← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

تفسير قوله تعالى: (وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم) قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف:٨٢]. أصبحت الطهارة جريمة، وأصبحت القذارة والوساخة هي الحسنة. أي: ما كان جواب قوم لوط للوط عن هذا الذي استنكره من فعلهم، ومن فواحشهم، ومن بلائهم الذي لم يسبقوا إليه، إلا أن اتفقوا وتآمروا وقال بعضهم لبعض: أخرجوا لوطاً وآله من قريتكم، وما جريمتهم؟! ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل:٥٦]؛ لأنهم طاهرون أتقياء مؤمنون، ولأنهم ابتعدوا عن الفحشاء والمنكر. فجعلوا النجس الطاهر والمتطهر هو النجس، وجعلوا نجاستهم طهارة، وهكذا هو الكبر في كل وقت، وطالما شهدنا الفسقة يدعون لكفرهم وشيوعيتهم واشتراكيتهم وإباحيتهم فيجعلون المنكر هو المعروف، والمعروف هو المنكر، ويجعلون ذلك أشياء شخصية لا يملكها إلا صاحب الشأن، فالرجل يسلم نفسه أو لا يسلمها، والمرأة إن كانت متزوجة أو بلغت سن الرشد فالحق حقها، فلها أن تتصرف بما تريد وبما تشاء. وقد سمعنا أشخاصاً كباراً ورؤساء محاكم يدافعون عن هذا، فيدعون إلى القذارة والوساخة والحقارة، وكنا ننظر إليهم نظرتنا إلى خنزير وكلب، فيسقط المرء منهم من أعيننا سقوطاً، لا يذكر معه في فصيلة الإنسان ولا في فصيلة الحيوان، إلا الكلب والخنزير. قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ [النمل:٥٦]. قوله تعالى: (آل لوط) يشمل لوطاً وأهله، (إنهم أناس يتطهرون) (أناس) جمع لا مفرد له من لفظه.

стр. 912

تفسير قوله تعالى: (فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين) قال تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [النمل:٥٧]. أي: عاقبهم الله ودمرهم وسحقهم وقضى عليهم، وأنجى لوطاً وأهله إلا زوجته، أنجاهم من بلائهم، ومن تدميرهم، ومن لعنة الله عليهم، ولم يهلك من أهله إلا زوجته، قال تعالى: (قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ). فسبق في قدر الله وقضائه المبرم أنها من الغابرين الهالكين، ومن الباقين في البلدة غير الناجين، لا لأنها كانت فاسدة في نفسها، فأنبياء الله أكرم على الله من ذلك، ولكنها كانت تدل قومها إذا جاء لوطاً شاب أو رجل، كما فعلت عندما جاء ملائكة الرحمن، حيث جاءوا يخبرونه بأن يترك البلد خلال ثلاثة أيام، وبأنه سبق في علم الله تدمير قرية سدوم والقضاء عليها وسحقها، وجعل عاليها سافلها وإمطارها بحجارة من سجيل. فجاء جبريل في اليوم الموعود فحمل قرى قوم لوط كما يحمل الشيء إلى أن سمع نباح كلابهم وأصواتهم في السماء الدنيا، ثم قلب بهم الأرض فهووا إلى الأرض ممزقين مقطعين مبعثرين، وقد رماهم الله كذلك بحجارة من سجيل كانوا يرجمون بها رجماً، وكان من أصيب وقلب به يذوب ذوباناً. قال تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [النمل:٥٧] فكانت في قدر الله السابق وإرادته المحكمة من الباقين في الهلاك، ومن المقضي عليهم؛ لأنها كانت تساعد قومها على هذه الفاحشة.

стр. 913

تفسير قوله تعالى: (وأمطرنا عليهم مطراً فساء مطر المنذرين) قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [النمل:٥٨]. أمطر عليهم ما يشبه المطر، والمطر عندما ينزل ينزل بالآلاف بل بالملايين، وهكذا كان الرجم بالحجارة ينزل نزول المطر، فسحقهم ودمرهم، وجعل الله عالي بلادهم سافلها، وفنيت معهم الأرض إلى الآن، وأصبحت موضع بحيرة سميت بالبحر الميت، فهذا البحر الميت لا ينبت وليس فيه حياة، فليس فيه سمك ولا غيره من أنواع الأحياء البحرية، ويطمع اليهود اليوم في أن يجدوا فيه شيئاً، ولكنهم لن يجدوا إلا اللعنة والخراب والدمار، وذلك شأنهم، فاللعنة منهم خرجت وإليهم تعود، وما يحصل لهم إنما هو استدراج للقضاء عليهم، وذلك وعد الحق، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف:١٦٧]. قوله: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [النمل:٥٨]، أي: فما أسوأ وأقبح مطر المنذرين الذين أنذرهم رسولهم العاقبة، وأنذرهم النهاية، وأمرهم بأن يتوبوا إلى الله، ويعودوا إلى رحمته، ويتوبوا مما صنعوا، ويكفوا عما هم فيه، وإلا فسيحل عليهم عذاب لم يحل مثله على أحد ممن سبق، ولكنهم مع ذلك ما زادوا إلا عصياناً واستكباراً في الأرض واستعلاء على نبي الله لوط، وقد سبق أن قلنا: إن لوطاً ابن أخي إبراهيم، وكان في عصره إبراهيم خليل الرحمن وأبو الأنبياء. فما أسوأ وأقبح مطر قوم أنذروا قبل ولم يقبلوا النذارة ولم يقبلوا النصيحة، فكيف تكون العاقبة؟! ستكون تدميراً وهلاكاً ولعنة مستمرة.

стр. 914

تفسير قوله تعالى: (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى) قال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل:٥٩]. قال الله لنبيه بعد أن قص عليه تدمير هؤلاء العصاة الكفار وجعلهم مثلاً لقومه فيما إذا استمروا على كفرهم وعصيانهم: (قل الحمد لله) أي: على نصر عباده ونصر رسله وأنبيائه وورثتهم من المؤمنين المتقين الصالحين، والحمد لله الذي عاقب أعداءه، فعاقب من كفر بالله، وخرج عن أمر الله، وعصى رسول الله، وخرج عن طاعة رسول الله، فالحمد كثيراً. فالله علم نبيه أن يقول ذلك، ولقد أصبح هذا شعار المؤمنين من ذلك الوقت، فلا يلقي المؤمن خطبة ولا محاضرة ولا يكتب كتاباً ولا رسالة إلا ابتدأها بالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ولا نزال نعيش في هذا إلى الآن، وقد تستبدل الحمد لله بـ (باسم الله) كما فعل سليمان عندما كتب إلى بلقيس ملكة اليمن: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠]. قال تعالى: (وسلام على عباده الذين اصطفى) فمن هؤلاء العباد الذين اصطفى؟ قال جمهور المفسرين: هم رسل الله وأنبياء الله. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٨١]. وقال ابن عباس: ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل:٥٩] أي: الصحابة الذين اصطفاهم الله تعالى لدينه، وللإيمان برسالته، ولاتباع نبيه وخاتم أنبيائه وأشرفهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقال بعض العلماء: الآية تعم كل المؤمنين ممن اصطفاهم الله للإيمان به، ولتقواه، وللبعد عن فعل الكافرين والوثنيين والعصاة من المخالفين. أما كون الذين اصطفاهم واختارهم هم الأنبياء والمرسلين فهذا لا شك فيه، فقد كانوا هم المصطفين، وصفوتهم نبينا ﵊، وقد أدبنا القرآن وأدبنا المنزل عليه ﷺ إذا ذكرنا نبينا أن نصلي عليه، وقد أمرنا الله بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وكان نبينا ﵊ يقول: (من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً)، وكان يقول ﵊: (البخيل من ذكرت عنده ولم يصل علي). وأما الصحابة رضوان الله عليهم فلم يكن في عصرهم ولا بعد عصرهم ذكرهم بالسلام، فنقول: أبو بكر ﵇، أو: عمر ﵇، وإنما نخصهم بالرضا؛ وكان جماعة من سلفنا وجماعة من المفسرين والمحدثين وكبار العلماء المجتهدين يخصون بالسلام آل البيت بعد الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، صنع هذا البخاري، وصنع هذا المحدثون الأئمة، ووجد في كتبهم. وأما السلام على الصحابة لصحبتهم فلم يذكر قبل ولا بعد، فمن المعروف أنه إذا ذكر النبي ﷺ نقول: ﷺ ، وإذا ذكر الصاحب نقول: ﵁، وإذا ذكر التابعي فمن بعده نقول: ﵀؛ لأن الله تعالى يقول لنا: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠]، والرحمة دعوة بالمغفرة ودعوة والعفو ورفع الدرجة، وهكذا أمرنا أن ندعو لهم، ولا نصلي ولا نسلم. وقوله تعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل:٥٩] أي: اختار. ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل:٥٩] يقول الله مقرعاً أولئك بقول يقوله لهم رسول الله ﷺ ، ويقوله كل مؤمن وكل مسلم وكل داع إلى الله، يقول لهؤلاء المشركين: الله الذي خلقكم، ورزقكم، وأعطاكم، وهو الذي صنع بالمخالفين من أقوام نوح وهود وصالح ولوط ما صنع، فهل يستطيع أولئك الذين عُبِدوا من دون الله أن يفعلوا كما يفعل الله؟ الجواب لا. والخيرية هنا ليست على بابها؛ لأن كلمة (خير) أصلها (أخير) وأفعل التفضيل تقتضي المشاركة وزيادة، فالخير كله في طاعة الله، وفي الإيمان به، والشر كله في الأوثان والأصنام والكفر والمخالفة.

стр. 915

تفسير قوله تعالى: (أمّن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماءً) يعود الله ليعدد ويمتن على عباده بقدرته على كل شيء، فيقول تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل:٦٠]. يقول الله ﷻ : أم من خلق السموات والأرض؟! هل الله أو تلك الأوثان؟! هل الله القادر على كل شيء، أم تلك الأصنام؟! قال تعالى: (أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة) أنزل علينا من السماء أمطاراً وغيثاً مدراراً فأنبت حدائق -جمع حديقة- ذات بهجة، أي: ذات جمال وذات منظر حسن، والحديقة: البستان المسور المحدق به السور، فإذا لم يكن له سور يحدق به كان بستاناً، والحديقة تكون مسورة عادة؛ لأنها أكثر أشجاراً وأكثر ثمرة وأكثر مياها وأكثر بهجة وجمالاً، ولذلك يحافظ عليها بوضع سور خلفها يحيط بها. فمن الذي خلق السموات بعلوها، وأفلاكها، وبأنجمها السيارة، وبما فيها، وخلق الأرض بما عليها من جبال وأشجار وأنهار جاريات ونبات يعيش به الإنسان ويعيش به الطير ويعيش به الحيوان؟! من الذي أنزل هذه الأمطار فسقى بها وأنبت بها الحدائق والبساتين ذات البهجة وذات الجمال الذي يسر العين، ويسر القلب، ويبهج النفس. قال تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل:٦٠] فلا ينبغي لنا، وليس في قدرتنا ولا في طاقتنا أن ننبت هذه الأشجار التي في الأرض، ولا نستطيع أن ننبت نبتة واحدة، فنحن أعجز من ذلك وأضعف من ذلك، بل نحن ومالنا خلق الله، وكلنا فعل الله، وكلنا من قدر الله، وإذا وقف مدد الله للإنسان أصبح جماداً كما كان. يقول تعالى: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل:٦٠] فما كان لنا وما ينبغي لنا، ولا نستطيع أن ننبت شجر هذه الحدائق ذات البهجة والجمال والأشكال والألوان من ورود وزهور وثمار، فلا يفعل ذلك إلا الله، ولا يقدر عليه غيره. ولكثرة ما في الأرض من ذلك يظن أصحابها أنهم انفردوا بها، وليس لهم خلق شيء، فالذبابة التي ضرب الله بها المثل لا نستطيع خلقها، وإن أخذت الذباب منا شيئاً عجزنا عن أن نستنقذه، وكما قال تعالى: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣]. قال تعالى: ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠]. أي: هل يوجد مع الله إله يعينه على هذا الخلق؟! وهل يوجد معه إله يستحق العبادة كما يستحقها الله؟! حاشا وكلا ومعاذ الله، ونبرأ إلى الله من كفر الكافرين، فلا إله بحق إلا الله الخالق الرازق، المعطي المانع، المحيي المميت ﷻ وعز مقامه. قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل:٦٠]. أي: بل هؤلاء المشركون قوم يعدلون بربهم غيره، فيجعلون له نظيراً، ويجعلون له نداً، ويجعلون له مثيلاً، تعالى الله عن ذلك ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، فلا شبيه له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فهو الواحد الأحد ﷻ وعلا مقامه.

стр. 916

تفسير قوله تعالى: (أمّن جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً) ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل:٦١]. يقول تعالى وهو يتكلم ﷻ عما تراه عين الكافر والمؤمن والكبير والصغير، والرجل والمرأة: ((أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا)) أي: من الذي جعل الأرض قراراً نستقر عليها، ونقيم عليها، وننتقل عليها من قطر إلى قطر وقارة إلى قارة براً وبحراً وجواً؟! فهذه الأرض التي جعلها الله تعالى قراراً لنا ومستقراً ومقاماً وداراً وسكناً ما دمنا أحياء من الذي جعلها كذلك؟! ومن الذي خلقها كذلك؟! هل جعل ذلك هؤلاء الذين زعموهم شركاء أم الله؟! والجواب معلوم، وهو أن الله وحده لا شريك له، إلا في أذهان هؤلاء السخيفة المريضة، وما لهم على ذلك من برهان ولا دليل ولا سلطان. يقول تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا﴾ [النمل:٦١] أي: تخللتها في ترابها، وفي رمالها، وفي جبالها، أنهار عذبة للشرب ولمنفعة الإنسان والطير والحيوان ولا يستطيع الإنسان أن يحيا بدون ماء، ولا يأتي بالماء إلا الله، ولو أصبح هذا الماء غائراً في الأرض فمن الذي سيأتي به غير الله تعالى القادر على كل شيء؟! قال تعالى: ((وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ))، أي: جعل فوقها جبالاً لتستقر كيلا تميد بنا، ولو لم يثبت الله الأرض بهذه الجبال لمالت بنا يميناً وشمالاً، ولأصبح عاليها سافلها، ولكن الله ثبتها بالجبال، ولولا ذلك لما استقرت، فامتن علينا بأن جعلها قراراً لنا ومقاماً ومستقراً، وثبتها بالجبال. قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ [النمل:٦١]. أي: بين البحر الحلو والبحر المالح، والكل من الأرض وفي الأرض، ومع ذلك حجز الله تعالى الماء الحلو عن أن يتغير بماء البحر فيصبح مالحاً لا يشرب، ولا يصلح لطبخ، ولا لسقي، فمياه البحر لو سقي بها لمات النبات ولما أدرك ولما أثمر، ولكن الله ﷻ جعل الأرض واحدة يتصل بعضها ببعض، وجعل هناك حواجز بين الماء الحلو الذي لا يعيش حي إلا به، والماء المالح الذي نحتاج إليه كذلك؛ لأن الأرض لو لم يكن فيها البحر المالح لفسدت الحياة بسبب الأوساخ والقاذورات التي تنشأ عن الموتى والأحياء، فلولا ملوحة البحر لمات الناس منذ زمن. فالله ﷻ يخبرنا عن وصف السموات، ووصف الأرض وخلقها وما جعل فيها من فوائد ومصالح لهذا الإنسان الذي يعيش على الأرض، ثم هو مع ذلك يعبد مع الله غيره، فهل له عقل؟!

стр. 917

تفسير سورة النمل [٦٢ - ٦٤] يذكر الله ﷻ جملة من آياته الكريمات دلالة على قدرته وأنه الخالق الرازق الذي سخر للإنسان السماوات والأرض وأنزل له الأمطار وأنبت له الأشجار وأجرى له الأنهار، وهو الذي يجيبه عند الاضطرار ويهديه في دروب الأرض وظلمات البحار، وليس معه سبحانه من شريك في ذلك، أفيستحق العبادة معه أحد؟ تعالى الله عما يقول الظالمون.

стр. 918

تفسير قوله تعالى: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء) قال الله ﷻ : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢]. يذكر ربنا ﷻ جملة من آياته الكريمات في كلامه الشريف الكريم دلالة على قدرته، ودلالة على وحدانيته، ودلالة على أنه الواحد لا شريك له، ولا أحد يستحق عبادة أو إلهية أو ربوبية غيره ﷻ ، فيقول ﷻ : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢]. فيا أيها الناس من مؤمنين ومشركين! من الذي يستجيب للمضطر إذا دعاه، وكان في بلاء، أو كان في قهر، أو كان في ذل، ويكشف ما ابتلي به الإنسان من قهر ومرض وذل واستعباد إذا رفع يديه إلى الله ضارعاً وقال: (يا رب)؟! فمن الذي يستجيب له؟! ومن الذي يكشف عنه ضره؟! وهل يفعل هذا غير الله؟! هل تفعله تلك الأصنام وتلك الأوثان؟! وكل خلق الله هل يقدرون على أن يزيلوا كرب الناس وسوءهم؟! وهل يستطيعون أن يزيلوا ما يعيشون فيه من ضر وبلاء وسوء؟! فتعالى الله القادر على كل شيء، ملجأ كل فقير، وكل مريض، وكل مقهور، وكل مضطر لرحمته، ولا غنى بأحد من الخلق عن رحمته ﷻ . ولا ينكر ذلك إلا من ذهب عقله، وكثر الران على قلبه، فلا يميز بين نهار وليل، وبين حق وباطل، وبين نور وضلال. وطالما ابتلي الناس بأضرار، فما زادوا عند دعاء ربهم على أن نادوا: (يا من يجيب المضطر إذا دعاه)، فاستجاب الله ﷻ . وتحضرني هنا قصة حكاها ابن كثير في التفسير، وهي أن رجلاً كان يكاري على بغل له بين مدينة دمشق إلى بلدة الزبداني، فركب معه رجل ذات مرة، فمرا على طريق غير مسلوكة، فقال له الراكب: خذ هذا الطريق فهو أيسر وأقرب، فقال له: هذه طريق مجهولة. فقال: بل هي أقرب، فتبعه ودخل إلى أن وصلا إلى مكان وعر وواد عميق، فرأى جثث موتى، وعظاماً لبشر، فنزل ذلك الراكب وأخذ سكيناً ليقتل الرجل، فقال له: خذ هذا البغل ودعني، فقال: البغل قد أصبح ملكي، ولابد من قتلك. فاستسلم له ثم قال: إن كان ولابد فدعني أصلي لله ركعتين. فقال: عجل، قال: فقلت: الله أكبر، فأرتج عليّ القرآن فلم يحضرني منه حرف، وهو يعجلني، وإذا بي أتذكر هذه الآية الكريمة، فأخذت أضرع إلى الله، وأقول: (يا من يجيب المضطر إذا دعاه)، وإذا بفارس يظهر وبيده حربة، فيأتي إلى هذا الظالم ويطعنه بها فيصرعه على الأرض، فلما قضيت صلاتي التفت فرأيت ذلك فقلت للفارس: يا عبد الله! قل لي من أنت؟ فقال: أنا رسول الذي تضرعت إليه ودعوته! وهكذا أنقذه الله وأنجاه، فالله ﷻ عليه الإجابة وعلينا الدعاء، كما قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]. وهنا يقول ﷻ : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢]. فيا من تعبدون غير الله وتشركون به سواه! إن وقعتم في بلاء وضر وذلّ، فمن ذا الذي إذا دعوتموه استجاب لكم، وكشف ما بكم من ضر؟! هل آلهتكم هذه الميتة الجامدة التي لا تضر ولا تنفع، وتُخلق ولا تَخلق، ولا تعي ولا تسمع، أم الله الذي يقدر على رفع الضر وكشف السوء سواه؟!

стр. 919

معنى قوله تعالى: (ويجعلكم خلفاء الأرض) يقول تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ [النمل:٦٢]. أي: فمن الذي يجعلكم خلفاء يخلف بعضكم بعضاً، حيث يكون الأجداد، ثم يخلف الأجدادَ الأبناء، ثم يأتي بعدهم الأسباط والأحفاد، وهكذا خلف من بعد سلف، يخلف بعضنا بعضاً. فقد كانت الدنيا لأجدادنا فخلفهم آباؤنا، وهي اليوم لنا، وستكون بعدنا لأبنائنا، وهكذا يذهب عصر ويأتي عصر، ويفنى جيل ويأتي جيل، ويبقى الله الواحد القهار: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. فمن الذي جعل بعضنا يخلف بعضاً، ويجعل من الماء بشراً سوياً كاملاً، ثم يجعل من الرجل الكامل تراباً وكأنه لم يكن؟! فهل يقدر على ذلك الآلهة الباطلة والأصنام الحجرية؟! لا أحد يقدر على ذلك إلا الله، فهو القادر على كل ذلك. ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٢]، فربنا ﷻ يذكر لنا بعض أنواع قدرته، وأنواع خلقه، وأنواع رزقه، ثم يقول لنا: هل مع الله إله سواه يقدر على ذلك؟!

стр. 920

باسم الله الأعظم وطالما تساءل الناس: ما هو اسم الله الأعظم؟! وقد ورد في الحديث المتواتر: (إن لله تسعة وتسعين اسماً، من أحصاها دخل الجنة)، ومن هذه الأسماء اسم ما دعي به الله ﷻ إلا وأجاب الداعي، وسماه رسول الله ﷺ اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وقد ذكر العلماء كثيراً من الأسماء كل يرى أن ما ذكره هو الاسم الأعظم. ولكن الذي قاله المحققون، والذي قاله العلماء العارفون هو أن اسم الله الأعظم هو الذي يقال ساعة الاضطرار عندما يكون الإنسان في ضر وفي ضيق وفي بلاء، فيرفع يده إلى الله ﷻ قائلاً: يا رب! أنت القادر على كل شيء، فلا أحد يستطيع كشف ما بي إلا أنت، ولا ينصرني سواك. فهذا الاضطرار الذي يخرج من الأعماق، والذي يقوله الداعي وهو في حالة لهفة وحالة ضرورة، فيكون دعاؤه دعاء الصادق، ودعاء الراجي، ودعاء من يعترف بأنه لا أحد يقدر على إنقاذه وكشف ضره من سلاطين الأرض وجبابرتها وطغاتها، ومن ملائكة السماء، سوى الله ﷻ ، فلا ملك ولا رسول يقدر على ذلك، والذي يقدر عليه الرسول والملك هو ما أقدره الله عليه، أو ما دعا به الله كما تدعوه أنت، وما هو إلا عبد من عبيد الله، كما أننا وكل الخلق عبيد لله ﷻ .

стр. 921

معنى قوله تعالى: (قليلاً ما تذكرون) قال تعالى: ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢]. أي: فما أقل ما تتذكرون وتتفكرون وتعقلون الأمور! وما أقلّ ما تنفردون بأنفسكم، وتختلون خلوة تعيدون فيها النظر، قائلين: هل لهذا الكون من مكون ومن موجد؟! فمن الذي خلق هذه السماوات العلى وما فيها من نجوم وكواكب ثابتة؟! ومن الذي خلق هذه الأرض وما عليها من جبال راسيات، وبحار متلاطمات، وخلق يموج بعضهم في بعض، بلغات مختلفة وملل مختلفة وأشكال متباينة؟! فهل يفعل ذلك أحد إلا الله؟! وهل خلق ذلك غير الله؟! وقد فكر المؤمن فآمن واعتقد ذلك، ولكن غير المؤمن لم يفكر، ولم يتذكر، ولم يعِ، وإنما عاش مقلداً لآبائه الكفرة، وأجداده الفسقة، ومن اتخذهم أئمة في الكفر والشرك، فما زادوه إلا وبالاً، وما زادوه إلا مصائب، وما زادوه إلا شركاً وكفراً.

стр. 922

تفسير قوله تعالى: (أمّن يهديكم في ظلمات البر والبحر) ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل:٦٣]. إن الله تعالى خلق هذا العالم وهذا الكون، وهذا الكوكب الأرضي بما فيه من جبال ووهاد ورمال وسهول وبرار وقفار وبحار، فحين نريد التنقل من مشرق إلى مغرب، ومن جبال إلى وهاد، فإننا نهتدي في طريقنا في الليل أو النهار، فمن الذي يهدينا، ومن الذي يدلنا، ومن الذين خلق هذه الأنجم التي نهتدي بها كما يهتدى بالمصابيح التي تكون علامات على الطريق مشرقاً ومغرباً؟! فمن الذي خلقها لتكون كذلك، وليستفيد منها الإنسان؟! وقد كان العرب في هذا أئمة، يخرج البدوي في هذه الصحاري التي ليس فيها علم ولا دلالة على شرق أو غرب أو شمال أو جنوب، ولكنه يرفع عينه إلى السماء إن كانت مصحية، فيقول لك: الطريق هكذا أو هكذا، أو: قد ضللت الطريق، فذاك أمر علمه بفطرته، وبعيشه السنين الطوال في هذه الصحاري حتى أصبح عارفاً بها. يقول تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [النمل:٦٣] فمن يهديكم وأنتم تشقون البحار التي لا علامة فيها لشرق أو غرب؟! ومن الذي يهديكم في البر وأنتم صاعدين وهابطين؟! ومن الذي يدلكم ويهديكم إلى الطريق حتى لا تضلوا؟! والضلال في الصحاري والبراري يعني الموت المحقق، فمن الذي يهدينا ويرشدنا ويدلنا على الطريق غير الله؟! قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [النمل:٦٣]. فهذه الرياح التي تأتي مبشرة بالغيث، ومبشرة بالرحمة، من الذي يرسلها لتكون مبشرة بذلك، ثم يأتي وبعدها الغيث الغزير والمطر والرزق والخير العميم؟! ومن الذي يرسل مطره وغيثه لأهل الأرض إذا أجدبوا وأمسكت السماء قطرها؟! من الذي يرسل هذه الرياح حال كونها بشراً بين يدي رحمته يرحم بها خلقه ويرحم بها عباده؟! فيرحم بها المؤمن والكافر سواء، يرحم بها المؤمن ليزداد شكراً وحمداً لربه، والكافر ليستدرج، ولتبقى حجة الله عليه بالغة، ولعله يرحم فينتبه يوماً ويعي، ويقول: يا رب! كنت ظالماً، فاغفر لي خطيئتي يوم الدين. ومن هنا كان الإمهال للكافر من الرحمة، وقد أرسل النبي ﵊ رحمة للعالمين للمؤمنين والكافرين سواء، فالكافرون يمهلون لعلهم يتذكرون يوماً فيتوبون ويوحدون، والمؤمن كلما عاش يوماً ويزداد بذلك عبادة وأجراً وثواباً ورفعة، وذاك مما يحفظه الله له، ويجمعه له، فيجده يوم القيامة غيثاً ورحمة ورضى ورفع درجات مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين. قال تعالى: ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٣]. هذا إنكار توبيخي تقريعي، فهل هناك إله يفعل فعل ربنا، فيرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته، ويهدي في ظلمات البر والبحر، ويكشف السوء، ويرسل الخير، ويرسل الرزق، ويرسل الغيث؟! الجواب باستمرار: لا أحد يفعل ذلك إلا الله، ولا قادر على ذلك إلا الله، وليس ذلك بيد أحد غير الله ﷻ ، فقد انفرد بالخلق وبالأمر وبالتدبير وبالزرق وبكل شيء. قال تعالى: ﴿تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل:٦٣]. تعالى الله ربنا وعز، وعلا مقامه وعلا شأنه وتنزه عن النقص والعيب الكائن في قول هؤلاء المشركين بأن لله شريكاً يعينه، وبأن لله صاحبة وولداً، فتعالى الله عن كل ذلك، ونعوذ بالله من أن نذكر ذلك إلا للتعلم والتعليم، وحاكي الكفر ليس بكافر، ولنزداد إيماناً بربنا، وكفراً بهؤلاء المشركين الكفرة الذين لا يعتقدون ديناً ولا يملكون فهماً ولا إدراكاً، فتعالى الله عما يشركون، وتنزه ربنا عن كل عيب ونقص.

стр. 923

تفسير قوله تعالى: (أم من يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض) قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل:٦٤]. أي: هل هناك غير الله يبدأ الخلق ثم يعيده؟! أما البدء فقد رأيناه، فقد بدأ خلقنا ربنا ﷻ ، ورأينا ذلك في أنفسنا، ورأيناه في غيرنا من خلق الله على وجه الأرض، فهو الذي بدأ خلقنا، وأوجدنا من عدم، وأوجدنا على غير مثال سابق، ومن استطاع بدء الخلق استطاع إعادته، كما قال تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]. فإذا كان الخلق قد وجد، فمن الذي أوجده؟! ومن الذي كونه؟! ومن الذي حركنا بهذه الروح التي نعيش بها، بحسب ما قدر الله لنا من حياة ومن أجل؟! وما هي هذه الروح التي إذا نزعت أصبح الإنسان جيفة، يبادر أحب الناس إليه بأخذه وغمره في التراب حتى لا يؤذى الناس برائحته، وهو الذي كان في حال الحياة يتقرب إليه بالسمع والجلوس والأخذ والعطاء؟! فمن الذي أوجدها؟! ومن الذي خلقها؟! ومن الذي قدر على زرعها في جميع خلايا أجسامنا؟! ولطالما تساءل الناس عن الروح قبل نبينا وبعد نبينا وإلى الآن، وقد سأل الكفار رسول الله ﷺ عن الروح، فقال الله ﷻ : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، فالله ﷻ انفرد بعلم الروح، ومعرفة الروح، ولم يجب نبيه ولا من سألوه عنها. وقد ظن المجانين السخفاء المشركون الضائعون أن في إمكانهم أن يصنعوا الروح، فبذلوا الملايين وما خرجوا إلا بخفي حنين، فقد ذهبوا إلى الأفلاك والأنجم والكواكب لينظروا كيف كان ابتداء الحياة، فما زادوا بذلك إلا ضلالاً، ولو آمنوا بالله، وطلبوا من أهل العلم أن يعلموهم بما نزل في كتاب الله من ذلك لعلموا الكثير، ولاهتدت نفوسهم وأرواحهم إلى الإيمان بالله ورسول الله وبدين الحق الذي هو الإسلام خاتم الرسالات، بعد أن جاء به رسولنا صلى الله عليه وعلى آله. يقول تعالى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [النمل:٦٤] فمن الذي يبدأُ الخلق، ومن يعيده؟! ومن الذي يحيينا بعد الموت؟! ومن الذي يبعثنا يوم القيامة بعد أن نموت من أول مخلوق إلى آخر مخلوق في الأرض؟! فالناس عندما يبعثون وتزرع أرواحهم في أجسامهم، سيقفون بين يدي الله يوم العرض على الله في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون، ليحسن إلى المحسن ويعاقب المسيء ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، فذلك اليوم العظيم سنعود إليه، ونحيا فيه حياة ثانية، فتكون الحياة الباقية والحياة الدائمة التي لا موت بعدها أبداً، ولا تكليف فيها، والقوم بين مخلد في النار ومخلد في الجنة، ولا وسط بين ذلك. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [النمل:٦٤] فمن الذي يرزقنا من السماء بالغيث المدرار، وبالأمطار التي يكون بها الاستنبات، وبها تكون الخيرات في الأرض؛ بحيث لو أجدبت الأرض لما أعطت قليلاً ولا كثيراً، ولما أعطت زرعاً ولا أعطت ضرعاً؟! فمن الذي رزقنا من السماء بالغيث المدرار؟! ومن الذي رزقنا من الأرض بما أكرمنا به من نبات وطير وحيوان؟! هل هؤلاء الشركاء الذين أشرك بهم من لا عقول لهم ولا إدراك لديهم ولا فهم، أم الله الواحد القهار؟! فهذه أدلة عقلية لا يدفعها إلا مجنون أرعن، وتقبلها كل النفوس السليمة، وتقبلها كل النفوس التي لم يبعها الآباء بكفرهم وبتقليدهم وبضلالاتهم، فالإنسان بالفطرة يدرك أن السماء والأرض لا بد من أن يكون لهما خالق، ولا خالق لهما إلا الله ﷻ ، الواحد المنفرد بالأمر والخلق. قال تعالى: ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٤]. فهل ثَمّ إله أعانه على هذا؟! وهل ثَمّ إله مما يعبد هؤلاء الأفاكون المجانين السخفاء يستطيع فعل ذلك؟! قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل:٦٤] فهؤلاء يزعمون أن لديهم علماً على عبادتهم لغير الله، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل:٦٤]، وهيهات أن يأتوا بالبرهان، وأن يأتوا بالدليل، وأن يأتوا بما يقبله ذو عقل سليم. فهم عن الآخرة معرضون، وجاهلون، ومشركون كفرة.

стр. 924

تفسير سورة النمل [٦٥ - ٧٥] الله تعالى عالم الغيب والشهادة يعلم ما في السماوات والأرض، ويعلم ما تكن الصدور وما يعلنه الإنسان، وهو الذي يعلم الآخرة حين إدراك علمها على الناس، ولكن الذين كفروا يتساءلون عن الآخرة وعن قيام الساعة ويستعجلونها، ولعلها تبغتهم وهم لا يشعرون.

стр. 925

تفسير قوله تعالى: (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله) قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥]. أي: قل -يا رسولنا-: لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله. والسماء: ما علاك، وهي تلك السماوات التي هي طبق عن طبق، وبين الأولى منها وبين الأرض خمسمائة عام، كما قال ﷺ . فهذه السماوات فيها الملائكة وكبيرهم جبريل عليه وعليهم السلام، فكل من في السماوات وكل من في الأرض جميعاً لا يعلمون الغيب، فلا يعلم الغيب إلا الله، ولا يعلم الغيب ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وما ورد عن الأنبياء من الغيوب فليس ذلك إليهم ولا من تلقاء أنفسهم، ولكن الله علمهم، كما قال ربنا: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧]، كما أعلم نبينا ﷺ بما كان ويكون إلى قيام الساعة، وما يؤمن به المرء غيباً آمن به نبينا شهوداً، كما في ليلة الإسراء عندما أسري به إلى بيت المقدس، طرد الله عنه القردة والخنازير وعبد الطاغوت، وقد صلى بجميع الأنبياء والمرسلين إماماً، وكان ذلك إشارة لإمامته ورئاسته وسيادته عليهم ﷺ . ومع ذلك ما كان ﷺ يعلم الغيب بغير تعليم الله له، فقد عاش بين قومه أربعين عاماً، وكان كما قال الله له: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت:٤٨] أي: ما كنت تقرأ كتاباً ولا تخطه بيمينك، ولا تدري ما الإيمان ولا الكتاب، ولكن الله علمك وهداك بعد ذلك، ونبهك وأرسلك بعد ذلك، ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٣]. وكان ذلك أعظم معجزة له صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد عاشره قومه أربعين سنة، وهو لا يعلم شيئاً، وإذا به يصبح يوماً وقد عَلم علم الأولين والآخرين كما علمه الله ﷻ ، وكان ذلك من علم الله.

стр. 926

معنى قوله تعالى: (وما يشعرون أيان يبعثون) قال تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥]. فهؤلاء المشركون لا يشعرون ولا يدركون كيف سيبعثون، بل والمؤمنون كذلك لا يدرون ولا يشعرون كيف سيبعثون، كالنائم عندما ينام، فهو يحرص على أن يتابع نومه ليدرك ذلك، فلا يشعر إلا وقد استيقظ مع الصباح، ولا يعلم كيف نام. وهكذا الإنسان لا يشعر بأنه كان نطفة في رحم أمه، وأنه كان قبل ذلك في صلب أبيه، ولا يذكر كيف ولد ولا كيف رضع، ولا كيف حبا، ولا كيف مات، وهكذا يوم القيامة لا نشعر إلا ونحن وقوف بين يدي رب العزة ﷻ حفاة عراة غرلاً، وقد دهشت عائشة فقالت: (الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال: يا عائشة! الأمر أشد من ذلك)، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦]. يوم يقول كل واحد من الأنبياء والرسل: نفسي نفسي! حينما يستشفع، فما بالك بغيرهم، والذي لا يقول: نفسي نفسي هو خاتمهم ﷺ وحده، فهو الذي يجيب ويقول: (أنا لها، أنا لها)، ويذهب فيخر ساجداً بين يدي العرش، ويلهم إذ ذاك بما يلهمه الله إياه. وكما لا نشعر كيف خلقنا فإننا سنبعث بعد ذلك، ولا نشعر كيف بعثنا، ولكنا نعلم ذلك علماً كما أخبرنا به الله في كتابه، وأخبرنا به رسوله في سنته ﷺ ، فصدقنا ذلك وعلمناه علم يقين، وآمنت به جوارحنا وجميع خلايا أجسامنا، ولو كشف لنا الغطاء لما ازددنا إلا يقينا بما علمناه عن ربنا، وتعلمناه من نبينا.

стр. 927

تفسير قوله تعالى: (بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها) قال تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦]. ادارك علمهم في الآخرة، وهو العلم الذي أضاعوه في الدنيا، ومما يدل أن الآية متعلقة بالمشركين وحدهم قوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ﴾ [النمل:٢١ - ٦٦]، فهذا العلم كان يجب عليهم أن يعلموه في دار الدنيا، بأن يعلموا بأن هناك بعثاً ونشوراً، وبأن هناك عودة إلى الحياة بعد الموت دائمة للمؤمن والكافر، وما جهلوه في الدنيا سيعلمونه في الآخرة. يقول تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ﴾ [النمل:٦٦]، أي: تدارك علمهم وتتابع، واتصل، وأصبحوا يعلمون أن الآخرة حق، بعد أن عاشوا في واقعها، وبعد أن عاشوا فيما كانوا ينكرونه، فأصبح علمهم متداركاً، وأصبح علماً يقينياً، ولكن هذا العلم جاء بعد فوات الأوان، ولن يفيدهم، فلا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، فهؤلاء آمنوا بعد أن بعثوا، وبعد أن زال التكليف، فأخذوا يتمنون الأماني بأن يعودوا إلى الدنيا مرة أخرى، ولكن هيهات هيهات، فعقارب الساعة لا ترجع إلى الخلف، واليوم الذي يذهب لن يعود. قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾ [النمل:٦٦] بل هم لا يزالون -وهم في الحياة الدنيا- في شك من الآخرة، فما أبلغتهم به أنبياؤهم، ونزلت به كتب ربهم، ورأوا عليه الأدلة القاطعة لم يزدهم إلا كفوراً وجحوداً وتكذيباً. قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦]، فهم لا يزالون في شأن الآخرة عمياً لا يبصرون ولا يدركون ولا يعون، فقلوبهم لم تعِ الحق، فهم -كما وصف الله تعالى- كالأنعام، بل هم أضل؛ إذ الأنعام تفيد بما في بطونها وبظهورها وبألبانها وبأشعارها وأوبارها وأصوافها.

стр. 928

تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا أئذا كنا تراباً وآباؤنا أئنا لمخرجون) قال الله ﷻ : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل:٦٧]. لا يزال الكفار على إصرارهم، وليس المراد بهم كفار قريش، ولا كفار العرب فحسب، بل الكفار الذين عاصروا النبي ﷺ ، والذين جاءوا بعده إلى يوم القيامة، فكلهم على دين واحد، وملة الكفر واحدة، فكلهم يقولون هذا، ويشكون في البعث، ويسخرون إذا سمعوا بأن مؤمناً يعتقد بأن الإنسان بعد الموت سيبعث مرة أخرى، وسيقوم مرة أخرى، وسينطق مرة أخرى، وعندما تخاطبهم بالمنطق ولغة العقول يعرضون ويهزون الأكتاف جهلاً وتقليداً. يقول تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل:٦٧] قالوا هذا لنبينا وقالوه للأنبياء قبله عليهم الصلاة والسلام، فلم تتصور عقولهم السخيفة أننا إذا متنا سنبعث كما كنا، فقالوا: ﴿أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل:٦٧].

стр. 929

تفسير قوله تعالى: (لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل) ثم عادوا فأصروا على الكفر فقالوا: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [النمل:٦٨]. قال لهم ذلك اليهود والنصارى بعد أن بدلوا وغيروا كتابيهم، فقال الوثنيون عباد الأحجار والمخلوقات: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا﴾ [النمل:٦٨]، وهو أننا سنعيش بعد الموت، وسنعود بعد التراب إلى ما كنا عليه من قبل في دار الدنيا، وعدنا هذا نحن وآباؤنا من أنبياء سابقين، وسمعنا هذا عن آبائنا كذلك، قبل أن يقوله النبي ﵊، وينزل به القرآن الكريم. ثم عادوا فقالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [النمل:٦٨]، فهذه عقيدتهم، وهذا إصرارهم على الشرك والكفر. يقولون: ﴿إِنْ هَذَا﴾ [النمل:٦٨] أي: ما هذا، فـ (إن) نافية، أي: ليس هذا إلا أساطير، فما هو إلا خرافة وحكاية سطرت وكتبت في القصص وأحاديث الأولين، رواها الآباء عن الأجداد والأبناء عن الآباء، وليس هذا الذي يقرأ في الكتاب المنزل عليك كما تقول إلا ترداداً لذلك، وهذا ما لا يزال يقوله الكفار إلى اليوم من يهود ونصارى ومجوس. فمن النصارى واليهود من لا يزال يقول: إنما البعث بعث الأرواح، والأرواح عندهم شيء لا وجود له.

стр. 930

تفسير قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين) ثم قال الله لنبيه: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [النمل:٦٩] يقول لنبينا: قل -يا رسولنا- لهؤلاء: ((سِيرُوا فِي الأَرْضِ)) فتنقلوا وسيحوا وانظروا في آثار من سبقكم من أمثالكم من المجرمين، كقوم نوح، فلا تزال آثارهم في الأرض، والحفريات التي تتجدد في كل قطر وفي كل إقليم فيها من العجائب والغرائب ما يؤكد ذلك، ونحن لا نحتاج إلى تأكيد، ولكن هذا دليل لهؤلاء الجاحدين الكافرين المنكرين. وقد كنت في متحف حكومي في لبنان، وإذا بصاحب المتحف يخرج لي صليباً ويقول: هذا الصليب مضى عليه قرون، فقلت: كم؟ قال: أكثر من عشرة قرون، والصليب شعار النصارى، فقلت له: صدق الله، وصدق نبينا ﷺ فيما بلغنا به عن الله؛ إذ قال الله عن عبدة الأوثان: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة:٣٠] فهم في كفرهم كانوا مقلدين قردة، والصلب هو الفداء فيما يزعمونه، وقد وجد الصليب في وثنيين سبقوهم، وكفار تقدموهم. فالله تعالى يقول: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [النمل:٦٩]، فانظروا كيف كانت عاقبة قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط الذين عاشوا على أرض سدوم التي هي جزء من فلسطين، ومكانها يسمى اليوم بالبحر الميت، فهذا البحر ميت لا يعيش فيه سمك ولا دواب، ورائحته كريهة. فأرض قوم لوط قد قذفت ورميت بالحجارة المنضدة من جنهم وبئس المصير. وقبل سنوات قريبة أرسل ملاحدة مرتدون من الشيوعيين في أرض روسيا بعثة استكشافية، فقالت هذه البعثة: لقد ظهرت القنبلة الذرية قديماً، فلابد من أن قوم لوط ضربوا بقنبلة ذرية، فأصبحت الأرض هكذا. وهذا صحيح، ولكن الضارب لهم هو ربنا ﷻ . وهكذا فعل بقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وبـ فرعون وقومه، وإذا جاء فعل الله لا يبقى للبشر فعل ولا عمل.

стр. 931

تفسير قوله تعالى: (ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون) ثم قال تعالى يخاطب نبينا ﷺ : ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل:٧٠]. ومن المعلوم أن النبي ﵊ كان حريصاً على إيمان قومه، وعلى إسلام من يدعوهم إلى الإسلام، ولذلك قال الله له: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣]، أي: لعلك مهلكها، ولعلك مفنيها، وقال له: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨] فلا تُضع نفسك تحسراً وتؤلماً وتوجعاً عليهم، وهنا يقول له: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل:٧٠] إن عوملوا بما عوملت به الأمم السابقة التي كفرت بالله وبأنعمه، وتلك سنة، فكل من فعل ذلك يعاقب بما عوقب به المشركون قبل. فالله يقول لنبيه: قد صدر أمر الله في عقوبة هؤلاء والبطش بهم، والقضاء عليهم، كما فعلنا بمن سبقهم من الأمم الكافرة، فلا يأخذك حزن من أجلهم. ((وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ)) أي: فلا تضق نفسك، ولا تتبرم بمكرهم وشركهم وكفرهم، وقد كانوا يتآمرون عليه، فتارة بالقتل، وتارة بالسجن، وتارة بالنفي، وتارة بالشتائم والتكذيب واتهامه بالرغبة في الحكم والسلطان والنساء والجاه وجمع الأموال، ولكن الله ناصر عبده، والعاقبة كانت له، ومع ذلك كان النبي ﵊ يحزنه ذلك، وكان يتمنى إيمانهم بعد أن فعلوا معه الأفاعيل، وقالوا الأقاويل، ونصره الله عليهم نصراً عزيزاً مؤزراً، فجمعهم ثم قال: ما ترون أني فاعل بكم؟ فقالوا له: أخ كريم وابن أخ كريم. نسوا شتائمهم، ونسوا كلامهم وكفرهم وجحودهم، فقال لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، فأطلقهم مما كان ينبغي أن يكون؛ إن النبي ﷺ هو الذي يقول له الله ﷻ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، وقال عن نفسه بأمر الله: (إنما أنا رحمة مهداة)، فما كان يريد عذاب قومه، ولا البطش بقومه، ولكنه إذا أمر فلابد من أن ينفذ أمر الله وإرادة الله، فقاتل من قاتل، وقتل من قتل، ونفى من نفى، وصادر من صادر، وقطع رءوس من أمره الله بقطع رءوسهم، وقد قال الله له: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [النور:٥٤]، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢]، فالنبي مأمور بأن يبلغ رسالة ربه، وكتاب ربه، ودين ربه، أما أن يهديهم ويجبرهم على الإسلام فلا، فالهداية بيد الله وحده.

стр. 932

تفسير قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل:٧١]. يقول هذا الكفار وقد أشركوا بالله، واستبعدوا أن يعودوا بعد التراب والفناء إلى ما كانوا عليه من أجسام كاملة، وأرواح متحركة، فهددوا بالويل وبالثبور، بعد أن فهموا قول النبي ﷺ لهم بأمر الله: ﴿سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [النمل:٦٩]، فستعاملون معاملتهم، وسيبطش بكم بطشهم، فأخذوا يستعجلون العذاب ويقولون: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل:٧١]. وقد قال هذا قومه ﷺ ، وقاله الأقوام السابقون للأنبياء الذين سبقوه، حيث قالوا: ((مَتَى هَذَا الْوَعْدُ)) أي: الوعيد بالضرب وبالبطش وبالسحق وبالعقوبة وبالنقمة. فقال الله لهم: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل:٧٢]. و (عسى) في القرآن للتحقيق، أي: قد تحقق وسيتم بعض ما تستعجلون، فقوله تعالى: (ردف) أي: قرب وأتى، وأصل الرديف من هو وراءك، يقال: أردف فلان فلاناً، أي: أركبه خلفه، أو جاء له تابعاً.

стр. 933

تفسير قوله تعالى: (قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون) يقول تعالى: ((قُلْ)) أي: قل -يا رسولنا- لهم: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل:٧٢]. أي: عسى أن يكون قريباً ما استعجلتموه من عذاب ونقمة وبطش، فلا تستعجلوه، فهو آت لا محالة، ومصيبكم في الدنيا قبل الآخرة لا محالة، فقد حدث هذا بالسابقين، أخذوا بغزوة بدر بين قتيل وشريد وأسير، وطردوا من مكة المكرمة بعد أن دخلها رسول الله ﷺ ، فمن آمن أطلق من العقوبة، ومن أبى إلا الكفر أجل أربعة أشهر، ثم بعد ذلك طوردوا، ونزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨] بعد أن كانوا سادة البلد وقادتها وموجهيها، وهم الذين حاولوا إبعاد رسول الله ﷺ عنها، ومنعوه من أن يدخلها معتمراً إلا بعد سنة، فإذا بهم أذلاء بين يديه، ففعل بهم كما شاء، ولعذاب الله أشد وأنكى.

стр. 934

تفسير قوله تعالى: (وإن ربك لذو فضل على الناس) قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل:٧٣]. يقول ربنا وهو يمتن ويتفضل ويتكرم على عباده: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل:٧٣]. إن ربك -يا رسولنا- ذو إفضال وذو امتنان وذو إحسان إلى عباده المؤمنين وغيرهم، ولكن أكثر هؤلاء الخلق، وأكثر هؤلاء البشر، وأكثر هؤلاء المتفضل عليهم لا يشكرون النعمة، ولا يجعلون لها قيمة، ولا يرفعون بها رأساً، ولا يحمدون الله، وهكذا الجحود والكفر.

стр. 935

تفسير قوله تعالى: (وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون) قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [النمل:٧٤]. أي: إن ربك وخالقك ﷻ يعلم أحوال هؤلاء الذين معك، فيعلم منافقهم وكافرهم، وصادقهم وكاذبهم، يعلم ما يكنون في أنفسهم ويجعلونه مكنوناً مستوراً مخفياً. ويعلم ما يعلنون، أي: وما يظهرونه ويتجاهرون به هل هو كما يظهرونه ويعلنونه، هو النفاق والكذب والدجل، فالله تعالى محيط بهم، محيط بأعمالهم، سميع لأقوالهم، وهذا في مقام التهديد والوعيد، فالله يعلم كل أحوالهم هما أخفوا وما أعلنوا، فلا يطمعوا يوماً في أن يظهروا لك شيئاً لا وجود له لتعتقده؛ لأن الله الخالق يعلم منهم ما خفي وما أعلن.

стр. 936

تفسير قوله تعالى: (وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين) قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٧٥]. فما من قضية، وما من مسألة، وما من شيء غائب عن النفس لا يعلمه أحد، غائب عن تصورنا، وعن علمنا، وعن معرفتنا، إلا يعلمه الله، فلا شيء غائب عنه، فهو تعالى يعلم الغائب، ويعلم الحاضر، وكل ذلك مدون في كتاب مبين في اللوح المحفوظ، جفت الأقلام، ورفعت الصحف بما كان ويكون إلى قيام الساعة. فالذي أعلنوه، والذي أخفوه، وما غابوا عنه ولم يعلموه، أو تظاهروا بالغيبة عنه هو عند الله في اللوح المحفوظ مكتوب مبين واضح، وعلى أساسه يتصرف جند الله من الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

стр. 937

تفسير سورة النمل [٧٦ - ٨١] أنزل الله كتابه الكريم على سيد الخلق محمد ﷺ وهو يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، وهو هدى ورحمة للمؤمنين، وفيه القضاء الفصل والحكم الحق لمن توكل على الله ورجع إلى أحكام كتابه الكريم، وبه ينذر الكافرون، ورسول الله ﷺ ليس مكلفاً باستجابتهم إن عليه إلا البلاغ، وليس هو بمسمع الموتى ولا الصم ولا بهادي العمي، إن يسمع إلا من يؤمن بآيات الله.

стр. 938

تفسير قوله تعالى: (إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون) قال الله جلت قدرته: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦]. كتاب الله هو القرآن الكريم خاتم الكتب السماوية المنزل على خاتم أنبياء الله ورسله نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فهذا الكتاب هدى للناس، ونور يبدل الظلمات ويدعو إلى التوحيد وعبادة الله الواحد الخالق، ويمنع الناس من عبادة الأوثان والأصنام، وهو مع ذلك يقص على بني إسرائيل ويعلمهم ويبين لهم حقيقة ما اختلفوا فيه فيما بينهم، ويبين لهم ما نقلوا فيه الحق إلى الباطل، وما حرفوا فيه كتاب ربهم إلى خزعبلات وأباطيل ما أنزل الله بها من سلطان. فكتاب الله القرآن الكريم يذكر قصصاً وأحكاماً، ويذكر حقائق بينات يعلم فيها بني إسرائيل ما اختلفوا فيه وتنازعوا فيه، فبين لهم أكثر خلافهم، وأكثر ما تنازعوا فيه باللسان والسيف، والعداوة بينهم دائمة منذ آلاف من السنين إلى يوم الناس هذا. وبنو إسرائيل هم اليهود والنصارى؛ لأن التوراة أنزلت على موسى وهو من أنبياء بني إسرائيل، والإنجيل أنزل على عيسى وهو خاتم أنبياء بني إسرائيل، وكلاهما لم يؤمرا إلا بتبليغ بني إسرائيل، ولم يرسلا إلا إلى بني إسرائيل، وقد بعث موسى أولاً، وبعد دهور جاء عيسى قبل نبينا ﵊ بقرابة ستمائة عام، فبنو إسرائيل من أتباع موسى وأتباع عيسى قد اختلفوا اختلافاً بيناً، وتنازعوا في اختلافهم بكل ما يملكون من أنواع العداوة والحرب والقتال. وعيسى لم يرسل إلى غير اليهود من بني إسرائيل، فلقد قال في الإنجيل: (إنما أرسلت إلى خراف بني إسرائيل خاصة)، وأكد هذا المعنى كتاب الله في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف:٦]. فهو لم يرسل إلا إليهم، ولذلك يقول ربنا هنا في شأن بني إسرائيل أتباع موسى وعيسى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦]. فهم قد اختلفوا وغووا في عيسى، فقال بعضهم: إن عيسى ليس ابن طاهرة وليس نبياً ولا رسولاً، فأفكوا وكذبوا وافتروا على الله، وشتموا نبياً من كبار الأنبياء ومن أولي العزم منهم. وبعضهم فرطوا وتجاوزوا الحد، وزادوا ما لم يؤمروا به، ولم يقل لهم على لسان عيسى ولا على ألسنة علمائهم، فزعموا أن عيسى هو الله، وزعموا أن عيسى ابن الله، وزعموا أن عيسى ثالث ثلاثة، وكذبوا على الله وتجاوزوا الحد في مقامه وفي رتبته. فهؤلاء غلوا وضلوا وأولئك غووا وضلوا، هؤلاء غلوا فزعموا الإلهية في عيسى، وأولئك غووا فزعموا عن عيسى ليس ابن طاهرة عفيفة، فجاء كتاب الله جاء القرآن الكريم فبين هذا الخلاف وقال الحق، وقال: زعم اليهود أنهم صلبوا عيسى، وزعم النصارى بأنه فعل ذلك عن اختيار منه بما سموه الفداء والصلب، وأنه فدى البشرية من ظلمها وعتوها، فكذبوا وافتروا، فجاء القرآن الكريم حاكماً بينهم مبيناً الحقائق بوضوح، ومبيناً الحق الذي لا يقبل غيره، فقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩]. فكان بأمر الله، وبقول الله: (كن)، فبين الله ﷻ الحقيقتين اللتين طالما تخاصم فيهما بنو إسرائيل من أتباع موسى وأتباع عيسى، فقال رداً على من زعم عيسى إلهاً أو زعم كونه ابن غير عفيفة: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران:٥٩]. فكما خلق آدم بلا أب ولا أم، خلق عيسى من دون أب، وتلك قدرة الله، فليس بينه وبين أن يكون الشيء إلا أن يقول: (كن) فيكون. وقال عن الصلب والفداء: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧] فقتلوا شبيهاً زعموه عيسى، وعيسى لم يقتل، فلم يكن ثم فداء ولا صلب، وإنما هي أباطيل وأكاذيب ما أنزل الله بها من سلطان، اشتغلت بها آراؤهم وضلت بها عقولهم، فجاء القرآن يبين لهم الحقائق، فهدى الله بعضهم، كـ عبد الله بن سلام الذي أسلم وحسن إسلامه، وقلة معدودة على الأصابع، فكانوا أصحاب رسول الله ﷺ الصادقين في إيمانهم، والصادقين في صحبتهم رسول الله ﷺ . يقول تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [النمل:٧٦] أي: يذكر من القصص ومن الأحكام ومن الحقائق والبراهين ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦]، فيزيل حيرتهم، ويزيل خلافهم وأباطيلهم، وذاك لمن قبل الهدى، وأنار الله بصيرته، وإلا فأكثرهم بقوا على غوايتهم، وعلى ظلمة الشرك وظلمة الكفر والوثنية والتكذيب، فحرفوا كتب الله السابقة، ولم يؤمنوا بكتاب الله اللاحق.

стр. 939

تفسير قوله تعالى: (وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين) قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل:٧٧]. أي: هذا القرآن الكريم كما قص الله فيه ما اختلف فيه بنو إسرائيل فاهتدى من اهتدى، وبقي ضالاً من بقي ضالاً ممن سبق في علم الله كفره وشركه وخلوده في النار، هو كذلك هدى ورحمة، هدى الله به المؤمنين الذين آمنوا بحقائقه، ثم هو رحمة لمن آمن به من العذاب، ومن ظلمات الشرك والكفر، ومن الخلاف الذي ما أنزل الله به من سلطان. وهذه هي صفة القرآن، فالله يهدي به المؤمنين ويرحم به المؤمنين بتلاوته وبالعمل بأحكامه.

стр. 940

تفسير قوله تعالى: (إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم) قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل:٧٨]. إن ربك -يا رسولنا- يقضي بين هؤلاء المتنازعين الكفار من بني إسرائيل بحكمه الحق يوم القيامة، يوم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، يوم يقفون بين يدي الله يوم القيامة، فيفصل بينهم فيما اختلفوا فيه وتنازعوا، وفيما لم يؤمنوا به مما جاء به محمد سيد البشر ﷺ ، فزادوا ضلالاً على ضلال، وكفراً على كفر، فهو يحكم بين من آمن بما جاء به كتاب الله فيقضي له بالرحمة والجنان، وبين من أبى إلا الكفر والعناد فيقضي عليه بالنار والغضب. يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل:٧٨] هو العزيز الذي لا يطاول ولا ينال، وهو القاضي على المخالفين والمعاندين بالذل والعقوبة والنار خالدين فيها أبداً. وهو العليم بأحوال عباده، عليم بكفر الكافر، فيجازيه عليه بالنار والغضب، وعليم بإيمان المؤمن، فيجازيه على الإيمان بالرحمة والجنة.

стр. 941

تفسير قوله تعالى: (فتوكل على الله إنك على الحق المبين) قال تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل:٧٩]. أي: اجعل الله وكيلك -يا رسولنا- واجعله مآلك ونصيرك ومؤازرك ومعينك، فأنت على الحق الذي لاشك فيه، وكل من سواك على الباطل والضلال، إلا من آمن بما جئت به، وصدق الكتاب الذي أنزل عليك، وآمن بالله واحداً وآمن بك نبياً عبداً خاتماً للأنبياء، فاجعل الله وكيلك، فهو الذي لا يكلك إلى غيرك، ويتولى أمورك وينصرك على من عاداك. ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل:٧٩] أي: فأنت -يا رسولنا- بالنور الذي أنزل عليك، وبما بعثت به من رسالة على الحق البين الواضح المشرق المنير، فلا تتردد في بلاغ الرسالة، ولا تتردد في دعوة الناس إلى دينك، وإلى الكتاب المنزل عليك، فأنت ذو الحق المبين المشرق المنير الذي لا حق سواه، ولذلك لا يقبل الله تعالى من الناس بعد رسالة محمد ﷺ إلا الإسلام، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]. فلا يقبل غير الإيمان بالقرآن كلام الله الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يقبل غير الإيمان برسالة محمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه، فكل رسالة بعده باطلة، فكل من ادعى النبوءة أو ادعى أنه أوحي إليه بعد ذلك فهو ضال مضل. والنبوءات والرسالات السابقة نؤمن بها على أنها كانت حقاً يوماً وأرسل أصحابها إلى أقوامهم خاصة، ثم بعد ذلك انتهت نبواتهم واقتصرت على أقوامهم، فلم تبق خالدة دائمة إلى يوم القيامة إلا الديانة الإسلامية والرسالة المحمدية، وما سوى ذلك قد انتهى ونسخ، وما بقي من كتبها قد غير وبدل ونسخ.

стр. 942

تفسير قوله تعالى: (إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء) قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل:٨٠]. فهؤلاء في كفرهم وابتعادهم عن الحق كالموتى، فكما أن الموتى لا يسمعون ولا يعون ولا يدركون فكذلك هؤلاء، ولو أن لهم آذاناً، فهم لا يسمعون بها، ولو أن لهم أعيناً، فهم لا يبصرون بها، ولو أن لهم قلوباً، فهم لا يفقهون بها، فهم كالأنعام، بل هم أضل، لأنهم موتى العقول والقلوب، فحياتهم أشبه بموت، وموتهم أشبه بحياة، فالميت لا يسمع ولا يعقل ولا يدرك، فقد غطى الران قلوبهم وابتعدوا عن الحق فهم كالصم، فكما أن الأصم لا يسمع لأن الله أفقده السمع، فكذلك هؤلاء لا يسمعون ولو أن لهم أسماعاً؛ لأن أسماعهم لا يستفيدون منها، فلا يسمعون الحق، ولا يؤمنون به. يقول تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل:٨٠]. والصُمّ: جمع (أصم)، وهو من يفقد السمع فلا يسمع، فهؤلاء موتى لا حياة لهم، وهم صم لا سمع لهم. وقد يقول قائل: إن الأصم لا يسمع، سواء أكان مقبلاً أم مدبراً، والله يخبر هنا أن نبيه لا يسمع الصم إذا أدبروا، فهل معنى ذلك سماعهم حال الإقبال؟! و الجواب أن الأصم قد يفهم منك بالإشارة عندما يكون مقبلاً عليك، وقد يسمعك إذا صحت فيفهم من إشارات صوتك ما تريد أن تقول له، ولكن هذا الأصم عندما يدبر عنك ويوليك قفاه وظهره لا يرى إشارات ولا يسمع صوتك مهما علا، فهو لا يسمع. وهكذا شبه الله الكفار من بني إسرائيل وغيرهم بأنهم موتى، والموتى لا يسمعون، وبأنهم صم مدبرون، فهم أبعد ما يكونون عن السمع وعن الوعي وعن الإدراك، فالرسالة لم ينتفعوا بها، فأبوا إلا الضلال والبقاء على الكفر والوثنية، فهم موتى لم يستفيدوا من الحياة، وهم صم قد فقدوا الفائدة من السمع، ومع ذلك فالأنبياء جميعاً رسالتهم التبليغ، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤]. فالنبي ﷺ ليس عليه الهداية، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٧٢]. فالهداية من الله، وأما البلاغ ونشر الدعوة فتلك وظائف الأنبياء، وتلك أعمال الأنبياء، وذلك ما يجب عليهم، فمن آمن فلنفسه اهتدى، ومن كفر فعلى نفسها جنت براقش، والنبي ليس عليه إلا البلاغ المبين الواضح، فالله يقول لنبيه: إنك قد بلغت وأمرت ونهيت، فليس عليك هداهم، فالهداية ليست بيدك، وإنما عليك البلاغ وقد فعلت، فتبين أنهم موتى لا يسمعون ولا يهتدون، وأنهم صم لا يستفيدون من سمع.

стр. 943

تفسير قوله تعالى: (وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم) قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [النمل:٨١]. أي: لست -يا رسولنا- بهاد للعمي، فالأعمى لا يستطيع أن يهتدي في طريقه ولا يرى محجته، ولا يعلم ما بين قدميه؛ لأنه يفقد النور ويفقد البصر، فلست بهاد للعمي إذ أبوا إلا العمى، فهم -إذاً- عمي صم موتى، فيصف الله الكافرين بأنهم عمي بقوا في الظلام، فلم يستنيروا بهذا النور المشرق، نور القرآن ونور الإسلام وهدايته. يقول تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ [النمل:٨١] فلست بهاديهم، وليس ذلك من وظيفتك، وإنما الهداية على الله، كيف وهم عمي، والأعمى لا يقبل الهداية إذ لا بصر له، فلابد من أن يؤخذ بيده ليعلم موطئ قدمه، ولكن هؤلاء يأبون أن يضعوا أيديهم في يد الهادي المبلغ الموحى إليه ﷺ ، فلم يقبلوا هداية من الضلال القائمين فيه والشرك والكفر والوثنية. قال تعالى: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [النمل:٨١]. أي: فلست -يا رسولنا- بهادي العمي عن ضلالتهم، وإنما أنت تهدي من آمن بآياتنا وبقدرتنا وبكتابنا، فالمؤمنون بالله قلباً والناطقون بالإسلام لساناً هم الذين يستفيدون من رسالتك، ومن القرآن المنزل عليك، فهم الذين كانوا أحياءً وليسوا بموتى، وكانوا سامعين وليسوا بصم، وكانوا مبصرين وليسوا بعمي. فالمؤمنون الذين آمنوا بكتاب الله وآمنوا برسول الله ﷺ وآمنوا بالنور الذي أتى به هم الذين استفادوا وأنار الله بصائرهم، فاهتدوا وتركوا الضلال، ورأوا الهدى وعلموا موطئ أقدامهم فلم يحيدوا عن الحق، ولم يقعوا في حفر الطريق، ولم تلههم بنياتها يمنة ويسرة، فهؤلاء هم المؤمنون بآياتنا، المسلمون الذين آمن جنانهم، ونطق لسانهم، قالوا باللسان ما اعتقده الجنان، فكانوا مؤمنين حقاً، مؤمنين بالقلب، ناطقين باللسان، فهؤلاء هم أتباعك وشيعتك وأنصارك، أما أولئك فدعهم، فهم موتى عمي صم.

стр. 944

تفسير سورة النمل [٨٢ - ٨٧] إذا قربت الساعة وانتشر الكفر والفسوق والعصيان، يخرج الله تعالى دابة تكلم الناس فتقول هذا مؤمن وهذا كافر، ثم تتابع العلامات الكبرى فتقوم الساعة ويحشر الناس إلى ربهم فيسألهم عن تكذيبهم بآياته، فيحق على المكذبين القول، فحينئذٍ تخرس ألسنتهم فلا ينطقون.

стр. 945

تفسير قوله تعالى: (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض) قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٨٢]. يقول تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل:٨٢] إذا وقع القول باللعنة وبالغضب وبالعذاب وبالمحنة ((أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ))، يخرج لهم دابة من الأرض (تكلِّمهم)) وفي قراءة: (تَكْلُمُهُمْ) أي: تجرحهم، وتقول بالكلام إن الناس كانوا بآيات الله لا يوقنون، فأكثر الناس لم يكونوا موقنين، حتى بعض المسلمين، فهم مسلمون باللسان شاكون ومرتابون في آيات الله ودينه غير موقنين به، ولا راسخين في الإيمان به. يقول تعالى في هذه الآية الكريمة: إذا حل غضب الله وبعد أن أمهل الله عباده دهوراً الله أعلم بمددها وأزمانها -والله يمهل ولا يهمل- أخرج لهم من الأرض دابة تكلمهم وتقول لهم: إن أكثر الناس كانوا لا يوقنون، فهم مؤمنون بالألسن غير متيقنين، وغير مخلصين في الإيمان، فهم يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، يقرءون في كتاب الله تحريم الكذب، والزنا، والسرقة، والربا، والظلم، ولكنهم يرتكبون كل ذلك، فيكذبون ويزنون ويسرقون ويرابون ويأكلون أموال اليتامى ظلماً. والقرآن يأمرهم بخمس صلوات في اليوم والليلة، وبصيام شهر رمضان، وبزكاة الأموال، وبحج بيت الله الحرام، وبالصدق، وباليقين، وبحسن المعاملة، ويحذرهم من موالاة اليهود والنصارى، فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]، ومع ذلك يخالفون كل ذلك، فتجد بعض الذين يزعمون الإيمان والإسلام يوالون اليهود والنصارى ويجرون خلفهم. فعندما تصل الحالة إلى هذا في آخر الزمان يخرج الله للناس دابة تتكلم بفصيح الكلام باللغة العربية كما قيل، وتقول للناس: هذا كافر، وهذا مؤمن، وتخبر عن أكثر الناس بأنهم كانوا لا يوقنون، فإيمانهم ليس عن يقين، ولا عن ثبات، ولا عن صدق وإخلاص، والدابة قد تكلم بها القرآن كما نرى، وجاءت بها السنة النبوية، والنطق المحمدي يزيد الآية بياناً.

стр. 946

ذكر ما قيل في وصف الدابة ومخرجها وهذه الدابة هي دابة على أي حال، ولكن قال بعض السلف: وجهها وجه إنسان بلحية رجل، وسائرها جسد دابة، ووصفوها على غير المعلوم في الدواب، ومن ذلك أنها كلها شعر، لا تكاد تظهر عينها ولا أنفها ولا فمها، وأنها ستخرج في مكة المكرمة عند الصفا، وقيل: ستخرج في أجياد. وقد نقل أنها ستخرج ثلاث خرجات: خرجة باليمن ولا تدري بها مكة ولا بقية العالم الإسلامي. والخرجة الثانية: في بادية قريبة من مكة، وتدري بها مكة، عاصمة الإسلام، وإذا درت مكة درى العالم كله. والخرجة الثالثة: تخرج والناس في الحرم بين الركن الذي فيه الحجر الأسود، وبين مقام إبراهيم، فيحاول الناس أن يفروا منها ويبقى المؤمنون، فتضع يدها على وجه المؤمن فيشرق كأنه الكوكب الدري. أما الكافر فيحاول أن يفر، ولا يفلت منها هارب، فتلحقهم فيصعقون ويقفون، فتسمهم في جباههم بالكفر، ويتعارف الناس في أسواقهم إذ ذاك والكتابة على الجبين، فيقول المؤمن: يا كافر! بعني واشتر مني، ويقول الكافر: يا مؤمن! أريد مبايعتك. فينكشف نفقات المنافق المظهر للإيمان. ومن المعلوم أن مكة لا يقيم بها إلا مؤمن، ولكن الإخلاص في القلب لا يعلمه إلا الله، فالدابة تأتي وتكشف عمل القلب، فتكتب على جبين المنافق: هذا كافر، وعلى جبين المؤمن الصادق: هذا مؤمن، وتظهر تلك الكتابة على جبين المؤمن وكأنها الكوكب الدري المضيء، وتقرأ جبين الكافر من بعيد، وتجول الدابة في مختلف أقطار الأرض تسم الناس: هذا مؤمن وهذا كافر، فيميز إذ ذاك المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، ويكون الناس إذ ذاك -كما قال المصطفى ﵊ مشتركين في أموالهم، وهذا خبر معجز من النبي ﷺ ، أي: تكون إذ ذاك الشيوعية والاشتراكية في الأموال قد انتشرت بين الناس، وهذا الأمر أخذ الآن ينتشر في مشارق الأرض ومغاربها، ويكاد أهل الكفر من يهود ونصارى ومنافقين يجمعون على ذلك، والكثير ممن يدعي الإسلام من داخل بلاد العرب وداخل بلاد الإسلام يطلبون ذلك، ويسعون لذلك؛ وما في ذلك إلا لعنتهم وخزيهم وغضب الله عليهم.

стр. 947

ذكر علامات الساعة الكبرى وفي الحديث الذي رواه أبو هريرة وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص وأنس بن مالك وجماهير من الصحابة، وأخرجه مسلم في صحيحه، والترمذي في سننه، وقال: حديث حسن صحيح، وهو حديث متواتر يقول الصحابي أبو الطفيل عامر بن واثلة أصغر الصحابة وآخرهم موتاً عن الصحابي حذيفة بن أسيد الغفاري قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة من علية، ونحن نتذاكر شئون الساعة، فقال لنا: (إن بين يدي الساعة لعشر آيات). وهذه العشر هي من الآيات الكبرى، ولم تظهر منها إلى الآن واحدة، وهذه العلامات هي: أن تشرق الشمس من مغربها، ويكون دخان، وتخرج الدابة، وينزل عيسى بن مريم، ويخرج الدجال، وتكون ثلاثة خسوفات: خسوف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب، وتخرج نار من قعر عدن تبيت مع الناس إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، أي: تكون مع الناس في نهارهم، وتكون معهم في المبيت، وتخرج الدابة. وفي رواية عن عبد الله بن عمرو بن العاص: (بادروا ستاً: شروق الشمس من مغربها، والدخان، وخروج الدابة، ونزول عيسى، وخروج الدجال، وعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة إذ العامة قد فسدوا). وفي رواية أن هذه العلامات كالعقد تنفرط حباته، فبعد خروج الدابة ينزل عيسى، ثم يخرج الدجال، ثم تكون الخسوف، وتكون الفتن حتى لا تقوم الساعة على رجل يقول: ربي الله. وفي رواية أنه تأتي ريح فتأتي على كل مؤمن، ويرتفع القرآن من الصدور، وترفع مصاحفه، ويموت من يموت من المؤمنين، ويرتد من يرتد، ولا يبقى في الأرض إلا لكع ابن لكع، أي: كافر خسيس قذر قد سبق الكفر في أبيه وجده. فقصة الدابة أتى بها القرآن، فلا ينكرها إلا كافر منكر لكتاب الله، وأكدت ذلك السنة النبوية. كما أن الشمس يوماً ستقف وتستأذن ربها في أن تطلع من المشرق فلا يؤذن لها، فتطلع من المغرب، ويكون يوماً عظيماً على الناس، وعندما تظهر هذه العلامات وهذه الآيات الكبرى لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل.

стр. 948

ذكر بعض صنيع الدابة وجاء في وصف الدابة أن امرأً يحاول أن يتعوذ منها بالصلاة من أجلها وهو لا يصلي، وإذا بها تأتيه من خلفه وتكلمه وتجرحه، وتقول له: الآن ذكرت الصلاة! فتجرحه في جبينه، وتكتب عليه: كافر؛ لأن تلك الصلاة لم تكن صلاة مؤمن مخلص، وإنما كانت صلاة منافق كاذب، ظن أن الدابة ستتركه، ولكن الدابة معلمة مرسلة مكلفة من ربها بأن تصنع ما تصنع. ومهما قلنا في وصفها وفي مكان خروجها فهي دابة على أي حال، تكلم الناس بصريح الكلام، وتقول: إن الناس كانوا بآيات الله لا يوقنون ولا يخلصون في إيمانهم، فيميز الله الكافر من المؤمن، ويبرز المؤمن بين الكافرين. يقول تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل:٨٢] وقرئ: (تَكْلُمُهُمْ) من الكلم، وهو الجرح. قال ابن عباس: تُكَلّمَهم وتَكْلمُهُم، تُكَلمِّهم بقولها -كما قال القرآن-: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٨٢]. ثم هي تكلمهم وتجرحهم على جباههم بأن هذا كافر وهذا مؤمن، ويبقى ذلك علامة، والمؤمنون إذ ذاك قلة.

стр. 949

تفسير قوله تعالى: (ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا) قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل:٨٣]. يوم يحشر الناس وقد قامت القيامة، فيحشر من كل أمة فوج ممن كذب بالقرآن وكتب الله السماوية وكذب بوحدانية الله، وممن أشرك مع الله غيره، وممن لم يؤمن بأنبياء الله. يقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ [النمل:٨٣] أي: طائفة وفريقاً ممن يكذب بآيتنا. قالوا: (من) هنا ليست تبعيضية، وإنما هي بيانية، فكل من كذب بآت الله من الأمم السابقة، ومن الأمم اللاحقة إلى الأمة المحمدية يحشرون إلى العرض والعذاب، والحشر يكون للمؤمن والكافر، ولكن هذا الحشر هو حشر المغضوب عليهم من الكفار. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل:٨٣]: يدفع بعضهم ببعض، ويلحق آخرهم أولهم، فيدفعون إلى غضب الله وإلى النيران خالدين فيها أبداً ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦]. يقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ [النمل:٨٣]. أي: ممن يكفر بالله ويكفر بآيات الله ويكذب بها، فهؤلاء جميعاً يوزعون فيدفع بعضهم خلف بعض، ويساقون سوقاً يلحق فيه أولهم آخرهم، وآخرهم أولهم إلى جهنم وبئس المصير.

стр. 950

تفسير قوله تعالى: (حتى إذا جاءوا قال أكذبتم بآياتي) قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٨٤]. إذا جاء هؤلاء المكذبون الكفرة من أمة نوح إلى أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله؛ إذا جاءوا للحساب والعقاب قال الله لهم: ﴿قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ [النمل:٨٤]. أكذبتم -يا هؤلاء- بآياتي حال كونكم لم تحيطوا بها علماً، ولم تنتظروا أن تفكروا فيها وتبحثوا، فتسألوا شيخاً أو عالماً، أو تبحثوا عن داعية يعلمكم دينكم؟! يقول تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ [النمل:٨٤]، فلم تحيطوا بها علماً ولا معرفة، بل قيل لكم: آمنوا بالله واحداً فقلتم: لا نؤمن، وقيل: آمنوا بمحمد عبداً ونبياً فقلتم: لا نؤمن، وقيل: آمنوا بالقرآن أنه كلام الله، فقلتم: لا نؤمن، وما بحثتم ولا درستم، ولا حققتم، بمنطق عقل، ولا بمنطق نقل، ولا بسماع من محقق عالم عارف. قال تعالى: ﴿أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٨٤] في هذه المدد الطويلة التي عشتموها من أعماركم، فلم تفكروا يوماً لعلكم تعودون إلى الله، ولعلكم ترجعون إليه فتسألون عن دينكم، وعن كتاب ربكم ورسوله، ولكنكم عشتم في الباطل وفي ضلال وفي فسوق وعصيان، والآن قد جئتم ورأيتم ما كذبتم به، وعشتم في واقعه، فتحملوا نتيجة عصيانكم ونتيجة كفركم.
следующие страницы →