Полный текст (2 442 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
تفسير قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم)
ثم قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل:٢٦].
فهو رب العرش الذي لا يقاس به عرش هذه المرأة، كل هذا من قول الهدهد، وكان الهدهد داعياً، وكان الهدهد جندياً مؤمناً، فقد قام بما لم يكلّف به وهو من جند سليمان، فدعا بما كان يدعو إليه سليمان من عبادة الله وتوحيده، ومكافحة الشرك وأهله، فجاء يكشف حال هؤلاء لنبي الله الملك سليمان.
قال تعالى: ((اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)) أي: الذي لا ثاني له ولا إله معبود معه بحق، ولكن الله وحده هو المعبود، وهو الخالق والمحيي والمميت.
قال تعالى: ((هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)) دعك من عرش هذه المرأة، فهو عرش مصنوع ومخلوق، ومهما يكن فهو من مواد أرضية خلقها الله، فأين يكون من عرش الله المحيط بالسماوات والأرض؟! فالكرسي فقط قال لنا عنه نبي الله ﷺ : (إن السماوات السبع والأرضين السبع بالنسبة له كسبعة دراهم ألقيت في ترس والكرسي بالنسبة للعرش كحلقة ملقاة في أرض فلاة).
فلما قال الهدهد ذلك كان سليمان قد أنصت للهدهد وأعطاه أُذنه وأعطاه سمعه إلى أن وعى عنه كل ما قال من خبر عن هذه المرأة.
وهذه المرأة قيل: هي بلقيس بنت شراحيل، وهي قحطانية من سبأ، وكان أبوها ملكاً من الملوك العظام في أرض اليمن، ولم يخلّف سواها، وزعموا أن أمها جنية، وأن قدميها كانتا أشبه بقدمي الدابة، وهذا زعم لم يؤكده شيء من إجماع الصحابة ولا حديث نبوي، وهو أشبه ما يكون بما يروى في الإسرائيليات عن كعب الأحبار وعن نوف البكالي وعن وهب بن منبه وغيرهم من الذين أسلموا عن يهودية سابقة وحملوا بعض إسرائيلياتهم ورووها وأذاعوها ونقلوها، ودخل الكثير منها في الكتب، وهي مع ذلك مقطوعة الجذور لا سند لها ولا صحة.
فهذه المرأة قيل: اسمها بلقيس، وهي مشهورة في التاريخ به، وذكرها القرآن، وكفاها ذاك شرفاً، وقد كانت على غاية ما يكون من الدهاء والحكم والإتقان في إدارة الدولة وفي تسييرها على كثرة رجالها وكثرة أتباعها.
قالوا: كان لها من الأقيال والأمراء والحكام ما عد بعشرات الآلاف، ولا شك في أن في ذلك مبالغة، ولكنها كانت عظيمة الشأن كبيرة السلطان، ولعل بعض ما كان عندها لم يصل إليه الناس إلى يومنا هذا، كانت إذا أمرت ارتعدت الفرائس منها، وإذا نهت ارتعدت الفرائس منها، وسيقص الله علينا بعض محاورتها لجندها وأقيالها وكبار موظفيها.
стр. 877
تفسير قوله تعالى: (قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين)
قال تعالى عن سليمان: ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل:٢٧].
فالهدهد نطق، ويحتمل قوله الكذب والصدق، ولكن سليمان سيحقق في قوله وسيبعث من يؤكد له ذلك أو ينفيه ليحق على الهدهد العذاب أو ليستحق المكافأة والجزاء إن كان صادقاً.
((قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ)) والسين للمستقبل القريب، و (سوف) للمستقبل البعيد، فقال سليمان: ((سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ)) أي: هل كنت صادقاً في خبرك فلم تبالغ ولم تقل ما ليس بواقع، أم كنت من الكاذبين، فسنرى إن كنت صادقاً أم كاذباً بعد فترة طالت أو قصرت.
стр. 878
تفسير سورة النمل [٢٨ - ٣٣]
لقد جاء الهدهد إلى سيدنا سليمان ﵇ بخبر يقين عن مملكة سبأ، وأنهم يعبدون الشمس من دون الله، فأرسله بكتابه إلى ملكتهم ودعاها وقومها أن يأتوه مسلمين، فاستشارت الأقيال والأعيان فأظهروا لها أنهم مستعدون لحربه والأمر ما تأمر به.
стр. 879
تفسير قوله تعالى: (اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم)
قال تعالى: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل:٢٨].
نادى سليمان أحد كتبته وأملى عليه سطرين أو ثلاثة، ثم أعطى الكتاب للهدهد وقال له: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل:٢٨]، أي: ارمه إلى هؤلاء القوم الذين ذكرت، فأعطه لملكتهم التي تحكمهم وتملكهم.
﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [النمل:٢٨] أي: ابتعد قليلاً ﴿فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل:٢٨] أي: اسمع قولهم في هذا الكتاب، فما هو جوابهم وبم يعلقون عليه، وكيف سيستقبلونه، فهل سيستقبلونه مطيعين مستسلمين، أم عصاة مخالفين، كل ذلك أجبني عنه، وإنه لغريب في الدنيا أن يكون الهدهد سفير ملك إلى ملك، وسفير دولة إلى دولة، ولكن هذا من معجزات الأنبياء ومن خصائص سليمان، ومما خصه الله به من تسخير الدواب والجن والإنس والرياح، فهذا من عجائب قدرة الله، ولا عجب في قدرة الله التي أعطاها لسليمان.
وقد كان سليمان أعظم سلطاناً، وأدوم ملكاً وأوسعه، وكان داود أكثر عبادة، وكان كل منهما رسولاً كريماً على الله ﷻ .
فذهب الهدهد بالكتاب يصل الوقت بالوقت إلى أن أصبح على رمية حجر من الغرفة الخاصة بـ بلقيس، وكانت مستلقية على قفاها منفردة بنفسها في خلوتها، فرمى بالرسالة كما أمره سليمان، على صدرها، ثم رجع إلى النافذة ينتظر ما ستفعله ليبلغ مولاه الملك النبي سليمان ﵇.
قال تعالى: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل:٢٨] إلقاء، ولم يسلمه؛ إذ قد يقبض على الهدهد، ويعتبر طائراً غريباً، ويسجن في قفص، فلو سجن لمات، ولما احتمل القيد بعد الحرية.
قال تعالى: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل:٢٨].
стр. 880
تفسير قوله تعالى: (قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم)
وتأخذ بلقيس الكتاب، وتتعجب من الرسول، ومن حمله للرسالة، وتتعجب من كون الكتاب من سليمان، وكان اسم سليمان قد طبق الشرق والغرب في عجائبه وفي غرائبه وفي تنوع جيشه، وفي تسخير الهواء له، وفي تسخير الطير له والدواب والجن، فكيف ستجيب هذا الملك العظيم الذي يقول: إنه نبي؟! فدهشت وذهلت.
ونادت قومها، ودعت من يدعو الملأ، والملأ: أشراف القوم وقادتهم ورؤساؤهم، فاجتمعوا، وإذا بها تخبرهم بما حدث، ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٢٩ - ٣١].
رسالة في سطرين، ولكن لدهشتها وذهولها وصفت الكتاب بأنه كريم، وما وجه كرامته؟! وما وجه شرفه؟!
و
الجواب
كونه من سليمان، فسليمان كلمها وكتب إليها، وإن كان أمرها بأن تأتي مستسلمة، وإلا فسيفتك بها وبجندها وببلادها، ومن الذي يستطيع أن يحارب سليمان ليحارب الجن والإنس والدواب والطير، وهو مع ملكه نبي لله ورسول من الله إلى الخلق؟! ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٢٩] أي: وصلني كتاب ألقي إلي إلقاءً وما أخبرتهم بالهدهد، ولو فعلت لتلقوا الخبر بالاستغراب والتبسم، ولرأوا أن الأمر ليس بجد، وإنما هو إلى المزاح أقرب، ولكن دخلت في الموضوع من أول مرة؛ لأن الكتاب بيدها، فقالت: ((يَا أَيُّهَا المَلَأُ)) يا أيها الأشراف، يا أيها السادة، يا قوم، يا كبار عشيرتي وكبار دولتي: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٢٩].
وهي بذلك تلفت أنظارهم، فكل واحد سيفكر قائلاً: من أين جاء الكتاب؟ وما النتيجة من هذا الكتاب؟ وما الذي أزعج الملكة؟ ولا شك في أنها كانت تكلمهم وتخبرهم بهذا الخبر وهي على غاية ما يكون من الانزعاج والقلق، مهددة في ملكها، ومهددة في سلطانها ممن لا تستطيع أن تقاتله ولا تحاربه ولا تقابل قوته بقوتها مهما كانت قوية.
стр. 881
معنى قوله تعالى: (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم)
قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٢٩] ممن؟ ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل:٣٠].
قال جمهور المفسرين: إن سليمان كتب: (من سليمان إلى ملكة سبأ: بسم الله الرحمن الرحيم)، والأولى أن يقال: بسم الله الرحمن الرحيم، من سليمان إلى بلقيس ملكة سبأ.
أما أن يقال: (من سليمان إلى ملكة سبأ: بسم الله الرحمن الرحيم) فليس هذا شأن الرسائل النبوية، ولا كانت رسائل الخلفاء الراشدين على هذه الطريقة، ولا كان ذلك معروفاً من المراسلة بين كبار القوم صحابة وتابعين.
والذي يظهر أنها أخبرتهم بعد أن وصفت الكتاب وشرفته فقالت: ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل:٢٩ - ٣٠] تخبرهم وتقول لهم: هذا الكتاب كريم؛ لأنه من سليمان، فهو الذي كتب إلي، وهو الذي تحدث إلي، وهو الذي قال ما سأمليه عليكم بالنص، فنصه: (بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين).
أمرهم أن لا يعلوا عليه، وألا يتكبروا، وأن لا يتجبروا، وأن يأتوه مستسلمين خاضعين، لا مسلمين بمعنى الإسلام، ولكن أمرهم بأن يأتوه ليحقق معهم، وليعلم قصتهم، إذ كيف يمكن أن يوجد قريباً منه من يعبد الشمس من دون الله، ويدعوا لها قومه، ويدعوا لها الناس، وهو نبي الله بين ظهرانيهم، أيجوز له أن يقرهم على ذلك، وأن يقبل ذلك منهم؟! كلا.
стр. 882
أهمية الاستفتاح بالبسملة
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠].
فالبسملة الكريمة التي عرفت في شريعتنا سبق أن استعملها سليمان الملك نبي الله ابن داود الملك نبي الله.
وهذه البسملة في القرآن الكريم ليست محلاً للريب ولا الشك، فهي البسملة المؤكدة، وما عداها في أول السور ابتداءً من الفاتحة إلى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] ففيها خلاف، فالجمهور على أن تلك البسملات للتيمن، وللتبرك، ولافتتاح تلاوة كلام الله وذكره ووحيه، وفي الحديث النبوي الصحيح: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر)، وفي رواية: (أقطع)، وفي رواية: (أجذم)، والمعنى واحد.
فكل كلام، وكل خطبة، وكل رسالة، وكل محاورة، وكل درس لا يبتدأ فيه بذكر الله و (بسم الله الرحمن الرحيم) أبتر ناقص، ممحوق البركة، لا يكون كاملاً، فإذا قال المرء: (باسم الله) أي: أتيمن بذكر اسم الله ﷻ ، وأستعين باسمه وبعونه وبإرادته على أن أتم قولي، وأتم كلامي، وأتم دروسي، وأتم تفكيري، فإنه يوشك لأجل هذا أن يستجيب الله له، وأن يمكنه من تحقيق رغبته وأمنيته، وأن يكون عمله مباركاً ناجزاً تاماً، فهذا من بركة (بسم الله الرحمن الرحيم).
ولذلك كانت الرسائل المحمدية النبوية التي كان يرسل بها كبار أمراء وسفراء وضباط وقادة جيوشه، كلها كان يبتدئها بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، كتبت لمسلمين أو كتبت لكافرين.
والفرق بين الرسائل المرسلة للمؤمنين والرسائل المرسلة للكافرين أن الرسائل المرسلة للمسلمين تبتدئ بـ (السلام عليكم)، والمرسلة للكافرين يكون القول فيها: (السلام على من اتبع الهدى)؛ لأنه لا سلام على وثني مشرك، أو كافر، ومن باب أولى على اليهود ألعن خلق الله على الإطلاق، فلا يقال لهم: (السلام عليكم) بحال، فمن فعل ذلك كان جاهلاً جهلاً مركباً ومؤدياً ما لا يليق لكافر، وما لا يصح إلا لمسلم، فضلاً عن أن يكون ذلك لأذل الخلق وأشدهم لعنة وغضباً، إخوان القردة والخنازير وعبدة الطاغوت.
فالبدء بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، كان شأن رسائل الخلفاء الراشدين، وهكذا كانت رسائل من بعدهم من التابعين والصالحين، وهكذا الكتب، وهكذا المؤلفات، وهكذا المجالس، كلها تبتدأ بـ (باسم الله)، أولاً اقتداءً بما ورد في القرآن عندما ذكر الله لنا رسالة سليمان دون اعتراض، وأي اعتراض على (بسم الله الرحمن الرحيم) والنبي ﵊ قد اتبع ذلك؟! فما ترك رسالة من رسائله إلا وافتتحها بـ (بسم الله الرحمن الرحيم).
وفي عصرنا هذا عصر الفجور والنفاق والخلاعة وما إلى ذلك من أنواع الفسق والفجور، أخذ الناس يبتعدون عن أن يبتدءوا المجالس باسم الله، أو الكتب باسم الله، ويعدون ذلك من المخلفات، ومن الرجعيات، ليمحق الله تعالى عملهم، ويزيل عنه البركة، واليُمن، والتمام، فيبقى العمل أشبه بالتبن، فلو أكل الإنسان التبن لكاد أن يغص به، والمرء بذلك يبتعد عن آداب القرآن، والآداب النبوية، وآداب السلف الصالح.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠] أي: إن الشأن -يا بلقيس - أن أبتدئ قولي وعملي وكتابي إليك بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) الخالق، الذي لا أول له، ولا آخر له، ولا معبود معه.
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠] فهو الرحمن يرحم من تاب إليه واستغفر من ذنوبه وخرج من الشرك إلى الإيمان، الرحيم بعباده، حيث يقبل التوبة من كل من تاب.
ثم دخل في الموضوع فقال: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ [النمل:٣١] فلا تتعاظموا ولا تتكبروا، ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٣١]، فلا تقولي: إني ملكة، وإن لي دولة، وإن لي شأناً، فكيف أستجيب لملك بمجرد كونه دعاني؟! لا تفعلوا ذلك، ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٣١].
стр. 883
تفسير قوله تعالى: (قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري)
فوضعت الكتاب ثم التفتت إليهم بعد أن أخبرتهم بالكتاب، فقالت لهم: ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل:٣٢].
فهذا الكتاب قد سمعتموه يا قوم سبأ، ويا أهل مأرب، فأنا أعرض الأمر مرة ثانية عليكم، فماذا ترون؟ وما هو الرأي في الجواب وفي العمل؟ ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ [النمل:٣٢]، فاذكروا لي فتواكم، ومشورتكم، ورأيكم في هذا الأمر الذي ابتليت به، وكاتبني فيه سليمان القوي بملكه، والقوي بجنده، والقوي بنبوءته ورسالته.
﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل:٣٢]، فما كان ينبغي لي وأنتم رعيتي وأعيان دولتي ووزرائي ومستشاري أن أقطع أمراً، وأبت في أمر، وأنهي أمراً، ويصدر عني ما لم تحضروه وتشهدوه وتشيروا علي فيه، فاذكروا لي آراءكم لأستعين بها، ولم كل ذلك؟! لأن شأن الملوك إذا دخلوا قرية حاكمين قاهرين أن يفسدوا فيها، ولذا قال تعالى عنها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل:٣٤]، فلو جاءني سليمان وأخذ ملكي وأرضي، فالبلاء لا يخصني، بل سيعم الدولة برجالاتها وكبار موظفيها وكبار مستشاريها، ولذلك أجيبوني بما يمكن أن تجيبوا به أنفسكم، فلو تمت الغلبة وتم القهر وأخذ سليمان الدولة سيكون بلاؤه وإذلاله وسحقه للملكة وأعوانها من وزراء ومستشارين.
قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل:٣٤]، فلن أقطع أمراً، ولن أبت فيه إلا بعد حضوركم وشهودكم، وأخذ آرائكم.
стр. 884
تفسير قوله تعالى: (قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك)
وإذا بهم يجيبونها جواب التابع للمتبوع، وجواب الرعية للراعي ﴿قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل:٣٣].
فتكلموا بكلام المتأدب مع رئيسه وسلطانه، ومن إليه الأمر والنهي، ﴿قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ﴾ [النمل:٣٣] فابتدءوا كلامهم بأنهم مستعدون لو طلبت منهم المقاومة، وطلب منهم الحرب والقتال، فقالوا: ﴿نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ﴾ [النمل:٣٣] فأعدادنا متوافرة، نعد بعشرات الآلاف، بل ذكروا أنهم كانوا مئات الآلاف، ﴿وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [النمل:٣٣]، ولنا قوة من مجانيق وسيوف ونبال وحراب وخيل وأنواع آلات القتال الموجودة آنذاك بما نستطيع به الحرب والقتال والمقاومة لكل من حاول أن يدخل أرضنا، ويحارب قومنا، ويذل ملكتنا، ويستذل سكاننا، فنحن أولو قوة شديدة وسلطان قوي.
(والأمر إليك) فنحن قد أخبرناك أننا على استعداد، وأنت الآمرة، وأنت الناهية، وأنت الملكة.
﴿فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل:٣٣]، فمرينا بما رأيت، فإن أمرت بالحرب فنحن أولو قوة وأولو بأس شديد، وإن أمرت بالسلام فالأمر إليك ولن نخالفك في أمر.
وقد كانت تميل إلى المسالمة وترك الحرب والقتال، ولعلها حدثت نفسها -وهي امرأة على كل حال، ولم تكن متزوجة- بأن تضم مملكتها إلى مملكة سليمان، فتصبح الملكة الأولى في مملكة سليمان، وما يمنعها أن تتزوج، فعندما فكرت في ذلك مالت إلى المسالمة وعدم الحرب والقتال، وستجعل من نفسها الهدية الأولى لسليمان، وهذا ما لم تذكره هي، وهو ما سيحدث.
فبعد قولهم بأنهم أولو قوة وأولو بأس شديد، وأن الأمر لها فلتنظر ماذا تريد وبماذا تأمر، عادت فقالت قولاً يدل أنها لا تريد حرباً، قالت: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل:٣٤] أي: إذا دخلوا فاتحين ودخلوا متملكين ودخلوا قاهرين.
стр. 885
تفسير سورة النمل [٣٤ - ٤٤]
كانت بلقيس تميل إلى مسالمة سيدنا سليمان ﵇ وترك حربه، فأرسلت إليه بهدية لتختبر مقصده هل هو الدنيا أم الدين، فرد عليها هديتها متوعداً، ثم أمر بعرشها أن يحضر إليه، فلما رأته بلقيس دهشت، فلما دخلت الصرح الممرد رأته فأسلمت مع سليمان لله رب العالمين.
стр. 886
تفسير قوله تعالى: (قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها)
قال الله ﷻ : ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل:٣٤].
لا نزال في محاورة بلقيس ملكة سبأ مع مستشاريها وقادتها ووزرائها وأقيال دولتها عندما أرسل لها سليمان ﵇ رسالة مع الهدهد، يأمرها بأن تأتي وقومها صاغرة مستسلمة، أخبرتهم بذلك، ثم بعد ذلك قالت: ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل:٣٢]، فأجابوها ﴿قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل:٣٣].
تميل إلى المسالمة باعتبارها المسئولة الأولى عن مملكة سبأ، فعندما جاءتها رسالة سليمان كانت تسمع عن سليمان نبوءة ورسالة وملكاً عظيماً لم يسبق له نظير، فعرضت الأمر على كبار رجالها واستشارتهم، فتأدبوا معها وقالوا: إن شئت القتال فنحن ذوو قوة، وذوو عدد، وذوو بأس شديد، وذوو أسلحة وقوة وبطش، ولكن الأمر إليك، فما تأمريننا به صنعناه ونفذناه وامتثلنا له، فنبهتهم وهي لا تريد الحرب ولا تريد القتال فقالت: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل:٣٤].
تقول لهؤلاء الذين أظهروا استعدادهم للحرب والقتال ومقاومة سليمان وجنده: ليس الأمر كما تظنون، فمن عادة الملوك أنهم إذا احتلوا أرضاً، أو استعمروا كياناً، يفسدون في الأرض، فالحرب من طبيعتها ذلك، فهم يخربون البلدة، ويهدمون القصور، يرملون النساء، وييتمون الأطفال، ويأخذون أموال البلدة التي يستولون عليها.
﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل:٣٤]، والأعزة: جمع عزيز، والأذلة: جمع ذليل، أي: حولوا السادة والأعزة والقادة والكبار في القرية والبلدة التي يدخلونها إلى أذلاء، فيجعلون عاليها سافلها، فيعزون الذليل ويذلون العزيز.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل:٣٤].
قال بعض المفسرين: هذا قول الله ﷻ ، فما توقعته هو الذي سيكون، على أن سياق القصة لا يقتضي هذا، فهي لا تزال تحاور قادتها ويحاورونها، وتقول لهم ويقولون لها، والكلام قبلها والكلام بعدها هو من قولها وكلامها، ولذلك قالت بعد ذلك: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل:٣٥].
فأرادت المصانعة وأرادت السياسة، فلم ترد حرباً ولا قتالاً، ولا هي قادرة على حرب سليمان ذي الطول والحول فيما ملكه الله إياه من جند من الجن ومن الإنس ومن الطير.
فجملة ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٧٤] من قولها، ولو كانت من قول الله لتم الأمر، على أن سليمان لم يدخل إلى اليمن، ولم يحتل أرضها، ولم تجبره على ذلك، بل جاءت مستسلمة، موافقة على أمر سليمان لها بأن تأتي هي وقومها، فلم تبق حاجة هناك إلى احتلال بلدها، فقد وافقت واستسلمت، بل وآمنت وأسلمت، ولم تبق على عبادة الشمس كما جاء الهدهد يخبر ويعلن.
стр. 887
تفسير قوله تعالى: (وإني مرسلة إليهم بهدية)
فكان جوابها: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل:٣٥].
قالت لهم -لتستخبرهم وتستشيرهم، هل سيوافقون أو يعارضون- بأنها رأت أن ترسل هدية تليق بمقام سليمان ملكاً ونبياً، لتنظر بعد ذلك عندما يرجع مرسلوها ماذا سيقولون، فهل سيقبل سليمان الهدية أم لن يقبلها، فإن قبلها كان ذلك علامة الموافقة والمسالمة، وإن رفضها كان ذلك علامة الحرب.
قال تعالى عنها: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل:٣٥] إلى سليمان وجنده ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل:٣٥]، بأي شيء سيعود رسلي الذين أرسلتهم بهذه الهدية إلى سليمان.
قالوا: وكانت الهدية من الشيء العظيم، الذي يليق بملكين كبيرين، وقد قال الله عنها فيما أخبر به الهدهد: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٢٣]، وقال عنها: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٣]، ويكفي أن يوصف عرشها في القرآن بالعظمة، وقد كان ذا مكانة عظيمة، كان ذهباً مرصعاً بالجواهر والزبرجد وأنواع اليواقيت، وأنواع اللآلئ، وكان مفروشاً بالحرير والديباج، وإذا نصبته ووقف جنودها بجانبه يمنة ويسرة تلقي الرعب والهلع والهيبة والاحترام بين رعاياها وأعدائها.
قالوا: فكانت الهدية التي أرسلت لسليمان كذا وكذا جارية، ومائة غلام، ومن أنواع الذهب والفضة والجواهر واللآلئ ما يعد ثمنه بمئات الملايين بتقديرنا في العصر الحاضر.
стр. 888
تفسير قوله تعالى: (فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال)
﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِي اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل:٣٦].
قال تعالى عن سليمان عندما جاءته الهدية: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ [النمل:٣٦]، فلما جاء الرسل سليمان بهذه الهدية الكبيرة العظيمة سخر منهم ومن هديتهم، وقال: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ [النمل:٣٦] والمدد: العطاء والزيادة، أي: أتريدون أن تعطوني مالاً مع ما عندي من كثرته وتنوعه، ومع ما عندي من أدوات الملك.
هكذا كان حال سليمان، وإنما أمرها بالإتيان لتكرم من الله رب العالمين، ولتترك هي وقومها عبادة الشمس من دون الله، لا ليأخذ مالاً، على أنه لو أراد فهي ومملكتها وعرشها بين يديه، وهذا الذي سيحصل بلا حرب ولا قتال.
قال تعالى عنه: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ [النمل:٣٦].
أي: ما أعطاني الله من أنواع الأموال، ومن أدوات الملك عظمة وقوة وسلطاناً لم يعط لكم منه إلا ما لا يكاد يذكر، فهو خير مما آتاكم، فأنا أعظم شأناً، وأقوى سلطاناً، وأكثر ملكاً لما يحتاج إليه ملوك الأرض.
مع ما وهبه الله من بسط الريح وتسخيرها ونقلها له شهراً في الغدو وشهراً في الرواح، وما سخر له من الجن والشياطين والدواب والطير بكل أنواعها.
وقد قال تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل:١٧]، فكان ذلك مما لم يخطر ببال ملك، ولا ببال إمبراطور، ولا ببال قيل من أقيال الأرض، فالهدية -مهما عظم شأنها في نظر بلقيس ملكة اليمن- لا تملأ عين سليمان، وهو عبد الله ورسوله المعصوم، الذي أخذ الملك لإعلاء كلمة الله، لا للتعالي به، ولا للتفاخر به، فهو أعظم من ذلك كثيراً.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل:٣٦]، فأنتم الذين تفرحون بهداياكم، قدمتموها أو قدمت لكم، فأنتم الذين تفرحون بالذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، والجواري والغلمان، سواء أقدمتم ذلك أم قدم لكم، أما أنا فلست كذلك على كثرة ما أعطاني الله وأكرمني به.
стр. 889
تفسير قوله تعالى: (ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها)
﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل:٣٧].
قال الله ﷻ عن سليمان: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل:٣٧] قال للمرسلين: ارجعوا إليهم، فارجعوا إلى ملكة سبأ وإلى قومها وأقيالها، وإنما جمع الضمير والحديث عن بلقيس لأن شأن الملوك والقادة والرؤساء أن يشركوا معهم مستشاريهم، فيكون عمل الملك وعمل الرئيس بما اتفقوا عليه وتبادلوا الرأي والمشورة فيه، فكان الكلام موجهاً لمن نفذ ولمن خطط وأشار.
قال تعالى: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل:٣٧].
انتقل سليمان ليهدد وينذر ويتوعد توعد الملوك، وتوعد الأقوياء، وليهدد تهديد القادة ومن يقدرون على العقاب والبطش.
وقد كان سليمان وداود ملكين نبيين رسولين، فقال سليمان: ارجع إليهم بهديتك، فلا حاجة لي فيها، فليفرحوا هم بها، وليتيهوا بعددها، وأخبرهم أني سأرسل لهم جيشاً لا طاقة لهم به، وسأخرجهم، وأكد ذلك باللام الموطئة للقسم، وبنون التوكيد الثقيلة، أي: لأخرجنهم من بلدتهم، فهددت بنفس ما خافت منه وأنذرت به قومها، حيث قالت: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل:٣٤].
فتوعدهم سليمان بجيشه القوي اللجب من الجن والإنس والطير والدواب، قائلاً: إذا لم تأت صاغرة مستسلمة خاضعة لأمري وسلطاني فسآتي بها مقهورة مجبرة ذليلة، وسأرسل لها جنداً لا طاقة لها بهم ولا بمقاومتهم، ولأخرجنها هي وقومها من أرضهم ودولتهم أذلة لا عزة لهم ولا سلطان ولا مال ولا جاه، فلن يأتوا راكبين الخيول المطهمة، ولا الإبل المرفهة، ولكن سيؤتى بهم في السلاسل، حفاة عراة، وهذا معنى قوله: (أذلة وهم صاغرون) أي: في ذل وهوان، لا يليق بالملوك عندما يكونون مالكين أمر أنفسهم.
وكان الرسل إليها هم رسلها إليه بتلك الهدية العظيمة عندها، فأرجعها لها وردها في وجهها، وبعث ينذرها مع هذا الوفد بأنه إن لم تأت سيبعث لها جيشاً يأتي بها وبقومها أذلاء صاغرين.
стр. 890
تفسير قوله تعالى: (قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها)
ثم بدا لسليمان وفكر تفكيراً آخر يليق بالأنبياء لا بالملوك، ولكنه يقهر الملوك أكثر، ويذل الملوك أكثر، ويعلم الملوك أن ملوك الأنبياء والرسل لهم من القوة والسلطان ما ليس لملوك الأرض، مهما كانوا أكاسرة أو أباطرة، أو ملوكاً عظماء في الأرض، وإذا بسليمان يلتفت إلى كبار قادته: ((قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٣٨].
فأراد سليمان هذه المرة أن يأتي بذلك العرش العظيم، الذي طالما تاهت به، وتفاخرت به، وتعاظمت به، وجاء الهدهد يحكي من قصصه وغرائبه وذهبه وزبرجده وأنواع حجارته الكريمة ما لا يكاد يكون مثله عند أحد.
فقال: ((يَا أَيُّهَا المَلَأُ)) أيها الأشراف، أيها الأمراء والكبراء من دولتي ومن رعيتي ومن أتباعي: ((أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)) وقد توقع بما هددها به أنها لن تقاومه، ولا طاقة لها بمقاومته ومحاربته، وأنها آتية إليه لا محالة، قال المفسرون: وقد علم سليمان ذلك.
فعندما جاء الرسل فقالوا عن سليمان ما قالوا قررت المجيء إليه هي وكبار قومها، وأعظم ما كانت تخاف عليه هو عرشها، ففككته وجعلته في عدة غرف من القصر، وتركت عليه حرساً شديداً، وجعلت نائباً لها في إدارة المملكة، كشأن الملوك عندما يخرجون عن حدود دولتهم وأرضهم، فبلغ الخبر سليمان، فأراد أن يفاجئها بأن تجد عرشها قد سبقها إليه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٣٨]، قبل أن يأتوني مستسلمين، خاضعين، أذلاء صاغرين.
стр. 891
تفسير قوله تعالى: (قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك)
فاستجاب له عفريت، قال تعالى: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل:٣٩].
قوله تعالى: (قال عفريت): أي: شيطان مقتدر بوسائله، كشأن عفاريت الشياطين، ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل:٣٩]، أي: في ثوان، فالإنسان إذا جلس وقام لا يستغرق قيامه من جلوسه الثواني فضلاً عن الدقائق.
﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ﴾ [النمل:٣٩]، أي: ذو قدرة على أن آتيك به على ثقله وكثرة ذهبه، ثم إني أمين، فلن أخونك في جوهرة ولا زبرجدة ولا لؤلؤة ولا في أي شيء يتعلق به، فسآتيك به بين يديك، مع قوة، وأمانة كاملة في حليه وفي حلله وفي جميع ما عليه دون أن أخونك في شيء.
стр. 892
تفسير قوله تعالى: (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به)
﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠].
فلم يكتف سليمان بذلك، بل أراد من يأتي به في زمن أقرب، وفي زمن أسرع من هذا الذي قاله العفريت، وإذا بآخر يجيب، كما قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل:٤٠].
فما كاد ينتهي من الكلمة حتى أحضره بين يديه، ما كاد يأمر حتى أصبح العرش مستقراً بين يدي سليمان.
فقال سليمان شاكراً لله: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل:٤٠].
وقد اختلف العلماء في هذا الذي عنده علم من الكتاب اختلافاً كثيراً، فقال الأكثر: إنه جني، وكان يعلم اسم الله الأعظم، وقال البعض: إنه إنسي، وهو كاتب سليمان الخاص، وذكروا له أسماء، وكل ذلك لا معنى له، والحكمة ليست في الأسماء، وتفاصيل القصة لا نجدها إلا في قصص بني إسرائيل وإسرائيلياتهم، والحق ما قاله الله، وما زاده بيان رسول الله ﷺ .
فاسم الهدهد، واسم النملة، واسم العفريت، كل ذلك زيادات ما أنزل الله بها من سلطان، ولا حاجة إلى هذه التفاصيل، ولذلك لم يذكرها الله، ولم يذكرها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد اختلفوا في المراد بالعلم في قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل:٤٠]، فقال الجمهور: هو اسم الله الأعظم.
وينبغي أن يعلم أن للتفسير أصولاً، وهي أن تفسر الآية بالآية أولاً، فإن لم توجد فبما صح عن رسول الله ﷺ ، فإذا لم يوجد فبما أجمع عليه الصحابة، فإذا لم يوجد فبما جاء في اللغة العربية المنزل بها الكتاب.
فكون ذلك العلم اسم الله الأعظم ليس له مستند، ولا يمكن الاعتماد عليه بغير دليل، والله سمى ذلك علماً فقال: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل:٤٠]، فنسب إليه علماً، وهذا العلم مأخوذ من الكتب المنزلة على الأنبياء، فعلمها هذا الشخص.
والآية ليس فيها ذكر كونه عفريتاً أو إنساناً.
والعلم يعطاه المؤمن ويعطاه الكافر.
وقد قال الحاتمي: كل ما ذكر في القرآن من المعجزات لن تنتهي الدنيا حتى يصبح شيئاً عادياً، فلا يبقى معجزاً، وإنما هو معجز في وقته لمن أرسل إليهم.
فهذا العرش كان في مأرب في اليمن، وكان سليمان في بيت المقدس، والمسافة بين بيت المقدس وبين مأرب آلاف من الكيلو مترات.
ونحن نرى اليوم كفاراً وملاحدة استعملوا الصواريخ التي وصلت إلى أعلى الفضاء، والصاروخ يقطع في الثانية الواحدة الآلاف من الكيلو مترات، وهم لم يؤمنوا بالله يوماً، وبعضهم ملحد لا يؤمن برب ولا بنبي، والبعض يؤمن بعيسى ويؤمن بـ مريم، فهو مشرك بالله يعبد مع الله البشر والخلق والناس، ويعتقد الإلهية في الإنسان، ولا يعرف الله كما يعرفه المسلم، وهو أنه المنزه عن كل نقص، المتصف بكل كمال، القادر على كل شيء، فقد تصوروا ربهم قد تكيف في صورة رجل، ونزل إلى الأرض، وصلبه اليهود في زعمهم ليكفر عن سيئات خلقه، فكان ما يسمى عندهم بالصلب والفداء، حيث فداهم بما فعل بنفسه.
فزعم هذا اليهود واستمسكوا به، وزعمه النصارى واستمسكوا به، فكانوا جميعاً بين مغضوب عليه وضال، ومن هنا ركب الجنون اليهود، حيث قالوا: قدرنا على الرب والإله فصلبناه، وأذللنا النصارى، وما أذلوا إلا أنفسهم، فما النصارى إلا جزء من بني إسرائيل، فعيسى خاتم أنبياء بني إسرائيل، وهو لم يرسل إلا إلى بني إسرائيل.
فالله تعالى يقول عن ذلك الذي عنده علم من الكتاب: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل:٤٠] الطرف: الأجفان، أي: قبل أن تحرك طرفك وتنظر أمامك أو خلفك أكون قد أحضرت العرش لك، وفعل هذا، فإذا به يجده بين يديه، قبل أن يرد الكلمة بعد.
فالإتيان بالعرش أو بشيء من صنعاء إلى بيت المقدس لا يعتبر اليوم معجزة ولا يعتبر شيئاً عظيماً، فكل ما ذكر في القرآن أنه معجزة لا تنتهي الأيام حتى يصبح شيئاً عادياً.
فهذا العلم قد يكون هو العلم الذي بين أيدينا من كتاب الله، وقد يكون علماً لدنياً كالعلم الذي أكرم الله به الخضر صاحب موسى، وكالعلم الذي أكرم الله به خاتم الأنبياء محمداً ﷺ ، وهو الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، وكان سيد العلماء وإمام العارفين، علم ما لم يعلمه أحد في الخلق، ولا يعلم ما يعلمه هو إلا الله، وكل ذلك من علم الله، وكل ذلك من فضل الله.
ويبقى أن نقول: هذا علم لا نستطيع أن نقطع بأنه كان اسم الله الأعظم، على أن أقواماً قالوا أغرب من ذلك، قالوا: كان سليمان نفسه قد جاء إليه هذا الرجل وقال له: يا نبي الله! من أكرم منك؟! ومن أشرف منك؟! فإذاً أنت الذي تستطيع ذلك، فمد يديك واضرع إليه وقل: (يا رب) فسيستجيب لك.
فدعا فاستجاب الله له فجاء العرش، ولكن سياق الآية لا يدل على هذا بحال.
فعندما عرض ذلك العفريت على سليمان أن يأتي به قبل أن يقوم من مقامه، التفت إلى الحاضرين وقال: أريد زمناً أقرب من ذلك، وأسرع من ذلك، قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل:٤٠]، فوصفه بأن عنده علم من الكتاب، ولا شك في أن هذا لا يكون إلا في كتاب من كتب الله، وفي وحي من وحي الله.
стр. 893
معنى قوله تعالى: (فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي)
فذهب هذا الذي عنده علم من الكتاب ففتح تلك الغرف بمغالقها، وأعاد تركيب العرش قطعة قطعة، وأعاد إليه جواهره ولآلئه، إلى أن أتى به على شكله كما تجلس عليه بلقيس ووضعه بين يديه، وإذا بسليمان يريد أن يفاجئ بلقيس بما لا يخطر لها على بال، ويفاجئ قومها، فأمر الجن بأن يبنوا له قصراً من الزجاج تتخلله المياه، وأن تخلط المياه بأنواع الحيتان والأحياء البحرية، فأتموا ذلك خلال أيام، فقال: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل:٤٠] فقام شاكراً لله على أنعمه، حامداً لله على ما أكرمه به، ثم قال: ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل:٤٠]، فنبي الله لا يطغيه جاه ولا مال، فقوله: (ليبلوني) أي: ليختبرني، وليفتنني، هل سأشكر النعم أم سأكفرها وأجحدها؟! وهذه القصة تلقى على أتباع النبي في أيامه ﵊، وعلى من بقي على كفره، فالله يصنع ما يشاء.
وقد كان نبينا ﷺ أقدر من سليمان وأقوى من سليمان، وكانت مملكته ودولته تعم العالم كله.
أما سليمان فلم يكن إلا نبياً من أنبياء بني إسرائيل، ونبينا أرسل إلى الأبيض والأسود، وإلى العربي والعجمي، وبقيت رسالته إلى يوم القيامة، وقد قال ﵊: (لو كان موسى حياً لما وسعه إلا أن يتبعني)، ولم يكن هذا لسليمان.
وانتهت نبوءة سليمان بموته، كما انتهت نبوءات من مضى بموتهم، وأصبحوا أعلاماً في التاريخ، ولو لم يذكرهم الله في كتابه لما علمنا عنهم ولما قبلنا الكلام عنهم من بني إسرائيل، ولعددناهم كبقية قصص بني إسرائيل، ولكن الله كرمهم وذكرهم في كتابه الخاتم القرآن الكريم، فآمنا بهم، ولكن رسالاتهم ونبوءاتهم انتهت ونسخت، فلم تبق إلا الرسالة المحمدية، فختمت الرسالات السابقة والنبوءات السابقة ولم تأت بعدها نبوءة ولا رسالة قط، ومن زعم الإيمان بنبي جديد كان كاذباً كافراً، كما زعم ذلك كذبة قديماً وحديثاً، وآخر هؤلاء الكذبة الخبيث القادياني العميل الإنجليزي، المجرم الخائن المرتد هو وجميع أتباعه.
يقول تعالى عن سليمان: ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النمل:٤٠]، فالله غني عن الخلق وعن إيمانهم، كما في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئاً).
فسليمان يقول كما حكى جل وعلا ذلك عنه: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النمل:٤٠]، أي: هو الذي أكرم نفسه، وهو الذي جدد شكره وحمده، وهو الذي عبد الله بشكره وحمده والثناء عليه، فالله تعالى هو كما أثنى على نفسه، لا نحصي ثناءً عليه ﷻ .
قال تعالى عن سليمان: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠]، فمن كفر وجحد النعمة فالله غني عن شكره، وغني عن حمده، وغني عن ثنائه، فمن شكر فقد شكر لنفسه، وقدم الخير والثناء لنفسه، ومن كفر فإنما يكفر لنفسه، فهذا له الجنة، وذاك له النار واللعنة والخلود في جهنم.
стр. 894
تفسير قوله تعالى: (قال نكروا لها عرشها)
ثم قال تعالى عن سليمان: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل:٤١].
لقد أتي بالعرش، والأيام تمضي، وبلقيس آتية، وجندها معها، ونفسها تحدثها عما سيكون، ولا شك في أنه خطر ببالها الكثير، أما أن تجد عرشها قد سبقها فلن يخطر لها هذا على بال.
فقال سليمان: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ [النمل:٤١] أي: غيروه وبدلوه، وزيدوا فيه وانقصوا منه حتى يصبح كأنه ليس عرشها، فتستنكر شكله.
ففعلوا، فسودوا ما كان أخضر، وخضروا ما كان أسود، وحمروا ما كان أبيض، وبيضوا ما كان أحمر، ونقلوا الجواهر من جهة ووضعوها في جهة، وهكذا إلى أن أصبح عرشاً غير عرشها الذي يعرف.
قال تعالى عنه: ﴿نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل:٤١]، أي: هل تهتدي لهذا التنكير؟! وهل تنتبه لكون العرش عرشها، فأراد سليمان امتحانها كما يمتحن الأستاذ التلميذ، فنجحت وفهمت وأدركت وأجابت القوم بجواب حكيم، وكأنها شعرت به أنه عرشها، ثم أدركت أن عرشها ليس له نظير في الأرض، ولا عند سليمان، وكان الأمر كذلك.
стр. 895
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو)
﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٤٢].
فجاءت بلقيس وقد نكر العرش وغير وبدل، فزيد فيه ونقص، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٤٢].
فجاءت بلقيس، فأدخلوها المكان الذي فيه عرشها، فقيل لها: يا بلقيس! أهكذا عرشك؟! ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل:٤٢]، ما استطاعت أن تقول: هو؛ لأن هذا لا يخطر لها ببال، فما الذي أخذه من هناك وأتى به بهذه السرعة؟! وما الذي فتح المغاليق والغرف؟! ومن الذي جمعه بعد أن تركته قطعاً صغيرة؟! وكيف أخذوه من الحرس وهم مسلحون أقوياء أشداء في حراسته ليلاً ونهاراً؟! ولكنها مع ذلك كانت تعرف ملك سليمان العظيم، فقد يكون هو، فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل:٤٢] فلم تقل: ليس هو، ولم تقل: إنه هو بالقطع.
فقال سليمان يشكر الله، ويعترف بإحسانه: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٤٢] أي: أعطانا الله من العلم والمعرفة بالملك والحضارة وصنع العروش، وكنا مسلمين زيادة على العلم الذي سبقناها به، وكانت هي مشركة تعبد الشمس، فما الذي حدث لها؟ ولماذا لم تكن موحدة؟ قال تعالى: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل:٤٣].
فالذي صدها عن التوحيد، وعن الإيمان بالله، وعن الإسلام أنها نشأت في قوم كفرة مشركين يعبدون الشمس ولا يعبدون الله، فكان ذلك الذي صدها ودفعها وأبعدها عن الإيمان، وأبعدها عن التوحيد، فظنت الناس جميعاً مشركين عبدة للشمس وللأوثان ولخلق الله دون الله.
стр. 896
تفسير قوله تعالى: (قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة)
﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٤٤].
قال تعالى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [النمل:٤٤]، وكان سليمان قد أعد لها قصراً مشيداً كله من زجاج، وأدخل فيه المياه تتخللها الحيتان ودواب البحر بأنواعها، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ [النمل:٤٤] أرادت الدخول كما أمرت بذلك، وظنت أن سليمان يريد أن يقتلها بالماء غرقاً وهي أسيرة بين يديه يفعل بها ما شاء لو شاء، فلما رأت الصرح وأرادت المشي في ساحاته حسبته ماءً جارياً، ورأت بعينيها الحيتان والضفادع تقفز، فتقدمت وكشفت عن ساقيها حتى لا تبتل ثيابها، أو إذا ابتل ما تلبسه لا يزيد في نكبتها فتغرق لثقله، وجاءت بألبسة الملوك من الحرير والديباج والحلي، ولعلها ظنت أنها ستأسر سليمان بذلك، وستؤثر في سليمان بذلك.
فلما رأت الصرح -والصرح القصر- أعظم ما يكون، وأعلى ما يكون، وأوسع ما يكون؛ حسبته لجة، ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ [النمل:٤٤]، والساق هو ما تحت الركبة وهنا وجدنا طرائق للإسرائيليات للتلاعب بهذا النص، فقد زعم الكثير من المفسرين دون عودة إلى دليل من آية، أو حديث، أو إجماع من الصحابة أن أباها كان إنسياً، وأن أمها كانت جنية، قالوا: وكان أثر ذلك يظهر في ساقيها وفي قدميها، كانت قدماها أشبه بقدمي حمار، هكذا زعموا، وقالوا: لأن قدمي الشيطان وأقدام الجن هكذا، وكان على ساقيها من الشعر كما على رجلي الحمار كذلك، وأن سليمان عندما سمع عنها أراد الزواج بها، ولكن أزعجه أن تكون رجلاها كرجلي حمار، وأن يكون شعر ساقيها كشعر ساقي حمار، فاحتال فبنى هذا القصر فكشفت عن ساقيها فرأى الساقين.
وهذا لا يليق بنبي الله سليمان، ولكن اليهود لعنهم الله يشتمون أنبياءهم، فقالوا عن سليمان: إنه كفر، واتهموا لوطاً في عرضه مع بناته، واتهموا داود أبا سليمان بأنه رأى جارة له فأرسل زوجها للموت ليأخذ زوجته، وهذا مثبت في التوراة، ويزعمون أن الله أوحى به وأنزله، ونحن أكرم لأنبيائهم منهم، وأكثر احتراماً لأنبيائهم منهم، وأكثر إجلالاً لأنبيائهم منهم.
وقد تجاوز اليهود -لعنهم الله- ذلك إلى أن تكلموا عن الله ﷻ بكلام كافر مشرك مرتد قذر، وبعض ذلك قد قصه القرآن، حيث قالوا عن الله ﷻ : إنه فقير ونحن أغنياء، لعنهم الله وأخزاهم.
فسليمان ﵇ تخيلوه ملكاً من غير الملوك الصالحين الأتقياء، بل من الفسقة، فكل ما فعله معها لا يرغب به في إيمان ولا في إسلام، وإنما أراد أن يجر إليه بلقيس ليتزوجها وليتملكها، وليأخذ عرشها ويستولي على أرضها، كشأن الملوك عندما يريدون توسعة دولهم وغناء خزائنهم، وليس هذا فعل الأنبياء ولا فعل الرسل، ولكن اليهود قوم إفساد وقوم فاحشة، وقوم كفر، فيجعلون الفساد والكفر والفاحشة ديناً، وجعلوا أئمة ذلك أنبياءهم، فوصفوهم بذلك ليكونوا قدوة لهم ولأمثالهم، أخزاهم الله وجدد عليهم لعناته وقد فعل.
قال تعالى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ [النمل:٤٤]، قال لها سليمان: ليس هو لجة ولا جدولاً، ولكنه صرح ممرد مملس مبني مشيد من الزجاج، والقوارير: جمع قارورة.
فإذا بملكة اليمن بلقيس ترى ذلك، وهي المرأة المشركة، فرأت القصر على حالة لم تكن تخطر لها ببال، ويظهر أن سليمان استقبلها بتكريم؛ لأنها جاءت مستسلمة دون حرب ولا قتال.
فما أن دخلت القصر ورأت ما فيه من أنواع الرفاهية وأنواع النعيم، ورأت سعته وجماله حتى صاحت، فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٤٤]، وإذا بها تعترف بأنها كانت ظالمة لنفسها، أي: مشركة ظلمت نفسها، حيث أشركت بالله الرازق الخالق المعطي المانع، المحيي المميت ﷻ ، فاعترفت بأن سجودها للشمس وعبادة قومها للشمس كانت شركاً وظلماً وعدواناً، وهي لذلك تتوب إلى الله، وتؤمن مع سليمان، وتعلن إيمانها برب سليمان رب العالمين، ربها ورب الأولين ورب الآخرين ورب أرضها وقومها.
стр. 897
ذكر بعض ما قيل زيادة على ما أورده القرآن بشأن بلقيس
وقد أنهى الله القصة هنا، فقال القصاص الإسرائيليون، عندما رأى سليمان رجليها رآها شابة فارعة على أجمل ما تكون، ولكن ساءه أن يجد في ساقيها شعراً، فنادى الجن ليزيلوا هذا الشعر فأتوا بالموسى، فامتنعت هي من استعمال الموسى، وقالت: لا أستعملها.
فقال سليمان للجن: ائتوني بشيء غير الموسى، فأتوا بالنورة، وهي مادة توضع على الشعر فيسقط ويزول، فعادت ساقاها من أجمل ما يرى.
قالوا: وبعد ذلك تزوجها وأولدها وأصبحت ذات شأن عند سليمان.
أمر لم يقله القرآن، ولا النبي ﵊، ولم يرو عن الصحابة إجماعاً، وإنما روي عن بعضهم، وهم الذين كانوا يروون عن وهب بن منبه وكعب الأحبار ونوف البكالي، وهؤلاء كانوا يهوداً فأسلموا، وملئوا صحائف التفسير -كما قال ابن كثير - بالغرائب والعجائب والأكاذيب والأباطيل التي لا حقيقة لها.
وبعضهم يقولون عن ذلك: هكذا في الكتب القديمة، وقرأنا في التوراة وقرأنا في الإنجيل، وهم يكذبون، فلا يوجد ذلك في التوراة وهي معلومة بين الناس، ولا في الإنجيل وهو معلوم بين الناس، ولكن أرادوا أن يغربوا، وأكثر هؤلاء الذين زعموا الإسلام كانوا منافقين كذبة، ادعوا الإسلام وهو منهم بريء.
وقال قوم -وهو الأشبه بفعل الأنبياء والمرسلين-: إن سليمان لم يلتفت إليها، ولكن عرض عليها أن يزوجها بمن تشاء من قومها، فقالت: يا نبي الله! أملكة تتزوج رجلاً؟! قال: نعم.
ولا بد من الزواج، ولا يصح أن تعيش امرأة بلا زوج، قالت: إذا كان هذا لا بد منه فبـ ذي يزن أحد ملوك اليمن المستقل بمقاطعة وإقليم، فأرسل إليه سليمان وزوجه بها، وأعادها لأرضها، وسلمها عرشها، وآمن قومها، وأصبحت أرضها على يد سليمان أرض إيمان وتوحيد لله، فلم يطمع في عرش، ولم يطمع في امرأة، وقد كانت له مائة زوجة حرة، ومئات من الإماء، فما عسى أن تكون بلقيس؟ فسليمان في مقام نبوته ومقام رسالته لم يطمع بها، ولم يتزوجها، ولم يأخذ عرشها، ولم يأخذ بلدها.
стр. 898
تفسير سورة النمل [٤٥ - ٥٣]
أرسل الله سيدنا صالحاً ﵇ إلى قومه ثمود يدعوهم إلى التوحيد وينذرهم عقوبة الله، فكذبوا وطلبوا منه أن يخرج لهم من الصخرة الصماء ناقة عشراء دليلاً على صدقه، فلما جاءتهم عقروها وتآمروا على قتل نبيهم فأهلكهم الله وكذلك جزاء الكافرين.
стр. 899
تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً)
قال الله ﷻ : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل:٤٥].
يخبرنا الله ﷻ بأنه أرسل إلى قبائل ثمود أخاهم صالحاً، أي: أخاهم نسباً وعشيرة وقد كانوا ذوي حضارة وذوي بأس وذوي قوة، ولكنهم مع ذلك كانوا أهل شرك، وأهل ظلم، وأهل إفساد فأرسل الله إليهم نبيه صالحاً يأمرهم بعبادة الله وحده وتركهم لعبادة الأوثان والأصنام، فطلبوا معجزة، وهي أن يخلق الله لهم ناقة طولها كذا وعرضها كذا، وأن تكون حاملة في شهرها العاشر، وأن ينفجر بها صخر فتخرج كما لو عاشت قبل ذلك سنين، فكان ذلك، فما زادهم ذلك إلا عتواً واستكباراً وظلماً في الأرض.
لقد أمرهم الله تعالى بواسطة نبيهم صالح أن يعبدوا الله وحده ويتركوا الأوثان والأصنام ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل:٤٥] فأصبحوا فريقين: فريق آمن بالله وترك الأوثان والأصنام، وفريق بقي على شركه وبقي على وثنيته، فضاروا يختصمون: هذا ينصر دينه الباطل، والمؤمنون ينصرون دينهم ويستدلون على صحته بما ورد عن صالح من المعجزات، وبما عرفته نفوسهم وآمنت به عقولهم مما لا ينكره ذو عقل سليم.
стр. 900
تفسير قوله تعالى: (قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة)
﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل:٤٦].
وعندما دعاهم صالح إلى عبادة الله وهددهم وأنذرهم بعقوبة الله أخذ أهل الكفر يستعجلون هذه العقوبة، وأخذوا يقولون له: إن كنت صادقاً فأرنا ما عندك، فقال لهم: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ [النمل:٤٦].
أي: (قال) صالح: (يَا قَوْمِ) وهم قومه وأبناء عشيرته (لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ) تطلبون العجلة بالسيئة والعقوبة والبطش والعقاب قبل الحسنة؟ وقال لهم: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل:٤٦] أي: أما كان الواجب عليكم عوضاً عن أن تطلبوا السيئة والعقوبة أن تستغفروا الله من ذنوبكم لعله يرحمكم، ولعله ينجيكم من عذابه وعقوبته.
(لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) أي: لعل الله ينقذكم وينجيكم من عذابه ومن عقوبته ويرحمكم بذلك.
وتلك عادة الكافرين قديماً وحديثاً، وهكذا قال كفار العرب أيضاً، وهكذا قال الكفار الذين عاصروا رسول الله ﷺ ، فلا يزالون يقولون ذلك ويتحدون الحق ويطلبون أن يحل بهم العذاب والنقمة، وهو حال لا محالة.
стр. 901
تفسير قوله تعالى: (قالوا اطيرنا بك وبمن معك)
وإذا بهم يجيبونه جواب الكافرين المعهود منهم قديماً وحديثاً: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل:٤٧].
قوله: (اطيرنا) أي: تطيرنا، أي: تشاءموا بصالح ورسالته وبمن آمنوا به وتركوا عبادة الأوثان والأصنام، وهذا من فساد عقولهم، إذ عندما حدث ما حدث عاقبهم الله بالجدب، فقل الزرع وجاعوا، فأصبح هذا يدافع عن دينه الحق، وذاك يدافع عن باطله، فمن أجل ذلك قالوا: لو لم يكن صالح ولو لم تكن دعوته لكنا في غير خصام ولا نزاع، أي: سيبقون متوحدين بالوثنية، وما أدراهم بذلك؟! فالله يمهل ولا يهمل ﷻ .
فقال لهم صالح: (طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ)، والتطير كان من عادة العرب، حيث كانوا إذا أرادوا عملاً يأتون إلى الطير وهي في أعشاشها، فيزجرونها لتطير، فإن طارت يميناً تفاءلوا بخير، وإن طارت شمالاً تشاءموا بشر.
تطيرنا أي: وجدوا طائر الشؤم في صالح وفي رسالته ومن هنا كان ﷺ يقول: (لا طيرة ولا هامة ولا صفر)، فالله فاعل الخير، وهو فاعل كل شيء، فما من خير إلا برحمته، وما من شر إلا بعقابه، فهو خالق الخير وخالق الشر.
وهنا يقول صالح لقومه: (طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ) أي: الله ﷻ هو الخالق للخير والخالق للشر، خلق الخير برحمته وجعل الشر عقوبة لأهل الشر، وما من عقوبة إلا بذنب.
قال تعالى: (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ) تشاءموا بصالح وبمن آمن معه وبمن أسلموا ودعوا إلى الله وتركوا عبادة الأوثان والأصنام، فقال لهم صالح: (طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ) فهو خالق الخير وخالق الشر، يخلق الخير رحمة بعباده، والشر عقوبة لأهل الشر من الكفرة والمخالفين.
ثم عاد صالح فقال لهم: (بل أنتم قوم تفتنون) أي: بل أنتم -يا هؤلاء- قوم فتنكم الله واختبركم وابتلاكم بالخير والشر، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥]، فالخير يكون فتنة والشر كذلك، أي: ابتلاء من الله ليرى عبده هل سيصبر على البلاء أم سيكفر؟ وهل سيشكر الله ويحمده على الخير أم سيطغى ويتجبر، فالشر ابتلاء وفتنة، والخير ابتلاء وفتنة والكل من الله ﷻ .
стр. 902
تفسير قوله تعالى: (وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض)
ثم قال الله عن قادة الكفر والفساد: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل:٤٨].
كان في أرض ثمود في الحجر بين حدود الحجاز والشام تسعة رهط، والرهط: الجماعة، ومعنى ذلك أنهم تسعة رجال يتزعمون تسع جماعات بأنواع الفساد، وأنواع الفتنة، وأنواع الكفر، يؤلبون على رسول الله صالح ﵇، ويؤلبون على من آمنوا به من أقوامهم وعشائرهم، وهؤلاء التسعة هم من كبرائهم وزعمائهم، وذكروا لهم أسماء، وما تلك الأسماء إلا عن مثل وهب بن منبه وكعب الأحبار وأمثالهما، والقول بذلك لا يسانده آية من كتاب الله ولم تؤيده سنة عن رسول الله ﷺ ، وأسماء هؤلاء الرهط التسعة لا يزيدون ولا ينقصون، وإنما ضربوا مثلاً في أعمالهم لا في أسمائهم، ولو كان في أسمائهم مغزى وفائدة لذكرت أسماؤهم في القرآن أو لذكرهم رسول الله ﷺ .
فقوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [النمل:٤٨] أي: في مدينة الحجر -مدينة قوم ثمود- تسعة أشخاص من زعمائهم وكبرائهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون، حيث يخالفون، ويؤلبون على أهل الحق، ويدعون لعبادة الأوثان والأصنام، فما قال صالح من دعوة إلى الله إلا وأتى هؤلاء التسعة فخالفوه ودعوا قومهم إلى عدم طاعته وعدم امتثال أمره.
قال سعيد بن المسيب: كان يأتون إلى الدنانير والدراهم فيقطعونها ويكسرونها، وينقصون من وزنها، فيأخذون حقوق الناس في هذه الدنيا، وهذا أمر قد حرمته الشريعة، وحرمته الشرائع السابقة.
هذا وقد كان جرمهم وإفسادهم أكبر من ذلك، وليس بعد الكفر ذنب، فهم يدعون إلى الكفر وإلى الشرك وإلى البقاء على عبادة الأصنام وترك الإيمان بالله، ومخالفة رسول الله صالح نبيهم، فهم مفسدون بكل نوع من أنواع الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فالله وصفهم بالإفساد وعدم الإصلاح.
стр. 903
تفسير قوله تعالى: (قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله)
ثم قال الله تعالى عن هؤلاء المفسدين التسعة: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل:٤٩].
أي: تآمروا وتحالفوا بالله، فليذهب كل واحد منا حالفاً بالله ومقسماً به، ومعناه: أنهم كانوا يؤمنون بالله ويشركون به أوثانهم وأصنامهم.
قال تعالى: (قالوا) أي: هؤلاء الرهط التسعة (تقاسموا) يأمر بعضهم بعضاً، أي: ليقسم كل واحد منا وليحلف بالله، (لنبيتنه وأهله) أي: سنذهب إليه بياتاً، وأكدوا ذلك بلام القسم وبنون التوكيد الثقيلة، أي: سنقتله غدراً ليلاً، ونقتل معه أهله، ليبقي عملنا سراً لا يطلع عليه أحد ولا يخبر به أحد أحداً، فنحن سنقتل صالحا ًومن نجده معه من أهله، ((ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ)) ويقصدون بأهله الذين أسلموا وآمنوا به، ويقصدون بالولي هنا الورثة أولياء الدم.
أي: سيقسمون للوارث لصالح ولأهل صالح على أنهم ما شهدوا وما حضروا مهلكه ولا مهلك أهله، مؤكدين ذلك بلام القسم وبنون التوكيد.
قال تعالى عنهم: (وإنا لصادقون) أي: أقسموا بالله على غدره وقتله وقتل أهله، وبعد قتله في زعمهم سيقسمون لوليه ولوارثه قائلين: ما شهدنا مقتلاً وما شهدنا هلاكاً، وإننا لصادقون ما كذبنا.
وهكذا الغدر، وهكذا الوثنية والكفر.
стр. 904
تفسير قوله تعالى: (ومكروا مكراً ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون)
قال تعالى عنهم: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:٥٠].
مكر هؤلاء التسعة الرهط، أي: غدروا وخانوا، واتخذوا الغدر حيلة في زعمهم، فسيتسترون بالظلام ليلاً ليقتلوا صالحاً وهو نائم حيث لا يشعر بهم، وليقتلوا أهله حيث لا يشعرون بهم، ثم يقسمون لأوليائهم على أنهم لم يشهدوا ولم يحضروا ولم يعلموا ولم يسمعوا مقتلهم، وإنهم لصادقون.
قال تعالى: ((وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا)) فمكرهم غدر وخيانة، ومكر الله بهم جزاء على مكرهم، وإنما التعبير بالمكر من باب المشاكلة والمشابهة في اللفظ، أي: هذا المكر الذي مكروه كانوا يمكرونه بأنفسهم وهم لا يشعرون، فما كانوا ليشعروا بجزاء الله على مكرهم، وبأن مكر الله أتم وأكبر، وسيكون المدمر والمهلك أبداً لهم ولأقوامهم، كشأن كل كافر غادر وكل عدو متربص بالدعاة إلى الله من أنبياء وورثة الأنبياء.
قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:٥٠] فلم يشعروا بمكر الله بهم.
стр. 905
تفسير قوله تعالى: (فانظر كيف كان عاقبة مكرهم)
قال تعالى: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل:٥١].
لقد جاءوا ليلاً ودخلوا مغارة ليهيئوا عدة سلاحهم وكانوا قريبين من صالح وأهله، وإذا بهذا الكهف الذي دخلوه تسقط عليهم الحجارة منه فأصبحوا هلكى جميعاً.
وكان هذا العذاب بعدما قتل هؤلاء التسعة الرهط الناقة بعد أن طلبوها لتكون معجزة لصالح داعية إلى إيمانهم وإسلامهم، وقد اشترطوا أن تخرج من صخرة، وأن تكون عشراء، أي: في شهرها العاشر من الحمل، فكان الأمر كما طلبوا، فما زادتهم هذه المعجزة التي طلبوا إلا إصراراً على الكفر، وتعالياً وتكبراً على نبي الله صالح وعلى من آمنوا به واتبعوه، فذهبوا فقتلوا الناقة، فأنذرهم صالح ثلاثة أيام ليحل بهم في اليوم الثالث الهلاك والدمار، ولذلك قال هؤلاء الثلاثة بعد قتل الناقة وإنذار صالح لهم خلال ثلاثة أيام: سنستبقه فنقتله في اليوم الأول قبل الوصول إلى اليوم الثالث من الهلاك، فنقتله وأهله جميعاً، فمكروا مكراً، وكان مكر الله وعقوبته أسرع من مكرهم السوء، ومن استعلائهم واستكبارهم في الأرض، فما كادوا يصلون إلى باب منزل صالح حتى استقبلتهم الحجارة من كل جانب، وكان الذي يضربهم بها ملائكة الله، فكانوا يرون الضرب ولا يرون الضارب، وسالت دماؤهم ثم هلكوا، فجاء قومهم صباحاً وقالوا لصالح: أنت الذي قتلتهم.
وعندما أنذرهم ظهر في اليوم الأول خراج أحمر في كل شخص من الكافرين، وفي اليوم الثاني صار أصفر، وفي اليوم الثالث ضربوا حتى أصبحوا كالعهن المنفوش، وأصبحوا كالعصف المأكول، كما وصف الله الذين جاءوا لتدمير الكعبة في السنة التي ولد فيها المصطفى ﷺ ، فرموا بتلك الحجارة فجعلتهم كعصف مأكول.
ففي اليوم الثاني من تلك الأيام الثلاثة جاء جبريل فصاح بهم صيحة فقئت منها مراراتهم، وتمزقت منها أكبادهم، وأصبحوا جاثمين كأن لم يغنوا بالأمس، وأصحبوا كأنهم أعجاز نخل خاوية، فلا ترى لهم من باقية، قال تعالى: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل:٥١]، فكانت العاقبة والنهاية لمكرهم وعصيان صالح ومحاولة قتله أن دمرهم الله تدميراً، وأهلكهم إهلاكاً، ومزقهم تمزيقاً، فأصبحوا وكأن لم يكونوا يوماً.
стр. 906
تفسير قوله تعالى: (فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا)
قال تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل:٥٢].
وقد كان هذا في عصر نزول القرآن، حيث بقيت آثار ديارهم، وقد ورد أن النبي ﷺ في غزوة تبوك مر على الحجر، فأخذ الجيش من ماء الحجر وعجنوا به وجعلوه للشرب والسقاية، وعندما علم ذلك ﷺ أمرهم بأن يعلفوا العجين الدواب، وأمرهم بالخروج منها، وكانت آثارهم لا تزال باقية، كما قال الله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل:٥٢]، (أي): حال كونها خاوية.
أي: انظروا إليها، فالحجر في حدود البلاد المجاورة لكم، فقوله تعالى: (فتلك بيوتهم) إشارة قريبة إلى بيوتهم ومساكنهم وحضارتهم ومنازلهم.
(خاوية): خالية من حركاتهم ومن طغيانهم وجبروتهم.
(بما ظلموا) أي: بسبب ظلمهم، والظلم مدمر، والظلم ظلمات في الدنيا والآخرة.
ومن هنا جاء في الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، والظلم يدع الديار بلاقع، وكما يدين الفتى يدان، وكما يفعل بغيره يسلط الله عليه من يجازيه بمثل فعله في الدنيا، ولعذاب الله في الآخرة أشد وأنكى.
قال تعالى: (إن في ذلك) أي: في قصة صالح وثمود وعقوبة الله لهم وتدمير الله لظالميهم، وقصة التسعة الرهط من قادتهم وزعمائهم.
(لآية) أي: لعلامة على قدرة الله وعظمة الله وبطش الله بالظالمين الكافرين، ومعنى ذلك أن من يفعل فعلهم ممن عاصروا نبيهم أو أتوا بعد نبيهم من أمته فكذلك يجازون وكذلك يعاقبون وكذلك يدمرون.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل:٥٢] أي: يعلمون هذا ويقرءونه، ويطلعون عليه، ويعلمون سير الرسل والأنبياء مع أقوامهم، وكيف كان العقاب وكيف كان الجزاء بهلاكهم وتدميرهم والقضاء عليهم.
стр. 907
تفسير قوله تعالى: (وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون)
قال تعالى: ﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [النمل:٥٣].
أنجى الله الذين آمنوا بصالح من قوم ثمود، وكانوا يتقون الله بعدم معصيته، وعدم المخالفة لنبيه صالح، فهؤلاء لم يدمرهم الله ولم يهلكهم، بل أورثهم الأرض التي كانت لهؤلاء الكافرين، وجعلهم سادة الأرض وملوكها وقادتها والمحكمين فيها، وهي سنة الله ﷻ في المؤمنين مع الكافرين، كما أورث نبينا محمداً ﷺ أرض الكافرين في جزيرة العرب وأرض فارس والروم وأرض كل كافر بالله، وكما قال ﷺ : (زويت لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها).
فهذه هي قصة صالح بما فيها من معانٍ وعبر لكل مؤمن.
ثم ننتقل منها حيث نقلنا الله ﷻ إلى قصة لوط، وتأتي قصة لوط باستمرار بعد ذكر قصة صالح.
стр. 908
تفسير سورة النمل [٥٤ - ٦١]
كان أهل سدوم قد اخترعوا من الفاحشة ما لم يسبقهم إليها أحد من العالمين، وذلك أنهم كانوا يأتون الرجال من دون النساء، فلما جاءهم سيدنا لوط ﵇ ينهاهم عن ذلك أرادوا إخراجه ورجمه، فعاقبهم الله ودمر قراهم فجعل عاليها سافلها، ونصر رسوله والمؤمنين.
стр. 909
تفسير قوله تعالى: (ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون)
قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل:٥٤ - ٥٥].
أي: واذكر -يا رسولنا- لوطاً إذ قال لقومه.
وقد أرسل لوط إلى أهل سدوم من أرض فلسطين عند البحر الميت الآن.
فالله تعالى يقول: واذكر -يا رسولنا- قصة لوط مع قومه الذين أتوا من المنكرات ما لم يسبقهم إليه أحد قبلهم قط، فكانوا الأئمة للفساق، فمن فعل ذلك بعدهم فعليهم مثل وزره إلى يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل:٥٤] هذا استفهام تقريعي توبيخي، حيث يقول لوط: (أتأتون) يوبخههم ويقرعهم بهذا الاستفهام الإنكاري.
(أتأتون الفاحشة)، وقد قال في بعض السور عنها ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٨٠]، وهنا قال: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل:٥٤] فمعناه أنهم كانوا يفعلون فعل الكلاب والخنازير على مرأى من بعضهم لبعض، وكما وصفهم الله بأنهم يأتون المنكر في ناديهم، فهذا المنكر الذي يأتونه في مجالسهم هو أنهم كانوا يفعلون فعل الخنازير والكلاب والدواب بصفة عامة.
وكل ما حدث في الأمم الماضية سيحدث في الأمة المحمدية، وقد حدث هذا الأمر اليوم في الكثير من أرض الله، فيفعل علناً، وأصبح بعض الناس يتجر بهذه الفاحشة، فيضعون لها الأفلام التي تدخل البيوت وتدخل الدور وتدخل الأسواق بما لم يسبق له مثيل حتى في عصر لوط، فلم يوصلهم الشيطان إلى ما أوصل إليه الناس اليوم، فقد كانوا يفعلون ذلك فيما بينهم، أما أن يصور ذلك ويسجل بالفعل والنظر لتراه المرأة ويراه الرجل، ويراه العزب والأرملة والأيم، فذلك لم يسبق له حدوث في الماضي، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل:٥٤] أي: يا هؤلاء! أين عقولكم؟! يرى بعضكم بعضاً كالكلاب والخنازير تعملون ذلك وترونه رأي العين! أتتركون نساءكم وتذهبون إلى الرجال فيستغني الرجال بالرجال والنساء بالنساء؟!
стр. 910
تفسير قوله تعالى: (أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء)
﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل:٥٥].
ثم عاد فقال موبخاً مقرعاً مستفظعاً ذلك ومستعظماً له: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ [النمل:٥٥] وهذا استفهام إنكاري للتأكيد، أي: هل أنتم الذين يفعلون هذا؟! أين عقولكم؟! وقوله: (لتأتون) مؤكد بلام القسم للدلالة على إصرارهم على الفاحشة وبلائها ومصيبتها، أي: يا هؤلاء! ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ [النمل:٥٥].
أتتركون نساءكم وهن موضع الشهوة الطبيعية والمكان الذي جعله الله لذلك، وتأتون إلى الأدبار وما فيها من أوساخ وقاذورات لتنشروا بذلك أمراضاً وبلاء عظيماً تنقلونه لزوجاتكم ولغيركم من الفساق؟! فهل يصنع ذلك إنسان؟! ومن أين تعلمتم ذلك؟! فلم يسبقكم إليه أحد من جميع الأمم، فما فعل ذلك قوم هود، ولا قوم صالح، ولا قوم نوح الذين بقي فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً وهو يدعوهم إلى الإسلام والتوحيد، فما فعلوا شيئاً من هذا قط.
وقوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ [النمل:٥٥] أي: يقتصرون في هذا البلاء على الرجال دون النساء، فلا يأتون النساء، فأتم الله دمارهم وهلاكهم عقوبة لهم على صنيعهم.
قوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل:٥٥] أي: تجهلون الحق، وتجهلون مكان الشهوة، حيث نقلتموها من النساء إلى الرجال، فأنتم أهل جاهلية لا دين لكم ولا عقل ولا شرف ولا فهم ولا إدراك.
стр. 911
تفسير قوله تعالى: (وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم)
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف:٨٢].
أصبحت الطهارة جريمة، وأصبحت القذارة والوساخة هي الحسنة.
أي: ما كان جواب قوم لوط للوط عن هذا الذي استنكره من فعلهم، ومن فواحشهم، ومن بلائهم الذي لم يسبقوا إليه، إلا أن اتفقوا وتآمروا وقال بعضهم لبعض: أخرجوا لوطاً وآله من قريتكم، وما جريمتهم؟! ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل:٥٦]؛ لأنهم طاهرون أتقياء مؤمنون، ولأنهم ابتعدوا عن الفحشاء والمنكر.
فجعلوا النجس الطاهر والمتطهر هو النجس، وجعلوا نجاستهم طهارة، وهكذا هو الكبر في كل وقت، وطالما شهدنا الفسقة يدعون لكفرهم وشيوعيتهم واشتراكيتهم وإباحيتهم فيجعلون المنكر هو المعروف، والمعروف هو المنكر، ويجعلون ذلك أشياء شخصية لا يملكها إلا صاحب الشأن، فالرجل يسلم نفسه أو لا يسلمها، والمرأة إن كانت متزوجة أو بلغت سن الرشد فالحق حقها، فلها أن تتصرف بما تريد وبما تشاء.
وقد سمعنا أشخاصاً كباراً ورؤساء محاكم يدافعون عن هذا، فيدعون إلى القذارة والوساخة والحقارة، وكنا ننظر إليهم نظرتنا إلى خنزير وكلب، فيسقط المرء منهم من أعيننا سقوطاً، لا يذكر معه في فصيلة الإنسان ولا في فصيلة الحيوان، إلا الكلب والخنزير.
قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ [النمل:٥٦].
قوله تعالى: (آل لوط) يشمل لوطاً وأهله، (إنهم أناس يتطهرون) (أناس) جمع لا مفرد له من لفظه.
стр. 912
تفسير قوله تعالى: (فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين)
قال تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [النمل:٥٧].
أي: عاقبهم الله ودمرهم وسحقهم وقضى عليهم، وأنجى لوطاً وأهله إلا زوجته، أنجاهم من بلائهم، ومن تدميرهم، ومن لعنة الله عليهم، ولم يهلك من أهله إلا زوجته، قال تعالى: (قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ).
فسبق في قدر الله وقضائه المبرم أنها من الغابرين الهالكين، ومن الباقين في البلدة غير الناجين، لا لأنها كانت فاسدة في نفسها، فأنبياء الله أكرم على الله من ذلك، ولكنها كانت تدل قومها إذا جاء لوطاً شاب أو رجل، كما فعلت عندما جاء ملائكة الرحمن، حيث جاءوا يخبرونه بأن يترك البلد خلال ثلاثة أيام، وبأنه سبق في علم الله تدمير قرية سدوم والقضاء عليها وسحقها، وجعل عاليها سافلها وإمطارها بحجارة من سجيل.
فجاء جبريل في اليوم الموعود فحمل قرى قوم لوط كما يحمل الشيء إلى أن سمع نباح كلابهم وأصواتهم في السماء الدنيا، ثم قلب بهم الأرض فهووا إلى الأرض ممزقين مقطعين مبعثرين، وقد رماهم الله كذلك بحجارة من سجيل كانوا يرجمون بها رجماً، وكان من أصيب وقلب به يذوب ذوباناً.
قال تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [النمل:٥٧] فكانت في قدر الله السابق وإرادته المحكمة من الباقين في الهلاك، ومن المقضي عليهم؛ لأنها كانت تساعد قومها على هذه الفاحشة.
стр. 913
تفسير قوله تعالى: (وأمطرنا عليهم مطراً فساء مطر المنذرين)
قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [النمل:٥٨].
أمطر عليهم ما يشبه المطر، والمطر عندما ينزل ينزل بالآلاف بل بالملايين، وهكذا كان الرجم بالحجارة ينزل نزول المطر، فسحقهم ودمرهم، وجعل الله عالي بلادهم سافلها، وفنيت معهم الأرض إلى الآن، وأصبحت موضع بحيرة سميت بالبحر الميت، فهذا البحر الميت لا ينبت وليس فيه حياة، فليس فيه سمك ولا غيره من أنواع الأحياء البحرية، ويطمع اليهود اليوم في أن يجدوا فيه شيئاً، ولكنهم لن يجدوا إلا اللعنة والخراب والدمار، وذلك شأنهم، فاللعنة منهم خرجت وإليهم تعود، وما يحصل لهم إنما هو استدراج للقضاء عليهم، وذلك وعد الحق، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف:١٦٧].
قوله: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [النمل:٥٨]، أي: فما أسوأ وأقبح مطر المنذرين الذين أنذرهم رسولهم العاقبة، وأنذرهم النهاية، وأمرهم بأن يتوبوا إلى الله، ويعودوا إلى رحمته، ويتوبوا مما صنعوا، ويكفوا عما هم فيه، وإلا فسيحل عليهم عذاب لم يحل مثله على أحد ممن سبق، ولكنهم مع ذلك ما زادوا إلا عصياناً واستكباراً في الأرض واستعلاء على نبي الله لوط، وقد سبق أن قلنا: إن لوطاً ابن أخي إبراهيم، وكان في عصره إبراهيم خليل الرحمن وأبو الأنبياء.
فما أسوأ وأقبح مطر قوم أنذروا قبل ولم يقبلوا النذارة ولم يقبلوا النصيحة، فكيف تكون العاقبة؟! ستكون تدميراً وهلاكاً ولعنة مستمرة.
стр. 914
تفسير قوله تعالى: (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى)
قال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل:٥٩].
قال الله لنبيه بعد أن قص عليه تدمير هؤلاء العصاة الكفار وجعلهم مثلاً لقومه فيما إذا استمروا على كفرهم وعصيانهم: (قل الحمد لله) أي: على نصر عباده ونصر رسله وأنبيائه وورثتهم من المؤمنين المتقين الصالحين، والحمد لله الذي عاقب أعداءه، فعاقب من كفر بالله، وخرج عن أمر الله، وعصى رسول الله، وخرج عن طاعة رسول الله، فالحمد كثيراً.
فالله علم نبيه أن يقول ذلك، ولقد أصبح هذا شعار المؤمنين من ذلك الوقت، فلا يلقي المؤمن خطبة ولا محاضرة ولا يكتب كتاباً ولا رسالة إلا ابتدأها بالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ولا نزال نعيش في هذا إلى الآن، وقد تستبدل الحمد لله بـ (باسم الله) كما فعل سليمان عندما كتب إلى بلقيس ملكة اليمن: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠].
قال تعالى: (وسلام على عباده الذين اصطفى) فمن هؤلاء العباد الذين اصطفى؟ قال جمهور المفسرين: هم رسل الله وأنبياء الله.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٨١].
وقال ابن عباس: ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل:٥٩] أي: الصحابة الذين اصطفاهم الله تعالى لدينه، وللإيمان برسالته، ولاتباع نبيه وخاتم أنبيائه وأشرفهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقال بعض العلماء: الآية تعم كل المؤمنين ممن اصطفاهم الله للإيمان به، ولتقواه، وللبعد عن فعل الكافرين والوثنيين والعصاة من المخالفين.
أما كون الذين اصطفاهم واختارهم هم الأنبياء والمرسلين فهذا لا شك فيه، فقد كانوا هم المصطفين، وصفوتهم نبينا ﵊، وقد أدبنا القرآن وأدبنا المنزل عليه ﷺ إذا ذكرنا نبينا أن نصلي عليه، وقد أمرنا الله بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وكان نبينا ﵊ يقول: (من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً)، وكان يقول ﵊: (البخيل من ذكرت عنده ولم يصل علي).
وأما الصحابة رضوان الله عليهم فلم يكن في عصرهم ولا بعد عصرهم ذكرهم بالسلام، فنقول: أبو بكر ﵇، أو: عمر ﵇، وإنما نخصهم بالرضا؛ وكان جماعة من سلفنا وجماعة من المفسرين والمحدثين وكبار العلماء المجتهدين يخصون بالسلام آل البيت بعد الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، صنع هذا البخاري، وصنع هذا المحدثون الأئمة، ووجد في كتبهم.
وأما السلام على الصحابة لصحبتهم فلم يذكر قبل ولا بعد، فمن المعروف أنه إذا ذكر النبي ﷺ نقول: ﷺ ، وإذا ذكر الصاحب نقول: ﵁، وإذا ذكر التابعي فمن بعده نقول: ﵀؛ لأن الله تعالى يقول لنا: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠]، والرحمة دعوة بالمغفرة ودعوة والعفو ورفع الدرجة، وهكذا أمرنا أن ندعو لهم، ولا نصلي ولا نسلم.
وقوله تعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل:٥٩] أي: اختار.
﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل:٥٩] يقول الله مقرعاً أولئك بقول يقوله لهم رسول الله ﷺ ، ويقوله كل مؤمن وكل مسلم وكل داع إلى الله، يقول لهؤلاء المشركين: الله الذي خلقكم، ورزقكم، وأعطاكم، وهو الذي صنع بالمخالفين من أقوام نوح وهود وصالح ولوط ما صنع، فهل يستطيع أولئك الذين عُبِدوا من دون الله أن يفعلوا كما يفعل الله؟
الجواب
لا.
والخيرية هنا ليست على بابها؛ لأن كلمة (خير) أصلها (أخير) وأفعل التفضيل تقتضي المشاركة وزيادة، فالخير كله في طاعة الله، وفي الإيمان به، والشر كله في الأوثان والأصنام والكفر والمخالفة.
стр. 915
تفسير قوله تعالى: (أمّن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماءً)
يعود الله ليعدد ويمتن على عباده بقدرته على كل شيء، فيقول تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل:٦٠].
يقول الله ﷻ : أم من خلق السموات والأرض؟! هل الله أو تلك الأوثان؟! هل الله القادر على كل شيء، أم تلك الأصنام؟! قال تعالى: (أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة) أنزل علينا من السماء أمطاراً وغيثاً مدراراً فأنبت حدائق -جمع حديقة- ذات بهجة، أي: ذات جمال وذات منظر حسن، والحديقة: البستان المسور المحدق به السور، فإذا لم يكن له سور يحدق به كان بستاناً، والحديقة تكون مسورة عادة؛ لأنها أكثر أشجاراً وأكثر ثمرة وأكثر مياها وأكثر بهجة وجمالاً، ولذلك يحافظ عليها بوضع سور خلفها يحيط بها.
فمن الذي خلق السموات بعلوها، وأفلاكها، وبأنجمها السيارة، وبما فيها، وخلق الأرض بما عليها من جبال وأشجار وأنهار جاريات ونبات يعيش به الإنسان ويعيش به الطير ويعيش به الحيوان؟! من الذي أنزل هذه الأمطار فسقى بها وأنبت بها الحدائق والبساتين ذات البهجة وذات الجمال الذي يسر العين، ويسر القلب، ويبهج النفس.
قال تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل:٦٠] فلا ينبغي لنا، وليس في قدرتنا ولا في طاقتنا أن ننبت هذه الأشجار التي في الأرض، ولا نستطيع أن ننبت نبتة واحدة، فنحن أعجز من ذلك وأضعف من ذلك، بل نحن ومالنا خلق الله، وكلنا فعل الله، وكلنا من قدر الله، وإذا وقف مدد الله للإنسان أصبح جماداً كما كان.
يقول تعالى: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل:٦٠] فما كان لنا وما ينبغي لنا، ولا نستطيع أن ننبت شجر هذه الحدائق ذات البهجة والجمال والأشكال والألوان من ورود وزهور وثمار، فلا يفعل ذلك إلا الله، ولا يقدر عليه غيره.
ولكثرة ما في الأرض من ذلك يظن أصحابها أنهم انفردوا بها، وليس لهم خلق شيء، فالذبابة التي ضرب الله بها المثل لا نستطيع خلقها، وإن أخذت الذباب منا شيئاً عجزنا عن أن نستنقذه، وكما قال تعالى: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣].
قال تعالى: ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠].
أي: هل يوجد مع الله إله يعينه على هذا الخلق؟! وهل يوجد معه إله يستحق العبادة كما يستحقها الله؟! حاشا وكلا ومعاذ الله، ونبرأ إلى الله من كفر الكافرين، فلا إله بحق إلا الله الخالق الرازق، المعطي المانع، المحيي المميت ﷻ وعز مقامه.
قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل:٦٠].
أي: بل هؤلاء المشركون قوم يعدلون بربهم غيره، فيجعلون له نظيراً، ويجعلون له نداً، ويجعلون له مثيلاً، تعالى الله عن ذلك ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، فلا شبيه له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فهو الواحد الأحد ﷻ وعلا مقامه.
следующие страницы →