة الذي لا يحصي عددها إلا الله، وعددهم كعدد الحصى والرمل سماءً بعد سماء إلى السابعة، وهذا مضاف إلى ملائكة الأرض، فمع كل واحد منا ملكان، الملك الأول الذي عن اليمين يكتب الخير، والذي عن اليسار يكتب الشر. فهؤلاء جميعاً يجتمعون ويقفون إجلالاً وعظمة لربهم مع المتقين والمؤمنين كذلك. وأما المشركون والعصاة فقلوبهم تصل إلى حلاقيمهم رعباً وفزعاً وهلعاً مما هم فيه، والملائكة يقولون: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، فيسبحون ربهم ويقدسونه ويعظمونه، ولا ينقطع لسانهم ونطقهم عن الذكر والتكبير والتهليل والتقديس والتعظيم لربنا جل وعلا. قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان:٢٦] أي: الملك الحق هو للرحمن وحده، يوم أن يقول: أين الملوك؟ أين الجبابرة؟ أين الطغاة؟ فلا مجيب، فيجب الله نفسه ﷻ ويقول: أنا الملك، أنا الديان، أنا الخالق. وإذ ذاك لا ملك ولا سلطان ولا جبار ولا طاغية ولا من يقول: أنا، فالكل عبد مطأطئ رأسه؛ ينتظر نتيجة حسابه إما إلى جنة وإما إلى نار. ويكون الملك يوم ذاك الملك الحق الرازق الخالق، المنفرد بالملك وبالرزق وبالإحياء وبالإماتة، ويكون قد أمات من أمات وأحيا من أحيا، ثم أعاد الكل إلى الحياة الثانية وإلى البعث والنشور؛ ليحاسب كلاً على عمله. قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ﴾ [الفرقان:٢٦] أي: يوم القيامة، وهو يوم تتشقق فيه السماوات السبع، ويبرز منها الغمام والنور الإلهي، وهذا الذي يظهر كأنه الغمام ما هو إلا نور الله ﷻ ، وهو يوم تندثر فيه السماوات وتتوزع وتصبح هباءً وعهناً منفوشاً، وينزل الكل إلى الأرض؛ ليحاسبوا على أعمالهم، فأهل الجنة المؤمنون بالله إلى الجنة، والكفرة العصاة إلى النار. قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان:٢٦] أي: الملك الحق ليس لأحد، وأما الملك الذي نراه اليوم فهو ملك زائف معار، لو دام لدام للذي سبقه ولما فني الأول، وما فني الأول إلا ليفنى الثاني، فلا ملك إلا ملك الله، فالله ﷻ المالك المنفرد بالملك وبالخلق. قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان:٢٦]. وهذا اليوم يكون عسيراً على الكافرين, كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٥ - ٣٧]. وكما قال تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]، وهو يوم يشتد العرق بالناس فيه فيأخذ البعض إلى ركبته، والبعض إلى سرته، والبعض إلى صدره، والبعض يغرق في ذلك ولا يموت، ويختنق ولا يموت وهو في العذاب المقيم. وهذا اليوم يكون فيه للمؤذنين ميزة، ففي الحديث الصحيح: (المؤذنون يوم القيامة أطول الناس أعناقاً). ومعنى كون أعناقهم أطول أي: إنهم في هذا اليوم مهما غرقوا في عرقهم فأعناقهم طويلة فلا يصل العرق إلى حواسهم، فلا يصل إلى أعينهم ولا إلى أذانهم ولا إلى مناخرهم ولا إلى شفاههم، فيكونون بذلك في منجى عن الاختناق. فهذا اليوم يكون عسيراً على الكافرين وصعباً وشديداً، وتتعثر بهم الحياة إذ ذاك ويتعثر حسابهم، ثم يسحبون على وجوههم بعد الوقوف، وهم قد أتوا مفلسين من الإيمان ومن الصلاح ومن طاعة الله وطاعة أنبيائه، فيسحبون على وجوههم إلى النار، وهذا بعد أن يكون اليوم كألف سنة مما تعدون. وليس يوم القيامة يوماً واحداً بل هو أيام، ولكن الله يقصر ذلك على المؤمنين الأتقياء الصالحين فيكون كما بين الضحوة والقيلولة، وتكون قيلولتهم في الجنة، ولذا قال ربنا: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤].

стр. 775

تفسير سورة الفرقان [٢٧ - ٣٢] يحكي الله تعالى في هذه الآيات حال الكافر يوم القيامة حين يعض على يديه ندماً وحسرة على عدم اتباع هذا الكتاب، وهذا الرسول، وحسرة على طاعته لأئمة الكفر والضلال حتى ألقوا به في نار جهنم وبئس المصير.

стр. 776

تفسير قوله تعالى: (ويوم يعض الظالم على يديه) قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٢٧]. أي: هذا اليوم الذي يكون عسيراً على الكافرين في حسابهم وفي عذابهم وفي شدة محنتهم هو يوم يعض الظالم على يديه؛ ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٢٧]، ففي هذا اليوم يندم الكافر، والظلم هنا هو الكفر، والظالم هو الكافر، والكفر أشد أنواع الظلم. أي: يوم يعض الظالم والكافر في هذا اليوم يديه، وذاك كناية عن الندم، فالإنسان عندما يندم ويتحسر ويشتد ندمه تجده يعض أصبعيه، وقد ورد أنه يعض أصبعيه حتى يأكلهما ولا يشعر، وهو يقول: يا ويلتاه! يا ثبوراه! يا بلاياه! قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان:٢٧]، وليس على يد واحدة، وإنما يعض هذه إلى أن يأكلها والثانية إلى أن يأكلها. ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٢٧] و (يا ليتني) كلمة تمن فات وقتها، فلم ينتهز حياته قبل موته، ولا شبابه قبل شيخوخته، ولا صحته قبل مرضه، فندم ولات حين مندم، فيعض يديه وهو يقول: يا ليتني! فيتمنى ويتحسر في ألم وفي بكاء وفي حسرة، ولا نفع من ذلك كله. ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٢٧]، ليتني اتخذت مع الرسول طريقاً توصلني إلى الهداية وإلى الإيمان، وتنقذني مما أنا فيه، ولكن هيهات فقد انتهت الدنيا ولن يعود ما فات. والوقت سيف إن لم تقطعه قطعك، والإنسان عند الاحتضار ورؤية الملائكة يصبح الغيب بالنسبة له شهوداً وحضوراً، فلا تنفعه توبة ولا استغفار ولا شيء، و ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]. وهذا كما حصل لـ فرعون عندما أخذ في الغرق والاختناق، فصاح وقال: آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل، وهيهات، فقال الله له: ﴿آلآنَ﴾ [يونس:٩١] أي: هل هذا وقت الإيمان؟ فقد كفر يوم طلب منه الإيمان، وأشرك يوم طلب منه الهداية، وكذب نبيين صديقين رسولين كريمين، وما آمن حتى رأى ملائكة العذاب تنزع روحه من جميع جسده وخلايا بدنه، وهكذا هنا يفعل الظالم. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٢٧] أي: لا تنفعه ليت وقد انتهى وقت أخذ الطريق والسبيل والإيمان والهداية مع الرسول، فقد كان مكذباً له منتقصاً لمنزلته مشركاً بربه، ثم بعد التمني ينادي بالويل والثبور ويقول: يا ويلتي! يا ويلتى! كل تلك قراءات، ﴿لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٢٧]، فينادي بويله، والويل واد في جهنم كله قيح وصديد، فينادي بالنهر وبالوادي هذا، وبالقيح والصديد من النار، وينادي بويله وثبوره، ويتمنى لو لم يتخذ فلاناً خليلاً، ولكل إنسان خليل. والآية عامة في جميع الكفار، وسبب نزولها أن عقبة بن أبي معيط وأبا جهل وشيبة وأمية وخلف وعتبة وعتيبة هؤلاء الضالون المضلون كانوا يضللون الناس الذين يدعوهم النبي ﷺ إلى الخير والهداية، فكانوا يتبعون النبي ﷺ ويقولون لهؤلاء: لا تثقوا به ولا تصدقوه، نحن قومه وعشيرته، ونحن أعرف الناس به. فأضلوا أولئك الذين يقولون هذا يوم العرض على الله ويوم الحساب والنشور، وينادون بالويل والثبور ويقولون: يا ويلتنا أو يا مصيبتنا! ويقولون: ﴿لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٢٧]، وهذا نشاهده الآن وفي كل ساعة، فلا تكاد تجد كافراً سواء كان شيوعياً أو اشتراكياً أو ماسونياً أو وجودياً أو من عباد الصليب من النصارى أو من عباد العجل والعزير من اليهود أو من عباد الطبيعة أو من عباد الشمس أو عباد النار أو عباد الفروج أو عباد الأصنام والأحجار إلا ووجدته ضالاً مضلاً، تجده قد أضل شخصاً بعد أن هداه عالم أو داعية أو صالح أو مؤمن أو مسلم إلى عبادة الله، وحذره وأنذره وقال له: يا فلان! أقول لك الحق: من الذي خلقني وخلقك؟ ومن الذي خلق هذه السماوات العلى؟ ومن الذي خلق هذه الأرض وما عليها؟ أليس الله؟ هل كنت أنا وإياك قبل؟ وهل سندوم؟ وهل دام آباؤنا وأجدادنا؟ إلى أن كاد يؤمن، فيأتيه مجنون أو شيوعي أو مرتد أو نصراني أو يهودي ويقول له: أتقبل هذا الكلام من هذا؟ هذا رجعي متأخر يؤمن بالأديان وبالأنبياء وبالأكاذيب وبالأضاليل، وهكذا يضله ثم عندما يبعث يبعث معه، فتجده يصيح ويتمنى وهيهات، ولات حين مندم، ولا ينفع التمني إذ ذاك إلا زيادة في الحسرة وفي التوجع والألم، وتجده يصيح ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٨]. أي: لم أتخذه أخاً يخالل مني الجسم والروح، أي: خالله إلى أن سلمه حياته ومستقبله، فأضله وأوصله إلى لما توصل إليه الشياطين الإنسان، ولم يعتذر إلا بعد أن أصبح في السعير والجحيم الدائم الخالد، قال: ﴿يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان:٢٨]. ويقال: خليل وصديق وأخ. وأما الأخوة العامة فهي الأخوة بين المسلمين، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، وليس غير المسلم أخاً لك. ولا تغتر بما يسمى بالإنسانية، فهي تعاليم وأضاليل يهودية، ولا بقولهم: الوحدة، فإنهم يعنون الوحدة مع اليهود، ولا الحرية؛ فإنما يعنون حرية اليهود. والإنسان ضال مضل، كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢]، فالإنسان كله خاسر، وهو أشد من الحيوان ضراوة وحيوانية ووحشية إلا من استثنى الله بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر:٣]، والإنسان غير المؤمن حيوان أعجم كالأنعام، بل هو أضل، فالأنعام تستفيد من بطونها ومن ظهورها ومن أوبارها وأشعارها، وهذا الكافر الحيوان الأعجم إنما ضيق على الخلق ظاهر الأرض، فبطن الأرض خير له ولك من وجوده عليها. قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر:١ - ٣]، ويكفي الإنسان أن يموت وهو يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويكفي أن يموت وهو يعتقد ذلك جناناً وإن لم ينطق به عند الموت. وقد قال نبينا ﵊: (من مات وهو يقول: لا إله إلا الله دخل الجنة)، وقال ﷺ : (من مات وهو يعلم أن لا إله إلا لله دخل الجنة). فهذا المؤمن ولو فعل كل أنواع الفسق فإن نعله وحذاءه وما يقع من رجليه أشرف من أكبر إنسان وفيلسوف وإمبراطور في الأرض إذا كان كافراً، والمؤمن هو سيد الخليقة بعد الأنبياء والرسل. ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر:٣] أي: المؤمن الذي يعمل الصالحات، والصالحات قيامه بالأركان الخمسة بعد الشهادتين: الصلاة والزكاة والصيام وحج بيت الله الحرام إن استطاع إليه سبيلاً. ثم الرتبة الثالثة: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣]، فهؤلاء الذين دعوا إلى الله، وتحملوا في سبيل دعوتهم ما يتحمله كل داع إلى الله كما تحمل الأنبياء: هم في أعلى الرتب، وأما الإنسان غير المؤمن فليس إلا حيواناً أعجم، فلا كرامة له ولا شرف، ونحن اليوم في جامعاتنا نقول: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، والعلوم الإنسانية هي الاتفاق مع اليهود والاتحاد مع الملحدين والتعاون مع النصارى، وهذا ما قاله القرآن ولا دعا إليه ولا حض عليه، ولا يقبله الله ورسوله ﷺ . فالله لم يقل إلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، وما عدا ذلك فليس بأخ لنا، فإن كان كافراً يقول على سيد البشر الكذب ولا يؤمن بالله الخالق فلا يزيد على أنه حيوان أعجم. والله قد أخبرنا في كتابه بأن كل ما على الكون من جماد وحيوان يذكر الله، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]. وهذا الكافر الإنسان لا يسبح، وإنما يكفر ويشرك رغم كونه من الأمة المحمدية، وهو من أمة الدعوة المحمدية، وأما أمة الاستجابة فهي الأمة المؤمنة. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٨]، والخلة أعلى رتب الأخوة، ومن هنا يقول النبي ﵊: (لولا أن الله اتخذني خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً) ومن هنا قيل عن إبراهيم: خليل الرحمن، ونبينا كذلك خليل الرحمن، والخليل هو من خاللت محبته جميع خلايا الجسم، وهذه رتبة لا تليق إلا بالله، ولذلك فالنبي ﵊ لم يتخذ خليلاً إلا ربه وخالقه، وقال عن أبي بكر: (ولكن أخوة الإسلام) أي: أفضل بالنسبة للأخوة البشرية.

стр. 777

تفسير قوله تعالى: (لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني) قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٩]. يقول هذا الكافر: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٩]، وأين كان يوم كان يكذب النبي ويسخر به ويقول: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ ويقول: لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا، فأين كان عقله وفهمه ووعيه؟ فالآن أخذ يبكي ويتحسر ويأكل يديه تحسراً وندماً ويقول: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ [الفرقان:٢٩] أي: يقول عن خليله هذا: إنه أضله ولم يهده وأضاعه عن الطريق السوي الذي دعاه إليه سيد البشر وخاتم الأنبياء ﷺ ، وترك الطريق السوي المستقيم وخرج عنه إلى طرق الضلال، وترك القيادة المحمدية إلى قيادة الشيطان، وترك قيادة الخلفاء الراشدين إلى قيادة ماركس ولينين، وغيرهما من الأسماء القذرة الوسخة، وترك الحق والنور إلى الباطل والظلمة، وأخذ يبكي الآن ويتحسر بعد أن فاته الوقت. ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان:٢٩] أي: عن ذكر ربه وتوحيده ودينه ونبيه، وكل ذلك ذكر، فهو قد ضل عن معرفة الله والإيمان به، وعن الإيمان بكتاب الله وأنه كلام الله وقوله وكذب به، وعن كون محمد خاتم الأنبياء وسيد الرسل والخليقة، فهو الآن يتحسر ويبكي ويأكل يديه ندماً، وبدلاً من أن يرى محمداً صباحاً ومساءً، ويجالسه صباحاً ومساءً فإنه لعمى قلبه وضلال فكره ولظلمة التي أحاطت به ضاع عن النور المشرق من النبي ﷺ الذي أشرق على كل البشر منذ قام في هذه البقاع المقدسة، ودعا الناس جميعاً وقال لهم: إني رسول الله إليكم جميعاً، وبقي هذا الإشراق للكل إلا عليه؛ بسبب عمى بصره. ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٩]، والشيطان شيطان الإنس وشيطان الجن، فالآن انقلب على خليله فأصبح يسميه الشيطان، ويقول: إن الشيطان قد خذله، أي: لم يؤازره ويؤيده ويساعده في ما سمع من القرآن من نبي الله ﷺ ، وفي الهداية من نبي الله ﷺ ، وفي النور الذي سمعه من الخلفاء الراشدين والصحابة الأكرمين، ومن جاء بعدهم من العلماء الوارثين لدين الله والداعين إليه. يقال: فلان خذل فلاناً، أي: لم ينصره ويؤيده ويساعده، فقد ضاع عن الحق وخذل عنه ولم ينصر ويؤيد، هكذا يقول الآن عن هذا الشيطان؛ شيطانه الإنسي قبل أن يكون شيطان الجن.

стр. 778

تفسير قوله تعالى: (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً) قال تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]. يتأسف عليهم ﷺ الذي كان في الحياة الدنيا حريصاً على إيمانهم، وعزيزاً عليه ألا يؤمنوا، وشديداً عليه أن يكفروا، فهو مع كل هذا والدنيا قد انتهت وأصبح الناس واقفين بين يدي الله للحساب وللقضاء يقول الرسول محمد ﷺ : ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠] أي: أمتي. وهي من أرسل إليهم، وهم الجن والإنس، والأبيض والأحمر والأصفر، وكل عجمي وعربي، ومن في المشارق والمغارب والشمال والجنوب، وسكان المعمورة منذ برز ﷺ وهو يقول: إني بشير ونذير، وإنما أرسلت رحمة، وكنت رحمة مهداة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]. ومنذ ذلك الوقت وإلى يوم البعث والنشور فكل هؤلاء قومه وأمته، فمن استجاب فهو من أمة الإجابة، ومن تمرد فهو من أمة الكفر والعصيان والتخلف. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، فهم هجروه فلم يحكموا به، فهجروا أحكامه وحكموا بأحكام اليهود والنصارى، وهجروه فلم يدرسوه، ولا يدرس اليوم في جامعات الدنيا إلا الكلام والحرف والصنائع وما إلى ذلك، وأما كتاب الله وما فيه من علوم علوية وسفلية، من معارف فيها خبر من قبلنا ونبأ من بعدنا وحاضر ما بيننا كل هذا قد ترك، وحتى إن درس في كليات فقد أبعدوه عن الحياة العامة، وعندما أبعدوا الإسلام أبعدوا كذلك علماءه وحفاظه، وأبعدوا علماء القرآن والسنة، وعلماء الإسلام وهجروهم بهجرانهم لله ولكتاب الله ولسنة رسول الله ﷺ . ومن فعل هذا فسيكون جزاؤه ما قص الله علينا من هؤلاء، يوم يعض الظالم على يديه وهو يبكي ويصيح ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٢٧]، وينادي بالويل والثبور ويقول: ﴿يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٨ - ٢٩]. وسيقول هذا يوم لا ينفعه هذا القول ولا هذا الاعتراف، وهو يسمع الآن ماذا يقول في كتابه، ويسمع النبي ما يقول في سنته ﷺ ، وإذا به يصعر الخد ويعرض عن ذلك ويصد ويقول: قراءته انتهت، ودراسته رجعية. وهكذا ليزداد اليهود طغياناً على المسلمين، ودوساً بأقدامهم على كراماتهم. وما يجري اليوم هو عقوبة إلهية للمسلمين لما طالبوا بـ ماركس أن يكون لهم إماماً ونبياً، وهو يهودي قذر، ابن حاخام أقذر وألعن، وأصبحت تسمع بعض المسلمين يقولون: أنا مسلم ماركسي، أنا اشتراكي إسلامي، وهكذا يعلن خزيته ولعنته على لسانه قبل لسان غيره، فمتى كان اليهودي مسلماً؟! ومتى كان المسلم يهودياً؟! ويقول آخرون بعد ذلك: لم سلط الله علينا اليهود؟ ولم سلط علينا الشيوعية؟ سلطهم علينا لموقفنا هذا الذليل، ولبعدنا عن الله وكفرنا وإشراكنا به وإعراضنا عن كتابه. وهكذا يتحسر نبينا ﵊ على أمته مؤمنها وكافرها يوم القيامة، ويجأر ويضرع بصوته ويقول: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، فقد هجروه حكماً ودراسة وتعليماً وتلاوة وتبياناً، وهجروه في كل شيء يتعلق به قولاً وعملاً، فكان ما نرى. وقد ذل المسلمون بهجرانهم لكتاب الله الذي أعزهم ورفع شأنهم وجعلهم سادة الأرض لمدة ألف عام، وصبر الله عليهم كما قال النبي ﵊: (لا أحد أصبر على الأذى من الله)، فقد كفروا به ورزقهم، وقالوا عنه وأعطاهم العينين والشفتين والصحة والشباب والقوة والمال، وهم لا يزدادون بذلك إلا كفراً، كما يقول الملائكة وعيسى والعزير والصالحون لربهم يوم القيامة عندما يسألهم عن ضلال من ضل وأشرك بهم فيقولون: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ [الفرقان:١٨]، فقد متع الله هؤلاء بالحياة وبالأرزاق وبطول الأعمار حتى نسوا ذكر ربهم ودينه. وهكذا أمهلهم الله ورزقهم وما زادهم ذلك إلا عتواً وفساداً في الأرض، ولكن الله ﷻ يمهل ولا يهمل، فإذا أخذ الظالم أخذه أخذ عزيز مقتدر ولن يفلته.

стр. 779

تفسير قوله تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين) قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان:٣١]. يعزيه ربه ويسليه بألا تبأس ولا تحزن فإن العاقبة لك، فإن رأيت هؤلاء المجرمين في عصرك يشتمونك ويكذبونك ويؤلبون الناس عليك من أمثال أبي لهب وأبي جهل وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف وشيبة بن خلف وعتبة بن ربيعة وأمثالهم من الجبابرة الطغاة؛ فهكذا كان الأنبياء قبلك، فقد كان لكل نبي أعداء مجرمون يؤذونهم ويشتمونهم ويتعرضون لهم بالسوء، كما قص الله ﷻ علينا ذلك في قصص نوح وهود وصالح وإبراهيم والأنبياء قبل نبينا جميعاً على نبينا وعليهم سلام الله وصلاته. يقول الله ﷻ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان:٣١] أي: كما جعلنا لك عدواً فكذلك كان للأنبياء قبلك، فقد كان هناك مجرمون يجرمون في حقهم، ويكذبونهم ويشنعون عليهم ولكنهم صبروا وثبتوا، فكانت العاقبة لهم، وكذلك أنت يا محمد! اصبر واثبت فالعاقبة لك. وقد كان ذلك، فعندما دخل مكة فاتحاً وقد ذلت الجزيرة لسلطانه ولأمره ونهيه جمعهم كما تجمع العصافير في ركن من أركان غرفة، وقال لهم: (ماذا ترون أني فاعل بكم؟) فأخذوا يتملقونه ويقولون: (أخ كريم وابن أخ كريم)، وإذا بالنبي ﷺ بعد قدرته وعزته وسلطانه يعفو عنهم ويقول: (اذهبوا فأنتم الطلقاء). ومنذ تلك الساعة لم يبق في الجزيرة ولا خارجها من يتعرض له، بل إنه هو ﷺ قبل أن يموت ﵊ وجه جيوشه في غزوة مؤتة وغزوة تبوك لحرب الروم المجاورين المهددين للإسلام ولنبي الله ﵊. وما كاد يذهب إلى الرفيق الأعلى حتى جاء خليفتاه العظيمان، بل الخلفاء الراشدون الأربعة فنشروا الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، فأخذوا الشام والعراق ومصر وفارس والمغرب، ودان الكل بدعوة الله وبدين محمد ﵊. وهكذا خلال نصف قرن كان العالم من أقصاه شرقاً من الصين إلى جبال الألب في أرض فرنسا غرباً، وما بين ذلك شمالاً وجنوباً يدينون بدين الإسلام، وكلهم يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، والمآذن في جميع هذه البقاع مدناً وقرىً وجبالاً ووهاداً وبحاراً وفي كل مكان تؤذن الأوقات الخمسة بكلمة التوحيد. وهكذا كانت العاقبة والنصر والتأييد له ﷺ ، وهكذا عاقبة كل الدعاة إذا صبروا وأخلصوا وأنابوا، فالعاقبة للمتقين. قال تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان:٣١] أي: يا محمد! إن أعرض عنك جماعة وأجرموا في حقك وخذلوك وكذبوك وعادوك وأصبحوا مجرمين بالتكذيب وبتكفير المؤمنين بك، وقولهم عنهم: بأنهم صابئون -كما نقول اليوم: خائنون- تركوا دينهم الوثني وعبادة الأصنام إلى عبادة الله فيكفيك الله هادياً ونصيراً، فالله هاديك إلى الطريق الحق، وإلى الطريق المستقيم، وإلى وسائل النصر وغايته ونصره، وقد فعل ﷻ ، فهداه إلى الطريق الحق الموصل إلى الجنة وإلى الرحمة وإلى الرضا، وكذلك كل من تبعه ودان بدينه وقال بقوله، وهو وحده النصير والمؤازر والمؤيد ﷻ ، ومن كان الله معه وناصره فلا يحسب لأحد في الأرض حساباً، ولا يخاف أحداً إلا الله. ولذلك كان شعار المؤمن هو الكلمة التي نقولها عشرات المرات في كل يوم في بداية الصلاة، وفي كل حركة من حركات الصلاة، وفي الأذان وفي الإقامة، وفي صلوات الفرض النافلة: الله أكبر. فالله أكبر تعني: لا كبير مع الله، وكل ما خطر بالبال من طاغية أو فاجر أو ظالم أو جبار فالله أعظم وأقوى منه، وهو الذي يسلطه علينا إن شاء. وما من جريمة أو ذنب أو عقوبة إلا نتيجة ذنب وجريمة، ولذلك فالمؤمن الحق إذا ضاقت به الأرض، وكثرت عليه الأعداء وتألبوا من مختلف بقاع الدنيا رفع يديه إلى الله وتضرع إليه قائلاً: يا رب! يا رب! ليس غيرك هادياً، وليس غيرك ناصراً، وخاصة في الثلث الأخير من الليل عندما ينزل ربنا إلى سماء الدنيا ويقول: (هل من داع فأستجيب له؟ هل من شاك فأشكيه؟ هل من جائع فأشبعه؟ هل من عار فأكسوه؟ هل من مظلوم فأنصره؟). وتلك الساعة والناس نيام إذا رفع الناس أيديهم لربهم وهم قائمون راكعون ساجدون فقمن أن يستجيب الله دعاءهم ويقبل ضراعتهم. فالله ﷻ القادر على كل شيء أمرنا بالدعاء وضمن لنا الإجابة، قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]. وقال العارف: لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه من فيض جودك ما علمتني الطلبا أي: ما ألهمك الدعاء حتى ضمن لك الإجابة، وكل ذلك شرح لقوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠].

стр. 780

تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن) قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان:٣٢]. فهؤلاء الكافرون لا ينتهون عن الغث من القول، وعن سخافة المنطق ورذالة العقول، فقالوا هذه المرة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان:٣٢] أي: بعد أن طلبوا أن الملائكة تنزل إلى الأرض لتصدقه، وطلبوا الرب لينزل بنفسه ويصدقه، وبعد أن قالوا: لم هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ قالوا هذه المرة: ولم هذا القرآن ينزل آية آية وسورة سورة؟ لماذا لم ينزل دفعة واحدة؟ قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان:٣٢] أي: لم لا ينزل القرآن جملة واحدة؟ في ساعة واحدة؟ ولو كانت لهم عقول تفهم وتدرك لفهموا لماذا. فالقرآن نزل خلال ثلاث وعشرين سنة من نبوة النبي ﵊ منجماً مرتلاً رتلاً بعد رتل، وآية بعد آية، حسب المصالح والنوازل والأحداث وما يحتاج إليه، فكانت تحدث الحادثة مع يهود فينزل قول الله تعالى يبين الحق في ذلك، وتحدث حادثة مع الوثنيين وعباد الأصنام فتنزل آية تبين الحق في ذلك. وقد أنزل الله في مكة المكرمة من الآيات ما يدعو للتوحيد، وترك الأوثان، والتخلق بالأخلاق الفاضلة، والتخلي عن الأخلاق الرذيلة الفاسدة فقط، والآيات المكية والسور المكية كانت في أغلبها وفي عمومها آيات تزيف الشرك والوثنية، وتبعد الناس عن عبادة الأصنام والأحجار، وتدعو إلى عبادة الله الواحد، وإلى التصديق بمحمد نبياً ورسولاً وخاتماً للأنبياء ﷺ . وقد ثبت ذلك خلال اثني عشر عاماً مع الشدة والتحمل وإيذاء قريش للنبي ﷺ والأصحاب المكرمين المبجلين، حيث كانوا يعذبون وينكل بهم إلى أن يموت من يموت، فقد ماتت سمية أم عمار وزوجة ياسر، وقد كان أبو جهل يعذبها ويدعوها للكفر بالله وبرسالة محمد، وهي تأبى وتقول: لا إله إلا الله، إلى أن توتر عصبه وفقد صبره وجن جنونه فطعنها في قبلها بحربة، فماتت شهيدة وهي تقول: لا إله إلا الله. وقد مر سيدنا ﷺ عليها وهي تعذب هي وزوجها وولدها عمار فلم يقل لهم أكثر من: (صبراً آل ياسر! إن موعدكم الجنة). وكان بلال يربط بحبال ويسلم للأطفال فيتلاعبون به في أزقة مكة، ويؤتى به في الحر الشديد وقت الظهيرة فيلقى عليه الحجارة وكأنها جمر متقد، فيقول له أبو جهل وأبو سفيان وعقبة بن أبي معيط: اكفر بالواحد، فكان يقول: أحد أحد. وهو عبد أسود مشترىً بالمال، فلم يقتلوه؛ خوفاً من أن يضيعوا مالهم الذي اشتروه به. وبعد أن عذب هذا العذاب اشتراه أبو بكر وأعتقه، فقد مر أبو بكر عليهم وهم يعذبونه وقال لهم: ماذا صنع هذا الغلام؟ لم كل هذا العذاب؟ أتبيعونه لي؟ ففرحوا؛ لأنه لم يضع مالهم فيه، فاشتراه ثم أعتقه. ثم أصبح بلال هذا داعياً بكلمة التوحيد، ولما دخل مكة فاتحاً ﷺ أصعده على ظهر الكعبة يؤذن: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وكان شيوخ الكفر لا يزالون موجودين، فأخذوا يصيحون بالويل والثبور ويذكرون آباءهم وأجدادهم ويحمدون لهم أن ماتوا ولم يروا هذا الذل، وهو أن يصعد هذا العبد الأسود على ظهر الكعبة ويدوسها بقدميه، ويعلن عن محمد أنه نبي، ويبطل الأصنام المتعددة ويدعو للإله الواحد. ولكن بلالاً كان سيدهم وأشرفهم وأكرمهم، فقد كان مؤمناً لله موحداً، وكانوا هم مشركين وثنيين عباداً للشيطان وللأصنام. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان:٣٢] أي: لم لم ينزل عليه القرآن جملة واحدة؟ وما هذا الفضول؟ وماذا يعنيكم ذلك ما دمتم كافرين؟ فإن أسلمتم فتعالوا فاسمعوا لماذا، وإن بقيتم على الكفر فماذا يعنيكم ذلك؟ والله لم يقل الجواب، ولكنه فهم من خلال الآية، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان:٣٢] أي: أنزلناه كذلك منجماً على مدة ثلاث وعشرين سنة ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان:٣٢]، فالوحي ثقيل، والأمانة بحمل القرآن أثقل، ولو حمله الله لنبيه ﷺ دفعة واحدة لما حملتها ذاته الضعيفة، ولكن الله أنزله عليه شيئاً شيئاً وزمناً زمناً؛ ليتثبت وليتيقن وليزداد إيماناً ويقيناً ومعرفة، وليثبت به فؤادك وقلبك على الدعوة، وعلى القرآن، وعلى الوحي، وعلى الدعوة إلى الله ونشر هذا الإسلام.

стр. 781

تفسير سورة الفرقان [٣٢ - ٣٨] لقد استغرب المشركون من نزول القرآن على الرسول ﷺ مفرقاً، وقالوا هلا نزل جملة واحدة، وزعموا أن الكتب السماوية السابقة نزلت على الأنبياء جملة واحدة. ولم يفقهوا أن نزول القرآن مفرقاً منجماً فيه من الحكم والفوائد الشيء الكثير.

стр. 782

تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) قال الله ﷻ : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان:٣٢]. يقول هؤلاء الذين كفروا على كثرة ما قالوا من حماقات شنعاء لا معنى لها في دين ولا دنيا، وإن هو إلا الحقد والبغضاء للحق وللدين ولنبي الإسلام ﷺ . فقالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ﴾ [الفرقان:٣٢] أي: هلا نزل عليه القرآن، ﴿جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان:٣٢] أي: دفعة واحدة، وإنما نزل عليه منجماً يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، وسنة بعد سنة. فيقول الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ [الفرقان:٣٢] أي: كذلك أنزلناه منجماً مفرقاً خلال ثلاث وعشرين سنة للمصالح التي تتجدد، ولما هناك من ناسخ ومنسوخ، وأحكام وقصص، وأسئلة يسأل عليها كافرون ومؤمنون. فلو نزلت الآية التي فيها سؤال قبل السؤال لكانت قد نزلت في غير موضعها، وفي غير وقتها، فلا تؤدي المعنى الذي أدته وقت الحاجة لذلك، وكانت الحاجة في مكة إلى الدعوة إلى الله وتوحيده، وإلى تزييف الأصنام، والتعريف بأن الشرك بالله ضلال وباطل، وإلى أن الله لا ثاني معه لا في ذات ولا في صفات ولا في أفعال. وبعد أن مر على الإسلام والمسلمين اثنا عشر عاماً، وهاجر النبي ﷺ إلى المدينة المنورة أخذت الأسباب تدعو لأن يكون ثم آيات أخر ووحي آخر ينزل بأحكام الحلال والحرام، وينزل بالآداب، وينزل أجوبة للأسئلة. وكثيراً ما قال تعالى في كتابه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:٢١٩]. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، فهذه الأسئلة لو نزلت أجوبتها قبل سؤالها وقبل الحاجة إليها لما أدت المعنى المطلوب. أما الثانية: فالوحي شيء ثقيل ومهمة لا تكاد تحملها الجبال الرواسي، فعندما نزل الوحي في غار حراء على نبينا ﵊ رجع إلى زوجه أم المؤمنين خديجة وهو متزعزع النفس، يقول لها: (زملوني زملوني) أي: غطوني، وهو لا يعلم ما الذي حدث إلا ساعة نزول جبريل، وقد ضمه إليه ضمة كادت أضلاعه أن يدخل بعضها في بعض، وهو يقول له عند كل مرة: (اقرأ، فيجيبه: ما أنا بقارئ) هكذا ثلاث مرات، إلى أن قال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥]. ثم انقطع الوحي قيل: ثلاث سنوات، وقيل: بضعة أشهر، حتى اشتاقت النفس النبوية الكريمة لتلقي الوحي، وقد أعدت روحه ونفسه لذلك، ثم أخذ الوحي ينزل متقطعاً ثم متتابعاً، وقبل أن يموت بقليل ﷺ صار ينزل عليه الوحي في كل حين وفي كل وقت، سفراً كان أو حضراً، ليلاً أو نهاراً، ينزل عليه وهو مع الناس، أو في بيته، وهكذا إلى أن نزلت آخر آية على رسول الله ﷺ في حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. فعندما أخبر بكمال الإسلام، وبتمام النعمة والرحمة إذ ذاك كان الوحي قد نزل متتابعاً. أما سبب سؤال الكفار للنبي أن ينزل عليه القرآن دفعة واحدة فهو زعمهم أن التوراة والإنجيل والزبور نزلت على أنبيائها دفعة واحدة. فنزلت التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود، ولكن هذا لم ينقل عن رسول الله ﷺ فيبقى كلاماً قد قيل، ولعله قد بلغنا عن علماء أهل الكتاب، ونحن لا نصدق ذلك منهم ما لم يؤكده آية من كتاب الله، أو حديث عن رسول الله ﷺ . فالقرآن نزل جملة واحدة للسماء الدنيا، ثم أخذ جبريل ينزل به منجماً، مرتلاً رتلاً بعد رتل، وأرسالاً بعد أرسال على نبينا ﵊، فقد قال تعالى في سورة القدر: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١]. أي: أنزل الله كتابه القرآن الكريم إلى السماء الدنيا ليلة القدر؛ ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان، ثم تكفل جبريل بأن ينزل به على نبينا ﵊ بالمناسبات، وعند الحاجة، وعندما يسأله سائل أو تحدث قصة أو حدث، وهكذا. وسؤال الكفار بأن ينزل القرآن على نبينا ﵌ جملة واحدة ودفعة واحدة، أو ينزل وقتاً بعد وقت وزمن بعد زمن ماذا يفيدهم ذلك وهم لا يزالون على كفرهم؟ إن هو إلا الفضول، والكفر والقول بغير علم وبغير فهم وبغير إدراك. قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ [الفرقان:٣٢] أي: كذلك لم ننزله جملة واحدة، ولا في زمن واحد، ولا مرة واحدة، بل نزلناه في مكة وفي المدينة وما بينهما، والنبي مسافر أو حاضر أو كان بين قومه وهكذا؛ ليتقبل ذلك بنفس قوية، ويكون استعداده لذلك استعداد الرجال المتحملين لثقل المهمة والرسالة. فكان ﷺ إذا نزل عليه الوحي وكان بجانبه أحد ووقعت ركبته عليه فإنه يحس بثقل شديد، وتكاد عظامه تتكسر لثقل ما يشعر من الركبة النبوية عندما يتنزل عليه الوحي. وكان ينزل الوحي على رسول الله ﵊ وهو على ناقته فتشعر بأن الناقة تحمل أطناناً من الثقل، حتى تكاد أن تعجز عن حمل ذلك وتقع؛ لثقل ما تحمله من الوحي. ولذلك فإن هذا الوحي لو نزل جملة واحدة لما تحملته الذات البشرية التي هي من عصب ولحم ودم، فكان الله ينزله زمناً بعد زمن؛ إعداداً للنفس النبوية لتستطيع تحمله. قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان:٣٢] أي: ليثبت قلبك، وترسخ نفسك، وتستقر على قبول ذلك، وتلقيه، ووعيه، وفهمه، وحفظه؛ ليؤديه بدوره للناس حلالاً وحراماً، عقائد وقصصاً، آداباً ومعاملات. وقوله تعالى: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان:٣٢] أي: نزلناه شيئاً بعد شيء، ورتلاً بعد رتل، ووقتاً بعد وقت، وزمناً بعد زمن، مرتلاً مفهماً؛ ليستطيع ﷺ تقبل ذلك بوعي كامل وفهم كامل وحفظ كامل. ولذلك كان ﵊ والوحي ينزل عليه يخاف أن يفلت منه، فتجده يعيده مع نفسه، فأمر ألا يعيد الآية ويكررها، بل يستمع ويعي إلى أن ينتهي، فالله قد تكفل له بذلك، وقد تم له كما يريده.

стр. 783

تفسير قوله تعالى: (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً) قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان:٣٣]. أي: لا يأتيك هؤلاء الكفار بمثل من الأمثال التي يضربونها لك بالمتشابهة من الأضاليل والأباطيل إلا جئناك بالحق الذي يزيفها، ويدحضها، ويكشف باطلها، مما يصلح حقاً تدركه النفوس السليمة والعقول المدركة، أما التي لا علم عندها ولا نور ولا إيمان معها فتلك كالأنعام بل هي أضل. فقوله: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان:٣٣] أي: بضرب مثل أو تشبيه، فقد كانوا يقولون فيه تارة بأنه افترى، وتارة بأنه بشر من الناس يأكل ويشرب، ويتنقل في الأسواق، ويتزوج كما نتزوج، ويتألم كما نتألم، ويسر كما نسر، فهذه الأمثال التي يأتون بها يأتي الله عليها بالحق وبما هو أحسن تفسيراً، وأبين وضوحاً، وأكمل وعياً وأداءً. وأصل التفسير: الفسْر، والفسْر معناه: الكشف، ويقال: نحن نفسر كتاب الله، أي: نكشف حقائقه، ونبين معانيه، ووقت نزوله، وماذا يراد به مما فسره به المصطفى ﷺ والصحابة الأكرمون والتابعون لهم بإحسان، وما ورد في ذلك من إجماع، وما تؤديه اللغة العربية بلاغة ونحواً ولغة. فالتفسير: التبيين والكشف والفسر عن الشيء حتى يبين ويوضح، فيقول تعالى: ما ضرب هؤلاء الكفار أمثالاً لك لضلالهم وزيغهم ما أنزل الله بها من سلطان إلا وأجبناك عليها بالحق، وبالواقع، وبما ليس فيه زيف ولا باطل، وهو أحسن تفسيراً، وأحسن بياناً، وأحسن كشفاً. وكلمة (أحسن) هنا ليست على بابها، فمعنى القرآن حسن التفسير، أي: حسن الإيضاح والبيان، أما أمثالهم فلا حسن فيها، ولا بيان معها، ولا كشف لحقيقة تؤخذ منها.

стр. 784

تفسير قوله تعالى: (الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم) قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٣٤]. هؤلاء الكافرون الذين يهرفون بما لا يعرفون، والذين يضربون لك الأمثال الضالة الباطلة؛ زيغاً وفساداً وصداً عن الله وعن كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، سيحشرون يوم القيامة على وجوههم إلى جهنم. وسئل النبي ﵊ كيف يكون ذلك؟ فكان الجواب ( الذي جعله يمشي على قدميه قادر على أن يجعله يمشي على وجهه) وقد فعل ﷻ ما أخبر؛ لكفرهم في الدنيا، ولطغيانهم، ولكبريائهم على الله ورسوله، ولتعاظمهم على عباد الله، وعلى العارفين بالله، وعلى الداعين إلى الله. فهؤلاء الكافرون الذين لم يؤمنوا بالحق عندما يحشرون فإنهم يحشرون على وجوههم، فتكون وجوههم إلى الأسفل، فقد كانوا في الدنيا يمشون على أقدامهم، ففي يوم المحشر يمشون على وجوههم زاحفين، ويبقون في المحشر كذلك إلى أن يصدر الأمر الإلهي للملائكة بأن يجروهم كذلك إلى جهنم وبئس المصير. وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [الفرقان:٣٤] أي: الذين ضربوا الأمثال لرسول الله ﷺ ، واتهموه في صدقه، وفي علمه، وفي الكتاب المنزل عليه، وفي عقله وإدراكه وقالوا وقالوا، هم شر مكاناً. والشر أيضاً على غير بابها، فهم الأشرار، وهم المبطلون، وهم الفاسقون، وهم الكذبة الفجرة. وأما سيد البشر ﷺ فهو في الذروة العليا: مكاناً وصلاحاً، وتقىً، وصدق رسالة، ونبوءة تبليغ وبلاغ بما كلفه الله به أن يبلغه. وأما أولئك الكفرة الفجرة فأولئك في مكان شر وفاسد، في جهنم وساءت مصيراً. وقوله: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٣٤] أي: هم الأضل طريقاً، وأيضاً معنى (أضل) هنا على غير بابها، أي: هم الضالون في طريقهم وفي سبيلهم، فليست الطريق التي يسلكونها إلا طريق الكفار والمغضوب عليهم، والضالين والمشركين. وأما طريق النبي ﷺ فهو الطريق المستقيم، وطريق الأنبياء والمرسلين، وهو الطريق الذي أمر الله به، ودل عليه كتاب الله، وهو الطريق الذي فسره وبينه بوحي من ربه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. ولذلك فإن الدنيا فيها ظلمة ونور، وحق وباطل، فللمؤمن النور والحق، ولمن سوى ذلك الضلال والظلمة والفساد والزيغ عن الحق ﴿أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٣٤].

стр. 785

تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيراً) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا * فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان:٣٥ - ٣٦]. قد بينا وفصلنا في غير ما سورة من السور قصة موسى وهارون مع فرعون وبني إسرائيل، وقصة نوح مع قومه، وقصة هود مع عاد، وقصة صالح مع ثمود، وقصة لوط مع قومه. فالله كرر هذا إشارة وتلويحاً مختصراً؛ ليهدد وينذر هؤلاء الكافرين بمثل العذاب الذي لقيه أولئك الكفار الجاحدون، ألم يأخذوا منهم عبرة وآية ودرساً؟ ألا يزالون مصرين على كفرهم وقد سمعوا ما جاء به الكتاب وبينه رسول الله ﷺ فيمن فعل فعلهم من الأمم السابقة كيف لعنوا ودمروا وانتهوا، ولعذاب الآخرة أشد وأنكى؟! فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الفرقان:٣٥] وهو التوراة. ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ [الفرقان:٣٥] أي: جعل موسى نبياً وعززه وأيده بأخيه هارون، فكان نبياً له مؤيداً ومؤزراً ومعيناً، والوزير: المعين والمساند والمؤيد. فقد طلب موسى من ربه أن يرسل معه أخاه هارون، فاستجاب الله له فأرسلهما معاً إلى فرعون وهامان وقارون، وإلى القبط وبني إسرائيل. فجعله الله نبياً ووزيراً، مساعداً ومؤيداً ومعضداً ومسانداً، فكان كلاهما نبياً رسولاً، وكلاهما ذهب إلى هؤلاء فدعواهما إلى الله، وأتيا عن الله بالآيات البينات التي أعجزتهم، والتي ما زادتهم مع ذلك إلا الكفر والإصرار على الكفر. ونبينا ﵊ يدعو قومه إلى الله وإذا بهم يقفون في وجهه كما وقف الكفار في وجوه الأنبياء السابقين. فقال تعالى لموسى وهارون معاً: ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان:٣٦]، فذهب موسى وهارون إلى فرعون فقالا: إنا رسولا ربك. وذهبا إلى قارون وهو من بني إسرائيل، وقد كانت خزائن ملكه وأمواله تعجز عنها العصبة أولوا القوة، كانوا يعجزون عن حمل تلك المفاتيح لكثرة ما تمول، ولكثرة ما استغنى، حتى أصبح يضرب به المثل بالغني فيقال عنه: مال قارون. أي: أنه رجل يملك من المال الكثير. فدعوا بني إسرائيل فكذب من كذب وآمن من آمن، وأما القبط فقد كذبوا جميعاً إلا من رحم ربك، ولا يكاد يذكرون إلا على الأصابع. وبنو إسرائيل قد كانوا آمنوا أولاً، ثم ضل منهم من ضل عندما صنع لهم السامري عجلاً له خوار، وصنعه من الذهب وقال لقومه وقد ذهب موسى لميعاد ربه في الطور: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه:٨٨]. فدعاهم إلى الوثنية من جديد بعد أن أراهم موسى العز والحرية ورفع شأنهم، فأزال عبودية قارون وهامان وفرعون عنهم، ولكن بني إسرائيل هم بنو إسرائيل في القديم والحديث. فعذب الله الأقباط بأن أغرقهم، وعذب بني إسرائيل بالتيه في الصحراء أربعين عاماً، ومن أراد منهم التوبة فلن تقبل منه حتى قتل بعضهم بعضاً؛ وذلك لأنهما أمراهم بالتوحيد، وبالطاعة، وبعبادة الله الواحد، والكفر بالأصنام والأوثان جميعاً، وإذا بهم يكذبونهما، ولم يؤمنوا بآية ولا بمعجزة، فكانت النتيجة بالنسبة للأقباط أن أغرقهم الله ودمرهم تدميراً. قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان:٣٦]، فدمرهم الله وأهلكهم وسحقهم، وأنهى وجودهم كأنهم لم يكونوا، وأصبحوا ورقة معلقة وخبراً وقصصاً في الكتب، فذهبت الأرواح والأولاد والبلاد والأملاك، وأصبحوا وكأن لم يكونوا في أمس الدابر. والطوائف الكافرة من بني إسرائيل كذلك دمرهم الله تدميراً، وأهلكهم حتى أصبحوا عبرة للمعتبر، وأصبحوا يذكرون لمن يأتي بعدهم ويكفر كفرهم، فيهددون وينذرون بعاقبة كعاقبة الأقباط وبني إسرائيل. ونبينا ﵊ يدعو الناس للإيمان به، فمن كذبه كان جزاؤه في الدنيا عذاب الله وخزيه.

стр. 786

تفسير قوله تعالى: (فقلنا اذهبا إلى القوم) فقال تعالى لموسى وهارون معاً: ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان:٣٦] فذهب موسى وهارون إلى فرعون فقالا: إنا رسولا ربك. وذهبا إلى قارون وهو من بني إسرائيل، ممن كانت خزائن ملكه وأمواله تعجز عنها العصبة أولوا القوة، كانوا يعجزون عن حمل تلك المفاتيح لكثرة ما تمول، ولكثرة ما استغنى، حتى أصبح يضرب به المثل بالغني فيقال عنه: مال قارون. أي: أنه رجل يملك من المال الكثير. ودعوا بني إسرائيل فكذب من كذب وآمن من آمن، أما القبط فقد كذبوا جميعاً إلا من رحم ربك ولا يكاد يذكرون إلا على الأصابع. وبنو إسرائيل قد كانوا آمنوا أولاً، ثم ضل منهم من ضل، عندما صنع لهم السامري عجلاً له خواراً، وصنعه من الذهب وقال لقومه وقد ذهب موسى لميعاد ربه في الطور: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه:٨٨]. فدعاهم إلى الوثنية من جديد بعد أن أراهم موسى العز والحرية ورفع شأنهم، فأزال عبودية قارون وهامان وفرعون عنهم، ولكن بني إسرائيل هم بنو إسرائيل في القديم والحديث. فعذب الله الأقباط بأن أغرقهم، وعذب بني إسرائيل بالتيه في الصحراء أربعين عاماً، ومن أراد منهم التوبة فلن تقبل منه حتى قتل بعضهم بعضاً. وذلك لأنهما أمراهم بالتوحيد، وبالطاعة، وبعبادة الله الواحد والكفر بالأصنام والأوثان جميعاً، وإذا بهم كذبوهما، ولم يؤمنوا بآية ولا بمعجزة فكانت النتيجة بالنسبة للأقباط أن أغرقهم الله ودمرهم تدميراً. قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان:٣٦] فدمرهم الله وأهلكهم، وسحقهم، وأنهى وجودهم كأنهم لم يكونوا، وأصبحوا ورقة معلقة وخبراً وقصصاً في الكتب، ذهبت الأرواح والأولاد، والبلاد، والأملاك، وأصبحوا وكأن لم يكونوا في أمس الدابر. والطوائف الكافرة من بني إسرائيل كذلك دمرهم الله تدميراً، وأهلكهم حتى أصبحوا عبرة للمعتبر، وأصبحوا يذكرون لمن يأتي بعدهم ويكفر كفرهم، فيهددون وينذرون بعاقبة كعاقبة الأقباط وبني إسرائيل. ونبينا ﵊ يدعو الناس للإيمان به، فمن كذبه كان جزاؤه في الدنيا عذاب الله وخزيه.

стр. 787

تفسير قوله تعالى: (وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم) قال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفرقان:٣٧]. أي: واذكر كذلك يا محمد قوم نوح عندما بعثنا لهم نوحاً، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً وهو يدعوهم إلى الله صباحاً ومساءً، حضراً وسفراً، ليلاً ونهاراً، وفي كل وقت وحين ونوح متحمل وصابر، فقد صبر أكثر من نبي الله أيوب، فأيوب صبر بضع سنوات. أما نوح فصبر ألف عام إلا خمسين عاماً، إلى أن قال له الله: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود:٣٦]، وقال: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]. فأخبره الله بأن الذين قد آمنوا لن يزيدوا، وهم قليل، فرفع يديه متضرعاً وقد صبر صبر الكرام، وقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧]. فدعا على الكبار والصغار؛ لأن الآباء والأمهات لا يلدون إلا أمثالهم، ويقبلون على الكفر، ولا ينصتون إلى نوح، ويصدون من آمن منهم عن نوح. فقوله: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ [الفرقان:٣٧] ولم يرسل الله إلى قوم نوح إلا نوح ومع ذلك ذكر تكذيبهم للرسل، ومعنى ذلك: تكذيب المبدأ، فمن كذب رسولاً واحداً فإنه يكون قد كذب جميع الرسل، ومن يعبد وثناً أو خلقاً أو حيواناً لم يؤمن برسول من الرسل؛ لأن دعوتهم واحدة، والوحي واحد، والمعبود واحد، والمنزل للكتاب واحد. فكان هؤلاء بتكذيبهم للرسول الواحد نوح كمن كذب جميع الرسل، وقص الله علينا قصة قابيل وهابيل عندما قتل أحدهما الآخر، فكان من قتل نفساً كأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً. فمن أزهق روح إنسان فهو بنفسه الشريرة، وبخلقه القاسي، وبعدم خوفه من الله وعقابه كمن أزهق أرواحاً، ومن سعى في إحياء روح بالإحسان إليها، وبدفع الضر عنها، يكون كمن أحيا الناس جميعاً، وهذا باعتبار مراعاة المبدأ أو عدم مراعاته. وهكذا قوم نوح عندما كذبوا نبياً واحداً كانوا كمن كذب الرسل كلهم، والرسالات جميعاً، فكفروا بالنبوءة والرسالة، وكفروا بالمرسل لها كذلك. فقال الله عنهم: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ [الفرقان:٣٧] أي: عاقبهم الله بالغرق، وهذا فيه تحذير وإنذار للذين يكفرون بمحمد خاتم الأنبياء وسيد الأنبياء صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ [الفرقان:٣٧] جعل الله قوم نوح عبرة للناس، ومثالاً وتحذيراً، حتى إذا حاول أحد من الناس أن يصنع صنع قوم نوح من التكذيب برسل الله، والصد لرسل الله، والوقوف في وجه الدعاة إلى الله، كان عقابه ومآله وخاتمته هي خاتمة قوم نوح، فكانوا آية وعبرة. وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفرقان:٣٧] أي: اعتدنا وهيأنا لكل ظالم كافر، ولكل مشرك لا يؤمن بيوم الحساب عذاباً أليماً، كالعذاب الذي قابله وبلي به قوم موسى وهارون وقوم نوح كذلك. فمن لم يؤمن من أمة محمد وكفر بالله ورسوله، فليحذر عاقبة كعاقبة المكذبين السابقين من أقوام الأنبياء السابقين.

стр. 788

تفسير قوله تعالى: (وعاداً وثمود وأصحاب الرس) قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان:٣٨]. أي: اذكر يا محمد! عاداً وموقفهم من نبيهم هود، وثمود وموقفهم من نبيهم صالح، وأصحاب الرس مع نبيهم. أما قوم عاد فقد كفروا بالله، وجددوا كفر قوم نوح من قبل، فعندما أغرقت أمة نوح جميعها لم ينج من الخلق إذ ذاك إلا أصحاب السفينة، وهم بضعة عشر فرداً. فكان نوح ومن معه آدم الثاني للبشر والخليقة كلها، فقد نجحوا من الغرق لإيمانهم ولدينهم، وبعدما مضت قرون أخرى عاد بعض أبنائهم إلى الكفر والعصيان ونسوا الذكر؛ لما متعوا به من طول الأعمار وقوة الأبدان، وكانوا يسمون العمالقة؛ للطول والعرض، والقوة في البدن وفي المال وفي العمل. وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً وكانوا وكانوا، فتفرعنوا وطغوا وجددوا الكفر السابق من قوم نوح، وإذا بالله الكريم يرسل عليهم الصيحة والزلزلة، فزلزلت بهم الأرض زلزلاً، وصاح بهم جبريل صيحة صرع الكل. ومن دخل إلى أرض ثمود يجد الإنسان هيكلاً عظمياً قائماً أو ممتداً أو جالساً، يحلب بقرة أو يدير رحى أو يركب حماراً، وهو على هذه الحالة. وهذا أيضاً قد حصل لبعض الشعوب هناك، والله لم يذكر لنا الكل، وإنما ذكر لنا أمثلة، وسيلخص ذلك ويقوله بعد هؤلاء. وقوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ [الفرقان:٣٨] عندما كفروا بأنبيائهم هود وصالح، وشتموهما، وهددوهما، وكذبوهما، ولم يؤمن بهما إلا قليل من الناس، كذلك الله تعالى أذهبهم بالصيحة وبالزلزلة وأصبحوا كأمس الدابر أيضاً، فالله يهدد من لم يؤمن بمحمد ﷺ بعاقبة كعاقبة هؤلاء. ثم قال: ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ [الفرقان:٣٨] قال بعض المفسرين: هم ما تبقى من قبائل عاد وثمود. والرس: بئر، فكانوا هؤلاء قد نسبوا لها، وهم فئة جاءت من بعد وكفروا ككفر أسلافهم. وقال البعض: بل هي قبيلة من قبائل شعيب كذبوا شعيباً، ونسبوا لهذه البئر. وقال البعض: بل هو نبي جديد أرسل إلى أرض اليمامة في نجد، وكان قومه مجاورين لبئر يستقون ويشربون منها، فأرسل الله لهم نبياً فلم يؤمن به إلا عبد أسود، وكلهم كذبوه، ورسوه في الرس، أي: رموه في البئر وغطوا البئر بصخرة، وتركوه ليموت جوعاً، ولكن هذا العبد الأسود الذي آمن به كان يأتيه خفية بالطعام وبالشراب، وأعانه الله على رفع تلك الصخرة عندما كان يقدم له طعاماً وشراباً. وعاش هذا النبي زمناً حياً في هذا البئر المغلق عليه بهذه الصخرة، ثم بعد ذلك أخذت سنة لهذا العبد فنام بها سبع سنوات، ثم صحا وتقلب على الجانب الآخر، ثم نام نومة ثانية فدام فيها سبع سنوات بما يشبه حالة أصحاب الكهف، ثم قام ولا يظن أنه نام إلا أياماً، فذهب إلى البئر فلم يجد النبي، وإذا به يسمع أن القوم قد أسلموا له ودانوا له وتابوا من ما مضى. وقال قوم: أصحاب الرس كانوا في أرض أذربيجان، وليس في بلاد العرب. وقال قوم: كانوا في أنطاكية. وقال قوم: هم أصحاب الأخدود الذين ذكر الله لنا قصتهم مطولة وستأتينا بإذن الله، فقد حفر لهم حفائر وقتلوا. وقال البعض: هو صاحب ياسين الذي دعاهم للإسلام وكان مؤمناً بينهم، ولا نستطيع أن نخرج بشيء من ذلك بيقين؛ لأنه لم يرد في ذلك حديث صحيح عن رسول الله ﵊، ولكننا نقول: إن أصحاب الرس جماعة، والرس معناه: البئر. فأصحاب البئر أيضاً كذبوا نبيهم، فعاقبهم الله ودمرهم، وقد ذكرهم مع المدمرين والمهلكين من قوم نوح وهود وصالح، وقوم موسى وهارون. وقوله تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان:٣٨] أي: عصوراً أخرى لم يذكرها الله، والقرن مائة سنة عند الجمهور، وقيل: مائة وعشرون، وقيل: أربعون عاماً. وقيل: ثمانون عاماً. ولكن المعلوم في بيان الحديث النبوي الذي يقول فيه ﷺ : (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم). زاد في رواية: (ثم الذين يلونهم)، فقد ذكر أربعة قرون، وهي ما نسميها بالعصور الفاضلة، والجمهور على أنها ثلاثة: وهي: قرن النبي الذي عاش فيه ومعه أصحابه. والقرن الثاني: قرن التابعين الذي يبتدئ بـ عمر بن عبد العزيز ﵀. ومضى قوله تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان:٣٨] أي: بين قوم نوح وقوم موسى وهارون وقوم هود وقوم صالح وأصحاب الرس قرون كثيرة، وعصور ودهور تقدر بآلاف السنين ومئات الأنبياء، وكلهم كذبوا أنبياءهم فدمرهم الله وأهلكهم بين صواعق من السماء، وزلازل من الأرض، وصرع، وخسف، وغرق، وحروب تقوم بينهم تفنيهم جميعاً. والله ذكر كل ذلك مفصلاً ومجملاً، وسمى البعض كقوم نوح ومن معه، ولخص اسم الباقي لكن جمعهم مع هؤلاء في التكذيب والإهلاك والتدمير. فالله تعالى هدد الكفار بأن يدمرهم، ويهلكهم، ويقضي عليهم، ويتبرهم تتبيراً؛ نتيجة كفرهم وتكذيبهم للأنبياء. وهذا التهديد لا يزال قائماً لساعتنا هذه وإلى يوم القيامة، فالعصر الذي برز فيه ﷺ وهو يدعو الناس إلى عبادة الله والإيمان به نبياً هو نفس العصر الذي نعيش فيه، فنحن مطالبون باتباع شريعة محمد والكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وعلى آله، الذي يخاطب كل الخلق إلى يوم القيامة: بأن يؤمنوا بالله واحداً، وبمحمد نبياً وخاتماً للأنبياء والمرسلين، فمن لم يفعل ومن كذب وتهاون فهو مهدد بمثل ذلك، وما هذه الحروب، وهذا البلاء، وهذا الجوع والوباء أحياناً، وهذا الذي يجري في العالم الإسلامي قبل وبعد وفي حاضرنا إلا لما كذبوا أنبياءهم، وخرجوا عن دينهم، وارتدوا، وعصوا، واختلفوا، وخالفوا، ومن باب أولى الذين لم يؤمنوا بالمرة. وفي عصرنا وما سيأتي فإن الكفار سيبقون دائماً مدمرين، هالكين، متبرين بالأنواع التي يريدها الله، ولعذاب الله أخيراً أشد وأنكى.

стр. 789

تفسير سورة الفرقان [٤٠ - ٤٤] لقد ذكر الله تعالى حال الكفار في مرورهم على القرى التي دمرها الله وجعلها عبرة لمن بعدها، ومع ذلك لم يتعظ هؤلاء المارون عليها، بل زادت قلوبهم قسوة وإعراضاً. ثم ذكر حال الذي اتخذ هواه إلهاً يعبده من دون الله، فهو ينفذ كل ما تمليه عليه أهواؤه وشهواته، ولا يعرف رباً ولا ديناً.

стр. 790

تفسير قوله تعالى: (ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ [الفرقان:٤٠]. يقول تعالى عن هؤلاء الذين عصوا النبي ﷺ وكانت لهم رحلة الصيف والشتاء للتجارة إلى اليمن والشام، هؤلاء الذين قال الله عنهم: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان:٤٠] أي: أنزل الله عليها حجارة، وقوارع، وصواعق من السماء، وقلبها رأساً على عقب، وجعل عاليها سافلها ثم أمطر عليها حجارة من سجيل. هذه القرية التي أتى هؤلاء عليها ومروا عليها وهم يرونها في طريقهم إلى الشام هي: سدوم وخمس قريات من أرض فلسطين، وهي القرى التي أرسل فيها لوط نبياً لهم ورسولاً عليهم، وقد كانوا يأتون الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من العالمين، فاكتفى الرجال بالرجال، إلى أن طمعوا في رسل الله الملائكة الذين جاءوا إلى لوط يخبرونه بأن يترك القرية، وفي الصباح سيجعلون عاليها سافلها، ثم سيمطرون بحجارة من سجيل من السماء، وقد قالوا: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود:٨١]. وكان لوط قد انزعج عندما جاءه أنبياء الله من الملائكة في صورة أحداث وشباب مرد، وكانت زوجة لوط تخبر قومها أصحاب الفاحشة عن كل من يأتي زائراً إلى لوط، وتقول لهم: لقد جاء لوطاً فلان وفلان وفلان؛ ليأتوا إليه فيطلبون أولئك الشبان، فلما جاءته الملائكة في صورة أحداث انزعج لوط، فطمأنه هؤلاء الملائكة. فعندما خرجوا إليهم ضربوهم بأجنحتهم وإذا بأعينهم تطمس، ليست تعمى فقط، إنما أصبحت لحماً كالجبهة والخد، ثم أمر الله ﷻ هؤلاء الملائكة فأتوا إلى الأرض التي كانوا فيها فأخذوها من أطرافها ورفعوها حتى سمع سكان السماء أصوات الديكة وأصوات الحمير، ثم قلبوها عاليها سافلها، ثم رجموهم بالحجارة. ويقول الكثير من الأئمة من الصحابة والتابعين وأئمة الاجتهاد: بأن مرتكب هذه الفاحشة يرجم بالحجارة عزباً كان أو متزوجاً. والبعض قال: يجعل على أعلى جبل ويدهده، أي: يرمى ويقذف إلى أن يصير في الحضيض ويتقطع إرباً إرباً، وأجزاء أجزاء؛ لأن الله عاقب هؤلاء بهذا، فجعل الأرض عاليها سافلها ثم قذفهم بالحجارة من السماء. وكانت قريش في تجارتها في الجاهلية تمر على قرى قوم لوط في أرض فلسطين، وترى آثار الخسف والرجم، وبقي هذا لأزمان، ولعله إلى الآن لا يزال يرى هذا. فالله يقول لهؤلاء: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان:٤٠] أي: قد جاءوا لهذه القرية التي أنزلت عليها أمطار ليست بالماء ولكن بالحجارة، والحجارة كانت من سجيل، فمطروا مطر سوء، ومطر هلاك، ومطر قضاء، ومطر خسف ومسخ ورجم. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ [الفرقان:٤٠] أي: أليسوا يرونها في ذهابهم وإيابهم في رحلاتهم التجارية صيفاً وشتاءً، ألا يتخذون من ذلك عبرة؟ ألا يتخذون من ذلك ما يعيدهم للدين والإيمان والتوحيد. وقوله: ﴿بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ [الفرقان:٤٠] أي: بل كانوا كفرة لا يخافون النشور والبعث، ولا يؤمنون بيوم القيامة، ومن كان كذلك فهو لا يخاف الله؛ لأنه يعتقد أن الدنيا إنما هي أرحام تدفع، وأرض تبلع، ولا حياة ثانية، فهم كبقية الكفار بناء على هذا الرأي الفاسد وهذه العقيدة الضالة، فيشكرون ويظلمون ويقطعون الأرحام ويهتكون الأعراض ويكفرون بالله وينشرون الفساد، ويقولون: إن هو إلا الدهر، وهم من نسميهم بالدهريين وبالملاحدة وبمن لا دين لهم. وكل من في الأرض على هذه العقيدة وعلى هذا الدين إلا المسلمين الذين لا يزالون متمسكين بدينهم، والكثير منهم قد ضلوا وآمنوا بأفكار وآراء ضالة وفلسفات وافدة لم تأتهم إلا بالشرك، والإلحاد والبعد عن الله ودينه وكتابه ونبيه صلى الله عليه وعلى آله. فالله يقول عن هؤلاء: ليس لك بهم أن يفهموا أو يدركوا أو يؤمنوا، فإذا مروا على هذه القرية التي أمطرت مطر السوء فيرون بأعينهم ما نزل بهم، ولكن لكفرهم بالله وعدم إيمانهم بيوم البعث والنشور فهم لا يخافون بعثاً ولا نشوراً، ولا يخافون يوم القيامة، يوم يعرضون فيه على الله إما إلى جنة وإما إلى نار. ونتيجة هذه العقيدة ازداد كفرهم وصدهم، وأصروا على الكفر وأنواع الدعارات والفسوق، كما ورد عن أصحاب الرس أنهم انفردوا ببلاء آخر، فقد كانت النساء يستغنين بالنساء، وهو ما يسمى بالمساحقة، كما كان الرجال يستغنون بالرجال عن النساء من قوم لوط، وهذا فعل شنيع، ونسبته إلى نبي الله لوط نسبة فظيعة، فصارت هذه الفاحشة تسمى باللوطية، وهو شيء ما كان ينبغي أن يكون، ولكن هذا الذي كان. فأصبح علماً لهؤلاء الرجال الذين يستغنون بالرجال والنساء اللاتي يستغنين بالنساء، وهذا بلاء قد عم وطم، وأنذر الناس به قديماً وحديثاً، وما كان في قوم إلا وعمهم الله بعذاب، وعمهم بالمحنة، وعمهم بالذل وبالهوان وبالسحق وبالدمار وبالهلاك.

стр. 791

تفسير قوله تعالى: (وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزواً) قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان:٤١]. أي: يا محمد! إذا رآك قومك وكل من جاء بعدك وعاصرك وإن لم يرك، فإنهم يهزئون بك ويشتمونك، ويقولون فيك الأقاويل كما قص الله علينا في هذه السورة. فكان الكفار من نوع أبي لهب وأبي جهل وأمثالهما من قومه إذا رأوه يهزئون به ويسخرون منه ويقولون: أهذا الذي بعث الله رسولاً؟! ولم لا؟ وقد كان أجمل الرجال، وأعلم الرجال، وأبهى الرجال، وأصدق الرجال، وقد كان الناس إذا رأوه لا يستطيعون أن يحدوا البصر إليه. ولكن لصعود الران على قلوبهم لم يروا كل هذا، وإلا فلماذا يستهزئون برسول الله ﵊ وهو فارسهم، وأجودهم وخطيبهم، والمبلغ عن ربه لهم، وقد كانوا في الأربعين السنة التي عاشها معهم قبل الوحي والنبوءة ما يذكرونه إلا بالتقدير وبالإجلال وبالاحترام، ولم ينادوه باسمه محمد وإنما يقولون: الصادق الأمين. فيصفونه بالأمانة وبالصدق، ولكن هؤلاء عندما ران الكفر على قلوبهم وأصبحوا أتباعاً للشيطان انقلبت هذه الصور التي كانت عندهم في أيام الجاهلية، وأصبحوا يهزئون به، ويسخرون منه، ويتغامزون فيما بينهم ويشيرون إليه ويقولون: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان:٤١]. وهذا لعنتهم وخزيهم وشديد كفرهم ومزيد إصرارهم على هذا البلاء، وقد قال الله لنبيه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر:٩٥] وقد كفى الله نبيه هؤلاء المستهزئين. يقول ابن تيمية: من خصائص النبوءة المحمدية أنه ما استهزأ به أحد في حياته أو بعد حياته إلا وختم الله عليه بسوء الخاتمة، فمات على الكفر والشرك. وقص قصصاً للأولين، وقصصاً للمعاصرين. وما رأينا كافراً ومنافقاً لعيناً يذكر النبي ﷺ بما يؤدي إلى الاستهزاء والسخرية إلا ولعنه الله في الدنيا فدمره وأذله، وخرب قلبه، فأصيب بتشويه الوجه وبالإفلاس وبالذل والهوان، وأصبح القرد أجمل منه وأبهى منه، فيصير أخس من قرد وأذل من خنزير، ويموت على الكفر، وينطق في سكرات الموت بكلمات الكفر، ويعلن: بيا ويلاه! ويا ثبوره! ويا هلاكه!

стр. 792

تفسير قوله تعالى: (إن كاد ليضلنا عن آلهتنا) قال الله تعالى: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٢]. فالكفار يسرون ويفرحون لأنهم لم يؤمنوا بمحمد ﷺ ، ولم يتركوا عبادة الأصنام والأوثان، فيستهزئون ويقولون: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ [الفرقان:٤٢] أي: لقد كاد، وكاد من أفعال المقاربة أي: قرب أن يردنا إلى الإسلام، وهكذا يزعمون، فيسمون الهداية ضلالاً. وقوله: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا﴾ [الفرقان:٤٢] أي: كادوا أن يهتدوا وكادوا أن يصبحوا مسلمين، ولكن أحد شياطينهم فيمن سيقولون عنه يوم القيامة وهم ينادون: ﴿يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان:٢٨]. فهذا الذي اتخذوه خليلاً بعد أن كادوا أن يسلموا ويؤمنوا ردعهم، وأبعدهم فلم يسلموا ولم يؤمنوا، وهم في الدنيا لا يزالون يفرحون بذلك، ومتى سيعرفون الحق وقد ابتعدوا عنه كل هذا البعد، وهانوا كل هذا الهوان! قال تعالى: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ [الفرقان:٤٢] والتسويف بالسين للقريب، وبسوف للبعيد، أي: بعد الموت. وسوف يرون، أي: سيرون قريباً عندما يرون العذاب، وسيرون العذاب عند الاحتضار، وعند سؤال القبر، وسيرون العذاب الخالد يوم القيامة يوم العرض على الله، وإذ ذاك سيعلمون ويندمون وهيهات، ولات حين مندم، ولا ينفعهم علم ولا معرفة عند ذاك وسيدركون من هو أضل سبيلاً. و (أضل) هنا أيضاً ليست على بابها، وليس فيها المشاركة وزيادة، أي: سيدركون أنهم الضالون المشركون المجرمون الأعداء الكفرة الفجرة، وأن النبي هو الحق، فقد آتاه الله الحق، ورزقه بالحق، ودعا للحق، وما كان الباطل إلا منهم، فقد دعوا بالباطل وحاربوا الحق إلى أن ماتوا على الباطل، وبعثوا مع أهل الباطل في جهنم مع المبطلين والمشركين والكافرين. ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٢] أي: سيعلمون عند ذلك من طريقه وسبيله أكثر ضلالاً وفساداً وظلمة وضياعاً، فهم الضالون المفسدون وحدهم، وهم الذين اتبعوا السبيل الفاسد الجائر الموصل للكفر وللشرك وللظلم وللضلال.

стр. 793

تفسير قوله تعالى: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه) قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان:٤٣]. أي: أرأيت يا محمد ببصيرتك وببصرك، فهذا خطاب للنبي ﵊ وهو خطاب لكل المؤمنين ولكل الناس ممن يرى ذلك ببصره وببصيرته إن كانت له بصيرة. فقوله: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣] هذا استفهام تقريعي توبيخي، فيقرع الله ﷻ فيه قلوب هؤلاء، ويعجب نبيه من هؤلاء الذين كفروا بربهم ولم يؤمنوا برازقهم كيف اتخذوا من هواهم إلهاً؟ وما الهوى إلا اتباع النزوات والشهوات مما تهواه الأنفس. فمن هوى الفساد اتخذه إلهاً، ومن هوى الشرك اتخذه إلهاً، ومن هوى الفجور اتخذه إلهاً، وهكذا كان الكفرة، فقد كانوا يهوون الأحجار فيصنعون منها تمثالاً فيسجدون له ويركعون، ثم يملونه فيرمونه ويأتون بخشبة أو بحجر آخر فينحتونه ويتخذونه إلهاً، وقد يعطونه اسماً من الأسماء. ويوجد في الكنائس والمتاحف أصناماً كثيرة، ويسمونها بـ مريم، وعيسى، وبإلههم الأكبر، حاشا الله من ذلك وتعالى علواً كبيراً. وهذه الأحجار لا تدوم الآلاف من السنين، فهم في كل مرة يجددون حجراً ووثناً وصنماً، وتجدهم في كنائسهم يقفون أذلاء خاضعين متبذلين لعبادة هذا الصنم، فتقول لهم: هذا حجر قد يكون بال عليه كلب أو خنزير أو ثعلب فكيف تعبدون هذا؟ ولكن من اتخذ إلهه هواه، ومن صار الران على قلبه كيف تهديه؟ هكذا يقول الله لنبيه: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان:٤٣] أي: أتكون حافظاً وضامناً وكافلاً له حتى لا يفعل ذلك، فلا يكون هذا، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢]. فليس على الرسل إلا البلاغ، وهو إبلاغ الرسالة التي كلف بها أنبياء الله أن يدعوا الناس إليها؛ حتى يسمعوهم بآذانهم، ويروهم بأعينهم المثال الكامل في سيرتهم أنفسهم، أما أن يجبروهم على الإسلام فلا، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، فالهداية ليست لك هي لله، فالله يهدي من يشاء، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبهما كيف شاء ﷻ .

стр. 794

تفسير قوله تعالى: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون) قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٤]. أي: أتظن يا محمد! أن هؤلاء الكفار الذين اتخذوا إلههم أهواءهم عندما تخاطبهم يسمعون أو يعقلون؟ فهم يسمعون منك ولا يعون، فلا يسمعون إلا الصوت. وعندما تتلو كتاب ربك وبيانه من سنتك، وتشرح لهم ذلك أتظن أنهم يسمعون أو يعقلون؟ فلا سمع لهم ولا عقل، إنما هي الأصوات يسمعونها كما نسمع الدواب عندما تتكلم، ولا ندرك إلا أصواتاً أو لغة لا نفهمها، فكان هؤلاء لفسادهم وضلالهم واتخاذهم أهواءهم آلهة يسمعون الصوت ولا يعون المعنى، ويسمعون الكلام ولا يعقلونه، ولا يدركونه، ولا يعونه. قال الله عنهم: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ﴾ [الفرقان:٤٤] أي: ليس هؤلاء إلا كالدواب والحيوانات، كحمارك، وكبغلتك، وكبعيرك، وكشاتك. فمعنى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ﴾ [الفرقان:٤٤] أي: ليسوا إلا كالأنعام. وقوله: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٤] أي: أبعد طريقاً في الكفر والضلال والجهل وعدم السمع وعدم العقل وعدم الوعي، فهم أقبح من الدواب والأنعام؛ لأن الأنعام عندما يحسن إليها ربها وصاحبها ومالكها فيطعمها ويشربها ويعطيها الكلأ ويحفظها من الذئاب ومن الضواري، فإنها تعتاده وتتبعه وتحبه، وتحرص على أن تكون معه. ثم هي تفيده بولادتها من بطونها، وتفيده بأوبارها وأشعارها من ظهورها، أما هؤلاء فربهم الرازق المعطي المحيي، الذي رزقهم أعيناً وألسنة، ورزقهم شباباً وصحة، وأحياهم، فكفروا به، وأعرضوا عنه، واتخذوا الآلهة أرباباً من دون الله، فهم على ذلك أضل سبيلاً. وهذا ما يقوله القرآن يجب على المسلم أن يسمعه، ويقوم به، ويعتقده اعتقاداً جازماً: أن كل كافر في الأرض، وكل مرتد من المسلمين هو والحيوانات سواء، بل إن الحيوانات أشرف منه وأكرم. ولا تغتر بمن قالوا عنه: مثقف أو دارس أو فيلسوف أو رئيس أو يدرك شيئاً، فهم كالأنعام بل هم أضل، وهم لا يسمعون ولا يعقلون، فكل من يكفر بالله الخالق ويجعل له ثانياً ويعبد هوى نفسه ويعبد أوثانه وحجارته، إن أسمعته كتاب الله لا يسمع منك إلا الصوت، فلا يعقل ولا يدرك ولا يفهم، وهو بهذا الاعتبار حيوان أعجم، بل الحيوان أشرف منه وأكرم منه. وإذا كان بينك وبينه معاملة دنيوية فقم بها، وما سوى ذلك لا تعامله ولا تصاحبه ولا تقل يوماً عنه: إنه مدرك أو عاقل أو يفهم، ومن كفر بربه يوشك أن يكفر بك يوماً، وأن يغدر عليك، وأن يجور عليك، وأن يأكل مالك، ويبطش بك. وهكذا يفعل الكفار اليوم في الأرض، فقد تواطئوا وتآمروا على المسلمين يهوداً ونصارى وملاحدة، ومنافقين من الداخل كذلك.

стр. 795

تفسير سورة الفرقان [٤٥ - ٤٧] في هذه الآيات يذكر الله تعالى بديع خلقه وصنعه من مدّ الظل ثم قبضه، ومن خلقه الليل والنهار خلفة يخلف أحدهما الآخر، ومن إرساله للرياح بشراً بين يدي رحمته، وغير ذلك.

стр. 796

تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل) قال الله جلت قدرته: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان:٤٥ - ٤٦]. بقيت آية في الأمس لم يذكرها المعيد ولم تفسر، وهي قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان:٣٩]. فهؤلاء الجاحدون الكافرون والمنافقون الضالون قد ضرب الله لهم أمثالاً وحججاً وبراهين وأدلة تدحض شبههم وأباطيلهم وضلالاتهم، فمن أصر منهم على الكفر والشرك والنفاق والخلاف فقد تبّرهم الله تتبيراً، والتتبير: التدمير والتخريب، فكلهم دمرهم الله وقضى عليهم بالغرق، أو بالصيحة، أو بالزلزلة، أو بجعل الأرض عاليها سافلها، فكلهم قد دُمّر وتُبّر؛ لما في ذلك من صلاح للناس، وعقوبة لأمثال هؤلاء العصاة. يقول تعالى يخاطب نبيه ﵊ -وهو خطاب لكل الناس-: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان:٤٥] الرؤية هنا تفسّر برؤية البصر ورؤية العلم والبصيرة، أي: ألم تر -يا رسولنا- بعلمك وبصيرتك وفهمك وإدراكك هذا الظل كيف مده الله! ومن يقدر عليه غير الله؟! فالظل هو ما يكون عادة من طلوع الفجر إلى شروق الشمس، ففي هذا الوقت يكون الظل ممدوداً على الأرض، وهو أحسن ما يكون وقتاً وزماناً، وأكثر ما يكون راحة للمرضى وللنائم بعد النوم حين يصبح الإنسان مع هذا الظل الممدود الذي لا شمس معه ولا شعاع ولا ما يؤذي، حتى إذا أشرقت الشمس أخذ الظل يزول شيئاً فشيئاً إلى أن تُصبح الشمس قد قضت على الظل، وقد وصف الله الجنة بأنها ظل ممدود ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة:٣٠] أي: لا شمس فيها ولا ما يؤذي النظر والبدن، وإنما حالها كحال هذا الوقت منذ طلوع الفجر إلى شروق الشمس، فهو ظل ممدود متصل، فالظل في هذا الوقت أشبه ما يكون بظلال الجنة. يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان:٤٥]. أي: لو شاء ربك -يا محمد- لجعل هذا الظل دائماً، فلا تكون شمس ولا شعاع، ويكون الجو في الدنيا أشبه بجو الجنة، ولكن الشمس فيها مصلحة للأحياء، ومصلحة للنبات، ومصلحة للمياه والبحار، وكل شيء مما خلق الله له فيها منفعة ينتفع بها الخلق. قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [الفرقان:٤٥] أي: جعلنا الشمس دليلاً على الظل الذي كان قبله، ولو لم تكن شمس لما انتبهنا للظل، ولما وصفناه بالظل، ولظننا أن الجو والوقت والزمن كذلك باستمرار، وقديماً قيل: (وبضدها تتميز الأشياء)، فعرف الظل بشروق الشمس، وعُرفت الشمس بالظل قبلها.

стр. 797

تفسير قوله تعالى: (ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً) قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان:٤٦]. فبشروق الشمس يأخذ الظل في الانقباض شيئاً فشيئاً، وزمناً بعد زمن ليضمه إليه ضماً خفيفاً، حتى إذا أشرقت الشمس لم يبق ثم ظل. وهذا الظل يكون عادة أكثر راحة للبدن وللنفس، وأكثر اطمئناناً للإنسان القلق والمريض، وأما الشمس فيختفي منها الإنسان عادة، ويستظل بظلالها مع حاجة إليها. يقول تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان:٤٦] فُسّر قوله (يسيراً) هنا بأن ذلك يسير على الله لا يعجزه ولا يتعبه، وكل شيء يسير على الله وهيّن، وهو القادر على كل شيء، ولكن الأقرب هنا أن المعنى أنه تعالى يجمعه إليه شيئاً فشيئاً في وقت قريب، فلا تكاد ترى قرص الشمس قد بدا ظهوره حتى تضم الظلال بعضها إلى بعض، إلى أن ينتهي وتصبح الشمس وقد أشرقت في الأرض كلها جبالها ووهادها، وبرها وبحرها. وهكذا عندما تزول وتأخذ تميل إلى الغروب يعود الظل، ويسمى فيئاً، أي: يفيء الظل الذي كان في الصباح، فيعود مساءً من جهة المشرق عندما تذهب الشمس لجهة المغرب. فهذا الذي يلفت الأنظار: من الذي قدر عليه؟ ومن الذي صنعه؟ إنه ربنا ﷻ القادر على كل شيء. وهذه الآية وما يأتي بعدها من آي من هذه السورة المكية الكريمة فيها الأدلة المقنعة التي يؤمن بها كل من خلق الله له عقلاً سليماً على قدرة الله وعلى آيات الله في كونه، وعلى أنه القادر على كل شيء وحده، فلا يحتاج إلى شريك ولا إلى معين ولا إلى مؤازر ﷻ وعزّ مقامه.

стр. 798

تفسير قوله تعالى: (وهو الذي جعل الليل لباساً والنوم سباتاً) قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان:٤٧]. فالله ﷻ هو الذي جعل الليل لباساً يلبس كل الخليقة، ويلبس كل الكون ويغمره ويغشاه، فلا يرى من الأرض شيء، وشبهه تعالى لستره وغشيانه وتغطيته باللباس، فالنهار نراه بيّناً عند شروق الشمس، وعندما يأتي الليل ويغشي النهار ويلج فيه لا يُرى من الأرض شيء، فتُصبح الأرض وقد كُسيت لباساً سترها فلا يُرى منها بحرها ولا برها، ولا وهادها ولا جبالها، كالإنسان الذي يكون عرياناً فيستره لباسه عندما يلبسه، فمن الذي خلق ذلك؟ يقول تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ:٩] أي: قاطعاً يقطع العمل، ويقطع الفكر، ويريح البدن، ويقطع شغله، فيريح الروح والبدن، وينقطع به الجسد عن الأشغال والأتعاب، وتنقطع به الروح عن التفكير بما يشغلها ويهمها، فيكون الليل لباساً، ويكون النوم سباتاً. فالذي يمرض لا ينام، ويصيبه الأرق كثيراً، فيمرض جسده وتمرض روحه، ولا يكاد يستطيع العمل إذا هو أرق وسهر الليالي المتصلة؛ لأن هذا البدن الضعيف يحتاج إلى أن ينقطع عن العمل والحركة، وهذه الروح التي تجري فينا تحتاج كذلك إلى ما يقطعها عن التفكير، وعن الهم، وعن الاشتغال بما يخطر في البال أو بما يحرّك الجسد، فلو لم يكرم الإنسان بالنوم لينقطع عن العمل لمرض جسده، ولأشرف على التلف والهلاك، فمن الذي قدر على ذلك؟ ومن الذي خلق ذلك؟ ومن الذي أكرم الإنسان بذلك؟ إنه الله ﷻ . فلو جعل الله الدنيا نهاراً كلها أو ليلاً كلها، أو يقظة كلها أو نوماً كلها لاضطرب نظامها، ولتعب خلقها، ولعجزوا عن العمل وعن التفكير، ولكن الله ﷻ جعل لعباده الليل لباساً يسترهم كما يستر البدن من العري، وجعل النوم سباتاً يقطع به أعمالهم وأفكارهم؛ ليجدوا راحة يستقبلون بها النهار بعد ذلك بنشاط وهمّة وقدرة جديدة. قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان:٤٧] فهو الذي جعله نشوراً تنتشر فيه الخلائق في الأرض، فهذا إلى مصنعه، وهذا إلى متجره، وهذا إلى مكتبه، وهذا إلى مزرعته، وهكذا ننتشر بعد النوم وبعد السبات وبعد الليل وبعد السكون، فحين تشرق الشمس ويصبح النهار نأخذ في الانتشار؛ لنرتزق ولنتكسب ولنعمل لديننا ودنيانا، فلو كان الليل سرمداً لتعب الناس كثيراً، ولشقّت عليهم الحياة، وقد وجد بعض هذا في الأرض، ففي الشمال عند القطب المتجمد يكون اليوم سنة كاملة، فستة أشهر هي ليل لا شمس فيها ولا نهار، والستة الأشهر الثانية نهار لا ليل فيها، فيرتب الساكنون بقرب ذلك المكان يومهم على أنه اثنتا عشرة ساعة، فينامون بعضها ويعملون في بعضها، ولكنك تجدهم منهكين أجساداً وفكراً وروحاً. فالله تعالى جعل أغلب الأرض على الليل والنهار في الساعات المحدودة. فهذا الخلق من ليل ونهار، وظل وشمس، ونوم ويقظة، وظلام ونور، كل ذلك خلقه الله لهذا العبد ليشكر نعم الله عليه، ويأخذ من ذلك أدلة واضحة قاطعة على قدرة الله على كل شيء.

стр. 799

تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته) ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]. هذه الريح التي نحس بها ونشعر بكيانها -وإن كانت العين لا تراها- تحتاج إليها الأرض والإنسان حاجة شديدة، فالله خلقها وأرسلها لتكون بشرى بين يدي رحمة الله، لتكون مبشرة بالغيث والمطر والرزق النازل من السماء والقدرة الإلهية القادرة على كل شيء، حيث ترى الجو ساكناً فإذا بالرياح تبتدئ فتكون هذا السحاب وتجمعه وتكثّفه، وتسوقه لينزل منه المطر فيغيث الأرض، وتكثر المياه الجوفية، فتمتلئ الآبار، وتجري الأنهار، وتنبت الأشجار، ويزرع الزارع، ويشرب الشارب، وهكذا خلق الله هذه الرياح لتكون مبشرة بما بين يديها من رحمة الله ورزقه وغيثه وأمطاره التي يرسلها لتكون أسباباً للرزق والنبات ولحياة الإنسان الذي لا يستطيع أن يعيش بغير مياه. يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان:٤٨] وقرئ في السبع: ((نُشْرًا)) أي: تنتشر في السماء لينزل بعدها الغيث والأمطار والأرزاق التي هي نتيجة هذا المطر والغيث. قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨] هذه السحب جعلها الله أسباباً لإنزال الأمطار، فهي تنزل من السماء، وكل علو سماء، فهذه السحب تجمع قطرات الماء، فيرسلها الله تعالى فيحيي بها الأرض بعد موتها؛ ليغيث الخلق، فالله جعل من الماء كل شيء حي، فلا يستغني عنه حي مطلقاً.

стр. 800

معنى قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً) قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨] أنزل الله من العلو ماء طهوراً، أي: ماء آلة وأداة للطهارة والتطهير، فلا تكون الطهارة في البدن والثوب، ولا يكون الغسل والوضوء للصلاة والاعتكاف والطواف والسعي إلا بهذا الماء، وطهور: فعول، كقولك سحور: أي طعام السحور، وفطور: أي طعام الفطور. وقد فهم جمهور الفقهاء من ذلك أن الماء الذي لا تجوز الطهارة إلا به هو الماء الصافي غير المختلط ولا الممتزج بشيء معه، فهو أداة الطهارة وأداة النظافة وأداة ما يتعبد الإنسان به في وضوئه وغسله؛ ليصلي لله، وليطوف بالكعبة المشرفة، وليسعى بين الصفا والمروة، وليقوم بما لا يتم إلا بالطهارة بالماء من العبادات. ومن هنا يقول الفقهاء الثلاثة مالك والشافعي وأحمد، وعليه جماهير الفقهاء من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين: إن الماء الذي يصلح للطهارة هو الماء الذي لم يختلط بشيء، وزادوا على ذلك فاستدلوا بقول النبي ﵊ عندما سئل عن ماء البحر، فقال: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) فهو الطاهر ماءاً، وهو الأداة التي تصلح للطهارة، وهو مثال للماء الذي قال عنه ﵊: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، فعند الأئمة الثلاثة وجماهير الفقهاء من الصحابة فمن بعدهم أن الطهارة لا تحصل إلا بهذا الماء. وفسّر الحنفية الطهور بالطاهر، فقالوا: كل مائع تصح الطهارة به، فصححوا الوضوء بالنبيذ وبالخل وبالعصير وبماء الورد وبماء الزهر، وهذا الذي قالوه هو فهم استدلوا عليه بآثار لم يصححها الجمهور، وقالوا: إن كلمة (الطهور) في القرآن المراد بها آلة الطهور، أي: آلة ما يتطهر به الإنسان، وليس معناها الطاهر فقط. وقالوا: قليل الماء ينجّسه قليل النجاسة، وكثيره لا ينجسّه شيء إن لم يتغير به، فإن كان الماء كثيراً فاختلط به شيء فإنه إن غيّر أحد أوصافه الثلاثة -أي: اللون أو الطعم أو الريح- فعند ذاك لا يتوضأ به، ويُعتبر غير صالح للتطهير. والماء طهور لا ينجسه إلا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه، إن كان هذا التغيير بشيء ليس من أصل الماء، كأن يمر الماء على معدن كبريت أو حديد أو زئبق فنجد طعم ذلك المعدن في الماء فهذا لا يضره، وكأن نجده قد تغير بالتراب نتيجة سيل أو أمطار غزيرة، فهذا لا يضره؛ لأنه تغيّر بالتراب الذي يمر عليه. وأما إذا تغير بشيء ألقي فيه فتغير أحد أوصافه الثلاثة فإنه لا يصلح ولا يجزئ للطهارة. وقال الشافعية: ينجس الماء إذا لم يبلغ القلتين بمجرد وقوع النجاسة فيه، واستشهدوا ببئر بضاعة في الحياة النبوية، فهذه البئر كانت تلقى فيها الأزبال، وتلقى فيها الأقذار مما يغير أحياناً لوناً وطعماً وريحاً، ومع ذلك كان الأصحاب يتوضئون منه، فقال النبي ﷺ : (الماء الطهور لا ينجسه شيء) أي: هذا الماء رغم ذلك لا ينجس ولا يغير، قال الشافعي: لأنه بلغ القلتين، وقالوا: القلتان من قلال هجر، ثم قدّروهما بالوزن فقالوا: وزنهما خمسمائة رطل. واستدلوا بمفهوم حديث (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، وهذا الحديث ينازعهم فيه أصحاب المذاهب الأخرى فيقولون: قد اضطرب سنداً ومتناً، وبذلك ألغوا الاحتجاج به واكتفوا بكون الماء لا ينجّسه شيء ما لم يغيّر لوناً أو طعماً أو ريحاً، وقالوا: إذ تغير أحد أوصافه ففي هذه الحالة لا يبقى ماءاً، ونحن قد تُعبّدنا بالتطهر بالماء، فإذا أصبح الماء ماء الزهر أو الخل أو النبيذ فلا يكون ماءاً، بل يقال عنه: خل ونبيذ وعصير، والشارع لم يتعبدنا إلا بالماء، والماء هو الماء المعروف عندنا النازل من السماء، والنابع من الآبار ومن الأعين والكائن في الأنهار، فهذا هو الماء كما ذكره الله ووصفه، وهو الذي ينزل من السماء وينبع من الأرض ويوجد بأصل الخلقة في البحار، فإن تغير بشيء لوناً أو طعماً أو ريحاً ولو بالطاهر لم يصلح التطهر به، خلافاً لقول الأحناف بأنه يجوز الوضوء بالنبيذ وبالعصير وبالخل وبالشاي وما إلى ذلك، وهذا خروج عن النص؛ لأن الله قد قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، فالماء أداة للطهارة، وهذا لا يُسمى ماءاً، بل نُسميه خلاً ونُسميه نبيذاً، ونُسميه ماء زهر وورد.

стр. 801

تفسير سورة الفرقان [٤٨ - ٥٥] ذكر الله تعالى من نعمه على عباده إنزال المطر، فهو بذلك يسقي الأنعام والناس، ويحيي الأرض الميتة، وهو يصرفه بين عباده وأرضه، فيمطر هذه حيناً وهذه حيناً آخر، وقد يمطر الكافر استدراجاً وزيادة في العذاب في الآخرة على عدم شكر هذه النعم.

стр. 802

تفسير قوله تعالى: (لنحيي به بلدة ميتاً) قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان:٤٨ - ٤٩]. أنزل الله تعالى هذا الماء من السماء ليتطهر به من ليس على وضوء للصلاة وللطواف ونحوهما، ويقول تعالى: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الفرقان:٤٩] أي: وليحيي الله به بلدة ميتاً، ولم يقل: (بلدة ميّتة) على اعتبار أن البلدة مكان، أي: مكاناً ميتاً، وموضعاً ميتاً. ومعنى موتها أن تجدها قاحلة وجافة لا تنبت شيئاً، أو فيها نبت وشجر وقد ذبل وأخذ ييبس ويضعف، فلو ترك على حاله لكان ميتاً، فإذا بنا نرى الماء قد نزل من السماء وإذا بالأرض تهتز، وإذا بالأرض التي قد كانت قاحلة جدباء قد أخذت تخضر وتينع بأنواع الثمار والفواكه والزهور والورود، فمن الذي أحيا ذلك؟! إنه الله ﷻ ، وبم أحياه ﷻ ؟! أحياه بهذا الماء الذي أنزله من السماء. والإشارة بهذا إلى الإنسان الذي يتساءل: كيف سنحيا بعد أن نموت؟ فنحن نرى ذلك كل سنة، نرى الشجرة قد يبست وسقطت أوراقها ولم يبق إلا أغصان لا ورق فيها، ونرى الأرض قد أجدبت، وإذا بالمطر ينزل يغيثها فنرى الأرض -كما وصفها الله- تهتز وتربو، فنرى آثار الحياة في هذه النبتة وهذه الزهرة وهذه الثمرة وهذه الشجرة. وهكذا الإنسان، فنحن نموت، ولابد من أن نموت، ولكن الله ﷻ سيحيينا بعد الموت كما أحيا النبتة وأحيا الشجرة وأحيا الأرض الميتة وأحيا الثمرة والأوراق التي تحاتت، فهو ﷻ الذي أحيا الأرض من بعد موت، وسيحيي الإنسان بعد الموت.

стр. 803

معنى قوله تعالى: (ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسي كثيراً) قال تعالى: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان:٤٩]. يسقي الله بهذا الماء من خلقه أنعاماً كثيرين وأناساً كثيرين، والأناسي: جمع إنسان وإنسي، وهو كالناس، فالله تعالى يسقي بهذا الماء من لا يستطيع أن يعيش بلا ماء من الأنعام الكثيرة التي خلقها الله على كثرة أنواعها وكثرة أشكالها، وكذلك الإنسان، فالإنسان في الأرض منذ خلق آدم إلى يوم النفخ في الصور لولا هذا الماء لمات، وقد يصبر الإنسان على الطعام أياماً، ولا يصبر على العطش إن اشتد، فإذا جفّ الحلق وقف الريق، وانقطع النفس ومات، ولذلك نجد بعض الأعراب والبدو يحرصون في رمضان على الصيام، وهم يزرعون أو يحرثون، وهم يسكنون في الصحاري، فتقول للواحد منهم: أنت الآن في عمل مهدد به بالموت، فأفطر إن كان لا غنى لك عن هذا العمل في شهر رمضان، فيصر على أن يصوم، وإذا به يعطش ويشتد عطشه عند الظهيرة، فلا يكاد يصله الماء حتى يموت. وقد حدث هذا كثيراً؛ لأن الإنسان لا يصبر على الماء ويصبر على الجوع؛ لأن البدن فيه شحم، فهذا الشحم عند الجوع ينقلب إلى غذاء داخلي يتغذى به الإنسان، ولذلك إذا جاع يضعف ويهزل، فهذا الهزال والضعف يكون نتيجة ذوبان الشحم الذي فيه، فهو سيغذيه في تلك الأيام. وأما الماء إذا نفد وجفّ حلقه ودمه فذلك الموت المحقق، ولذلك نحتاج في العطش إلى الماء الكثير، فنشرب صباحاً وظهراً ومساءاً، وعندما يكون الصوم في الأيام الحارة يشتد ويصعب، ولكن المؤمن يرتب حاله، فيتم صومه بإذن الله. يقول تعالى: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا﴾ [الفرقان:٤٩] أي: من خلق الله، و (من) هذه ليست التبعيضية، يعني: لكل خلقه. وقوله: ﴿أَنْعَامًا﴾ [الفرقان:٤٩] جمع نعم، والنعم جمع لا مفرد له، ويصدق على البقر وعلى الغنم وعلى بقية المخلوقات من الحيوانات مطلقاً. يقول تعالى: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان:٤٩] فهذا الماء يحتاج إليه كل حي، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠]، والأرض لا تنبت إلا به. فمن الذي أكرم الإنسان بكل ذلك؟! إنه الله ﷻ ، ومع هذه النعم المستفيضة المتتابعة في كل حياتنا تجد الكافر يكفر بالله ويصر على الكفر، فلا يشكر الله على نعمة، ولا يؤمن بربه، ولذا كان الكفرة كالأنعام، بل هم أضل كما وصفهم الله ﷻ .

стр. 804

تفسير قوله تعالى: (ولقد صرفناه بينهم ليذكروا) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان:٥٠]. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفرقان:٥٠] أي: قسمناه ووزّعناه، فتجد السحب وهي في السماء تمطر هذه الجهة ولا تُمطر الأخرى، وتُمطر هذه البلدة ولا تُمطر الأخرى، وتجد هذا البستان قد أُمطر والذي بجانبه لم يُمطر، وحين تسافر ترى ذلك، حيث تجد أرضاً لا مطر فيها، وتذهب يسيراً فتجد أرضاً قد أُمطرت. وقد قالوا: هذا يكون من صنع الله ﷻ عقوبة لذاك الذي لم يُمطر، حيث لم يزك ماله، ولم ينفق منه، ولم يعبد ربه، بل عصى ربه وأذنب في حقه، وقد يُمطر الكافر أكثر من المسلم أحياناً؛ ليكون ذلك حجة عليه ومحنة له واختباراً وابتلاء، حتى إذا حوسب يوماً عندما يموت فقيل له: ألم يرزقك ربك؟ ألم يرسل لك نبياً؟ ألم ينزل معه كتاباً؟ فلم لم تؤمن؟ فلا يستطيع جواباً، وإذا به تحل عليه نقمة الله وعذابه. والمؤمن قد يحصل له الجفاف، ولكنه إذا ابتلي صبر، وإذا أُنعم عليه شكر، وهو على كلتا الحالتين في خير، ففي صبره هو لله عابد، وفي شكره هو لله عابد، ويؤجر على كل الأحوال. يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان:٥٠] أي: ليأخذوا من ذلك ذكرى وعبرة، إذ السماء واحدة، والسحب واحدة، وتمطر هذه الأرض ولا تُمطر الأخرى، فما السبب؟ إن الله قسم بيننا الأرزاق كما قسم بيننا العقول، والله ﷻ قد يبتلي الكافر؛ ليستدرجه بكثرة النعم، وليزداد عذابه وعقابه، وقد يبتلي المؤمن؛ ليزيده رفعة، وليكفّر عنه سيئاته، وقد يكون ذلك من الله ﷻ لمنفعة للبشر والخلق، فهذه الأرض تُسقى بالآبار وتُسقى بالعيون الجارية، فلو نزل المطر في هذا الحالة لأفسد زرعها، فيكفيها ما تسقى به، وتلك علوية لا يصل إليها الماء إلا إذا نزل من السماء، فمن مصلحتها أن ينزل عليها المطر، وهكذا يرزق الله تعالى من شاء كيف شاء ﷻ ، فلا مكره له ولا معقّب لأمره. قال تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان:٥٠] مع هذا الرزق والنعم المتوالية المتتابعة أبى أكثر الناس إلا الكفور، والكفور: صيغة مبالغة من كثرة الكفر وكثرة الشرك والجحود. وقد نزل النبي ﷺ بالحديبية حين منعه كفار مكة من دخول مكة، وفي ليلة من الليالي أصبحت الأرض كلها غيثاً، فقال النبي ﷺ للصحب الذين كانوا معه: (أتدرون ماذا يقول ربنا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: قال الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فمن قال: أمطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، ومن قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب). أي: قال كما يقول الطبائعيون والملاحدة: تحصل الأمطار نتيجة بخار يخرج من البحر فيتكثف في شكل سحب، فلا علاقة لها بأمر ولا نهي، ولا خلق ولا قدرة! فهذا كان نتيجة هذا الكوكب، وذاك كان نتيجة ذاك الكوكب! وهذا ما كان يقوله الجاهليون في جاهليتهم، حيث يقولون: مطرنا اليوم بنوء كذا وكوكب كذا، فمن قال ذلك فهو كافر بالله مؤمن بالكوكب، فقد اتخذ الكوكب إلهه من دون الله. ومن قال: مطرنا برحمة الله وبإكرام الله فقد أصبح مؤمناً بالله كافراً بالكوكب، وفسّر به النبي ﵊ هذه الآية: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان:٥٠].

стр. 805

تفسير قوله تعالى: (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً) قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:٥١]. أي: لو شئنا أن نخفف عنك ثقل الرسالة والمهمة والنبوة فنرسل لكل قرية وكل مدينة وكل قطر رسولاً يتولى شئونهم ودعوتهم وهدايتهم لفعلنا، ولكنا أردنا تشريفك، وأردنا تخصيصك وتكليفك بكل المدن والقرى، وبكل الأقاليم، وبجميع العالم شرقه وغربه، وشماله وجنوبه، وعربيه وعجميه، فذلك تشريف لك لتقوم بالمهمة مختصاً بها دون غيرك. وفي الصحيح (بُعثت إلى الأحمر والأسود)، وقال ﵊: (وكان الأنبياء يبعثون إلى أقوامهم، وبُعثت إلى الناس كافة)، وقال الله له: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]، وقال له: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]. فكان جميع الأنبياء السابقين يرسلون إلى عشائرهم وإلى أقومهم، وأما محمد ﵊ فقد كان رسولاً إلى الإنس والجن منذ أن بُعث إلى قيام الساعة، ولذلك يقول الله له: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:٥١] والنذير: المنذر، أي: الرسول والنبي الذي ينذر قومه، فيخوفهم من أن يكفروا، ويخوفهم من أن يجحدوا، ويخوفهم من أن يعصوا ربهم ونبيهم، ويدعوهم إلى الإيمان بالله وحده، فهو نذير بذلك ومخوّف لهم بين يدي عذاب شديد، ويبشّر المطيع المؤمن بالرضا والجنة، ويبشّره برضوان الله.

стр. 806

تفسير قوله تعالى: (فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً) قال تعالى: ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٢]. يقول تعالى لنبيه ﵊: قد أرسلتك وحدك إلى الناس، ولو شئت لأرسلت إلى كل قرية رسولاً ونبياً وخففت عنك من ثقل المهمة والرسالة. فالله شاء تشريفه وتكريمه وتعظيمه، فأرسله إلى كل القرى وكل المكلفين من البشر والجن منذ أُرسل وإلى يوم القيامة، ولذلك يقول الله له: ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ [الفرقان:٥٢] أي: لا تقبل من الكافرين قولاً في خلاف هذا، ولقد قال له اليهود: إنما أُرسلت إلى الوثنيين، ولم تُرسل إلى أهل الكتاب، فنحن على دين، وقال له النصارى مثل ذلك، ولا يزال البعض يقول هذا إلى الآن، وقال له البعض من الكفار: لم تُرسل إلا إلى العرب، ودينك لم يصلح عليه إلا العرب، فظن هؤلاء الكفار أن دين الإسلام هو دين البشر وليس دين الله ورسالة الله وأمر الله، ولذا بدل الحاخامات والأحبار والرُهبان وغيروا إلى أن كانت النتيجة تحريف الديانة اليهودية، فحُرّفت ثم نُسخت، وهكذا الديانة النصرانية يُكثر تلاعب علمائها بها، فقد بُدّلت وحُرّفت ثم نُسخت، وجاء على أنقاضها دين الإسلام دين محمد ﵊ للناس كافة، فتحولت الديانتان إلى الوثنية، فهؤلاء يعبدون عيسى ومريم، وأولئك يعبدون عزيزاً كما عبدوا العجل، ومن يقل منهم: إنه لا يعبد ذلك فإنه يعبد ذواتاً، فيعبد الطبيعة ويعبد الإنسان. وبذلك انتقلت التوراة والإنجيل عن التوحيد والدعوة إلى الله إلى الدعوة إلى الوثنية وعبادة البشر، على ما فيهما من افتراء على الأنبياء وقذف لهم، وافتراء على الله وقلة أدب معه ﷻ .

стр. 807

معنى قوله تعالى: (وجاهدهم به جهاداً كبيراً) يقول تعالى: ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ [الفرقان:٥٢] في كل ما يقولونه لك بخلاف ما أوحيناه إليك وأنزلناه عليك، ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٢] أي: جاهد الكفار بهذا القرآن، واجعل القرآن أداة جهادك، وأداة كفاحك، وأداة حربك، فحرّم حرامه، وأحل حلاله، والتزم أوامره فالقرآن يأمرك بأن تجاهد الكفار وتُقاتلهم حتى يُعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ولا تتأخر في ذلك، وأجر على المسلمين حدوده من قطع ورجم وجلد وغير ذلك، وحكّم فيهم كتاب الله، فمن خرج عنه من الكفار فليس له إلا السيف بعد ذلك، فإن أبى إلا الكفر والإصرار على الكفر فلا إكراه في الدين، وحينئذ لابد من أن يُعطي الجزية عن يد وهو صاغر، فيعيش ذليلاً، كما قال عمر: (أذلّوهم ولا تظلموهم). يعني: أهل الذمة. فالله أمر نبيه ويأمر أتباعه تبعاً له ﵊ بأن يكون القرآن أداة للجهاد، فعلى أساسه يكون الأمر والنهي والحرب والدعوة، وعلى أساسه تكون الحضارة، وعلى أساسه يكون المكسب، وتكون الدولة، ويكون التعليم، ويكون المجتمع، فإذا خرج الناس عن ذاك فإن كانوا مسلمين فمعناه أنهم ارتدوا، وإن كانوا كافرين فلا يجوز أن تُبقيهم على ذلك. أما المرتد فليس له إلا مراجعة الإسلام أو القتل، وهذا هو الذي حصل عندما مات النبي ﵊ وذهب إلى الرفيق الأعلى، وولي الخلافة أبو بكر الصديق، فقد ارتد قوم في أول خلافته، وامتنع قوم عن أداء الزكاة، فذهب ينفذ قوله تعالى لنبيه: ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ [الفرقان:٥٢]، فذهب يجاهد بالقرآن، فجاهد المرتدين إلى أن عادوا إلى الإسلام ومات من مات منهم على الكفر، وجاهد الممتنعين عن الزكاة إلى أن أدوا الزكاة صاغرين راغمين، وبعد تمام ذلك جمعهم وأخرجهم عن حدود البلاد لنشر الإسلام في خارج جزيرة العرب في أرض فارس وأرض الروم. ثم جاء عمر الفاروق فتمم المهمة، وقد كانت خلافته عشر سنوات، فما كاد يموت رضوان الله عليه حتى ضم بلاداً كثيرة إلى الرقعة الإسلامية، فهدى الناس إلى ربهم، وأما القتال الذي لا يكون للقرآن ولا لإعلاء كلمة الله، بل لوطنية وثنية، أو لقومية وثنية؛ فليس بجهاد، وليس هو إلا نزاعاً دنيوياً على مناصب وعلى أموال، وقد جاء إلى النبي ﵊ من سأله عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليرى مكانه، ويقاتل لإعلاء كلمة الله، فأي ذلك في سبيل الله؟! قال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)، أما من قاتل للدنيا فإنه إن حصل عليها فله ما حصله، وإن لم يحصّل عليها فقد خسر دينه ودنياه، والأعمال بالنيات، وقد وجد من هاجر مع رسول الله ﷺ إلى المدينة وهو مسلم، وكان في ظاهر أمره أنه هاجر رغبة في دين الله، وابتعاداً عن أرض الكفر، إذ كانت مكة لم تحرر بعد، حيث كانت في وثنية وجاهلية، فعلم النبي بحال هذا المهاجر، وكان النبي ﵊ في الدعوة إلى الله على غاية ما يكون من اللطف والنبل، فلا يفضح أحداً، ولا يشوه ويشهّر بأحد، فلا يقول: يا فلان! لم فعلت كذا وكذا؟! ولكن يقول وهو في المجلس: ما بال أقوام يقولون؟ وما بال أقوام يفعلون؟ ومن فعل أو قال ذلك علم أنه المقصود، فقال ﵊: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه). وكان الذين هاجروا إلى المدينة قد خرج بعضهم مع المهاجرين للزواج، وخرج بعضهم للتجارة، فليس لهم إلا ما خرجوا له إن حصلوه، وأما الهجرة لله فليست نيتهم، وإذا لم تكن هناك نية فليس هناك أجر ولا ثواب. يقول تعالى: ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٢]، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦]، والقتال فرض على كل مسلم ومسلمة فيما إذا هجم العدو على ديار الإسلام، وكان العدو على رمي حجرة منا، كما هو حال اليهود في فلسطين، فحمل السلاح والقتال في هذه الساعة فرض على كل قادر على حمل السلاح، فإن لم نفعل أثمنا جميعاً، ومن هنا ذل المسلمون على كثرة أموالهم وسعة أرضهم، وفي الحديث: (ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا)، فإذا جاء العدو إلى جزء من الأرض الإسلامية واستولى عليه فالجهاد العيني يجب على من جاوره، فإن استطاعوا قتاله فذاك، وإلا فيجب على من يليهم إلى أن يجب على كل المسلمين. فالعدو اليوم قد استباح حرمات الله، وأخذ المسجد الفاضل الثالث، والمسلمون يذلون، ويقتّلون، وتُهتك أعراضهم، وتُزهق أرواحهم، وتسيل الدماء منهم أنهاراً، وإخوانهم المسلمون ينظرون، وذلك هو البلاء، وذلك هو الخزي والعار، ويوشك أن يزيد الله في البلاء والمحنة إذا بقي المسلمون على هذه الحالة.

стр. 808

تفسير قوله تعالى: (وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج) قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان:٥٣]. من عجيب قدرة ربنا خلق الماء في الأرض، ثم جعل من الماء ماءاً عذباً فراتاً، أي: ماءاً حلواً عذباً، وماءاً آخر ملحاً لا يُشرب، ولا تستطيع أن تغسل به بدنك، وإلا أصبح بدنك كله كما لو ذر عليه شيء من الملح. ومع ذلك أرسل تعالى المياه العذبة آباراً وأنهراً جارية وأمطاراً وغيثاً، كما أرسل مياه البحر، فلا المياه البحرية اختلطت بالمياه الحلوة العذبة، ولا المياه العذبة الحلوة اختلطت بالمياه الملحة. يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الفرقان:٥٣] والمرج يتضح معناه في قولنا: قد أرسل فلان دوابه في المرج، أي: أعطاها ساحة كبيرة تسرح فيها وترعى، وترك لها الحرية في الرعي، فهي ترعى هنا وهناك، وهكذا أطلق الله تعالى المياه وأرسلها في الأرض، ومرجها في الأرض، فبعضها داخل التراب، وهو المياه الجوفية، وبعضها على سطح الأرض، والأرض يتصل بعضها ببعض، فلا هذه فسدت وأصبحت ملحة، ولا تلك زال عنها ملحها بهذا الاختلاط والمرج، فذاك من قدر الله وإرادة الله التي انفرد بها ﷻ وعز مقامه.

стр. 809

معنى قوله تعالى: (وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً) قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٥٣] هذا هو المغزى وهذه هي التتمة، حيث جعل تعالى بين هذا الماء والآخر حاجزاً، ومنع هذا أن يفسده ملح البحر، ومنع الآخر أن يُفسده حلاوة الماء وفراته، ذلك لأن الإنسان في الأرض يحتاج إلى هذا وذاك، فالماء الحلو لشرابنا ولزرعنا وطبخنا وحوائجنا -نحن الأحياء- على الأرض، وأما مياه البحر المالحة فلولا وجودها في الأرض لأنتن الكون، ولمات الناس اختناقاً بالجيف الكثيرة المتراكم بعضها على بعض. وكثيراً ما نسمع أن الأجواء في المحلات الفلانية اختلطت وفسدت، لكثرة المعامل وكثرة المداخن، فيتسمم الجو، فيحتاج الإنسان إلى الانتقال عن ذلك المكان أو يمرض، وكثيراً ما تنتشر الأمراض في العاملين في تلك الأماكن نتيجة هذا الذي يحدث في الجو. فمياه البحر كثيرة، وهي محيطة بالأرض بملوحتها، فتنقي الأرض من نتنها وأوساخها وقاذوراتها، فالإنسان في حاجة شديدة إليها، وكذلك سائر خلق الله. يقول تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ [الفرقان:٥٣] البرزخ: الحاجز والمانع، فهو يمنعهما من الاختلاط ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٥٣] أي: مانعاً وحاجزاً يمنع اختلاط هذا بهذا، فهذا في عذوبته إلى الأبد، وذاك في ملوحته إلى الأبد، وذاك من قدرة الله التي انفرد بها وحده ﷻ .

стр. 810

تفسير قوله تعالى: (وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً) قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان:٥٤]. جعل الله ﷻ من الماء الإنسان، وجعل منه الخلق، فالإنسان مخلوق من النطفة، والنطفة ماء، وهو المني، فالمني ماء خلق منه البشر، وقد كان أول خلق الإنسان من تراب، ثم خلقت حواء من ضلع من أضلاع آدم، وخلق عيسى من أم بلا أب، وخلق سائر الخلق من نطفة لا بد من صبها من الذكر في رحم الأنثى، فيختلط ماؤه وماؤها فيخرج هذا الجنين وهذا الخلق البديع الذي هو أنا وأنت وكل خلق الله من أولاد آدم. يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان:٥٤] فيربط بعض الخلق ببعض، فأنا ابن أبي، وتزوجت من أسرة أخرى، فصارت مصاهرة، ونشأ عن ذلك السلالة، فبنتك لذاك وبنت ذاك لك، وهكذا انتشر الخلق وتوزّع بين نسب وصهر. والنسب: هو الذي يرث اسمك واسم أبيك وأسرتك، والصهر: ما لا يتصّل بك بذلك، فأبناؤها يرثون أسماءنا وأسماء أسرتنا، وبناتنا تتصل أسماء أولادهن بأزواجهن، فهذا صهر وذاك نسب، يقول الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد فهذا نسب وهذا صهر، وحرّم الله بالنسب سبعاً، وحرّم بالصهر سبعاً، وذلك في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] إلى آخر الآية. يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان:٥٤]، فمن الذي يقدر على ذلك؟ إنه الله خالق الأكوان، وخالق كل شيء. فما من سماء ولا أرض ولا ليل ولا نهار ولا حركة ولا سكون إلا وهو من خلق الله، ومع كل هذه الدلائل العقلية القاطعة يعرض الكافر ويستكبر.
следующие страницы →