← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

معنى قوله تعالى: (واجعلنا للمتقين إماما) قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤]. أي: اجعلنا أئمة للمتقين العابدين الصالحين في الطاعة وفي الامتثال بالخير. ومعنى ذلك: يا رب! لا تجعل عبادتي قاصرة على نفسي، بل اجعل غيري يهتدي بي، ويمتثل أمري فيما آمره به من طاعتك وطاعة نبيك؛ لأن النبي يقول ﵊ لـ علي ﵁: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس). ومن أصلحه الله على يدك، ومن آمن على يدك فلك أجره إلى يوم القيامة، ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. والله نوه بالمسلمين وأشاد بهم فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فالمؤمن اجتماعي بالطبع وليس انعزالياً، وليست عبادته قاصرة على نفسه، ومن هنا كانت الصلاة في الجماعة تعدل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة؛ لأن الاجتماع على العبادة والاجتماع على الطاعة فيه معنى التأسي، فيأتسي بك ولدك، ويأتسي بك تلميذك وأخوك في الله، وكما تكون قدوة حسنة لغيرك، فهنا تكون إماماً يؤتم بك في الخير كما يؤتم بالإمام في الصلاة، وكما يؤتم بالحاكم المسلم والإمام المسلم الذي يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويشرع لهم القوانين التي تتفق مع كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .

стр. 842

تفسير قوله تعالى: (أولئك يجزون الغرفة بما صبروا) قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ [الفرقان:٧٥]. قوله تعالى: (أولئك) أي: عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً، والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا، ولا يشركون بالله، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون، والذين لا يشهدون الزور، والذين لا يحضرون الباطل، والذين يضرعون إلى الله في كل أعمالهم، ويدعون الله أن يرزقهم زوجات صالحات وأولاداً صالحين يكونون لهم قرة أعين، هؤلاء الذين هم على هذه الصفة ﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان:٧٥]، فيكافئون بالغرفة، والغرفة أعلى منازل الجنة في الفردوس الأعلى. وقوله تعالى: (بما صبروا) الباء باء السببية، أي: بسبب صبرهم على ترك الحرام وفعل الطاعات، وصبرهم على عبادة الله والدعوة إليه، وصبرهم على ترك مجالس اللغو ومجالس اللئام، وصبرهم على بذل نفوسهم رخيصة في سبيل الله، فقد بذلوا الأنفس، وبذلوا الأموال، وبذلوا الأولاد لإعلاء كلمة الله، وصبروا على طاعته تهجداً وصلاة في النهار، وإعطاء للنفقة والزكاة، وجعلوا أنفسهم تمتثل أمر الله في كل ما به أمر بقدر طاقتهم، وتركوا كل ما عنه نهى، فهؤلاء الذين صبروا على ذلك والتزموه وكانوا عباد الرحمن حقاً في جميع هذه الصفات، جزاؤهم الجنة بصبرهم على ذلك، وقيامهم به إلى لقاء الله. قال تعالى: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ [الفرقان:٧٥]، فيستقبلون بالتحية من الله ﷻ ، ويقال لهم السلام، والله هو السلام ومنه السلام، ويلقون السلام من ملائكة الجنة مرحبين ومسلمين على الكبار والصغار والنساء والرجال عندما يدخلون الجنة. فقوله: (ويلقون) أي: يجدون ويستقبلون في الجنان بتحية وسلام.

стр. 843

تفسير قوله تعالى: (خالدين فيها حسنت مستقراً ومقاماً) قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان:٧٦]. أي: خالدين في الجنة خلوداً أبدياً لا موت بعده. وقوله تعالى: ﴿حَسُنَتْ﴾ [الفرقان:٧٦] أي: حسنت الجنة، وحسنت الغرفة، وحسن الفردوس. وقوله: (مستقراً ومقاماً) أي: قراراً لهم ومأوىً ومنزلاً أبدياً، فهي موضع إقامتهم الدائمة، وموضع نزولهم الدائم. فالله يحض المسلمين ويبشر المؤمنين ويحرضهم على طاعته وعلى عبادته، وعلى أن يتصفوا بهذه الصفات من صفات عباد الرحمن؛ لعل الله يكرمهم بما قال. ونحن بعد لا نزال نملك أمرنا، فمن كان ذا ذنب فليتب، وقد كان النبي ﵊ يستغفر الله مائة مرة في اليوم، فإذا كان النبي المعصوم يستغفر كذلك فماذا نقول نحن المذنبون الخطاءون؟! وما ذلك إلا تشريع لنا لأن نستغفر الله من ذنوبنا ما علمنا منها وما لم نعلم، وما أخطأنا فيه وما تعمدنا.

стр. 844

تفسير قوله تعالى: (قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم) قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان:٧٧]. أي: قل يا رسولنا: ﴿مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان:٧٧] فلا يهتم بكم ربنا، ولا يعطيكم وزناً، (لولا دعاؤكم) والدعاء هنا العبادة، ودعاء الله عبادة، بل هو مخ العبادة كما قال نبينا صلوات الله وسلامه عليه. فالله تعالى يقول لكل البشر -وإن كان ختام الآية يدل على أن الخطاب للكفار-: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان:٧٧] فالله لا يهتم بكم لولا تضرعكم، فلا وزن لكم عنده، إذا هم كفروا، والله ما خلق الجن والإنس إلا للعبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فإذا خرجوا عما خلقوا من أجله أصبحوا حيوانات، بل الله تعالى وصفهم بأنهم أضل من الأنعام، فالأنعام نستفيد من ظهورها، ومن بطونها، ومن أشعارها وأوبارها، ومن صوفها، والكافر الذي لا دين له يكون كلاً على الخلق، فضرره أكثر من نفعه، ووجوده في باطن الأرض خير لكل الناس من وجوده على ظهرها. يقول تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان:٧٧]، فما يعبأ بنا ربنا لولا عبادتنا، ولولا دعاؤنا وضراعتنا بأن يغفر ذنوبنا ويكفر عنا سيئاتنا.

стр. 845

معنى قوله تعالى: (فقد كذبتم فسوف يكون لزاماً) قال تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ [الفرقان:٧٧] فالكافرون كذبوا بعبادة الله، وكذبوا بقدرة الله، وكذبوا بوحدانية الله، وكذبوا بكتابه ورسالته ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان:٧٧] اللزام هنا الهلاك، والعذاب الملازم، والغضب الملازم، واللعنة الملازمة. و (سوف) للتنفيس البعيد. أي: سيلقون -إن داموا على ذلك وماتوا على الشرك والكفر- يوم القيامة عذاباً لازماً، ومحنة ملازمة، وغضباً ولعنة لا تنفك عنهم أبداً سرمداً. وهكذا النار يعذب بها الكافرون أبداً، وهكذا الجنة ينعم بها المؤمنون أبداً، فلا موت، بل الموت إذ ذاك يموت، فيجاء به على شكل كبش يذبح.

стр. 846

تفسير سورة النمل [١ - ٥] أنزل الله هذا القرآن هداية للمتقين، يسترشدون به في دروب الحياة فيتعلمون كيف يؤدون حق الله وحق الخلق، وأما من أعرض عنه فإن الله يزين له عمله ابتلاء واستدراجاً.

стр. 847

تفسير قوله تعالى: (طس) سورة النمل سورة مكية اشتملت على ثلاث وتسعين آية. قال الله تعالى: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:١]. الحروف المقطعة اختلف الناس فيها اختلاف طويلاً، ولا يوجد في القرآن ما يقطع بتفسيرها، ولم يصح عن نبي الله ﷺ تفسير لها، وكثير مما قيل قيل بغير دليل، كقول بعضهم: اسم الله الأعظم، وقول بعضهم: هي تدل على رموز وأرقام، وقال ابن عباس: لقد أعجز العلماء تفسير هذه الحروف المقطعة في فواتح السور. ولكن الإمام الزمخشري في تفسيره يقول: معنى هذه الحروف واضح بين، وقد استقرأ في فواتح السور وخرج بتفسير يقطع به ويتأسى به، وأكد تفسيره هذا صديقنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في تفسيره الذي يعتبر أعظم تفسير في هذا الوقت، وهو أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن، وقد مات قبل أن يتمه، وقد أيد ما ذهب إليه صاحب الكشاف، وقد قبلت ذلك وآمنت به عن قناعة قبل أن أقرأ ذلك للشيخ الشنقيطي ﵀. فنحن نجد من استعراض هذه الحروف أنه يذكر معها القرآن، كقوله تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ﴾ [البقرة:١ - ٢]، وقوله: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:١]، وقوله تعالى: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الأحقاف:١ - ٢]، وهكذا، فلا تكاد تذكر هذه الأحرف إلا ويذكر معها القرآن. وهي حروف الهجاء التي منها تتركب اللغة العربية، كقوله تعالى: ﴿الم﴾ [البقرة:١]، ﴿طس﴾ [النمل:١]، ﴿حم﴾ [الأحقاف:١]. فهذه الأحرف منها كان القرآن الكريم المعجز الذي تحدى الله الخلق منذ أنزله إلى يوم القيامة في أن يأتوا بسورة من مثله، أو أن يأتوا بآية مثله، ولم يستطيعوا على كثرة البلغاء وكثرة الفصحاء، وسيدهم وإمامهم نبينا ﷺ ، ومع ذلك فإننا عندما نقرأ السنة النبوية على فصاحتها وعلى بلاغتها ثم نقرأ القرآن الكريم نجد الفرق شاسعاً وعظيماً بين كلام الله في كتابه وبين قول نبيه في سنته ﷺ . فالمعنى: أن هذا القرآن الذي أعجزكم فلم يستطع أحد أن يأتي بمثله ما خرج عن حروف اللغة العربية. وعندما أنزل القرآن كانت قريش والعرب تتكلم باللغة العربية سلاقة، وما كانت تحتاج إلى سيبويه ولا إلى الكسائي ولا إلى أحد من علماء النحو وعلماء اللغة، فالقرآن نزل بلغتهم. فكانوا يفهمونه كما نفهم اللغات الدارجة بيننا اليوم، وطالما استمعوا إلى القرآن خفية وعلناً فلم يجدوه شعراً، ولم يجدوه نثراً، بل أخذوا يعجبون ويقولون: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق. وما جاءوا بمثله، وما استطاع ذلك أحد، وقد حاول الكذاب مسيلمة معارضة القرآن فأتى بخزعبلات وأتى بهذيان وأتى بركيك القول الذي يضحك الثكلى، فأصبح موضع سخرية وهزء به وبنبوته وبقرآنه وبقوله أبد الآباد. فنحن هنا نؤكد ما قاله الزمخشري وأكده الشنقيطي، فالقرآن عندما يأتي بهذه الحروف المقطعة فمعنى ذلك أن هذا القرآن المبين، كتاب الأولين والآخرين، دستور المسلمين وقانونهم ومجمع آدابهم ومجمع قصص من سبقهم ومن سيلحقهم وإلى يوم القيامة، نظم وجمع وقاله الله ﷻ من هذه الأحرف بلا زيادة ولا نقصان، فما زاد فيها حرفاً ولا نقص منها حرفاً.

стр. 848

تفسير قوله تعالى: (تلك آيات القرآن وكتاب مبين) قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:١]. آيات القرآن: معجزاته. فمعجزاته وبيناته قد جمعت وألفت ونظمت من هذه الأحرف بلا زيادة ولا نقصان، فهي كلغة العرب لم تخرج عن أحرف الهجاء التي تبتدئ بالألف وتنتهي الياء. والقرآن والكتاب كلمتان مترادفتان، فالقرآن دل على قراءة وتلاوة هذه الآيات، والكتاب دل على كتابتها بهذه الأحرف التي أنزلها الله تعالى على محمد سيد البشر صلى الله عليه وعلى آله، ومما يؤكد الترابط بينهما قوله تعالى في سورة أخرى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر:١]، فحلت هذه محل هذه. فالقرآن ما يقرأ ويتلى، والكتاب يدل على كتابة هذه الأحرف بهذه اللغة التي كانت شريفة في نفسها؛ لأنها لغة نبي الإسلام وخاتم الأنبياء ﷺ ، وزادها الله شرفاً ورفعة فأصبحت سيدة اللغات على الإطلاق؛ لأن الله اختارها لغة كلامه في كتابه المهيمن على الكتب السابقة، وهو القرآن الكريم المبين الواضح الذي لا عيوب فيه ولا بعد فيه عن الحقائق.

стр. 849

تفسير قوله تعالى: (هدىً وبشرى للمؤمنين) قال تعالى: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل:٢]. أنزل هذا القرآن على محمد صلى الله عليه وعلى آله حال كونه هدى، وليكون هداية للناس، فيخرجهم من الضلال ومن الظلام ومن الخزعبلات ومن عبادة الأصنام والأوثان ومن التعلق بالباطل إلى النور والحق والتوحيد والإيمان بالله الواحد الذي لا ثاني له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، والإيمان بمحمد ﷺ عبداً ونبياً وخاتماً للرسل ﷺ . فقوله تعالى: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل:٢]. أي: حال كونه يبشر المؤمنين بالجنة، ويبشرهم بالرحمة، ويبشرهم بالهداية، ويبشرهم بالسؤدد، ويبشرهم بالسيادة على العالم، وقد كان كل ذلك، فقد سادوا الدنيا قروناً، وحكموا العوالم قروناً، وبشروا بخيري الدنيا والآخرة وعز الدنيا والآخرة، فما مضى على نزول القرآن خمسون عاماً حتى كان الإسلام ضارباً بين السند شرقاً إلى عمق أوروبا غرباً، تلك الأمم التي تموج في بعضها كانت تتعبد الله بشعائر الإسلام، ورفعت كلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) على جميع منابرها، وعلم فيها القرآن، ودُرِّست السنة المحمدية. قال تعالى: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل:٢]، هذا في الدنيا، أما بشرى الآخرة فالخلود في الجنان والنظر إلى وجه الله الكريم.

стр. 850

تفسير قوله تعالى: (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة) ثم وصف تعالى المؤمنين فقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٣]. فالمؤمنون حقاً هم الذين يقيمون الصلاة في أول أوقاتها بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها ومستحباتها، من طهارة واستقبال قبلة وقيام وركوع وجلوس وذكر وخشوع وحضور قلب، فيؤدون حق الله من صلاة ونحوها، ويؤدون حق العباد فيما أمرهم الله به من أموالهم عندما تبلغ النصاب. وكثيراً ما يقرن الله بين حقه وحق العباد، ومما يدل على مكانة الزكاة في الإسلام أن أول حرب بعد رسول الله ﷺ كانت من أجل حقوق العباد، وهي أول حرب قام بها أبو بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ ، حيث حارب المرتدين الذين امتنعوا عن أداء حق الله وحق عباد الله لاعتقاد بعضهم أنها وجبت في حياة رسول الله لا بعده، فقاتلهم أبو بكر ﵁. وعندما حاول الأصحاب أن يعترضوا على ذلك قال: والله لو منعوني عناقاً -أو عقال بعير- كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه. قال تعالى: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٣] أي: يؤمنون بيوم البعث، ويؤمنون بالحياة الثانية، ويؤمنون بيوم الحساب والعقاب إما إلى جنة وإما إلى نار. ولا يؤمنون بذلك مع شك وريب، ولا يؤمنون به صباحاً ويجحدونه مساء، بل يوقنون إيقاناً باتاً لا ريب فيه ولا شك بأننا بعد الموت سنعيش مرة ثانية.

стр. 851

تفسير قوله تعالى: (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم) وتلك الحياة الدائمة وجد من أنكرها فكفر بيوم البعث والنشور، ولذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل:٤]. وهذه عادة القرآن الكريم، ليبقى المؤمن بين الخوف والرجاء، فيجمع الله بين عمل المؤمنين وعمل الكافرين، وبين عذاب الكافرين وبين الرحمة للمؤمنين. يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل:٤]، فالذين لا يؤمنون بالآخرة ولا يؤمنون بيوم القيامة ولا يؤمنون بالحياة بعد الموت ولا يؤمنون بالبعث، وأصروا على شركهم؛ يزين الله تعالى لهم أعمالهم عذاباً ومحنة. ((فَهُمْ يَعْمَهُونَ)) أي: يعيشون في أمان وفي حيرة وفي تردد وفي ضياع، فيحاولون أن يؤمنوا بذلك ثم يشكون. ولذلك فهم عمي صم بكم يعيشون عيشة الأعمى، الذي لا يعرف طريقاً أمامه أو خلفه.

стр. 852

تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون) قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأَخْسَرُونَ﴾ [النمل:٥]. عدلوا عن الطريق السوي فعاشوا في التردد وفي الضلال ﴿لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [النمل:٥]. أي: العذاب السيئ. ﴿وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ﴾ [النمل:٥] فهؤلاء في الآخرة هم الأخسرون. والحمد لله رب العالمين.

стр. 853

تفسير سورة النمل [٦ - ١٢] يذكر الله تعالى قصة سيدنا موسى في القرآن كثيراً، وقد كان من أولي العزم الذين فضلهم الله على غيرهم، وفي قصصه ورسالته إلى فرعون وملئه الكثير من العبر والعظات.

стр. 854

تفسير قوله تعالى: (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم) قال الله ﷻ : ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل:٦]. سورة النمل المكية تتحدث عن قصة موسى إذ خرج من عند صهره في أرض مدين، فكلمه الله وفاجأه بهذا الشرف العظيم. وفيها قصة داود وسليمان نبيي الله ورسوليه الكريمين كذلك، وفيها قصة ملكة سبأ، وفيها قصص وأخبار وعقائد وأحكام وغير ذلك. وسميت سورة النمل لذكر النملة فيها وإدراك سليمان ذلك منها. وذكر النمل لا يكاد يتجاوز آية، ولكن النبي ﷺ هو الذي سمى السور، وهو الذي رتبها بأمر من ربه، والكل وحي من الله ﷻ . يقول تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل:٦]، أي: إنك لتتلقى هذا الذكر وينزل عليك وحياً من لدن الحكيم الذي يضع الأمور في مواضعها أمراً ونهياً، العليم بكل ما خفي وما ظهر وما بطن، فكل ذلك يعلمه ربنا وهو أعلم حيث يجعل رسالاته، فاختار محمداً العربي صلوات الله وسلامه عليه لأن يكون خاتم الأنبياء، واختار تعالى أن يكون هذا الكتاب الكريم خاتم الكتب المنزلة على الرسل، وأن يكون منزلاً على خاتم الرسل كذلك، فهو من الله لفظاً ومعنى وتنظيماً، وكل ذلك وحي من الله نزل به الروح الأمين جبريل على قلب نبينا ﷺ فوعاه وأدركه.

стр. 855

تفسير قوله تعالى: (إذ قال موسى لأهله إني آنست ناراً) قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل:٧] كانت تلك الآيات الخمس الأولى كالديباجة والمقدمة لهذه السورة الجليلة، ومنها اتخذ العلماء والمؤلفون المقدمات والديباجات لمؤلفاتهم. قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾ [النمل:٧]، وقصة موسى تتكرر، وفي كل سورة يكون فيها معنى زائد، ومجموعها يعطي الحكمة والعلم والمعرفة. وقد خص الله موسى بكثير من الخصائص، أما نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه فما من آية خص بها نبي متقدم إلا وأكرمه الله بها وزاده عليها. يقول تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾ [النمل:٧] قال ذلك عندما خرج من أرض مدين من عند صهره شعيب، وليس هو شعيباً النبي، فشعيب النبي كان قبل ذلك، كان بعد قوم نوح وبعد قوم عاد وبعد قوم ثمود، فخرج موسى ﵇ بعد أن أقام عنده السنوات التي اتفق عليها، وقد سئل ﷺ عن الذي قضاه موسى مع صهره شعيب، فأخبر بأنه قضى الأكمل، أي: عشر سنين، ثم أخذ أهله في ليلة باردة مطيرة وقصد أرض مصر حيث ولد وحيث توجد أمه وحيث يوجد أخوه هارون وحيث يوجد قومه من بني إسرائيل المستعبدون لفرعون وقومه. فما كان يقصد سوى ذلك، ولا يعلم الغيب إلا الله، ولم يرسل بعد ولم ينبأ، وحين خرج من عند صهره من أرض مدين ضل الطريق، وكانت الليلة مظلمة مع شدة البرد وشدة المطر، فما درى أين يقصد، وإذا بنار تظهر من بعد في جبل الطور في أرض سيناء، فقال لأهله: انتظروني. يقول تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾ [النمل:٧]. أي: اذكر -يا رسولنا- حين قال موسى لأهله -أي: لزوجته، والأهل لفظ يشمل الزوجة والولد- ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل:٧]. رأى موسى ناراً تشتعل من بعيد في شجرة خضراء عند جبل الطور في أرض سيناء، فآنس خيراً ورجا خيراً في أن يعلم الطريق التي توصله لمصر، أو أن يأتي بما يتدفأ به هو وأهله بعد أن قرصهم البرد وأضر بهم، وأمرها أن تنتظره قليلاً، فانتظرته وذهب، وإذا به يرى ناراً متأججة في شجرة خضراء شديدة الخضرة، فلا الشجرة الخضراء يبست، ولا لونها تغير، ولا النار انطفأت، فوقف مندهشاً متعجباً. وكان قد آنس النار، أي: أبصرها ورآها وفيها معنى الأنس، كما يقال في اللهجة المكية الحجازية: آنسكم فلان، أي: أنستم به ووجدتم به زوال الوحشة، ووجدتم به الصلة والقربة. وكذلك موسى كان غريباً منفرداً منقطعاً في هذه الصحاري والفيافي، وكان في الليل لا يبصر الطريق، وكان في برد شديد، فعندما رأى النار استأنس بها وطمع في أن يجد هناك من يدله على سواء الطريق، أو لعله أن يأتي منها بجذوة نار يصطلي بها من هذا البرد الشديد هو وأهله. وأتى موسى بخبر أي خبر! أتى بالخبر العظيم، فموسى الطريد الشريد من مصر الخائف على حياته المضطهد من فرعون وقومه كانت هذه الليلة بالنسبة له ليلة شرف وكرامة، وهي ليلة رسالته ونبوءته، وإدخاله في الخمسة من أولي العزم من الرسل، وكان له ما لم يكن لمن قبله من الأنبياء والرسل. قال تعالى: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل:٧]. أي: إما أن يأتي بخبر ممن يدله على الطريق، أو -على الأقل- يأخذ من هذه النار شهاباً، والشهاب هو القبس، فنعت الشهاب بصفة هي منه وإليه، وقرئ في السبع: ((بِشِهَابِ قَبَسٍ))، من باب إضافة الشيء إلى مثله وإلى نظيره، على أن الشهاب هو عود اشتعلت النار في طرف منه فقط، ويمكن قبضه من الجهة التي لا نار فيها، والجذوة من النار القطعة من النار، فهي بذلك جذوة وهي قبس وهي شهاب، وكل هذه المعاني تؤدي معنى وجود نار يمكن أن يجد بها دفئاً له ولزوجته. فلما وصل ورأى هذا المنظر المدهش العجيب وقف مشدوهاً ذاهلاً، وقد جاء في تسمية هذه الشجرة أشياء هي من الإسرائيليات، ولم يثبت فيها عن نبي الله ﷺ شيء ولا عن الصحابة، وقد يذكرها بعض الصحابة نقلاً عن كعب الأحبار، وهو من علماء اليهود الذين أسلموا وبقوا يروون من كتبهم ما صح وما لم يصححه كتاب الله ولم يصححه رسول الله ﷺ ، فهو عندنا كلام لا نقبله ولا نعتمده ولا نلتفت إليه.

стр. 856

تفسير قوله تعالى: (فلما جاءها نودي أن بورك من في النار) ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٨]. فلما جاء النار وهو يراها من بعيد ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٨]، أي: قيل له: يا موسى! بورك من في النار. يقال: باركه الله وبارك فيه وبارك عليه، وكلها بمعنى، والبركة: النماء والزيادة والفضل، فإن كان من الله فهي سلام وهي أمان وهي إكرام. قال تعالى: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٨]، ووقف موسى وهو يكاد يصرع، إذ لا يدري ما الذي جرى، ومن المنادي ومن المتكلم، ولكنه بعد قليل أدرك أن المتكلم هو الله ﷻ وأن المنادي الله ﷻ . وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل:٨]، قيل: الملائكة، وقال سعيد بن جبير وابن عباس: هو الله ﷻ ، فهو يبارك نفسه وينزه نفسه ويسبح نفسه ﷻ ، وقالوا: النار: النور، ولكن الآية فيها النار. فالله ﷻ نادى عبده موسى، ومنذ ذلك الوقت سمي الكليم، أي: الذي كلمه الله وشرفه بكلامه. ثم نزه الله نفسه عن أن يشبه أحداً من خلقه أو أن يشبهه أحد من خلقه، فسبح نفسه ونزه نفسه عن كل ما لا يليق بجلاله وكل ما لا يليق بإلهيته فقال تعالى: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٨]، يسبح الله ذاته العلية، ويعلمنا لنسبحه. فالله يكلم موسى، ولكن بكلام ليس ككلام البشر، وفي حال ليس كحال الخلق، ومن جهة ليست كجهة الخلق، ومن نار ليست كنار الخلق. فالله ﷻ هو المنزه عن كل عيب والمنزه عن كل نقص، فهو رب العالمين ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، وكل ما يخطر ببالك فربنا مخالف لذلك، ولكننا نقول ما قال ربنا ونثبت ما أثبته نبينا ﷺ من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف، ونقول بعد ذلك ما قال الله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٨]، تنزه الله عن كل نقص وعيب، لا يشبه خلقه ولا يشبهه خلقه. وفي الحديث الصحيح: (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) ﷻ وعز مقامه.

стр. 857

تفسير قوله تعالى: (يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم) وصل موسى إلى هذه النار التي رآها تتلألأ من بعيد، فلما وصل إليها وجدها ناراً ليست كالنار، فلم تحرق الشجرة ولم تتغير خضرتها، وإذا به وهو في هذا العجب ينادى ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل:٨ - ٩]. فنودي موسى باسمه أن الأمر والشأن الذي جئت إليه ليس النار وليس الشهاب وليس القبس وليس من يدلك على الطريق لمصر فقط، بل ما يدلك على ربك برسالتك وبنبوءتك لتهدي قوماً ضلالاً، ولتدعو فرعون وقومه إلى عبادة الله الواحد، ولتبين لهم أنهم عبيد من خلق الله ليس لهم ضر ولا نفع. يقول تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل:٩]. العزيز الذي لا يغالب، فلن يستطيع فرعون الكاذب المتأله الكذاب أن يغلب ربك، فالله هو الغالب، والله هو القاهر، والله هو القادر على كل شيء والخالق لكل شيء. وكان ذلك مقدمة لرسالته حتى لا يخاف من فرعون ومن تألهه الكاذب ومن قومه مهما طغوا وبغوا وتجبروا وتكبروا. والله هو الحكيم الذي يضع الأمور في مكانها حيث شاء أمراً وحيث شاء نهياً، فاختارك لرسالته دون غيرك؛ إذ هو العليم بما ينفع الناس والعليم بما يضر الناس، وهو العليم بأنك العبد المؤهل لذلك.

стр. 858

تفسير قوله تعالى: (وألق عصاك) قال تعالى: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ [النمل:١٠]. وكانت عصاه بيده، وفي سورة أخرى ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٧ - ١٨]، فما اتخذها إلا كما يتخذ الناس العصي لرعي الأغنام وليحمل بها على عاتقه أحماله وأثقاله، وليضرب بها ما يمكن أن يؤذيه، وليضع عليها ما يتقي به من الشمس وحرها ومن المطر والبرد وما إلى ذلك، فقال الله له: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ [النمل:١٠]، فألقاها وهو لا يعلم الحكمة من ذلك. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل:١٠]، ألقى العصا وإذا بها حية صغيرة كثيرة الحركة، وذلك ما يسمى بالجان في لغة العرب التي بها نزل القرآن، فانقلبت العصا حية شديدة الحركة شديدة القفز، وموسى حديث العهد بمثل ذلك، فإذا به يترك العصا ويفر ولم يعقب ولم يلتفت ولم يرجع إلى أن ناداه ربه: ﴿يَا مُوسَى لا تَخَفْ﴾ [النمل:١٠] ليستأنس وليستطيع تلقي الكلام الأقدس والوحي العظيم والرسالة المكلف بها. قال تعالى: ﴿يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل:١٠] فالمرسلون لا يخافون مني؛ لأنني ما أكرمتهم بالرسالة حتى أمنتهم بالرضا عنهم ورحمتهم، وهذا الخوف غير الخوف من النار ومن الغضب واللعنة، فالخوف الملازم للإيمان لا يفارق مسلماً، ولا يليق أن يفارق مؤمناً، وكان سيد الأنبياء محمد ﷺ يقول: (أنا أخشاكم لله)، فهو أشد الناس خشية وخوفاً من الله ﷻ ، فإذا كان هو أخوف الخلق فغيره من باب أولى أن يخاف ويهاب.

стр. 859

تفسير قوله تعالى: (إلا من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء) استثنى الله ﷻ -وهو استثناء منقطع كما قال المفسرون- فقال: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل:١١]. والظلم هو الشرك، وهو المعصية، وإن أطلق فالمراد به الكفر. فغير المرسلين إن ظلموا وأشركوا ثم تابوا وأنابوا فالله غفور رحيم يغفر للمسيء إذا تاب، ويغفر للمشرك إذا وحد، ويغفر للمسيء إذا أزال سيئته وعاد إلى الطاعة والعبادة، وهذا استثناء منقطع؛ لأن الرسل لا تشرك ولا تعصي، فهي في عصمة من ذلك. ولذلك لا تتصور المعصية بالظلم والشرك من المرسلين ليحتاجوا إلى التوبة وعمل الخير بعد السوء، ومن هنا كان هذا استثناء منقطعاً عمَّا ما قبله.

стр. 860

تفسير قوله تعالى: (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء) قال تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ [النمل:١٢]. هذه هي المعجزة الثانية والآية الثانية والعلامة الثانية التي سيذهب بها الكليم موسى ﵇ إلى فرعون وقومه، حيث أمره الله تعالى بكلامه فقال له بكلامه ﷻ بلا واسطة ملك: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [النمل:١٢]، أمره بأن يدخل يده في جيبه، قيل: وكان لابساً مدرعة صوف لا أكمام لها، ولعل هذا القول فهم من برودة الجو، ومن شأن الذي يعيش في فصل البرد أن يلبس الصوف، هذا إذا كان موسى قد وجد الصوف. فأمره تعالى بأن يدخل يده في جيبه فقال: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ [النمل:١٢]، فأدخلها ثم أخرجها فإذا بها كالكوكب الدري تبرق كالبرق الذي يكاد يأخذ الأبصار سناه ونوره. (من غير سوء): فليس ذلك النور برصاً ولا مرضاً ولا بياضاً ضاراً للون البشرة، فأعطاه الله هاتين المعجزتين والعلامتين والآيتين ليذهب بهما إلى من أمره بالذهاب إليهم. قال تعالى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل:١٢] من القمل والضفادع والدم وغير ذلك، وما زادهم ذلك إلا طغياناً واستعلاء وتكبراً وتجبراً إلى أن أخذهم الله جزاء وفاقاً لكفرهم. قال تعالى: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ [النمل:١٢]. أمره أن يذهب إلى فرعون وأن يقول له: إني رسول رب العالمين إليك، وإن هذه آيتي وهذه علامتي. ثم قال الله عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [النمل:١٢] فقد كان فرعون فاسقاً متألهاً كاذباً، ومن قبلوا منه دعوى الإلهية الكاذبة كانوا فسقة مثله، وكذبة مثله، وضلالاً مثله.

стр. 861

تفسير سورة النمل [١٣ - ١٧] أرسل الله تعالى سيدنا موسى ﵇ إلى فرعون وملئه فكذبوه، فآتاه الله آيات مبصرة يعلمون بها صدقه؛ لكنهم جحدوها بعد علمهم بصدقها، ومن رسل الله المكرمين داود وسليمان ﵉، وقد آتاهما الله الملك والنبوة، وأعطاهما من فضله، حتى علمهما منطق الطير.

стр. 862

تفسير قوله تعالى: (فلما جاءتهم آياتنا مبصرة) قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [النمل:١٣]. لقد جاءت فرعون وقومه آيات الله ومعجزات نبييه الكريمين موسى وهارون مبصرة بينة واضحة، فمن رآها يبصر بها النور ويبصر بها الحق ويميز بها بين الكذب والصدق، وبين الهدى والضلال، فكأنها في حد ذاتها منيرة مبصرة، فما زاد ذلك فرعون وقومه إلا طغياناً وكفراً وعلواً واستكباراً في الأرض، ومع كل هذا الطغيان ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [النمل:١٣]. أي: ليست هذه الآيات إلا سحراً وشعوذة ودجلاً مبيناً واضحاً، وذلك في قلوب هؤلاء الكفرة المظلمة، وعند هؤلاء الذين اشتروا الخير بالشر، واشتروا الظلام بالنور، والضلال بالهدى، فما زادهم ذلك إلا إيغالاً في الكفران والجحود.

стр. 863

تفسير قوله تعالى: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل:١٤]. يخبر تعالى عن هؤلاء أنهم جحدوا بهذه الآيات التسع، وجحدوا برسالة موسى وهارون، وجحدوا بالحق البين المنير، فجحدوا بهذه الآيات وكفروا بها وأنكروها ولم يؤمنوا بها، على أن أنفسهم قد استيقنتها، فكانوا على يقين ثابت من أنها من الله وليست سحراً، وأنها نور وليست ظلاماً، وأنها هداية وليست ضلالاً، فأنكروا الحق الصراح وحاولوا أن يغلفوه بالأباطيل والأضاليل، فكان ذلك ظلماً لأجل الشرك الذي ابتلوا به وران على قلوبهم فأبصروا الباطل ولم يبصروا الحق. فهؤلاء قوم استعبدوا بني إسرائيل وتصرفوا فيهم بالبيع والشراء، واتخذوهم لأعمالهم القاسية التي لا يكاد يطيقها العصبة أولو القوة ظلماً وعلواً وطغياناً. قال الله: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل:١٤]. فانظر نظر القلب، فهؤلاء بظلمهم وباستعلائهم وبجحودهم للحق وقد تيقنت به نفوسهم كانت عاقبتهم أن أذلهم الله وأغرقهم في اليم، وأورث أرضهم وأموالهم ونعيمهم وجنانهم وكنوزهم لمن كانوا يستعبدونهم ويحتقرونهم ويبيعونهم بيع الدواب بدراهم قليلة معدودة. فنصر الله الحق في شخص موسى وقومه، وأذل الباطل في شخص فرعون وقومه. وعندما هاجر نبينا ﵊ إلى المدينة المنورة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هو يوم نجى الله فيه موسى من فرعون، فنحن نصومه شكراً لله، فقال: (نحن أولى بموسى منكم، فصامه ﷺ وأمر بصومه)، وفي سنة وفاته ﵊ قال: (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر)، رغبة في مخالفة الكفار واليهود. فكان صيام ذلك اليوم ذكرى، وكان شكراً من نبي الله ومن أمته المسلمة الموحدة. وهكذا كان للحق أنصار ورموز، وكان للباطل أنصار ورموز، فإذا ذكر موسى ذكر معه الحق منتصراً، وإذا ذكر فرعون ذكر معه الباطل منهزماً. فالله ﷻ أعاد ذكر هذه القصة بهذا الاختصار وفيها وصف لموسى عبده وكليمه، ففي ذلك إجلال له وإجلال للبشرية في شخصه. كما أن الله تعالى أكرم بني آدم بأن خلق أباهم آدم بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، وهكذا اختار عبداً من سلالة آدم فكرمه وشرفه بالكلام، ثم شرف وكرم بعده خاتم الأنبياء بما لم ينله ملك مقرب ولا نبي مرسل في ليلة الإسراء والمعراج، فما كان الناس يؤمنون به غيباً آمن به النبي ﷺ شهوداً وحضوراً.

стр. 864

تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا داود وسليمان علماً) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل:١٥]. وهكذا ننتقل بعد اختصار قصة موسى كما ذكرها الله في سورة النمل إلى قصة داود وولده سليمان، فالله ﷻ يخبر بأنه آتى داود وسليمان علماً، وداود نبي من أنبياء الله وملك، وسليمان ابنه نبي من أنبياء الله وملك، فهذان ممن جمع الله لهم بين النبوءة والملك، ونبينا ﵊ خير بين أن يكون عبداً رسولاً وملكاً نبياً، فاختار أن يكون عبداً رسولاً، أي: لا يعيش عيشة الملوك ولا ترف الملوك ولا بأوامر ونواهي الملوك، بل عاش عبداً في أوامره وفي نواهيه وإن كانت ولاية الدولة لنبينا ﵊، فلا يد أعلى من يده، يولي ويعزل، ويقيم الحدود فيرجم ويقتل ويقطع ويجلد، ويولي الرسل، ويولي القادة، ويولي الأمراء على النواحي والمدن والأقاليم، ويرسل السفراء إلى الأباطرة والقياصرة ليأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويدعوهم إلى الله. وهذه وظيفة الملك، ولكنه مع ذلك كان يفعل فعل العبد المتواضع لله بلا حشم ولا أتباع على كثرتهم، فكان ﷺ لا يحب أن يقام له، ولا يسمح أن يكون قاعداً وهم قائمون على رأسه، فكان يعيش عيشة العبد المتواضع لله على أن أوامره ونواهيه وأحكامه تشمل جميع جزيرة العرب جيوشاً ومدناً وقرى، وكل ما يفعله رئيس الدولة قد فعله، وكل ما يفعله ملك قد فعله. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ [النمل:١٥]، آتى نبييه ورسوليه الكريمين الملكين علماً. والعلم هنا نكرة يشمل كل نوع من أنواع العلوم، ومع ذلك قد حدده البعض بأنه علم القضاء، وسياق الآية لا يحمل ذلك، بل آتاهما الله علماً في القضاء، وعلماً في الأحكام، وعلماً في الحقيقة، وعلماً في المعرفة، وعلماً في تجنيد الجيوش، وعلماً في تسيير شئون الدولة، وسخر سليمان الرياح، حتى طلب سليمان ألا يكون ذلك الملك لأحد بعده، فكان سليمان أوسع ملكاً وأعظم جاهاً وسلطاناً. وبعد أن أكرمهما الله بما أكرمهما به شكرا الله على عطائه وعلى ما منحهما به، وعلى ما خصّهما به، قال تعالى: ﴿وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل:١٥] والذي يبقي النعم هو شكر الله على كل ما أنعم به من النعم الظاهرة والباطنة، والشكر يزيد النعم، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]. وعذاب كفر النعمة أن يُسلبها من أُنعم بها عليه، ولا يفعل هذا إلا بمخذول. قال تعالى: ﴿وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل:١٥] فحمد الله على أنه فضّلهما على كثير من المؤمنين، ولو قالا: (فضّلنا على جميع عباده المؤمنين) لما بقيت هناك رُتبة لنبينا خاتم الأنبياء ﵊، ومن المعلوم أن سليمان مر في إحدى سفراته وهو على بساطه في الجو على مكة، وطاف بالبيت، وحج كفعل جميع الأنبياء قبله وبعده، وقال لمن معه: في هذه البلدة سيولد خاتم الأنبياء وسيد الأنبياء، وحضّ على من عاش وأدركه على أن يؤمن به كما أُخذ عليهم العهد بذلك. فلو قالا: (فضّلنا على العالمين) لكانا قد فُضِّلا حتى على محمد ﷺ ، ولم يفضّل على محمد ﷺ أحد، فهو سيد العبيد وإمامهم.

стр. 865

تفسير قوله تعالى: (وورث سليمان داود) قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل:١٦]. ذُكر داود في هذه الآية ليذكر سليمان، وستبقى القصة لسليمان وانتهى الكلام في هذه الآية عن داود ﵇. قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ [النمل:١٦] أورث الله سليمان ما تركه داود، والذي تركه داود هو النبوة والرسالة والعلم والمعرفة. ولم يكن لداود من الأولاد سليمان فقط، بل كان له سبعة عشر رجلاً كلهم من الأفاضل المؤمنين، ولكن لم يكن منهم نبي إلا سليمان، والإرث ليس إرث مال؛ لأن الأنبياء لا يورثون المال، كما قال ﷺ في الحديث المتواتر: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة). فمات داود وورث سليمان نبوة أبيه ورسالة أبيه وعلم أبيه، وكان أهلاً لذلك، فقد أهّله الله لذلك ﷻ ، ومن أهّله الله لشيء كان هو الجدير به.

стр. 866

معنى قوله تعالى: (وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير) قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل:١٦]. يخبر سليمان بأن الله زاده على ما أعطى أباه شيئاً آخر، فقد علّم الله تعالى سليمان منطق الطير، أي: فهم لغة الطير والكلام معه، والألف واللام للجنس، أي: جميع أجناس الطيور، فكان يفهم لغاتها وتفهم عنه كذلك لتتلقى منه الأمر والنهي، فقد كانت جنداً من جنده، وكان ذلك مما أكرم الله به سليمان وخصّه به دون الأنبياء السابقين، وأما نبينا ﵊ فقد كلّمه الحيوان وكلّمته الأشجار وكلّمته الأخشاب وهي ميتة، ففهم عنها وفهمت عنه، وحصل له ما لم يحصل لمن سبق، فالنبي ﵊ كان يخطب على جذع في مسجده النبوي، فأرادوا أن يصنعوا له منبراً، فلما صنعوه ترك ﷺ الخطبة على الجذع، فأخذ يحن حنين الناقة عندما تفقد فصيلها، وسمع حنين هذا الجذع كل من كان في صلاة الجمعة مع النبي ﷺ من المهاجرين والأنصار والرجال والنساء. فما من معجزة أُعطيها نبي من الأنبياء قبل إلا وأُعطيها نبينا ﵊ وزيد عليها، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]. قال المفسّرون: الذي رفعه الله درجات هو نبينا محمد ﷺ ، رفعه الله درجات فوق موسى وفوق سليمان وفوق داود وفوق إبراهيم وفوق نوح وفوق أبيه آدم كذلك، ومن هنا اختص يوم القيامة بالشفاعة العظمى دون جميع الأنبياء والمرسلين، حيث يذهب الناس يوم القيامة إلى أولي العزم يريدون منهم أن يشفعوا لهم عند ربهم لفصل القضاء، وكل منهم يقول: نفسي نفسي، إلى أن يصلوا إلى عيسى، فيقول لهم: اذهبوا إلى محمد ﷺ ، فيأتونه فيقول: (أنا لها، أنا لها) ثم يذهب فيخر ساجداً تحت ساق العرش، وهو المقام المحمود الذي سمّاه الله، وجعله له على رءوس الخلائق، وقد أخذ الله من جميع الأنبياء السابقين العهد على أن من أدركه وعاصره منهم أن يؤمن به، ولذلك كان يقول ﷺ : (لو كان موسى حياً لما وسعه إلا أن يتبعني) وموسى كليم الله، ومع هذه الرتبة العلية والمنصب الرفيع لو عاش لما وسعه إلا أن يكون تابعاً من أتباع محمد ﷺ . ومن المعلوم أن عيسى -وهو آخر أنبياء بني إسرائيل- سينزل في آخر الدنيا، وهو من علامات الساعة الكبرى، فسينزل إلى الأرض من السماء وهو على دين محمد ﷺ ، وسيصلي صلاته ويحج حجه ويزكي زكاته ويصوم صيامه ويصلي خلف أئمة المسلمين، وبذلك أصبح صحابياً، ومن هنا ترجم له من كتب في تراجم الصحابة، كالإمام الحافظ العسقلاني في كتاب الإصابة؛ لأن تعريف الصحابي يشمله، فالصحابي هو من آمن برسول الله حياً ورآه ومات على ذلك، فقد رأى عيسى نبينا ليلة الإسراء في سماء الدنيا، ورحّب به أخاً، وسينزل عيسى بعد ذلك وسيبقى على دين محمد ويموت على دين محمد صلى الله عليهما وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. قال تعالى عن سليمان: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل:١٦] يُذيع في الناس قائلاً: قد أكرمنا الله بأن علمنا منطق الطير، وذكر صوت الطير بأنه منطق لأنه لغة فهمها سليمان. قال تعالى عنه: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل:١٦] آتى الله سليمان من كل ما يحتاج إليه الملوك، أعطاه من القوة، وأعطاه من الجيوش، ومن السلطان، وأعطاه من الذهب والفضة، وأعطاه من البُسُط التي يطير بها في الهواء، وأعطاه من الجند الذين يخضعون له جناً وإنساً وحيواناً وطيراً، وهو أحد الملوك من الأنبياء الكبار، فشكر سليمان الله معترفاً بأن هذا هو الفضل المبين الظاهر.

стр. 867

تفسير قوله تعالى: (وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير) قال تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل:١٧]. قوله تعالى: (حُشر) أي: جُمع. فسليمان كان يريد سفراً، فاجتمع له مواكب الجند من الجن والإنس والطير، وكانت وظيفة الطير وظيفة كبيرة يعلمها من يسكن الصحاري، فقد كانت تظلله في مدة سفره، بحيث تحجبه عن الشمس وحرّها، وكانت تحرّك أجنحتها بطبيعة الحال وهي تطير، فكانت كالمكيفات والمراوح. أما جند الجن فكانوا مكبلين بالسلاسل والأغلال، لأنهم لا يؤتمنون، إذ يسرعون بالأذى للإنس، فهم لا يعملون إلا تحت القهر وتحت القوة، والإنس منهم القادة ومنهم الوزراء ومنهم المستشارون، ومنهم المبلّغون، والجن كانوا يشهدون المكان إن احتاج سليمان للنزول أو المقام. وقد سخّر الله تعالى لسليمان الريح، وكان يضع فوق هذه الريح ما يشبه اليوم أعظم طائرات الأرض، وهو البساط الذي يحمل الآلاف، وكانت هذه الريح تطير رخاء بالشكل الذي يرغب فيه، وبلا إزعاج ولا إقلاق كطائرات اليوم. قال تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ [النمل:١٧] أي: من جنس الجن، وجنس الإنس، وجنس الطير، وهذا ما لم يكن لأحد ممن سبقه من الأنبياء، وإن كان سليمان طار في الأجواء فقد طار نبينا ﷺ فيما لم يصل إليه سليمان ولا من سبقه، فقد طار في ثوان إلى بيت المقدس، واجتمع بالأنبياء فصلى بهم إماماً، ثم عُرج به إلى السماوات العُلى، إلى أن كان قاب قوسين أو أدنى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا ما لم يصل إليه سليمان بريحه ولا بجنه ولا بطيره ولا بإنسه. يقول تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل:١٧] أي: يرتبون وينظمون كما تنظم المواكب في جيوش الدولة وجيوش القتال، فقوله تعالى: (يوزعون) أي: يُمنعون من أن يتقدم أحد عن رتبته، أو يتأخر عن رتبته، ومن كل أو مل أو مرض يُخرج ليقف حيث يكون أمثاله ويجلس حيث يجلس أمثاله. فكانوا يلزمون بأن يكونوا مصطفين منظمين كل في مكانه وكل في رتبته، وفي الدرجة العليا نبي الله سليمان، وكان هذا الترتيب يحصل في الأرض وفي الجو وعلى البحار وفي الفيافي، وهو ملك خصّ الله به سليمان من بين جميع أنبياء الأرض، بل ومن بين جميع ملوك الأرض، فـ فرعون على فرعنته وطُغيانه لم يكن له أن يأمر ماء أو رياحاً أو جناً أو حيواناً أو طائراً.

стр. 868

تفسير سورة النمل [١٧ - ٢٧] لقد أعطى الله سيدنا سليمان ملكاً عظيماً وعلمه منطق الحيوانات وجعل جنوده من الجن والإنس والطير وغيرها، وقد خرج يوماً بجنوده حتى أتى وادي النمل فتكلمت النملة ففهمها سيدنا سليمان ﵇، فحمد الله على ما أولاه من النعم، ثم تفقد الطير يريد الهدهد فكان ما كان من قصته مع بلقيس بنت شراحيل اليمانية.

стр. 869

تفسير قوله تعالى: (حتى إذا أتوا على واد النمل) قال الله ﷻ : ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٧ - ١٨]. لا نزال مع سليمان ﵇ في قصته مع جنده من الجن والإنس والحيوان والطير، وما خصه الله به دون الأنبياء السابقين من الجمع بين الملك والنبوة. فهنا أخبر الله ﷻ بأن سليمان جمع له وحُشد له وحُشر له جيوشه من الجن والإنس والطير، ((فَهُمْ يُوزَعُونَ)) أي أن النقباء والقادة من جيشه كانوا يكفّونهم وينظمونهم ويرتبونهم كما تُرتب الجيوش، فهذا أمام هذا وهذا خلف هذا، وهذا عن اليمين وهذا عن اليسار. وذكر أن جنده بلغوا مئات الآلاف، ويظن أن ذلك مبالغ فيه وأنه من الإسرائيليات. ومما ذكروه أنه كان ملكاً على كل الأرض، وهذا لا يُعرف؛ إذ كان سليمان نبياً أُرسل إلى قومه من بني إسرائيل خاصة كبقية أنبياء بني إسرائيل، فقد قال ﵊: (وكان الأنبياء يبعثون إلى أقوامهم خاصة، وبعثت إلى الناس كافة) وكون الدين عالمياً لا يُعرف إلا في دين الإسلام الخاتم وفي رسالة نبينا عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. فقوله تعالى: ((فَهُمْ يُوزَعُونَ)) أي: ينظمون ويكفّون، ومنه قول عثمان ﵁: (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) أي: يدفع ويكف، فكثير من الناس لا يؤثر فيهم وحي الله ولا أمر الله ولا أمر نبيه، فإذا هُددوا بالسياط وبالسيوف تجدهم قد رُعبوا وذلوا وخضعوا خوفاً من القوة لا خوفاً من الله، والناس ليسوا سواء. قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل:١٨]. أي: حتى إذا أتى هذا الجيش المحشود من الجن والإنس إلى واد النمل. وقد قال قوم: وادي النمل في الشام، وهذا هو الأقرب إلى الواقع، وقال كعب: في الطائف، ومن المعلوم أنه لا يزال إلى اليوم في أرض الطائف على بعد ثلاثة أميال منها واد يسمى وادي النمل، وقد قيل: إن نمل هذا الوادي يكاد يكون قدر الأنملة أو يزيد، ويعلم هذا كل من وصل إلى هناك من أهل البلاد والسائحين والمارين، والوادي: هو الطريق بين جبلين. فالنملة رأت الجيش اللجب الكثير المتراص من الجن والإنس والطير، فإذا بها تصيح في بقية النمل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ [النمل:١٨] كي لا يسحقكم سليمان بأقدامه مع جنده ((وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)) لصغر النمل وحقارته، وكثرة الجيش. وكان من خصائص سليمان إدراكه قول النمل وفهمه له، وقيل: إن الله سخّر لسليمان الريح، فتارة تحمله وجنده على بسط يتنقل بها حيث شاء من أرض الله، وتارة تحمل له الريح ما يقوله عنه الجن والإنس والدواب والطير، وكان مما حملته الريح إليه كلام هذه النملة، فسمع ذلك سليمان. قال تعالى عنها: ((لا يَحْطِمَنَّكُمْ)) أي: لا يسحقنكم ولا يدوسنكم، فتذهبون تكسيراً وتحطيماً بين أرجله وجيوشه ((وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)) أي: حال كونهم لا يشعرون بما جرى لكم ولم قالت كذلك؟ لقد علمت أن سليمان نبي من أنبياء الله لا يظلم، وأنه إن حدث شيء من ذلك يحدث بغير علم منه وبغير شعور منه، ولو أدرك ذلك وشعر به لحرّمه ومنعه وعاقب عليه، ولكن هذه النملة كبقية النمل والدواب والطير أيام سليمان، علمت بأن ذلك لن يكون؛ لأن سليمان نبي عادل، ولا يليق بأنبياء الله ورسله إلا العدل، ولذلك لم تتصور أن يسحقها ويسحق النمل إلا إذا كان ذلك بغير شعور منه ومن جنده.

стр. 870

تفسير قوله تعالى: (فتبسم ضاحكاً من قولها) ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل:١٩]. قال تعالى: ((فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا)) أي: سمع كلامها وصوتها فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا، وكان ضحك الأنبياء التبسم، وهكذا نبينا ﷺ فيما روته عنه السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂ ورواه غيرها من الصحابة ﵃، فقد كان ﵊ جل ضحكه التبسّم، ولا تُرى لهوات لسانه، فإذا تبسّم لا يكون ذلك إلى أن تفتر شفتاه وتظهر ﷺ . وهكذا قص الله عن سليمان، وذلك يدل على أنه من أدب الأنبياء ومن أدب المرسلين أنهم إذا ضحكوا تبسّموا، ولا يصل ذلك إلى القهقهة وظهور النواجذ، وقد كان هذا في الحياة المحمدية النبوية يُعد على الأصابع، حيث تبسّم حتى ظهرت نواجذه ﷺ . قال تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل:١٩] عجباً من جانب وشكراً لله من جانب آخر على ما أولاه من نعمه وإفضاله وخصّه به من إكرامه. وذهب يشكر الله، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ [النمل:١٩]. قوله تعالى: (أوزعني) أي: ألهمني شكرك وألهمني حمدك، وألهمني الاعتراف بإفضالك والحمد على كل إحسانك. ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ [النمل:١٩] أي: أكرمتني بها من الإيمان بك ومن النبوة التي أكرمتني بها والرسالة، وأنعمت بمثل ذلك على والديَّ من قبل بأن جعلتهما مسلمين مؤمنين، وجعلت أبي داود نبياً ورسولاً، وأكرمته بما أكرمته به من النبوة والملك كذلك، وأشكرك على ما ألهمتني إياه من فهم لغات الطير ولغات الهوام ولغات الحيوان، وما سخّرت لي من الجن والإنس ما لم تسخّر مثله لأحد قبلي، فهو يشكر نعمة الله عليه وعلى أبيه وأمه. قال تعالى: ((وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ)) أي: ووفقني للعمل الصالح الذي يُرضيك من طاعتك والدعوة إليك والقتال في سبيلك، وإجبار أعدائك الكافرين على توحيدك والإيمان بك، وإذلال الكافرين وسحق المنافقين. ولا بد من الرضا عن العمل، وإلا فقد يفعل الإنسان ما يظنه صالحاً في وهمه وهو باطل وضلال، فلا بد من أن يكون هذا الصلاح مما يُرضي الله ﷻ لا ما يُرضي من يُسمون بالفلاسفة وبالمفكّرين وهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. ثم قال تعالى عن سليمان: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل:١٩] اجعلني من جملة الصالحين من عبادك برحمة منك لا بشيء أستحقه ولا بعمل عملته، فأنا وعملي منك وإليك يا ربي وخالقي، خلقتني وألهمتني العمل الصالح، وجعلتني من عبادك الصالحين وابن نبيك داود، وأكرمتني كذلك بالرسالة والملك، فاجعلني من جملة عبادك الصالحين، وأدخلني في جملتهم واذكرني بينهم، واجعلني ممن صلح في دينه وصلح في عمله وصلُح في طاعته وقد استجاب الله له كل ذلك، كيف وهو نبيه المعظّم ورسوله المكرم؟! فعندما اختاره للنبوة والرسالة استجاب دعوته وزاده من أنواع النعم والإفضال ما لم يصنع مثله إلا مع مثله من الأنبياء والمرسلين.

стр. 871

تفسير قوله تعالى: (وتفقد الطير) ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل:٢٠]. قال تعالى: ((وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ)). يقال: تفقد فلان كذا، أي: بحث عنه حين شعر بأنه مفقود غير موجود، وتفقّد فلان عمله: ذهب ليرى العمل هل يسير كما هو مطلوب، وهل العاملون يعملون كما خطط لهم. قال تعالى: ((وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ)) تفقّد سليمان الطير، وما سبب تفقُّد الطير وهو بين جنده في سياحته وفي تنقله؟! قيل: كان سليمان إذا خرج سائراً ماشياً على الأرض تظلله الطير بأجنحتها من حر الشمس، وتحرّك أجنحتها لتخفف عنه حرها وأذاها، وكان إذا نزل نزلت معه وانتظرت أمره، فكان إذا نزل في الصحاري والقفار يبحث أول شيء عن الماء، وكان الهدهد من خصائصه أنه يرى الماء في تخوم الأرض كما نرى نحن الماء في الزجاجة، فقد أعطاه الله من قوة البصر ما يشق به الأرض نظراً إلى تخومها فيرى المياه في أعماق الأرض، فيشير على سليمان أن: انزل هنا، فهنا الماء. فيأمر الجن بحفر الأرض مهما كانت المياه بعيدة. وفي ذلك اليوم احتاج إلى الماء فبحث عن الهدهد فلم يجده. قال تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل:٢٠] ولم يقل تعالى: وتفقد الهدهد، وذلك أنه كان على الطير كذلك وازع ونقيب مسئول ومكلّف، قالوا: وكان وازعها والمكلّف بها هو الصقر، والصقر قوي البصر كذلك، يعلو إلى أجواء الفضاء بحيث تصبح الأرض بين عينيه كالصحن بين يدي الآكل والشارب، فالصقور كانت تحرس الطيور في طيرانها وذهابها وإيابها، فتأمر من يتقدم ومن يتأخر. فتفقد سليمان الطير فسأل عن الصقر فحضر، وسأل عن الهدهد فلم يحضر ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل:٢٠] والهدهد طائر معروف موجود في كل مكان لطيف المنظر ذو عرف من شعيرات مرتفع القدمين والرجلين ذو عينين حادتين تظهر حدتهما من قرب لمن يراه. وقوله: ﴿مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل:٢٠] يقال في اللغة: مالي لا أرى فلاناً، أي: ما باله لا يرى. وقوله: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل:٢٠] أي: أم كان غائباً فلم يحضر. وعدم حضوره وسليمان وجنده بحاجة إلى الماء يُعتبر جريمة يستحق المخالف عليها كل عذاب وكل عقاب وكل محنة؛ لأن هذا الجند على كثرته معرض للعطش ومعرض للعطب، والعطش في الصحاري -خاصة في الأيام الحارة الشديدة- يُسرع بالموت إلى العطاش الذين تجف حلوقهم من الريق، فقد يصبر الإنسان على الطعام أياماً ولا يصبر على الماء إذا اشتد الحر.

стр. 872

تفسير قوله تعالى: (لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه) ولما لم يجب الهدهد بحضوره علم سليمان أن الهدهد غائب ليس بحاضر، فأخذ ينذر ويتوعد ويقول: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٢١]. تهدد هذا الهدهد لغيبته بأنه سيعذبه، وأقسم على ذلك، ودليل القسم اللام الموطئة للقسم مع نون التوكيد الثقيلة ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ [النمل:٢١] أي: أشد الذبح وآلمه ((أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)) أو يأتي بدليل يدل على أن غيابه كان لمصلحة الجيش ولمصلحة سليمان. قالوا: والعذاب الذي تهدده به هو أن ينتف ريشه ويتركه للنمل حتى يموت، وقيل غير ذلك، وعلى كل فهو عذاب يليق بالهدهد. وذبحه أن يفقده الحياة، والهدهد لا يُذبح، فقد روينا عن أبي هريرة ﵁ فيما أخرجه الإمام أحمد في المسند وأبو داود في السنن وابن ماجة في السنن (أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل أربع: النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد)، والصرد هو ذلك الذي يصيح صيحة مسترسلة متتابعة. وفي رواية أيضاً (وعن قتل الضفدع)، فلا تقتل الضفادع، ولا يُقتل الصُرد ولا النملة ولا النحلة، نهى ﷺ عن كل ذلك. فسليمان كان يريد تعذيب الهدهد وقتله عقوبة لغيبته عنه دون إذن مسبق إن كانت غيبته فراراً من المسئولية، وقد أُمر بأن يكون معه لخدمة الجيش في شيء هام جداً، وهو الماء، فلم يكن سليمان يحمل ماءً، وما عسى أن يكفيه من الماء لمئات آلاف من الجن والإنس.

стр. 873

تفسير قوله تعالى: (فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به) قال تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل:٢٢]. قوله: ((فَمَكَثَ)) قرئ في السبع: ((مكُثَ))، أي: أقام مدة قصيرة. قوله تعالى: ((فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ)) أي: جاء إلى نبي الله سليمان متعالياً عليه على صغره وحقارته يقول له: ((أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ)) أي: جئتك بعلم لا تعلمه أحطت بحذافيره، وعلمت ما يجمعه ويُحيط بقصته بداية. والإحاطة: العلم بالشيء من جميع جوانبه. فجاء وهو يقول: قد أحطت بعلم ما سأقوله لك إحاطة كاملة، بحيث جعلت من العلم حوائط تُحيط بما سأقوله لك. قوله: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل:٢٣] لست متردداً فيه ولا شاكاً فيه. وسبأ في أرض اليمن، وهي قبيلة من قبائل العرب تنتسب إلى قحطان، سكنت اليمن في أرض مأرب على مقربة من مدينة صنعاء، ولا تزال تلك الأرض تسمى إلى الآن بمأرب، وسد مأرب الذي ذُكر في القرآن الكريم لا تزال آثاره في اليمن قائمة إلى اليوم، وهو من دقة الصنعة ومن بديع العمل.

стр. 874

تفسير قوله تعالى: (إني وجدت امرأة تملكهم) ثم انطلق يتكلم فقال: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٣]. قال: وجدت في سبأ امرأة تملكهم، أي: ملكة عليهم تحكمهم وتصدر أوامرها ونواهيها فيهم، لها من كل شيء مما يحتاجه الملوك، أي: لست وحدك -يا سليمان- ملكاً عندك من أدوات الملك ما تحتاج إليه، فهذه المرأة وجدتها كذلك، فعندها جميع أدوات الملك من قصور ورفاهية وجند وسلاح وقوة وحضارة. ((وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ)) وهو الكرسي الذي تجلس عليه، وقد قيل: طوله كذا وكذا، وعرضه كذا وكذا، وهذه التفاصيل تحتاج إلى نقل، ولكن ذكر الله ﷻ وصف الهدهد العرش بذلك يدل على أنه كان عظيماً، قالوا: كان ذهباً خالصاً مرصّعاً بأنواع الياقوت والجواهر واللآلئ والحجارة الكريمة مما لا ثمن له، وكان طوله ثمانين ذراعاً وعرضه تسعين ذراعاً.

стр. 875

تفسير قوله تعالى: (وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله) فقال: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل:٢٤ - ٢٥]. قوله: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾ [النمل:٢٤] فأتى بهذا الخبر المفجع المثير لسليمان نبي الله الداعي إلى التوحيد، فقال: وجدت هذه المرأة مشركة وثنية تسجد للشمس من دون الله، وتعبد الشمس كما يعبدها قومها، فهي وقومها يعبدون الشمس من دون الله، ويفردون الشمس بالعبادة، ويفردون الشمس بالطاعة، ويفردون الشمس بالتأليه. قال: ((وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ)) فهؤلاء يظنون أنهم على خير، وأنهم على عمل صالح، فالشيطان وسوس لهم في خواطرهم بعبادتهم للشمس من دون الله، فهم يتيهون بذلك، ويتفاخرون بذلك، وينشرون ذلك ويذيعونه، ويبنون معابد لعبادة الشمس. قال تعالى: ((وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ)) أي: زيّن لهم الشيطان عبادتهم للشمس ووثنيتهم وكفرهم وجحودهم، فكان بذلك قد صدّهم عن السبيل، أي: عن السبيل المستقيم وعن الحق اليقين، وعن الواحد المعبود الحق ﷻ . قوله: ﴿فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [النمل:٢٤ - ٢٥] فهؤلاء لا يهتدون فلا يجدون الهداية، ولا يجدون النور، ولا يجدون المعرفة ليتركوا عبادة الشمس وعبادة الوثن وعبادة الصنم وعبادة المخلوق من دون الله. ﴿فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ [النمل:٢٤ - ٢٥] أي: كي لا يسجدوا لله، فصدّهم لكي لا يسجدوا لله ولكي لا يوحدوه، وذكروا هنا تلاوة، وهي: ((أَلَّا يَا سْجُدُوا)) فجعلوا (يا) ياء النداء، والمنادى محذوف، و (اسجدوا) فعل أمر، وهذا تكلُّف، وقدّروا القول: ﴿فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل:٢٤]، ((أَلَّا)) يا هؤلاء اسجدوا لله، فيا هؤلاء، أو: يا قومنا، أو: يا سُكان مأرب، أو: يا أهل سبأ! ما الذي صدّكم عن عبادة الله؟ ألا فاسجدوا لله. ولا حاجة لهذا الكلف في التلاوة، والتلاوة لا تكون إلا بما ورد تواتراً عن رسول الله ﷺ ، وليست هذه التلاوة كذلك. والمعنى: فزيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدّوا بذلك عن الطريق الحق ودفعوا عنه وأبعدوا عنه كي لا يهتدوا إلى عبادة الله والسجود لله. قال تعالى: ((الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) أي: الذي يُخرج الغائب غير المنظور في السماء الذي لا يعلمه إلا هو ﷻ ، وكذلك ما غاب في الأرض من أعمال العباد، ومن كل ما اختبأ واختفى عن أعين الناس مما لا يعمله إلا الله، فلا يعلم الغيب في السماء والأرض إلا الله ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧]. قال تعالى: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل:٢٥]. فهو يعلم ﷻ ما نُخفي في أنفسنا وما نكتم في ضمائرنا، وما نعلنه كذلك قولاً وعملاً وكتابة وإشارة، فكل المعلن وكل المخفي لا يعلمه إلا الله. فقوم سبأ بدلاً من أن يعبدوا الله العالم بكل شيء والمنفرد بعلم الغيب وبما تكنه الضمائر عبدوا خلقاً من خلقه، وهو الشمس، فقد استعظموا كبرها فذهبوا يعبدونها.

стр. 876

تفسير قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) ثم قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل:٢٦]. فهو رب العرش الذي لا يقاس به عرش هذه المرأة، كل هذا من قول الهدهد، وكان الهدهد داعياً، وكان الهدهد جندياً مؤمناً، فقد قام بما لم يكلّف به وهو من جند سليمان، فدعا بما كان يدعو إليه سليمان من عبادة الله وتوحيده، ومكافحة الشرك وأهله، فجاء يكشف حال هؤلاء لنبي الله الملك سليمان. قال تعالى: ((اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)) أي: الذي لا ثاني له ولا إله معبود معه بحق، ولكن الله وحده هو المعبود، وهو الخالق والمحيي والمميت. قال تعالى: ((هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)) دعك من عرش هذه المرأة، فهو عرش مصنوع ومخلوق، ومهما يكن فهو من مواد أرضية خلقها الله، فأين يكون من عرش الله المحيط بالسماوات والأرض؟! فالكرسي فقط قال لنا عنه نبي الله ﷺ : (إن السماوات السبع والأرضين السبع بالنسبة له كسبعة دراهم ألقيت في ترس والكرسي بالنسبة للعرش كحلقة ملقاة في أرض فلاة). فلما قال الهدهد ذلك كان سليمان قد أنصت للهدهد وأعطاه أُذنه وأعطاه سمعه إلى أن وعى عنه كل ما قال من خبر عن هذه المرأة. وهذه المرأة قيل: هي بلقيس بنت شراحيل، وهي قحطانية من سبأ، وكان أبوها ملكاً من الملوك العظام في أرض اليمن، ولم يخلّف سواها، وزعموا أن أمها جنية، وأن قدميها كانتا أشبه بقدمي الدابة، وهذا زعم لم يؤكده شيء من إجماع الصحابة ولا حديث نبوي، وهو أشبه ما يكون بما يروى في الإسرائيليات عن كعب الأحبار وعن نوف البكالي وعن وهب بن منبه وغيرهم من الذين أسلموا عن يهودية سابقة وحملوا بعض إسرائيلياتهم ورووها وأذاعوها ونقلوها، ودخل الكثير منها في الكتب، وهي مع ذلك مقطوعة الجذور لا سند لها ولا صحة. فهذه المرأة قيل: اسمها بلقيس، وهي مشهورة في التاريخ به، وذكرها القرآن، وكفاها ذاك شرفاً، وقد كانت على غاية ما يكون من الدهاء والحكم والإتقان في إدارة الدولة وفي تسييرها على كثرة رجالها وكثرة أتباعها. قالوا: كان لها من الأقيال والأمراء والحكام ما عد بعشرات الآلاف، ولا شك في أن في ذلك مبالغة، ولكنها كانت عظيمة الشأن كبيرة السلطان، ولعل بعض ما كان عندها لم يصل إليه الناس إلى يومنا هذا، كانت إذا أمرت ارتعدت الفرائس منها، وإذا نهت ارتعدت الفرائس منها، وسيقص الله علينا بعض محاورتها لجندها وأقيالها وكبار موظفيها.

стр. 877

تفسير قوله تعالى: (قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين) قال تعالى عن سليمان: ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل:٢٧]. فالهدهد نطق، ويحتمل قوله الكذب والصدق، ولكن سليمان سيحقق في قوله وسيبعث من يؤكد له ذلك أو ينفيه ليحق على الهدهد العذاب أو ليستحق المكافأة والجزاء إن كان صادقاً. ((قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ)) والسين للمستقبل القريب، و (سوف) للمستقبل البعيد، فقال سليمان: ((سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ)) أي: هل كنت صادقاً في خبرك فلم تبالغ ولم تقل ما ليس بواقع، أم كنت من الكاذبين، فسنرى إن كنت صادقاً أم كاذباً بعد فترة طالت أو قصرت.

стр. 878

تفسير سورة النمل [٢٨ - ٣٣] لقد جاء الهدهد إلى سيدنا سليمان ﵇ بخبر يقين عن مملكة سبأ، وأنهم يعبدون الشمس من دون الله، فأرسله بكتابه إلى ملكتهم ودعاها وقومها أن يأتوه مسلمين، فاستشارت الأقيال والأعيان فأظهروا لها أنهم مستعدون لحربه والأمر ما تأمر به.

стр. 879

تفسير قوله تعالى: (اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم) قال تعالى: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل:٢٨]. نادى سليمان أحد كتبته وأملى عليه سطرين أو ثلاثة، ثم أعطى الكتاب للهدهد وقال له: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل:٢٨]، أي: ارمه إلى هؤلاء القوم الذين ذكرت، فأعطه لملكتهم التي تحكمهم وتملكهم. ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [النمل:٢٨] أي: ابتعد قليلاً ﴿فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل:٢٨] أي: اسمع قولهم في هذا الكتاب، فما هو جوابهم وبم يعلقون عليه، وكيف سيستقبلونه، فهل سيستقبلونه مطيعين مستسلمين، أم عصاة مخالفين، كل ذلك أجبني عنه، وإنه لغريب في الدنيا أن يكون الهدهد سفير ملك إلى ملك، وسفير دولة إلى دولة، ولكن هذا من معجزات الأنبياء ومن خصائص سليمان، ومما خصه الله به من تسخير الدواب والجن والإنس والرياح، فهذا من عجائب قدرة الله، ولا عجب في قدرة الله التي أعطاها لسليمان. وقد كان سليمان أعظم سلطاناً، وأدوم ملكاً وأوسعه، وكان داود أكثر عبادة، وكان كل منهما رسولاً كريماً على الله ﷻ . فذهب الهدهد بالكتاب يصل الوقت بالوقت إلى أن أصبح على رمية حجر من الغرفة الخاصة بـ بلقيس، وكانت مستلقية على قفاها منفردة بنفسها في خلوتها، فرمى بالرسالة كما أمره سليمان، على صدرها، ثم رجع إلى النافذة ينتظر ما ستفعله ليبلغ مولاه الملك النبي سليمان ﵇. قال تعالى: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل:٢٨] إلقاء، ولم يسلمه؛ إذ قد يقبض على الهدهد، ويعتبر طائراً غريباً، ويسجن في قفص، فلو سجن لمات، ولما احتمل القيد بعد الحرية. قال تعالى: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل:٢٨].

стр. 880

تفسير قوله تعالى: (قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم) وتأخذ بلقيس الكتاب، وتتعجب من الرسول، ومن حمله للرسالة، وتتعجب من كون الكتاب من سليمان، وكان اسم سليمان قد طبق الشرق والغرب في عجائبه وفي غرائبه وفي تنوع جيشه، وفي تسخير الهواء له، وفي تسخير الطير له والدواب والجن، فكيف ستجيب هذا الملك العظيم الذي يقول: إنه نبي؟! فدهشت وذهلت. ونادت قومها، ودعت من يدعو الملأ، والملأ: أشراف القوم وقادتهم ورؤساؤهم، فاجتمعوا، وإذا بها تخبرهم بما حدث، ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٢٩ - ٣١]. رسالة في سطرين، ولكن لدهشتها وذهولها وصفت الكتاب بأنه كريم، وما وجه كرامته؟! وما وجه شرفه؟! و الجواب كونه من سليمان، فسليمان كلمها وكتب إليها، وإن كان أمرها بأن تأتي مستسلمة، وإلا فسيفتك بها وبجندها وببلادها، ومن الذي يستطيع أن يحارب سليمان ليحارب الجن والإنس والدواب والطير، وهو مع ملكه نبي لله ورسول من الله إلى الخلق؟! ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٢٩] أي: وصلني كتاب ألقي إلي إلقاءً وما أخبرتهم بالهدهد، ولو فعلت لتلقوا الخبر بالاستغراب والتبسم، ولرأوا أن الأمر ليس بجد، وإنما هو إلى المزاح أقرب، ولكن دخلت في الموضوع من أول مرة؛ لأن الكتاب بيدها، فقالت: ((يَا أَيُّهَا المَلَأُ)) يا أيها الأشراف، يا أيها السادة، يا قوم، يا كبار عشيرتي وكبار دولتي: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٢٩]. وهي بذلك تلفت أنظارهم، فكل واحد سيفكر قائلاً: من أين جاء الكتاب؟ وما النتيجة من هذا الكتاب؟ وما الذي أزعج الملكة؟ ولا شك في أنها كانت تكلمهم وتخبرهم بهذا الخبر وهي على غاية ما يكون من الانزعاج والقلق، مهددة في ملكها، ومهددة في سلطانها ممن لا تستطيع أن تقاتله ولا تحاربه ولا تقابل قوته بقوتها مهما كانت قوية.
следующие страницы →