Полный текст (10 391 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
المكفرات العشر للذنوب والخطايا
إن الدواء من الذنوب والخطايا، والحل من السيئات والذنوب يكمن في عشرة أمور، من أدركه واحدٌ من هذه العشرة، أنجاه الله، ورحمه وغفر له، ومن لم يدركه واحد من هذه العشرة فقد خسر الدنيا والآخرة، وقد شرد على الله، وتفلت على حدود الله، كما يتفلت الجمل الشارد على أهله، وهذه العشرة، اسمها: الكفارات العشر، أو المكفرات العشر للذنوب والخطايا، فيجب على المسلم أن يعتني بها، وأن يبادر بها، وأن يحققها، وأن يحاول أن يتشبث بواحدة منها حتى ينقذه الله، وحتى يسلمه الله، وحتى يعافيه الله من البلاء، ومن الضنى، والضنك، والردى.
أول هذه العشر: التوبة:-
فإنها واجبة على عموم الناس، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ [التحريم:٨] ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣] ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ [النساء:٦٤].
فالتوبة يا عباد الله!
وثانيها: الاستغفار:
قال ابن تيمية شيخ الإسلام في المجلد العاشر من فتاويه وكرر ذلك في الحادي عشر، وفي رسالة رفع الملام عن الأئمة الإعلام: "قد ينفع الاستغفار بلا توبة" والله قد أمر بالاستغفار، فهو العامل الثاني، وهو مطهر من الذنوب.
فأوصيكم بكثرة الاستغفار، فإنه مكفر للخطايا والذنوب.
وثالثها: دعوات المؤمنين لك:-
والتي اكتسبتها بحسن خُلُقِك، وتعاملك معهم، فدعاؤهم لك بظهر الغيب، يكفر الله به عنك الذنوب والخطايا.
ورابعها: ما تجده في الحياة الدنيا من مصائب:
من زلازل، ومحن، وكوارث، فهذه المصائب يكفر الله بها من سيئاتك، كما تَحُتُّ الشجرةُ ورقَها، حتى تخرج نقياً من الذنوب، بشرط أن تكون قائماً بفرائض الله.
وخامسها: الحسنات التي تفعلها:
من الصدقات، والنوافل، وحسن الخلق، وصلة الرحم، وحسن التعامل مع الناس، من الأذكار، من أعمال البر جملةً وتفصيلاً قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤].
سادسها: ما تجده عند سكرات الموت، يوم يأتي الوعد الحق، يوم تأتي ساعة الصفر، يوم يأتي اليقين، يوم يتخلى عنك الأحباب، والأصحاب، والولد، والزوجة، والرحم والقريب، يوم لا يقف معك إلا الواحد الأحد: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] فما يأتيك من سكرات فهي من المكفرات بإذن الله.
سابعها: ما تجده في القبر من منكر ونكير:
من فتنة الفتان أعاذنا الله وإياكم من تلك الفتنة وثبتنا الله وإياكم يوم: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم:٢٧].
والقبر روضةٌ من الجنانِ أو حفرةٌ من حُفَر النيرانِ
إن يكُ خيراً فالذي مِن بعدِهِ أفضلُ عند ربنا لعبدِهِ
وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ
ثامنها: ما يجده المسلم من أهوال يوم القيامة:-
من المنظر الرهيب الرعيب البهيت، المدهش المذهل، من الصراط، ورؤية تطاير الصحف، ورؤية الشمس وقد دنت، والعرش وقد اقترب من الناس، وكثرة الخلائق، وكثرة الهلع والخوف والفزع، هذا كله مكفر للذنوب.
والمكفر التاسع: شفاعة سيد الخلق ﷺ :
لا أحرمنا الله وإياكم شفاعته، ونسأل الله أن يدخلنا في شفاعته:
واستشفعَ الناسُ بأهل العزم في إراحة العباد من ذا الموقف
وليس فيهم من رسول نالها حتى يقول المصطفى أنا لها
فهذا مكفر تاسع: يدخل فيه أهل الكبائر، مَن شاء الله أن يرحمه من أهل الكبائر أدخله في شفاعة سيد الخلق، ومَن شاء أن يعذبه منهم كبَّه الله على وجهه في النار، لكن لا يُخلَّد في النار إذا كان موحداً.
والعاشر: رحمة أرحم الراحمين:
يوم تنتهي التسعة الأسباب، وتتقطع الجبال، وتُوصَد الأبواب، وتنتهي هذه التسعة، يبقى السبب العاشر، تأتي رحمة أرحم الراحمين.
فنسأل الله أن يرحمنا وإياكم برحمته، وأن يتولانا بولايته، فمن فاتته هذه العشر فلا يلومَنَّ إلا نفسه، ولا يبكي إلا على حظه ونصيبه، ولا يندم إلا على كسبه، ولا يعود باللائمة إلا على ذاته، فهو الذي أساء كل الإساءة، وفرط كل التفريط، وضيع كل الإضاعة.
عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد، اللهم اعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة.
يا رب العالمين، اللهم اجزه خير الجزاء، جزاء ما قدم للبشرية، وما أهدى للإنسانية، وما دفع به في نحر الوثنية.
اللهم ارفع مقامه، واكتب له الوسيلة، وارفع درجته عندك يا رب العالمين.
وارضَ اللهم عن أصحابه الأطهار، من المهاجرين والأنصار، ومن تَبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنِّك وكرمك، يا أكرم الأكرمين.
اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، اللهم أخرجهم من الظلمات إلى النور، واهدهم سبل السلام، وأيدهم بتأييد منك، يا رب العالمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك، برحمتك يا أرحم الرحمين.
اللهم من أراد للإسلام عزاً ونصرةً وتمكيناً فمكنه في الأرض يا رب العالمين، وأصلح باله، واشرح حاله، ووفقه لكل خير، وأيده بتأييد منك، يا رب العالمين.
اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين والصالحين بشرٍ فاشغله بنفسه، واجعله كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1227
حق المسلم على المسلم
استشرى الاختلاف في الأمة الإسلامية بين الدعاة، وتوسعت الفجوة، ولكي تنتهي هذه الفرقة وهذه الاختلافات لابد من العودة إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ ، وإلى غرس الإخاء والمودة بين المسلمين، ومعرفة حقوق المسلمين على بعضهم البعض.
وفي هذه المادة ذكر لهذه الحقوق العظيمة التي لابد من وضعها في الاعتبار.
стр. 1228
عظم حق المسلم
الحمد لله العلي الغفار، الواحد القهار، مكور النهار على الليل، والليل على النهار، أحمده وأشكره وأستغفره، وأنيب إليه وأتوب إليه من جميع الأوزار، وأشهد أن لا إله إلا هو شهادة تبلغني وإياكم تلك الدار، دار النعيم التي أعدت للأبرار، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، خيرة البشر، ﷺ ما تألقت عين لنظر، وما اتصلت أذن بخبر، وما هتف طير على شجر، وما انهمل مطر، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمَّا بَعْد:
أيها الناس! إن من أعظم مقاصد الرسول ﵊، بل إن من أجل أهداف الإسلام أن يؤلف بين قلوبنا، وأن يوحد بين صفوفنا، وأن يرأب الصدع بيننا، فإذا لم يتم ذلك؛ فلنعلم جميعاً أننا تلبسنا بالإسلام، وما اهتدينا إلى طريقه، وما تشرفنا بحمله، يقول الله تعالى ممتناً على الأمة العربية التي كانت ضائعة ضالة متفرقة، متحاسدة متحاقدة متقاطعة: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣].
فسبحان من ألف هذه القلوب ووحد بينها، ورأب صدعها؛ فاستقلت بحمل الرسالة إلى البشرية والله يأمرنا بالاعتصام، وينهانا عن الفرقة وموجباتها من بغضاءٍ وحسد وغيبة، ومن هتك الأعراض، ومن تشريح وتجريح، يقول الله سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٣].
стр. 1229
اقتران الإيمان بالمحبة بين المؤمنين
اعلم أيها المسلم أنك لن تنال رضوان الله ولا عفوه ولا رحمته حتى تود لأخيك المسلم ما توده لنفسك، ولذلك يقول ﵊: ﴿والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ قال: أفشوا السلام بينكم﴾.
وإفشاء السلام معناه: بسمة الوجه وإطلاقه وبشاشته، وحرارة العناق ويوم أن توجد البغضاء بين الأسر والمجتمعات وطلبة العلم، يحل الغضب والمحق واللعنة والعياذ بالله، يقول ﵊: ﴿إياكم وفساد ذات البين، فإن فساد ذات البين الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين﴾.
стр. 1230
سلامة الصدر
إذا أردت أن تنام وطرحت نفسك على الفراش، وأوكلت نفسك باريها، فتذكر هل تضمر للمسلمين غشاً، هل تحمل لهم حقداً أو ضغينة، إن كنت تحمل ذلك فصحح إيمانك، وجدد إسلامك، فإن في قلبك غشاً وحقداً على عباد الله.
كان الرسول ﷺ جالس مع أصحابه في المسجد وهو مع الشبيبة الطاهرة التي حملت لا إله إلا الله إلى البشرية، فبينما هو يحدثهم قطع الحديث فجأة، وقال: ﴿يدخل عليكم من هذا الباب رجل من أهل الجنة﴾.
إذا بهذا الرجل تتقاطر لحيته بماء الطهور والوضوء البارد الذي يشبه برد قلبه ويقينه، وحذاؤه في يده اليسرى، فيدخل ويصلي ركعتين ويجلس، وفي اليوم الثاني يعيد ﷺ هذا الكلام ويدخل هذا الرجل، وفي اليوم الثالث يكرر الكلام ويدخل ذاك الرجل عجيب بم دخل الجنة؟! أبصيام وصلاة؟! أبكثرة قراءة ومحاضرات؟! أبصدقة وبذل وعطاء؟!
لا.
الأمر أعظم من ذلك، إن من الناس من يدعو ولكنه حقود، ومن الناس من يتصدق ولكنه حسود، ومن الناس من يبذل ويضحي ولكنه يبغض عباد الله، ويرصد لهم.
ولما سمع عبد الله بن عمرو رسول الله ﷺ يقول ذلك، حرص على معرفة سر ذلك، فلازم هذا الرجل، وأمسى عنده ثلاث ليال، انتظر ليقوم يصلي الليل فلم يقم ليصلي الليل، نظر للصدقة فليس هناك صدقة كثيرة، نظر إلى صلاته في النهار فوجده يصلي الفرائض فحسب، فودعه وقال: يا أيها الرجل! ما أمسيت عندك ثلاثاً؛ إلا لأن الرسول ﵊ أخبرنا أنك من أهل الجنة ثلاث مرات، فأسألك بالله ما هو عملك الذي بلغك دخول الجنة؟ فما رأيت عندك قيام ليل ولا كثرة صلاة ولا صدقة! قال: أما وقد سألتني فوالله الذي لا إله إلا هو إنني لا أبيت وفي قلبي لأحد من المسلمين غش ولا حسد كائناً من كان، لا أجد على المسلمين غلاً ولا حقداً ما أبرد قلبه!
ماذا التقاطع في الإسلام بينكم وأنتم يا عباد الله إخوان
لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان
اليهودية والنصرانية، والصهيونية العالمية، والشيوعية وأهل الحداثة، وأهل الفجور يختلفون، لكنهم في حرب المسلمين يتفقون، أما أهل الإسلام فمتفرقون على أساليب وأطروحات وحقد دفين، وغيبة في الأعراض.
стр. 1231
حرمة المسلم
جاء في الأثر أن الرسول ﷺ نظر إلى بيت الله الذي بناه إبراهيم، ثم قال: ﴿ما أعظمك! وما أجلك! والذي نفسي بيده للمسلم أعظم حرمة عند الله منك﴾.
ويقول الرسول ﵊ لنا ولكم، ولمن سلك طريق الإسلام: ﴿المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه﴾.
يا أيها الذي جلس في المجلس ليغتاب عباد الله المؤمنين! يا أيها الذي انتهك حرمات العابدين المتوجهين! أما تعرف أنك تحارب الدين الإسلامي؟! أما تعرف أنك تقوم بحرب شعواء ضد الرسالة الخالدة؟! اتق الله في نفسك اتق الله في مصيرك وتذكر أننا أمة واحدة، يقول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] فأكبر صفات المؤمنين أنهم إخوة
إن كيد مُطَّرف الإخاء فإننا نسري ونغدو في إخاء تالد
أو يختلف ماء الوصال فماؤنا عذب تحدر من غمامٍ واحد
أو يفترق نسب يؤلف بيننا دين أقمناه مقام الوالد
إن الذين يسعون إلى الفرقة بدعوتهم وأساليبهم وحقدهم، إنهم يحاربون الرسالة الخالدة التي أتى بها الرسول ﷺ عجيب كيف يتحد الباطل صفاً في حربنا، ونحن شيع وأحزاب ومجالس وأساليب لا نتحد ولا نتفق ولا نتآخى؟! إنها قاصمة الظهر!!
حتى الجهاد الأفغاني، جهاد المجاهدين الأفغان وهم على الجبهات يلتحفون السماء ويفترشون الغبراء، لا يجدون كسرة الخبز، سلَّموا لله دماءهم وأموالهم وأطفالهم وهدمت بيوتهم وقعقعت مساجدهم، ودكدكت مآويهم، ثم يدخل فيهم من يفرق الكلمة، وينظر أنه هو المصيب وأن غيره المخطئ فلسطين يقوم الأطفال والنساء بالحجارة الصغيرة يدافعون بها الدبابات والطائرات والقنابل، ومع ذلك يجلس بعض الناس على الكنبات والمأكولات والمشروبات والفلل والسيارات، ولا هم له إلا أن يغتاب عباد الله: أقول لهؤلاء:
أقلوا عليهم لا أباً لأبيكم من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
إن كنتم لا تستطيعون أن تخدموا الرسالة الخالدة، وأن تدفعوا العدو المارد، فنسألكم بالله أن تكفوا ألسنتكم عن عباد الله.
البغضاء -يا عباد الله- شتتت الأسر في مجتمعاتنا، فقد وجد أن من الأرحام من يحقد على رحمه، ومن يتعرض له، ويكيد له المكائد، ولذلك قست القلوب، وجفت العيون، وانقطعت البركة في الأرزاق بذنوبنا وخطايانا ﴿والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟! أفشوا السلام بينكم﴾
стр. 1232
معاملة الرسول ﷺ لأصحابه
يقول الرسول ﷺ لـ عمر حين استأذنه للعمرة -كما عند الترمذي - يقول ﵊ وهو يعانقه ويودعه: ﴿لا تنسنا من دعائك يا أُخي.
قال عمر: كلمة ما أريد أن لي بها الدنيا وما فيها﴾ وجد من الناس ممن نصب نفسه داعية أو منظراً أو مفيداً من له مواصفات مع الناس؛ يبتسم لهذا ولا يبتسم لذاك، ويهش لهذا ولا يهش لذاك، وليعلم الذي يخسر الناس أنه إنما خسر نفسه؛ فإن الرسول ﷺ يقول: ﴿تبسمك في وجه أخيك صدقة﴾ ويقول: ﴿ولو أن تلق أخاك بوجه طلِق أو طلْق أو طليق﴾ ويقول جرير ﵁: ﴿والله ما رآني ﷺ إلا تبسم في وجهي﴾.
فيا عباد الله! الله الله في حقوق المسلمين الله الله في أعراض المسلمين الله الله في دماء المسلمين إن الله سوف يسألكم يوم العرض الأكبر ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].
стр. 1233
من حقوق المسلم
واعلموا أن للمسلم على المسلم حقوقاً كثيرة، نذكر بعضها.
стр. 1234
نصيحته إذا استنصحك
فمن حقوق المسلم: أن تنصح له فإذا أتاك في قضية، أو شاورك في أمر؛ فأخرج الغل والغش من نفسك، واجعله مكانك، وأحب له ما تحب لنفسك، ودله على ما ترى أنه الصواب؛ لأن من الناس من هو خائن، فإذا استنصحه أخوه أودى به في داهية؛ لأنه يريد به النكاية والنكال في الدنيا والآخرة.
стр. 1235
تشميته وإجابة دعوته
ومن حقوق المسلم: أن إذا عطس فحمد الله فشمته وهي سهلة عندنا في المنظور، لكنها كبيرة في الواقع.
ومن حقوق المسلم: أن إذا دعاك فأجبه، إلا أن ترى أمراً منكراً، ودعوة المسلم ليست بالسهلة، وبعض الناس لا يجيب إلا طائفة من الناس لكبر نفسه فلا يجيب إلا طائفة الأغنياء والمترفين والسادة، أما المساكين والفقراء والمحرومون فيجد خجلاً أن يذهب إلى بيوتهم، سبحان الله! أأنت أكرم أم رسول الهدى ﷺ ؟! يقول ﷺ : ﴿لو أهدي إلي كراع لقبلت ولو دعيت إلى كراع لأجبت﴾.
تدعوه العجوز على كسرة خبز، فيذهب فيجلس على حصير ويأكل معها، وهو أشرف من طرق الإنسانية وهدى البشرية، ودكدك كيان الوثنية.
توقفه امرأة مسنة في حرارة الشمس فيقف معها حتى تنصرف هي، وتأتي الجارية فتأخذ بيده فيذهب معها فتريه حدثاً في السوق، ولعلها عناق ماتت، وهو حدث سهل لكنه حدث كبير عند الطفلة، فيبتسم معها ويعيش مشاعرها، ويموت طائر لأحد أطفال المدينة، فيذهب يواسيه في البيت سبحان الله! يقول الله له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] فإذا دعاك المسلم فأجبه؛ لأنك تجبر الكسر الذي في قلبه، فما أحسن أن يراك أجبت دعوته، وأكرمته بالحضور، وأريته نفسك في بيته!
стр. 1236
إلقاء السلام عليه
ومن حقوق المسلم على المسلم: أن إذا لقيته فسلم عليه ومعنى السلام أن تقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإذا قلت له ذلك فكأنك أعطيته عهداً ألا تحاربه، وألا تحمل الضغينة عليه، وألا ترصد له المراصد ومن الناس من لا يسلم إلا على المعرفة، وهذا من علامات الساعة، ونمر بالأسواق وعلى مجامع الناس وبقالاتهم ودكاكينهم فلا نسلم إلا على من نعرف، وهذا نقص في مفهوم الإسلام، يقول ﵊ لما سئل: ﴿أي الإسلام خير؟ قال: أن تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف﴾ ويوم أن نسلم على بعضنا يزيل الله الضغينة من القلوب ويخرج الأضغان.
стр. 1237
عيادة المريض واتباع الميت
ومن حقوق المسلم: أن إذا مرض فعده، وفي الحديث: ﴿من عاد مريضاً مسلماً شيع بسبعين ألف ملك﴾ وجاء عند الإمام مسلم: ﴿من عاد مسلماً كان في خرفة الجنة حتى يعود إلى بيته﴾ سبحان الله! يمرض أخوك المسلم ثم لاتعوده!
وقد أصبحت عيادة المرضى على أوسمة الدنيا ومقامات الدنيا، وبعض الناس لا يعاد إلا رياءً وسمعة، فلا يكتب الله الأجر لمن عاده ويمرض الفقير بجانبك فلا تعوده، ويمرض طفل جارك فلا تنظر إليه ولا تسأل عنه، لكن إذا مرض سيد من سادات الدنيا، فتذهب وتعتذر وتخدمه من أجل الدنيا، سبحان الله! إن ما عند الله خير.
ومن حقوق المسلم: إذا مات أن تتبع جنازته فإن المسلم محتاج إلى أخيه المسلم في الحياة الدنيا بعد الموت؛ محتاج إلى دعائه، وما أحسن أن تقف على جنازته فتدعو له ﴿ما دعا أربعون مسلماً لا يشركون بالله شيئاً لمسلم إلا شفعهم الله فيه﴾ فإذا وقفت على جنازته فأخلص الدعاء له.
يقول عقبة بن عامر: ﴿كنت مع رسول الله ﷺ في جنازة فاقتربت منه حتى مست ثيابي ثيابه، ثم سمعته يدعو للجنازة -انظر إلى الدعاء الحار الصادق، انظر إلى الدعاء الذي ينبعث من القلب، في أعظم مصرع يصرعه الإنسان، وهل تُعَلَمُ كارثة في الحياة أكبر من أن يلف المرء في الأكفان، ويطرح أمام الناس ميتاً؟! - قال: فسمعته يقول: اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم أبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراًَ من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، قال عقبة: فوددت والله أني أنا الميت﴾.
قال ابن مسعود: ﴿أتى النبي ﷺ إلى ذي البجادين، فأنزله قبره، فلما وضع التراب تحت رأسه قال: اللهم إني أمسيت عنه راض فارض عنه﴾.
стр. 1238
من حق المسلم العفو عنه
ومن حقوق المسلم: أن تعفو عنه، خاصة إذا طرح أمامك في صلاة الجنازة، فكل ما أخذ من حقك، تقول: عفا الله عنه، سامحه الله، انتهك عرضك أو سبك أو شتمك في الحياة، فتعفو عنه؛ لتلقى الله وأنت مرحومٌ، فإنه من يرحم الناس يرحمه الله .
أيها المسلمون! أنتم أبناء دين واحد، كتابكم واحد؛ ورسالتكم واحدة، فنسأل الله أن يرزقنا وإياكم التآخي والتآلف والمودة والصلة والكلمة اللينة، كما كان يفعل ﷺ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
стр. 1239
الغيبة من أمراض المجتمعات
الحمد لله المعروف بالإحسان المحمود بكل لسان ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن:١ - ٦] والصلاة والسلام على رسول الإسلام، هادي الأنام، أفضل من صلى وصام وطاف بالبيت الحرام، مدكدك دولة الأصنام، صلىالله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أيها المسلمون: لقد انتشر في أوساطنا وفي بيوتنا ومجتمعاتنا مرض الغيبة، والمشتتة للقلوب وهي المفرقة للكلمة، ولا يغتاب إلا أحد رجلين:
رجل نسي الله، ونسي موعوده ولقاءه، فهذا همه أن يتفكه في أعراض المسلمين، وأن يأكل لحوم المسلمين، قال الله: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢].
ورجل آخر ركبه الهوى، وأراد أن يتشفى في الأعراض، وأن ينتقم لنفسه، فشغل نهاره وليله باغتياب عباد الله قيل للنبي ﷺ : ﴿ما الغيبة؟ قال: ذكرك أخاك بما يكره قيل له: أرأيت إ ن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته﴾.
стр. 1240
مواقف للسلف من الغيبة
أتى رجل إلى الحسن البصري ﵀ فقال: يا أبا سعيد، فلان بن فلان اغتابك صباح هذا اليوم، سبك وشتمك في المجلس، فقال انتظر قليلاً، فذهب فأتى بطبق فوضع فيه رطباً، ثم قال له: اذهب إليه وسلم عليه، وقل له: أهدى لنا حسناته وأهدينا له رطباً، والحسنات أغلى من الرطب.
وأتى رجل إلى جعفر الصادق، فسب رجلاً من المسلمين في مجلسه، فقال له جعفر الصادق -وهو من العلماء الكبار في الأمة: أقاتلت الروم؟! أقاتلت فارس؟! قال: لا.
فقال: يسلم منك الروم وفارس ولا يسلم منك المسلمون!!
стр. 1241
موعظة لمحمد بن واسع
أتى رجل إلى محمد بن واسع، فأخذ ينتقد عباد الله ويغتابهم، فقال محمد بن واسع: أما ذكرت إذا لففت في الأكفان؟ أما ذكرت إذا وضعت على الخشب وغسلت بالماء بعد الموت؟ أما ذكرت إذا وضع القطن على عينيك وفي فمك؟ قال: نعم ذكرت قال: اتق الله في أعراض المسلمين.
عرض المسلم أمره عظيم، يوم أن يجلس المسلم فينسى الله وموعوده ويتحدث عن أعراض المسلمين بالهوى، ويسب ويشتم استجابة للهوى، ولقد عرفنا وعلمنا واستقرأنا، وعرفتم وعلمتم واستقرأتم، أن من الناس من يسب غيره وهو يعلم أنه أتقى لله منه وأزهد منه، لكنه يعتدي عليه لأسباب دنيوية، إما لأنه ما وافقه في مشربه وهواه وطريقته وأسلوبه، أو لأنه خالفه في قضية، أو لأنه اعتلى عليه في بعض الأمور النفعية الكسبية في الدنيا.
فيا أيها المسلمون: الله الله في حفظ اللسان
لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألسن
وعينك إن أبدت إليك معايباً لقوم فقل: ياعين للناس أعين
стр. 1242
الدفاع عن المسلم وستر عورته
ومن سنن الله في الكون أن من حفظ أعراض المسلمين حفظ الله عرضه، وأن من جرح المسلمين فضحه الله على رءوس الأشهاد، وفي الحديث: ﴿يا أيها الناس! لا تتبعوا عورات المسلمين؛ فإن من تتبع عورة مسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في عقر داره﴾.
ومن سنن الله أنه يدافع عن المؤمنين، فاجعل الدفاع بيده يدافع عنك قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٨].
كان السلف الصالح تسود المودة بينهم فمن منا اليوم يدعو لإخوانه في السحر ويسميهم بأسمائهم؟! يقول أبو الدرداء وهو يؤسس مدرسة الحب والإخاء: [[والله إني لأدعو في السحر لسبعين من إخواني بأسمائهم]] ويقول الإمام أحمد يوم رأى ابن الشافعي: أبوك من الذين أدعو الله لهم في السحر بأسمائهم ولذلك يقول الإمام الشافعي لما عوتب في زيارة الإمام أحمد، والشافعي أكبر سناً:
قالوا يزورك أحمد وتزوره قلت الفضائل لا تغادر منزله
إن زارني فلفضله أو زرته فلفضله فالفضل في الحالين له
ويكتب الإمام الشافعي يكتب للإمام أحمد ويقول له:
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواءً في البضاعة
فالله الله في الدعاء للمسلمين والله الله في حفظ عوراتهم والله الله في العفو عن زلاتهم وخطاياهم، فإن الخلاف في الفرعيات لا يوجب الفرقة ولا التنازع، والذين قالوا: الاختلاف سنة ولابد منه هم مخطئون، والحديث الذي يقول: (اختلاف أمتي رحمة) لا يصح، وابن تيمية يقول: الاختلاف رحمة واسعة، والإجماع حجة قاطعة وقال العلماء: الاختلاف في فرعيات العبادة التي تورث سعة للأمة، أما الاختلاف الذي يوجب الضغينة والحقد والبغضاء فإنه حرام، فإن ذلك يجعل الكافر والمستعمر واليهودي والنصراني يعتلي ظهورنا.
فليتنبه دعاة الإسلام، وليتنبه علماء الإسلام، وليتنبه كل مسلم على وجه الأرض.
عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
стр. 1243
ذئب يتكلم
أرأيتم الذئب؟ إنه حيوان أبكم لا يتكلم، لكن الله الذي أنطق كل شيء أنطقه.
أرايتم إلى جذع النخلة؟ إنه جامد لا حياة فيه، لكنه حن حنين الناقة، وبكى على فراق رسول الله ﷺ .
أرأيتم طفلاً في المهد؟ أنى له أن يتكلم وهو لا يعقل شيئاً، ولكن الله الذي أنطق جذع النخلة أنطق ثلاثة أطفال وهم في المهد.
стр. 1244
الذئب يبشر بالنبي ﷺ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بعثه الله على فترة من الرسل فبصر به من العمى، وأسمع به من الصمم، أتى إلى أمة ضالة فهداها، وإلى أمة غافلة فوعاها، وإلى أمة عمياء فبصرها، وإلى أمة صماء فأسمعها - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً-.
أمَّا بَعْد:
فلنستمع إلى المنقذ العظيم، وإلى الرسول الكريم , وإلى المعلم النبيل، وإلى الهادي الجليل في كلماته المعطاءة النيرة، وفي حديثه العذب، عليه أفضل الصلاة والسلام.
في صحيح البخاري وصحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة﴾ يعني في الطفولة والصبا ما تكلم إلا ثلاثة أطفال، ثلاثة يرضعون اللبن من ثدي أمهاتهم، تكلموا وأنطقهم الله الذي أنطق كل شيء، والذي ينطق الحجارة فتتكلم، والجلود ينطقها يوم القيامة فتتحدث، والأعضاء يستشهدها يوم العرض الأكبر فتشهد، ويختم على الأفواه التي كانت تتكلم، فلا تتكلم.
أرأيتم إلى الذئب، الذئب حيوان أبكم لا يتكلم، لكن أنطقه الله الذي أنطق كل شيء، ففي الصحيح ﴿أن رجلاً ذهب يرعى غنماً في ضاحية من ضواحي المدينة المنورة -في عهد المصطفى ﵊ فأتى الذئب فأخذ شاة، فطارده الرجل حتى أمسك الشاة وانتزعها من الذئب، فجلس الذئب على أرجله يقول للرجل: أتأخذ رزقاً رزقنيه الله، كيف بك إذا أخذت الشاة ولا راعي لها إلا الذئب، قال الرجل -وقد ذهل-: يا عجباً ذئب يكلمني! قال: نعم، وأعجب من ذاك رسول بين النخل -يقصد الرسول ﵊ يخبركم بما سبق وبما أتى هو أعجب من هذا، فترك الرجل غنمه، وأتى بعصاه إلى المصطفى ﵊، وقال: يا رسول الله، وقع لي هذا اليوم كذا وكذا، فتبسم ﵊، وجمع الناس وأخبرهم، ثم قال: آمنت بذلك أنا وأبو بكر وعمر﴾.
فالرسول ﵊ هنا يخبرنا أن الله أنطق ثلاثة في المهد، والله ينطق الخشب وهو جامد، ففي الصحيحين عن جابر قال: ﴿خطب ﷺ على جذع نخلة، ثم ترك الجذع واتخذ منبراً، فبكى ذاك الجذع وحن كما تحن النوق، وله بكاء كبكاء الأطفال، فنزل ﵊ إلى ذاك الجذع فدهدهه بيده حتى سكت﴾.
فمن أنطقه؟! إنه الله الذي أنطق كل شيء.
انظر إلى النملة حشرة لا تكاد ترى، مر سليمان ﵇ بجيشه فتكلمت في النمل وقالت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨].
стр. 1245
ثلاثة تكلموا في المهد
أ- عيسى ﵇:
هو الذي أنطق كل شيء، فيقول ﵊: ﴿لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة﴾ قبل أن يتكلموا وقبل أن يفصحوا، من هم؟ -قال: عيسى ﵇ أتت به أمه مريم، وليس له أب ﵇، والله خلق الخلق على أصناف ثلاثة: خلق بلا أب ولا أم كآدم ﵇، وخلق بأم ولا أب كعيسى ﵇، وبقية الخلق من أم وأب، فأتت به من النخل تحمله قال بنو إسرائيل: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ [مريم:٢٨] فلم تتكلم وأشارت إليه، فتضاحكوا، وقالوا: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً﴾ [مريم:٢٩] فتكلم بإذن الله، مع أنه لم يمض عليه إلا ساعات، وقيل: ثلاثة أيام، فتكلم بلسان فصيح نصيح مليح، وقال: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً﴾ * ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ * ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً﴾ [مريم:٣٠ - ٣٢] فانذهلوا.
هذا أولهم.
ب- قصة جريج:-
وثانيهم الطفل في قصة جريج، كان جريج عابداً من عبّاد بني إسرائيل، في صيام وصلاة، في ذكر ودعاء، في صدقة وبذل، فقام يصلي، فلما كبر واستقبل قلبته، أتت أمه قالت: يا جريج فقال في الصلاة: يا رب أمي وصلاتي، يا رب أمي وصلاتي، يا رب أمي وصلاتي؟! أي: يا رب! هل أقطع الصلاة وأجيب أمي؟ أم أستمر في صلاتي؟ انظر إلى بر الوالدين.
الآن والداك لا يطالبانك بأن تقطع الصلاة وإنما يدعوانك إلى طلب خفيف، فتجد ممن يعق الوالدين، ويلعن الوالدين، ويقطع الوالدين، ويهجر الوالدين، وهما يقدمان له كل شيء!
وجد في مجتمعنا من الآباء من فعل بابنه العجب العجاب، بنى له بيتاً، وزوَّجه، وملَّكه سيارة، وأعطاه من المال، ثم تجد هذا الابن من أفجر الناس، قلبه من قلوب اليهود والنصارى، فلا يطيع أباه، بل يتنقصه في المجالس، ويستهزئ به، فهذا أفجر من أفجر فاجر في الدنيا.
فهذا الرجل العابد تحير في الصلاة لكن رأى أن طاعة الله مقدمة على ذلك، هو ما عصاها لكن ما أجابها، فغضبت عليه -وكانت عابدة- وقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات -أي لا تحكم عليه بالموت والإعدام حتى يرى وجوه الزانيات- وكان عابداً، والله يحفظ العبّاد.
أرأيتم إنساناً يحافظ على الصلوات الخمس ويشرب الخمر؟ لا.
هل رأيتم إنساناً والمصحف في يده يعتدي على المحرمات، أو يزني ويسرق؟ لا.
احفظ الله يحفظك: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [محمد:٢١].
إنسان يحافظ على صلاة الفجر جماعة كل يوم لن يتردى في الكبائر أبداً، وهذا معروف بالاستقراء، أكثر من يدخل السجون الآن بالمخدرات الذين لا يصلون في المساجد.
لماذا؟، لأن الذي لا يعرف طريق المسجد يعرفه الله طريق السجن، والذي لا يعرف القرآن يعرفه السوط، والذي لا يعرف سنة الرسول ﷺ يذيقه الله السيف.
فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات -تعني: الزانيات- فمكث فتحدث بنو إسرائيل بعبادته، وصيامه، وصلاته، فقالت امرأة فاجرة -نعوذ بالله من الفجور- والفجور انتشر في بني إسرائيل كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣] تركوا الحجاب ثم اختلطوا، فوقعوا في الزنا فلعنهم الله ومسخهم قردةً وخنازير.
ولذلك لا يوجد أحد أطهر من موسى إلا من أمثاله من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، أتى قارون إلى امرأةً زانيةً فأعطاها قنطاراً من ذهب، وقال: إذا اجتمعنا نحن والناس وقام موسى يدعونا إلى الله، فقومي وابكي وسط الناس -هذه الإشاعة الباطلة المفتراة ضد الدعاة- قالت: ماذا أقول؟ قال: قولي: إنه صنع بك الفاحشة -سبحان الله! موسى ﵇ فلما اجتمع بنوا إسرائيل ومعهم قارون والأغنياء والأمراء والناس؛ قامت تبكي وتضرب وجهها وتنفث شعرها، قالوا: مالك؟ فادعت أن موسى زنا بها، فقام موسى بالعصا، وقال: يا أمَةَ الله أسألك بمن شق البحر لي، وأنزل علي التوراة هل أنا فعلت ذلك؟ قالت: لا والله، قال: اللهم خذ قارون، فخسف به وبداره، فأخذ قارون وداره فزلزل في الأرض يصيح: يا موسى! يا موسى! يا موسى! حتى اختفى صوته وماله وجسمه وداره في الأرض، وفي بعض الروايات الإسرائيلية يقول الله: "يا موسى لماذا لم ترحمه؟ لقد كدت أن أرحمه، ! " أو كما قال الله ، وهذه من الإسرائيليات.
المقصود: أن هذه المرأة ذهبت إلى جريج، فذهبت إلى بني إسرائيل، فقالت: زنا بها جريج، فأتوا إلى جريج وكان عابداً في صومعةٍ فأنزلوه وضربوه، وهدموا صومعته، فقال: مالكم؟! قالوا: زنيت بتلك المرأة، فأتوا وإذا هي حامل، وقد وضعت وطفلها معها يرضع، قال: يا أيها الطفل! أسألك بالله رب العالمين من أبوك؟ قال: أبي الراعي -راعي غنم كان يدور حول الصومعة زنى بهذه المرأة فكان ابنه هذا الولد- فرجعوا فقالوا: نبني صومعتك من ذهب، قال: أعيدوها من طين، فأعادوها من طين.
جـ- الطفل الرضيع:-
والطفل الثالث: طفل كان مع أمه يرضع ثديها، فمر بها رجل جميل عليه ثياب حسنة على فرس، فقالت: يا رب أسألك أن تجعل ابني مثل هذا الرجل الفارس، فترك الطفل الثدي، وقال: اللهم لا تجعلني مثل هذا الرجل، فانذهلت فقالت: يا عجباً ابني يتكلم! وبعد قليل مروا بجارية يضربونها ويشتمونها، فقالت المرأة: اللهم لا تجعل ابني كهذه الأمة، فترك الثدي ورفع طرفه إلى السماء، وقال: اللهم اجعلني كهذه الجارية، فانذهلت، فسألت ابنها: مالك؟! قال: أما الرجل الأول، فإنه رجل فاجر ملعون في السماء، وفي الأرض، وأما هذه الأمة الجارية؛ فمظلومة، يقول لها أهلها: زنت وسرقت، وما زنت ولا سرقت، وفي بعض الروايات: وهي من أهل الجنة.
وشاهد هذه القصة الاعتماد على العمل، وقد صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم﴾ وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿احتجت الجنة والنار، فقالت النار: مالي لا يدخلني إلا المتكبرون والمتجبرون؟ وقالت الجنة: مالي لا يدخلني إلا الضعفاء والمساكين، فأوحى الله إليهما فقال للنار: أما أنت فعذابي أعذب بك من أشاء، وقال للجنة: أما أنت فرحمتي أرحم بك من أشاء﴾ أو كما قال ﵊.
والشاهد من هذه القصص: أن الاعتماد لا يكون إلا على العمل، فزكوا أعمالكم، وانظروا إلى قلوبكم، وأصلحوا أرواحكم، فو الله لا يجدي إلا ما أسلفته من عمل، وما قدمته من تقوى، وما أعددته بين يديك من صلاح.
أسأل الله أن يصلحني وإياكم، ظاهراً وباطناً، سراً وعلناً، وأن يجعلنا من المتقين المهتدين، الذين يسلك بهم الصراط المستقيم، وهداهم إلى البر العميم والأجر العظيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
стр. 1246
التواضع سبب الرفعة عند الله
اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، لك الحمد عدد الكائنات، وملء الأرض والسماوات، ينطق بها البريات، وتحصيها سبحانك كما تحصي الحسنات والسيئات، اللهم صلِّ وسلم على النعمة المهداة، والمنة المسداة، على من بعثته رحمة للعالمين، وقدوة للسالكين، وإماماً للمتقين، وخاتماً للمرسلين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
يقول : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨].
يأمر الله تعالى رسوله في هذه الآية بأن يتواضع مع المتواضعين، وأن يجلس مع الفقراء والمساكين، وألا يقوِّم الناس بأموالهم ولا بما عندهم، وإنما يقومهم بأعمالهم وصلاحهم.
مر البراء بن مالك على رسول الله ﷺ والبراء بن مالك كان رجلاً فقيراً زاهداً من الصحابة، لا يملك من الدنيا إلا بيتاً من طين، وأسمالاً بالية من ثياب، وسيفه المثلم الذي يقاتل به أعداء الله، فقال ﵊ -وهو ينظر إليه-: ﴿رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره﴾ رب أشعث: معناه متغير الشعر متفلفله، ومعنى أغبر: متغير اللون -ذي طمرين: أي: ثوبين باليين- لو أقسم على الله: أي لو حلف على كرمه لأعطاه من بره وصلاحه.
حضر المسلمون معركة تستر، فقالوا: يا براء بن مالك! قم فقد وعَدَكَ الله خيراً، أقسم على الله أن ينصرنا هذا اليوم، قال: انتظروني قليلاً، فذهب واغتسل ولبس أكفانه وتحنط وأتى، ثم وقف أمام الجيش وقال: اللهم إني أقسم عليك هذا اليوم أن تجعلني أول قتيل في سبيلك وأن تنصر المسلمين، فبدأت المعركة فكان أول من قتل، وكان النصر حليف المسلمين، وهذا لأنه أخلص لوجه الله ﵎ ولأن الله لا ينظر إلى الصور ولا إلى ما على الإنسان من دنيا، ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال .
стр. 1247
أويس القرني وبر الوالدين
وفي المسند يقول ﵊ للصحابة: ﴿سوف يأتيكم وفد من أهل اليمن فيهم رجل صالح له أم هو بها بار، علامته أنه أبرصاً؛ فشافاه الله فبقي في بطنه كالدرهم من البرص اسمه أويس بن عامر القرني، فإذا قدم فمن أدركه منكم فليسأله أن يدعو له, ويستغفر له﴾ فكان أبو بكر كلما قدم وفد من وفود الحجاج من أهل اليمن يسألهم: أفيكم أويس القرني؟ فيقولون: لا.
حتى مات أبو بكر، فلما تولى عمر أخذ يسأل وفود اليمن: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتت حجة، فأتى وفد اليمن يسلمون على عمر ﵁ وأرضاه، فقال: أفيكم أويس بن عامر؟ قالوا: من هذا أويس بن عامر؟ فأخبرهم بوصفه.
قالوا: معنا رجل يرعى لنا الغنم في واد من وديان المدينة تركناه -يعني لعدم النظر إليه، وعدم الاعتداد به، وعدم التهيؤ له، تركوه يرعى الغنم- قال: أله والدة؟ قالوا: نعم.
قال: أصابه برص؟ قالوا: نعم، وشافاه الله.
قال عمر لـ علي بن أبي طالب: قم بنا إلى أويس فركب عمر حماراً، نعم عمر الذي هز دول الدنيا، عمر الذي وفدت كتائبه إلى المحيط الأطلسي، عمر الذي سجل كتب النصر بدماء الشهداء، وهز كسرى وقيصر على منبر الضلالة والعمالة حتى ولاه الله الدنيا، فقام وذهب الصحابة حوله وهو على الحمار، فوصل إلى الوادي وأتى إلى أويس، وإذا أويس يرعى الإبل والغنم وهو يصلي الضحوات، متصل بالله، لا يعرفه إلا الله، لا مال ولا ولد.
خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريبا
فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليبا
نزل عمر فرآه فعانقه، وقال: أأنت أويس بن عامر؟ قال: يقولون ذلك -يريد أن يتواضع-.
قال: ألك والدة؟ قال: نعم، قال: اكشف عن بطنك فكشف عن بطنه، فرأى عمر كالدرهم من البرص، فقبَّل بطنه، قال: استغفر لي، قال: من أنت؟ قال: أنا عمر بن الخطاب، قال: لا إله إلا الله، أستغفر لك وأنت عمر، وعمر أفضل منه بلا شك، وعمر أرفع منه، وعمر أمكن منه، لكن هذا لصلاحه طلب منه الدعاء.
قال: استغفر لي، قال: إني أستغفر للمسلمين مع كل صلاة، قال: خصني بدعوة؛ فاستغفر لـ عمر، قال عمر: تعال معي الحياة حياتي، والموت موتي، قال: أسألك بالله أن تتركني أدخل في غمار الناس أجوع وأشبع ولا يعرفني أحد، فتركه عمر، فلما أمسى في الليل ذهب وترك الإبل والغنم، فأخذوا يلتمسونه فما وجدوه، وبعد سنوات وجدوه في خراب من خراب الكوفة وهو يعبد الله ويقرأ القرآن.
وإن أويساً هذا يشفع كما في الحديث وهو حديث حسن؛ يشفع يوم القيامة لمثل قبائل مضر يدخلهم الله الجنة باستغفار هذا وبصلاحه.
هؤلاء هم الصلحاء، وهؤلاء هم الأخفياء، وهؤلاء هم الأغنياء، وهؤلاء هم المقربون من الواحد الأحد.
فيا من قرَّب من شاء من عباده! قرِّبنا، ويا من أسدل الستر على من شاء من عباده! أسدل الستر علينا، اللهم إنا بحاجة ماسة إلى رحمتك، وعفوك، وبرك، وكرمك، اللهم لا تحجب عنا دعاء الصالحين، واحشرنا في زمرة المقربين، واجعلنا من أتباع سيد المرسلين.
عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، وارض اللهم عن الأصحاب الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين، اللهم ولِّ علينا خيارنا، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجمع كلمة المسلمين، ووحد صفوفهم، وخذ بأيديهم إلى ما تحبه وما ترضاه يا رب العالمين، اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، اللهم انصر المجاهدين الأفغان وثبتهم وأيد كلمتهم، وارفع رايتهم على الحق يا رب العالمين، اللهم انصر المجاهدين المسلمين في فلسطين، اللهم رد لهم المقدسات وأنقذها من براثن اليهود يا رب العالمين، اللهم وفقنا للعمل بكتابك والاهتداء بسنة رسولك، اللهم رد شباب المسلمين إليك مرداً جميلاً، اللهم فقههم في الدين، اللهم تب عليهم، اللهم أصلح بالهم، وكفر عنهم سيئاتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1248
شعاعٌ في الأفق
إن قراءة القرآن في شهر رمضان من أفضل الأعمال، وقد كان النبي ﷺ في رمضان يدراسه جبريل بالقرآن.
وكذلك كان السلف الصالح يخصصون هذا الشهر لقراءة القرآن وينشغلون به عما عداه، ومن الأعمال الصالحة التي تتأكد في شهر رمضان قيام الليل الذي هو دأب الصالحين وشرف المؤمنين.
стр. 1249
رمضان والقرآن
الحمد لله صاحب الإحسان، الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ، الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ.
والصلاة والسلام على النعمة المهداة، والرحمة المسداة، حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، صاحب المناقب والمكارم، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
عباد الله! فهذا شهر القرآن، الكتاب العظيم، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] يوم أنزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، أنزل في رمضان، يوم أنزل القرآن على الأمة الجاهلة الأمية ليقول لها الله انفضي عنك غبار التخلف والتبعية، يوم يقول لها الله انبعثي للدنيا، وفجري الكون بشعاع من التوحيد، واسجدي لله رب العالمين.
الأمة التي نامت ألف سنة، فما عرفت (لا إله إلا الله) أنزل الله عليها القرآن لتستيقظ من جديد، ولتنبعث رسالة خالدة للمعمورة.
الأمة التي كانت تخاف من سوط كسرى وقيصر، فأصبح كسرى وقيصر يخافون من خيالها، الأمة الرائدة القائدة، التي كان يقف خليفتها وعليه الثوب الممزق وهو يأكل كسر الخبز من الشعير في أدم الزيت، وينام في الكوخ، ويهتز منه كسرى وقيصر.
يا مَن يرى عمراً تكسوه بُردَتُهُ والزيتُ أُدْمٌ لهُ والكوخُ مأواهُ
يَهْتَزُّ كسرى على كرسِيِّه فَرَقاً مِن خوفِهِ وملوكُ الرومِ تَخشاهُ
الأمة التي يقول ملكها -وهو يشرف على قصره- للسحابة: أمطري حيثُ شئتِ، فإن خراجك سوف يأتيني.
كانت قبل القرآن جاهلة التعاليم، عقيمة المبادئ، ميتة العزيمة، فأخرجها الله للناس، وقال لها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] فخرجت للناس فملأت الدنيا علماً وفهماً وفقهاً، وأسمعت بالعلم القبلتين والحرمين، والأزهر، والزيتونة، وقرطاجه والزهراء، وجلَّط، ودار السلام وقرطبة.
والصحاري حالماتٌ كلها تَتَلَقَّاكِ بتصفيقٍ مثيرْ
في خطاها ألفُ عامٍ باسمٍ عجباً من قلبك الفذ الكبير
стр. 1250
قراءة القرآن في شهر رمضان
هذه الأمة ناداها الله أن تقرأ القرآن في شهر رمضان، وأجزل الله لها المثوبة يوم تتدبر القرآن في شهر رمضان، يقول جلَّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩] وناداهم بتدبر القرآن في رمضان وفي غير رمضان، فقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] وقال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩].
فيا أمة محمد ﵊! يا من جاعت بطونهم في مرضاة الله، يا من ظمئت أكبادهم لِذَات الله، يا من حرموا أنفسهم الطعام والشراب والمتعة واللذائذ، هنيئاً لكم، وزيدوا على ذلك بتدبر القرآن، فهذا شهر القرآن.
كان ﵊ يوم يدخل عليه الشهر يجلس مع جبريل متعلماً ومتربياً من أول إهلال الشهر إلى آخره، فيقرأ معه القرآن آية آية، وكلمة كلمة، وجملة جملة، وكان ﷺ يحب أن يمضي ساعاته كلها مع القرآن، ويحب أن يسمعه من غيره، وأن يتلذذ بسماعه من سواه.
ففي الصحيحين عن ابن مسعود ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : ﴿اقرأ عليَّ القرآن.
قلت: يا رسول الله! كيف أقرأ عليك القرآن وعليك أُنزل؟! قال: إني أحب أن أسمعه من غيري.
قال: فابتدأت سورة النساء، فلما بلغت قوله ﵎: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] قال: حسبُكَ الآن.
قال: فنظرت، فإذا عيناه تذرفان ﵊﴾
стр. 1251
أحاديث في فضل قراءة القرآن
والنبي ﷺ ينادي كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر؛ أن يجعل هذا القرآن والصيام شفيعين له عند الله، فعند أحمد في المسند والحاكم في المستدرك؛ أن الرسول ﵊ قال: ﴿يأتي القرآن والصيام يشفعان لصاحبهما يوم القيامة، أما الصيام، فيقول: يا ربِّ، منعتُه طعامه، وشرابه، وشهوته فشفعني فيه، وأما القرآن فيقول: يا ربِّ، منعته نومه بالليل فشفعني فيه﴾ ويقول ﵊ -وهو ينادي من يريد الله والدار الآخرة- فيما صحَّ عنه في مسلم، من حديث أبي أمامة: ﴿اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه﴾ فلا يرد القيامة وارد إلا والقرآن إما أمامه يقوده إلى الجنة، وإما وراءه يدفعه إلى النار.
ويقول ﵊ في حديث النواس بن سمعان، عند مسلم: ﴿اقرءوا القرآن﴾ وفي لفظ: ﴿يأتي القرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا، تقْدُمُه سورة البقرة وآل عمران تحاجَّان عن صاحبهما يوم القيامة﴾ ويقول ﵊ كما عند البخاري ومسلم: ﴿تأتي سورة البقرة وسورة آل عمران -الزهراوان- كغَمامَتَين، أو غَيابَتَين، أو غَيايَتَين، أو كفَرَقان من طيرٍ صواف، تظلان صاحبهما يوم القيامة﴾ وقال وهو يتحدث ﷺ عن أفضل الناس: ﴿خيركم من تعلم القرآن وعلمه﴾ فخير الأمة من عاش مع القرآن، وتعلم القرآن، وتدبر آيات القرآن.
وفي حديث عائشة المتفق عليه، يقول ﷺ : ﴿الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة﴾ والماهر: المنطلق اللسان، والمجوِّد، الذي يقرؤه آناء الليل وأطراف النهار، يجعله الله مع الملائكة في عليين ﴿والذي يقرأ القرآن وهو عليه شاقٌّ له أجران﴾ وفي لفظ مسلم: ﴿يتتعتع فيه﴾ أي: يكسر في بعض سكناته، أو ممدوده، لا حركاته ﴿له أجران أجر التلاوة وأجر المشقة﴾.
سمعتُك يا قرآنُ والليلُ ساجدٌ سريتَ تهزُّ الكونَ سبحان مَن أسرى
فَتَحْنا بكَ الدنيا فأشرقَ نورُها فصارتْ بعيدِ النصر في حُلة حمرا
стр. 1252
مضاعفة أجر قارئ القرآن
ويقف ﵊ ليعلن للأمة قضية لا تغيب عن الأذهان، وهي قضية مضاعفة الأجور عند الله، فعند الترمذي بسند صحيح، عن ابن عباس وابن مسعود ﵃، قال رسول الله ﷺ : ﴿اقرءوا القرآن، فإنه من قرأ القرآن فله بكل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (ألم) حرف، ولكن ألف حرفٌ، ولام حرفٌ، وميم حرفٌ﴾ وهو علامة مضاعفة الأجور عند الله.
стр. 1253
حقيقة من ليس في قلبه شيء من القرآن
بل جعل الرسولُ ﷺ القلبَ الذي لا يحفظ شيئاً من القرآن قلباً خرباً خاوياً على عروشه، قلباً ما عرف الله.
ففي الترمذي وأبي داود بسندين حسنين، قال ﷺ : ﴿إن الذي ليس في صدره شيء من القرآن كالبيت الخَرِب﴾.
стр. 1254
لا حسد إلا في اثنتين
لا حسد في الدنيا، ولا في مناصب الدنيا، ولا في إمرتها، ولا في ذهب الدنيا، ولا في فضتها.
خذوا كلَّ دنياكمُ واتركوا لي فؤاديَ حُراً طليقاً غريبا
فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليبا
لا حسد إلا في تدبر القرآن، وفي تلاوة القرآن، ففي الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار﴾.
وجعل رسول الله ﷺ منازل الناس في الجنة على تلاوتهم للقرآن، فعند أبي داود والترمذي بسندين صحيحين، عن ابن عمرو بن العاص ﵁ وعن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ، وارتَقِ، ورتِّل، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها﴾.
فيأتي قارئ القرآن في الدنيا، فإن كان تالياً من حفظه تلا من حفظه، وإن كان من مصحفه تلا من مصحفه، فيرفعه الله بكل آية درجة، حتى يصل إلى أعلى عليين، أو إلى درجة تلاوته في الدنيا، والمؤمن هو من يعيش مع القرآن، ويتلذذ بسماعه.
стр. 1255
تفقد النبي ﷺ لأصحابه في الليل
جاء في تفسير ابن أبي حاتم بسند جيد، أن الرسول ﵊ خرج ذات ليلة من الليالي، بعد أن أظلم الليل، فمرَّ ببيوت الأنصار يستمع كيف يقرءون القرآن، يوم كانت بيوتهم حية بكتاب الله، حين لم تكن تعج بالأغاني المائعات الماجنات، وبالمغنين والمغنيات، يوم كان ليلهم تعبداً، ونهارهم سجداًَ، يوم كانوا عباداًَ لله في الليل والنهار، خرج ﵊ يتفقد أصحابه، وينظر ماذا يفعلون في الليل الدامس، فسمع عجوزاً تقرأ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] فوقف ﷺ يستمع إليها وهي لا تدري، تبكي وتردد: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] فأخذ يبكي معها ويقول: ﴿نعم أتاني، نعم أتاني﴾ وهو المخاطب بحديث الغاشية، وهو المنزل عليه حديث الغاشية.
وعند البخاري: ﴿أنه ﷺ سمع أبا موسى الأشعري يقرأ ذات ليلة من الليالي -وصوته حسن يخلب العقول، ويسري في الأرواح، ويجذب الأنفس إلى الله الحي القيوم- فوقف ﷺ يستمع لتلاوته وأبو موسى لا يشعر، ولما أصبح الصباح قال له ﷺ : لو رأيتَني البارحة وأنا أستمع إلى تلاوتك، لقد أوتيتَ مزماراً من مزامير آل داود، فيقول أبو موسى: أئنك كنتَ تستمع لي يا رسول الله؟ قال: إي والله.
قال: والذي نفسي بيده لو أعلم أنك كنت تستمع لي لحبَّرتُه لك تحبيراً﴾.
أي: جوَّدتُه، وحسَّنتُه، وجعلتُه مثيراً.
стр. 1256
حال النبي ﷺ والسلف في شهر رمضان
كان ﵊ يوم يدخل شهر رمضان ينقطع عن العالم الخارجي، إلا عن الله وعن كتاب الله، فكان يجلس مع جبريل، فيتلو معه كتاب الله حتى ينسلخ الشهر، عرف ذلك السلف الصالح، فخصصوا رمضان لتلاوة القرآن، يقول الإمام مالك -وقد أتاه طلبته وتلاميذه يقرءون عليه الدروس والعلم- قال: هذا شهر القرآن، لا دروس ولا فتيا فيه.
وعلق كتبه، وأخذ المصحف.
وكان سعيد بن المسيب يختم القرآن في كل ليلة مرة، صح ذلك عنه.
وليس المقصود من إيراد هذه القصص أن نقتدي بهم، فإن الرسول ﷺ أمر ألا يُختم القرآن في أقل من ثلاث، ولا ينقص من ذلك، لكن المقصود، أن نرى مقامنا من مقاماتهم، وحالنا من حالاتهم، ولذلك ثبت عن مسروق أنه لما دخل عليه شهر رمضان حمل سريره بيديه، وأدخله في مسجد الكوفة، وقال: [[لا أخرج سريري حتى ينتهي الشهر]] فكان ساجداً راكعاً متعبداً حتى بشره الناس بالعيد.
وكان الأسود بن يزيد إذا دخل الشهر، أما نهاره فصائم، وأما ليله فقائم يبكي حتى السحر، فتقول له زوجته: ما لك؟ والله لو قتلت نفساً لكان أخف من هذا العذاب عليكَ، فقال: [[أنا الذي قتل نفسي بالمعاصي]].
وأورد ابن حجر في ترجمة البخاري في فتح الباري، في المقدمة: أنه قرأ يقرأ القرآن في رمضان ستين مرة، مرة في النهار ومرة في الليل.
وهذا حق يقين لا مرية فيه، ولكن لا يقتدى بهم، إلا فيما ثبت عنه ﷺ .
وذكر المروزي في قيام الليل بسند صحيح [[أن عثمان ﵁ قام عند المقام في البيت العتيق من بعد صلاة العشاء، فتلثَّم، وبدأ من أول القرآن يقرأ ويبكي حتى انتهى من آخره مع طلوع الفجر]].
عثمان الذي كان ينشر المصحف من بعد الفجر إلى صلاة الظهر، يقرأ ودموعه تنهل على كتاب الله، فيقول له الناس: لو خففت على نفسك، فيقول: [[لو طَهُرَت قلوبُنا لما شبِعنا من القرآن]]
стр. 1257
الحث على تلاوة القرآن
فيا أيتها الأمة! يا من أحياها الله بالقرآن! يا من رفع الله رءوسها بالقرآن! هذا شهر القرآن والتلاوة، هذا شهر مضاعفة الأجور، اقرءوه فإن الله يأجركم بالتدبر وبالتلاوة، وبالنظر في المصحف، وبمعايشة القرآن في بيوتكم، يملأ الله بيوتكم رحمة وبركة وهداية ونوراً، ويملأ صدوركم إيماناً، ويقيناً، وخيراً وبراً، ويملأ مسيرتكم إشراقاً وفلاحاً ونجاحاً.
عاشروا القرآن، جالسوا القرآن، علموه أبناءكم وبناتكم، حفظوه نساءكم ومن تعولون، أحيوه في حياتكم، فإن تلاوته على قسمين:
تلاوة حكمية: وهي أن تؤمن بمن أنزله، وتؤمن بما فيه، بمحكمه ومتشابهه، بوعده ووعيده، بترغيبه وترهيبه، بأمره ونهيه.
وتلاوة لفظية: وهي أن تقرأه بتحزينٍ وخشوع، عله أن يكون معك يوم تفد إلى القبر، ويوم تمشي على الصراط، ويوم تقف في تلك العرصات.
أسأل الله لي ولكم هدايةً ونوراً ورشداً وفلاحاً.
اللهم أعنا على تلاوة كتابك آناء الليل وأطراف النهار، واجعلنا مِمَّن يقرءونه فيقودهم إلى الجنة، لا مِمَّن يتركونه فيقذفهم على وجوههم إلى النار.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.
стр. 1258
قيام الليل
الحمد لله، الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً.
والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً.
بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين.
أمَّا بَعْد:
стр. 1259
فضل قيام الليل
قلتُ لليل هل بجوفكَ سرٌ عامرٌ بالحديث والأسرار
قال لم ألقَ في حياتي حديثاً كحديثِ الأحباب في الأسحارِ
قيام الليل: من أفضل الأعمال التي يلقى بها العبد ربه ﵎، وصلاة التراويح قيام ليل، وهي إيمان وإعلان بالإيمان، وهي تغلب على النفاق، وهي إعلان على انتصار الإنسان على نفسه الأمارة بالسوء، وهي كذلك إعلان للتضامن مع المسلمين، ويوم تقومُ في التراويحِ مع الإمام يكتب الله لك قيام ليلة كاملة، وقد تكون مسيئاً، ومن يدري؟ قد تكون أسأت كل الإساءة، فلما صليتَ التراويحَ ارتَفَعَتْ دعوةٌ صادقة ممن بجانبك أو عن يمينك أو عن يسارك؛ فقبلها الله وأسعدك بسبب سعادة ذاك.
فإنهم إذا اجتمعوا في المساجد باهى الله بهم ملائكته فوق سبع سماوات؛ فتقول الملائكة: ﴿يا رب فيهم فلان، عبد خطاء ليس منهم، إنما دخل المسجد لحاجة، قال: وله غفرتُ، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم﴾.
ومن يدري؟ قد تكون شقياً في علم الله ، أو قد تكون مذنباً آثماً فاجراً، فتدخل مع المسلمين، وتضع رأسك مع رءوسهم سجداً لله خاشعين، فيدخلك الله في إحسانهم، (وهَبِ المسيئين مِنَّا للمحسنين).
ومن يدري؟ قد كانت مرت بك صحف سوداء، لطختها بالذنوب، فمرت عليك ليلة من السعادة، فأسعدك الله سعادة لا تشقى بعدها أبداً، كلما سجدت لله سجدة رفعك بها درجة، وحط عنك بها خطيئة، كما صحَّ في حديث ثوبان عند مسلم، ﴿عليك بكثرة السجود لله فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة وحط عنك بها خطيئة﴾.
فهنيئاً لك وأنت تُتعِب قدميك وساقيك وأنت تسمع كلام الله يتلوه الإمام، وهنيئاً لك يوم تكون ساجداً، وراكعاً، أتظن أن الله لا يدري بك؟! أتظن أن سجداتك تذهب سدى؟! أتظن أن ركعاتك تذهب هباء منثوراً؟! لا والله، لا يقع رأسك على الأرض إلا ويرفعك الله درجة عنده.
стр. 1260
الثلث الأخير من الليل
وفي آخر الليل -وما أدراك ما آخر الليل، حين يبقى الثلث الأخير من الليل- ينزل الله إلى السماء الدنيا، نزولاً يليق بجلاله، فيقول: ﴿هل من سائل فأعطيه؟! هل من داعٍ فأستجيب له؟! هل من مستغفر فأغفر له؟!﴾ أفلا تريد أن تكون ممن مرغوا وجوههم سجداً لله ولو بركعتين، ولو بسجدتين اثنتين، ولو بتسبيحات قليلة، يحفظها الله ﵎ عنده.
فيا أيها المسلمون! عليكم بقيام رمضان، وصلاة التراويح مع المسلمين، قال ﷺ : ﴿من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه﴾.
فكأني بك وقد كتبك الله في السعداء، في صحيفة من نور، وكأني بك وقد استوجَبْتَ دخول النار، فأعتقك الله مع من أعتق في ليلة من ليالي رمضان.
فالله الله في صلاة التراويح! أعلنوا قوة الإسلام بصلاة التراويح، ومراسيم الدين الخالد بصلاة التراويح مع المسلمين، وأعلنوا التكافل والتضامن في دخولكم صفوفاً وراء صفوف لتقولوا للشيوعية: ها نحن المسلمين انبعثنا للإسلام من جديد، وتقولوا للصهيونية العالمية: ها نحن أجيال محمد جئنا للدنيا من جديد، فيرحمكم الله في من رحم، ويتغمدكم في من تغمد، ويرفعكم عنده درجات.
هنيئاً لكم الصيام والقيام، كتب الله صيامكم في صيام الصائمين، وقيامكم في قيام القائمين، وأعتق الله رقابنا ورقابكم من النار، وجنَّبنا العار والدمار والشنار، إنه على ذلك قدير.
عباد الله! صلوا على المعلم الأول، رسول الهدى، وباني مجد الإسلام، فإن الله أمركم بالصلاة والسلام عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
وقد قال ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد، اللهم اعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين.
اللهم ارضَ عن أصحابه الأطهار، من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، اللهم أخرجهم من الظلمات إلى النور، اللهم وفق ولاة المسلمين لما تحبه، وترضاه، اللهم اجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم وفق كل مسئول لكل خير، وخذ بيده إلى الصواب والرشد، وجنبه مزالق الفتنة والشر يا رب العالمين.
اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، ونصرة رايتك، وتأييد سنة نبيك محمد ﷺ .
اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، وفي فلسطين، وفي كل صِقْع من بلادك، يا رب العالمين.
اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا.
اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضى، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم تب على شباب المسلمين، اللهم ردهم إليك رداً جميلاً، اللهم كفر عنهم سيئاتهم، وأصلح بالهم، وتقبل منهم أعمالهم، يا رب العالمين.
ربنا إنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1261
نور على نور
إن الفطرة وحدها لا تكفي للهداية، ولابد من نور الإيمان معها لكي تستقيم، والنور لا يأتي إلا من عند الله، ومن طلبه من غير الله ضل وأضل، وهذا النور له أقسام بحسب العبد واجتهاده، والنور يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.
ومثله الظلمة فهي أقسام، وتزيد بالمعاصي وتنقص بنقصانها.
وللنور والظلمة صفات تتعلق بهما، ولكل منهما أهل معلومون قديماً وحديثاً.
стр. 1262
من معاني النور
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
صلى الله على من أخرجنا من الظلمات إلى النور بإذن ربه.
صلى الله وسلم على من علمنا من الجهالة، وبصرنا من العمى، وأنار عيوننا وقلوبنا بعد الظلمة، وأسمع آذاننا بعد الصمم: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢].
أيها المسلمون: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥٧] ما أدراك ما النور؟ وما هو النور الذي يذكره ؟ وكيف نصل إلى هذا النور؟ وكيف نحصل على هذا النور الذي امتن الله علينا به.
النور في القرآن يذكره في مواضع عديدة، وفي سور كثيرة، وفي آيات متنوعة، والنور خلق من خلق الله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] فالنور خلقه الله ، وهو محسوس وملموس، وهو نور معنوي، ونور يتعدد بتعدد ما ينسب إليه، قال في أول سورة البقرة: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة:١٧].
والنور هنا هو القرآن، وهؤلاء هم المنافقون الذين يتكلم الله عنهم، يوم يضيء لهم الوحي والقرآن والسنة، ثم لا يهتدون بها، مثلهم كمثل قوم مشوا في ظلمة الليل، فأضاءت لهم نار، فلما وقفوا ذهب الله بنورهم ولم يقل بنارهم؛ لأن النور أصل وجود الضياء فذهب من أصله.
وهذا مثل المنافق يوم يهجر الإيمان، والقرآن، والسنة، والمسجد، وأهل الخير -والدعوة- والصلاح، يذهب الله بنوره ويتركه في ظلمة، وسوف نعود ونقرر إن شاء الله أصولاً في باب النور.
يقول في النور: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور >) [البقرة:٢٥٧] سمى الظلمات جمعاً، وذكر النور مفرداً؛ لأن ظلمات الباطل متعددة، وطرق الباطل متنوعة، والحق واحد، فهو نور واحد.
والله يقول: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور:٣٥] سبحانه! قيل: أشرقت بنور وجهه السماوات والأرض، وقيل: قامت بنور وجهه السماوات والأرض، وعلى ذلك دلت السنة.
стр. 1263
من أنوار النبي ﷺ
في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄، في ليلته العطرة المباركة يوم بات مع خالته ميمونة ﵂ وأرضاها، قال: ﴿نمت في عرض الوسادة، فدخل ﷺ ، فنظر إلي، قال: نام الغليم؟ قالت: نعم نام﴾ ظنت أنه نام ولكنه ما نام، لماذا أتى؟ أتى ليرى الرسول ﵊، ليرى سيرته في الليل، وصلاته ودعاءه وبكاءه وخشيته، ليستفيد منه في الليل.
نامت الأعين إلا مقلة تذرف الدمع وترعى مضجعك
فقام ﵊، فأتى إلى فراشه، فقرأ، ودعا، وهلل، وكبر وذكر الله، ثم نام، وعند البخاري: حتى سمعت خطيطه، وهو صوت يحدثه النائم من كثرة نومه أو استغراقه في النوم، لكن تنام عيناه ولا ينام قلبه، ﵊، فاستفاق من الليل يعرك النوم من عينيه، ويقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١].
ثم قام ﵊ فذهب لحاجته، فأتى ابن عباس فوضع له ماءً عند الباب، وهذا من الفقه في الدين، يدري أنه إذا انتهى يحتاج ماءً، فوصل ﵊، وقال يسأل نفسه: من وضع لي هذا الماء؟ ثم قال: ﴿اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل﴾ فكانت من أعظم الليالي في حياة ابن عباس، بل ميلاده وتاريخه بدأ من تلك الليلة.
فقام يتوضأ ووقف عن ميسرة المصطفى ﵊، فأرسل الرسول ﷺ يده إلى أذن ابن عباس ففركها في الصلاة؛ لأنه وقف خطأً، وموقف المأموم الواحد عن يمين الإمام، فأعاده عن يمينه، وكان ابن عباس يحفظ الحركات والسكنات والكلمات تلك الليلة.
كانت من كلماته ﵊، وهو شاهدنا هذه الليلة: ﴿اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن﴾ انظر نص الكلام، كلام يصل إلى القلوب.
﴿اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد -وفي لفظ: أنت إله السماوات والأرض ومن فيهن- ولك الحمد أنت الحق، ووعدك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت﴾.
ثم خرج إلى الصلاة ﷺ في الفجر، فكان يقول: ﴿اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، ومن أمامي نوراً، ومن خلفي نوراً﴾ وعند البخاري: ﴿واجعل في شعري نوراً، وفي عظمي نوراً، وفي مخي نوراً، وفي عصبي نوراً، وأعظم لي نوراً﴾ إنه نور الله الذي ينزله في قلب من يشاء من عباده.
стр. 1264
نور الهداية والفطرة
يقول : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥].
﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥] أي: نور الفطرة على نور الحق الذي هديت به، وهو القرآن والإيمان، فطر الله الناس على الإيمان، خلقك الله مؤمناً، يوم أسقطتك أمك من بطنها ولدت مؤمناً موحداً، تعترف بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً ﵊
ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا
يوم سقطت على الأرض سقطت مؤمناً، ويوم وقعت على الأرض وقعت موحداً، ويوم نزلت إلى الأرض نزلت مسلماً، فهذا نور الفطرة، قال ﵊ كما في الصحيحين: ﴿كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه﴾.
﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥] المسلم مولود مفطور على النور، على الهداية، لا يعرف إلا الله ربه، فلما عاش في بيت ضال انحرف، ما كان للابن أن يفجر لولا فجور أبيه -في الغالب- وأمه، بعد قضاء الله وقدره، يولد كما تولد البهيمة جمعاء، ثم تجدع البهيمة.
(نُورٌ عَلَى نُورٍ) نور الفطرة، ونور المولد، ونور يوم وقع على الأرض وهو مسلم لله ، فلما وقع مسلماً آتاه الله الوحي، والكتاب، والإيمان، والإسلام: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥].
والله ذكر النور، فقال عز من قائل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١].
стр. 1265
وقفة مع نور أبي بن كعب
أحد المترجمين يترجمون لـ أبي بن كعب، وهو سيد القراء، من مدرسة محمد ﵊.
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] فهو سيد القراء إلى يوم القيامة، وهو رجلٌ من الأنصار دخل الإيمان قلبه، وغرس محمدٌ ﵊ الإيمان في قلبه، فآتى أكله كل حين بإذن ربه.
تعال يا من نفسه في وبال ونفسه محبوسة في عقال
يا راقداً لم يستفق عندما أذن في صبح الليالي بلال
روض النبي المصطفى وارفٌ أزهاره فاحت بريا الجمال
سوف يموت الإنسان ويبقى ميتاً حتى يصله النور، لكن نقف مع أبي، كان يقول عنه أهل العلم: كان أبيض اللحية، أبيض الجسم، أبيض الرأس، أبيض الثياب: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم ٌ﴾ [النور:٣٥].
ورد في السير للذهبي أنه دعا على نفسه بالحمى، فأصابته الحمى سنوات، وذلك لأن الرسول ﵊ يقول: ﴿ما من مسلم يصيبه هم، ولا نصب، ولا وصب، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه﴾ فقال أبي: اللهم إني أسألك حمى.
كلكم يسمع بالحمى، وهي تفرفر الأضلاع فرفرة، ولا تترك عضواً حتى تدخله، ويقولون: تكفر ثلاثمائة وستين سيئة؛ لأنها تدخل كل عضو.
والحمى من صفاتها أنها لا تأتيك إلا في الليل، أما في النهار فلا تزور، حتى يقول المتنبي:
وزائرتي كأن بها حياء فليس تزور إلا في الظلام
بذلت لها المطارف والحشايا فعافتها وباتت في عظامي
قال أبي: [[اللهم إني أسألك حمى لا تعطلني عن فريضة ولا حج ولا جهاد ولا عمرة، لتكفر خطاياي]].
فأصابته الحمى فشاب شعر لحيته ورأسه، وكان يلبس الثوب الأبيض؛ لأنه قارئ من القراء، وفي الموطأ للإمام مالك في كتاب الأدب، قال عمر: [[يعجبني أن يلبس القارئ اللون الأبيض؛ لأنه نور]].
وفي صحيح البخاري في كتاب الأدب، باب لبس البياض، من أين يستدل البخاري، قال: " ورأى سعد ملكين نزلا يوم أحد عليهما الثياب البيض ".
فـ أبيٌ هذا كان لباسه أبيض، وقلبه أبيض، وكلامه أبيض، وحديثه أبيض (نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ).
نقف مع أبي صاحب النور قليلاً، يقول له ﷺ كما في صحيح مسلم: ﴿يا أبي! أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم - وهذا حياء وإلا فهو يدري- قال: أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فأخذ ﷺ بيده، وضرب في صدره، وقال: ليهنك العلم يا أبا المنذر﴾ فهذا علم تحسد عليه.
وفي الصحيحين أن الله لما أنزل سورة: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة:١] أمر رسوله أن يقرأ هذه السورة على أبي بن كعب، فقام ﵊ وزار أبياً في بيته، وجلس أمامه، وقال: ﴿إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة البينة، قال: وسماني في الملأ الأعلى؟! قال: وسماك، فأخذ يبكي﴾.
следующие страницы →