← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

نور على نور إن الفطرة وحدها لا تكفي للهداية، ولابد من نور الإيمان معها لكي تستقيم، والنور لا يأتي إلا من عند الله، ومن طلبه من غير الله ضل وأضل، وهذا النور له أقسام بحسب العبد واجتهاده، والنور يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي. ومثله الظلمة فهي أقسام، وتزيد بالمعاصي وتنقص بنقصانها. وللنور والظلمة صفات تتعلق بهما، ولكل منهما أهل معلومون قديماً وحديثاً.

стр. 1262

من معاني النور إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. صلى الله على من أخرجنا من الظلمات إلى النور بإذن ربه. صلى الله وسلم على من علمنا من الجهالة، وبصرنا من العمى، وأنار عيوننا وقلوبنا بعد الظلمة، وأسمع آذاننا بعد الصمم: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢]. أيها المسلمون: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥٧] ما أدراك ما النور؟ وما هو النور الذي يذكره ؟ وكيف نصل إلى هذا النور؟ وكيف نحصل على هذا النور الذي امتن الله علينا به. النور في القرآن يذكره في مواضع عديدة، وفي سور كثيرة، وفي آيات متنوعة، والنور خلق من خلق الله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] فالنور خلقه الله ، وهو محسوس وملموس، وهو نور معنوي، ونور يتعدد بتعدد ما ينسب إليه، قال في أول سورة البقرة: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة:١٧]. والنور هنا هو القرآن، وهؤلاء هم المنافقون الذين يتكلم الله عنهم، يوم يضيء لهم الوحي والقرآن والسنة، ثم لا يهتدون بها، مثلهم كمثل قوم مشوا في ظلمة الليل، فأضاءت لهم نار، فلما وقفوا ذهب الله بنورهم ولم يقل بنارهم؛ لأن النور أصل وجود الضياء فذهب من أصله. وهذا مثل المنافق يوم يهجر الإيمان، والقرآن، والسنة، والمسجد، وأهل الخير -والدعوة- والصلاح، يذهب الله بنوره ويتركه في ظلمة، وسوف نعود ونقرر إن شاء الله أصولاً في باب النور. يقول في النور: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور >) [البقرة:٢٥٧] سمى الظلمات جمعاً، وذكر النور مفرداً؛ لأن ظلمات الباطل متعددة، وطرق الباطل متنوعة، والحق واحد، فهو نور واحد. والله يقول: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور:٣٥] سبحانه! قيل: أشرقت بنور وجهه السماوات والأرض، وقيل: قامت بنور وجهه السماوات والأرض، وعلى ذلك دلت السنة.

стр. 1263

من أنوار النبي ﷺ في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄، في ليلته العطرة المباركة يوم بات مع خالته ميمونة ﵂ وأرضاها، قال: ﴿نمت في عرض الوسادة، فدخل ﷺ ، فنظر إلي، قال: نام الغليم؟ قالت: نعم نام﴾ ظنت أنه نام ولكنه ما نام، لماذا أتى؟ أتى ليرى الرسول ﵊، ليرى سيرته في الليل، وصلاته ودعاءه وبكاءه وخشيته، ليستفيد منه في الليل. نامت الأعين إلا مقلة تذرف الدمع وترعى مضجعك فقام ﵊، فأتى إلى فراشه، فقرأ، ودعا، وهلل، وكبر وذكر الله، ثم نام، وعند البخاري: حتى سمعت خطيطه، وهو صوت يحدثه النائم من كثرة نومه أو استغراقه في النوم، لكن تنام عيناه ولا ينام قلبه، ﵊، فاستفاق من الليل يعرك النوم من عينيه، ويقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]. ثم قام ﵊ فذهب لحاجته، فأتى ابن عباس فوضع له ماءً عند الباب، وهذا من الفقه في الدين، يدري أنه إذا انتهى يحتاج ماءً، فوصل ﵊، وقال يسأل نفسه: من وضع لي هذا الماء؟ ثم قال: ﴿اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل﴾ فكانت من أعظم الليالي في حياة ابن عباس، بل ميلاده وتاريخه بدأ من تلك الليلة. فقام يتوضأ ووقف عن ميسرة المصطفى ﵊، فأرسل الرسول ﷺ يده إلى أذن ابن عباس ففركها في الصلاة؛ لأنه وقف خطأً، وموقف المأموم الواحد عن يمين الإمام، فأعاده عن يمينه، وكان ابن عباس يحفظ الحركات والسكنات والكلمات تلك الليلة. كانت من كلماته ﵊، وهو شاهدنا هذه الليلة: ﴿اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن﴾ انظر نص الكلام، كلام يصل إلى القلوب. ﴿اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد -وفي لفظ: أنت إله السماوات والأرض ومن فيهن- ولك الحمد أنت الحق، ووعدك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت﴾. ثم خرج إلى الصلاة ﷺ في الفجر، فكان يقول: ﴿اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، ومن أمامي نوراً، ومن خلفي نوراً﴾ وعند البخاري: ﴿واجعل في شعري نوراً، وفي عظمي نوراً، وفي مخي نوراً، وفي عصبي نوراً، وأعظم لي نوراً﴾ إنه نور الله الذي ينزله في قلب من يشاء من عباده.

стр. 1264

نور الهداية والفطرة يقول : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥]. ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥] أي: نور الفطرة على نور الحق الذي هديت به، وهو القرآن والإيمان، فطر الله الناس على الإيمان، خلقك الله مؤمناً، يوم أسقطتك أمك من بطنها ولدت مؤمناً موحداً، تعترف بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً ﵊ ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا يوم سقطت على الأرض سقطت مؤمناً، ويوم وقعت على الأرض وقعت موحداً، ويوم نزلت إلى الأرض نزلت مسلماً، فهذا نور الفطرة، قال ﵊ كما في الصحيحين: ﴿كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه﴾. ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥] المسلم مولود مفطور على النور، على الهداية، لا يعرف إلا الله ربه، فلما عاش في بيت ضال انحرف، ما كان للابن أن يفجر لولا فجور أبيه -في الغالب- وأمه، بعد قضاء الله وقدره، يولد كما تولد البهيمة جمعاء، ثم تجدع البهيمة. (نُورٌ عَلَى نُورٍ) نور الفطرة، ونور المولد، ونور يوم وقع على الأرض وهو مسلم لله ، فلما وقع مسلماً آتاه الله الوحي، والكتاب، والإيمان، والإسلام: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥]. والله ذكر النور، فقال عز من قائل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١].

стр. 1265

وقفة مع نور أبي بن كعب أحد المترجمين يترجمون لـ أبي بن كعب، وهو سيد القراء، من مدرسة محمد ﵊. أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] فهو سيد القراء إلى يوم القيامة، وهو رجلٌ من الأنصار دخل الإيمان قلبه، وغرس محمدٌ ﵊ الإيمان في قلبه، فآتى أكله كل حين بإذن ربه. تعال يا من نفسه في وبال ونفسه محبوسة في عقال يا راقداً لم يستفق عندما أذن في صبح الليالي بلال روض النبي المصطفى وارفٌ أزهاره فاحت بريا الجمال سوف يموت الإنسان ويبقى ميتاً حتى يصله النور، لكن نقف مع أبي، كان يقول عنه أهل العلم: كان أبيض اللحية، أبيض الجسم، أبيض الرأس، أبيض الثياب: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم ٌ﴾ [النور:٣٥]. ورد في السير للذهبي أنه دعا على نفسه بالحمى، فأصابته الحمى سنوات، وذلك لأن الرسول ﵊ يقول: ﴿ما من مسلم يصيبه هم، ولا نصب، ولا وصب، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه﴾ فقال أبي: اللهم إني أسألك حمى. كلكم يسمع بالحمى، وهي تفرفر الأضلاع فرفرة، ولا تترك عضواً حتى تدخله، ويقولون: تكفر ثلاثمائة وستين سيئة؛ لأنها تدخل كل عضو. والحمى من صفاتها أنها لا تأتيك إلا في الليل، أما في النهار فلا تزور، حتى يقول المتنبي: وزائرتي كأن بها حياء فليس تزور إلا في الظلام بذلت لها المطارف والحشايا فعافتها وباتت في عظامي قال أبي: [[اللهم إني أسألك حمى لا تعطلني عن فريضة ولا حج ولا جهاد ولا عمرة، لتكفر خطاياي]]. فأصابته الحمى فشاب شعر لحيته ورأسه، وكان يلبس الثوب الأبيض؛ لأنه قارئ من القراء، وفي الموطأ للإمام مالك في كتاب الأدب، قال عمر: [[يعجبني أن يلبس القارئ اللون الأبيض؛ لأنه نور]]. وفي صحيح البخاري في كتاب الأدب، باب لبس البياض، من أين يستدل البخاري، قال: " ورأى سعد ملكين نزلا يوم أحد عليهما الثياب البيض ". فـ أبيٌ هذا كان لباسه أبيض، وقلبه أبيض، وكلامه أبيض، وحديثه أبيض (نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ). نقف مع أبي صاحب النور قليلاً، يقول له ﷺ كما في صحيح مسلم: ﴿يا أبي! أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم - وهذا حياء وإلا فهو يدري- قال: أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فأخذ ﷺ بيده، وضرب في صدره، وقال: ليهنك العلم يا أبا المنذر﴾ فهذا علم تحسد عليه. وفي الصحيحين أن الله لما أنزل سورة: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة:١] أمر رسوله أن يقرأ هذه السورة على أبي بن كعب، فقام ﵊ وزار أبياً في بيته، وجلس أمامه، وقال: ﴿إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة البينة، قال: وسماني في الملأ الأعلى؟! قال: وسماك، فأخذ يبكي﴾.

стр. 1266

نور المنافقين والنور -أيها الفضلاء- يأتي بأسباب، لكن نستطرد مع القرآن لنصل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]. وهناك فرق بين بين النور والضياء، يقول : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً﴾ [يونس:٥] ولذلك سمى الله القرآن نوراً، والتوراة نوراً، وسمى التوراة ضياءً. والله يقول: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ﴾ [الحديد:١٢] نورهم، قيل: ثوابهم وأجرهم، والصحيح أنه نورٌ يمنحه الله للمؤمنين، أما المنافقين فكما خادعوا الله في الدنيا خدعهم في الآخرة: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]. ثم انطفا نور المنافقينا فوقفوا إذ ذاك حائرينا لأنهم بالوحي ما استضاءوا فكذبوا فذا لهم جزاء فيظهر الله للمنافق نوراً يوم القيامة، فإذا أصبح على الصراط قطع الله عنه النور، وتركه في الظلمة، فتردى على وجهه في النار، وورد في الحديث: ﴿إن من الناس من يأتي نوره كالقمر ليلة البدر، ومنهم كالكوكب الدري، ومنهم كالمصباح، ومنهم من يكون نوره في رأس ظفره﴾ نسأل الله أن يؤتينا من نوره.

стр. 1267

النور في الكتاب والسنة وقد ذكر الله النور في آيات، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٢٨]. والنور على ثلاثة أقسام: نور الفطرة: ولا يكفي إلا بالإيمان. نور الإيمان. ونور الصالحات بعد الإيمان. ولذلك ذكر الله الإيمان، فزاد عليه من أعمال الصالحات ما زاد .

стр. 1268

نور القبور وهذا رسولنا ﵊، وقد خرج في جنازة -والحديث في صحيح مسلم - فلما وصل المقبرة دعا للموتى وقال: ﴿إن الله ينور عليهم قبورهم بدعائي﴾. وعند الترمذي أن الرسول ﵊. وقف على جنازة فدعا لصاحبها: ﴿اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم عافه، اللهم اعف عنه، اللهم افسح له في قبره ونور له فيه، قال عقبة بن عامر: فوددت أنني أنا الميت،﴾ فالنور هنا معنويٌ وحسي، نور الطاعة والعمل الصالح، ونور يوسع لك في القبر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الفرقان: "وقد رئى قبر الأحنف بن قيس، وهو أحد الصالحين وقد وسع له مد البصر لما دفنه الناس" رأوه بأعينهم وهم أحياء بعدما دفنوه، فوسعه الله له، وصح عنه ﷺ ، أن قال: ﴿إن هذه القبور مملوءة ظلمة، وإن الله ينورها بدعائي لهم﴾ فالدعاء نور. وعند صاحب الحلية من حديث مطرف بن عبد الله بن الشخير، أنه كان يمر بالمقبرة من الكوفة إلى البصرة ليصلي الجمعة، فكان يمر على المقابر فيدعو لهم، ويقول: لا إله إلا الله، فمر ليلة من الليالي فما وقف؛ لأن الجو كان بارداً عليه، فذهب فرأى في المنام قائلاً من أهل المقابر يقول -والمنامات لا يعقد عليها عقائد ولا عبادات ولا حلال ولا حرام، ولكنها مبشرات-: يا بن الشخير حرمتنا الليلة من دعائك، والله الذي لا إله إلا هو إن الله ينور علينا قبورنا بدعائك أسبوعاً كاملاً، وقال له: أكثر من قول لا إله إلا الله فقد حيل بيننا وبين لا إله إلا الله. ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤] فهم يشتهون أن يقولوا لا إله إلا الله، ويقولوا: سبحانه الله فما يستطيعون. أتيت القبور فناديتها فأين المعظم والمحتقر تفانوا جميعاً فما مخبر وماتوا جميعاً ومات الخبر فالله ينور القبور بالدعاء، والدعاء نور، والرسول ﵊ يقول كما عند أبي داود والترمذي وأحمد وابن ماجة: ﴿بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة﴾. طوبى لك يا من مشيت إلى بيت من بيوت الله في ظلمة الليل بنور يسعى بين يديك يوم العرض الأكبر! طوبى لك يا من سريت إلى علم أو فهم أو دعوة بنورٍ تام! طوبى لك يا من وصلت رحمك بنور تام. طوبى لك يا من بررت والديك بنور تام. طوبى لك يا من وصلت أرحامك بنور تام! ﴿بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة﴾: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد:١٢] ما أحوجنا إلى النور، وما أفقرنا إلى النور: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] نعوذ بالله أن ينطفئ نورنا، وأن يطمس نورنا، ويذهب. والرسول ﵊ ذكر أن النور إذا دخل القلب انفسح وانشرح بإذن الله، وعلى ذكر المرور في الظلمات، قال أبي بن كعب كما في السنن: ﴿كان رجل من الأنصار لا أعلم رجلاً أبعد منه من المسجد، فقال له الناس: لو اتخذت حماراً تركبه في الرمضاء والظلماء، قال: لا والله! إني أسأل الله أن يجعل لي نوراً، وأن يكتب ممشاي ورجوعي من بيتي إلى المسجد، ومن المسجد إلى بيتي، فأخبر الرسول ﵊، فقال: بشروه أن الله كتب له ذلك كله﴾.

стр. 1269

نور القلوب وعماها والله قال في القرآن: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ [الرعد:١٦] لا تستوي، والنور هنا نور القلب، وليس نور البصر، فبعض الناس مبصر، فترى عيناه لكن لا يبصر قلبه: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]. فبعض الناس قلبه أعمى، يقول الله : ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد:١٩] فهل الأعمى هنا أعمى البصر؟ لا والله! بل أعمى القلب. ابن عباس -كلكم يعرفه - عمي في آخر عمره، لكن قلبه ما عمي، فقلبه سراج، قلبه شمس وقمر بالعلم والفقه بالدين وقال الله وقال رسوله ﷺ ، دخل على شبيبة، فاستهزأ به بعضهم، وقالوا: لا أساءك الله في بصرك يا بن عباس، فقال يخبرهم أن النور ليس في العين، وإنما في القلب: إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي فؤادي وقلبي منهما نور قلبي ذكي وعقلي غير ذو عوج وفي فمي صارم كالسيف مأثور يقول: إذا عميت عيناي فما عمي قلبي، وإذا انطفأ نور العينين فما انطفأ نور القلب، بل قلبي مبصر، وحي عارفٌ بالطريق إلى الله . أتدرون من هو الأعمى؟ ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الحجر:١٩] فالأعمى الذي لا يعلم أن هذا حق، وأن الإسلام خير، وأن المسجد فيه صلاح وبر: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الحجر:١٩]. من هو الأعمى؟ الأعمى قسمان: رجل فقد النور من عينيه، فهذا لا يضره، بل هو كفارة له إذا كان من المسلمين، ففي صحيح البخاري عن أنس قال: قال ﷺ : ﴿يقول الله : ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا ابتليته بحبيبتيه فصبر إلا الجنة﴾ والحبيبتان هما العينان. وقد قيل لـ يزيد بن هارون الواسطي المحدث الكبير وقد عمي، قال له تلاميذه: أين العينان الجميلتان؟ قال: " أذهبهما والله بكاء الأسحار "، رواه الذهبي في السير، فهذا العمى في العين للمسلم كفارة. عبد الله بن أم مكتوم أعمى، يخبر الله عنه في القرآن فيقول: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس:١ - ٢] لكن قلبه ليس بأعمى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس:١ - ١٠] هل تدري أن هذا الأعمى أفضل من ألوف من الذي تبصر عيونهم؟! قال ابن كثير في البداية وهو يروي قصة عبد الله بن أم مكتوم، حين ذهب إلى القادسية؛ فأخذ الراية، فقال له الصحابة: إنك أعمى والله قد عذرك، قال: والله لأنفرن إلى المعركة؛ لأن الله يقول: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ [التوبة:٤١] فسوف أنفر، فلما ذهب، أخذ الراية وهو أعمى ثم قتل في المعركة ﵁ وأرضاه. والله سمى القرآن نوراً، فقال: ﴿ومَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] فالقرآن نور، وفي صحيح مسلم في كتاب التفسير، قال ﵊ في حديث جبريل: ﴿قال جبريل: أبشر بنورين أوتيتهما، لا تقرأ بحرف إلا أوتيته، بسورة الفاتحة وخواتيم سورة البقرة﴾. والنور -أيها الكرام الأبرار- يذكره في معرض الامتنان، فيقول عز من قائل: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢]. يقول ابن تيمية: " للإنسان ميلادان: الميلاد الأول يوم أتت به أمه، والميلاد الثاني يوم تحلى بالإيمان "، فالله يقول في الميلاد الثاني: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] أومن كان ميتاً بالكفر فأحييناه بالإيمان وجعلنا له نوراً من العلم والحكمة يمشي به في الناس.

стр. 1270

نماذج من الذين أحياهم الله بنوره ومن الأموات الذين أحياهم الله أذكر نماذج: عمر بن الخطاب كان ميتاً قبل الإسلام، كان يأكل ويشرب لكنه ميت، لأنه ما وصل القرآن والإيمان إلى قلبه، وروحه، وكل من لم يصل الإيمان إلى قلبه فهو ميت: (قلب لا تشرق عليه شمس الإيمان قلب ملعون، وأرض لم تشرق عليها شمس الرسالة أرض مغضوب عليها، وقلب يعتقد أنه سوف يهتدي بغير هدى الله الذي بعث به محمد ﵊ فعلى هذا القلب لعنة الله والملائكة والناس أجمعين). كان عمر ميتاً: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٢٦ - ٢٧]. خرج عمر من صلب أب كافر، فلما خرج عاش شطر عمره لا يعرف شيئاً، يأكل ويشرب، لكنه ما اهتدى إلى الإيمان والحب والطموح، فلما أتى ﵊ ووضع يمينه في يمين عمر انسلخت الوثنية والشرك والتخلف من كل ذرة من ذرات جسمه، وأصبح إنساناً آخر؛ قرآناً يمشي على الأرض: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢]. عمر كان قلبه قاسياً جلفاً شديداً، فلما أسلم لان قلبه بالإيمان، يصعد المنبر يوم الجمعة كما يقول أهل السير فيقرقر بطنه عام الرمادة من الجوع، فيقول لبطنه: [[قرقر أولا تقرقر، والله! لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]]. عمر ﵁ وأرضاه يمر بـ أبي وهو يقرأ في سورة الصفات: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات:٢٤ - ٢٥] قال: فألقى عصاه وبكى حتى أغمي عليه، وبقي شهراً كاملاً يعاد من المرض. عمر يقول فيما يؤثر عنه: [[والله لو عثرت دابة على شاطئ دجلة -في العراق - لخشيت أن يسألني الله عنها يوم القيامة]] يقول في المسجد يوم الجمعة: [[يا أيها الناس! ما رأيكم لو ملت عن الطريق هكذا، فقام أعرابي فسل سيفه، وقال: يا أمير المؤمنين! لو رأيناك ملت عن الطريق هكذا لقلنا بالسيوف هكذا، فتبسم، وقال: الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من لو قال عن الطريق هكذا، قالوا بسيوفهم هكذا]]. سافر إلى دمشق في طريقه إلى بيت المقدس، فقال: أين أخي؟ قالوا: من أخوك؟ قال: أبو عبيدة، فأتاه وعانقه، وقال: [[مل بنا عن الطريق نبكي أنا وإياك حياتنا مع الرسول ﵊]]. قالوا لـ عاتكة بنت زيد زوجته: صفي لنا عمر، قالت: ليله أو نهاره؟ -أي: أصف الليل أم أصف النهار- قالوا: الليل، أما النهار فنعرفه، قالت: كان إذا دنا منه الليل وأتى إلى الفراش، وضع قدحاً رحراحاً فيه ماء بارد، فإذا أقبل عليه النوم أخذ من الماء فغسل وجهه فاستفاق، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، قالت: فيبقى يتململ حتى ينتصف الليل، ثم يقوم يصلي ويبكي حتى الفجر، فتقول له: يا أمير المؤمنين! لو أرحت نفسك، قال: [[لو أرحتها بالنهار لضاعت رعيتي، ولو أرحتها بالليل لضاعت نفسي]] أي إنسان هذا؟! إنسان ولد مع النور، كان ميتاً فأحياه الله. يرسل كسرى رسولاً، فيصل إلى المدينة، ويسأل عن بيت عمر، فقالوا: بيته هنا، فيذهبون معه، ويشيرون على بيت من طين، قال: أهذا بيت الخليفة؟! قالوا: نعم. فطرقوا عليه الباب فلم يجدوه، قال: أين هو؟ قال أهله: التمسوه في المسجد، فذهبوا في المسجد فلم يجدوه، فقال: أين هو؟ فبحثوا عنه فوجدوه تحت شجرة في ضاحية من ضواحي المدنية قد نام، فقال هذا الفارسي: حكمت فعدلت فأمنت فنمت. وراع صاحب كسرى أن رأى عمراً بين الرعية عطلاً وهو راعيها فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملاً ببردة كاد طول العهد يبليها فقال قولة حق أصبحت مثلاً وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها أمنت لما أقمت العدل بينهم فنمت نوم قرير العين هانيها أتته سكرات الموت، فسأل الله الشهادة قبل أن يموت، فأعطاه الله الشهادة في المحراب، صباح يوم السبت في صلاة الفجر: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥]. ووصل إلى بيته وعزاه الناس في حياته، فقال ابن عباس كلمة من الكلمات النيرة التي حفظت له: [[طوبى لك يا أمير المؤمنين! أسلمت فكان إسلامك نصراً، وهاجرت فكانت هجرتك فتحاً، وتوليت الخلافة فكانت ولايتك رحمة، فهنيئاً لك]]. قال وهو يبكي: [[يا ليتني نجوت كفافاً لا لي ولا علي]] يمر به شاب وهو في سكرات الموت وهو مطعون والدم يسري من جسمه، فيقول للشاب: تعال يا بن أخي. يريد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وروحه تقعقع: [[يا بن أخي! ارفع إزارك؛ فإنه أتقى لربك وأنقى لثوبك]] وذلك لأنه يحمل الإيمان والحب والطموح. ومن الذين أخرجهم الله من الظلمة إلى النور عبد الله بن عمرو، رجل من الأنصار والد جابر، عاش ما يقارب الأربعين سنة في الجهالة والظلمة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] أمة لا تستحق المجد، ظالمة، ضائعة، ضالة، فأتى هذا الرجل فسمع بـ مصعب فأسلم ودخل في الإسلام، فأعطاه الله نوراً: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥] وأتى في معركة أحد فباع نفسه في قصة مشهورة، فكلمه الله كفاحاً بلا ترجمان.

стр. 1271

سعد بن معاذ وممن هداهم الله سعد بن معاذ، باع نفسه وقتل، مرض في المسجد، ومات شهيداً، واهتز عرش الله له، والحديث حسن. وما اهتز عرش الله من موت هالك سمعنا به إلا لـ سعد أبي عمرو أورد الذهبي أنه شيع جنازة سعد سبعون ألف ملك، لماذا؟ لأنه اهتدى إلى النور: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥]. والذي يبقى في الظلمة ميت، مثل فرعون، عاش وأكل وشرب، ولكنه ميت: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد:١٩]. وممن عاش في الظلمة ومات في الظلمة فهو ميت، أبو جهل؛ كفر بالله، وبالرسالة، وبالرسول ﵊، فمات متردياً، وكـ الوليد بن المغيرة ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً﴾ [المدثر:١٣ - ١٤].

стр. 1272

أقسام النور ما هو النور؟ وما هي أقسام النور؟ النور على أقسام: أول نور لك في الحياة الصلاة، ففي صحيح مسلم عنه ﷺ ، قال: ﴿الصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء﴾ الحديث، فأعظم نور لك في الحياة الدنيا الصلاة، فمن لم يتنور بالصلاة فلا نور الله عليه، ومن حُبس عن الصلاة فقد حبس عن النور، وإذا رأيت الإنسان يتهاون بالصلاة فاعلم أنه ليس عنده نور، ولا هداية، ولا إيمان، وأنه في ظلمة: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]. والرسول ﵊ صح عنه أنه يقول: ﴿صلوا في بيوتكم، فإن الله جاعل لكم في بيوتكم من صلاتكم خيراً أو نوراً﴾ فالصلاة في البيت نور، بشرط أن تكون النافلة، لا الفريضة إلا لعذر، فمن صلى الفريضة في البيت فقد أثم وأذنب إذا صلاها بلا عذر. ومن النور القرآن؛ قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] وقال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة:١٥] فالقرآن نور، قال أهل العلم: ولا يكون القرآن نوراً للإنسان إلا بثلاثة شروط: الشرط الأول: أن يعمل بمحكمه، ويؤمن بمتشابهه، فمن شك في القرآن، أو في شيء من القرآن لم يجعل الله له نوراً أبداً. الشرط الثاني: أن ينزع الشهوات من قلبه، فلا يقرأ القرآن بظلمة وشهوة وفجور، فإنه لا يستفيد منه شيئاً أبداً. الشرط الثالث: أن يلقي سمعه، وهو شهيد القلب؛ قال تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧] فإذا اكتمل هذا أثر القرآن في قلبه تأثيراً بيناً. والذكر في حياتك نور، فإذا رأيت الإنسان يذكر الله كثيراً فاعلم أن عنده نوراً، ومن لم يذكر الله فليس له نور، والله وصف المنافقين الذين ذهب الله بنورهم بأنهم لا يذكرون الله إلا قليلا، كلما ذكر الله النفاق -هذه قاعدة- ذكر الذكر، يقول : ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] وفي آخر السورة يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون:٩] ويقول سبحانه تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢] وفي الصحيح أن الرسول ﵊ قال: ﴿تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى تميل ثم ينقر أربع ركعات لا يذكر الله فيها إلا قليلاً﴾. فالمنافق يصلي ويحج، ويعتمر، لكنه مصاب بداء خطير، وهو على قسمين: نفاق اعتقادي مخرج من الملة. ونفاق عملي، وهذا فيه نظر، وهو أقل من ذاك خطورة. فالنفاق المخرج من الملة هو نفاق من يعتقد كذب القرآن، أو كذب الرسول ﵊، فهو منافق ملعون في الدرك الأسفل من النار، ولو صلى وصام وزعم أنه مسلم. ومن النفاق الاعتقادي من استهزأ بشيء من كتاب الله، أو من سنة الرسول ﵊، أو من عباد الله من أجل صلتهم بدين الله، فهو كافر؛ قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]. أما النفاق العملي فهو على أضرب: ﴿إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر﴾ فهذا منافق نفاقاً عملياً وهو من المذنبين، ومن المتلبسين بصفات أهل النفاق، لكن لا يخرج من الملة. فالذكر -يا أيها الأبرار- نور، فعن عبد الله بن بسر -كما في الترمذي بسند حسن- أن رجلاً قال: ﴿يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾ ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب﴾ [الرعد:٢٨] ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]. والصدقة نور، وقد سماها ﷺ ووصفها بقوله: ﴿تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار﴾ ويستظل بها العبد يوم القيامة: ﴿كلٌ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس﴾ كما صح في الحديث، وفي حديث ابن مسعود في البخاري: ﴿وإذا تصدق أحدكم فإن الله يأخذ صدقته بيمينه، فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون كـ جبل أحد﴾ وفي رواية: ﴿ولا يقبل الله إلا طيباً﴾.

стр. 1273

أنواع الظلمات ونماذج لمن مات فيها وأما الظلمات فقد ذكرها الله في كتابه على صيغة الجمع، قال: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧] والظلمات ثلاث: ظلمة الكفر: وهذه أعظم ظلمة نجانا الله وإياكم منها، وهي ظلمة ما بعدها ظلمة، وهي ظلمة شديدة متلفة مهلكة لصاحبها. والظلمة الثانية: ظلمة الكبائر، فإن الكبيرة إذا أصيب بها العبد أظلم قلبه وقسا، وبعدت روحه، وشردت نفسه، ولا يكفرها إلا واحد من المكفرات العشر، التي ذكرت في بعض الدروس. والظلمة الثالثة: ظلمة الصغائر من الذنوب، فمن نجا من الظلمات فقد نجاه الله، ومن وقع في الظلمات، فهو في ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور. ومن هم الذين ماتوا في الظلمة ولم يروا النور: الجد بن قيس أحد المنافقين، قال له ﷺ : ﴿تعال اخرج معنا في غزوة تبوك قال: يا رسول الله! أنا رجلٌ أحب النساء، وإذا رأيت نساء بني الأصفر لا أصبر﴾ وبنو الأصفر هم الروم، انظر إلى الكذاب الدجال، فقال الله عنه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٤٩]. ضاع جمله في الحديبية، قالوا: تعال يستغفر لك رسول الله ﷺ ، قال: والله! لأن أجد الجمل خير لي من أن يستغفر لي محمد، نعوذ بالله من الخذلان في الدين والحرمان في الدنيا. أتدرون ما هو الخذلان؟ الخذلان أن يكتب الإنسان، أو أن يعتقد كفراً، أو يخدم أو أن يتكلم، أو يكون تحت مظلة الكفر؛ صحفياً، أو شاعراً، أو خطيباً، أو قصصياً، أو مسرحياً. والكفر هو أعظم ذنب عصي الله به في الأرض، قالوا: تعال يستغفر لك، فلوى رأسه، فلماذا فعل ذلك ولم يقل: لا؟ ولماذا لم يتكلم؟ لأنه خاف أن يكشفه الوحي بكلامه، فينقل إلى الرسول ﵊، فنقل الله الصورة والحركة لرسول ﵊، فقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ﴾ [المنافقون:٥] الآية. يقولون: حتى الحمار يلوي رأسه. ومما يذكر أن التبغ قدم لحمار -التبغ شجر الدخان- ليأكله، فلوى الحمار رأسه، كأنه يقول: لا أريد، وهذه كالزهرة تشم ولا تعك. ويوصف بها المنافقون: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون:٥ - ٦] وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥]. وحينما يذكر الله عدم الهداية يعللها بأنهم فسقوا في أول الطريق: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]. ومن المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول -نعوذ بالله من الكفر والخذلان- كان يصلي مع الرسول ﵊، فيقوم ويقول يوم الجمعة للصحابة: اسمعوا لمحمد، استمعوا واستفيدوا، ولكن ما استفاد هو، خرج في غزوة فتشاجر مهاجري وأنصاري، وعبد الله بن أبي من الأنصار، لكن ما ناصر الله ورسوله ﵊، فقال يوم رأى المهاجري يتشاجر مع الأنصاري، قال: صدق الأول! جوع كلبك يتبعك، وسمن كلبك يأكلك، ثم قال كما حكى الله عنه: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨] فسمع ابنه الكلام، وكان ابنه عبد الله مؤمناً؛ لأن الله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم:١٩]. من هو عكرمة؟ إنه ابن أبي جهل، أبوه ميت، وقطعة من كلب، ميت لأنه ما آمن بالله ، فخرج منه عكرمة الذي لبس أكفانه يوم اليرموك، واستقبل القبلة، وقال: [[اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى]] وقتل في المعركة، وأتي به إلى خالد بن الوليد قائد المعركة، فقال خالد: ماذا تريد؟ فأشار إلى الماء يريد أن يشرب، لأنه لا يستطيع الكلام، فأتى خالد له بكوب ماء بارد وهو يحتضر، فلما أعطاه الماء البارد ليشرب نظر إلى عمه الحارث بن هشام، فأشار أعطه، يؤثرون حتى في ساعة الصفر كما قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] فقدموا الماء للحارث، فرأى الحارث رجلاً آخر فأشار إليه، فأبى أن يشرب قبل عكرمة، فردوا الماء لـ عكرمة فإذا هو قد مات، ثم إلى الحارث فإذا هو قد مات، ثم إلى الثالث فإذا هو قد مات، فرمى خالد بالكوب من يده، وقال: [[اسقهم من جنتك]] فهذا خرج من صلب أبي جهل. فأتى عبد الله بن عبد الله بن أبي، وقال: يا رسول الله! ائذن لي في قتل أبي، فإني لا ترضى نفسي أن أرى رجلاً يقتل أبي ويمشي على الأرض، لكن والله إن أذنت لي لآتينك برأس أبي هذا اليوم، فقال ﵊: ﴿بل نترحم على أبيك، ونصحبه خيراً، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه﴾ فلما أتى أبوه ليدخل المدينة، وقف عبد الله بالسيف على مدخل المدينة، وقال لأبيه: والذي لا إله إلا هو لا تدخل حتى يأذن لك رسول الله ﷺ ، قال: ولم؟ قال: لأنك الأذل وهو الأعز، فإذا أذن لك فادخل؛ ويقول الله عن هذا: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨] فالعزة لله وللرسول ﵊ وللمؤمنين.

стр. 1274

نماذج لظلمات أهل الفن وممن عاش الظلمة وتردى في الظلمة أناس كثير يعيشون على مر الدهور، وأنا أذكر نماذج من أهل الأدب والفن في هذا، وإلا فله حديث آخر، لكن حديثي الآن حول قوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥] وقوله تعالى: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]. أحد الناس، يقول في مقطوعة له وهو يعيش في ظلمة وهو إيليا أبو ماضي يقول: جئت لا أعلم من أين! ولكني أتيت!! ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت!! وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت!! كيف جئت كيف أبصرت طريقي لست أدري!! ولماذا لست أدري؟!! لست أدري!! في ظلمة، لكن سوف يدري: ﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:٩ - ١٠] ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]. أحدهم يقول لسلطان: ما شئتَ لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار فابتلاه الله بمرض؛ لأنه يعيش في ظلمة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]. ورجل ثالث، مجرم من المجرمين، قام يقول للناس ويخاطب العرب: هبوا لي ديناً يجعل العرب أمة وسيروا بجثماني على دين برهم بلادك قدمها على كل ملة ومن أجلها أفطر ومن أجلها صم فكان يعيش ظلمة، ومات في الظلمة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠].

стр. 1275

طرق الظلمة الموصلة لها إخوتي في الله: الطرق الموصلة إلى الظلمة ثلاث: الشهوة- والغضب- والغفلة. فإذا غضبت أوقعك الشيطان في حبائل القتال، وهي نفس غضبية، وجعلك من جند فرعون -نعوذ بالله من ذلك- إن لم تتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ليجعل الله لك نوراً، وإذا غضبت فتوضأ، واستعذ بالله من الشيطان الرجيم، واقرأ شيئاً من القرآن، ليأتيك النور على هذه الظلمة. وإذا أصابتك الشهوة، ووقعت في حبائل إبليس، وقعت في التردي والمعصية، وكنت من جند الشيطان ومن أهل الشهوات قارون وأمثاله. وإذا غفلت وقعت في نسيانه : ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩]. إذا علم هذا -إخوتي في الله- فلا بد أن تتنبه للأبواب الثلاثة التي تدخل عليك منها الظلمة، وتجعلك في الظلمة: الغضب والشهوة والغفلة.

стр. 1276

تفسير قوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض) ونعود للآيات: ((اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور:٣٥] ما معنى قوله : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور:٣٥] قيل: معنى هذا مثل نور الله الذي أعطاه المؤمن في قلبه، كمثل مشكاة فيها مصباح، وهذا ذكره ابن كثير، وأسنده إلى ابن عباس، وهو من أقرب الأقوال. فالنور الذي في قلبك أيها المؤمن: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور:٣٥]. قال ﵊: ﴿اللهم اجعل في قلبي نوراً﴾ فالنور هذا هو نور الإيمان، والقرآن، والذكر، والدعاء: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور:٣٥] ذكر ابن إسحاق في السيرة بسند فيه إعضال -والمعضل ما سقط من سنده رجلان على التوالي- قال: لما نزل ﷺ بـ وادي نخلة، استقبل القبلة، وقام يصلي، ثم دعا الله، وقال: ﴿اللهم إني أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة﴾ فذكر لوجهه نوراً. وفي صحيح مسلم قال أبو ذر: ﴿يا رسول الله! هل رأيت ربك؟ قال: نورٌ أنى أراه﴾. وجمهور أهل السنة على أن الرسول ﷺ لم ير ربه في الإسراء، وقد أخطأ من ذهب من بعض أهل العلم إلى ذلك، والرسول ﷺ نفى ذلك عن نفسه، قال: ﴿نورٌ أنى أراه﴾ أي: ما رأيت الله، والله يقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣]. ومن معتقد أهل السنة والجماعة أن الله يراه المؤمنون في الآخرة، ويحجب عنه الكفار والمنافقون: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ﴾ [المطففين:١٥ - ١٦] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]. ويقول ﵊ في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري يصف ربه، قال: ﴿حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره﴾ فهو نور ، وهو النور، وهو المنزل للنور، وهو الهادي إلى النور، فنسأله أن يهدينا وإياكم إلى النور. والنور في القرآن ذكر على ثلاثة أضرب: نور معنى كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور:٣٥] ونور حس كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١] ونور هداية كما في قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧] فهو على ثلاثة معان.

стр. 1277

من أقوال أهل العلم في النور وقبل أن أفرغ إلى حديث آخر أحب أن استطرد في قضايا: مما قال أهل العلم: إن القلب يسرج سراجه فيه النور -لحديث حذيفة في الصحيح- فإذا استكمل العبد في الهدى وزاد في الصالحات، وأكثر في النوافل، نور الله قلبه حتى يصبح أبيض لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض -نسأل الله من فضله- وأن العبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء، فتجتمع هذه النكات حتى يصبح القلب أسود كالكوز مجخياً -أو منكوساً- لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه. ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن العبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا تاب صقلت وأزيلت، حتى يعود أبيض، وهذه الذنوب والخطايا تؤثر في ثوب الإيمان الأبيض، فتنكته فيصبح أسود، فإذا أزلته بالاستغفار والتوبة أعاده أبيض. في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه، قال: ﴿قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ قال ﵊: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد﴾ ما أجمل هذه الكلمات! تصل إلى القلوب، لا أجمل منها ولا أعبق إلا القرآن، فهو كلام من أنزله . فلذلك قال: ﴿اللهم نقني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس﴾ والبخاري يستشهد على هذا بلباس البياض، ويأتي بمثل هذا. فإذا علم هذا فالخطايا هي التي توردك في الظلمة، ولا يوردك في الظلمة إلا الخطايا، وواجبك في الخطايا أن تتوب ليصقل قلبك، ومن ترك نفسه للخطايا أظلمت روحه، وأظلم قلبه فأصبح في ظلمة: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [النور:٤٠]. أحد المناطقة يذكره ابن تيمية في المجلد الرابع من فتاويه، يقول: سئل عن قلبه، قال: ظلمات بعضها فوق بعض، سبحان الله! الذي لا يهتدي بالقرآن لا يهتدي بالوحي ويقع في الظلمات، قالوا له: لماذا لا تقرأ وتستغفر وتتوب وتعبد الله؟ قال: لا أستطيع: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ:٥٤]. فإذا وصل الخطأ إلى هذا المستوى والظلم والعصيان والفجور أظلم القلب، فأصبح مغلقاً، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] بل: ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد:١٦] ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣]. قال ابن المبارك: [[من ترك الآداب ابتلاه الله بترك السنن، ومن ترك السنن ابتلاه الله بترك الفرائض، ومن ترك الفرائض ابتلاه الله بالكفر]] ومن فعل هذه أصبح في ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور. ما هي الآداب؟ هي آداب الإسلام. ما هي السنن؟ سنن الإسلام التي أتى بها ﷺ ، ولذلك سئل الإمام أحمد عن رجل ترك الوتر وداوم على تركه، قال: "هذا رجل سوء لا خير فيه" وإذا رأيت الإنسان يترك النوافل ويداوم على تركها، فاعرف أنه سوف تمر به مرحلة يترك الفرائض.

стр. 1278

كيفية الحفاظ على النور خطوط الدفاع ثلاثة: آداب، وسنن، وفرائض، فمن ترك الآداب ابتلاه الله بترك السنن، ومن ترك السنن وقع الثلم والنقص في الفرائض، ومن ترك الفرائض ابتلاه الله بالكفر. وهذا أمر لا بد أن يعلم، وحجاب، أو ساتر الإيمان أمور أذكرها: منها: ذكر ابن تيمية في المجلد الأول من فتاويه، قال: "للقلب أو محركان الذكر والفكر" فأعظم ما يحصل لك به النور الذكر والفكر: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] والذكر ذكر الله بالقرآن وبأي ذكر، والفكر التفكر في آيات الله المشهودة والمقروءة، وهذا أمر لا يغيب عنكم أيها الإخوة الكرام.

стр. 1279

مسائل حول الفطرة والنور وأخلص من هذا الدرس إلى مسائل ألخصها: المسألة الأولى: أن الفطرة وحدها لا تكفي للهداية، وقد أخطأ الفلاسفة لما قالوا: ليس هناك داعٍ أن يرسل الله الرسل؛ لأن الله خلق السماوات والأرض وأقام الكائنات، وعرض الآيات البينات، فلماذا يرسل الرسل؟ وقد كذبوا، فالفطرة وحدها لا تكفي، ولو كفت الفطرة لاهتدى الناس، لكن الناس مفطورون على الهداية، ولكنهم يزيغون فيحتاجون إلى الرسل، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء:١٥]. المسألة الثانية: أن النور لا يأتي إلا من عند الواحد الأحد، وأن من التمس النور من غير هداية الله أضله الله، ومن التمس العافية من غير الله أمرضه الله وأسقمه وأتلفه، ومن التمس السداد من غير الله أضله وأعماه وأهلكه، فالهداية من الله، والنور من الله، وهو في الإيمان والقرآن. المسألة الثالثة: أن النور أقسام وهذا معلوم بالنصوص، وأننا نأتي يوم القيامة على أنوارنا في الدنيا بصالحاتنا -نسأل الله من فضله- منا من يأتي كالقمر ليلة البدر، ليلة أربعة عشر، ومنا من يأتي كالكوكب الدري اللامع في السماء، ومنا من يزهر نوره إزهاراً كالنجم، ومنا من يأتي نوره كالمصباح، ومنا من يأتي نوره على رأس ظفره وأصبعه. المسألة الرابعة: أن النور يزيد وينقص بزيادة الإيمان، ومعتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان ينقص ويزيد كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:١٧] ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤] والنور يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي. ومن اعتقادنا أن موقدات الإيمان اثنان: الذكر والفكر، والذكر بالقرآن وبالتسبيح، والفكر في آيات الله الكونية وآياته الشرعية، ومما يعرض في هذا الباب أن النور ينقطع. فإنه يكون للمنافقين في الدنيا بحسب ما استضاءوا بالنور ظاهراً. -كيف استضاءوا بالنور ظاهراً؟ - كانوا يصلون معنا ويصومون، ونعوذ بالله من النفاق، ومن لم يخف من النفاق خيف عليه من النفاق. قال الحسن في صحيح البخاري -معلقاً-: [[ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق]] وقال عمر لـ حذيفة: [[أسألك بالله يا حذيفة أسماني رسول الله ﷺ من المنافقين؟ قال: لا. ووالله! ولا أزكي أحداً بعدك]]. وهناك نور يجعله الله للمنافقين بالصلوات الظاهرة فيأتي يوم القيامة لهم نور، ثم يقطع الله عنهم النور، فيتساقطون في نار جهنم: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة:١٧]. المسألة الرابعة: الظلمات على أنواع ثلاثة: كفر، ونفاق، ومعاص، والظلمة تزيد بالمعاصي، وتنقص بنقصان المعاصي، وأكثرها للكافر والمنافق، والظلمة هي معنوية وحسية كما قال في الحسية: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١] وقال في المعنوية: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧] وأن المؤمن قد توجد في قلبه ظلمة، لكن لا تخرجه من الإسلام والدين. المسألة الخامسة: وصف النور والظلمة وصفات أهل النور: يقول : ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥٧]. ما هو وصف الكفر وظلمة الكفر؟ ووصف الإيمان ونور الإيمان؟ أما وصف الإيمان ونور الإيمان، فيوصف بالنور وبالماء البارد على القلب، وبالحبل الممدود إلى السماء، وباستطاعتنا أن نوجد من النصوص أمثلة وشواهد لهذا. والظلمة توصف بأمور: توصف بانعقاد الخاطر، وظلمة القبر، وتوصف بانعقاد القلب، فلا يرى النور ولا ينشرح، فيكون: ﴿ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:٢٢]. وأهل النور -يا أيها المسلمون- هم أهل السنة والجماعة. وصفات أهل النور - أهل السنة والجماعة - أربع صفات: الأمر الأول: أنهم لا يأخذون منهجهم، ولا عقيدتهم، ولا عبادتهم، ولا سلوكهم إلا من الكتاب والسنة: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥]. الأمر الثاني: أنهم يقصدون بعملهم وجه الله ﵎، فلا يشركون مع الله شيئاً في عبادتهم، ولا في أخلاقهم، ولا في سلوكهم. الأمر الثالث: أنهم يتعاونون ويتواصون بالحق والصبر: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣]. الأمر الرابع: أنهم وسط، وقد وصفهم الله ورسوله ﷺ بذلك، وهذا نور على نور، قال : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣] فهم وسطٌ في المعتقد، ووسطٌ في العبادة، ووسطٌ في الأخلاق والسلوك. وهذه هي صفات أربع لأهل النور، وهم أهل السنة والجماعة. فنخلص من هذه المحاضرة إلى أن أهل النور هم أتباع محمد ﷺ ، جعلنا الله منهم، وجعل الله لنا نوراً نمشي به في الناس، وأحيانا الله بالنور، وأماتنا على النور، وشرح صدورنا للنور، وهدانا إلى صراط مستقيم.

стр. 1280

حكم السحرة والكهان والعرافين هذا أخ يشتكي من انتشار الكهنة، وقد سمعنا بعض العلماء والمشايخ يتكلمون بهذا، ويندبون الناس إلى التحدث عنه خاصة الدعاة، لأنه انتشر في أوساط الناس، وهو في المدن أكثر منه في القرى فيما سمعنا، وهي مسألة خطيرة، وهذه ليست مسألة إسبال ثياب، أو أخذ اللحى أو شرب الدخان، بل إنها مسألة خطيرة، ومن أعظم المسائل الخطيرة في تاريخ الإنسان، فهي مسألة شرك وكفر في القرن الخامس عشر، قرنٌ بلغت فيه كتب العلم والسنة مبلغها، ووجد العلماء وانتشرت المساجد والوعي والدعاة والعلماء، ثم يغزونا الشرك إلى قعر بيوتنا، وإلى داخل مدننا وقرانا، فهذه هي الخطورة التي ما بعدها خطورة، وهي قاصمة الظهر. وهذا الأخ يشتكي ويقول: وجد في أماكننا وقرانا ومدننا كثيرٌ من الدجالين والسحرة والمشعوذين والعرافين والكهنة، فماذا تقول في هذا الباب؟ وهؤلاء نسأل الله أن يكفينا شرهم، وأن يزيلهم عن مجتمعاتنا، فإنهم أعداء الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأعداء الكتب السماوية، وهم الذين قطعوا الطريق بين الخلق والخالق ﵎، وهم الذي صرفوا القلوب إلى غير باريها، وهم الذي عطلوا الأرواح عن أن تسافر إلى واليها ، فعليهم من الله ما يستحقونه، وهؤلاء كفرة بلا شك. وفي صحيح مسلم ﴿من أتى عرافاً لم تقبل له صلاة أربعين يوماً﴾ وفي لفظ صحيح: ﴿من أتى كاهناً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد ﵊﴾ والسحرة هؤلاء كثير، ووجدوا في القرى والمدن، وهم أناس يدعون الغيب، وقد كذبوا ودجلوا على الله عليهم لعنة الله، وهؤلاء السحرة يدعون علم الغيب، ويقول أحدهم: أنا أعلم الغيب: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥].

стр. 1281

ما يقوم به الساحر حتى تخدمه الجن فمن ادعى الغيب فإنما هو مخدوم من الجن، وقد قرر ابن تيمية في المجلد العاشر والحادي عشر أن هؤلاء يستخدمون الجن في أغراضهم، فأنت تأتي الساحر وما أخبرته باسمك، ولا باسم زوجتك وابنتك وأختك، فيخبرك بهذا، يقول: اسمك كذا وكذا، واسم ابنتك كيت وكيت، وسيارتك كذا، وأنت تسكن في كذا، فمن أخبره؟ إنهم الجن، وهو لا يخبره الجان حتى يكفر بالله. حتى يقول بعض أهل العلم: إنه اكتشف أن بعض السحرة اشترط الجن عليه أن يبول على المصحف فبال على المصحف، والسحرة هؤلاء لا تخدمهم الجن في القرى ولا الأماكن ولا الضواحي حتى يكفرون بالله العظيم، إما بأن يستهزئوا بالآيات، أو أن يدوسوا شيئاً من أوراق المصحف أمامهم، أو يصلوا بالنجاسات، كما ذكر ابن تيمية، فبعض السحرة قد يكون من أئمة المساجد، وبعضهم قد يكون خطيب يوم الجمعة وهو ساحر، وبعضهم قد يكون إماماً وهو مشعوذ كاهن، فيأتي يصلي بالناس وعليه جنابة. فهذا الساحر يكفر بالله العظيم، فلا يخدمه الجان إلا بعد أن يكفر بالله ويبول على المصحف، فيأخذ المصحف في زاوية ويبول عليه، فإذا بال عليه كفر بالله وانسلخ من الإسلام ومن لا إله إلا الله، فتأتي الجن تنقل له الأخبار من مكان إلى مكان، والجن لا تنقل له خبراً وهو مؤمن أبداً.

стр. 1282

الفرق بين كرامات الأولياء وشعوذة المشعوذين كيف نفرق بين كرامات الأولياء وشعوذة المشعوذين؟ هنا وليٌ من أولياء الله تأتيه كرامة، مثل أن يرى نوراً في بيته، مثل أن يطوي الله له الأرض، مثل أن يأتي الأسد له فيطأطئ الأسد رأسه له، ويأخذ الأسد ويمسكه، أو يمسك الثعبان فلا يؤذيه الثعبان، وبين مشعوذ يأتي إلينا فيأخذ الثعبان فإذا هو عصا، ويأخذ العصا فإذا هي ثعبان. أحد الناس قال: رأيت مشعوذاً أخذ فنجاناً فحوله إلى بيضة دجاجة، وأخذ براداً فحوله إلى حمامة، وهذا من المشعوذين، فكيف نفرق بين هذا وبين هذا؟ قال ابن تيمية: نفرق بين الكرامة والشعوذة بفارقين اثنين، وهذا من الفرقان الذي يجعله الله لأهل النور: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥]. الفارق الأول: أن الكرامة لا تجري إلا على يد رجل صالح عامل بالكتاب والسنة، فإذا رأيت الرجل الفاجر تجري على يديه خوارق للعادات فالعنه والعن خارقته ولا تقبل منه كلمة، رجل فاجر يصلي بجنابة، رجل يأوي الزبالات، ولذلك كثير من السحرة والكهنة -كما نقل إلينا برجال ثقات- يبيتون في المزابل والرماد والمذابح والحمامات، لأن الجن لا تأتيهم ولا تسخر لهم إلا في هذه الأماكن، ولذلك إذا دخلنا الحمام قلنا: نعوذ بالله من الخبث والخبائث، فهؤلاء إذا أتى علي أيديهم شيء فنكفر بهم ونكفر بما أتى على أيديهم. ليست كرامة، بل هي ندامة، ولعنة، وخزي، ودمار، وعار في الدنيا والآخرة، ومن أتاهم وصدقهم فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً، ولا يزكيه ولا ينظر إليه، وله عذاب أليم، وقد كفر بما أنزل على محمد ﵊. فالضابط أن الكرامة لا تأتي إلا على يد رجل صالح، عامل بالكتاب والسنة، صاحب سنة واستقامة، يعتقد اعتقاد السلف الصالح، فهذه كرامة أتت علي يده، وإذا أتت على يد النجس الآخر القذر المشعوذ الكاهن، فهي خيبة وندامة ولعنة وابتلاء من الله. الفارق الثاني: ألا يستخدم الكرامة إلا فيما يرضي الله وينصر بها دين الله، مثلما فعل الصالحون، فالصحابة أكرمهم الله بكرامات فكانت في سبيل الله، مثل الطفيل بن عمرو الدوسي أكرمه الله بنور جعله في جبينه، فسأل الله أن يحوله في عصاه، فكان إكرامه بجعل النور في العصا آية في الدعوة.

стр. 1283

أمثلة من كرامات الأولياء وشعوذة المشعوذين ذكر ابن كثير والذهبي أن خالد بن الوليد ﵁ ذهب إلى أرض الروم يقاتل، فقال له قائد الروم: يا خالد! إن رسولكم ﵊ يخبركم أنكم إذا توكلتم على الله لا يضركم شيء، وهذا يا خالد! سمٌ زعاف في قارورة، جمعناه شهراً كاملاً، فإن كنت صادقاً فاشربه ولا يضرك شيئاً، فأتى خالد فكشف القارورة، وأزال غطاءها، وقال: [[بسم الله، توكلت على الله، حسبي الله، لا إله إلا هو عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم]] فشربها كلها فما أصابه شيء. يقول ابن تيمية: هذا وأمثاله تأييد للحق ورفعٌ لـ (لإله إلا الله) فكان في سبيل الله؛ لأنه خالد بن الوليد صاحب الكتاب والسنة، ١٠٠٠٠٢٨>خالد الذي غزا في سبيل الله مائة معركة، تكسرت في يده تسعة أسياف لأنه ينصر دين الله. تسعون معركة مرت محجلة من بعد عشر بنان الفتح يحصيها وخالد في سبيل الله مشعلها وخالد في سبيل الله مذكيها ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم ولا رمى الروم إلا طاش راميها أما المشعوذون والسحرة والكهنة، فحدهم السيف: ﴿حد الساحر ضربة بالسيف﴾ وهذا الحديث تكلم فيه، ولكنه حسن، وهذا معلوم لولاة الأمور وأهل التنفيذ أنهم إذا ظفروا بساحر يتقربون إلى الله بدمه؛ لأن بعض الناس يتقرب إلى الله بدماء المبتدعة والسحرة والمشعوذين. ولذلك ابن القيم يتفنن في مقطوعة له في مثل هؤلاء، فـ الجعد بن درهم، هذا الظالم العميل، المبتدع، الخرافي، الساحر، المشعوذ، أتى به خالد بن عبد الله القسري يوم عيد الأضحى، وقد كان خالد بن عبد الله القسري والي العراق، فخطب الناس، فقال: أيها الناس! ضحوا تقبل الله منكم فإني مضحٍ بـ الجعد بن درهم، فنزل فأخذ خنجره، وبرك على صدر الجعد بن درهم، وذبحه مستقبلاً به القبلة، وهذا يكفي عن سبعة. قال ابن القيم: ولأجل ذا ضحى بـ جعد خالد الـ ـقسري يوم ذبائح القربان إذا قال إبراهيم ليس خليله كلا ولا موسى الكليم الداني شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان من أراد أن يتقرب فليقرب بمثله، فهؤلاء السحرة من ظفر بأحد منهم فليرفعه إلى الجهات، وحكمهم السيف، وهم ملعونون في الكتب، وعلى ألسنة الرسل، وهم أعداء الرسالات الخالدة، ومن وصلهم وصدقهم فقد كفر بالقرآن، وكفر بالسنة، ولا تنفعه صلاته ولا صيامه، ولا حجه، ولا عمرته، وهو ضالٌ مضل. وقد رأيت أشخاصاً حدثوني، أنهم ذهبوا إلى ساحرة مشعوذة، فوصفوا لها جفاف البئر، فوصفت لهم من أين يحفرون، وهي ما حضرت، وما رأت، وما سمعت، وهي في بيتها، فعليها لعنة الله. وأحدهم ذهب بابنه إلى مشعوذ كاهن ساحر، فوصف له داءه، فقرأ عليه ورقاه، وأراني هذه الأوراق، فإذا فيها طلاسم وخطوط، فتشافى الابن ابتلاءً من الله، فلعنة الله على الذاهب والماضي إلا أن يتوب. فعلموا أهلكم وجيرانكم ومجتمعكم، وإلا فالأمة سوف تذهب مع السحرة والمشعوذة والكهنة، وسوف يسحتها الله بعذاب من عنده، وتفتري على الله، وتكون أمة فاشلة منهزمة مشركة، نعوذ بالله من الخذلان والحرمان. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 1284

الجوائز السخية أي عمل لابد بعده من جائزة، ولكل مجتهد نصيب، فالذي يجتهد في أمور الدنيا ينال، والذي يجتهد في أمور الآخرة ينال، والنبي ﷺ وضع الجوائز العظام التي لا توزن بما في هذه المعمورة، فمن أجل أن تعرف هذه الجوائز والأعمال التي تنال بها هذه الجوائز؛ تصفح هذه المادة وستعرف الكثير؛ وستعرف بالإضافة إلى ما سبق لطائف من حياة النبي ﷺ ، ومن حياة أبي بكر وعمر، وابن المبارك.

стр. 1285

النبي ﷺ يعرض الجوائز إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عنوان هذا الدرس: "الجوائز السخية". يقول ﵊: ﴿من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا؛ نفس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسرٍ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يطلب فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه﴾ رواه مسلم وغيره. هذه هي الجوائز السخية التي يعلنها ﵊ للمؤمنين، إذا جعل الناس جوائز من الذهب والفضة، ومن السيارات والقصور، ومن الدور والبساتين، جعل ﵊ جوائزه أغلى وأعلى وأجلَّ، أتى الناس إليه ﵊ يريدون الدنيا وحطامها فأعطاهم الدنيا والآخرة، أتى الناس يطلبون بيوتاً ومزارع فأعطاهم جنة عرضها السموات والأرض. وقف خطيباً في الناس، يقول: ﴿أيها الناس! إني أعطي بعضكم لما جعل الله في قلوبهم من الهلع، وإني لأدع قوماً لما جعل الله في قلوبهم من الإيمان منهم عمرو بن تغلب: قال عمرو بن تغلب كلمة ما أريد أن لي بها الدنيا وما فيها﴾ وهذا منطق المؤمن أن يقف أمام مغريات الدنيا، ويعلم أنه مهما جمع، ومهما حصل فيها فهو قليل في جانب ما عند الله ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦] يقول الزبيري: خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريبا فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليبا وقد شاهد الإنسان وهو يقرأ التاريخ؛ السلاطين، والأغنياء، والأثرياء، وأرباب الدنيا، وهم يمرون كمر السحاب ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨] جمعوا وذهبوا. في رحلة ابن بطوطة قال: " وصلت مكاناً وراء نهر سيحون وجيحون فوقفت في تربة هناك، فقال لي أحد الناس: في هذه التربة رأس ألف ملك " في هذه التربة مدفون ألف ملك من ملوك الدنيا انظر إليهم، فيقول الشاعر لما وقف على التربة: وسلاطينهم سل الطين عنهم والرءوس العظام صارت عظاما وكان علي بن أبي طالب في الكوفة، فدعا بإناء يشرب فيه من ماء، فأتي له بإناء من خزف من طين فخار الذي خلق منه الإنسان، فأتي بالإناء فبكى علي، قالوا: مالك؟ قال: [[الله يا طين، كم فيك من خدٍ أسيل، ومن طرف كحيل]] المعنى: كم وضع فيك من الأشلاء، وربما مزجت أنت والطين الذي معك من المقبرة، وكان فيه بقية أموات، يعبر عن ذلك أبو العلاء المعري بقصيدته الرائعة، السائرة، وهو يقول: غيرُ مجدٍ في ملتي واعتقادي نوح باكٍ ولا ترنم شادي وسواءٌ صوت الشجي إذا قيس بصوت النعي في كل نادي خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد صاح هذه قبورنا تملأ الرحب فأين القبور من عهد عاد وهذا منطق سديد، ولو أن صاحب هذه الأبيات ليس برشيد، لكن قد يقول الشيطان كلمة يصدق فيها أحياناً. أما حبيبنا ﵊ فإنه يتكلم لنا بأبلغ ما يتكلم به الإنسان للناس، ويحيي من هذه الكلمات أمة ما كان لها أن تعيش إلا بهذه الكلمات: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] والأمم لكل أمة مثلٌ أعلى، ولكل أمة وشدان وجدان؛ يعني: يشدها فمثلاً: الغربيون تشدهم الموسيقى، فالموسيقى معهم حتى في صفوف القتال، فمثلاً الصينيون يفخرون بالرقص، الشرقيون يحبون الترانيم، فهم دائماً إذا اجتمعوا ترنموا في مجالسهم، وأهل إفريقيا يحبون الألوان الباهتة والمزركشة، أما هذه الأمة فأحياها ﵊ بالقرآن، حركها فتحركت وقامت مهللة مكبرة، ومع القرآن كلامه ﵊، فإن كلامه يؤثر ويصل إلى القلوب وينفع الله به.

стр. 1286

سبب قوله: (كرب الآخرة) وعدم قوله: (كرب الدنيا والآخرة) يقول ﵊ في هذه الجمل التي جعلتها بعنوان الجوائز السخية: ﴿من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا؛ نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة﴾ هنا سؤال، لماذا لم يقل ﵊: نفس الله عنه كربة من كرب الدنيا والآخرة، مع العلم أنه قال بعدها: ﴿ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة﴾.

стр. 1287

كرب الدنيا لا يقارن بكرب الآخرة أجاب أهل العلم بجوابين: الجواب الأول: أن كرب الدنيا إذا قيست بكرب الآخرة، فإنها تكون سهلة، وليس فيها مضرة أبداً، ولا ألم إذا قيست بألم الآخرة، ففي الصحيح أن الرسول ﵊ قال: ﴿يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار، فيغمس في النار غمسة واحدة ثم ينزع، فيقول الله له: هل رأيت نعيماً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا يا رب. ويؤتى بأبئس أهل الدنيا من أهل الجنة، فيغمس في الجنة غمسة واحدة، فيقول الله له: هل مر بك بؤس قط؟ هل رأيت بؤساً قط؟ فيقول: لا يا رب﴾. إذاً فألم الدنيا بالنسبة لألم الآخرة كلا شيء، ولا يعتبر شيئاً، ولا يقاس معه أي مقياس، لا حبس الدنيا، وجلدها وضربها، ولا جوعها وظمأها ومشقتها، لهذا لم يسمها ﵊ كربة. كان عامر بن عبد الله بن الزبير يزن نفسه، وكان يخرج ديته، وأعتق نفسه أربع مرات، فقد اشترى نفسه من الله أربع مرات، يحسب ديته فيتصدقها في الأيتام والفقراء والمساكين، قالوا: لماذا تفعل هذا؟ قال: [[لكربات يوم العرض الأكبر]].

стр. 1288

غالب الناس لا تصيبهم كرب في الدنيا الثاني: قال أهل العلم: إنما قال ﵊: كربة من كرب يوم القيامة ولم يقل: كربة من كرب الدنيا: لأن بعض الناس يعيش في الدنيا ولا تمر به كربة، وهذا مشاهد من أحوال العالم، فإنك تجد بعض الناس سليماً معافى لا يصيبه شيء. يقول ﷺ في صحيح البخاري في كتاب المرضى: ﴿المؤمن كالخامة من الزرع تفيئها الريح يمنة ويسرة، والمنافق كالأرزة لا تزال قائمة منتصبة حتى يكون انجعافها مرة واحدة﴾. فدائماً المؤمن مصاب، ودائماً في أسى ولوعة، والفاجر تجده متماسكاً، لكن خزيه يوم العرض الأكبر. والإنسان يتساءل: سبحان الله! كيف أن فجرة التاريخ، ومردة العالم لا يأتيهم قاصم يقصمهم! فيجيبك بقوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:٤٢] الله يعلم وليس بغافل، ولكنه يصبر ولا أصبر ولا أحلم منه ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء ٌ﴾ [إبراهيم:٤٢ - ٤٣] فمثلاً انظر إلى التاريخ: جنكيز خان وهولاكو ونصير الدين الطوسي وأبو مسلم الخراساني والحجاج وغيرهم من المجرمين، والمردة، والظلمة، تجد الواحد منهم يعتو ويعتو، والإنسان منا في نفسه يقول: سبحان الله! لماذا لم يهلكهم الله؟! بلغ السيل الزبا، فيقول : ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم:٤٢] هذا الجواب.

стр. 1289

كرب الدنيا وكرب الآخرة ما هي كرب الدنيا، وما هي كرب الآخرة؟

стр. 1290

كرب الدنيا أما كرب الدنيا فلا تسمى كرباً في الجملة، ولو سميت بذلك فذلك بنسبة الدنيا، كالدين، والحبس والمصائب والكوارث والحوادث، ولكنها عند المؤمن أسهل ما يكون، يقول ﵊ في الصحيح: ﴿عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن﴾. وقوله ﵊: ﴿من نفَّس عن مؤمن كربة﴾ معنى نفَّس: أزال، وأزاح كربة مثل كربة الدَّين والجوع والمرض، وذلك يكون بقضاء الحوائج، والوقوف معه، والشفاعة، ورفع الظلم عنه، ونصرته، والذب عن عرضه، والمحاماة عنه؛ لأن ﴿المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً﴾ ومن خذل مؤمناً في مجلسٍ كان يجب عليه أن ينصره فيه خذله الله ، ولا يجد له ناصراً. وهذا أمر معلوم، لا يقل الإنسان: نفسي نفسي في المناصرة، بل لا بد للمسلم أن ينصر أخاه المسلم وذلك حق واجب عليه. وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿يقول الله يوم القيامة -يوم يحاسب العبد-: يا بن آدم! استطعمتك فلم تطعمني، فيقول: كيف أطعمك، وأنت رب العالمين؟! فيقول الله: استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما إنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، يا بن آدم! مرضت فلم تعدني، فيقول: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! فيقول: مرض عبدي فلان، فلم تعده أما إنك لو عدته لوجدت ذلك عندي، يا بن آدم! استسقيتك فلم تسقني، قال: كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان ظمئ فما أسقيته، أما إنك لو أسقيته لوجدت ذلك عندي﴾. وعند الترمذي قال ﵊: ﴿أيما مؤمنٍ أطعم مؤمناً على جوعٍ أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مؤمنٍ سقى مؤمناً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم -انظر إلى العبارات الهائلة وانظر إلى البلاغة في أرقى صورها- وأيما مؤمنٍ كسا مؤمناً على عري كساه الله من خضر الجنة﴾ لماذا قال: من خضر الجنة؟ لأن ثياب أهل الجنة تأتي من ورق الجنة، تخرج هناك أوراق في الجنة فتفصل للعبد المؤمن ثياباً جاهزة كل يوم، هذه خضر الجنة.

стр. 1291

كرب يوم القيامة الرسول ﷺ يتكلم للأمة أمة التكافل، فيقول هنا: ﴿نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة﴾ والقيامة فيها كرب، ومن أعظم الكرب يوم القيامة ما يقع عند تطاير الصحف -نسأل الله لنا ولكم السلامة- فإنه يعطى فريقٌ باليمين وفريقٌ بالشمال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٢] ثم قال : ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٨]. ثم من الكرب عند الميزان؛ فإن هناك ميزاناً دقيقاً، من الذي يحكم على الميزان؟! ومن الذي يقف عليه؟! هل تقف عليه الملائكة، أم الرسل، أم ملوك الدنيا، أم قضاة العالم؟! إنه الله رب العالمين: ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧] ويقول : ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] ويقول : ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] لا ظلم، ولا هضم لحق أحد، فيقف الإنسان مبهوتاً أمام الميزان وهو خائف وجل أن ترجح السيئات بالحسنات، والله المستعان، ومن كرم الله عزوجل أنه إذا تساوت كفتا الحسنات والسيئات أدخل الله العبد الجنة. ومن كرمه أيضاً أن يأتي بحسنات ما تصورها الإنسان، فيضعها الله في ميزان حسناته فيدخل الجنة. ثم يقول ﵊: ﴿ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة﴾ انظر ما أحسن كلمة "يسر! " والله بعث محمداً ﷺ ميسراً قال: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى:٨] وقال: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه:١ - ٣] وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] وقال : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ووصف رسوله بأنه مسهل فقال: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧]؛ أغلال اليهودية، وأغلال النصرانية، والأحكام الجائرة، والتكاليف، والشدائد في العبادات، ولو وضعت علينا ما استطعنا، كان الرجل من بني إسرائيل إذا مس البول شيئاً من ملابسه قطع الذي مسه البول، فلما أتى ﵊ قال: ﴿بعثت بالحنيفية السمحة﴾ وكان يقول: ﴿إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه﴾ فهو سهلٌ في لباسه، يلبس مرة الجميل البديع، ويقول: ﴿إن الله جميل يحب الجمال﴾ ومرة يلبس المتواضع الذي يجده، حتى يلبس أحياناً صوفاً من شعر: البس لكل حالة لبوسها إما نعيمها وإما بؤسها ويأكل أحياناً ما لذ وطاب من الطعام، كالعسل واللحم، وأحياناً لا يجد كسرة الشعير. وينام أحياناً ﵊ هادئاً في مكانٍ مريح، وأحياناً ينام على التراب، ليكون قدوة لطبقات الناس جميعاً؛ لأنه مربي، فلا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، لا إلى المترفين الذين جعلوا حياتهم -فقط- أكلاً، وشرباً، ومناماً، ولا إلى الذين أزروا بأنفسهم وكانوا كالرهبان، وكعباد النصارى، لا. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة:١٤٣].

стр. 1292

ارحم الناس يرحمك الله وقال ﷺ : ﴿ومن يسر على معسر﴾ المعسر: تطلق على من أعسر في الدين، فتيسر عليه بأن ترجئه، يقول : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] أي: تنظره إلى أن ييسر الله عليه، ولا تلح عليه وأنت في سعة، ولا تذهب به إلى القاضي، ولا ترفع أمره، ولا تفضح ستره، بل ترجئه من دينه حتى يفرج الله دينه، فإنك إن فعلت ذلك تجاوز الله عنك يوم القيامة، وهذا أمر معلوم، وقد قال ﵊: ﴿من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه﴾ وممن يتجاوز الله عنهم يوم القيامة كما في الصحيحين: ﴿رجلٌ كان يداين الناس في الدنيا، فيقول لكتابه: تجاوزوا عن فلان علَّ الله أن يتجاوز عنا، ففي يوم القيامة يقول : تجاوزوا عنه -وفي لفظ- أنا أولى بالكرم منك تجاوزوا عنه﴾ أي: لست أكرم مني، ما دمت تجاوزت أنت عن عبادي؛ فأنا أتجاوز عنك، فيتجاوز عنه ويدخله الجنة. فقوله ﷺ : ﴿من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة﴾ وبعض أهل العلم يقول: إن من وجد معسراً فأسلفه وأقرضه مالاً وأعطاه يدخل في هذا، بل يدخل في هذا دخولاً أولياً. وهذا من التراحم، والجزاء من جنس العمل، ومن رحم الأمة ﵀، وفي صحيح مسلم تقول عائشة ﵂: ﴿كان رسول الله ﷺ يقول وهو في بيتي هذا: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به﴾ فالجزاء من جنس العمل.

стр. 1293

الترهيب من كشف ستر الله على العباد وأما قوله ﵊: ﴿ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة﴾ فإننا نعلم من قوله ﷺ : ﴿الله ستيرٌ يحب الستر﴾ المروي في الترمذي، أي أنه: ستير يحب الستر، ويحب أن يستر على العباد وألا تكشف أمورهم ولا يفضح ما أسروه؛ لأنه يحب أن يضع كنفه وستره على العباد. وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿يا من آمن بلسانه ولم يؤمن قلبه! لا تتبعوا عورات المسلمين؛ فإن من تتبع عورات المسلمين فضحه الله ولو في عقر داره﴾ أو كما قال ﷺ . وفي بعض الألفاظ: ﴿تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في عقر داره﴾. قال ابن رجب: يقول أحد العلماء: " وجدت أناساً لم تكن لهم ذنوب ولا عيوب، فبحثوا عن عيوب الناس فأبدى الله عيوبهم للناس، وكان هناك أناس لهم عيوب وذنوب ستروا الناس فستر الله عيوبهم وذنوبهم ": لا تضع من مكان قدر عظيم بالتجري على العظيم الكريم فالعظيم العظيم يصغر قدراً بالتجري على العظيم العظيم ويقول الشافعي: إذا شئت أن تحيا سليماً من الأذى ودينك محفوظٌ وعرضك صيِّنُ لسانك لا تذكر به عورة امرئٍ فكلك عورات وللناس ألسنُ وعينك إن أبدت إليك معايباً لقوم فقل يا عين للناس أعينُ يقول كعب بن زهير: ومن دعا الناس إلى ذمه ذموه بالحق وبالباطل وهذا هو الذي يتكلم عن عيوب الناس وعن ذنوبهم، ويفضح تاريخهم، ويحب أن يشهر بهم، يقول : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩] قالوا: عذابهم في الدنيا: أن يشيع الله عنهم كل خبث، وعذابهم في الآخرة أن ينكل الله بهم جزاءً وفاقاً. وعن ابن عمر عند الحاكم، وفي الموطأ مرسلاً قوله ﷺ : ﴿من ابتلي بشيء من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه الحد -وفي لفظ: نقم عليه كتاب الله﴾. قال أهل العلم: يجب على المسلم إذا ابتلي بشيء من الذنوب ولو من الكبائر أن يستتر بستر الله، ولا يذهب فيشهر بنفسه، بل يتوب ويقلع عن الذنب. وقال الإمام مالك: " أرى ألا يرفع إلى السلطان ". وقال أحمد: لا يرفع إلى السلطان؛ لأن السلاطين كثيراً منهم من يقيمون الحدود على الضعيف ويتركون الشريف. فيرى الإمام أحمد ألا يرفع إليهم. وعند أبي داود والنسائي وأحمد والبخاري في الأدب المفرد وابن حبان قوله ﷺ : ﴿أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم﴾ قال ابن القيم أي: في الحقوق وليس في الحدود، وهو الذي لا يعرف منه زلة، والمقصود هنا قوله ﵊: ﴿ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة﴾. إن على المسلم أن يستر المسلم، فلا يتتبع عورته، ومن ضمن ذلك: لا يجوز للمسلم أن يتسلق حائطاً ليرى أحداً إذا سمع عنه أنه يشرب الخمر، هل يشرب الخمر في عقر داره، ولا يصح له أن يتجسس عليه في بيته هل يستمع إلى الغناء أم لا حتى يرفع فيه، وليس له أن يدخل منزله ليرى هل فيه فواحش أو منكرات، وليس له إذا سمع أنه فَعل فِعلةً أن يرفعها إلى السلطان إلا من اشتهر بالفجور فأصبح فاجراً من الدرجة الأولى، فهذا يرفع، هذا هو الصحيح عند أهل العلم. وقال ﵊ كما في الصحيح: ﴿كل أمتي معافى إلا المجاهرون، وإن من المجاهرة: أن يبيت الرجل يستره ربه على ذنب، فيصبح يقول: يا فلان! فعلت كذا وكذا، وفعلت كذا وكذا، فأصبح يكشف ستر الله عليه، وقد بات ربه يستره﴾ ولذلك بعضهم يتمدح، إذا فعل أفاعيل سرد تاريخه على الناس، حتى بعضهم إذا سافر مثلاً إلى أوروبا أو إلى بعض المدن المتهتكة، فأتى يذكر ويقول: كنا نفعل كذا، وكنا نفعل كذا، وهذا من المجاهرة. وبعضهم يقول ذلك بحسن نية بعد أن يتوب، وهذا خطأ، حتى إن بعضاً ممن يعظ الناس ويرشدهم يقول: أنا -وهو أنا- كنت أفعل وأفعل، وكأنه من الخلفاء الراشدين: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ [النور:٢١]. وهناك طرفة ما أدري هل وقعت أم لا؛ يقولون: أحد الناس قام في مسجد، وقال: يا أيها الناس! كلنا على خطأ، أنا -وهو أنا- والله ما أضمن لنفسي دخول الجنة! ومن أنت؟! من أهل بدر الذي اطلع الله عليهم فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟! قضية سرد القصص والحوادث التي مرت بالإنسان هي على خلاف منهج الرسول ﷺ ومنهم الصحابة، ويكفي أن الإنسان يتوب ويقلع، أما أن يكون كلما وقف في موقف قال: كنت أسرق وأشرب الخمر وأفعل وأفعل، هذا خطأ، بل يتوب إلى الله ويقلع، ولا يذكر لنا هذا فلسنا بحاجة إليه، وبعض الوعاظ يقول: إنها أمور تربوية، من أين تربوية؟! ولم يفعلها السلف الصالح، لا الصحابة ولا التابعون. وورد في حديث ابن عمر الصحيح: ﴿إن الله يحاسب العبد يوم القيامة، فلما يقرره بذنوبه، يقول: أنا سترتها لك في الدنيا وأغفرها لك اليوم﴾. ومن ستر المسلم: ألا تتحدث عما ستر الله من الذنوب والخطايا، فإن الجزاء من جنس العمل، وكذلك من الستر ألا تذكر الفواحش التي تقع كالمتلذذ بها؛ لأن بعض الناس يذكر ذلك تلذذاً، فيذكر فواحش المجتمع، ويذكر ما حدث من المواقف، ويذكر ما رأى وشاهد من أفلامٍ خليعة، ومن أشرطة جنس، ومن أماكنٍ اطلع عليها مثلاً، ويبدي صوراً خليعة، ويشيعها في المجالس بتشاؤم عجيب، وبروح متفطرة، وبنظرة سوداوية إلى هذا المجتمع وهذه الخليقة، وهذا خلاف نهج الرسول ﵊. يقول في صحيح مسلم: ﴿من قال: هلك الناس، فهو أهلكهم﴾ وضبطت أهْلَكَهُم، وقيل: أهلكُهم، ومعنى: (أهلكُهم) أشدهم هلاكاً؛ لأنه أعجب بنفسه، وإن كان أهلكَهم بصيغة الفعل الماضي فمعناه: هو الذي أهلكهم بهذا الكلام؛ لأن الناس إذا كثر فيهم إشاعة الفاحشة تساهلوا بالمعاصي. الشاب إذا سمع أن عشرين قصة عن الزنا قد وقعت، هان الزنا عنده؛ ولذلك يجب على الإنسان ألا يشيع الفاحشة في الذين آمنوا.

стр. 1294

الترغيب في إعانة العباد وأما قوله ﵊: ﴿والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه﴾ العبد: عبد الله، و ﴿الناس عيال لله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله﴾ وكلما أردت أن تتقرب إلى الله فحاول أن تتحبب إلى خلقه بإسداء المعروف إلى عباده . يقولون: أرسل الحسن البصري ﵀ رجلاً إلى ثابت البناني؛ ليذهب مع هذا الرجل ويشفع له عند السلطان، فأتى إلى ثابت البناني وهو معتكف في المسجد، فقال الرجل: أرسلني إليك الحسن لتذهب معي إلى السلطان لتشفع لي، قال: أنا معتكف، فرجع إلى الحسن وقال: ثابت يبلغك السلام، ويقول: هو معتكف! فيقول الحسن: اذهب وقل له: يا أعيمش -وأعيمش تصغير أعمش وهو الذي في عيونه صغر أو قلة بصر- يا أعيمش! ذهابك في حاجة أخيك المسلم أفضل من حجة بعد حجة. فذهب إليه، فقطع اعتكافه وذهب معه إلى السلطان. ويقول الحسن البصري: [[يقول: أحدكم: أحج أحج أعتمر أعتمر نفس عن مكروب، صل رحماً، اعط فقيراً]] أو كما قال.

стр. 1295

مواقف من إعانة النبي ﷺ لأصحابه ﴿الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه﴾ وذكر الإمام أحمد في المسند أن خباب بن الأرت، لما ذهب يجاهد في سبيل الله كان ﵊ يأتي إلى أهل خباب بن الأرت فيحلب لهم غنمهم، الله أكبر! الله أكبر! هؤلاء الذين يصفون أنفسهم بالعظمة والكبرياء، لا تصلح وجوههم أحذية للرسول ﷺ ، جلد جباههم لا تصلح أحذية له، يحلب شياه أسرة خباب بن الأرت. معلم البشرية، أصفى جوهر خلقه الله من الخليقة، شفيع الناس، وأبرهم وأكرمهم، المنقذ بإذن الله، الذي هدى الأمة إلى صراط الله المستقيم، الذي يتنزل عليه جبريل صباح مساء بالوحي، يذهب إلى أحد الموالي من أمته، فيحلب لأهله الشياه في الأواني، ويدفع لهم اللبن، كما روى الإمام أحمد في المسند. ولعلك تتأمل هذه القصة، لتعيش عظمة الإنسان الذي عرف طريقه، وعرف كيف ينقذ هذه الأمة، ثم تقارن بينه وبين أناس لا يسلمون على الناس، البشر ليسوا عندهم بشر إنما هم عنده كالحيوانات الأليفة، لا يسلم، ولا ينظر، ولا يتبسم، ولا يمد يده؛ وكأنه من جنس آخر، ودمه دم آخر، ففرق بين أن يأتي الإنسان يحمل هذا الدين: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] فيأتي إلى إخوانه المؤمنين، فيرى أنه يوم يكون ذليلاً لهم قريباً منهم يكون قريباً من الله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]. أسد عليَّ وفي الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافر هلا برزت إلى غزالة في الوغى إذ كان قلبك في جناحي طائر هذا الرسول ﷺ الذي يحلب شياه خباب بن الأرت لبناته وأطفاله، هو الرجل الذي في حنين يصدم كتيبة قوامها ألف مقاتل من المقاتلين المدججين بالسلاح، يصدمها وحده، ويقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب كان الجيش الذي أمامه عشرة آلاف، وفر الصحابة جميعاً. يذكرون ويقولون: عمر على شجاعته فر؛ لأنه رأى شيئاً لا يطاق، أصبحت السماء تلتهب بالنبل، ويقولون: أصبحت كالغمام حجبت شعاع الشمس، وفر الناس جميعاً، ووقف ﵊ في موقف ضنكِ، ونزل عليه جبريل بقول الله: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء:٨٤] معنى الكلام: لا تفر، احذر أن تتأخر خطوة، معناه: إذا تأخرت سوف ينكسر الدين، وتسحق ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]. شاعرهم دريد بن الصمة يمدح هذا الجيش البالغ تعداده عشرة آلاف، ويمدح الكتيبة التي تسمى كتيبة القلب وكان فيها مالك بن عوف النصري، فيقول: فقلت لهم ظنوا بألفي مدججٍ سراتهم في الفارسي المسرد يقول: هؤلاء الألف كلهم كالفارس المسرد؛ يعني: في الحلق الحديد، الدرع من أذنه إلى كعبه، لا يمكن أن يخترقه شيء، ووقف ﷺ أمام الكتيبة فأخذ حفنة من التراب، ورماها في وجوههم وقال: شاهت الوجوه، ثم أخذ السيف وسله، فدمغ الكتيبة. هذا هو الذي يحلب الشياه ﵊.

стр. 1296

مواقف من إعانة أبي بكر لرعيته وكان أبو بكر الصديق له جيران، ذكر ذلك ابن رجب في جامع العلوم والحكم، كان له جيران قبل أن يلي الخلافة، كان يذهب إليهم بعد أن يحلب ناقته، فيذهب إليهم ويحلب شياههم، فلما تولى الخلافة قالت إحدى البنات: أبو بكر تولى الخلافة سوف يتركنا، قال: لا والله. لا أغير عادتي قبل الخلافة. فكان إذا انتهى من أمور الخلافة ذهب وحلب لهم الشياة، أبو بكر الصديق الذي يدعى يوم القيامة من ثمانية أبواب، من باب الصدقة، وباب الجهاد، وباب الريان، وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن العلم، يدعى يوم القيامة من كل باب؛ لأنه برز في كل ناحية، هذا يحلب الشياه.

стр. 1297

مواقف من إعانة عمر لرعيته وعند أبي نعيم في الحلية، وكنت أنسبها أنا قبل لـ أبي بكر كما ذكر ابن القيم وأظنه قد وهم، فصاحب الحلية يقول: هي لـ عمر: - يقول: " كان عمر يخرج إلى جيران في طرف المدينة في خيمة فيحلب لهم شياههم، وكان معهم عجوز عمياء، لا عندها والي إلا الله، وهو خليفة، فلما خرج من الخيمة لحق طلحة وراءه، فقال للعجوز: من هذا؟ قالت: لا أعرفه. قال: ماذا يفعل؟ قالت: يصنع طعامنا، ويكنس بيتنا، ويحلب شياهنا، فجلس طلحة يبكي ويقول: أتعبت الخلفاء بعدك يا عمر. من يستطع أن يفعل مثلك؟! إنسان معه هموم الدنيا، يقاتل الفرس والروم، ويفتح سيحون وجيحون، وقادته تنتشر في كل مكان، ويدير الدولة الإسلامية في ثلاثة أرباع الكرة الأرضية من المدينة ومع ذلك يحلب الشياه لبعض رعاياه.

стр. 1298

الصحابة والتابعون من أنفع الناس للناس قوله ﵊: ﴿والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه﴾ يقولون: سيد الناس خادمهم، وهذا مثل صحيح. وكان ابن المبارك إذا رافق الناس وصحبهم في السفر، يشترط عليهم شرطاً وهو: أن يخدمهم في السفر، وهو أمير المؤمنين في الحديث؛ صاحب: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا وقال مجاهد: [[صحبت ابن عمر لأخدمه فكان يخدمني وكان يركبني على الفرس، ويسوي عليَّ ثيابي]] وابن عمر صحابي ومجاهد تابعي. ونزل الناس في عهده ﵊ منزلاً، فقام أحدهم وقال: أنا أذبح الشاة، وقال الثاني: أنا أسلخها، وقال الثالث: وأنا أطبخها، وقال ﷺ : ﴿وأنا أجمع الحطب﴾ ﵊، فقام ﷺ يجمع الحطب، وهذا يشتغل في شغله، وقرب إليهم ﵊ مؤنتهم. وفي الصحيحين: ﴿أن الصحابة سافروا، فصام بعضهم، وبعضهم لم يصم، فأما الصوام فوقعوا في الأرض من الجوع والتعب، وأما المفطرون فقاموا وشدوا الخيام وملئوا البرك بالماء وطبخوا، فقال ﷺ : ذهب المفطرون اليوم بالأجر﴾ لماذا؟ لأن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.

стр. 1299

الإسلام لا يعرف البطالة كان هناك رجل عابد في عهد رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : ﴿من ينفق عليه؟ قالوا: أخوه، قال: أخوه خير منه﴾. وورد في بعض الآثار أن الرسول ﷺ صافح رجلاً فوجد يده خشنة من العمل، قال: ﴿إن هذه يد يحبها الله﴾ هذه اليد الخشنة التي تأخذ وتزاول وتفعل يحبها الله، ومن المصائب أن الأمة الآن تعيش في بطالة، وكثير من الناس حتى الشباب الآن تجده ملتزماً مستقيماً لكن فيه بطالة، ويأتيه الشيطان ويترك الدراسة، والوظيفة، والعمل، وإذا قيل له: أتشتغل في البنشر؟ قال: هذا عيب في سوبر ماركت؟ قال: عيب أنا فلان أتنازل إلى هذا!! إذاً في مزرعة، قال: عيب، إذاً في مكتبة؟ قال: عيب، إذاً في التسجيلات؟ قال: عيب، وهكذا تأتيه الأنفة حتى يكون بلا عمل، وليس كل ذلك بعيب إنما العيب في البطالة، والعيب أن يجلس الإنسان عاطلاً وكلاً على أبيه مثل: الحجر الأدرن، لا تبني به ولا يتدحرج. ولذلك تجد بعضهم عندهم تصوف هندوكي، وتخيلات في الحياة، يجلس في البيت حتى تأتيه الوسوسة. لماذا لا تدرس؟ قال: الدراسة في الكليات ليس فيها بركة، ولماذا لا تعمل؟ قال: ما وجدت عملاً يناسبني، قال: ماذا تريد؟ قال: إن شاء الله أتزوج فيما بعد وأبحث عن عمل مناسب، ودائماً يتدين من الناس، ولو أدركه عمر بن الخطاب لمرغه في التراب. كان في عهد عمر شباب دخلوا المسجد يعبدون الله ، وظنوا أنها سوف تنطلي هذه البطالة على عمر؛ لأن عمر يقوم على الدولة الإسلامية، التي أقيمت على ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وكان يلاحظ كل ما يجري، ويلاحظ كل منحى، ويسأل عن الداخل والخارج، وعن أمور الشباب والعلم، والقصاصين، والوعاظ، وعن كل دقيقة وجليلة يحاسب الناس، دخل المسجد وإذا مجموعة في الضحى، والناس في المزارع يشتغلون، والأنصار العباد الذين قدموا أنفسهم في بدر وحنين يسقون النخل، وهذا يجر الدلو من البئر ويصب، وهذا نجار، وهذا خشاب، وهذا يبيع السمن، وهذا يبيع العسل، وهذا يبيع الغنم، وعمر بنفسه يبيع ويشتري في السوق، إلا هذه المجموعة في المسجد!! قال عمر: [[من أنتم؟ قالوا: عبَّاد. قال: سبحان الله! -كأن: عمر ليس بعابد؛ لأنه جاء من خارج المسجد! - قال: فمن يأتي لكم بطعامكم؟ قالوا: جيرانٌ لنا -أي أنهم يبقون في المسجد وقت الغداء، فإذا حانت الساعة الثانية أتى الأكل- انظروا العبادة كيف تكون!! قال عمر: انتظروا قليلاً -ظنوا أنه على العادة أنه سيأتي بأكل فذهب فأتى بالدرة- وتعرفون ما الدرة؟ وهذه درة عند عمر تخرج الشياطين من الرءوس، وهذه الدرة ما ضُرب بها إنسان إلا خرج سليماً بإذن الله، وزاد عقله ورشده، وأصبح يعرف طريقه! فأخذ الدرة، وأغلق أبواب المسجد وأتى يضربهم ضرباً حتى يبطحهم فلما أدماهم، قال: اخرجوا إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، فأخرجهم من المسجد، وأغلق أبواب المسجد]] أي أن الإسلام لا يقر الإنسان أن يبقى عالة وأيضاً متى كانت هذه الأعمال عيباً، متى كانت النجارة والخشابة، والبنشر عيباً؟! العيب: هو ترك هذه الأمور، أما هذا فهو شرف في الحياة، فقد عمل ﵊، وعمل أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وقال ﷺ : ﴿لأن يأخذ أحدكم أحبلة فيذهب إلى جبل من الجبال، فيحتطب على ظهره فيبيع ويشتري خيرٌ له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه﴾.

стр. 1300

الجوائز التي ينالها طلاب العلم الشرعي
следующие страницы →