Полный текст (2 442 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
تفسير قوله تعالى: (فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً)
قال تعالى: ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٢].
يقول تعالى لنبيه ﵊: قد أرسلتك وحدك إلى الناس، ولو شئت لأرسلت إلى كل قرية رسولاً ونبياً وخففت عنك من ثقل المهمة والرسالة.
فالله شاء تشريفه وتكريمه وتعظيمه، فأرسله إلى كل القرى وكل المكلفين من البشر والجن منذ أُرسل وإلى يوم القيامة، ولذلك يقول الله له: ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ [الفرقان:٥٢] أي: لا تقبل من الكافرين قولاً في خلاف هذا، ولقد قال له اليهود: إنما أُرسلت إلى الوثنيين، ولم تُرسل إلى أهل الكتاب، فنحن على دين، وقال له النصارى مثل ذلك، ولا يزال البعض يقول هذا إلى الآن، وقال له البعض من الكفار: لم تُرسل إلا إلى العرب، ودينك لم يصلح عليه إلا العرب، فظن هؤلاء الكفار أن دين الإسلام هو دين البشر وليس دين الله ورسالة الله وأمر الله، ولذا بدل الحاخامات والأحبار والرُهبان وغيروا إلى أن كانت النتيجة تحريف الديانة اليهودية، فحُرّفت ثم نُسخت، وهكذا الديانة النصرانية يُكثر تلاعب علمائها بها، فقد بُدّلت وحُرّفت ثم نُسخت، وجاء على أنقاضها دين الإسلام دين محمد ﵊ للناس كافة، فتحولت الديانتان إلى الوثنية، فهؤلاء يعبدون عيسى ومريم، وأولئك يعبدون عزيزاً كما عبدوا العجل، ومن يقل منهم: إنه لا يعبد ذلك فإنه يعبد ذواتاً، فيعبد الطبيعة ويعبد الإنسان.
وبذلك انتقلت التوراة والإنجيل عن التوحيد والدعوة إلى الله إلى الدعوة إلى الوثنية وعبادة البشر، على ما فيهما من افتراء على الأنبياء وقذف لهم، وافتراء على الله وقلة أدب معه ﷻ .
стр. 807
معنى قوله تعالى: (وجاهدهم به جهاداً كبيراً)
يقول تعالى: ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ [الفرقان:٥٢] في كل ما يقولونه لك بخلاف ما أوحيناه إليك وأنزلناه عليك، ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٢] أي: جاهد الكفار بهذا القرآن، واجعل القرآن أداة جهادك، وأداة كفاحك، وأداة حربك، فحرّم حرامه، وأحل حلاله، والتزم أوامره فالقرآن يأمرك بأن تجاهد الكفار وتُقاتلهم حتى يُعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ولا تتأخر في ذلك، وأجر على المسلمين حدوده من قطع ورجم وجلد وغير ذلك، وحكّم فيهم كتاب الله، فمن خرج عنه من الكفار فليس له إلا السيف بعد ذلك، فإن أبى إلا الكفر والإصرار على الكفر فلا إكراه في الدين، وحينئذ لابد من أن يُعطي الجزية عن يد وهو صاغر، فيعيش ذليلاً، كما قال عمر: (أذلّوهم ولا تظلموهم).
يعني: أهل الذمة.
فالله أمر نبيه ويأمر أتباعه تبعاً له ﵊ بأن يكون القرآن أداة للجهاد، فعلى أساسه يكون الأمر والنهي والحرب والدعوة، وعلى أساسه تكون الحضارة، وعلى أساسه يكون المكسب، وتكون الدولة، ويكون التعليم، ويكون المجتمع، فإذا خرج الناس عن ذاك فإن كانوا مسلمين فمعناه أنهم ارتدوا، وإن كانوا كافرين فلا يجوز أن تُبقيهم على ذلك.
أما المرتد فليس له إلا مراجعة الإسلام أو القتل، وهذا هو الذي حصل عندما مات النبي ﵊ وذهب إلى الرفيق الأعلى، وولي الخلافة أبو بكر الصديق، فقد ارتد قوم في أول خلافته، وامتنع قوم عن أداء الزكاة، فذهب ينفذ قوله تعالى لنبيه: ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ [الفرقان:٥٢]، فذهب يجاهد بالقرآن، فجاهد المرتدين إلى أن عادوا إلى الإسلام ومات من مات منهم على الكفر، وجاهد الممتنعين عن الزكاة إلى أن أدوا الزكاة صاغرين راغمين، وبعد تمام ذلك جمعهم وأخرجهم عن حدود البلاد لنشر الإسلام في خارج جزيرة العرب في أرض فارس وأرض الروم.
ثم جاء عمر الفاروق فتمم المهمة، وقد كانت خلافته عشر سنوات، فما كاد يموت رضوان الله عليه حتى ضم بلاداً كثيرة إلى الرقعة الإسلامية، فهدى الناس إلى ربهم، وأما القتال الذي لا يكون للقرآن ولا لإعلاء كلمة الله، بل لوطنية وثنية، أو لقومية وثنية؛ فليس بجهاد، وليس هو إلا نزاعاً دنيوياً على مناصب وعلى أموال، وقد جاء إلى النبي ﵊ من سأله عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليرى مكانه، ويقاتل لإعلاء كلمة الله، فأي ذلك في سبيل الله؟! قال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)، أما من قاتل للدنيا فإنه إن حصل عليها فله ما حصله، وإن لم يحصّل عليها فقد خسر دينه ودنياه، والأعمال بالنيات، وقد وجد من هاجر مع رسول الله ﷺ إلى المدينة وهو مسلم، وكان في ظاهر أمره أنه هاجر رغبة في دين الله، وابتعاداً عن أرض الكفر، إذ كانت مكة لم تحرر بعد، حيث كانت في وثنية وجاهلية، فعلم النبي بحال هذا المهاجر، وكان النبي ﵊ في الدعوة إلى الله على غاية ما يكون من اللطف والنبل، فلا يفضح أحداً، ولا يشوه ويشهّر بأحد، فلا يقول: يا فلان! لم فعلت كذا وكذا؟! ولكن يقول وهو في المجلس: ما بال أقوام يقولون؟ وما بال أقوام يفعلون؟ ومن فعل أو قال ذلك علم أنه المقصود، فقال ﵊: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).
وكان الذين هاجروا إلى المدينة قد خرج بعضهم مع المهاجرين للزواج، وخرج بعضهم للتجارة، فليس لهم إلا ما خرجوا له إن حصلوه، وأما الهجرة لله فليست نيتهم، وإذا لم تكن هناك نية فليس هناك أجر ولا ثواب.
يقول تعالى: ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٢]، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦]، والقتال فرض على كل مسلم ومسلمة فيما إذا هجم العدو على ديار الإسلام، وكان العدو على رمي حجرة منا، كما هو حال اليهود في فلسطين، فحمل السلاح والقتال في هذه الساعة فرض على كل قادر على حمل السلاح، فإن لم نفعل أثمنا جميعاً، ومن هنا ذل المسلمون على كثرة أموالهم وسعة أرضهم، وفي الحديث: (ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا)، فإذا جاء العدو إلى جزء من الأرض الإسلامية واستولى عليه فالجهاد العيني يجب على من جاوره، فإن استطاعوا قتاله فذاك، وإلا فيجب على من يليهم إلى أن يجب على كل المسلمين.
فالعدو اليوم قد استباح حرمات الله، وأخذ المسجد الفاضل الثالث، والمسلمون يذلون، ويقتّلون، وتُهتك أعراضهم، وتُزهق أرواحهم، وتسيل الدماء منهم أنهاراً، وإخوانهم المسلمون ينظرون، وذلك هو البلاء، وذلك هو الخزي والعار، ويوشك أن يزيد الله في البلاء والمحنة إذا بقي المسلمون على هذه الحالة.
стр. 808
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج)
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان:٥٣].
من عجيب قدرة ربنا خلق الماء في الأرض، ثم جعل من الماء ماءاً عذباً فراتاً، أي: ماءاً حلواً عذباً، وماءاً آخر ملحاً لا يُشرب، ولا تستطيع أن تغسل به بدنك، وإلا أصبح بدنك كله كما لو ذر عليه شيء من الملح.
ومع ذلك أرسل تعالى المياه العذبة آباراً وأنهراً جارية وأمطاراً وغيثاً، كما أرسل مياه البحر، فلا المياه البحرية اختلطت بالمياه الحلوة العذبة، ولا المياه العذبة الحلوة اختلطت بالمياه الملحة.
يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الفرقان:٥٣] والمرج يتضح معناه في قولنا: قد أرسل فلان دوابه في المرج، أي: أعطاها ساحة كبيرة تسرح فيها وترعى، وترك لها الحرية في الرعي، فهي ترعى هنا وهناك، وهكذا أطلق الله تعالى المياه وأرسلها في الأرض، ومرجها في الأرض، فبعضها داخل التراب، وهو المياه الجوفية، وبعضها على سطح الأرض، والأرض يتصل بعضها ببعض، فلا هذه فسدت وأصبحت ملحة، ولا تلك زال عنها ملحها بهذا الاختلاط والمرج، فذاك من قدر الله وإرادة الله التي انفرد بها ﷻ وعز مقامه.
стр. 809
معنى قوله تعالى: (وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً)
قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٥٣] هذا هو المغزى وهذه هي التتمة، حيث جعل تعالى بين هذا الماء والآخر حاجزاً، ومنع هذا أن يفسده ملح البحر، ومنع الآخر أن يُفسده حلاوة الماء وفراته، ذلك لأن الإنسان في الأرض يحتاج إلى هذا وذاك، فالماء الحلو لشرابنا ولزرعنا وطبخنا وحوائجنا -نحن الأحياء- على الأرض، وأما مياه البحر المالحة فلولا وجودها في الأرض لأنتن الكون، ولمات الناس اختناقاً بالجيف الكثيرة المتراكم بعضها على بعض.
وكثيراً ما نسمع أن الأجواء في المحلات الفلانية اختلطت وفسدت، لكثرة المعامل وكثرة المداخن، فيتسمم الجو، فيحتاج الإنسان إلى الانتقال عن ذلك المكان أو يمرض، وكثيراً ما تنتشر الأمراض في العاملين في تلك الأماكن نتيجة هذا الذي يحدث في الجو.
فمياه البحر كثيرة، وهي محيطة بالأرض بملوحتها، فتنقي الأرض من نتنها وأوساخها وقاذوراتها، فالإنسان في حاجة شديدة إليها، وكذلك سائر خلق الله.
يقول تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ [الفرقان:٥٣] البرزخ: الحاجز والمانع، فهو يمنعهما من الاختلاط ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٥٣] أي: مانعاً وحاجزاً يمنع اختلاط هذا بهذا، فهذا في عذوبته إلى الأبد، وذاك في ملوحته إلى الأبد، وذاك من قدرة الله التي انفرد بها وحده ﷻ .
стр. 810
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً)
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان:٥٤].
جعل الله ﷻ من الماء الإنسان، وجعل منه الخلق، فالإنسان مخلوق من النطفة، والنطفة ماء، وهو المني، فالمني ماء خلق منه البشر، وقد كان أول خلق الإنسان من تراب، ثم خلقت حواء من ضلع من أضلاع آدم، وخلق عيسى من أم بلا أب، وخلق سائر الخلق من نطفة لا بد من صبها من الذكر في رحم الأنثى، فيختلط ماؤه وماؤها فيخرج هذا الجنين وهذا الخلق البديع الذي هو أنا وأنت وكل خلق الله من أولاد آدم.
يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان:٥٤] فيربط بعض الخلق ببعض، فأنا ابن أبي، وتزوجت من أسرة أخرى، فصارت مصاهرة، ونشأ عن ذلك السلالة، فبنتك لذاك وبنت ذاك لك، وهكذا انتشر الخلق وتوزّع بين نسب وصهر.
والنسب: هو الذي يرث اسمك واسم أبيك وأسرتك، والصهر: ما لا يتصّل بك بذلك، فأبناؤها يرثون أسماءنا وأسماء أسرتنا، وبناتنا تتصل أسماء أولادهن بأزواجهن، فهذا صهر وذاك نسب، يقول الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد فهذا نسب وهذا صهر، وحرّم الله بالنسب سبعاً، وحرّم بالصهر سبعاً، وذلك في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] إلى آخر الآية.
يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان:٥٤]، فمن الذي يقدر على ذلك؟ إنه الله خالق الأكوان، وخالق كل شيء.
فما من سماء ولا أرض ولا ليل ولا نهار ولا حركة ولا سكون إلا وهو من خلق الله، ومع كل هذه الدلائل العقلية القاطعة يعرض الكافر ويستكبر.
стр. 811
تفسير قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم)
قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان:٥٥].
مع كل هذه الآيات البيّنات الواضحات لا تزال تجد على مر الدهور والأزمان كفّاراً مشركين يعبدون ما لا ينفعهم ولا يضرهم، بل إن المعبودات من إنس أو جن أو جماد أعجز من أن تنفع نفسها أو تضر ﴿لا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا﴾ [الرعد:١٦]، فلا يملكون لأنفسهم أي شيء يمكن أن يعود بالفائدة عليهم فضلاً عن غيرهم.
يقول تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الفرقان:٥٥] أي: يعبدون غير الله مع الله ﴿مَا لا يَنفَعُهُمْ﴾ [الفرقان:٥٥] ما لو عبدوه فلا نفع فيه، ولو تركوه فلا ضرر منه، فيعبدون حيوانات ويعبدون أناسي وجناً وملائكة لا تضرهم لو تركوا عبادتها، ولا تنفعهم لو بقوا على عبادتها، ولكن يزيدون بذلك كفراً وجحوداً وضلالاً ولعنة وبُعداً عن الله.
قال تعالى: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان:٥٥] أي: مساعداً في عصيان ربه للشيطان ومتعاوناً مع الشيطان.
стр. 812
تفسير سورة الفرقان [٥٦ - ٥٩]
يذكر الله تعالى في هذه الآيات أنه أرسل رسوله مبشراً ونذيراً، وأنه لا يسأل الأجر على دعوتهم إلى الله، وإنما يطلب أجره من الله تعالى.
ثم أمره الله تعالى بأن يتوكل عليه سبحانه، فهو مالك كل شيء، وخالق كل شيء، فمن توكل عليه كفاه ووفقه، ومن توكل على غيره خذله، وعذَّب به.
стр. 813
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً)
قال الله جلت قدرته: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفرقان:٥٦].
أي: ما أرسلناك -يا محمد- إلا مبشراً ونذيراً، أي: مبشراً أهل الطاعة بالجنة والرحمة والرضا، ومنذراً أهل المعصية والخلاف بالعذاب الهون وبالنار خالدين فيها أبداً.
ومعنى ذلك أن الهداية ليست بيده، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، وكما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢]، فما على الرسول إلا البلاغ المبين، فيبين ويبلغ عن ربه ما أمر به من طاعته ووحدانيته والعمل بدينه والخوف من عذابه، ويبين حقيقة الحياة بعد الموت، والجنة والنار، وكل ما أمر الله بأن يعتقد ويعمل به من أمور الدين، وكذلك كل ما يجب تركه.
стр. 814
تفسير قوله تعالى: (قل ما أسألكم عليه من أجر)
قال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٥٧].
أي: قل يا رسولنا لهؤلاء بأن الذي تدعو إليه من بشارة ونذارة، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، لا تطلب عليه شيئاً من أموالهم، ولا تطلب على ذلك أجرة من مال أو غيره، فأجرك على الله، بل إنك تسعى لأن يمتلكوا ويستغنوا ويأخذوا الغنائم والفيء من أعداء الله عند حربهم وقتالهم والظفر بهم.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٥٧] وهذا استثناء منقطع، أي: ولكن من شاء أن ينفق من تلقاء نفسه في سبيل الله، كالإنفاق على المجاهدين والمحتاجين من غير الصدقات والنفقات الواجبة فذلك له، ولا تصده عن عمله، ولا تقطعه عما يريد من أجر أو ثواب، على أن ذلك ليس لك، ولكنه في سبيل الله، وسبل الله كثيرة كما قال الإمام مالك، فهؤلاء الذين يريدون أن ينفقوا من أموالهم للجهاد وللدعوة وعلى الفقراء لهم أجر ما أنفقوا، فليس ذلك المال لك؛ إذ لا حاجة لك إليهم ولا إلى أموالهم، وإنما تعمل ما تعمل طاعة لله، وتنفيذاً لأمر الله، وثوابك وأجرك على الله.
فهؤلاء الذين ظنوا يوماً أنك تريد الملك عليهم وتريد الأموال لتكون أغناهم قد جربوا ذلك وعرضوه عليك فأبيت إلا أن تكون عبداً لله، فلا تطلب الأجر والثواب إلا منه، فقد عرضوا عليه ﷺ أموالهم، وعرضوا عليه سلطانهم، وعرضوا عليه بناتهم، وعرضوا عليه أطباءهم وكل ذلك قد أباه وامتنع عنه، وقال: (والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه).
فالله يقول له: قل لهؤلاء المشركين: إنك لا تريد بعملك ولا بدعوتهم إلى الله مالاً ولا تريد منهم سلطاناً ولا تريد منهم جاهاً، وإنما أجرك وثوابك على الله، ولكن من آمن منهم إن أراد أن ينفق في سبيل الله في جهاد أو علم أو دعوة أو غير ذلك فله ذلك، وليس لك من ذلك شيء إلا دعوتهم إلى الله وتبليغهم دين الله.
стр. 815
تفسير قوله تعالى: (وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده)
قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٨].
يقول الله لنبيه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] في عملك هذا، وفي مثابرتك على دعوة الناس إلى دين الله، وإلى توحيد الله، وإلى ترك الأوثان والأصنام والشرك، فتوكل على الله خالقك الحي الذي لا يموت.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان:٥٨]، احمده واشكره واذكره آناء الليل وأطراف النهار، فليكن توكلك عليه لا على أحد غيره، فأنت في غنى عن أولئك كلهم: عن أموالهم، وعن دنياهم، وعن سلطانهم، وتوكل في عملك، فاجعل الله وكيلك ومرجعك تئوب إليه وتنيب، فإليه المآب وإليه المرجع، فليكن توكلك عليه لا على أحد غيره مهما كان عظيماً، وسبح بحمد ربك واحمده واشكره على ما أولاك إياه وما أكرمك به، حيث علمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيماً.
وقد ختم البخاري صحيحه بهاتين الكلمتين العظيمتين، حيث روى عن رسول الله ﷺ قوله: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، فالنبي ﵊ يحظ الخلق على أن يحمدوا ربهم، وعلى أن يسبحوا بحمده، ويشكروه على نعمه الظاهرة والباطنة التي لا يحصيها إلا هو، ويسبحوه، وينزهوه، ويقدسوه، ويعظموه، فهو أهل لكل ذلك ﷻ وعز مقامه.
فهاتان الكلمتان خفيفتان على اللسان، فلا تحملان اللسان شططاً ولا تعباً، ولكنهما مع ذلك ثقيلتان في الميزان يوم القيامة بأجرهما وثوابهما وما أعد الله لقائلهما؛ لأن معناهما: توحيد الله وتعظيم الله.
وعندما نحمده تعالى نحمده على آلائه، ونشكره على ما أعطانا إياه، وأعظم عطائه لنا وأعظم نعمه علينا هو الإسلام، وكفى بها نعمة.
والخطاب في الآية للنبي ﵊، وهو خطاب لكل الخلق من أتباعه من المؤمنين والمسلمين، وحض لهم على أن يكثروا من ذكر الله، ويكثروا من حمد الله، ويكثروا من تسبيح الله آناء الليل وأطراف النهار، فقد كان ﷺ يذكر الله على جميع أحواله، وبذلك أمره ربه.
يقول تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨]، فهو الحي الدائم، وهو الذي يحيي وهو الذي يميت، وهو موجد الحياة وواجب الوجود، وكل حياة لسواه إنما هي حياة محدثة من خلقه ومن عطائه، فهو الحي الأبدي وحده ﷻ .
والتوكل على الله يكون بعد العزم وبعد اليقين، فيعمل المرء عمله ولا يعتمد فيه على أحد من الخلق، وهكذا أمر الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وأمر بأمره المؤمنين جميعاً، ومن يرجع إلى الذي لا يموت يجد دائماً حصناً حصيناً مرجعاً وناصراً ومعيناً.
أما من توكل على الخلق فلن يحصل له ذلك، فمهما كان المخلوق قوياً وذا سلطان وذا جاه فإنه ميت يوماً، ومن اعتمد على من يموت فقد اعتمد على باطل، وتوكل على ميت، والتوكل على الميت موت في نفسه، وليس كذلك التوكل على الحي الذي لا يموت ﷻ .
يقول تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان:٥٨] أي: نزه ربك، وأكثر من حمده، فالحمد له وحده، وهو الذي نقوله في كل ركعة من صلاتنا في الفرائض منها والنوافل، فأول ما نبتدئ صلاتنا بقولنا: (الحمد لله رب العالمين) أي: الحمد كله الذي لا يستحقه غيره، فالحمد بكل أنواعه هو لله رب العالمين ومدبرهم ﷻ وعلا مقامه.
стр. 816
معنى قوله تعالى: (وكفى به بذنوب عباده خبيراً)
قال تعالى: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٨].
أي: كفى به محصياً، وكفى به محيطاً بذنوب خلقه وعباده، وكفى به خبيراً، فهو يعلم كل أعمالنا، وكل ما يصدر عنا، فيحاسبنا على ذلك يوم القيامة، فإن كانت هناك ذنوب مع التوحيد فإنه تعالى إن شاء غفر وإن شاء عذب بقدر الذنوب، وإن كانت هناك ذنوب مع الشرك فالله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وهذا تحذير من الله، يحذرنا نفسه ﷻ وعلا مقامه، وذلك أن جميع ذنوبنا هو خبير بها مطلع عليها، يعلم جليلها وحقيرها، وكبائرها وصغائرها، فإذا نحن علمنا ذلك علم يقين اتخذنا لذلك عدته، فأقلعنا عن الذنوب، واستغفرنا ربنا مما مضى، وتبنا لما هو آت، ورجونا أن يغفر الله ذنوبنا وألا نعود إليها قط بمقدار طاقتنا وجهدنا.
فهذا تحذير من الله لنا بأنه يعلم كل ما يصدر عنا، والكلام هنا في الذنوب والآثام والمعاصي، فهو تحذير من الله تعالى لكل المشركين وعصاة الموحدين.
قال تعالى: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٨] (خبيراً) منصوب على التمييز، أي: كفى بالله خبيراً، وكفى بالله عليماً، وكفى بالله مطلعاً على جميع ما يصدر عنا، حتى إذا علمنا ذلك وتيقناه عملنا بمقتضى ذلك، فتبنا إليه وأنبنا، وجددنا التوبة، وعملنا عملاً صالحاً، عسى الله أن يغفر لنا ما مضى.
стр. 817
تفسير قوله تعالى: (الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام)
قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٩].
هذه صفة الذي يعلم ويطلع على ذنوبنا كبارها وصغارها، فالله ﷻ هو الخالق لهذه السماوات السبع العلى وخالق الأرضين السبع وما بينهما من كواكب ونجوم وغيرها مما يعلمه الله تعالى.
وهو تعالى خالق الملائكة في السماوات، قال ﷺ : (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما من موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو قائم) ومعنى ذلك أن السماوات العلى في كل بقعة منها بمقدار قدم عليها ملك يعبد الله، فهو في عبادته قائم أو ساجد يذكر الله تعالى بأنواع ذكره، وأكثر ما يقولون: (سبوح قدوس، رب الملائكة والروح).
وقد خلق الله تعالى كواكب لا يحصي عددها إلا هو، وهي تعد بملايين الملايين.
والسماء في اللغة: ما علاك، وهي في القرآن بهذا المعنى، وبمعنى السماء التي هي جرم من الأجرام، فلها باب وعليه بوابون وحراس، ولذلك فإن نبينا ﵊ حين عرج به إلى ربه وقف به جبريل عند باب كل سماء يستفتح، فيقول له الملك المكلف: من؟ فيقول: جبريل.
فيقول: أمعك أحد؟ فيقول: نعم، محمد.
فيقول: قد أذن له؟ فيقول: نعم، فيفتح له الباب.
وما بين كل سماء وسماء مقدار خمسمائة عام، ولا ندري أهذه الأعوام من أعوام الدنيا أم من أعوام الآخرة، فالله ذكر لنا من أنواع الأيام اليوم من أيام الدنيا، فالسنة فيها اثنا عشر شهراً، وكل شهر ثلاثون يوماً، وكل يوم أربع وعشرون ساعة.
وفي الأرض نفسها أقطار يصل اليوم فيها إلى ستة أشهر لا ليل فيها، والليلة إلى ستة أشهر لا نهار فيها، كما في القطب المتجمد الشمالي.
وذكر تعالى لنا اليوم في الآخرة، فهو كألف سنة من أيام الدنيا، واليوم في العروج إلى الله مقداره خمسون ألف سنة.
فالأعوام التي ذكرها النبي ﵊ فيما بين كل سماء وسماء لا ندري أهي من أعوام الدنيا، أم من أعوام الآخرة، أم من الأعوام التي يعرج فيها الملائكة إلى الله، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
وفي علم النجوم وعلم الأفلاك يذكرون السنة الضوئية، أي: يحسبون المسافة بين الأفلاك بسرعة الضوء في الثانية، فبعض النجوم تشع نوراً لا يصل إلى الأرض إلا بعد كذا وكذا سنة، ويحسبون في ذلك المليارات من السنوات الضوئية أحياناً، ولا يعلم جنود ربك إلا هو، ولا يحصي الأنجم إلا هو، وخلق الله الواسع وفضاء الله المتسع لا يعلمه إلا خالقه ﷻ ، فالله هو الخالق لكل ذلك، وقد خلق كل ذلك في ستة أيام.
وكل الكواكب غير الأرض مخلوقة من نوع ما كونت منه الأرض، وما فوق ذلك الله أعلم به، وكل ذلك خلق الله.
стр. 818
معنى قوله تعالى: (ثم استوى على العرش)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان:٥٩].
فما هو هذا الاستواء؟ وما هو هذا العرش؟ طالما أكثر في ذلك المكثرون، وطالما حكى الحاكون، وكل ما يقال في ذلك مما هو غير مستند لآية أو لحديث هو ضرب من القول ومن الفلسفات التي لم يأت عليها من الله سلطان، كتفسير الاستواء بالتمكن والتسلط، وتفسير الكرسي بالقدرة والإرادة.
والعرش ثابت ذكره في الكتاب، وثابت ذكره في الأحاديث المتواترة المستفيضة.
وعرش الرحمن هو أعلى شيء من خلق الله، فالسماوات العلى فوقهن الكرسي، وفوق الكرسي العرش، والسماء الأولى أكبر من الأرض، والثانية أكبر من الأولى، والسابعة أكبر مما قبلها، والكرسي أكبر من السموات، فما السماوات السبع أمام الكرسي إلا كسبعة دراهم ملقاة في ترس، وما الكرسي بالنسبة إلى العرش إلا كحلقة ملقاة في صحراء كما قال ﷺ ، ثم أشار النبي ﵊ بيده إلى أن عرش الرحمن كالقبة فوق مخلوقاته.
وهذا يشير إلى أن الأرض كروية، وقد قال ذلك علماء المسلمين قبل أن يقوله هؤلاء، وقد نقل فيه الإجماع عن المسلمين لنصوص الكتاب والسنة، قال ذلك ابن حزم، وقاله الغزالي، وقاله الرازي.
وذكروا من نصوص القرآن قوله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ [الزمر:٥]، فكلمة (يكور) تدل على ذلك، وكذلك الحديث الصحيح الذي فيه أن عرش الرحمن على سماواته كالقبة، وعلى هذا أجمع علماؤنا، فنفي ذلك وإنكاره إنكار للإجماع وخروج عن الإجماع، والنصوص تؤكد ذلك، وما أخذ هذا إلا من النصوص.
وأما الاستواء فلا نقول فيه ما قاله علماء الكلام من فلاسفة المسلمين كالأشاعرة والماتوريدية والمعتزلة وسائر فرق علم الكلام، ولكننا نقول ما قال الإمام مالك، ونقل ذلك عن بعض السلف، من التابعين والصحابة رضوان الله عليهم، فقد جاء إلى الإمام مالك رجل فسأله فقال: يا أبا عبد الله! ما معنى (الرحمن على العرش استوى).
فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال له: الاستواء معلوم -أي: لغة-، والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة.
ونادى: يا شرطي! أخرج هذا من المسجد.
وكان هذا السؤال في المسجد النبوي، فعد مجرد السؤال عن هذا بدعة؛ لأن هذا شيء لم يبحث فيه السلف؛ لأننا أمرنا بأن نعلم عن الله صفاته العالية، ونعلم عن الله أسماءه ونعوته المقدسة، وكل أسمائه ﷻ حسنة عالية، أما كيفية الله وكيفية علوه وكلامه واستوائه فذلك أمر لم يشرع البحث فيه.
والباحث فيه نقرأ عليه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ونقرأ عليه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، فلا يشبه خلقه في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وكل ما خطر ببالك فالله بخلافه، ولكننا نثبت له تعالى ما أثبته لنفسه في كتابه، وما أثبته نبينا في سنته صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وأما الكيف فغير وارد، فإن سألت عن الكيف فكأنك تسأل ماذا يشبه؟ فالسؤال في الأصل فاسد، وما كانت مقدمته فاسدة كانت نتيجته فاسدة، ولغتنا أضيق من أن تتسع للمعاني العلوية السماوية، وما كانت الألفاظ الإلهية إلا قوالب لتقريب المعاني للإنسان، أما كيف ذلك فالله أعلم به، حتى قال عبد الله بن عباس ﵄: ما ذكر في الآخرة ليس منه في الدنيا إلا الأسماء.
أي: أن كيفية ما فيها لا يعلمها إلا الله تعالى.
فالأسماء تقريب للمعاني، فنسمي ما فيها بالأسماء التي سماها الله في كتابه ونبيه ﵊ في سنته، وتحقيق ذلك الله أعلم به.
فإذا كان هذا في خلق الله مما في الجنة ومما في النار، فكيف بما يتعلق بذات الله؟! ولا نقول كما قال أقوام: الله ﷻ ليس داخل العالم ولا خارج العالم، ولا فوق العالم ولا تحت العالم، إذاً أين هو؟! فهذه صفة المعدوم.
وهذا كلام ما أنزل الله به من سلطان، وهو كلام لا يقبل بحال من الأحوال، فالذي ليس في السماء ولا فوقها، ولا في الأرض ولا تحتها، ولا في الأكوان ولا خارجها إنما هو العدم.
ولكننا نقول ما قال الله، فقد قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤]، وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
وهكذا نثبت لذاته العلية ما أثبته، ونقول ما قاله الإمام مالك: الاستواء معلوم، أي: في اللغة العربية، وباللغة العربية نزل كتاب الله، أما الكيفية فنجعلها، وهذا ما لم يبينه الله لنا ولا نبيه ﵊، فالكلام في هذا عبث قد يوصل إلى الكفر من حيث لا يشعر الإنسان.
стр. 819
معنى قوله تعالى: (الرحمن فاسأل به خبيراً)
يقول تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان:٥٩]، أي: الله هو الرحمن.
﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٩]، فاسأل عن الله خبيراً، والخبير المسئول عن الرحمن هو الله تعالى، فكأن الله يقول لنبيه: إن شئت زيادة البيان فسلني، والقرآن مليء بهذه المعاني.
وقد يكون المعنى كما قال بعض المفسرين: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٩] أي: القرآن، فالقرآن فيه خبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وفصل ما بينكم، فالله ﷻ هو الخبير وهو العليم، فهو الذي أخبرنا، وهو الذي علمنا أن أسماءه الحسنى كثيرة، وقد حصرها النبي ﷺ في تسعة وتسعين، وورد أنها تتجاوز الألف، ولا يحصيها إلا الله، ﴿أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠]، فبأي اسم دعوناه كقولنا: يا الله، يا رحمن، يا لطيف، يا خبير، يا عفو، يا قادر فإنه يحصل المقصود، فكل ذلك من أسماء الله وصفاته.
واسم الجلالة هو (الله)، والأسماء الأخرى يسمى الناس ببعضها، وقد وصف ببعض ذلك نبينا ﵊، ومعلوم أن من الأئمة الأربعة الإمام مالكاً، والمالك هو الله، ولكننا قد نصف بالملك المخلوق، فنقول: هو مالك، وأقول: أنا مالك هذا، أي: ملكته الآن وقد كان مملوكاً لغيري، وسيكون مملوكاً لغيري، فأنا وما أملك لله فجرت العادة بذلك وذلك كان بعلم رسول الله ﷺ وبإقراره.
стр. 820
تفسير سورة الفرقان [٦٠ - ٦٧]
لقد خلق الله الخلق، وزين السماء بمصابيح ليرينا قدرته، وأنه القادر على كل شيء، وما تفكر أحد في ذلك إلا وقاده إلى الهدى والتبصر.
وهؤلاء المهتدون المتبصرون هم عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً.
стр. 821
تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن)
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان:٦٠].
هذه السجدة اتفق عليها جميع العلماء، والرحمن اسم من أسماء الله ﷻ ، وفي صلح الحديبية أمر ﷺ بكتابة الصلح مع أعدائه، فأمر علياً -وكان الكاتب لهذا الصلح- فقال: (اكتب باسم الله الرحمن الرحيم) فقال سفير قريش: ما الرحمن؟! لا نعرف الرحمن ولا الرحيم.
اكتب ما كنت تكتب قبل: باسمك اللهم.
وكان النبي ﵊ قد قال قبل ذلك: (لا يسألونني خطة يعظمون بها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها) و (باسمك اللهم) معناها: باسمك يا الله، فليس فيها وثنية، فأمر علياً بكتابتها.
وكانوا يقولون لـ مسيلمة الكذاب: رحمان اليمامة، ولا أدري ما هذه الكلمة؛ فقد عرفت في أيام دعوى النبوة، ولذلك قالوا للنبي ﵊: لا نعلم ما الرحمن، لا نعلم إلا رحمان اليمامة.
وكانوا لذلك يشنعون عليه، فيقولون: كان محمد يدعونا إلى إله واحد، فأصبح يدعونا إلى إلهين: الله والرحمن، فنزل قوله تعالى منكراً ذلك ومزيلاً لجهالاتهم: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠].
فأسماء الله كلها حسنة، وكلها تدل على الله ﷻ ، فإذا قلنا: يا رحمن، يا رحيم، فذلك يعني: يا الله، وإذا قلنا: يا مجيب، أو يا عفو، أو يا غفور، فمعنى ذلك: يا الله.
يقول تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان:٦٠] أي: اعبدوا الرحمن، ومن تمام العبادة السجود؛ لأنه جزء من الصلاة، وهو وضع الجبهة والأنف واليدين والركبتين وأصابع الرجلين على الأرض لله، وهي صفة لا يجوز أن تكون لأحد إلا لله، بل الركوع وطأطأة الرءوس لا يجوز إلا لله وحده.
يقول تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان:٦٠]، فهم لا يزالون على كفرهم، حيث قالوا لرسول الله: أنطيعك بالسجود لهذا؟! قال تعالى: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان:٦٠] أي: ازدادوا نفوراً لكفرهم، ولإصرارهم، وازدادوا بهذا كفراً على كفر، فقد عصوا الله، ثم عصوا نبيه، ثم أنكروا أسماء الله الحسنى، ثم امتنعوا عن السجود.
ولذلك اتفق الفقهاء الأربعة على مشروعية السجود عند هذا الموضع، لأن هذه الآية دعي فيها الكفار إلى السجود لله فأبوا، فكيف يدعى المؤمن ولا يسجد؟!
стр. 822
تفسير قوله تعالى: (تبارك الذي جعل في السماء بروجاً)
قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان:٦١].
يلفت الله ﷻ أنظارنا ويرينا قدرته، ويرينا خلقه، ويرينا أنه القادر والخالق لكل شيء، ويعمم ثم يخصص، فهو تعالى الذي خلق السماوات العلى، وخلق الأرضين، وخلق مابين ذلك.
ثم عاد فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان:٦١]، فعظم نفسه، ونزه نفسه، وقدس نفسه، وهو الأهل لذلك، وهو الجدير بذلك، وبذلك يأمرنا، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
والبروج: هي هذه الكواكب الكبيرة: كعطارد، والقمر، والمشتري، والزهرة.
وقال البعض: البروج هي منازل الكواكب، وذكروا الجدي والعقرب والحمل، وقالوا: هي اثنا عشر برجاً، ولكن لا شيء يدل على هذا من كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ .
يقول تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان:٦١] أي: في العلو، وإلا فهذه البروج هي خلق الله بين السماء والأرض وليست داخل السماء كالقمر، ليس داخل السماء ونحن نراه، بل هي ما قال الله عنه: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك:٥]، فهذه المصابيح التي نرى مصابيح زين بها السقف، والسقف هو السماء، فزينها الله بذلك، وجعلها علامات الاهتداء في الذهاب والإياب.
وكان بدو الجزيرة العربية أعلم الناس بذلك، فهم يستطيعون السير في الصحاري التي لا علامة فيها على شرق ولا غرب ولا جنوب ولا شمال، فبالأنجم يعلمون الطرق شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، ومن لا يعلم ذلك يهلك في الصحاري عطشاً أو ضلالاً.
وقل مثل هذا الآن في الطائرات وفي السفن، إذ السماء لا علامة فيها، والبحار عندما تدخلها السفن لا علامة فيها، فيهتدون بإشارات الرادار ونحوه، ولكن كل ذلك مبني على النجوم، فهذه الإشارة تكون في الشرق، وهذه تكون في الغرب، وهذه تكون في الشمال، وهذه تكون في الجنوب، وهكذا.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾ [الفرقان:٦١] أي: شمساً سراجاً، والسراج: المصباح، وهي كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح:١٦]، فجعل الشمس سراجاً أضاء الدنيا، فالضوء الذي نراه في النهار ناشئ عن الشمس، والعتمة التي تأتي في الليل نتيجة غيبوبة ضياء الشمس، فإذا أشرقت أو قاربت تجد الضياء قد شع والنهار قد سطع والأنوار ظهرت.
كذلك أنار الله تعالى القمر، وقد قالوا: إن نور القمر من غير نور الشمس، وذلك يحتمل، والآية لا تؤكده، فقد يكون نور القمر مستمداً من الشمس، وقد يكون للقمر نور خاص به، فالله ذكر القمر منيراً، ونحن نراه كذلك عندما يصبح بدراً، أما إذا كان هلالاً فإن نوره يتضاءل، ولكنه نور على كل حال، وإنما يكون أضوء ما يكون عندما يصبح بدراً منيراً في الليالي الإضحيانية كما سمتها السنة المطهرة، والليالي الإضحيانية هي ليلة الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر.
стр. 823
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر)
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦٢].
جعل الله الليل والنهار خلفة، وقد اختلفوا في تفسير الخلفة، وكل ما قالوه يصح في تفسيرها.
فقد قيل: (خلفة): أي: عوضاً وبدلاً، فالنهار عوض عن الليل، والليل عوض عن النهار في العبادة والطاعة، ولذلك روي عن عمر ﵁ أنه صلى يوماً في الضحى بركعات أطالهن، فقيل له: يا أمير المؤمنين! رأيناك تصلي صلاة ما رأيناك تصلي مثلها! قال: فاتتني ركعات من الليل، فأنا أريد أن أخلفها.
ومعناه: أن من فاتته عبادته في النهار أخلفها في الليل، ومن فاتته عبادته في الليل أخلفها في النهار، وهذا يؤكد قول النبي ﵊: (إن لله تعالى مغفرة يغفرها لتائب النهار في الليل، ومغفرة يغفرها لتائب الليل في النهار) أي: أن يقوم عبد في الليل فيتهجد، ويبكي ويتضرع، ويقول: يا رب! أذنبت، يا رب! أسأت، يا رب! ندمت على ما صدر مني، يا رب! اغفر ذنوبي، ويكون قد أذنب في النهار وتاب في الليل، فيغفر الله ذنوبه، فيكون قد عوض ذنوب النهار بالطاعة والدعاء في الليل.
وكذلك العكس، فحيث يذنب في الليل يصبح في النهار وقد ندم، وقد تاب، فيقول: يا رب! اغفر لي، يا رب! ارحمني.
فيغفر الله له، فيتوب على ماد يده بالليل، فيغفر ذنبه في النهار، وماد يده بالنهار يغفر ذنبه بالليل.
وقيل: المراد بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان:٦٢] أن الله تعالى أدخل الليل في النهار وأدخل النهار في الليل، فالليل عتمة لا ضياء فيه، والنهار نور لا ظلمة فيه، وكلاهما متعاقبان يخلف أحدهما الآخر في نظام وترتيب، فهذا للنشور والمعاش والعمل، وهذا للسكون والنوم والراحة، فمن الذي خلق ذلك؟! ومن الذي نظم ذلك؟! ومن الذي رتب ذلك؟! إنه الله ﷻ .
يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦٢].
فالله جعل للإنسان في اليوم أربعاً وعشرين ساعة، منها نهار ومنها ليل، فقد يطول النهار إلى ست عشرة ساعة، وقد يقصر إلى بضع ساعات، والليل والنهار أربع وعشرون ساعة، فجعل الله تعالى كل ذلك زمناً ووقتاً للاستغفار، وللشكر، وللذكر، وللعبادة.
وختم الآية بقوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦٢] وهذا يؤكد المعنى الأول، وهو أن من فاتته عبادة الليل قضاها في النهار، ومن فاتته عبادة النهار قضاها في الليل.
وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ [الفرقان:٦٢] أي: أن يعتبر، وقرئ في السبع: (أن يَذْكُر) أي: أن يذكر الله قائماً وقاعداً وساجداً باللسان وبالجنان وبالأركان.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦٢] أي: أراد أن يشكر الله على كثرة ما أنعم عليه، فيقول: أشكرك يا رب! على نعمك وآلائك التي لا تحصى، وأول ما يشكر عليه تعالى هو هذه الهداية التي هدانا بها إلى دينه، واتباع نبيه، وإلى القيام بالإسلام.
ثم بعد ذلك الهداية إلى عمل الخير والطاعة، ثم يأتي الشكر بعد ذلك على الطعام والشراب، ومن جعل شكره مقصوراً على الطعام والشراب فهو كما قال الحسن البصري: لا يعد من النعم إلا الطعام والشراب، فهو كالدابة، فأعظم من الطعام والشراب الدين، والطاعة، والأخلاق، والامتثال، والدعوة إلى الله، والتحلي بمكارم الأخلاق، والتخلي عن مساوئها، فكل ذلك يشكر الله تعالى عليه ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل:١٨].
стр. 824
تفسير قوله تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً)
قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣].
هذه بداية سلسلة من الآيات الكريمة في صفة عباد الله المؤمنين التي يجب أن يطيل الاعتبار بها المؤمن، فيزن نفسه بميزانها، فإن وجد نفسه متخلقاً بها فهو مؤمن، وإذا وجد نفسه غير متخلق بها فهو مؤمن ناقص الإيمان بمقدار ما نقص من هذه الصفات.
قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٣ - ٦٤].
إن عباد الرحمن هم جميع خلقه، ولكن المراد هنا عباد الرحمن الذين يعبدونه بصدق، فهم عباد في الخلقة، وهم عباد كذلك في العمل، وهي صفة لا تكون إلا للمؤمنين.
يقول تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣] فهؤلاء تجد صفتهم في مشيتهم، وبعضنا تجده يمشي في الطريق وهو يترنح يميناً وشمالاً، فيمشي وكأن الأرض لا تحمله، ويكاد يشق الأرض والجبال، وهو أعجز عن ذلك، فيرفع رأسه كأنما يريد أن يطير! فإن قيل له: لم كل ذلك؟ يقول: أنا غني، أنا شاب، أنا جميل، أنا ابن فلان، وهذه صفة الكفار وليست صفة المسلمين.
وقوله تعالى: (الذين يمشون) أي: يعيشون، فحياتهم تمشي على هذا الأساس، وليس المراد المشي فقط.
وقوله تعالى: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣] الهون: الرفق واللين، فيعاملون الناس برفق، ويعاملونهم بلين، وإذا مشوا مشوا وعليهم السكينة والوقار، لا بالذل؛ إذ لا يليق الذل بمؤمن، فقد رأى عمر بن الخطاب يوماً شاباً يمشي متباطئاً، فقال له: ما بالك، أمريض أنت؟ قال: لا.
فقال: ولم تمشي هكذا؟! ارفع رأسك؛ فإن الإسلام عزيز منيع، وضربه بالدرة.
وكان النبي ﵊ إذا مشى فكأنما ينحط من صبب، وكأنما يقلع من الأرض قلعاً، فإذا رفع رجله رفعها كلها بقوة، ولا يمشي وهو يسحب برجله على الأرض كما يفعل كثير من الناس، فإذا رفعها رفعها باقتلاع، وإذا وضعها فكأنما ينزل من صبب، وهذه هي مشية الرجولة.
وكان ﷺ إذا مشى أسرع في خطاه، وهذا كله مع الوقار ومع السكينة ومع التواضع لله ﷻ .
وقد قص الله علينا قصة لقمان مع ولده وهو يأمره وينهاه، حيث قال له: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان:١٨]، ثم قال له: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:٣٧]، فلا الأرض ستخرقها ولا الجبال ستدخل فيها، فيجب أن تمشي برفق وبلين وتواضع وعبودية، أما مشية الخيلاء فهي مشية من لا يؤمن بالله.
ولما دخل النبي ﵊ مكة معتمراً بعد صلح الحديبية كان معه الشيخ والمرأة والمريض والصحيح، وقد قطعوا الطريق ومنهم الراجل ومنهم الراكب، فلما دخلوها قال الكفار: جاءكم محمد وأصحابه قد وهنتهم حمى يثرب، وهم عجزة يجرون أرجلهم جراً لا يكادوا يتحركون، فقال النبي ﵊ لأصحابه: (رحم الله امرءاً أراهم من نفسه قوة)، وأمرهم بالرمل، وهذا سبب مشروعية الرمل عند الطواف، فلما رأى ذلك كفار قريش أسقط في أيديهم.
وبقي ذلك مشروعاً، ولذا جاء عمر حاجاً أو معتمراً في خلافته، فقال: كان الرمل لإظهار القوة على الكفار، وليس هنا كافر، ثم عاد فرمل وقال: شيء صنعناه مع رسول الله لا نتركه.
فالرمل بقي ذكرى لذلك اليوم، وهو اليوم الذي دخل فيه الإسلام ضعيفاً، وكانت مكة بيد الكفار، فأراد النبي ﷺ أن يغيض الكفار ولو بهذا، فانتهت بعد ذلك تلك العلة، ولكن بقي الرمل، كالسعي بين الصفاء والمروة، وكرمي الجمار، فلكل ذلك معنىً ولكل ذلك مغزىً ولكل ذلك سبب سبق وقته.
يقول تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣]، فعباد الرحمن الصادقون هم الذين يمشون على الأرض هوناً برفق ولين، فيمشون بالأقدام، ويمشون في السيرة مع الناس برفق وبلين، بلا عنف وجبروت، ولا طغيان وتكبر؛ إذ لا يليق ذلك بالمؤمن، ومن نازع الله كبرياءه كسره، كما قال النبي ﵊.
стр. 825
معنى قوله تعالى: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً)
قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣].
فمن نبلهم ومن رفعة أخلاقهم أنهم إذا جاء الجاهل إلى أحدهم فشتمه وصاح في وجهه قال له: سلام، أي: سداداً فيقولون قولاً لا شتم فيه، ولا سب فيه، ولا خبث فيه، فيجب على المسلم أن يعيش بلين المعاملة، وطيب اللسان، فلا ينطق بلسانه ما يقوله السفيه، حتى ولو قال له ذلك، فلا يقول إلا سلاماً، أي: سداداً.
وقد قال الله تعالى في مثل هذا: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، فذاك العدو عندما يشتمك، وعندما يقول عنك ما يقول ادفعه بالكلمة الطيبة اللطيفة، وبالحركة البشوشة، فيصبح وكأنه أخ حميم وصديق مخلص.
قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥]، فلا يتحمل هذا ولا يطيقه ولا يصبر عليه المؤمن الصادق الواعي القوي الإرادة، أما عامة الناس فالواحد منهم بأقل حركة يثور، وبأقل حركة يشتعل.
وهكذا كانت سيرة المصطفى ﷺ ، فقد كانت قريش تشتمه وتهجره وتقول فيه وتقول، ومع ذلك لم يكن ﷺ سباباً ولا صخاباً في الأسواق، ولا رافعاً صوته، ولا يجيب هؤلاء على شتائمهم، وقد كانوا يقولون عنه: مذمم، وهو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيقول: (انظروا كيف يصرف الله عني شتائم قريش ولعنهم، يشتمون مذمماً ويلعنون مذمماً وأنا محمد) أي: أنا لست مذمماً، فليبحثوا عن المذمم الذي يشتمونه، بل أنا محمد، وسماني الله محمداً، فصلى الله عليه وعلى آله.
стр. 826
تفسير قوله تعالى: (والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٤].
قال الحسن البصري: تلك صفتهم في النهار، يعيشون مع الناس هوناً لا يشتمون ولا يسبون، وأما في الليل فيبيتون لربهم سجداً وقياماً.
ومعنى (بات): دخل عليه وقت البيات، وليس من الضروري أن يكون نائماً، أي: إذا جاء الليل كانوا بين قائم وساجد، فتجد الواحد منهم قائماً ثم راكعاً ثم ساجداً، أي: تجده عابداً لله متهجداً يرجو رحمة ربه، ويستغفر من ذنبه، ويشكر إلهه، ويذكر أسماءه الحسنى ويدعوه بها، فهذه صفة المؤمن.
و (سجداً) جمع ساجد، و (قياماً) جمع قائم، و (سجداً) صيغة مبالغة، أي: كثيروا السجود، فيبيتون يقومون ويركعون ويسجدون، متضرعين إلى ربهم ينادون في جوف الليل والناس نيام: يا رب! سجد لك جبهتي وأنفي ويداي وقدماي وجميع أعضائي، عبادة لك خالصة لا تصرف لغيرك، فاغفر ذنبي واكشف كربي، واستر عني عوراتي وآمن روعاتي، وهذه صفة المؤمن.
стр. 827
تفسير قوله تعالى: (والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:٦٥].
يبيتون لربهم سجداً وقياماً وهم يدعون ربهم فيقولون: يا ربنا! اصرف عنا عذاب جهنم، وأبعدها عنا، ولا تقربنا منها ولا تقربها منا، واجعل بيننا وبينها حجاباً، ولا تجعلنا من سكانها.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:٦٥] أي: إن عذابها كان ملازماً، يقولون: فلان غريم فلان، أي: ملازمه لا يتركه حتى يعطيه حقه.
وقيل: شديداً، وقيل: دائماً.
فعذاب جهنم كان ملازم دائم ومقيم، ثم هو ثقيل لا تحتمله جسومنا، فنحن قد آمنا بك، فنطقت ألسنتنا بتوحيدك، واعتقدت قلوبنا بالإيمان بك والتوحيد، فلا تعذبنا واصرف عنا جهنم، واصرف عنا عذابها.
فالمؤمن باستمرار داع لربه قائماً وراكعاً وساجداً.
قال تعالى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان:٦٦] أي: جهنم، فما أسوأها مقاماً، وما أشد سوءها ومحنتها وقبحها للمقيم فمقامها سيء، والاستقرار فيها سيء.
فهؤلاء يدعون ربهم قائلين: أبعدها عن أن تكون مستقراً لنا ومنزلاً، وعن أن تكون لنا مقاماً وموئلا، وأبعد عنا عذابها.
فهؤلاء يبيتون الليل ركعاً وسجداً وهم يدعون ربهم بما يوصلهم إلى الجنة ويدفع النار عنهم، وإنما يكون دفع النار بتوالي الطاعات، وبفعل الحسنات، وبترك السيئات، وبالدعاء في الليل والناس نيام بأن يوفق الله العبد المؤمن ويلهمه الله العمل الصالح الذي يبعده عن جهنم ويصرفها عنه.
стр. 828
تفسير قوله تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:٦٧].
هؤلاء المؤمنون عباد الرحمن إذا أنفقوا لا يسرفون ولا يقترون، والإسراف: هو إعطاء المال في غير ما يجب له، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء:٢٧]، والتقتير: هو البخل وإمساك اليد.
فهؤلاء لا ينفقون أموالهم إلى حد التبذير والإسراف وضياع المال، ولا يقبضون أيديهم إلى درجة البخل ومنع أهل الحقوق حقوقهم.
وقد فسر الآية الحسن البصري فقال: لا يقبضون أيديهم فيجيعون أهلهم وأولادهم في النفقة، ولا يسرفون بصرف مالهم كله لهم فيصبحون وقد افتقروا، فلا يستطيعون شراءً ولا بيعاً ولا معاملة.
وقال غيره: الإسراف لا يكون إلا في باطل، بحيث ينفق أكثر مما يحتاج إليه، أما في سبيل الله فمهما أنفق في ذلك فإنه لا يعاب ولا يلام، ولا يقال: هذا مسرف ولا مبذر.
والتقتير أيضاً لا يسمى كذلك إلا إذا أمسك المرء يده عن حسنة أو عن عمل في سبيل الله.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء:٢٩]، فلا تغل يدك إلى عنقك -وهذه كناية عن البخل الشديد- حتى إذا حاولت أن تتصرف بها وجدتها مربوطة مغلولة إلى العنق، (ولا تبسطها كل البسط) فتبذر.
стр. 829
تفسير سورة الفرقان [٦٧ - ٧١]
يذكر الله تعالى بعض صفات عباد الرحمن التي يتميزون بها، فهم لا بخلاء ولا مبذرون، وهم أيضاً يوحدون الله تعالى ويدعونه وحده لا شريك له، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون، ومن صفاتهم أيضاً كثرة التوبة والإنابة إلى الله تعالى.
стр. 830
تفسير قوله تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا)
قال الله ﷻ : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:٦٧].
لا نزال مع المؤمنين من عباد الله الصالحين فيما وصفهم الله تعالى به من التحلي بالأخلاق الكريمة، والتخلي عن الأخلاق السافلة، فكان من ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان:٦٧].
فهؤلاء من عباد الله حقاً، فهم الذين لا يكون إنفاقهم إسرافاً وتبذيراًَ وضياعاً، ولا يكون تقتيراً وبخلاً ونقصاً وإضاعة حقوق، فلا يصل بهم الأمر إلى أن يجيعوا ويعروا من هم في حاجة إلى نفقتهم، ولا يصل بهم الأمر إلى أن يسرفوا ويبذروا ويصرفوا أكثر مما كان يجب أن يكون، وقد روي عن النبي ﵊ أنه قال: (ما عال من اقتصد)، أي: لم يفتقر المقتصد.
وهذا كبيان الله في آية أخرى في قوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء:٢٩]، فلا تجعل يديك من البخل كما لو عقدتها وربطتها وقيدتها في عنقك، فلا تستطيع نفقةً، ولا تجعلها مبسوطة كل البسط فتقعد ملوماً بعد أن تبذر، وتضيع وتسرف في النفقة على من كان يجب عليك نفقته.
وقد قال قوم: النفقة في سبيل الله ولو كانت بكل مالك لا تعد إسرافاً ولا تبذيراً، واستدلوا على ذلك بأن النبي ﷺ لما طلب الأصحاب في غزوة تبوك أن يعينوا الجيش، وأن يعطوا كل ما يستطيعون جاء أبو بكر ﵁ بكل ماله، وجاء عمر بنصف ماله.
ولكن هذا في حالة خاصة، وأبو بكر عندما فعل ذلك لم يضيع أهله، ولم يحوجهم ولم يجعهم، وكذلك فعل عمر.
فعندما أعطوا أموالهم كانوا معتمدين على تجارتهم، ومعتمدين على الصفق في الأسواق والأخذ والعطاء، فلم يعطوا كل ما عندهم ليصبحوا في اليوم التالي في حاجة إلى طعام وشراب وكساء.
وهذه الآية تصف المؤمن بأنه إذا أنفق لا يكون مبذراً، ولا يكون مسرفاً، فالمبذرون كانوا إخوان الشياطين، والمسرفون لا يحبهم الله، إذ قد أفرطوا في تجاوز الحد بالنفقة على من كان يجب أن ينفق عليه من عيال وأولاد.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان:٦٧]، قرئ: (يُقتِروا) و (يَقتُروا) و (يَقتِروا)، وكل ذلك بمعنى واحد، وبكل ذلك وردت القراءات السبع المتواترات.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا﴾ [الفرقان:٦٧] أي: ومن صفاتهم الكاملة أنهم إذا انفقوا لم يكونوا مسرفين ولا مبذرين، ولا بخلاء ولا مقترين، يعطون الأهل في نفقاتهم ما يحتاجون إليه من سكن ولباس وطعام وشراب، ولا ينفقون عليهم في اليوم كنفقة أسبوع أو شهر أو سنة، حتى إذا نفد المال وجد المرء منهم نفسه قد افتقر وقد أضاع ما عنده، فليست هذه صفة المسلم العابد الذي وصفه الله تعالى بهذه النعوت الكريمة.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:٦٧] أي: وكان الإنفاق بين ذلك وسطاً بين الإسراف والتقتير، وكان الإنفاق بين هاتين الحالتين من الإسراف والتقتير، وهو العدل والوسط في الأمور.
стр. 831
تفسير قوله تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان:٦٨].
ذكر الله ﷻ في هذه الآية الكريمة أن من صفات هؤلاء العابدين الصادقين أنهم لا يدعون مع الله إلهاً غيره، فلا يشركون بالله، ولا يعبدون غير الله، وليس لهم إله إلا الله، ولا رب ولا خالق ولا معبود غيره، فهم المؤمنون بالله حقاً، وهم الموحدون لربهم ذاتاً وصفات وأفعالاً، فهم الذين إذا استعانوا استعانوا بالله، وإذا سألوا سألوا الله، وإذا خافوا خافوا من الله، وعلموا أن الله أكبر من كل كبير، فهو الله الخالق الرازق الجدير وصاحب الحق في العبادة، وكل من عداه من الشركاء إنما عبدهم من لم يعبد الله حقاً، وزعمهم شركاء من لم يوحد الله حقاً، فمن تمام صفة المؤمن أن يكون عابداً لله وحده، فلا يتخذ إلهاً غيره ولا معبوداً سواه.
ثم هو لا يقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، فلا يعتدي على الأرواح، ولا يسفك الدماء إلا بحقها، وحق سفك الدم يرجع إلى الحاكم لا إلى عامة الناس، فالروح عصمها الله تعالى عن أن تزهق، إلا إذا زلت في أعمالها، وارتكبت ما ذكره النبي ﵊ في قوله: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زناً بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس).
فإن كان مسلماً فارتد فأمر بالعودة إلى الإسلام وبالتوبة فأبى، فإنه يقتل حداً لردته، وإن تزوج يوماً -ولو بقي بعد ذلك بلا زوجة- فإنه يعتبر محصناً، فإذا زنى يرجم حتى الموت، وإن أزهق نفس مسلم بغير حق فإنه يقتل به قصاصاً جزاء إزهاقه لروح غيره ظلماً وعدواناً.
وهذا معنى الآية الحق: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان:٦٨].
فالنفس المؤمنة معصومة محصنة لا يجوز إزهاقها ولا يجوز قتلها ما لم يكن ذلك بحق، والقتل بالحق هو ما سبق ذكره، ومع ذلك لا يكون للإنسان أن يأخذ حقه بيده، ولكن الحاكم المسلم هو الذي يتولى ذلك.
стр. 832
معنى قوله تعالى: (ولا يزنون)
قال تعالى: ﴿وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨]، فعباد الرحمن لا يزنون، والزنا انتهاك الأعراض، وهو إتيان فرج لا يحل كما يأتي الزوج زوجته حلالاً، فلا يفعل ذلك بعقد وزوجية صحيحة، ولا يفعل ذلك بملك يمين، ومن يفعل ذلك يكون قد اعتدى، وعدوانه هذا جزاؤه في الشرع إن كان عزباً مائة جلدة وتغريب عام، وإن كان محصناً فالرجم حتى الموت.
والمؤمن يبتعد عن هذه الأشياء كلها ابتعاد السليم من الأجرب، فالمؤمن لا يكفر بالله، ولا يشرك به شركاً خفياً ولا جلياً، ولا يزهق نفس المؤمن ظلماً وعدواناً إلا بحق، والحق يرفع إلى من ينفذه، وهو الحاكم المؤمن، ولا يعتدي على الأعراض المحرمة عليه، ومن اعتدى بعد ذلك فهو الظالم الذي يستحق العقوبة، وهو الذي لا يوصف بصفات المؤمنين العابدين.
وقد سأل ابن مسعود ﵁ نبي الله ﷺ -كما في الصحيح- فقال له: (يا رسول الله! أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل الله نداً وهو خلقك، قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل وليدك مخافة أن يطعم معك)، كما كان يفعل في الجاهلية قبل، وكما يفعل اليوم في مختلف بقاع الأرض، فيزهقون الأرواح أجنة لا تزال في الأرحام وقد نفخت فيها الأرواح، ويقتلونهم وهم أطفال ليبتعدوا عن مسئولية النفقة عليهم، ولا تزال الصحف وأجهزة الإعلام في مشارق الأرض ومغاربها تقص من ذلك العجائب والغرائب، وذلك يدل على أن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير:٨] لا يعنى به أهل الجاهلية فحسب، فهذا الذنب وهذا الإجرام لا يزال قائماً بين الناس في جاهليتهم الجديدة، على أن الكافر يعيش في جاهلية مستمرة قبل وجوده وبعد وجوده إلا أن يؤمن بالله، ويعترف بالله ﷻ خالقاً ورازقاً وواحداً، وبمحمد عبداً ونبياً ورسولاً وخاتم الأنبياء والرسل، وإلا فهو جاهلي لا يزال يعيش في الجهالة والضلالة.
والزنا من أقبح ما يبتلى به مجتمع، يقول نبينا ﵊: (ما انتشرت الفاحشة في قوم إلا وبلوا بأمراض لم يكن يبتلى بها آباءهم وأجدادهم).
ونحن نرى اليوم في هذا العصر أمراضاً بين الناس في المشارق والمغارب هي نتيجة الزنا، ونتيجة الفساد، وهي أمراض ما كان الناس في القرون الأولى يعرفونها، وهذا جزاء في الدار الدنيا قبل جزاء دار الآخرة.
وسل أي طبيب فقل له: ما هي الأمراض التي يحملها أكثر المرضى عند علاجك لهم؟ فسيقول لك: أكثر أمراضهم أمراض الجنس، أمراض القبل والدبر، أمراض الفساد والفاحشة والزنا.
فالجراثيم والأقذار والأوساخ لا تكون في موضع كما تكون في موضع القبل والدبر، فإذا اتصل سليم بمريض عن طريق الفرج الحرام انتقل ذلك من الفرج الحرام إلى فروج أخرى، ومن كان متزوجاً ينقل ذلك إلى أهله، فيخرج الأولاد مرضى منذ الطفولة، بل منذ كانوا في أرحام أمهاتهم وهم أجنة، والمرض إذا خرج مع الجنين فقلما يسلم صاحبه، فيعيش مريضاً مدة حياته، وينتشر ذلك منه إذا كبر في أولاده.
وكثير من الأمراض التي ترى اليوم في الأطفال والنساء والرجال إن بحثت عنها فستجد أن البيئة ليست بيئة صالحة، وليس أهلها قوماً متقين ولا خائفين من الله، فهم يتصلون بكل فرج حرام، حتى إذا أفلتوا من الحد وقعوا في قبضة تلك الأمراض.
وكثيراً ما يفلتون من الحد، بل قد أسقطت الحدود في ديار الإسلام إلا شيء لا يزال في بلدنا هذه.
стр. 833
ذكر عقاب مرتكبي الشرك والقتل والزنا
يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان:٦٨] أي: ومن يفعل ذلك من المؤمنين، والمراد الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله بغير حق، والاعتداء على الأعراض والفروج التي لا تحل له، فإنه يقابل ويجازى في الدنيا والآخرة بعقوبة، فقوله تعالى: (يلق أثاماً) أي: يلقى عقوبة، ويلقى نكالاً، ويلقى جزاءً وفاقاً، ففي دار الدنيا يعذب بإقامة الحد، وبهذا المرض المضني المهلك الملازم لهؤلاء الزناة والفسقة من الرجال والنساء، وفي الآخرة عذاب الله أشد إذا لم يقم على فاعل ذلك الحد جلداً أو رجماً، أو لم يتب مما صدر منه.
قال تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان:٦٩]، فهو في الدنيا يلقى العقوبة بالجلد، ويلقى العقوبة بالرجم، ويلقى العقوبة بالأمراض، فإن مات مع هذا مشركاً فإنه يخلد في العقوبة مهاناً ذليلاً حقيراً، فيكون خالداً في جهنم تحت غضب الله ولعنته مع الذل والهوان على الله وملائكة العذاب في جهنم وبئس المصير.
فالمؤمن لا يفعل ذلك، فإن فعل فقد خرج عن صفات المؤمنين، وكان مرتكباً لصفات المشركين ولنعوت الظالمين الفاسقين.
стр. 834
تفسير قوله تعالى: (إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً)
قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠].
إلا من سبق أن أجرم أو أذنب وكان كافراً، ثم تاب إلى الله توبة نصوحاً، ومن تاب تاب الله عليه، والإسلام يجب ويقطع ما قبله إذا كان مشتملاً على صفات التوبة من الندم على ما سبق، والعزم على ألا يعود، وارتكاب حسنة مكان سيئة صنعها كما قال ﷺ ، وقد أمرنا بأن نفعل حسنة مكان السيئة لتمحوها وتزيلها وتقضي عليها.
ومعنى ذلك أن جميع الجرائم من الكفر بالله وإزهاق النفس التي حرم الله وبقية الجرائم على مختلف أنواعها إذا أقيم على فاعلها الحد ثم تاب إلى الله بعد ذلك وعمل صالحاً فعوض سيئاته بأن أكثر من الحسنات، ومن الطاعات، ومن العبادات، فإن الله يبدل سيئاته حسنات.
وهذه الآية متعلقة بتوبة الكفار، فقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [الفرقان:٧٠] أي: تاب من ذنوبه، وآمن بعد كفره، وعمل عملاً صالحاً بعد ذلك، والعمل الصالح هو القيام بالأركان الخمسة فرائضها وسننها وآدابها، والتحلي بالأخلاق الكريمة والتخلي عن الأخلاق الرذيلة، وفعل الطاعات بقدر المستطاع، وترك السيئات جميعها.
فمن تاب وآمن ثم عمل الصالحات فإن الله لا يتوب عليه فحسب، بل يبدل سيئاته حسنات.
وقد فسر الآية علماؤنا وصحابة نبينا ﷺ ، فقال بعضهم: يلهمهم وهم في الدنيا أن يجعلوا مكان السيئة الحسنة، فيفعلون الحسنات، وفي مكان كل سيئة يعملون حسنة، فتمحوا السيئة الأولى.
وقال قوم: بل إنه في الآخرة يبدل الله سيئات المذنب بحسنات، فيعفو عنها، ويضع مكانها حسنات ويجازيه عليها ويدخله الجنة.
واستدلوا بحديث يدل على أن ذلك يكون بعد عذابه وبعد عقوبته، وهو إخبار النبي ﵊ بآخر رجل يخرج من النار، فيعرض على ربه للحساب فتعرض عليه صغائر ذنوبه، وإذا بالله الكريم يعوض ذنوبه وسيئاته حسنات، فعندما يرى فضل الله وعفو الله وكرم الله فإنه يطمع بعد نجاته من النار فيقول: يا رب! إن لي سيئات كباراً ما رأيتها ذكرت، فيذكر ذنوبه الكبار، قال راوي الحديث: فضحك ﷺ حتى بدت نواجذه.
والقول الأول: أن تغير الحسنات في الدنيا بأن يلهم الله المؤمن ويعطيه العون في تبديل السيئة بالحسنة، كأن يكون قد قاتل قتالاً أزهق فيه أرواحاً وهو ظالم، فهو بعد ذلك يقاتل في سبيل الله فيقتل أرواحاً كافرة إعلاءً لكلمة الله.
وكأن يكون قد منع حقوقاً لأناس، فيعود فيؤدي تلك الحقوق لأصحابها إن استطاع، وإلا طلب من أولئك العفو والسماح إن كان يعرفهم، وإلا تصدق وأكثر من الصدقات وأكثر من النفقات وأكثر من العطاء، ليبدل الله بذلك سيئاته حسنات.
أما يوم القيامة فالله ﷻ يعطي من شاء ما شاء إن مات على التوحيد، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
وقوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ [الفرقان:٦٩] معناه أن عذابه يكون مضاعفاً مكرراً، فيجازى بالسيئة سيئة وبالعذاب عذاباً إن مات على الشرك، أما إذا تاب، وآمن، وعمل العمل الصالح فالله يبدل سيئاته حسنات.
قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠] (غفوراً) صيغة مبالغة، أي: كثير المغفرة لذنوب عباده التائبين النادمين على ما صدر عنهم، الآتين بالحسنات مكان السيئات، الرحيم بعباده بعد ذلك، فيرحم ضعفهم ويرحم ذلهم، فيعود عليهم بالتوبة، ويعود عليهم بالرحمة، ويبدل السيئات حسنات، فيدخلهم الجنة وقد كانوا في النار أولاً، وقد يدخلون الجنة ولا يدخلون النار البتة رحمة من الله وغفراناً.
стр. 835
تفسير قوله تعالى: (ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متاباً)
قال تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان:٧١].
هذه التوبة خاصة بالمؤمنين، ولذلك لم يذكر فيها الإيمان، وفي الآية الأولى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان:٧٠]، فهي في حق من كان مشركاً كافراً، ثم تاب من الشرك وتاب من الكفر، وعمل الصالحات، فالله تعالى يقبل توبته إن كان صادقاً فيها.
وفي هذه الآية مؤمن لم يشرك ولم يكفر، ولكنه ارتكب مخالفات وأتى بسيئات، فإن تاب هذا العبد وعمل صالحاً مكان ما صنعه من قبل من سيئات، وتاب إلى الله فإنه يتوب إلى الله متاباً، و (متاباً) مفعول مطلق، أي: توبة نصوحاً، أي: يتوب وهو نادم على ما صدر عنه، نادم على ما كان منه، عازم على ألا يعود إليه، وقرر في نفسه بعزم وثبات وحزم أن يعوض كل سيئة بحسنة مكانها.
فهذه الآية لم تكرر عبثاً، وإنما هي للتائبين المؤمنين، والآيات السابقة في توبة الكافرين من الكفر والشرك.
وعلى كل اعتبار فإن الله يتوب على من تاب، سواء أتاب من الشرك، أم تاب من العصيان والمخالفة، إن تاب توبة نصوحاً، فتاب وهو عازم في نفسه على ألا يأتي بالسيئة التي تاب منها، فالله يغفر الذنب ويعفو عن المسيء، وقد جاء قوم إلى نبي الله ﷺ فقالوا له: يا رسول الله! قوم أشركوا وقتلوا وزنوا، وما من سيئة إلا ارتكبوها، ألهم توبة؟ فقال رسول الله ﷺ للمتكلم -وكان اسمه أبا طويل الكندي -: أأسلمت؟ فأسلم في الحال فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبد الله ورسوله، فقال له النبي ﵊: (نعم، قد قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠])، وإذا بالرجل يخرج وهو يصيح ويقول: الله أكبر، الحمد لله، الله أكبر، الحمد لله.
يحمد الله على أن غفر ذنبه، وكشف كربه، وستر عيبه بعد أن شهد شهادة الحق، فباب الله مفتوح لكل تائب.
وقد ورد عنه ﷺ قوله: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل).
ونزل في مثل هذه المعاني أيضاً قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣].
قالوا: هذه أرجى آية في كتاب الله، فهي أكثر رجاءً، وأكثر طمعاً، وأكثر أملاً، فعباد الله المذنبين -وأضافهم الله إلى نفسه- إن هم تابوا وأنابوا وعملوا الصالحات مكان السيئات غفر الله لهم الذنوب جميعاً.
وما الصحابة في الرعيل الأول إلا هكذا، فقد سجدوا للأصنام في الجاهلية، وارتكبوا المنكرات، وما إن هداهم الله وصرف قلوبهم عن الشرك وعن الكفر وعن تكذيب النبوة وتكذيب كتاب الله حتى انقلب حالهم، وأصبحوا قادة الدنيا، فكان منهم أبو بكر، وكان منهم عمر، وكان منهم عثمان، وكان منهم علي، وكان منهم من لا يحصي عددهم إلا الله، وأصبحوا خلفاء النبي ﷺ في الدعوة إلى الله، وفي هداية البشر من الضلال إلى الهدى، ومن الظلمة إلى النور، وهكذا حكموا العالم ونشروا دين الله في مشارق الأرض ومغاربها.
وأصبح اسم الرجل منهم إذا ذكر تهتز له العوالم احتراماً وحباً وتقديراً واعترافاً بفضله، وما تخرجوا إلا من المدرسة المحمدية، فخلدوا في التاريخ إلى أبد الآباد، فكما صاحبوا نبينا في الدنيا فسيصاحبونه كذلك في الآخرة، أولئك الذين أشاد الله بهم ونوه بهم فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، فالله رضي عنهم، وأدخلهم الجنة، ورحمهم، وأكرمهم، وجعلهم سادة الناس في الدنيا، وسيكونون كذلك في الآخرة يوم القيامة، وقد رضوا عن ربهم في رحمته بهم وتوبته عليهم ومغفرته لهم، وفيما ألهمهم من التوبة، والدعوة إلى الله، والإيمان برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 836
تفسير سورة الفرقان [٧٢ - ٧٧]
في هذه المادة ذكر بعض صفات عباد الرحمن الصالحين، فمن صفاتهم: أنهم لا يحضرون مجالس الزور، وإذا مروا باللغو مروا كراماً، فلا يردون السب بالسب، ولا يردون الشتم بالشتم، ومن صفاتهم أنهم إذا ذكّروا بآيات الله تعالى لم يتغافلوا عنها، بل يتعظون بها، ويتدبرونها، ويقفون عندها وقفات تأمر وتفكر.
стр. 837
تفسير قوله تعالى: (والذين لا يشهدون الزور)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:٧٢].
هذه من صفات المؤمنين العابدين، حيث يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:٧٢]، والزور هنا فسر بالباطل، وهو كل أنواع الآثام، وكل أنواع الذنوب، وكل أنواع الباطل، وكل أنواع اللغو.
وأصل الزور: تلبيس الباطل بلباس الحق المزخرف بالقول أو بالعمل، كما تزور المرأة القرعاء شعرها أمام الناس، فتأتي بالشعر فتضعه على رأسها، وكما يزور الأشيب ذو اللحية البيضاء لحيته فيسودها ليوهم الناس أو من يريد الزواج بها إن كانت امرأة أنه لا يزال صغيراً، وهكذا قل عن كل شيء زخرف وغير عن أصله تضليلاً وتزويراً وزخرفة، فكل ذلك يسمى زوراً.
فوصف الله هؤلاء المؤمنين بأنهم لا يحضرون الزور، فلا يحضرون مجالس الفسق، ولا مجالس الغناء، ولا مجالس اللهو، ولا مجالس الباطل.
وأيضاً لا يشهدون شهادة الزور، بأن يري المرء عينه ما لم ترى، ويسمع أذنه ما لم تسمع، فيشهد لزيد أو لعمر مقابل دريهمات وهو لم يسمع ذلك قط، ولم يره قط.
وشهادة الزور من أعظم الكبائر، ولذا عد النبي ﵊ الكبائر، فذكر الشرك بالله أولاً، ثم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، ثم عقوق الوالدين، ثم ذكر شهادة الزور، وكان ﷺ متكئاً فجلس، فقال: (ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور)، وكرر ذلك حتى قال الصحابة: ليته سكت.
стр. 838
معنى قوله تعالى: (وإذا مروا باللغو مروا كراماً)
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:٧٢].
أي: إذا سمعوا شخصاً شتم أو سب أو استهزأ أو نطق بالسوء أو نطق بما لا يليق (مروا كراماً).
و (كراماً) حال، وهي جمع كريم، وذلك مأخوذ من قول العربي: فلان مر على فلان فشتمه فتكرم عليه فتركه وأعرض عنه.
أي: كان أكرم منه قولاً، وأكرم منه خلقاً، وأكرم منه سيرة، وأكرم منه ديناً.
فإذا سمعوا سيئاً من القول لا يجيبون بمثله، بل يعرضون عنه ويمرون عليه مرور الكرام، قيل: ومن اللغو: الغناء.
стр. 839
تفسير قوله تعالى: (والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعمياناً)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان:٧٣].
إن المؤمن خطاء وغير معصوم، ولكنه إذا أخطأ بذنب أو صنع شيئاً أو غفل عن شيء، فإن من تمام صفة الإيمان فيه أنه إذا ذكر بالله تذكر، كما قال ربنا: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥].
المؤمن إذا سمع تذكير الله بآية من كتابه، وتذكير رسول الله بكلمة من سنته، وتذكير عباد الله الصالحين بنصيحة تجده إذا سمع ذلك ألقى سمعه واهتم به وعمل بمقتضاه.
وأما المنافقون والفساق فإنهم إذا سمعوا كلمة عن ربهم أمراً أو نهياً كانوا صماً وعمياناً، و (صماً) جمع أصم، و (عمياناً) جمع أعمى.
فالفساق كالأصم، يسمعون ولا يعون، ولا يفهمون، ولا يريدون أن يمتثلوا ولا أن يتذكروا، يرون المذكر، ويرون الداعية، ويرون العالم وهو يأمر وينهى ويذكرهم بالله من كتابه ويذكرهم برسول الله من سنته ﷺ فلا يتعظون، بل إن سمعوا لا يريدون أن يدركوا ولا أن يعوا، وإن نظروا كانوا عمياناً لا يهتدون ولا يعتبرون، فهم صم بكم عمي كما وصفهم الله.
يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الفرقان:٧٣]، فهم لم يتركوها، ولكن نسوا في عمل من الأعمال أو قول من الأقوال، فإذا نصحوا فسرعان ما يتذكرون، فإذا ذكروا بآيات ربهم، وبسنة نبيهم لم يكونوا صماً ولا عمياناً، بل يكونون سامعين متعظين، ولا يكونوا عمياناً، بل يبصرون الداعي والعالم فيتأثرون بقوله ويعزمون على تنفيذ أمره طاعة لله وطاعة لرسول الله ﷺ .
ولا يكبر عن التذكير أحد في الأرض، وقد قال النبي ﷺ : (الدين النصيحة؟ فقيل له: لمن؟ فقال: لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم) فتنصح أخاك المؤمن، وتنصح أبويك وأبناءك، وإخوتك وأقاربك، وتلاميذك وطلابك، وإخوانك في الله وعموم الخلق، وكما تنصح المؤمن تنصح الكافر إن وجدت عنده أذناً صاغية أو عيناً مبصرة، وقلما يكون ذلك عند الكافر، بل وقلما يكون ذلك عند الظالم وعند المخالف.
فالمؤمن إن رأى تقصيراً في أخيه نبهه عليه، فإن رآه يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها نبهه، وإن رآه يصنع شيئاً لا يليق به نبهه، فإذا نبهه وكرر التنبيه فأعرض فله أن يقاطعه في الله وأن يهجره في الله، والهجران في الله لا يقتصر على ثلاثة أيام، بل قد يكون إلى الأبد.
وأما حديث: (لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث) فالمراد به في شئون الدنيا، أما في أمور الآخرة فلا، فالحب في الله والبغض في الله من الإيمان، وقد هجر عبد الله بن عمر ﵁ ولده في الله هجرة الأبد إلى الموت؛ لأنه أمره بألا يمنع نساءه من حضور بيت الله، وذكر له حديث النبي ﵊: (لا تمنعوا إماء الله بيوت الله)، فقال: والله لنمنعنهن، وإذا بـ ابن عمر يثور في وجهه ويقول له: أقول لك: قال رسول الله، وتقول: بلى والله لأفعلن! وهجره إلى أن مات ولقي الله وهو هاجر له.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان:٧٣]، فالمؤمن شأنه أن يخر لله راكعاً وساجداً! وهؤلاء الكفار يستكبرون عن أن يخروا لله سجداً وركعاً، وإذا بهم يخرون سجداً لأهوائهم، فيصمون آذانهم عن كلمة الحق، ويعمون أبصارهم عن رؤية الداعي إلى الحق، ولا يقبلون موعظة ولا ينصتون للحكمة.
стр. 840
تفسير قوله تعالى: (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤].
فهم الذين يدعون الله بألا يقصر الخير والصلاح عليهم، فيكون مع صلاحهم صلاح بيوتهم وأسرهم، فتكون زوجة الواحد منهم أو زوجاته مثله في عبادته، وفي طاعته، وفي تذكيره، وفي امتثال أمر الله، ويكون أولاده وبناته كذلك جميعاً، يطيعون الله في أمره، ويحافظون على أوامر الله من صلاة وزكاة وصيام وحج، ويمتثلون أمر الله إذا سمعوا (قال الله) وإذا سمعوا (قال رسول الله)، ويكونون مثل هؤلاء عبادة وتواضعاً وأخلاقاً وعملاً للصالحات وابتعاداً عن الباطل.
فعباد الرحمن يقولون: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا﴾ [الفرقان:٧٤] أي: أعطنا وتفضل علينا، ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ [الفرقان:٧٤] جمع ذرية، وهي الأولاد، أي: فاجعل لنا من أولادنا ذكوراً وإناثاً، واجعل لنا من زوجاتنا قرة أعين، و (أعين) جمع عين، فتكون الزوجة قرة عين لزوجها ولأولادها، والأولاد قرة عين لأبيهم وأمهم، فذكرت الأعين هنا والإنسان ليس له إلا عينان.
وقرة العين: ما يسرك ويفرحك ويشرح صدرك، ويدعك بذلك مسروراً مبتهجاً.
وأصل القرة: البرود، والعرب تحب الشيء البارد، وتبتعد عن الشيء الحار.
وأيضاً يقولون عن العين: إنها إذا التهبت فاشتدت حرارتها فمعنى ذلك مرضها، ولذلك يقولون: الدمع الناتج عن السرور يكون بارداً، والدمع الناتج عن الحزن يكون حاراً.
فكون الزوجات والذرية قرة أعين معناه أنهم لا يجعلون في العين التهاباً ولا حرارة، وتلك كناية عما يسر وعما يطرب وعما يبهج وعما يشرح النفس، ولذلك كثيراً ما يقال للآباء في أولادهم: (جعله الله قرة عين لك)، وأصعب شيء على الإنسان أن يضطر إلى عشرة من لا يكون كذلك.
وتنصيص الله تعالى بآية خاصة في صفات عباد الرحمن على ذلك لعلو شأن هذا المعنى، وهو أن يكون الإنسان بين زوجته وأولاده على هذه الأخلاق والسمات الصالحة.
стр. 841
معنى قوله تعالى: (واجعلنا للمتقين إماما)
قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤].
أي: اجعلنا أئمة للمتقين العابدين الصالحين في الطاعة وفي الامتثال بالخير.
ومعنى ذلك: يا رب! لا تجعل عبادتي قاصرة على نفسي، بل اجعل غيري يهتدي بي، ويمتثل أمري فيما آمره به من طاعتك وطاعة نبيك؛ لأن النبي يقول ﵊ لـ علي ﵁: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس).
ومن أصلحه الله على يدك، ومن آمن على يدك فلك أجره إلى يوم القيامة، ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.
والله نوه بالمسلمين وأشاد بهم فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فالمؤمن اجتماعي بالطبع وليس انعزالياً، وليست عبادته قاصرة على نفسه، ومن هنا كانت الصلاة في الجماعة تعدل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة؛ لأن الاجتماع على العبادة والاجتماع على الطاعة فيه معنى التأسي، فيأتسي بك ولدك، ويأتسي بك تلميذك وأخوك في الله، وكما تكون قدوة حسنة لغيرك، فهنا تكون إماماً يؤتم بك في الخير كما يؤتم بالإمام في الصلاة، وكما يؤتم بالحاكم المسلم والإمام المسلم الذي يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويشرع لهم القوانين التي تتفق مع كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
стр. 842
تفسير قوله تعالى: (أولئك يجزون الغرفة بما صبروا)
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ [الفرقان:٧٥].
قوله تعالى: (أولئك) أي: عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً، والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا، ولا يشركون بالله، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون، والذين لا يشهدون الزور، والذين لا يحضرون الباطل، والذين يضرعون إلى الله في كل أعمالهم، ويدعون الله أن يرزقهم زوجات صالحات وأولاداً صالحين يكونون لهم قرة أعين، هؤلاء الذين هم على هذه الصفة ﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان:٧٥]، فيكافئون بالغرفة، والغرفة أعلى منازل الجنة في الفردوس الأعلى.
وقوله تعالى: (بما صبروا) الباء باء السببية، أي: بسبب صبرهم على ترك الحرام وفعل الطاعات، وصبرهم على عبادة الله والدعوة إليه، وصبرهم على ترك مجالس اللغو ومجالس اللئام، وصبرهم على بذل نفوسهم رخيصة في سبيل الله، فقد بذلوا الأنفس، وبذلوا الأموال، وبذلوا الأولاد لإعلاء كلمة الله، وصبروا على طاعته تهجداً وصلاة في النهار، وإعطاء للنفقة والزكاة، وجعلوا أنفسهم تمتثل أمر الله في كل ما به أمر بقدر طاقتهم، وتركوا كل ما عنه نهى، فهؤلاء الذين صبروا على ذلك والتزموه وكانوا عباد الرحمن حقاً في جميع هذه الصفات، جزاؤهم الجنة بصبرهم على ذلك، وقيامهم به إلى لقاء الله.
قال تعالى: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ [الفرقان:٧٥]، فيستقبلون بالتحية من الله ﷻ ، ويقال لهم السلام، والله هو السلام ومنه السلام، ويلقون السلام من ملائكة الجنة مرحبين ومسلمين على الكبار والصغار والنساء والرجال عندما يدخلون الجنة.
فقوله: (ويلقون) أي: يجدون ويستقبلون في الجنان بتحية وسلام.
стр. 843
تفسير قوله تعالى: (خالدين فيها حسنت مستقراً ومقاماً)
قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان:٧٦].
أي: خالدين في الجنة خلوداً أبدياً لا موت بعده.
وقوله تعالى: ﴿حَسُنَتْ﴾ [الفرقان:٧٦] أي: حسنت الجنة، وحسنت الغرفة، وحسن الفردوس.
وقوله: (مستقراً ومقاماً) أي: قراراً لهم ومأوىً ومنزلاً أبدياً، فهي موضع إقامتهم الدائمة، وموضع نزولهم الدائم.
فالله يحض المسلمين ويبشر المؤمنين ويحرضهم على طاعته وعلى عبادته، وعلى أن يتصفوا بهذه الصفات من صفات عباد الرحمن؛ لعل الله يكرمهم بما قال.
ونحن بعد لا نزال نملك أمرنا، فمن كان ذا ذنب فليتب، وقد كان النبي ﵊ يستغفر الله مائة مرة في اليوم، فإذا كان النبي المعصوم يستغفر كذلك فماذا نقول نحن المذنبون الخطاءون؟! وما ذلك إلا تشريع لنا لأن نستغفر الله من ذنوبنا ما علمنا منها وما لم نعلم، وما أخطأنا فيه وما تعمدنا.
стр. 844
تفسير قوله تعالى: (قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم)
قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان:٧٧].
أي: قل يا رسولنا: ﴿مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان:٧٧] فلا يهتم بكم ربنا، ولا يعطيكم وزناً، (لولا دعاؤكم) والدعاء هنا العبادة، ودعاء الله عبادة، بل هو مخ العبادة كما قال نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
فالله تعالى يقول لكل البشر -وإن كان ختام الآية يدل على أن الخطاب للكفار-: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان:٧٧] فالله لا يهتم بكم لولا تضرعكم، فلا وزن لكم عنده، إذا هم كفروا، والله ما خلق الجن والإنس إلا للعبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فإذا خرجوا عما خلقوا من أجله أصبحوا حيوانات، بل الله تعالى وصفهم بأنهم أضل من الأنعام، فالأنعام نستفيد من ظهورها، ومن بطونها، ومن أشعارها وأوبارها، ومن صوفها، والكافر الذي لا دين له يكون كلاً على الخلق، فضرره أكثر من نفعه، ووجوده في باطن الأرض خير لكل الناس من وجوده على ظهرها.
يقول تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان:٧٧]، فما يعبأ بنا ربنا لولا عبادتنا، ولولا دعاؤنا وضراعتنا بأن يغفر ذنوبنا ويكفر عنا سيئاتنا.
стр. 845
معنى قوله تعالى: (فقد كذبتم فسوف يكون لزاماً)
قال تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ [الفرقان:٧٧] فالكافرون كذبوا بعبادة الله، وكذبوا بقدرة الله، وكذبوا بوحدانية الله، وكذبوا بكتابه ورسالته ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان:٧٧] اللزام هنا الهلاك، والعذاب الملازم، والغضب الملازم، واللعنة الملازمة.
و (سوف) للتنفيس البعيد.
أي: سيلقون -إن داموا على ذلك وماتوا على الشرك والكفر- يوم القيامة عذاباً لازماً، ومحنة ملازمة، وغضباً ولعنة لا تنفك عنهم أبداً سرمداً.
وهكذا النار يعذب بها الكافرون أبداً، وهكذا الجنة ينعم بها المؤمنون أبداً، فلا موت، بل الموت إذ ذاك يموت، فيجاء به على شكل كبش يذبح.
следующие страницы →