← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

ذكر ما قيل في وصف الدابة ومخرجها وهذه الدابة هي دابة على أي حال، ولكن قال بعض السلف: وجهها وجه إنسان بلحية رجل، وسائرها جسد دابة، ووصفوها على غير المعلوم في الدواب، ومن ذلك أنها كلها شعر، لا تكاد تظهر عينها ولا أنفها ولا فمها، وأنها ستخرج في مكة المكرمة عند الصفا، وقيل: ستخرج في أجياد. وقد نقل أنها ستخرج ثلاث خرجات: خرجة باليمن ولا تدري بها مكة ولا بقية العالم الإسلامي. والخرجة الثانية: في بادية قريبة من مكة، وتدري بها مكة، عاصمة الإسلام، وإذا درت مكة درى العالم كله. والخرجة الثالثة: تخرج والناس في الحرم بين الركن الذي فيه الحجر الأسود، وبين مقام إبراهيم، فيحاول الناس أن يفروا منها ويبقى المؤمنون، فتضع يدها على وجه المؤمن فيشرق كأنه الكوكب الدري. أما الكافر فيحاول أن يفر، ولا يفلت منها هارب، فتلحقهم فيصعقون ويقفون، فتسمهم في جباههم بالكفر، ويتعارف الناس في أسواقهم إذ ذاك والكتابة على الجبين، فيقول المؤمن: يا كافر! بعني واشتر مني، ويقول الكافر: يا مؤمن! أريد مبايعتك. فينكشف نفقات المنافق المظهر للإيمان. ومن المعلوم أن مكة لا يقيم بها إلا مؤمن، ولكن الإخلاص في القلب لا يعلمه إلا الله، فالدابة تأتي وتكشف عمل القلب، فتكتب على جبين المنافق: هذا كافر، وعلى جبين المؤمن الصادق: هذا مؤمن، وتظهر تلك الكتابة على جبين المؤمن وكأنها الكوكب الدري المضيء، وتقرأ جبين الكافر من بعيد، وتجول الدابة في مختلف أقطار الأرض تسم الناس: هذا مؤمن وهذا كافر، فيميز إذ ذاك المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، ويكون الناس إذ ذاك -كما قال المصطفى ﵊ مشتركين في أموالهم، وهذا خبر معجز من النبي ﷺ ، أي: تكون إذ ذاك الشيوعية والاشتراكية في الأموال قد انتشرت بين الناس، وهذا الأمر أخذ الآن ينتشر في مشارق الأرض ومغاربها، ويكاد أهل الكفر من يهود ونصارى ومنافقين يجمعون على ذلك، والكثير ممن يدعي الإسلام من داخل بلاد العرب وداخل بلاد الإسلام يطلبون ذلك، ويسعون لذلك؛ وما في ذلك إلا لعنتهم وخزيهم وغضب الله عليهم.

стр. 947

ذكر علامات الساعة الكبرى وفي الحديث الذي رواه أبو هريرة وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص وأنس بن مالك وجماهير من الصحابة، وأخرجه مسلم في صحيحه، والترمذي في سننه، وقال: حديث حسن صحيح، وهو حديث متواتر يقول الصحابي أبو الطفيل عامر بن واثلة أصغر الصحابة وآخرهم موتاً عن الصحابي حذيفة بن أسيد الغفاري قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة من علية، ونحن نتذاكر شئون الساعة، فقال لنا: (إن بين يدي الساعة لعشر آيات). وهذه العشر هي من الآيات الكبرى، ولم تظهر منها إلى الآن واحدة، وهذه العلامات هي: أن تشرق الشمس من مغربها، ويكون دخان، وتخرج الدابة، وينزل عيسى بن مريم، ويخرج الدجال، وتكون ثلاثة خسوفات: خسوف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب، وتخرج نار من قعر عدن تبيت مع الناس إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، أي: تكون مع الناس في نهارهم، وتكون معهم في المبيت، وتخرج الدابة. وفي رواية عن عبد الله بن عمرو بن العاص: (بادروا ستاً: شروق الشمس من مغربها، والدخان، وخروج الدابة، ونزول عيسى، وخروج الدجال، وعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة إذ العامة قد فسدوا). وفي رواية أن هذه العلامات كالعقد تنفرط حباته، فبعد خروج الدابة ينزل عيسى، ثم يخرج الدجال، ثم تكون الخسوف، وتكون الفتن حتى لا تقوم الساعة على رجل يقول: ربي الله. وفي رواية أنه تأتي ريح فتأتي على كل مؤمن، ويرتفع القرآن من الصدور، وترفع مصاحفه، ويموت من يموت من المؤمنين، ويرتد من يرتد، ولا يبقى في الأرض إلا لكع ابن لكع، أي: كافر خسيس قذر قد سبق الكفر في أبيه وجده. فقصة الدابة أتى بها القرآن، فلا ينكرها إلا كافر منكر لكتاب الله، وأكدت ذلك السنة النبوية. كما أن الشمس يوماً ستقف وتستأذن ربها في أن تطلع من المشرق فلا يؤذن لها، فتطلع من المغرب، ويكون يوماً عظيماً على الناس، وعندما تظهر هذه العلامات وهذه الآيات الكبرى لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل.

стр. 948

ذكر بعض صنيع الدابة وجاء في وصف الدابة أن امرأً يحاول أن يتعوذ منها بالصلاة من أجلها وهو لا يصلي، وإذا بها تأتيه من خلفه وتكلمه وتجرحه، وتقول له: الآن ذكرت الصلاة! فتجرحه في جبينه، وتكتب عليه: كافر؛ لأن تلك الصلاة لم تكن صلاة مؤمن مخلص، وإنما كانت صلاة منافق كاذب، ظن أن الدابة ستتركه، ولكن الدابة معلمة مرسلة مكلفة من ربها بأن تصنع ما تصنع. ومهما قلنا في وصفها وفي مكان خروجها فهي دابة على أي حال، تكلم الناس بصريح الكلام، وتقول: إن الناس كانوا بآيات الله لا يوقنون ولا يخلصون في إيمانهم، فيميز الله الكافر من المؤمن، ويبرز المؤمن بين الكافرين. يقول تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل:٨٢] وقرئ: (تَكْلُمُهُمْ) من الكلم، وهو الجرح. قال ابن عباس: تُكَلّمَهم وتَكْلمُهُم، تُكَلمِّهم بقولها -كما قال القرآن-: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٨٢]. ثم هي تكلمهم وتجرحهم على جباههم بأن هذا كافر وهذا مؤمن، ويبقى ذلك علامة، والمؤمنون إذ ذاك قلة.

стр. 949

تفسير قوله تعالى: (ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا) قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل:٨٣]. يوم يحشر الناس وقد قامت القيامة، فيحشر من كل أمة فوج ممن كذب بالقرآن وكتب الله السماوية وكذب بوحدانية الله، وممن أشرك مع الله غيره، وممن لم يؤمن بأنبياء الله. يقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ [النمل:٨٣] أي: طائفة وفريقاً ممن يكذب بآيتنا. قالوا: (من) هنا ليست تبعيضية، وإنما هي بيانية، فكل من كذب بآت الله من الأمم السابقة، ومن الأمم اللاحقة إلى الأمة المحمدية يحشرون إلى العرض والعذاب، والحشر يكون للمؤمن والكافر، ولكن هذا الحشر هو حشر المغضوب عليهم من الكفار. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل:٨٣]: يدفع بعضهم ببعض، ويلحق آخرهم أولهم، فيدفعون إلى غضب الله وإلى النيران خالدين فيها أبداً ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦]. يقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ [النمل:٨٣]. أي: ممن يكفر بالله ويكفر بآيات الله ويكذب بها، فهؤلاء جميعاً يوزعون فيدفع بعضهم خلف بعض، ويساقون سوقاً يلحق فيه أولهم آخرهم، وآخرهم أولهم إلى جهنم وبئس المصير.

стр. 950

تفسير قوله تعالى: (حتى إذا جاءوا قال أكذبتم بآياتي) قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٨٤]. إذا جاء هؤلاء المكذبون الكفرة من أمة نوح إلى أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله؛ إذا جاءوا للحساب والعقاب قال الله لهم: ﴿قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ [النمل:٨٤]. أكذبتم -يا هؤلاء- بآياتي حال كونكم لم تحيطوا بها علماً، ولم تنتظروا أن تفكروا فيها وتبحثوا، فتسألوا شيخاً أو عالماً، أو تبحثوا عن داعية يعلمكم دينكم؟! يقول تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ [النمل:٨٤]، فلم تحيطوا بها علماً ولا معرفة، بل قيل لكم: آمنوا بالله واحداً فقلتم: لا نؤمن، وقيل: آمنوا بمحمد عبداً ونبياً فقلتم: لا نؤمن، وقيل: آمنوا بالقرآن أنه كلام الله، فقلتم: لا نؤمن، وما بحثتم ولا درستم، ولا حققتم، بمنطق عقل، ولا بمنطق نقل، ولا بسماع من محقق عالم عارف. قال تعالى: ﴿أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٨٤] في هذه المدد الطويلة التي عشتموها من أعماركم، فلم تفكروا يوماً لعلكم تعودون إلى الله، ولعلكم ترجعون إليه فتسألون عن دينكم، وعن كتاب ربكم ورسوله، ولكنكم عشتم في الباطل وفي ضلال وفي فسوق وعصيان، والآن قد جئتم ورأيتم ما كذبتم به، وعشتم في واقعه، فتحملوا نتيجة عصيانكم ونتيجة كفركم.

стр. 951

تفسير قوله تعالى: (ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون) قال تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنطِقُونَ﴾ [النمل:٨٥]. وقع عليهم القول باللعنة وبالغضب وبدخول النار، بسبب كذبهم على الله وتكذيبهم بالله وبرسول الله ﷺ . والظلم هنا: الكفر والشرك والبعد عن الله وكتاب الله ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله. يقول تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنطِقُونَ﴾ [النمل:٨٥]. وقفوا مبهوتين وهم يسمعون ما صنعوا في حياتهم مما كتبه الملك المكلف من كفر وشرك ومعصيته، فعندما بدا بذلك وعلموا أن كل ذلك حرام -وما ربك بظلام للعبيد- بهتوا ولم ينطقوا بشيء، وماذا يقولون؟! أيكذبون ربهم وهم الكذبة؟! أيكذبون الملائكة وهم الكذبة؟! أيكذبون الحق وهم في يوم القيامة الذي لا ينطق فيه إلا بحق، ولا يعمل فيه إلا حق؟! هيهات هيهات، ذهبت الدنيا بأكاذيبها ولعبها ولهوها وكفرها ونفاقها، فلم يبق يوم القيامة إلا الحق، فحق على الكافر العذاب، وحق للمؤمن الجنة ورحمة الله.

стр. 952

تفسير قوله تعالى: (ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً) قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل:٨٦]. يقول تعالى عن هؤلاء الكفار: ألم يعلموا أن الله جعل الليل مظلماً ليسكن الناس فيه فيجدون فيه السكينة من المتاعب والمشاق من أعمال النهار ومن مشاكلهم البدنية والذهنية، فبالليل تسكن أعضاؤهم بضع ساعات ليشرق النهار وقد وجدوا في أرواحهم وفي أبدانهم طاقة جديدة في العمل في ذلك اليوم بما ينفعهم، ويعود عليهم نفعه في الدنيا والآخرة بما يكون لهم سبب الهداية إن شاءوا ذلك، وإلا ازدادوا كفراً على كفر، وغضباً على غضب. يقول تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [النمل:٨٦]. ألم يروا رؤية القلب ورؤية العلم أن الليل الذي جعلناه مظلماً جعلناه كذلك ((لِيَسْكُنُوا فِيهِ))، أي: ليجدوا فيه السكينة والطمأنينة والراحة من عمل اليوم. (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) مشرقاً نيراً ليكتسبوا فيه بالتجارة وبالزراعة وبالضرب في الأرض وبالسياحة وبالأعمال التي تعود عليهم بخير في دنياهم وأخراهم إن شاءوا. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [النمل:٨٦] في جعل الليل للسكون والهدوء والطمأنينة، وجعل النهار مشرقاً نيراً للعمل الدءوب للدنيا، والعمل للآخرة لمن وفقه الله ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل:٨٦] جعل الله في ذلك آيات وعلامات ودلائل على قدرته، وعلى وحدانيته، وعلى أنه القادر على كل شيء والخالق لكل شيء. فتلك علامات بينات، وآيات واضحات لمن آمنوا بالله واحداً، وبمحمد نبياً وعبداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما غير أولئك فهم موتى لا يحسون، صم لا يسمعون، عمي لا يرون.

стр. 953

تفسير قوله تعالى: (ويوم ينفخ في الصور) قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل:٨٧]، وفي قراءة سبعية: (وكل آتوه داخرين). والصور: قرن ينفخ فيه، والنفخة يصعق لها ويفزع لها من في السموات ومن في الأرض لشدتها وشدة انتشارها، وقد سأل أبو هريرة الراوي للحديث رسول الله عن الصور، فقال: (قرن، خلق إسرافيل ملك الله فكلف به). وفي الحديث الصحيح أن إسرافيل منذ استلم القرن وضع فمه عليه ينتظر الأمر بالنفخ فيه. والنفخ في الصور ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة البعث. فنفخة الفزع هي التي يذكرها الله هنا في قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [النمل:٨٧] أي: اذكر -يا رسولنا- وذكر غيرك، يوم ينفخ في الصور في آخر يوم من أيام الدنيا، يوم يؤمر إسرافيل بأن ينفخ في الصور فيفزع ويهلع ويرتعب من في الأرض ومن في السماء، وتكاد تخرج القلوب من الصدور، ويقفون مبهوتين منتظرين إرادة الله راضين أم كارهين. والنفخة الثانية: نفخة الصعق، فينفخ إسرافيل فإذا بالكل يصعق ويخر ميتاً وكأنه لم يكن، كما قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر:٦٨] فهذه نفخة الصعق، والتي في الآية نفخة الفزع. والنفخة الثالثة: بعد الموت، والله أعلم كم بين الأولى والثانية والثالثة. وبعد النفخة الثالثة يقفون جميعاً قياماً بين يدي ربهم يوم القيامة، يوم العرض عليه، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧] يوم ترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله عظيم. في هذا اليوم -يوم النفخة الثالثة في الصور- يقف الناس لرب العالمين.

стр. 954

المراد بمن استثناهم الله من الفزع استثنى الله من نفخة الفزع فأخبر بأنه يفزع من في السموات ويفزع من في الأرض ((إلا من شاء الله))، فقيل: الذين شاء الله ألا يفزعوا ولا يرعبوا هم الشهداء الذين سقطوا في معارك الجهاد، فهؤلاء الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران:١٧٠]. فيرزقون رزقاً الله أعلم بحقيقته، ويحيون حياة الله أعلم بحقيقتها. وعلى كل فالشهداء -كما نص النبي ﵊ لا يجدون فزعاً ولا رعباً ولا هلعاً من النفخة الأولى في الصور، بل يكونون على غاية ما يكون من السكينة والاطمئنان والراحة، ولا يفزع إلا غيرهم. وأنبياء الله في طليعة الشهداء، فأنبياء الله لا يفزعون، والشهداء لا يفزعون والملائكة لا يفزعون. ومن فسر الفزع هنا بالموت قال: يموت الكل إلا من شاء الله إلى حين، فيفنى الكل فلا يبقى إذ ذاك إلا جبريل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت، فيميت الله تعالى أحدهم فلا يبقى إلا ثلاثة، فيميت الله الثاني ثم الثالث، فلا يبقى إلا جبريل، فيقول جبريل: يا حي يا قيوم مات الكل، وأنت الحي الدائم، فيقول له: مت أنت كذلك. فيموت ويبقى الله الواحد، فلا إنس ولا جن ولا ملائكة، فيقول إذ ذاك: لمن الملك اليوم؟! فلا مجيب، فيجيب نفسه بنفسه فيقول: لله الواحد القهار. وذاك قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦] فكل من على الكون فان ميت هالك ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]. فهو الذي كان ولا أولية لكونه، وهو الباقي ولا آخرية لبقائه، كنا عدماً فأحيانا من العدم، ونحن بعد ذلك تحت المشيئة الربانية، فإذا قال لنا: موتوا متنا، وسنموت لا محالة، فكما جئنا من عدم سنذهب مرة ثانية إلى العدم، وتبقى الأرواح، ثم ستعود بعد ذلك في الحياة الثانية يوم العرض على الله حيث الحياة الدائمة، فالجنة ولا موت، أو النار ولا موت. يقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل:٨٧] فلا يفزعون أو لا يصعقون من تلك النفخة، ولكن يموتون بعد ذلك، ويصعقون بعد ذلك، وآخر من يبقى أولئك الملائكة، ثم يموت الواحد منهم خلف الآخر ولا يبقى إلا جبريل، فيقول الله له: مت فيموت، فيبقى الله وحده.

стр. 955

معنى قوله تعالى: (وكلٌ أتوه داخرين) قال تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل:٨٧] وقرئ (آتوه) أي: جاءوه داخرين صاغرين مستجيبين بلا عصيان، فالكل يأتون إليه للحساب والعرض عليه ﷻ . يأتيه المؤمن ويأتيه الكافر، يأتيه من يدخل الجنة ومن يدخل النار، يأتيه من كان في الدنيا مسرفاً على نفسه، ويأتيه من أكرمه الله بالإيمان والإيقان. والتنوين في (كل) تنوين عوض، أي: كل مخلوق، فكل مخلوق يأتيه يوم القيامة صاغراً مستجيباً ليعرض عليه حسابه إما إلى جنة وإما إلى نار. وجميع المفسرين القدامى في العصور الفاضلة وما بعدها قالوا: يكون ذلك يوم القيامة، حيث تزول الجبال عن أماكنها وتصبح كالعهن المنفوش.

стр. 956

تفسير سورة النمل [٨٨ - ٩٣] إذا أذن الله بقيام الساعة تغيرت ظواهر الكون، فترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب، فتكون كالعهن المنفوش، وفي هذا اليوم تنجلي الحقائق فمن جاء بالحسنة فله خير منها، ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار.

стр. 957

تفسير قوله تعالى: (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) قال الله جلت قدرته: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل:٨٨]. الخطاب هنا لرسول الله ﷺ ، وهو خطاب لكل سامع ولكل إنسان ولكل مسلم ولكل من يبلغه ويسمعه. يقول تعالى: ((وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً))، ترى الجبال -أيها الإنسان المبلغ المكلّف المدعو إلى الإيمان برسالة الإسلام ورسالة محمد ﵊ تظنها وتحسبها جامدة لا تتحرك، قائمة بمكانها وهي في نفس الوقت تجري جريان السحاب في الأجواء. قالوا: يكون ذلك يوم القيامة عندما يُنفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض، فيحدث ذلك عند ذهاب الدنيا وقيام الساعة، يوم لا يبقى إلا وجهه، قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. قالوا: وهي في معنى قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه:١٠٥] تُنسف نسفاً فلا يبقى إلا القاع حيث لا يوجد هناك أمت ولا اعوجاج، هكذا قالوا، والسياق يتعلق بقيام الساعة وبهلاك الدنيا وموت الخلق وذهابهم كالعهن المنفوش، فكل جاء من العدم وينتهي إلى العدم، ولا يبقى إلا الله الواحد عندما يقول: ((لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ))؟ فلا مجيب، فيجيب نفسه بنفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦]. قال تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨] (صُنع) منصوب على الإغراء، أي: انظر صنع الله، أو أنه منصوب على المفعولية المطلقة، أي: صنع الله ذلك صنعاً. يقول تعالى: ((صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ)) أتقن خلقه وأتقن وجوده وأتقن حياته وأتقن نظامه، فكل مخلوق من ملك وإنسان وجن وحيوان، وصامت وجامد، كل ذلك صُنع الله، وكل ذلك قد أتقنه ﷻ . قال تعالى: ((إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ)) فالله ﷻ هو الخبير والمطّلع على الضمائر وعلى الغيب، يعلم ما تُخفي الأنفس، ويعلم ما تُعلن، وهو الذي لا تخفى عليه خافية في السماء ولا في الأرض. هذا تفسير السلف لهذه الآية، وكذلك قال ابن جرير شيخ المفسّرين القديم ومرجعهم، وكذلك قال القرطبي وابن العربي وابن عطية من المغاربة، وكذلك قال ابن كثير والبغوي من المشارقة، وقال ذلك كل من فسّر الآية الكريمة من السلف.

стр. 958

ذكر ما قاله المفسرون المحدثون وعلماء الإعجاز في الآية الكريمة وقال المفسّرون المحدثون: إن الآية جاءت في سياق آيات متعلقة بيوم القيامة ومتعلقة بالصعق والنفخ في الصور، ولكن شأن القرآن في هذا أن يأتي بالآي في غير السياق العام تنبيهاً على قدرته تعالى وتقريراً لها. فهذه الآية ليست متعلقة بيوم القيامة، ولكنها متعلقة بعلم الفلك، فالأرض تتحرك، وتمر مر السحاب شعرنا أم لم نشعر، وذلك ليس بغريب على الله، فالله قد حمل الأفلاك على غير عمد، فالسماء في الفضاء والأرض في الفضاء، والأفلاك أعلاها وأسفلها في الفضاء. ثم إن الله تعالى قال لنا: ((وَتَرَى الْجِبَالَ))، ويوم القيامة فيه أهوال عظام، ولذلك فالناس في فزع عظيم من العرض على الله، وهم لا يدرون أيدخلون الجنة أو النار، فليس الوقت وقت رؤية ولا وقت تمعّن كما أن من بقي حياً إلى أن يُصرع ويُصعق يرى الدنيا تخرب ويرى السماوات تنشق ويرى الأرض تذهب وكأنها العهن المنفوش وكأنها لم تكن يوماً، والله تعالى يقول هنا: ((وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً))، وأما ذلك الرائي فيراها متحركة، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه:١٠٥] فهي تنسف نسفاً وتتدهده ويتبع بعضها بعضاً في الفناء. ثم إن قوله تعالى: ((صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ)) يراد به الصنع الذي كان في الخلق الأول، والإتقان الذي كان في خلق الدنيا وتنظيمها ليلاً ونهاراً وخلقها على نظام لا يزيد ثانية ولا ينقص ثانية. ولكن هذا الذي قاله المفسّرون المحدثون لم يشر إلى شيء منه القرطبي على سعة تفسيره، ولا شيخ المفسّرين ابن جرير الإمام في الفقه والإمام في التفسير والإمام في التاريخ، وقد نقلوا تفسيرها عن صحابة وعن تابعين وعن مجتهدين فلم يُنقل عن واحد منهم ما ذكره علماء الإعجاز المتأخرون والمفسرون المحدثون كـ المرجاني وجمال الدين القاسمي في تفسيره الواسع محاسن التأويل. فكلام السلف على أن ذلك يوم القيامة، ولا يسعنا إلا أن نعتمد على السلف، وقد أتوا بنقول عن الأصحاب ونقول عن الأتباع ونقول عن الأئمة. ولا نقول: إن الذي قاله المحدثون غريب، فأمر الله أعجب من حركة الأرض، فهي مرفوعة على غير عمد كما قال لنا ربنا، فالكوكب الأرضي والسماوات العلى كلها محمولة في الفضاء بقدرة الله وبإرادة الله، ومتى أذن الله بزوال ذلك تدهده كل ذلك، وزال كل ذلك ونسف نسفاً.

стр. 959

تفسير قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله خير منها) قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل:٨٩]. من جاء يوم القيامة وعُرض على ربه فجاء بالحسنة -والحسنة هنا لا إله إلا الله-، أي: من جاء مؤمناً موحداً من الأمة المحمدية أو الأمم السابقة، ومعه (لا إله إلا الله) فله خير منها، وليس هناك خير من (لا إله إلا الله) إلا رضا الله، وأما غير ذلك فلا يعلو على (لا إله إلا الله)، يدل على ذلك حديث ذاك الرجل الذي يجيء يوم القيامة وكله آثام وذنوب ومخالفات، فأمر بطرحه في النار، فقال الله ﷻ : ردّوه، لا ظلم اليوم، وإذا ببطاقة صغيرة فيها (لا إله إلا الله) توضع في كفة الميزان، فيقول هذا الذي أُمر به للنار: فما عسى أن تصنع هذه البطاقة؟! لكثرة ذنوبه وكثرة كبائره وكثرة معاصيه، وإذا بكفة الحسنات تثقل، لأن (لا إله إلا الله) لا يقف لها شيء. فمن مات وهو يقول: (لا إله إلا الله) دخل الجنة، وهل سيدخلها بعد العذاب في النار، أو يغفر الله له؟ ذاك غيب لا يعلمه إلا الله، ولكن الذي ندين الله به هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. ومن العقائد الثابتة أن النار سيدخلها الكافرون وسيدخلها مؤمنون عصاة، الله أعلم بهم، وأعلم بإقامتهم فيها، ولكن لن يخلد في النار ولن يدوم في النار من مات وهو يقول: (لا إله إلا الله). يقول تعالى: ((مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا)) وفُسِّرت الحسنة بالحسنة مطلقاً من صلاة وصيام وصدقة وسائر أنواع الطاعات. ((فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا)) وفي آية أخرى: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:١٦٠] فذاك خير من واحدة، ذاك تضعيف الله وتكريم الله للمؤمن المُحسن. ولكن السياق في المؤمن والكافر، فمن فسّر الحسنة هنا بالتوحيد وبـ (لا إله إلا الله) فالسياق يؤكد قوله. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل:٨٩]. ولا يكون هذا إلا للموحد المغفور له، فالذي أتى بهذه الحسنة لا يُفزع ولا يخاف ولا يُرعب، ولا يحصل له ما يحصل للمقصرين والمذنبين والعصاة، وما ذلك إلا لأنه أتى موحّداً مطيعاً، أتى ومعه (لا إله إلا الله) اعتقدها جنانه ونطق بها لسانه، فكان جزاؤه من ربه المغفرة والرضا، وكان جزاؤه أن أمّنه من الفزع والرعب والخوف من أن يدخل النار ومن أن يُغضب عليه. وقرئ في السبع: ((وَهُمْ مِنْ فَزَعِ يَوْمِئِذٍ آمِنُونَ)) بالإضافية، فيكون المراد فزع العرض على الله والحساب. وقراءة ((فَزَعٍ)) بالتنوين على التنكير تدل على العموم، وهي أبلغ، فيكون آمناً من الفزع بكل أشكاله، فيأمن من فزع الحساب، وفزع العقاب، وفزع دخول النار، وفزع ما يحصل للناس عموماً يوم العرض على الله ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج:٢]، فالذي يحدث للناس لا يحدث لهذا البتة، جزاء طاعته وعمله في الدنيا، فعند العرض على الله وجد جزاء عمله وطاعته وإيمانه، جعلنا الله منهم.

стр. 960

تفسير قوله تعالى: (ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار) قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٩٠]. (من جاء بالسيئة) أي: سيئة الشرك، فمن جاء كافراً بالله مشركاً بالله كافراً بالأنبياء جاحداً للإسلام، كافراً بكتاب الله القرآن الكريم وما أمر به وما نهى عنه كُب على وجهه في النار، فطُرح وقُذِف وجُر جراً على وجهه إلى النار. يقول تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [النمل:٩٠] فطرحوا على وجوههم وسحبوا سحباً إلى النار وإلى غضب الله جزاءً وفاقاً على كفرهم برسول الله محمد سيد البشر ﷺ ، وعلى شركهم بالله الواحد، وعلى كفرهم بالقرآن كلام الله الحق الذي أنزل لهداية البشرية عامّة وللجن. قال تعالى: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٩٠] يقال لهم: هذا الكب في النار وهذا السحب على الوجوه إلى جهنم جزاء ونتيجة ما كنتم تعملون في دار الدنيا، عندما دعاكم رسولكم وكتاب الله المنزل على نبيكم، وهو الذي طالما نادى: (يا أيها الناس). (يا أيها الذين آمنوا). فلم تعيروا ذلك آذانكم، ولم تستجيبوا لدعوة القرآن أمراً ولا نهياً، والآن جاء وقت الجزاء، فللمحسن الجنة ورضا الله، وللمسيء الغضب ولعنة الله والخلود في الجحيم والنيران.

стр. 961

تفسير قوله تعالى: (إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة)

стр. 962

شرف العبودية لله تعالى قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٩١]. قال الله لعبده ونبيه سيدنا محمد ﷺ : قل: إنما أُمرت أن أعبد رب هذه البلدة، فكما أمرتكم بعبادة الله أُمرت أنا بأن أمتثل رسالتي وأن أُطيع إلهي وأن أعمل بالكتاب المُنزل عليّ، فكُنت أول مسلم وكُنت أول مستجيب لما جئت به للناس كافة. و (إِنَّمَا) أداة حصر، ولذلك كان النبي ﵊ يقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، وإنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله) فأطرت النصارى عيسى فقالوا عنه: هو الله، وقالوا عنه: هو ابن الله، وقالوا: ثالث ثلاثة. فالنبي ﵊ كان يؤكد ويُلح سفراً وحضراً على أنكم مهما مجّدتم فلن تخرجوني عن كوني عبداً لله أولاً، ثم أنا بعد ذلك نبي. فأشرف صفة شرف بها المصطفى ﷺ أن كان عبداً لله، وفي المناسبات الكبيرة عندما رفع الله شأن عبده محمد ﷺ كان من أعلى الصفات وأزكى الصفات وأسماها أن يوسم بالعبد، كما قال تعالى عند ذكر الإسراء والمعراج، ولم يكن ذلك لأحد من الأنبياء قبل، ولم يكن ذلك لملك مقرّب ولا لنبي مرسل غير رسولنا وحده ﷺ ، حيث حصل له الإيمان شهوداً بما ذكر الله للخلق منذ آدم إلى خاتم الأنبياء نبينا ﷺ ، فعُرج به إلى السماوات العُلى سماء فسماء إلى سدرة المنتهى حتى كان قاب قوسين أو أدنى ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧] فقال عن ذلك ربنا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] فوصفه بالعبودية، وتلك أسمى صفة وأشرف صفة يوصف بها خاتم الأنبياء؛ لأن عبودية الله حُرّية، ولأن عبودية الله شرف، ولأن عبودية الله لا تتم بحقها إلا للمقربين من الملائكة والمرسلين وأتباع المرسلين من الأتقياء والصالحين. يقول تعالى: ((إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ)) وهذه البلدة هي مكة المكرمة التي فيها الكعبة المشرفة التي شرفت بأن جُعلت قبلة للمؤمنين وطاف بها المؤمنون منذ أيام آدم إلى أن جُددت وأُعيدت أيام إبراهيم إلى أن عادت إلى التوحيد والإيمان أيام نبينا محمد ﷺ إلى يومنا هذا، فشرفها الله وأدام التوحيد المحيط بها، وأكثر الناس الذين يعبدون الله متجهين إليها وطائفين بها، ونسبة الرب إليها تشريف لها. قال تعالى: (وله كل شيء)، فهو رب كل شيء، وكل شيء خاضع لجلاله مؤتمر بأمره، وهو خالق كل شيء ومعبود كل شيء ﷻ وعزّ مقامه. وقد فرض الله على كل إنسان في الأرض مرة في العمر أن يأتي إلى البلدة المكرّمة المقدسة طائفاً بالكعبة المشرفة، ساعياً بين الصفا والمروة، قائماً في عرفات، بائتاً في منى، قائماً بالمشاعر، مرة في العمر على أقل تقدير، ويُسن تجديد ذلك عند كل تمام خمس سنوات.

стр. 963

عدم سقوط تكاليف العبودية عن الأنبياء والصالحين يقول المصطفى ﵊: ((إِنَّمَا أُمِرْتُ)) ولو تركت الشريعة لأحد لتركت للنبي، فما زعمته الفئات الضالة من أن الإنسان عندما يعلو في الطاعة والمعرفة تسقط عنه الواجبات كذب وضلال، وهيهات هيهات! إنما أسقطها الشيطان، والشيطان عندما يمتثل الإنسان لأمره يكون قد أشرك بربه واتخذ الشيطان إلهاً. والنبي ﵊ على رفعة مقامه وأفضليته على كل الخلق كان أعبد الناس، وكان أتقى الناس، وكان أخوف الناس من ربه، ولذلك عندما اجتمع نفر من الصحابة فقال بعضهم: أصوم الدهر ولا أفطر، وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: أقوم الليل ولا أنام، فبلغ ذلك النبي ﵊ قام خطيباً فقال: (أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأُفطر، وأقوم وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني). فمن رغب عن سنة المصطفى ﷺ وسلوكه في دين الله الذي أتى داعياً إليه لا يكون من المسلمين ولا يكون من أتباع النبي حقاً، وقد نهى عن صيام الدهر فقال: (لا صام من صام الدهر). قال ابن العربي: إن كانت هذه دعوة من رسول الله ﵊ على من صام الدهر فيا ويل من دعا عليه ﵊! والمعنى أن من صام الدهر لا أصحه الله ولا أمتعه بالعافية ليصوم. وإن كان ذلك خبراً، كان معناه: لم يُعتبر صائماً، فليس له إلا الجوع والعطش، فلا أجر ولا ثواب. فيقول ابن العربي مرة أخرى: فمن أخبر المصطفى ﷺ عن عبادته وعن صيامه بأنه ليس صائماً وأنه لا أجر له ولا ثواب فإصراره بعد ذلك على صيام الدهر إصرار على المخالفة وعلى الخروج عن السنة النبوية المحمدية. فالله جعلنا أرواحاً وأجساماً نأكل ونشرب ونتزوج ونتمتع في حدود الشريعة الإسلامية، ولا نخرج عن أمر الله بمقدار طاقتنا وقدرتنا، فإن حصل شيء منا فإنا نكثر الاستغفار ونُكثر التوبة، فالمؤمن خطاء.

стр. 964

معنى قوله تعالى: (الذي حرمها) يقول تعالى لنبيه: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل:٩١]. أي: جعلها حراماً، فحرّم فيها القتل والقتال، وحرّم فيها الصيد. ولذلك جاء عن عبد الله بن عباس ﵄ فيما رواه البخاري في الصحيح ومسلم في الصحيح وأصحاب السنن أن النبي ﵊ قال: (إن الله حرّم مكة يوم خلق الله السماوات والأرض). فلم يحرّمها النبي ﷺ ولا جده الأعلى إبراهيم، ولكن حُرّمت -كما قال النبي ﵊ يوم خلقت السماوات والأرض، فإن صح أنه كان هناك خلق قبل آدم فقد كانت محرمة أيضاً عليه، لا يرتكبون فيها معاصي ولا يصيدون صيدها ولا يختلون خلاها؛ فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُقطع شجرها، ولا يُختلى خلاها، ولا ينفّر صيدها، ولا تُلتقط لقطتها إلا لمعرّف بها. وقد أكد ﵊ التحريم الأزلي منذ خلق السماوات والأرض كما فعل جده الأعلى خليل الله إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، والتحريم قد نص الله عليه وصرّح به في هذه الآية الكريمة ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل:٩١] فجعلها حراماً لا يصاد صيدها، بل ولا ينفّر، وتنفيره: إبعاده، فيحرم على الإنسان أن يفعله، أما إذا اصطاد فعليه هدي زيادة على الإثم والحرام، بل إن لقطتها لا تُحمل من الأرض إلا لمن يريد أن يعرّف بها، وإلا فاتركها في مكانها ولا شأن لك بها، فدع اللقطة في مكانها إلى أن يأتي صاحبها.

стр. 965

معنى قوله تعالى: (وله كل شيء) قال تعالى: ((وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ)). فهو تعالى رب كل شيء، ومالك كل شيء، وله السماوات العلى وله الأرضون، وله ما كان وما يكون، وله الإنس والجن والملائكة، وله الكون كله، فهو خلقه، وهو أنشأه ودبّره وقام عليه ﷻ بإرادته ومشيئته. قال تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أُمر سيد البشر عبد الله ورسوله ﷺ أن يكون من المسلمين لربه المستسلمين لطاعته والممتثلين لأوامره والتاركين لنواهيه، الداعي إلى الله والمبلّغ عنه كتابه الكريم القرآن الجامع، وسنته النبوية التي تشرح الوحي وتبيّن الوحي، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فكان نبينا أول المسلمين وأول المطيعين لما جاء به من رسالة.

стр. 966

تفسير قوله تعالى: (وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن) قال تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [النمل:٩١ - ٩٢]. والقرآن الكريم هو الكائن بين دفتي المصحف من ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] إلى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] كل ذلك كلام الله ووحي الله باللفظ والمعنى، وبتنظيم السور وتنظيم الآي، أمر النبي ﵊ بأن يتلوه، وأن يتهجد به، وأن يصلي به الصلوات الفرائض والنوافل، وأن يتلوه على الناس ببيان حرامه وحلاله وعقائده وقصصه وآدابه، فذاك أمر الله له، فلا يخرج عن أمره، وقد عصمه الله كما عصم الأنبياء من المخالفة ومن المعصية، فإذا كان رسول الله ﷺ -وهو المسلم الأول- قد أُمر بالإسلام فامتثل وأطاع، كما أُمر بتلاوة القرآن وهو المعصوم والمغفور له ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر، فما يقول المسلمون أمثالنا؟! إذاً: ذاك أمر لنا كذلك بتلاوة القرآن وبالتهجد به والصلاة والعبادة. قال تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [النمل:٩٢]. يقول الله لنبيه: افعل ما أُمرت به ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [النور:٥٤] فمن اهتدى بعد أن بلغته ودعوته وتلوت عليه كتاب الله وقرعت به أذنيه فلنفسه اهتدى، فصلاح ذلك وثواب ذلك وجزاء ذلك سيعود عليه، فالهداية عائدة إليه لا إليك، وثوابه لنفسه ودخوله الجنة لنفسه ورضا الله لنفسه. وإن خالف فقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [النمل:٩٢] فإن ضل فلم يقبل الدعوة والبلاغ، ولم يقبل كتاب الله، ولم يقبل رسالتك، ولم يهتد بهديك، ولم يمتثل لأمرك، فهذا ضال، وقل عن نفسك: ((إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ)). وكل نبي من الأنبياء جاء للنذارة وتخويف الناس من معصية الله ولتبشيرهم بطاعة الله، فمن استسلم لربه وأطاع رسله فقد اهتدى ودخل في زمرة الهادين المهتدين، فلنفسه اهتدى، ولها قدّم الحسنات وقدّم الأجر والثواب. وإن هو ضل بمعصيته وبكفران ربه وبجحود الكتاب المنزل عليه ((فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ)) أي: إنما أُمرت أن أُنذرك وأخوفك وأن أهددك وأبلغك أمر الله؛ لأن من لم يطعه وخرج عن الكتاب وعن سنة محمد ﷺ فالنار مأواه وهي جزاؤه، وأنا لست إلا منذراً مبشّراً للمؤمنين ومنذراً للكفار العصاة المخالفين، وبعد ذلك لا يلومن إلا نفسه، وإنما هي أعماله تقدّم إليه، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، كما في الحديث القدسي.

стр. 967

تفسير قوله تعالى: (وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها) قال تعالى: ﴿وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٩٣]. معناه: ابتدئ أعمالك بالحمد وأنهها بالحمد، فقد ابتدأ الله كتابه بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، وختم دخول الجنان بالحمد لله رب العالمين. وهنا يقول الله لنبيه: قد بلّغت رسالة ربك، وقد تلوت كتابه، وقد أنذرت من يُنذر وبشّرت من يُبشّر، فقل بعد ذلك: (الحمد لله رب العالمين)، فالحمد لله على ما ألهم نبينا من طاعة لربه ومن نذارة ومن بشارة ومن تبليغ لكتاب ربه، وقام بذلك خير قيام ﷺ ، ولذلك خطب قبل موته بأشهر في حجة الوداع في الأرض المقدسة عند جبل الرحمة خُطبة الوداع، وكان يودع الخلق ويودع البشر، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، فكان يقول: (هل بلغت؟ هل بلغت؟) فيقولون: نعم يا رسول الله. فيرفع أصبعه السبابة إلى السماء ويقول: (اللهم اشهد). وهنا يقول الله له وقد بلّغ: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ [النمل:٩٣]. أي: يا أيها الذين كذّبتم نبيكم وكفرتم بربكم! غداً ستردون فتعلمون، وفي الدنيا سترون الآيات. قال هذا ربنا فبلغه إيانا نبينا قبل ألف وأربعمائة عام، وقد رأينا هذه الآيات، رآها الآباء ورآها الأجداد وأدركناها نحن، وسيراها من يأتي بعدنا إلى يوم القيامة، ومنها كل ما أخبر به ﷺ مما سيكون بعده من فتن وفجور ومعصية، وعز وشرف ونشر للإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، فستخاض بحار في سبيل الله. فالعرب الذين كانوا يأكل قويهم ضعيفهم، ويصنعون الصنم من الحلوى ثم يجوعون فيأكلونه، جاءهم الإسلام فأصبحوا سادة الأرض وأئمة الأرض ومعلمي الأرض وأئمة الكون، نشروا الهدى والتوحيد، وأبطلوا الكفر وقضوا على الأوثان من الصين إلى أوروبا. فعندما كانوا مطيعين لربهم قائمين بكتابهم يحكمون في الخلق بأحكام الله حلالها وحرامها، عندما كانوا كذلك سادوا الأرض كما أخبر المصطفى ﵊. وكذلك أخبر بأنهم عندما يعصون ويخالفون ويتمردون على ربهم سينتكسون ويذلون ويحكمون من قبل أحقر الخلق وألعن البشر، وما يجري اليوم بيننا وبين اليهود والنصارى والمنافقين ما هو إلا عقوبة إلهية نتيجة تمردنا ونتيجة بعدنا عن الله وكتاب الله ورسول الله ﷺ ، ولن يعود الله بنا إلى ما كنا فيه من خير ومن عز وشرف ونصر إلا إذا عدنا إلى ربنا مرة أخرى فحكمنا كتاب ربنا وسنة نبينا.

стр. 968

تفسير سورة القصص [١ - ٣] سورة القصص من السور العظيمة التي ابتدأت بالحروف المقطعة (طسم)، وفيها يتلو رب العزة على سيدنا محمد ﷺ من نبأ موسى وفرعون بالتفصيل منذ ولادة موسى ﵇.

стр. 969

تفسير قوله تعالى: (طسم) بسم الله الرحمن الرحيم ﴿طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص:١ - ٣]. هذه السورة مكية إلا آيتين أو ثلاثاً وعدد آياتها (٨٨) آية. وهناك آية واحدة نزلت بين مكة والمدينة عندما كان نبينا ﵊ مهاجراً من مكة مسقط رأسه وبلد قومه وعشيرته، عندما اضطره كفارها إلى تركها والخروج عنها خروجاً أبدياً إلى يوم القيامة، فحُرموا بركته ورسالته، ولكن الله بعد ذلك أكرم كثيراً منهم بالإيمان، فتم الشرف لأهل مكة والمدينة بالإيمان برسول الله ثم حرّمها على الكافرين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨]. خرج الكفر منها خروجاً أبدياً، ولن يعود بحكم الله، على أن يكون له الشأن ما دامت الدنيا ودام الإسلام، أما في أُخريات الزمان وعند قيام الساعة فتلك لها حكم، وتأتي في كتاب الله، وقد أتت مرة. أما الآية التي نزلت في الطريق بين مكة والمدينة فإنها نزلت في الجحفة ميقات أهل المغرب، وهي ما تسمى اليوم (رابغ)، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [القصص:٨٥] فكانت هذه الآية وحدها تُعتبر مدنية مكية، لا مكية خالصة، ولا مدنية خالصة، ولكن تُعتبر بينهما، فقد نزلت في الطريق بين مكة والمدينة. قال تعالى: ﴿طسم﴾ [القصص:١] أي: طاء سين ميم، هذه الأحرف الهجائية التي طالما تحدثنا عنها وقلنا: إن المفسرين قديماً وحديثاً تنازعوا واختلفوا في معناها؟ فقال البعض: هي أرقام حسابية، ولا دليل لهم، وقال البعض: هي أسماء إلهية ورموز، ولا دليل لهم إلى غير ذلك من الأقوال. والأقرب للحق والصواب ما قاله الزمخشري في كشافه وسانده وأيده مفسِّر مُعاصر - أعني الشيخ الشنقيطي، وتفسيره بين التفاسير المعاصرة من أحسنها ومن أكملها دليلاً وبرهاناً - حيث قالوا: القرآن مُعجز وهذا معلوم من الدين بالضرورة علمناه علماً واقعاً تحدى الله البشر والخلق أيام نزول القرآن على سيد البشر وسيد العرب ﷺ وعلى أقوامه، وكانوا الفصحاء والبلغاء، وكانوا أمراء الكلام شعراً ونثراً، وكان القرآن قد نزل بلغتهم. فالقرآن تحداهم وأعجزهم على بلاغتهم أن يأتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، أو يأتوا بآية من مثله. نبي الله أُعطي جوامع الكلم ﵊، وهو أفصح العرب على الإطلاق، ومع ذلك إذا تكلم النبي ﷺ من قِبل نفسه قلت: هذا كلام بليغ فصيح؛ ولكنك إذا قرأت القرآن تجد الكلام المعجز، والكلام الأبلغ والأفصح. فهو عندما يتكلم بالقرآن يكون في رتبة المتكلم بكلام الله والتالي لكلام الله؛ فإذا تكلم وتحدث عن نفسه وبقوله ينزل رتبة عن ذلك، ومعناه أن القرآن فيه تعجيز للخلق أنبياء ورسلاً وملائكة وبلغاء. ومعنى معجز: أي: أعجز البشر، ومسيلمة الكذاب عندما ادعى النبوة في الحياة النبوية ذهب يقول: أنا كذلك أوحي إلي، وأخذ يتلو على الناس كلاماً يقول هو قرآنه، وكان من الهراء والسخف، ومما يضحك الثكلى ما كان يقول: أوحي إليّ، فتارة كان يقول: قسمت الأرض بيني وبين قريش، ولكن قريشاً قوم لا يعدلون، الطاووس وما الطاووس؟! والذبابة وما الذبابة؟! لها شعر ولها ريش! وأخذ يهذي هذا الهذيان؛ ولا يزال ذلك مسجلاً في الكتب ليضحك به الثكلى. وقالوا عن المعري الشامي أنه حاول كذلك في اللزوميات أن يعارض القرآن، وقد دافع عنه قومه، وعلى كل اعتبار قصد ذلك أو لم يقصده أين اللزوميات في فصاحتها وبلاغتها، وأين فصاحة النبي ﵊؟ بل أين فصاحة القرآن وبلاغة كلام الله المعجز؟ وهنا سيقول قائل: القرآن نزل بلغة العرب، وإذا كان الأمر كذلك فما معنى الإعجاز؟ فإن الله زيادة في التحدي ابتدأ الكثير من السور: ﴿الر﴾ [الحجر:١] ﴿الم﴾ [البقرة:١] ﴿حم﴾ [غافر:١] ﴿يس﴾ [يس:١] ﴿طسم﴾ [القصص:١] الأحرف هي أحرف الهجاء الثمانية والعشرين، وكأن الله يقول: هذا القرآن حروفه المتكونة منه، القائمة على جمله وتعابيره، هذه هي الحروف العربية: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف:٢] لكن أتستطيعون أن تفعلوا ذلك، والحروف أمامكم واللغة طوع يدكم؟ ولذلك لا تكاد تجد هذه الأحرف إلا وذُكر القرآن بعدها: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ﴾ [البقرة:١ - ٢] وهنا: ﴿طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [القصص:١ - ٢].

стр. 970

تفسير قوله تعالى: (تلك آيات الكتاب المبين) قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [القصص:٢]. معناه: الله تعالى تكلم بالقرآن وأنزله على نبيه بواسطة الروح الأمين جبريل عليه وعلى نبينا السلام، كان هذا من هذه الأحرف، أتستطيعون أن تأتوا بمثلها؟ هيهات لا مؤمن ولا كافر! ﴿طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [القصص:١ - ٢]. الإشارة إلى هذه الأحرف، وهذه الأحرف منها كان القرآن، ومنها كانت جمله ومفرداته وتعابيره، ومع ذلك أتستطيعون أن تفعلوا مثل ذلك؟ هيهات هيهات! التحدي كان منذ (١٤٠٠) عام، وكان في عصرنا منذ عشرين سنة أو أكثر بقليل رجل لم يمض له مثيل في البلاغة والفصاحة منذ (١٠٠٠) عام في العرب، وأعني به مصطفى صادق الرافعي ﵀ في كتابه الذي جمع بعد ذلك ومقالاته، وسميت: وحي القلم مع بلاغته وفصاحته، عندما تقرؤها تقول: فصاحة وبلاغة! ولكن عندما تقرأ الفصاحة النبوية تجد بين كلامه والفصاحة النبوية ما بين السماء والأرض، أما إذا وازنت بينه وبين بلاغة القرآن وإعجازه فالفرق هو ما بين الخالق والمخلوق؛ هذا على أنه لا نظير له ليس في عصره فقط بل من قبل عصره بأكثر من ألف عام، مع أنه عمر مقالاته وكلامه بروح الإسلام، وأخلاقه وآدابه في أبلغ عبارة وكلمة ومفردة، ولكن الإعجاز للقرآن يبقى دائماً الصفة الكاشفة المفردة المعرّفة. ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [القصص:٢] تلك: هذا الكلام أكّده صاحب الكشاف الزمخشري وأيده بتحمس وبأدلة أخذها من الاستقراء في كتاب الله، كما فعل الزمخشري وكذلك صديقنا المرحوم الشيخ الشنقيطي في كتابه أضواء البيان. ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [القصص:٢] (تلك) أي: وهذه الأحرف منها، (آيات الكتاب المبين) أي: القرآن المبين الواضح، البيّن المنير المشرق، الذي مهما لم يفهمه زيد من الناس أو عمرو من الناس فقد فهمه آخرون، فلا بد من بيانه ومعرفته إذا لم يفهمه الكل لعدم دراستهم ولجهلهم بلغة العرب، وبشريعة الإسلام، فمن أكرمه الله باللغة العربية والإمامة فيها ودراسة الشريعة الإسلامية فالقرآن له بيّن، بل هو بيّن لعموم من يعرف العربية حتى الدارجة، يستطيع أن يفهم من ذلك الدعوة إلى عبادة الله، وترك الحرام والمنكرات على قدر لغته الدارجة، أما الذي لا يعرف من العربية شيئاً فهذا أصم وأبكم، فيجب عليه تعلم العربية؛ ليعلم كتاب ربه وسنة نبيه. والإسلام فريضة على كل مسلم، ولا يتوصل إلى ذلك إلا باللغة التي أنزل بها، وما أُنزل القرآن إلا بلغة العرب، وما أُنزل إلا على سيد العرب بلغته ﷺ وفصاحته وبيانه. (المبين) أي: النير الواضح الذي يفهمه كل من أكرمه الله للتعلم من العربية والشريعة ما يدرك به المعنى والأحكام.

стр. 971

تفسير قوله تعالى: (نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق) قوله: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ﴾ [القصص:٣] كان هذا كالديباج؛ لما في داخل السورة من أحكام وفصول. يقول تعالى مخاطباً نبينا ﵊: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص:٣] أي: نتلو عليك يا محمد، ونقرأ عليك وننزل عليك ونبيّن لك. (مِنْ نَبَإِ) (من) للتبعيض أي: بعض أنباء وأخبار موسى نبي الله، أحد أولي العزم من الرسل، المنزلة عليه التوراة، من أنبياء بني إسرائيل. (نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ) أي: تلك الأكاذيب والأضاليل التي يقصها اليهود والنصارى في كتبهم المحرفة وتوراتهم بعد تبديلها وتغييرها، وفي إنجيلهم بعد تبديله وتغييره، وفي كلام علمائهم وهم أكذب وأفجر الخلق، ومن أضلهم الله على علم، نحن سنتلو ونقص عليك ونملي عليك من أنباء هؤلاء وأخبارهم (بالحق) أي: بالصدق البيّن الذي لا شك فيه، ولا مين ولا تردد ولا احتمال. ((لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص:٣]. أي: الذي آمن بالقرآن وآمن بالمرسل إليه نبينا ﷺ ، فهو الذي سيؤمن بما يتلو ويقص القرآن، أما أولئك الكفرة الفجرة الذين لم يؤمنوا بالله في الأصل ولا بكتابه ولا بنبيه هؤلاء لا يؤمنون لا بقصص القرآن، ولا بأحكام القرآن، فهم كفروا بالأصل فكيف بما جاء بعد ذلك؟! ولذلك يخاطب الله هنا المؤمنين الذين سيصدقون ما يُقال لهم إذا آمنوا، فهو يتلو علينا ذلك لنأخذ الحكمة والعبرة والفائدة لما يستقبل حياتنا ومجتمعنا وأحكامنا، وقد ذُكرت قصة موسى وبني إسرائيل في القرآن كثيراً من المرات، فما الحكمة في ذلك؟ سبقنا في الديانة عيسى، وهو آخر أنبياء بني إسرائيل، بينه وبين نبينا ﵊ ستة قرون وثلث قرن وسنوات، وليس بينه وبين نبينا رسالة ولا نبوة، وقبله سبق موسى وكان من أولي العزم، وهو الذي أُنزلت عليه التوراة، ثم أُنزل الإنجيل على عيسى، فالله يذكر لنا قصص بني إسرائيل من أتباع موسى وأتباع عيسى، وهو قد فضّلهم يوماً على العالمين، ومكّنهم في الأرض، وأرى فرعون وهامان منهما ما أراهم، ثم لُعنوا بعد ذلك وغُضب عليهم، وذلوا واستعبدوا، وأصبحوا أذل من شسع النعل، لم ذلك؟ لأنهم خرجوا عن أمر الله، وقتلوا الأنبياء، ونشروا الفواحش والفساد، وكانوا قساة القلوب. ولا تغتر أيها المسلم بما يجري اليوم فليس هو إلا استدراجاً، فعن قريب وعن قليل تقشّع، فيعودون إلى السحق بالأقدام، وإلى الطرد من جميع ديار المسلمين، ولن تقوم لهم بعد ذلك قائمة؛ لأن القرآن الكريم حدثنا بذلك، وأعطاهم فرصتين وزمنين للإفساد في الأرض، وبعد الإفساد الثاني لن تقوم لهم قائمة، وسيكون هذا الإفساد استدراجاً للقضاء عليهم وتشريدهم وطردهم. ولكن القرآن عندما يقص علينا أخبارهم يقول لنا: يا هؤلاء المسلمون الذين فضّلهم الله على كل البشر من اليهود والنصارى وغيرهم، وجميع الأمم السابقة، وجعل نبيهم أفضل وأكرم الأنبياء، ولا نبي بعده، ولا رسول بعده ودينه عالمي لكل الخلق في حين أن نبوة عيسى قومية مقصورة على بني إسرائيل. قال نبينا ﵊: (اختصصت بخمس: كان الأنبياء قبلي يرسلون إلى أقوامهم خاصة وبعثت إلى الناس عامّة) فالإسلام وحده هو الدين العالمي، وقد قلت: وأكّد هذا ما وجد في الإنجيل من قول الله تعالى نقلاً عن عيسى: إنما أُرسلت إلى بني إسرائيل خاصة، عيسى نفسه يقول: جئت إلى كباش هؤلاء اليهود ولم يرسل لغيرهم. أكّد ذلك القرآن الكريم فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف:٦] ليس رسولاً إلا لنبي إسرائيل، لم يرسل لعرب ولا أوروبيين، ولا لأمريكيين، ولا لأحد من الخلق إلا لبني إسرائيل، فلم يؤمر غيرهم بأن يكونوا أتباعه ولا أن يؤمنوا به، ولكن عندما جاء الإسلام نُسخت هذه الأديان، وانتهت نبوءات رسلهم، ثم هي كانت قد نُسخت وبدّلت وغيرت، بعد ذلك نسخت للإسلام، وأصبح بعد ذلك من لم يدخل الإسلام ولم يدن بالإسلام لا دين له؛ ولذلك يقول تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]. وقال نبينا ﵊: (والله لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي). وعيسى سينزل في آخر الدنيا من السماء، وسيكون من أتباع نبينا عليهما الصلاة والسلام، وما فعله ﷺ بأمر ربه ليلة الإسراء في المسجد الأقصى أعاده الله للمسلمين، وطرد منه القردة والخنازير وعبد الطاغوت من اليهود، حيث صلى إماماً بالأنبياء بأرواحهم، وما كانت تلك الإمامة إلا إشارة إلى أنه سيدهم وكبيرهم، والذين أُخذ عليهم العهد أن من أدرك الحياة المحمدية ليؤمنن به وليدينن بدينه ولينصرنه، ذاك أمر الله.

стр. 972

تفسير سورة القصص [٤ - ٨] كان فرعون قد طغى وتجبر وتكبر واستعمل سياسة (فرق تسد) ليتم له استضعاف شعبه واستعباده، وقد أذل بني إسرائيل غاية الذل، وحينئذٍ أذن الله بأن يولد من بني إسرائيل من تكون نهاية فرعون وملكه على يديه.

стр. 973

تفسير قوله تعالى: (إن فرعون علا في الأرض) قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٤]. يخبرنا ربنا ﷻ عن فرعون حاكم مصر مدّعي الألوهية الظالم الغشوم الذي عوقب على ظلمه ودعواه الألوهية بالغرق مع جنده وملئه وقومه، وأنه علا في الأرض وتجبّر وطغى وتكبّر وتعالى على عباد الله، وجعل أهل مصر شيعاً وأحزاباً وفرقاً، فهو من النوع الذي يطبق المثل الدارج: فرّق تسُد، وهذا مبدأ استعماري ظالم اتخذه فرعون مصر الأول وغيره من فراعنة العصر الذين طالما طغوا وعلوا في الأرض استعباداً واستصراخاً وإفساداً، فكان أول ما صنع فرعون حتى لا تجتمع عليه شعوب الأمة فيقضون عليه ويثورون في وجهه ويخلعونه عن ألوهيته الكاذبة، أن جعل أهل مصر فرقاً وشيعاً وطوائف يضرب بعضها بعضاً ويلعن بعضها بعضاً ويتآمر بعضها على بعض ليبقى وحده الحاكم المتسلط. وجاء إلى فئة من شعبه وهم بنو إسرائيل ووجدهم ضعافاً أذلاء فاستضعفهم، فاستعبد رجالهم ونساءهم وحمّلهم ما لا تطيقه الجبال ذلاً وهواناً وخدمة، فكانوا يقومون بالمشاق والمتاعب من صناعة وزراعة وإصلاح شوارع والقيام بالدور، أما الأقباط قوم فرعون فهم وحدهم المرفّهون المنعّمون بما خلق الله في الأرض من خصب ومن نعم ومن زروع ومن ثمار. ولم يكفه ذلك الاستضعاف والاستعباد والاستذلال لبني إسرائيل، فذبّح أبناءهم الذكور عندما يولدون، وترك البنات أحياء فلا يقتلهن؛ وذلك لأنه رأى في المنام أن هلاك ملك الفراعنة الأقباط في مصر سيكون على يد وليد من بني إسرائيل، فاتصل بالكهان وبمن يعبّر الرؤيا فعبّروها بأن طفلاً من بني إسرائيل ممن استذلوا واستعبدوا للفراعنة والأقباط سيولد وسيكون سبب هلاك فرعون وخلفائه وقومه من الأقباط على يده، فيغضب غضباً شديداً فيأمر بقتل كل وليد ذكر لإسرائيلية عبرانية فبقي على ذلك زمناً يرسل الذبّاحين والقوابل، عندما يعلمون بحمل امرأة من بنات بني إسرائيل، فيرقبونها إلى وقت المخاض فتدخل القوابل من الأقباط فيقمن بتوليدها، وبعد ذلك يدخل الذبّاحون فيذبحون ذلك الوليد إن كان ذكراً. ومضى على هذا سنوات وإذا بالأقباط يضجّون ويرفعون شكوى لـ فرعون قائلين: يوشك أن يموت شيوخ بني إسرائيل ولا يشب بينهم شاب لأن الصبيان يقتلون عند ولادتهم، وإذ ذلك يفقد العبيد من بني إسرائيل، فيضطرّون للقيام بما كان يفعله عبيدهم من صناعة وزراعة والقيام ببناء الدور وما عليها، وإذا بـ فرعون يأمر بأن يُترك أولاد بني إسرائيل عاماً ويذبّحون عاماً، وكان هذا من أمر الله الذي خطر بباله ليحصل ما يحصل لموسى. فولدت أم موسى وليداً وهو هارون في العام الذي لا ذبح فيه لأولاد بني إسرائيل، فكشفته للقوابل والذبّاحين من الأقباط فتركوه، وإذا بالسنة التالية تلد موسى فكان فزع أمه بولادته ذكراً فزعاً عظيماً إذ هي السنة التي يُقتل فيها ما يولد لبني إسرائيل من الذُكران، فاشتد الحال بأم موسى وحارت ما تصنع، وسيقص الله علينا في سياق القصة ما أوحى به لها وما أمرها به. فقوله تعالى: ((يُذَبِّحُ)) هذا من زيادة المبنى التي تدل على زيادة المعنى، ولو كان الذبح عادياً لقال: يذبح أبناءهم بدون تشديد، ولكن الذبح كان كاملاً ومكتملاً، وكان فرعون حريصاً عليه أشد الحرص، وكان الذبح شديداً إلى أن تُفصل الرؤوس عن الأجساد، وكان لكل حامل إسرائيلية جاسوس إذا هي ولدت ذكراً ولم يُذبح وليدها. وقوله تعالى: ((إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)) أي: كان فرعون من المفسدين في الأرض، وكان من العتاة والطغاة الظالمين، وكان ممن تأله وزعم الألوهية.

стр. 974

تفسير قوله تعالى: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض) قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص:٥ - ٦]. هاتان الآيتان الكريمتان فيهما مقدمة لما يريد الله تعالى أن يجعله لبني إسرائيل إذ أكثر فيهم الأنبياء، وكانوا خير الأمم بصلاتهم وعبادتهم ودينهم، ولكنهم خرجوا عن أمر الله فبغوا وطغوا، فتركوا الأمر بالمعروف وقاموا بالأمر بالمنكر، وانتشر الفساد بينهم فعاقبهم الله بالتشريد والتدمير وعبّدهم لـ فرعون وخلفائه، وللأقباط من قبله وسلالاتهم وذريّاتهم، جزاءً وفاقاً على كفرهم بنعم الله، وعلى الكفر بعد الإيمان، وعلى الظلم بعد العدل والإيقان. ولكن بعد أن عذّبهم الله وعبّدهم وحمّلهم الشدائد التي لا يكاد يحملها إنسان إلا مرغماً ذليلاً مستضعفاً مستعبداً، أراد الله بعد ذلك أن يرحمهم ويجدد الرسالة لهم ويبعث لهم موسى وهارون فقال تعالى: ((وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ)): يذكر ربنا أنه يريد ولا راد لإرادته، وإرادته أمر وخلق، وإرادته من ذاته ﷻ يفعل ما يشاء وينفّذ ما يشاء له الخلق وله الأمر. والآية نزلت من أجل بني إسرائيل المستضعفين عند أقباط مصر، فمنّ الله عليهم وأكرمهم وأنقذهم من طغيان الفراعنة ومن ذل الأقباط؛ فنقلهم من العبودية إلى السيادة، ومن الخدمة إلى المخدومية، ومن الرعية إلى الحكام والملوك. فقد كانوا مستضعفين محتقرين لا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم ذلاً ولا ضيماً من فرعون وملئه، فكانوا يذبّحون أطفالهم ويتركون بناتهم، ويستعبدون شبابهم وشيوخهم ونساءهم في أذل عمل وأقساه وأصعبه، وقد استجاب الله دعوة الصالحين من بني إسرائيل أيام فرعون المتأله وأيام حكم الأقباط، وكان هذا قبل الإسلام بآلاف السنين، فجعلهم ربنا أئمة: جمع إمام، أي: حكّاماً وملوكاً ومتحكمين في أرضهم وفي شعوبهم وفي أمورهم لا يبقي للفراعنة عليهم حكم ولا سلطان، وأورثهم أرض مصر، وما كان فيه فرعون من نعم وخيرات، ومن زروع وأنعام وخصب، ومن أمر ونهي، ويعيد الكرة لهم على الأقباط الفراعنة كما سيقص الله علينا في بقية القصة إلى آخر السورة.

стр. 975

تفسير قوله تعالى: (ونمكن لهم في الأرض) قال الله تعالى: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص:٦] أي: نجعلهم الممكنين المحكمين المستقلين بأرض مصر وما حولها من حكم وسيادة وسلطان وأرزاق وأنعام. ونُري فرعون المتأله الظالم المدّعي للألوهية، ونُري وزيره هامان الذي آزره وساعده على دعوى الإلوهية وعلى ظلم الخلق وذبح المستضعفين واستحياء النساء، وعلى أكل أموال الناس بالباطل، وعلى الشرك بالله ولو بنفسه، ونري جنودهما وحكومتهما وأشياعهما وأنصارهما وجيشهما. فكل من وافق فرعون على كفره وعلى تألهه سيعاقبه الله وينتقم منه انتقامه من فرعون؛ لأن من أعان ظالماً سُلّط عليه، وقد حرم الله تعالى أن يعان الظالم على ظلمه، وأن يعان الكافر على كفره، فمن فعل ذلك فهم في الظلم والكفر سواء، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] وقال نبينا ﵊: (من أعان ظالماً سُلِّط عليه). فمساعدة الظالمين ظلم، ومساعدة الكافرين كفر، وموافقتهم على ظلمهم وكفرهم تجعلك مثلهم؛ ولذلك فإن الله تعالى قال للمؤمنين من أتباع محمد ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]. فمن يوالي اليهود والنصارى، ومن يؤيدهم على كفرهم، ومن يجري خلفهم ويذل نفسه لهم ويحرص على استعبادهم؛ يكون يهودياً ونصرانياً مثلهم، ذاك صريح قول الله تعالى الذي لا مين فيه ولا شك ولا ريب؛ ولذلك فإن الله تعالى عاقب فرعون بمثل ما عاقب أشياعه وأنصاره من وزراء وكتّاب وأعوان وجنود، وكل من سانده على عمله من أمته ورعيته فأغرقهم الله في البحر جميعاً، وأورث الله الأرض والأنعام والخيرات لعبيدهم من بني إسرائيل فصاروا سادتهم وحكّامهم. فأرى الله فرعون وقومه ما كانوا يخافون منه، وهو ما قاله الكهنة في رؤيا فرعون أو ما ذكر من العلم القديم عن إبراهيم الخليل، بأن هلاك فرعون وأقباط مصر سيكون على يد رجل من بني إسرائيل، فما حذروا منه وخافوا منه لن يفيدهم، وما أفاد حذر من قدر، وما قدّره الله كائن مهما حذروا وخافوا وأعدوا ومهما هيئوا فلن يكون ذلك في نتيجته إلا وبالاً عليهم. وهذا الذي حدث، فكان موسى ﵊ السبب في القضاء على فرعون بالغرق وإذلال الأقباط، فقد نشأ في دار فرعون، وأكل طعامه ولبس لباسه ونشأ على فراشه وقيل عنه زمناً من الأزمان موسى بن فرعون، وهكذا ما قدّره الله كان، ولا يفيد حذر من قدر، وما أراده الله كائن، لا راد لقضائه ولا مدافع لسلطانه جل وعزّ وعلا.

стр. 976

تفسير قوله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه) قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص:٧]. معنى ذلك: أن أم موسى حملت بموسى تسعة أشهر كاملة، فعندما ولدت به وجدت نفسها عوضاً أن تُسر به لأنه ذكر كعادة الناس، فإن ولادة موسى كانت عليها خوفاً وهلعاً ورعباً، خاصة لما رأت من إشراق النور عليه فدخل حبه في قلبها أكثر من حب الأم للأطفال؛ لأن الله ألقى عليه محبته فلا يكاد يراه إنسان إلا أحبه ومن ذلك فرعون، ولولا ذلك لقتله ولما سمح لامرأته أن تتركه في البيت وأن تنشئه على فراشه ونعيمه. فقوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) ظاهر كلمة أوحينا أن أم موسى نبية وأن الله أوحى لها، وهل تكون امرأة نبية؟ وسنجد أن الآية جمعت بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين. وجمهور المفسرين قالوا: لم يكن وحياً من جبريل إليها كما يوحى إلى الأنبياء ولكنه كان وحي إلهام، فقد أُلهمت أن تفعل ذلك. ولكن المحققين من العلماء أبوا ذلك وقالوا: أيمكن للإنسان يوماً أن يأتي إلى وليده فيقتله أو يقذفه في البحر ويقول: أُلهمت أن أفعل ذلك؟! والإلقاء في اليم موت وقتل، ولن يكون هذا ولن يتم إلا بوحي من الله، وإلا لكانت صنعت شيئاً يتجاوز الخواطر، والخواطر قد تكون شيطانية وقلما تكون ملائكية. ثم في الآية وعد من الله أنه سينقذه وأنه سيرد وليدها لها، وأن وليدها سيصبح نبياً رسولاً، وهل الإلهامات والخواطر تصل لهذه الدرجة من الصحة ومن الحقيقة ومن الوعد؟ وقد كان الأمر كذلك، فقد رد الله لها ولدها بأحسن عيش وأسعد حالة، ثم جُعل ولدها نبياً رسولاً سيداً من سادات الأنبياء ومن الخمسة أولي العزم. فالذين قالوا إن ذلك إلهام لئلا تكون المرأة نبيةً، ونحن نقول: ذكر الله بأن الرسول لا يكون امرأة، أما أن تكون نبياً فلا مانع، فقد ذكر الله إيحاءه لـ حواء وامرأة إبراهيم، وهذا من ذاك. وتعريف النبي في العقائد هو: عبد أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، فذاك مقصور عليها فلم يجعل لها سيادة على أحد ولا يدخل ذلك في قول النبي ﵊: (ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) فهي لم تتول أمر أحد، ولم تكلف بهداية أحد، ولم تؤمر بتبليغ رسالة ولا بنزول كتاب عليها، وإنما هو شيء أوحاه الله إليها فكانت بذلك نبية بالوحي، فالأعمال التي قامت بها والوعود التي وعدت بها لا يكفي أن تكون إلهاماً، ولو قلنا هذا لفتحنا أبواباً، وقد ادعى ذلك بعض من أضلها الله وقالت: أوحي إلي، فعندما قلنا لها كيف أوحي إليك؟ قالت: كما أُوحي إلى حواء وإلى أم موسى وإلى امرأة إبراهيم وإلى أم عيسى. قلنا لها: فماذا تقصدين بالوحي؟ قالت: الإلهام والخواطر، وهذا يضل فيه الإنسان، وقد يفعل الأفعال المخالفة للشريعة ويقول: أُلهمت وأوتيت خواطر ملائكية، فيضل الضال وينتشر البلاء، وهيهات هيهات أن نُعامل الإلهامات أو الخواطر معاملة الوحي! وهذه الآية الكريمة فيها أمران ونهيان وبشارتان وخبران، وهي بذلك من أبلغ آي الكتاب الكريم ومن أفصحها ومن أجمعها للكلم في ألفاظ قليلة. ((وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ)) هذا الأمر الأول، والأمر الثاني: ((فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ)) أي: البحر، وهو نهر النيل. والنهي الأول والثاني ((وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي)). والخبر الأول والثاني ((إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ)) أخبرها الله في وحيه أنه سيرده عليها ولن يهلك في البحر ولن يغرق، وأنه سيجعله من المرسلين، فهما خبران وبشارتان، فسّرت من أن وليدها سيعود إليها وسيكون نبياً رسولاً من أولي العزم. فقوله تعالى: ((وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ)) أرضعته إلى أن جرى حليبها ودر دره ولكنها مع ذلك خافت عليه الذبّاحين. بل قالوا: دخل الذبّاحون وقوابل الأقباط عليها يريدون قتله فبادرت وجعلته في تابوت مغلق وقذفت به إلى اليم فلم يجدوا شيئاً ورأوا ثدييها يدر الحليب فقالت: أنا أرضع هارون منذ أشهر فقد ولدته في السنة التي كان فرعون لا يذبح فيها الأطفال فحليبي من وليدي، فوجدوا العلامات فتركوها. فلما ألقته في نهر النيل كادت أن تُجن ويذهب عقلها كما سيصف الله لنا، ولم تعد تفكّر إلا في الوليد الذي زاد حبه بقلبها كسائر الأولاد، ولكنه زاد لما رأت على جبينه من إشراق ومن نور وما بُشّرت به من الحضرة الإلهية أنه سيكون له شأن وسيكون نبياً ورسولاً من أولي العزم من الرسل، ولا تخافي من إلقاءه في اليم أن يغرق أو أن يختنق أو أن يموت، ولا تحزني على فراقه فإنه سيفارقك يوماً أو يومين أو أقل وسيعود وليدك إليك علناً، وسترضعينه بعز وشرف وستأخذين أجرة على إرضاع ولدك، وبعد ذلك عندما يكبر ويبلغ الأشد ويستوي في عمره وجسمه وعقله سيكون رسولاً نبياً.

стр. 977

تفسير قوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون) قال تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص:٨]. معنى ذلك أنها ألقته، وأن الأمواج أخذته إلى جوار قصر فرعون وكان على شواطئ النيل، فخرجت جواريه وخدمه على الشواطئ للعب أو الصيد أو للنزهة وإذا بهم يرون صندوقاً ترفعه موجة وتضعه موجة، فترقبوه إلى أن وصل إليهم فأخذوه ولم يفتحوه، فذهبوا به إلى الملكة آسية بنت مزاحم زوجة فرعون فقالوا: وجدنا هذا التابوت في البحر. وإذا به يفتح على وليد جميل أخّاذ جذّاب ما كادت تقع عين زوجة فرعون عليه حتى شغفها حباً وحتى أصبح كأنه خرج من رحمها. وجاء فرعون فبادرته قبل أن يبادرها فقالت له: يا فرعون هذا الوليد وجدناه في البحر ولا شك أنه جاء من بعيد. قال لها: لا بد أن يكون عبرانياً إسرائيلياً ولا بد من ذبحه، فأخذت ترجوه تستعطفه وتجادله حتى تركه. فقوله تعالى: ((فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ)) أي: التقطوا هذا الوليد موسى، واللقيط أو اللقطة معناهما: وجود شيء في الأرض وأخذه بلا إرادة ولا طلب معد من قبل، وإنما الله هو الذي أتى به لما يراد بهذا الوليد مما سيقصه الله علينا بالتفصيل في هذه السورة الكريمة. وبعد إلحاح ورجاء وافق فرعون، فسُرّت زوجته وفرحت وأعدت نفسها وكأنها ملكت الدنيا وما فيها ليتم ما يُريده الله من موسى. وآلك: أولادك وعيالك وخدمك وشيعتك، وقد قيل: كان لـ فرعون بنت ولم يكن له ولد، ولم تكن البنت من آسية بنت مزاحم وقد يكون هذا صحيحاً وقد لا يكون صحيحاً، فالآل كما يطلق على الأولاد يُطلق على الخدم والحشم والأنصار والشيعة. وقوله تعالى: ((ليَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)) أصل اللام أن تكون للتعليل، فهل التقطوا هذا الوليد وهم يريدون أن يكون لهم يوماً عدواً، أو يكون لهم أداة حزن وألم وذل وهوان؟ الجواب لا، ولكن هذه اللام قالوا عنها في لغة العرب: هي لام العاقبة والصيرورة، أي: هذا الوليد الذي أخذوه ستكون عاقبته في بيتهم عداوة وحزناً وأوجاعاً وآلاماً، فيربون على فراشهم عدواً لهم، وسيكون السبب في القضاء على ملكهم وسلطانهم، والسبب في تحرير العبيد من بني إسرائيل. وقال ابن كثير: وإن كانت هذه اللام ظاهرها أنها لام العاقبة أو لام الصيرورة ولكنها في الحقيقة هي لام التعليل من قبل الله، أي: أن الله تعالى هو الذي ألهم آل فرعون ليلتقطوه ليكون لهم عدواً وعقوبة وجزاء على ظلمهم وطغيانهم وعلوهم في الأرض بالفساد والاستكبار واستضعاف الضعاف والمساكين، والسبب في ذلك ((إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ)). وجعل الله هذا الوليد في دار عدوه ليكون سبباً في القضاء عليه؛ لأن فرعون علا في الأرض فطغى وتجبّر وكفر بالله وجعل نفسه إلهاً على الأرض، وصانعه في ذلك وتابعه هامان وزيره وأيده وسانده بالأرواح والأعمار والأجساد والأموال، وكذلك جنده وأنصاره وقومه، وأن هذه الطائفة كلها من ملك ووزراء وحكومة وجيش كانوا خاطئين، وآثمين، ومجرمين، وظالمين، فحق هؤلاء لظلمهم وعتوهم وجرمهم أن يُعاقبوا بما عاقبهم الله به وأعده لهم وهيأه لهم مع الزمن البعيد بعد سنوات.

стр. 978

تفسير سورة القصص [٩ - ١٧] عندما ولدت أم موسى خافت على رضيعها فألهمها الله فألقته في البحر، فسخر الله له امرأة فرعون فاستبقته لنفسها وبحثوا عن مرضع حتى عاد إلى أمه، ثم تربى في بيت فرعون حتى شب وبلغ أشده.

стр. 979

تفسير قوله تعالى: (وقالت امرأة فرعون) قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ [القصص:٩]. التقط آل فرعون هذا الوليد، وإذا بامرأة فرعون جاءت إلى فرعون واستعطفته وتمسحت به وقالت له: لا ولد لنا، هذا الوليد قد يكون قرة عين لي ولك، وسبب فرح وسعادة وسيادة وينشر ذريتنا وسلالتنا، ويرث عرشنا وملكنا. وأصل قرة العين هدوءها وبردها، ويكون ذلك عند الفرح بما يسر القلب ويطمئن النفس. وقيل إنه وافق وقال لها: أما لكِ فنعم، وأما أنا فلا حاجة لي به. ورووا أن النبي ﷺ قال: (لو قال فرعون قرة عين لي ولكِ لكان قرة عين له ولها أيضاً) ولكنه رفض ذلك ليتم وعيد الله، ولتتم عقوبة الله على هذا الظالم المتأله الكاذب. وقوله تعالى: (لا تَقْتُلُوهُ) باعتبار قتله لكل عبراني، وهو ولد في السنة التي يقتل فيها أطفال بني إسرائيل فأخذت ترجوه وتستعطفه ألا تقتلوه؛ (عَسَى) إن تُرك بلا قتل (أَنْ يَنفَعَنَا) أي: أنا وأنت ومملكتنا ودولتنا (أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) أي: نتبناه، عسى أن يصدر لنا منه نفع في المستقبل، أو يكون ولداً لنا حيث لا أولاد لنا. وكل ذلك رفضه فرعون فقال: لا حاجة لي بنفعه ولا ببنوته فهو قرة عين لكِ فقط، وقد كان هذا كذلك، فقد هداها الله على يده فأسلمت وآمنت وكانت من الصدّيقات، قال النبي ﵊ لـ خديجة أم المؤمنين الأولى ﵂: (ألا تدري يا خديجة أن الله سيزوجني يوم القيامة آسية امرأة فرعون ومريم أم عيسى؟) والحديث صحيح؛ وعلى هذا الاعتبار يجب أن تُعتبر آسية أماً من أمهات المؤمنين ولو في الآخرة، ومريم أماً من أمهات المؤمنين ولو في الآخرة. وهكذا من خلد ذكره في الصالحين فإنه يذكر ولو بعد حين، فخلدت آسية على لسان خاتم الأنبياء، وعلى لسان أتباعه من ورثته من العلماء إلى كل المؤمنين، فقد قال ﵊ كما في الصحيح: (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسية بنت مزاحم ومريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد). فالله ألهمها أن تقول: (قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) فلقد نفعها النفع الجزيل فآمنت وأسلمت وأخلصت لله، وامتثلت أمر موسى عندما جاء نبياً يدعو فرعون إلى توحيد الله، فنفعها وكان قرة عين لها، ورفض ذلك فرعون وبقي على كفره واستحق عقوبة الله له. وقوله تعالى: (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) كل هذا الذي يقوله الله، ويوحي به إلى أم موسى والقوم لا يشعرون بهذا، ولو شعر فرعون بأن موسى سيكون سبب هلاكه لمزّقه تمزيقاً، ولو شعر الذبّاحون والأقباط أنه سيكون سبب هلاكهم وسبب عقوبة الله لهم لذبحوه. فقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص:٩]. أي: ولو شعر فرعون بأن موسى سيكون سبب هلاكه لمزّقه تمزيقاً، ولو شعر الذبّاحون والأقباط جميعاً أن هذا الوليد الذي ينشأ على عين فرعون وفي بيت فرعون ولا يُعرف إلا بموسى بن فرعون سيكون سبب هلاكهم وسبب عقوبة الله لهم، لقتلوه منذ أزمان. فهم لا يَشْعُرُونَ بحكم الله وبالعاقبة التي يريد الله عقوبتهم بها؛ وهؤلاء الذين طالما حذروا وذبحوا الآلاف بل عشرات الآلاف لكي لا يُقتل فرعون ولا يُطرد فرعون ولا يُمحق الأقباط ولا يذهب الكهان؛ ولكن هيهات أن ينفع حذر من قدر!

стр. 980

تفسير قوله تعالى: (وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً) قال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:١٠]. قذفت أم موسى وليدها في البحر، وعندما قذفته أصبح فؤادها ضائعاً هواء، لأنها مولهة به فهي كالمجنونة الضائعة، وتصور أماً اضطرّت إلى قذف ولدها في البحر أو في النار أو ليُذبح! كيف سيكون حالها؟ وكانت قد غلبت ذاتيتها وبشريتها على ما أوحي لها به، فقد قال الله عن الأنبياء جميعاً: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف:١١٠] كان يشتد البلاء بالأنبياء، وبرسل الله حتى تضيق عليهم الأرض بما رحبت وتخطر ببالهم الخواطر التي لا تليق ولكن لا يملكون صرفها إلى أن يظنوا ويتوهموا أنهم قد كذبوا، عند ذلك يأتي النصر والفرج مع الصبر، وكذلك يأتي نصر الله ووعده الحق بالأنبياء وأتباع الأنبياء من الصادقين المؤمنين. فقوله تعالى: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا) أي: فارغاً من كل شيء في الكون إلا من موسى. (إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ) أي: كادت لتخرج من الدار وتمشي في الشوارع وتقول: واموساه! أين ولدي؟ فهذا الذي أخذته امرأة فرعون هو ولدي؟ أتحرمونني منه وأنا في الحياة وتجعلونه بلا أم؟ ألا يكفي في ذلك أن يكون يتيم الأب فيكون مرة ثانية يتيم الأم في ما ذكروا؟ وإلا فالسياق يدل على أن أباه كان لا يزال حياً ولكن لم يُذكر. وكاد في لغة العرب من أفعال المقاربة، فقوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ [القصص:١٠] أي: قاربت أن تُظهره، ولو فعلت لكان ذلك سبب ذبحه والقضاء عليه، ولكن الله ثبتها بالصبر كما ثبّتها بالوحي. وقوله تعالى: (لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا) أي: لولا أن الله صبّرها وشد على قلبها الذي ضاع وتاه، وأصبح فارغاً هواء، فثبّتها وصبّرها لكي لا تخرج من الدار وتُعلن أن هذا الوليد ولدها. وقوله تعالى: (لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي: لتكون أم موسى مؤمنة بالوحي الذي أوحى الله إليها، ولو لم تكن من المؤمنين لكانت من المكذبين، ولا يليق بنبية أن تكون من المكذّبين. فهي من المصدقات بوعد الله، وهو أن الله راده عليها، وأنها ستنعم به وأنه سيكون عند الكبر نبياً رسولاً.

стр. 981

تفسير قوله تعالى: (وقالت لأخته قصيه) قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص:١١]. وقالت أم موسى لأخته: يا فلانة! قصيه أي: اتبعي أثره، وفي مكة يسمون من يتبع آثار السارق والفار والهارب القاص، وهي لغة عربية فصيحة. وقوله تعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص:١١]: أي: فاتبعت أثره من جنب: أي: من جانب بعيد بحيث لا يشعرون بأنها تتبع الوليد، وتترسم خطاه ونهايته، فرأته ببصرها لا بعلم قلبه ولا بإخبار أحد أنه في الشاطئ، وأن جواري فرعون نزلن للشاطئ وأخذنه، فاطمأنت أنه لم يمت وبشّرت أمها بأن موسى لم يغرق ولم يضع ولم تأكله هوام البحر، ولكنها زادت رُعباً عندما دخل قصر فرعون، فإنه سيذبحه لأنه لم يكن هذا إلا لأنه كان عبرانياً إسرائيلياً. وقوله تعالى: (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) أي: لا يشعرون بأنها تتبع أثره وتترسم خطاه، وتريد أن تعلم ماذا جرى له، ولو انتُبه لها لضغطوا عليها وهي صبية ولعذّبوها إلى أن تقول الحقيقة فيضيع موسى، ولكن الله لطيف لما يشاء كما قال يوسف في قصته مع إخوته.

стр. 982

تفسير قوله تعالى: (وحرمنا عليه المراضع من قبل) قال تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص:١٢]. أي: أتوا بالمرضعات في القصر وخارج القصر فامتنع أن يرضع من أي امرأة، وهذا تنفيذ وعد الله. (وَحَرَّمْنَا عَلَيْه) أي: تحريماً قدرياً بمعنى: منعنا. (الْمَرَاضِعَ) جمع مرضعة، فكانوا يتجولون بالطفل في الطرق وزوجة فرعون تكاد تُجن أكثر من أمه الحقيقية، وإذا بأخت موسى تقف عندهم وتقول لهم: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) فقالوا لها: ما يُدريك؟ هل الولد وليدكم؟ هل أنتم الذين قذفتموه في البحر؟ فقالت: إن أُمي مسكينة وتحتاج إلى مساعدة الملك، ثم هي تنصح الملك فيما ينالها من سروره وبهجته وقرة عينه، وقد ولدت في السنة الماضية وليداً حيث كان لا يُذبح أولاد بني إسرائيل، فهي لا تزال ترضعه ولا يزال ثدياها يجريان بالحليب. وكان كلام أخت موسى كلاماً ظاهراً مقبولاً، فلو لم يكن لها وليد ووجدوها تُرضع لقالوا لها: من أين الرضاع ولا رضيع؟ ولكن الأمور كلها جاءت طبيعية ليتم وعد الله بالحق. فقوله تعالى: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل أن يصل إلى أمه وهم يتجولون به ثلاثة أيام أو أربعة أيام حتى كاد أن يموت، وأمه التي تريد أن تتبناه وهي زوجة فرعون كادت أن تُجن عليه أكثر من أم موسى. ومعنى قوله: (يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ) أي: يحضنونه ويحفظونه ويضمنون حياته وصحته وإشباعه وريّه. (وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) أي: ينصحونه ويخلصون له ويبرّون له رجاء خدمة الملك ومعروف الملك ومسرة الملك، وهي مرضعة لها وليد تُرضعه. فكان الكلام مقبولاً فاستجابوا لها، فذهبوا به إلى أمه.

стр. 983

تفسير قوله تعالى: (فرددناه إلى أمه) قال تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:١٣]. كان ذلك سبباً في أن يأتي الطفل إلى أمه، وجاءوا بالوليد فسلّمته الثدي مع العطف والشوق، وإذا بالحليب يدر من أول مرة كأنه نافورة، وإذا بالطفل يشم رائحة أمه فيلتقم ثديها ولو توسع فمه الصغير لارتضعه جميعاً، فسرّت أم موسى وبلغ ذلك زوجة فرعون، فسرّت وفرحت وقرّت عينها وطلبت منها أن تأتي إلى قصرها فجاءت، فقالت لها: أنت في بيتي وواحدة من أهلي فاخدميه وأرضعيه هنا. فقالت لها أم موسى: هذا يسرني ولكنني زوجة لرجل وأم لأولاد ومكلّفة ببيت، فلمن أترك الزوج والأولاد، فدعيه عندي فأنا سأخدمه بعيني وأنصح لكم فيه، فوافقت. وذكر النبي ﵊ أن الرجل يعمل العمل فيحتسب به على الله فيؤجر عليه كما أُجرت أم موسى على وليدها، أرضعت ولدها وأخذت أجرة. ووعد الله كان بأسرع وقت، وعدها الله بأن يرده إليها فرده خلال يومين أو ثلاثة أيام بالأكثر، قال تعالى: (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا): أي: تزداد فرحاً وسروراً وارتياحاً وبهجة بوليدها حيث سترضعه أمام الملأ دون خوف ولا وجل ولا رُعب؛ لأنه لو بقي عندها لأرضعت ولداً من أولاد بني إسرائيل، ومهما حاولت أن تُخفيه فهي في رعب مستمر، ويقع عليها رعب أشد من الرعب الأول عندما ألقته في اليم، أما الآن فهي تُرضع ولد الملك بإجلال وباحترام وبإعزاز، وهكذا وعد الله الحق إذا وعد أحداً بأن يفعل له وأن يكرمه كان وعده الحق ﷻ ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] أي: لا أحد. وقوله تعالى: (وَلا تَحْزَنَ) فقد ذهب حزنها وانتهى بأسرع وقت. (وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) ولتزداد أم موسى علماً وإيماناً ويقيناً بأن وعد الله حق، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) ولكن أكثر الناس لا يثقون بعهد الله ولا بوعده ولا يؤمنون بذلك فهم كفرة فجرة، وقد يكونون مسلمين يعلمون وعد الله الحق بنصرة المسلمين ومع ذلك لا يطمئنون، وذاك من ضعف إيمانهم وقلة يقينهم.

стр. 984

تفسير قوله تعالى: (ولما بلغ أشده واستوى) ولما ذكر الله تعالى ولادته وطفولته ورضاعه، ذكر بعد ذلك نشأته من بداية شبابه إلى اكتماله ونضوجه، فقال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [القصص:١٤]. لما بلغ موسى الحلم والأشد: ما بين الثامنة عشرة إلى الثالثة والثلاثين من بداية الشبيبة إلى اكتمالها ونضجها (وَاسْتَوَى) أي: أتم الأربعين، لا يكون استواء الرجولية إلا عند الأربعين عاماً من عمر الإنسان، فهو العمر القابل لإرسال الرسالات ووحي الله تعالى لعبيده من البشر كما أرسل نبينا محمداً ﷺ وهو ابن أربعين سنة. وقوله تعالى: (آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) أي: آتاه الله الحكمة والعلم والفهم، أما النبوة فلم تأت له إلا بعد أن يترك البلد ويهدد بحياته ويصبح في أرض مدين، وتلك مرحلة ثالثة وليست المرحلة الأخيرة من المراحل التي قص الله علينا من سيرة موسى. فعندما بلغ موسى هذا السن وهو ما دون الأربعين سنة أكرمه الله بالفهم والحكمة، ومن ذلك أنه كان على دين آبائه، كان موحداً ومؤمناً بما تبقى من رسالات بني إسرائيل. قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) كل من عاش محسناً في حياته مطيعاً لربه مصدّقاً بوعده غير مخالف ولا عاص فإن الله يحسن إليه كما أحسن إلى موسى ﵊؛ فالله القديم الأزلي الذي لا أول له ولا آخر له وهو على ما كان عليه كائن، وكما أكرم الأولين فهو يُكرم الآخرين وفضل الله تعالى لا يحجّر ولن يحجّر، من أحسن في دينه وطاعته وأكرم مثوى نفسه وأخلص الخدمة لعباد الله المؤمنين؛ فلم يسرق ولم يزن ولم يخالف فإن الله تعالى يجزيه أحسن ما يجازي به عباده الصالحين، كما أحسن لموسى يحسن لمن فعل فعله من الطاعة والامتثال فزاده العلم والحكمة.

стр. 985

تفسير قوله تعالى: (ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها) قال تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص:١٥]. بعدما أصبح موسى في هذه الدرجة من الوعي والفهم والعلم، بينما هو في يوم من الأيام قد دخل المدينة واسمها عين الشمس، وهي المدينة التي نشأ فيها، ولكن كان وهو كرئيس وابن الملك قلما يخرج للشوارع، فبدا له أن يخرج يوماً في وقت خلاء الشوارع وليس فيها أحد كشأن الكبراء عندما يريدون أن يتنقلوا ويسيحوا في البلاد. فخرج في وقت القيلولة والراحة أو ما بين المغرب والعشاء، وهو وقت نهاية عمل اليوم والعودة إلى البيت للعشاء والراحة، فخرج في هذا الوقت وكانت الطرق خالية ليس فيها أحد، وإذا به وهو يتجوّل يجد رجلين يقتتلان ويتخاصمان ويتنازعان ويضرب بعضهما بعضاً، ويكاد يقتل أحدهما الآخر أو يُقتلان معاً، (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِه) أي: الإسرائيلي فهو من قومه (عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّه) أي: القبطي، وكان موسى قوي الجسم متين العضلات فجمع أصابع يده فوكز القبطي بضربة فألقاه ميتاً، وهو لا يريد قتله ولكن يريد الانتقام منه نصرة للذي من شيعته وقومه. فقوله: (فَوَكَزَهُ مُوسَى) الوكز الضرب بجمع اليد عند الصدر. (فَقَضَى عَلَيْه) أي: كانت القاضية على حياته، فعندما رآه موسى يُصرع ميتاً (قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَان) أي: أنا لم أرد قتله ولم أفعل ما يكون سبباً لقتله، فالشيطان هو الذي تدخل في الموضوع فدفع موسى وحمسه إلى أن قتله. (إِنَّهُ عَدُوٌّ) أي: إن الشيطان عدو للإنسان منذ امتنع من السجود لأبيه آدم، و (مُضِلٌّ مُبِينٌ) فهو لا يسعى إلا في ضلال الناس وفي إفسادهم، فهو مضل ظاهر بيّن واضح لمن عمي قلبه قبل أن يعمي بصره، إذ ذاك موسى وقد أوتي الحكمة والعلم والفهم والدين ولم يوح إليه بعد فقال كما ذكر تعالى:
следующие страницы →