← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

مواقف من إعانة أبي بكر لرعيته وكان أبو بكر الصديق له جيران، ذكر ذلك ابن رجب في جامع العلوم والحكم، كان له جيران قبل أن يلي الخلافة، كان يذهب إليهم بعد أن يحلب ناقته، فيذهب إليهم ويحلب شياههم، فلما تولى الخلافة قالت إحدى البنات: أبو بكر تولى الخلافة سوف يتركنا، قال: لا والله. لا أغير عادتي قبل الخلافة. فكان إذا انتهى من أمور الخلافة ذهب وحلب لهم الشياة، أبو بكر الصديق الذي يدعى يوم القيامة من ثمانية أبواب، من باب الصدقة، وباب الجهاد، وباب الريان، وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن العلم، يدعى يوم القيامة من كل باب؛ لأنه برز في كل ناحية، هذا يحلب الشياه.

стр. 1297

مواقف من إعانة عمر لرعيته وعند أبي نعيم في الحلية، وكنت أنسبها أنا قبل لـ أبي بكر كما ذكر ابن القيم وأظنه قد وهم، فصاحب الحلية يقول: هي لـ عمر: - يقول: " كان عمر يخرج إلى جيران في طرف المدينة في خيمة فيحلب لهم شياههم، وكان معهم عجوز عمياء، لا عندها والي إلا الله، وهو خليفة، فلما خرج من الخيمة لحق طلحة وراءه، فقال للعجوز: من هذا؟ قالت: لا أعرفه. قال: ماذا يفعل؟ قالت: يصنع طعامنا، ويكنس بيتنا، ويحلب شياهنا، فجلس طلحة يبكي ويقول: أتعبت الخلفاء بعدك يا عمر. من يستطع أن يفعل مثلك؟! إنسان معه هموم الدنيا، يقاتل الفرس والروم، ويفتح سيحون وجيحون، وقادته تنتشر في كل مكان، ويدير الدولة الإسلامية في ثلاثة أرباع الكرة الأرضية من المدينة ومع ذلك يحلب الشياه لبعض رعاياه.

стр. 1298

الصحابة والتابعون من أنفع الناس للناس قوله ﵊: ﴿والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه﴾ يقولون: سيد الناس خادمهم، وهذا مثل صحيح. وكان ابن المبارك إذا رافق الناس وصحبهم في السفر، يشترط عليهم شرطاً وهو: أن يخدمهم في السفر، وهو أمير المؤمنين في الحديث؛ صاحب: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا وقال مجاهد: [[صحبت ابن عمر لأخدمه فكان يخدمني وكان يركبني على الفرس، ويسوي عليَّ ثيابي]] وابن عمر صحابي ومجاهد تابعي. ونزل الناس في عهده ﵊ منزلاً، فقام أحدهم وقال: أنا أذبح الشاة، وقال الثاني: أنا أسلخها، وقال الثالث: وأنا أطبخها، وقال ﷺ : ﴿وأنا أجمع الحطب﴾ ﵊، فقام ﷺ يجمع الحطب، وهذا يشتغل في شغله، وقرب إليهم ﵊ مؤنتهم. وفي الصحيحين: ﴿أن الصحابة سافروا، فصام بعضهم، وبعضهم لم يصم، فأما الصوام فوقعوا في الأرض من الجوع والتعب، وأما المفطرون فقاموا وشدوا الخيام وملئوا البرك بالماء وطبخوا، فقال ﷺ : ذهب المفطرون اليوم بالأجر﴾ لماذا؟ لأن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.

стр. 1299

الإسلام لا يعرف البطالة كان هناك رجل عابد في عهد رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : ﴿من ينفق عليه؟ قالوا: أخوه، قال: أخوه خير منه﴾. وورد في بعض الآثار أن الرسول ﷺ صافح رجلاً فوجد يده خشنة من العمل، قال: ﴿إن هذه يد يحبها الله﴾ هذه اليد الخشنة التي تأخذ وتزاول وتفعل يحبها الله، ومن المصائب أن الأمة الآن تعيش في بطالة، وكثير من الناس حتى الشباب الآن تجده ملتزماً مستقيماً لكن فيه بطالة، ويأتيه الشيطان ويترك الدراسة، والوظيفة، والعمل، وإذا قيل له: أتشتغل في البنشر؟ قال: هذا عيب في سوبر ماركت؟ قال: عيب أنا فلان أتنازل إلى هذا!! إذاً في مزرعة، قال: عيب، إذاً في مكتبة؟ قال: عيب، إذاً في التسجيلات؟ قال: عيب، وهكذا تأتيه الأنفة حتى يكون بلا عمل، وليس كل ذلك بعيب إنما العيب في البطالة، والعيب أن يجلس الإنسان عاطلاً وكلاً على أبيه مثل: الحجر الأدرن، لا تبني به ولا يتدحرج. ولذلك تجد بعضهم عندهم تصوف هندوكي، وتخيلات في الحياة، يجلس في البيت حتى تأتيه الوسوسة. لماذا لا تدرس؟ قال: الدراسة في الكليات ليس فيها بركة، ولماذا لا تعمل؟ قال: ما وجدت عملاً يناسبني، قال: ماذا تريد؟ قال: إن شاء الله أتزوج فيما بعد وأبحث عن عمل مناسب، ودائماً يتدين من الناس، ولو أدركه عمر بن الخطاب لمرغه في التراب. كان في عهد عمر شباب دخلوا المسجد يعبدون الله ، وظنوا أنها سوف تنطلي هذه البطالة على عمر؛ لأن عمر يقوم على الدولة الإسلامية، التي أقيمت على ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وكان يلاحظ كل ما يجري، ويلاحظ كل منحى، ويسأل عن الداخل والخارج، وعن أمور الشباب والعلم، والقصاصين، والوعاظ، وعن كل دقيقة وجليلة يحاسب الناس، دخل المسجد وإذا مجموعة في الضحى، والناس في المزارع يشتغلون، والأنصار العباد الذين قدموا أنفسهم في بدر وحنين يسقون النخل، وهذا يجر الدلو من البئر ويصب، وهذا نجار، وهذا خشاب، وهذا يبيع السمن، وهذا يبيع العسل، وهذا يبيع الغنم، وعمر بنفسه يبيع ويشتري في السوق، إلا هذه المجموعة في المسجد!! قال عمر: [[من أنتم؟ قالوا: عبَّاد. قال: سبحان الله! -كأن: عمر ليس بعابد؛ لأنه جاء من خارج المسجد! - قال: فمن يأتي لكم بطعامكم؟ قالوا: جيرانٌ لنا -أي أنهم يبقون في المسجد وقت الغداء، فإذا حانت الساعة الثانية أتى الأكل- انظروا العبادة كيف تكون!! قال عمر: انتظروا قليلاً -ظنوا أنه على العادة أنه سيأتي بأكل فذهب فأتى بالدرة- وتعرفون ما الدرة؟ وهذه درة عند عمر تخرج الشياطين من الرءوس، وهذه الدرة ما ضُرب بها إنسان إلا خرج سليماً بإذن الله، وزاد عقله ورشده، وأصبح يعرف طريقه! فأخذ الدرة، وأغلق أبواب المسجد وأتى يضربهم ضرباً حتى يبطحهم فلما أدماهم، قال: اخرجوا إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، فأخرجهم من المسجد، وأغلق أبواب المسجد]] أي أن الإسلام لا يقر الإنسان أن يبقى عالة وأيضاً متى كانت هذه الأعمال عيباً، متى كانت النجارة والخشابة، والبنشر عيباً؟! العيب: هو ترك هذه الأمور، أما هذا فهو شرف في الحياة، فقد عمل ﵊، وعمل أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وقال ﷺ : ﴿لأن يأخذ أحدكم أحبلة فيذهب إلى جبل من الجبال، فيحتطب على ظهره فيبيع ويشتري خيرٌ له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه﴾.

стр. 1300

الجوائز التي ينالها طلاب العلم الشرعي

стр. 1301

سهولة الطريق إلى الجنة لطلاب العلم ثم قال ﵊: ﴿ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة﴾ أقرب الطرق إلى الله طريق العلم الشرعي، علم قال الله وقال رسوله، فلا يدل على الله إلا العلم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] كلما زاد علم الإنسان بالحقائق، وبالكون، وبأسرار هذه الخليقة، زاد قربه من الله. الآن تجد المخترعين والمكتشفين أقرب الناس إلى الإسلام، وفي فترة من الفترات أسلم أذكى أذكيائهم. سخروف هذا الذي مات قبل ستة أشهر، الذي أثبت ذبذبات النبات اقترب كلامه من الإسلام، لكنه ما اهتدى، لأنه ما وجد داعية يوجهه، فإن أساطينهم، وأذكياءهم أكثر من يدخل الدين. وتجد رعاة البقر عندهم أبعد شيء عن الدين؛ لأن هؤلاء بلغوا من العلم حداً عجيباً، فدلهم العلم على الله، والله يقول: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:١٨] العلم هنا: هو العلم الشرعي، قال الله وقال رسوله ﷺ ، وما قربك من الله كعلم التفكر في الكون، والمخترعات، وأسرار الكون وما وراء الكون كله يدلك على الله بشرط أن يكون عندك وثيقة لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، فكلما ازداد الإنسان علماً كلما ازداد قرباً من الله. قال ﷺ : ﴿ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً﴾ قال أهل العلم فيه: من أتى درساً، أو إلى عالمٍ، أو إلى طالب علم سهل الله طريقاً إلى الجنة، والآن ذهابك من بيتك إلى المسجد فإن الله يسهل لك به طريقاً إلى الجنة؛ لأنك تركت أشغالك وأعمالك وقصدت المسجد لا تريد شيئاً من الدنيا ولا تهرب من شيء فما أرغمك أحد أن تأتي هنا، وليس عندنا تحضير الأسماء والغياب، وليس عندنا أعمال سنة، ولا درجات، إنما الدرجات عند الواحد الأحد ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦] أتيت حباً وخرجت حباً.

стр. 1302

غفران الذنوب لطلاب العلم وأيضاً من الجوائز غفران الذنوب، ﴿انصرفوا مغفوراً لكم قد رضيت عنكم وأرضيتموني﴾ ولا يرضى كرضاه عن مجالس الذكر، لأنها تظهر عظمة الإسلام؛ فمن صور عظمة الإسلام أن يجلس طالب صغير من طلاب العلم، فيجتمع جمع هائل بما فيهم العلماء والدعاة والصالحون والبررة والأخيار، فيستمعون إليه وهو يقول: يقول الله ويقول رسوله ﵊ كذا وكذا، فالله سبحانه يرضى عنه. وتجدون الآن في آخر الحديث ما هي الجوائز التي يحصل عليها الجلاس، وأنا أقول لكم بصراحة: إنه بالإمكان أن يأتي أضعاف مضاعفة على هذا العدد، ووقت المغرب إلى العشاء وقت مستهلك، إما أن تجلس في البيت فترد على الهاتف إلى صلاة العشاء كلامٌ أشبه شيء بالهذيان، وإما أن تجلس تشرب الشاي أو القهوة، وإما أن تتحدث كلاماً مع أطفالك وأنت معهم أربعاً وعشرين ساعة، وغيرها مما فيه مضيعة للأوقات وفي المقابل أنت تستطيع في الوقت الذي بين المغرب والعشاء أن تحصل على الأجور ما لا يحصل عليها كثير من العباد الذين صاموا وقاموا إذا قصدت بمجلسك وجه الله. قال عطاء بن أبي رباح: " مجلس الذكر يكفر سبعين مجلساً من مجالس اللغو". وكن كالعلماء الربانيين، والعلماء الربانيون هم الذين يربون الناس بصغار العلم قبل كباره، وقال: هم الذين اتصلت نسبتهم بالله، وهم الذين دلوا الخليقة على الله ، والطرق المحذروة، وطرق الشيطان، وعرفوهم طريق الرحمن هؤلاء هم الربانيون، والله عزوجل تكفل أن ييسر كتابه لمن أراد أن يقرأه لقصد الهداية، فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]. قال مجاهد: " أخذ الله على نفسه أن ييسر كتابه لمن أراد " أما من لم يرد أن يهتدي فقد قال الله عنهم: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾ [فصلت:٤٤]؛ يعني: القرآن، قالوا: لا يقوم قارئ من القرآن إلا بزيادة أو نقص والله المستعان.

стр. 1303

سهولة اجتياز الصراط يوم القيامة لطلاب العلم وقال ابن رجب: وفيه أن الطريق الحسي يسهل يوم القيامة لمن طلب العلم الشرعي. والطريق الحسي هو الصراط المستقيم، فأسعد الناس بالصراط المستقيم من طلبوا العلم الموروث عن محمد ﵊، فمن تَعَلَّمَ آية أو حديثاً أو جلس في موعظة أو محاضرة، فإنه يسهل عليه المرور على الصراط يوم القيامة. وقال أهل العلم: الناس بخير ما دام عندهم علماء. وقال ﷺ في الصحيحين: ﴿إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العلماء، ولكن بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا﴾ وإذا مات طلبة العلم والعلماء ولم يكن لهم أثر، ولم يكن لهم تواجد، فاعلم أن هذا هو أول دمار الأمة. وإذا قلَّت الدروس عند الأمة، والمواعظ، والحلقات، والمحاضرات وحجمت فهي خطوات دمار الأمة، وإذا رأيت الدروس منتشرة، والمحاضرات، والدعاة، والكلام في العلم الشرعي، والمسائل، والمفتين، وقال الله وقال رسوله، والحديث فيما يقرب من الله ، فبشر الأمة بخير عميم.

стр. 1304

حديث آخر يبين فضائل طلب العلم قال ﵊: ﴿وما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده﴾.

стр. 1305

خيركم من تعلم القرآن وعلمه أولاً: في مسألة: تدارس كتاب الله عزوجل، وأنه من أشرف الأمور، وفي صحيح البخاري: ﴿خيركم من تعلم القرآن وعلمه﴾. وكان الصحابة يجتمعون عند عمر أحياناً، فيقول عمر لـ أبا موسى: [[ذكرنا ربنا يا أبا موسى]] فيندفع أبا موسى يقرأ والصحابة عنده، ويبكي عمر والصحابة، وكان صوت أبي موسى جميلاً، يقول له ﷺ : ﴿لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود﴾ لكن مجالس الذكر الآن واجتماع الناس على القرآن قلت كثيراً؛ بسبب المغريات العصرية، والفتن التي تشهدها الأمة والمسلسلات والأغنيات والتمثيليات والنزوات والشهوات حتى تجد الإنسان إذا سمع القرآن لا يخشع أبداً ولا يتأثر؛ بسبب ما رأى، إنسان يرى عشرين مسلسلاً أو ثلاثين مسلسلاً ثم يأتي يوم الجمعة يسمع سورة تقرأ عليه، أين تقع هذه السورة من العشرين مسلسلاً، ومن المائة أغنية، ومن عشرين مجلة خليعة، والمائة فيلم، وشريط جنس، أين تقع؟! أرى ألف بانٍ لم يقوموا لهادمٍ فكيف ببانٍ خلفه ألف هادمِ فإذا أتت الأمة، وأتت قلوبها، وصودمت بهذه المفاجئات؛ أصبح الذكر ميتاً أو ضعيفاً أو مريضاً فلا يكون له أثر. وهنا ألفت عنياتكم إلى أن الأوزاعي ومالكاً ذهبا إلى بدعية أن يجلس الناس جميعاً بعد صلاة الفجر في المسجد فيتحلقون ويقرءون القرآن. وهذا رأيهما، وقد نقل عنهما، وإنما أقول ذلك لطلبة العلم للفائدة. وسئل الأوزاعي عن ذلك فذكر أن حسان بن عطية يقول: " أول من أحدثه هشام بن إسماعيل المخزومي في عهد عبد الملك بن مروان ولم يكن معروفاً عند السلف. لكن الجمهور من العلماء ذهبوا إلى أن هذا مما يقرب من الله عزوجل، وأن هذا عمل صالح، وليس ببدعة؛ واستدلوا على ذلك بما في الصحيحين عن أبي هريرة: ﴿إن لله ملائكة يطوفون يلتمسون حلق الذكر، فإذا وجدوا حلقةً من حلق الذكر، جلسوا فيها إلى أن يصعدوا إلى الله ويسألهم﴾ الحديث طويل، وهو في الصحيحين. فهناك ملائكة يسيحون في الأرض يلتمسون حلق الذكر، فإذا وجدوا حلقة يذكر فيها أو رسوله أو دينه جلسوا وحفوهم، فنسأل الله أن يجعلهم جلساءنا هذه الليلة. وقد جاء عنه ﷺ قوله: ﴿هم القوم لا يشقى بهم جليسهم﴾ روى هذا الحديث البخاري ومسلم والترمذي وأحمد وابن حبان، وفي صحيح مسلم ومسند أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان عن أبي سعيد الخدري قال: ﴿معاوية على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكن كنت مع نفر من الصحابة ونحن نذكر الله في المسجد فخرج علينا رسول الله ﷺ ، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن علينا بك، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك؟ قال: والذي نفسي بيده، لقد نزل عليَّ جبريل الآن فأخبرني أن الله يباهي بكم ملائكته﴾ ومعنى يباهي: يفاخر، أي يقول: يا ملائكتي! انظروا إلى هؤلاء جلسوا في مسجد كذا وكذا يذكرونني، ومجالس الذكر أرضى ما يرضي الله ؛ وهي التي يفر منها الشيطان، ويتعمق فيها الإيمان، ويتقوى بها هذا الدين، وهي من أعظم الأمور.

стр. 1306

من الفضائل: نزول السكينة وقال ﵊: ﴿يتلون كتاب الله إلا نزلت عليهم السكينة﴾ والسكينة من عنده ، وقد نزلها على رسوله ﵊ في الغار، ويوم حنين، وفي مواطن كثيرة، وهي اطمئنان وبرد وسلام، وراحة، وسعادة ينزلها الله على القلوب، فتسعد سعادة ما بعدها سعادة، وتفرح وتتمايل أشجارها، وتسيل أنهارها، ويسيل القلب في طرب شرعي لا يعلمه إلا الله. فإذا نزعت السكينة من هذا القلب، أصبح خائفاً، ومضطرباً، وقلقاً، وفزعاً، لا يستقر على شيء ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. وهذه السكينة تحصل بالإيمان، وتحصل بمجالس الذكر التي يذكر فيها الرحمن. في الصحيح أن أسيد بن الحضير ﵁ وأرضاه؛ وهو أحد الأبطال الكبار، قيل: إنه قتل في معركة اليمامة ﵁ وأرضاه وهو من الأنصار، وكان مقداماً، وقتل عديداً من الكفار، وهو من سادات بني عبد الأشهل ﴿قام يصلي بالليل ويقرأ سورة الكهف بصوت شجي، فكانت فرسه تدور في مكان البيت، وتكاد أن ترفس، أو أن تطأ ابنه وهو نائم، فلما كادت أن تقطع حبلها، أنهى صلاته وسلم ثم أخذ الفرس ونظر إلى السماء، فإذا ظلة كالمصابيح فوق البيت، فوقف مدهوشاً مذهولاً، ثم ذهب إلى رسول الله ﷺ فأخبره قال: أرأيتها؟ قال: نعم. قال: والذي نفسي بيده إنها الملائكة تنزلت لسماع قراءتك. قال: ولو بقيت تقرأ حتى الصباح لرآها الناس لا تتوارى عنهم﴾ ﴿﴾ [الإسراء:٧٨] قال مجاهد: تشهده الملائكة، وما أحسن العبارة! ما أحسن التفسير! قال: "تشهده الملائكة" وقال غيره: تشهده ملائكة السماء. والمقصود هنا بالقرآن قيل: هو قرآن الفجر الذي يتلوه الإمام في صلاة الفجر وقال غيرهم: القرآن بعد الفجر، والقرآن قبل الفجر، والصحيح كلها، فإذا بدأ الإمام يقرأ في صلاة الفجر نزلت الملائكة تشهد وتسمع القرآن الذي هو كلام الله عزوجل، وهذه من السكينة.

стр. 1307

من الفضائل: غشيان الرحمة وأما غشيان الرحمة فإن رحمته واسعة وهي خاصة وعامة؛ خاصة للمؤمنين وهي معنى الرحيم ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٤٣] والرحمن عامة للمؤمن والكافر وفي الدنيا والآخرة، يقول سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم:٣٢] وفي الحديث الصحيح: ﴿إن رحمتي سبقت غضبي﴾ فنسأل الله أن يرحمنا وإياكم رحمة عامة وخاصة. في مجالس الذكر تغشى الرحمة الجالسين كلهم، فيدخل فيهم حتى من قصر في العمل؛ لأن المؤمنين يقولون: وهب المسيئين منا للمحسنين، والمعنى: من جلس منا محسناً فأدخل المسيء منا معه، ولذلك يقول أحدهم: يا أيها المقصر! اهجم هجمة الكذابين على باب الباذلين كأنك طفيلي، وقف بيدك على الباب وقل: تصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين، علَّ الله أن يفتح لك الباب. فأنت إذا جلست مع الأخيار لحقت بهم. يقول ابن كثير في تفسيره: "الكلب لما رافق الأخيار في القرآن، ذكره الله في القرآن: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف:١٨] ". ذكر ابن خلكان في وفيات الأعيان أن الخليع الشاعر كان رافضياً، يحب الرافضة، فلما أتته سكرات الموت أمر أن يدفن في النجف، وأمر أن يكتب على قبره ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف:١٨] يستحق، قالوا: فلما مات، حملوه، وحفروا له قبر في النجف، وكتبوا: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف:١٨]. يقول ابن كثير: فانظر كيف شرفه الله، لما رافق الصالحين فبقي الكلب يصاحبهم في القصة من أولها إلى آخرها. هكذا تكون رفقة الصالحين: أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواءً في البضاعة وقال غيره: عن المرء لا تسألْ وسل عن قرينه فكل قرينٍ بالمقارن يقتدي ولذلك تجد الخيّر إذا رافق الأشرار أصابه الشر والذلة والحسرة حتى يلحق بهم، ولو كان بريئاً، فيقولون: فلان يرافق فلاناً السيء انتبهوا له، فتصبح عليه وسام عار، ووصمة عيب.

стр. 1308

من الفضائل: أنهم تحفهم الملائكة وأما قوله ﵊: ﴿وحفتهم الملائكة﴾؛ فإن لله ملائكة، ومعتقد أهل السنة والجماعة أن لله ملائكة، نؤمن بهم على الجملة والتفصيل، وأن الله جعل لهم تخصصات: منهم ملائكة القطر، وأخرى لتنزل الذكر كجبريل الذي نزل على الرسول ﵊، وملك الجبل هذا مهمته فقط الجبال، وملك للريح، وملك آخر لقبض الأرواح ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام:٦٠] وملك للصحف، وحفظة يحفظونه من أمر الله أي: بأمر الله، وملائكة فضلاً، يقول في الحديث عند مسلم فضلاً: أي زائداً على عدد الملائكة وليس لهم عمل خاص محدد غير البحث عن حِلَق الذكر يقول ﵊ في الصحيح: ﴿أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موطن أربع أصابع إلا فيه ملك ساجد أو راكع أو قائم﴾ ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١] لما قال : ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٣٠]؛ يعني: على النار تسعة عشر، فضحك أبو جهل، ووضع رداءه على وجهه يضحك، المجرم؛ الخبيث؛ ويغمز لأصحابه المجرمين، ويقول: تسعة عشر، أنا أكفيكم يا قريش بعشرة واكفوني بتسعة؛ انظر بطولة الفجور والخيانة!! فأنزل الله بعدها: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١] هذا للتسعة عشر منهم، الواحد له من الأجنحة ما يسد الجناح الواحد ما بين المشرق والمغرب، فهذا جبريل ﵇ بجناح واحد أخذ قرى قوم لوط ستمائة ألف، ورفعها حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب ثم قلبها وألحقهم بالحجارة، هذا ملك من الملائكة، فكيف بالآخرين الذين في السماء الرصد الهائل والجيوش؟ الله عزوجل لما اتصل به رسوله في بدر، يقول: إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض، فنزل جبريل يقود معه ألف من الملائكة، فيقول حسان؛ ويحق لـ حسان أن تندفع قريحته الشاعرية الهائلة، يتفجر بأشرف بيت قالته العرب يقول: وبيوم بدر إذ يصد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمدُ يقول: يا مجرم يا أبا جهل! من عندك تحت اللواء؟ من هي قيادتك؟ من الذي يصدر لك الأوامر؟ الشيطان!! ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٤٨]. وأقصد من كلامي هذا أن أقول: إن هناك ملائكة فضلاً؛ -أي زيادة- يدورون على حلق الذكر وهم الذين يحفونها؛ لأنه ليس عندهم عمل إلا هذا، ولله المثل الأعلى. يقول: عملهم أنهم يخبرون، ويرفعون الأذكار، كما في صحيح مسلم، قال: ﴿هل رأوني؟ -وربهم أعلم بهم- قالوا: ما رأوك. قال: كيف لو رأوني؟! قالوا: كانوا أكثر تسبيحاً لك، قالوا: ويستعيذونك. قال: مم يستعيذونني؟ -وهو بهم أعلم- قالوا: من النار. قال: هل رأوها؟! قالوا: ما رأوها. قال: كيف لو رأوها؟! قالوا: كانوا أشد استعاذة. قالوا: ويسألونك، قال: ماذا يسألونني؟ قالوا: الجنة، قال: هل رأوها؟! قالوا: ما رأوها قال: كيف لو رأوها؟! قالوا: كانوا أكثر مسألة، قال : أشهدكم أني قد غفرت لهم، فيقولون: يا رب! معهم فلان إنما جلس معهم هكذا﴾ ما جلس للدرس أو للمحاضرة إنما صلى المغرب ثم اضطر للجلوس لحاجة ﴿قال: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم﴾ قال أهل العلم: هكذا أي: ما قصد المجلس ولا قصد الذكر وما قصد أن يستفيد، فغفر الله له بسببهم.

стр. 1309

من الفضائل: أن الله يذكرهم ويذكرهم سبحانه عنده، وفي الصحيحين: ﴿أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم﴾ اذكرونا مثل ذكرانا لكم رُبَّ ذكرى قربت من نزحا واذكروا صباً إذا شاد بكم شرب الدمع وعاف القدحا ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] وهذا جزاء الذاكرين الله، خاصة في ملأ؛ لأنك الآن ذكرك مع مجموعة أفضل من ذكرك وحدك، فمع المجموعة تعلن قوة الإسلام فإننا لماذا نصلي الجمعة سواء؟ ولماذا نحج سواء؟ ولماذا نصلي العيد سواء؟ كل ذلك لنظهر تضامن المسلمين، وعظمة الدين، وأن هذه الكثرة الكاثرة تعلن أنها تحت عبودية ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].

стр. 1310

تقوى الله هي ميزان التفاضل بين الناس وأما قوله ﵊: ﴿ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه﴾ المعنى: إن من اعتمد على نسبه، ولم يعتن بعمله فإنه لا ينفعه ذلك عند الله شيئاً، وأن صاحب النسب العظيم والعمل الحقير لا ينتفع بنسبه، ولا ينفعه عند الله إنما ينفعه العمل. وكان ﵊ يقول في الصحيح: ﴿يا بني هاشم! لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم﴾ لأن بعض الناس الآن يعتمد على نسبه، ودائماً في كل مجلس يذكر سلالته، وأنه ابن فلان، وأن أباه فعل وصنع، وجده كذلك، وهذا كما في الأدب المفرد للبخاري بسند حسن: ﴿من افتخر بتسعة آباء في الجاهلية فهو عاشرهم في النار﴾ فبعض الناس دائماً يفتخر على حساب الآخرين بسلالته وبنسبه وبأصالته وبإقليمه وبمنطقته وببلده، وهذا التمييز العنصري الذي قسم العالم الإسلامي وجزأه ما أنزل الله به من سلطان. أنزل الله عزوجل نسباً عظيماً للأمة وهو: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] رفع بلالاً وجعله أكرم من أبي جهل المخزومي، ومن الوليد بن المغيرة، ومن أمية بن خلف. وجعل سلمان الفارسي من أهل البيت، ورفع صهيباً وخباباً وابن مسعود، لكن بعض الناس لعدم تصوره لهذا الدين، ولعدم انشراح صدره لهذه الرسالة؛ لا يزال يحمل في رأسه التمييز العنصري على الأجناس والأشخاص، والدول، والأقاليم -أقصد المسلمين- العالم الإسلامي، فتجده يتميز وينحاز، ويظهر التفاخر على الناس؛ لأنه من إقليم كذا، أو من أسرة كذا، أو من قبيلة كذا، وهذا خطأ ومخالف للكتاب والسنة. لهذا يقول ﷺ : ﴿يا بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسكم من النار لا أغني عنكم من الله شيئاً﴾ والرسول ﷺ يقول: ﴿خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا﴾ فالنسب الطيب مع الإيمان، خير على خير، أما أن يكون النسب مصدر إزعاج للآخرين وتعالي وتكبر وتفاخر فهذا هو الويل والدمار: إذا فخرت بآباء لهم شرفٌ نعم صدقت ولكن بئسما ولدوا إن الفتى من يقول: هأنذا ليس الفتى من يقول: كان أبي وقال الآخر: خذ بحد السيف واترك نصله واعتبر حسن الفتى دون الحلل إلى آخر ما قال. وأما مجتمع المسلمين الآن فهم بعيدون عن: ﴿من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه﴾ فإن بين الناس أموراً تعارض السنة من ضمنها -وهذه لم يستطع لها أعلم العلماء وأعظم الدعاة حلاً- وهي مسألة النسب، وهذا قبيلي وهذا غير قبيلي، وعدم التزاوج من الصنفين، وهذا الأمر يخالف الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم. فبعض الأسر جعلت تتناءى أن تتزوج من أسرٍ أخرى أقل نسباً منها، ولو عدنا إلى أصل السند ورأس الشجرة وصلنا كلنا إلى آدم وحواء، فكل هذا العالم -الأحمر والأسود والأشقر- يرجع إلى آدم وحواء ﴿كلكم من آدم وآدم من تراب﴾. فهذا الذي يفتخر على الناس يرجع إلى التراب، وما على الإنسان إلا أن يعرف أن الفضل في الإسلام إنما هو بتقوى الله، وليس بغير، وأن من قدم أموراً أخرى كالنسب والمال والجاه والمنصب، إنما هو من قلة فقهه في دين الله عزوجل، ولعدم معرفته بشرعه ﵎. هذا ما لزم في هذا الدرس، وقد انتهى، وبقي بعض الأسئلة، ونسأل الله أن يتولانا وإياكم بعين رعايته، وأن يهدينا وإياكم سبل السلام.

стр. 1311

الأسئلة

стр. 1312

راجيف غاندي السؤال ما رأيك في راجيف غاندي؟ الجواب لقد ذهب الحمار بأم عمرو فلا رجعت ولا رجع الحمار هذا يفرح بموته. طفح السرور عليَّ حتى إنني من عظم ما قد سرني أبكاني من بشرنا بقتل مثله فله حمل بعير وأنا بذلك زعيم على الدعاة.

стр. 1313

النوم على الفرشة ليس من التصوف السؤال إذا كنت لا أرغب إلا في النوم على الفرشة دون فراش، وقد يكون ذلك أنفع لصحتي فهل هذا تصوف؟ الجواب لا. بارك الله لك في فرشتك، ولو نمت على الرصيف ما عليك، ما دام أنفع لصحتك فافعل ما بدا لك. لكن لا يكون هذا تحريماً لما أحل الله، أو تقشفاً قد يضر بالصحة؛ لأن بعض الناس بلغ به التقشف مبلغاً عظيماً، ومن يقرأ في سير بعض الناس يجد عجباً عجيباً. يقول الذهبي في سيرة أحدهم: "ترك الطعام والشراب ثلاثة أيام يعبد الله في غرفة" يسبح ويستغفر وترك الغداء والعشاء ثلاثة أيام، فظهرت له أشباح دخان، فأخذ يقول: الملائكة تنزلت عليَّ. فقال الذهبي: "لا والله ما تنزلت عليك الملائكة، ولكن عقلك طاش وفاش وخاش". وذكر الخطابي عن رجلٍ أنه جعل على عينه اليسرى لاصقاً، وقال: من الإسراف أن أنظر إلى الدنيا بعينين!! هذا هو المذموم.

стр. 1314

الوساطة قسمين: حسنة وسيئة السؤال هل تعتبر الواسطة من باب العون للمسلم، ويؤجر عليها؟ الجواب الواسطة على قسمين: واسطة محرمة، وواسطة مأجور صاحبها، وهذه تسمى شفاعة، ولكن الواسطة اسم حادث. فأما من شفع، أو من توسط في إزاحة حق عن مسلم أو توسط في باطل، أو دون حد من الحدود؛ فهذا مأزور غير مأجور، وهذا من دعاة أبواب جهنم -والعياذ بالله- ممن يصرفون الحق عن مستحقيه، كبعض الناس ما همه إلا أن يصرف الحقوق عن أهلها، أو يتعدى على أموال الناس، أو يعطل أرزاقهم، الناس يصبحون كل صباح يقولون: نسأل الله من فضله، وهو دائماً في باب الفضل، ودائماً في باب أرزاقهم، فبعض الناس مهمته هكذا كلما أتى خير دفعه، وكلما أتى شر أكده، وكلما أتى شيء عفو منعه. حتى يذكر شيخ الإسلام ﵀ وابن القيم عن نصير الدين الطوسي الرافضي الذي كان مستشاراً لـ هولاكو أن هولاكو أتى إلى بغداد وأراد أن يعفو عن المسلمين لما رأى الأيتام والمساكين والأرامل، لكن هذا المجرم نصير الدين الطوسي قال: لا تعف عنهم هم فعلوا وفعلوا وأرى أن تقتلهم بالسيف، فقتل في ساعة واحدة سبعة وثلاثين ألفاً، فهذا ومن كان على شاكلته دائماً يوحي بالشر ويقف في وجه الخير ويوقد نار الفتنة، وإذا قال الناس كلمات الخير نطق بكلمة الشر فلا يحب العفو ولا التسامح، ولا أن يستمر الخير. وأما شفيع الخير؛ فهو الذي جعل الله له جاهاً طيباً، وهو الذي له الثناء الحسن، كما حكى الله عن إبراهيم إذ يقول: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء:٨٤] وهو الثناء الحسن، وهو الذي يتحمل حمالات الناس، ويقف بحوائجهم عند أبواب السلاطين، ويرفع شكاياتهم، ويرفع الضيم عنهم، ويأخذ أمورهم ومعاملاتهم ويقدمها، ويقف معهم كأنه يقف مع أموره الخاصة، فهذا جزاؤه عند الله، أن يكون الله في عونه، وأن ينفس عنه كرب الآخرة، وأن يتولاه في من تولى، وهذا صنفه كثير في العالم الإسلامي، كـ رجاء بن حيوة ﵀ ورضي الله عنه؛ فهو الذي كان سبباً في تولية عمر بن عبد العزيز، انظر هذا المستشار العظيم الصالح العالم،! كان رجاء بن حيوة؛ مجتهداً مطلقاً، وكان مستشاراً لـ سليمان بن عبد الملك وسليمان أراد أن يولي ابنه أيوب الخلافة، فكتب مرسوماً أني إذا مت تولى بعدي ابني أيوب، فمات أيوب قبل أن يموت الخليفة، فلما حضرت سكرات الموت سليمان بن عبد الملك تلعثم ماذا يقول، إخوانه الأشقاء يريدون الخلافة وهم ظلمة، ورجاء بن حيوة يريد أن يعطيها الولي الصالح المجتهد المطلق عمر بن عبد العزيز ابن عمهم، فوقف فكان سليمان يبكي على فراش الموت ويقول وهو في سكرات الموت: إن بني فتية صغار أفلح من كان له كبار قال عمر بن عبد العزيز: لا والله لكن ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٤ - ١٥]. فقال لـ رجاء بن حيوة: من أولي؟ قال: إن أردت أن تلقى الله وأنت من السعداء، فول عمر بن عبد العزيز. فقال اكتب: فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، وليت عمر بن عبد العزيز ثم مات، فلفَّ رجاء الورقة وجعلها في جيبه وقدم على المنبر وصعد، وقال: يا أيها الناس! تبايعون لمن في الصحيفة؟ قالوا: نبايع. فقام يزيد وهشام إخوان سليمان بالسيوف، قالوا: اقرأ الصحيفة، قال: لا أقرؤها حتى يبايع الناس؟ قالوا: إما بايعتم وإلا قتلناكم. قالوا: نبايع. فأخرج الصحيفة فإذا هو عمر بن عبد العزيز. فهذا شفيع عند الله يقول: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء:٨٥]. والناس كثير منهم لا يستطيع أن يرفع حاجته، ولا أن يرفع ضيمه، ولا أن يقدم لنفسه نفعاً، على سبيل المثال: بعضهم تجده سنوات تمر به لا يستطيع أن يدخل لبيته مثلاً خدمة الماء أو الكهرباء أو الهاتف، بينما بعض الناس في لحظة يتصل بالهاتف: بسم الله أنا أبو فلان لا يأتي صلاة الظهر إلا والهاتف موجود، فهذا يستخدم ثقله في نفع الناس، ونفع المصابين، والأرامل، وهو المأجور عند الله ، وهو صاحب قدم الصدق. هذا تقسيم الوساطات منه الحسن ومنه السيء، والله المستعان.

стр. 1315

ثلاث نصائح للداعية المسلم السؤال حصلت على بطاقة داعية وأريد التوجيه لي والإرشاد؟ الجواب أولاً: بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير! وهذه البطاقة سوف تكون لك شهادة عند الله عزوجل إذا صدقت وأحسنت استخدامها فيما ينفع، وأنا أوصيك بثلاث مسائل: الأولى: أن تخلص العمل لوجه الله، فتكون دعوتك ليكون الدين كله لله؛ لأنه لا يصلح أن يكون قصد الداعية إلا أن يكون الدين كله لله، وترتفع (لا إله إلا الله) أرفع من كل شيء في الأرض، تكون لا إله إلا الله دائماً رفيعة، وتبقى كلمة الله هي العليا. الثاني: أرى أن تطلب العلم دائماً؛ فإن الداعية لا بد له أن يتعلم، ولابد أن يتزود من الفقه في الدين حتى يكون على بصيرة. الثالث: أرى أن تلين للناس، ولا تكن فظاً، ولا تتخذ قصص بعض الناس ممن مروا في التاريخ يقولون: كان هذا يكسر، وكان هذا يضرب، وكان هذا يلطم؛ هذه لا تصلح ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ويقول : ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] ﴿وما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع الرفق من شيء إلا شانه﴾ فالله الله في الرفق، وفي الهدوء، وفي مخاطبة الناس باللين حتى تكسبهم. بقي بعض المسائل أشير إليها وهي: حاول أن تتكلم للناس في كبار المسائل قبل صغارها؛ فإن الاشتغال مثلاً بصغار المسائل ليس من الحكمة. الآن تجد من الناس من جعل قضية تقصير الثياب قضية كبرى، فلا يتحدث في المحاضرات إلا عنها، وهي لابد منها، لكن لابد أن تأخذ حجمها، لا أن تترك العقيدة وأمور الإسلام والأركان والكبائر، وتأتي إلى هذه الجزئية تستهلك بها وقتك، ليس من الحكمة. ثم أرى كذلك أنك لا تظهر عيوب الناس عندهم؛ وأنكم تفعلون كذا، وتفعلون كذا، وسمعت عنكم كذا، بل اذكر ما فيهم من مناقب، ونبه على المثالب بشيء من الأدب والاحتياط حتى يقبلوك؛ لأن الناس لا يرضون بأن يقف إنسان فيهم يجرحهم، ويجرح مشاعرهم، يعني: أحياناً بعض الناس يذهب إلى قرية، أو قبيلة من القبائل فيجتمعون ويقوم واعظاً فيهم، ويقول: سمعت عنكم أنتم يا أهل هذه القبيلة، أنكم من أغلى الناس في المهور، وأن بينكم الحسد والبغضاء، وأنكم متناحرون، هؤلاء تنغلق أفهامهم، وأسماعهم وأبصارهم تماماً، كيف تجرح الناس وتريد أن يسمعوا منك؟! كان ﵊ إذا تحدث يقول في سوق عكاظ لبني عبد الله؛ وهي قبيلة من قبائل العرب، قال: ﴿يا بني عبد الله! إن الله أحسن اسم أبيكم فأحسنوا استجابتكم لله﴾ ما أحسن المقدمة! وكان يتودد إلى الناس ويحبب بنفسه حتى كسبهم، حتى يقول : ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣]. وهذه هي الأعجوبة أن يصيد قلوب قبائل العرب، وأن يوجههم معه ﵊. ونسأل الله لنا ولكم الهداية، والتوفيق والسداد، والعون والرشاد. ونسأله ألا يصرفنا من هذا المكان إلا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وتجارة لن تبور. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 1316

أمسية شعرية في القرعاء إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحراً، والأدب والشعر على مدار التاريخ كان وما يزال وسيلة لنشر الأفكار والمبادئ بين الجماهير، وذلك لما يشتمل عليه من الطرافة والمتعة ونقل الكلمة بأسلوب يأخذ بالألباب. وإن الدعوة الإسلامية لم تأخذ حظها بعد من هذه الوسيلة الجماهيرية في هذا العصر مع أن الرسول ﷺ وظفها في خدمة الدعوة. والشيخ عائض لامتلاكه ناصية الشعر قولاً ونقلاً أراد أن يختط هذا الخط جنباً إلى جنب مع كثير من دعاة الإسلام الذي يمتلكون هذه الموهبة، ومن ضمن أمسياته الأدبية الممتعة هذه الأمسية الشعرية المتنوعة.

стр. 1317

مقطوعة ترحيبية الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراًً ونذيراًَ، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد، أتى بالقلم والسيف، أتى باللسان والسنان، أتى بالمنبر والميدان، أتى بالكلمة الصادقة والدعوة الناجحة، أتى بالخلود، أتى بكلمة الأدب، يوم لا يعرف الناس الأدب إلا ما أتى به محمد ﷺ . أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. شكراً لهذا الاستقبال وهذه الحفاوة. أهلاً وسهلاً والسلام عليكمُ وتحيةً مِنَّا تُزَفُّ إليكمُ ولو علمتُ أنني أُسْتَقْبَل بهذه المقطوعة؛ لهيأت مقطوعة أخرى، لكنني أعدكم، وهو دين إن شاء الله وعارية مضمونة تصلكم إلى بيوتكم. ضيوف الخير قد شرفتمونا بلقياكم ربوع الجو طابا فـ (أبها) من زيارتكم تباهت بثوب الخلد أطلقت الضبابا كأن اشبيليا نُقِلت بـ أبها فأحيت في ضمائرنا الطلابا وسار شذا العبير بكل وادٍ فعانق في تسرعه الضبابا وتبدو الشمس من خدرٍ خجولاً وإن شاءت تكنفت السحابا فيا عصر الشبيبة دُمْت عصراً ويا عصر الصبا حي الشبابا فإني سوف أذكرك اعتباراً إذاضمر القنا والرأس شابا ومثلي ومثلكم هذه الليلة كمثل الشاعر الإيراني السُّنِّي/ الشيرازي سعد، وهو شاعر من شعراء العالم، يقول: قال لي المحبوب لما زرته مَن ببابي قلت بالباب أنا قال لي أخطأت تعريف الهوى حينما فرقت فيه بيننا ومضى عام فلما جئته أطرق الباب عليه موهنا قال لي من أنتَ قلتُ انظر فما ثَمَّ إلا أنتَ بالباب هنا قال لي أحسنتَ تعريف الهوى وعرفتَ الحبَّ فادخل يا أنا فأقول لكم: أنا أنتم، وأنتم أنا، فمن أنا؟! وهذه القصائد، أسأل الله أن يجعلها في ميزان الحسنات، صحيحٌ أن الكلمة الطيبة لا يُقْتَضَى أن تكون نثراً فحسب، بل نرجو الله أن تكون كذلك شعراً، يوم يُحَاسَبُ المبطلون على كلماتهم، والناكثون على تصرفاتهم. وسوف أختار لكم هذه الليلة بعض المقطوعات، ولا بأس أن أُوْقَفَ أثناء القصائد، فمن عنده طرفة، أو سؤال عن بيت، أو طلب لبعض القصائد العربية المشهورة، أو الإسلامية فلا بأس؛ لأننا نريد أن يكون هذا مجلساً مفتوحاً، لا يكون حكراً على أحد، أو حرماً لا يباح إلا لشخص، بل هو لنا جميعاً، فمن عنده شيء أو تذكر شيئاً أو مقطوعة أو بيتاً، فليرفع يده مشكوراً ويسأل.

стр. 1318

قصيدة: أين الشباب عن الساحة هذا بعض القصيد، وهذه قصيدة عنوانها: (أين الشباب عن الساحة) سوف أختار منها بعض الأبيات: يا طالع اليُمْن حيوا لي محياهُ نداء حق من الفصحى سمعناهُ قد أطرب الأذن فانصاعت لنغمته وأطرقت برهة تصغي لفحواهُ يقول للجيلِ والإيمانُ رافده عودوا إلى الله قد ناداكم اللهُ صحا فؤادي على صوت وموعظة ولام من كان قبل اليوم أغفاهُ وجاءكم في رحاب الهدي مبتهجاً لعله أن تنال الخير يُمناهُ نادٍ كريمٌ شباب الحق مهجته الدين نغمته والحق معناهُ إسلامُ! أبشر بجيلٍ أنتَ رائدهم قد فاز من منهج الإسلام ربَّاهُ يا رب! عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناهُ كم نطلب الله في ضر يحل بنا فإن تولت بلايانا نسيناهُ ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناهُ ونركب الجو في أمن وفي دعةٍ فما سقطنا؛ لأن الحافظ اللهُ كن كالصحابة في زهد وفي ورعٍ القوم هم، ما لهم في الناس أشباهُ عباد ليل إذا جنَّ الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه وأُسْدُ غابٍِ إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون لقياه يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً يشيدون لنا مجداً أضعناه وربما كانت هذا القصيدة (وهي طويلة) تربو على (٨٠) بيتاً، معارضة لقصيدة محمود غنيم التي يقول فيها: ما لي وللنجم يرعاني وأرعاهُ أمسى كلانا يعاف الغمضَ جفناهُ إلى أن يقول: يا من يرى عمراً تكسوه بردتُه والزيتُ أدم له والكوخ مأواهُ يهتز كسرى على كرسيه فََرَقاً من خوفه وملوك الروم تخشاهُ

стр. 1319

قصيدة: أرحنا بها يا بلال وهذه قصيدة أخرى اسمها: (أرحنا بها يا بلال) كان ﵊ إذا كربه أمر، أو اهتم، أو حزن، قال لـ بلال: ﴿أرحنا بها﴾ أي: بالصلاة، فحُق لكل مسلم أن يرتاح بالصلاة: وقل لـ بلال العزم من قلبِ صادق أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً به تلق أبواب السماء الثمانيا قم أطرب الدنيا بلال بنغمة قدسية تحيي بها الأسحارا ليموت صوت البغي في ميلاده وأداً ويبقى صوتكم قهَّارا قم يا بلال أعد نشيدك في الورى للعالمين ورتل الإنذارا ودع التماثيل التي قد صورت جذذاً ومزق عبدها الخوارا هذا نموذج منها، وسوف ننتقل إلى بعض القصائد المطولة.

стр. 1320

قصيدة: ثناء وتبجيل لمعلم الجيل قصيدة في الثناء والتبجيل لمعلم الجيل ﷺ ، والرسولُ ﵊ أصْدَقُ المدْحِ ما صُرِفَ له، والله يحب المدح. في الطبراني: عن الأسود بن سريع قال: ﴿وفدت على رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! إني نَظَمْتُ قصيدة أمدح بها ربي ، فقال ﷺ : أما إن ربك يحب المدح﴾ وفي (الأدب المفرد) للبخاري قال الأسود بن سريع: ﴿ركبت مع رسول الله ﷺ ، فقال: أتحفظ شيئاً من شعر أمية بن أبي الصلت، قلتُ: نعم. قال: هاتِ، فأنشدتُه قافية، قال: هيه، فأنشدتُه الثانية، قال: هيه، حتى أنشدته مائة بيت، فقال: آمَنَ شعرُه، وكَفَرَ قلبُه﴾ أو كما قال ﷺ . الأماني على لسانك أحلى فأعد يا حبيب عصراً تولى لم أقضِّ لبانة العمرفيه ونهاني المشيب لما أطلا أعصر الليل في كئوس من الحزن وأدعو الصباح حتى أملا وأنادي الدجى بهمسة حب فارغ الصبر من لسان لعلا ذكريات مع الرسول وحب تستثير الشجون منه الأجلا كلما مر ذكره في فؤادي قال قلب المحب: أهلاً وسهلا كيف أحكمت يا عظيم بناءً هو من كل مشرق العمر أعلى وتفانيت في بناء كيان أنت أوليته عطاء وبذلا كلما صغت جملة من نضار أنبتت دوحة من المجد جلا وإذا ما ابتسمت أبدعتَ جيلاً مرهف الحس يمتطي كل مُثلى المعالي تصوغ منك وتبني فيك آمالها وترجوك خلا والليالي تنورت بشموس أنت أرسلتها عفافاً ونبلا والصحاري إذا مشيتَ رياضٌ ملئت بالجمال حسناً ودلا

стр. 1321

البوصيري وقصائد المديح النبوي وأنا مسبوق من كثير من الشعراء في مدحه ﷺ ، منهم: البوصيري الإمام الصوفي، ولولا أنه إمامٌ في صوفيته، ولولا أنه عكر قصيدته ببعض الشركيات في آخرها، لكانت من أروع القصائد، إذ يقول في مطلعها: أمِن تَذُكُّر جيران بـ ذي سلم مزجت دمعاً جرى من مقلة بدمِ أم هبت الريح من تلقاء كاظمة وأومض البرق في الظلماء من إضم إلى أن يقول في مدحه ﷺ : بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا من العناية ركناً غير منهدمِ لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الأممِ

стр. 1322

شوقي يعارض البوصيري في المديح النبوي وقد عارض أحمد شوقي البوصيري بقصيدته التي يقول في مطلعها: ريم على القاع بين البان والعلم أحل سفك دمي في الأشهر الحُرُمِ إلى أن يقول فيه ﷺ : أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدمِ كنت الإمام لهم والجمع محتفل أعظم بمثلك من هادٍ ومؤتممِ لما خطرت به التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلمِ حتى بلغت مكاناً لا يطار له على جناح ولا يسعى على قدمِ وقيل كل نبي عند رتبته ويا محمد هذا العرش فاستلمِ ومن المقطوعات فيه ﷺ : نسينا في ودادك كل غالٍ فأنت اليوم أغلى ما لدينا نلام على محبتكم ويكفي لنا شرفاً نلام وما علينا ولم نلقكم لكن شوقاً يذكرنا فكيف إذا التقينا تسلى الناس بالدنيا وإنا لعمرالله بعدك ما سلينا

стр. 1323

من أشعار الزهد ومما يؤثر عن الإمام علي ﵁ أبي الحسن أنه كان يقول: لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت بانيها فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها فاعمل لدار غداً رضوان خازنها الجار أحمد والرحمن بانيها قصورها ذهب والمسك تربتها والزعفران حشيش نابت فيها وعلى منوال هذه القصيدة قلت: دنياك تزهو ولا تدري بما فيها إياك إياك لا تأمن عواديها تحلو الحياة لأجيال فتنعشهم ويدرك الموتُ أجيالاًَ فيفنيها يا رب نفسي كبت مما ألم بها فزكها يا كريم أنت هاديها هامت إليك فلما أجهدت تعباً رنت إليك فحنت قبل حاديها إذا تشكت كلال السير أسعفها شوق اللقاء فتعدو في تدانيها حتى إذا ما كبت خوفاً لخالقها ترقرق الدمع حزناً من مآقيها لا العذر يجدي ولا التأجيل ينفعها وكيف تبدي اعتذاراً عند واليها فإن عفوت فظني فيك يا أملي وإن سطوت فقد حلت بجانيها إن لم تجرني برشد منك في سفري فسوف أبقى ضليلاً في الفلاتيْها

стр. 1324

قصيدة: على أرض الكويت ومن القصائد التي أتذكرها قصيدة اسمها: (على أرض الكويت) ألْقِيَتْ هذه القصيدة في مهرجان شباب جامعات الخليج في الكويت، وهذا اللقاء كان بين شباب جامعات المملكة والإمارات وقطر والبحرين والكويت والعراق: حيوا الكويت ففيها الملتقى الرحِب والرأي والعزم والأبطال والنجب وانثر ثناءك مسكاً زاكياً عبقاً كأنما هو صوت الخلد ينسكب اسق المعنى بنار الحب علله ماء الخليج فقلب الصب ملتهب كويت ما عرف الأحباب غربتنا وقد أساء بنا الواشون إذ كذبوا لا تحسن العذر منا ألف قافية لأن من يطلب الأعذار لا يهب هذي الجزيرة قد غادرتها وجلاًَ من الفراق وقد أضناني النصب أما تراني براني الهم في صغري لم يبق يا صاح إلا العظم والعصب تركت نجداً شذا الريحان يأسرها في أرضها يتغنى الشعر والخطب وللحجاز عتاب في أرومته يسبي القلوب فيا أهلاً به عتب سل الجمال بأرض الله أين غدا تجيب أبها ويروي السهل والحدب من فقد ذياك صار الهم يصحبني فالطرف منتبهٌ والنجم منتصب وخفف الوجد إخوانٌ لنا هتفت لهم شئون فؤادي والتقى النسب فجددت ذكريات الحب رؤيتهم فقد نسيت غداة الجمع من ذهبوا خذوا سلامي إلى أرض العراق ففي أحشائها الدهر والتاريخ والحقب وعرجوا بـ دبي فانثروا قبلي على تراب الرُبى هذي هي القرب كم في المنامة من خل ومعرفة وكم على دوحة الأخيار من صحبوا فيحفظ الحب قلبي في عمان ولو قالوا: بعدت فإن الوصل مقترب أتيت أحمل أحزاني لأنثرها في محفل زانه الإفضال والأدب وأمتي في بحور الخوف غارقة لم تدرِ أين هو المسلوب والسلب أضحى يمزقها من ليس يرحمها وفي دماها هواة القتل قد خضبوا تحاول اللات والعزى خديعتها وتعتري أرضها الأصنام والنصب إلى آخر القصيدة.

стр. 1325

تحية للحاضرين هذه تحية، ونحولها هذه الليلة إليكم، قيلت في أناس غيركم، هذه رباعية فقط: مع الأشواق أحملها إليكم على كف النسيم المشرئب ترتلها دموع الحب لحناً ويرسلها الضمير إلى المحب غرست به أمانٍ رائعات فأطلعت الوداد بأرض قلبي لهيب الشوق تطفئه دموعي مع الإخوان قد خلفت صحبي

стр. 1326

أرجوزة القرني ونقف مع أرجوزة مشهورة، وأظن أنه يعرفها الكثير؛ ولا بأس من إعادتها. هذا الأرجوزة قيلت بمناسبة أمسية شعرية كانت في الرياض. والأراجيز عند العرب هو: بحر الرجز، وهو حمار الشعراء، أي أن كل إنسان لا يستطيع أن يَنْظم، له أن يركب هذا الحمار، فيصبح ناظماً وشاعراً، ولذلك أكثر ما ينظم العلماء على بحر الرجز، مثل ابن مالك في منظومته الرائعه في النحو: قال محمد هو ابن مالك أحمد ربي الله خير مالك وعارضه كثير من الناس على هذا المنوال. ومن بين نَظَم ابن مالك يقول: ولا يجوز الابتدا بالنكره ما لم تُفِدْ كـ (عندَ زيدٍ نَمِرَه) فقلتُ في منظومتي: ولا يجوز الابتدا بالنكره ومن أجاز ذاك فهو بقره فقلت في القصيدة: يقول عائض هو القرني أحمد ربي وهو لي وليُّ مصلياً على رسول الله مذكراً بالله كل لاهي قد جئت من أبها صباحاًباكرا مشاركاً لحفلكم وشاكرا وحَمَلَتْنَا في السما طياره تطفح تارة وتهوي تارة قائدها أظنه أمريكي تراه في هيئته كالديكِ قد حدث الحجة في طهران عن آية الله ورفسنجاني بأن من مات قريب كربلا فهو إلى الفردوس حقاً مقبلا وأن من فر من اليهود فمات خوفاً فهو كالشهيد وهذه القصيدة تحكي قصة سفري إلى المدينة المنورة، ومن المدينة إلى عنيزة إلى الشيخ/ ابن عثيمين، ثم إلى الرياض، إلى أن أقول: وابن عثيمين وصلنا داره أمتعنا بمجلس أداره وقد وصلنا حلقة الجزائري فقال: أهلاً مرحباً بزائري الجزائري: هو أبو بكر الجزائري

стр. 1327

المغزى من هذه الأرجوزة وهذه القصيدة ليست فكاهية، على ظاهرها أنها مزح فقط، بل إن لها إن شاء الله معانٍ، فمن ضمن الأبيات: أنني قلت في بعض الناس من الشباب الذين نسأل الله أن يهديهم والذين آثروا طريق الغواية على طريق الرشد، ويفتخرون بالسفر إلى البلاد الأجنبية، فبعضهم يفتخر أنه سافر إلى لندن، وإلى واشنطن وأمريكا، ويحدث الناس، ويعيد هذا الخبر ويبديه، وهذا من الذلة التي وقعنا فيها، كانوا قديماً في القرون الفاضلة يفتخرون أن يسافروا إلى بلادنا، فيأتي الفرنجة يجلسون مجالسهم، ويقولون: زرنا بغداد، وزرنا دمشق، ووصلنا إلى مكة، وإلى المدينة، وأصبحنا الآن نفتخر أن زرنا بلادهم، فهولاء قلتُ فيهم: ومن يزور لندناً في عمرة له ثواب حجة وعمرة وشيخهم (ريجان) في الفرائضِ وعلمه قد جاء بالنقائضِ وذلك على مذهبهم، فنسأل الله لنا ولهم الهداية.

стр. 1328

حب الإمارة مما يُبْتلى به بعض الناس والذي نهى ﷺ عنه، حب الإمارة وحب المنصب، وبعض الناس مجبول في بنيته وفي خلقته حب الإمارة، إذا تخاوى مع الناس أحب أن يتأمر، وأن ينفذ الناس ويسمعوا لقوله، فهذه فتنة المناصب التي ذمها ﷺ ونهى أبا ذر عن الإمارة، وقال: ﴿نعمت المرضعة، وبئست الفاطمة﴾ وهذه قصيدة رباعية في المناصب، أربعة أبيات: يتهاوون كالفراش هياماً كلهم همه حصول المناصب علمتهم أفكارهم كيف يرقون وفي الجو منهم ألف غاصب لم تخولهم المواهب تقديراً فما القوم من رجال المواهب حينما شابهوا الزمان دعاهم والزمان التعيس يهوى الحبايب

стр. 1329

ذم الكبر ومدح التواضع وهذا متكبر، ونعوذ بالله من الكبر، والكبر قرين الشرك، بل هو ركن من أركان الكفر، وإذا رأيت إنساناً متكبراً، ولو تقمص قميص الدعاة أو طلبة العلم، فقد تمت خسارته في الدنيا والآخرة، ومن تكبر فقد نازع الله رداء الألوهية والربوبية، ومن أخذ الكبر قصمه الله وعذبه؛ فنعوذ بالله من الكبر. قلت في رباعية نظمتها في خطبة جمعة عن المتكبرين؛ لأن الخطبة كانت في مدح التواضع وذم الكبر والمتكبرين، ومن صفات المتكبر أنه دائماً غضبان، ويظهر عليه التزمت والانقباض وقلة الابتسام، بخلاف الطلق السهل البشوش؛ الذي يرحب ويحيي ويبش ويهش؛ فهذه علامات التواضع، ولذلك كانت هذه سيرة محمد ﷺ ، كما يقول جرير بن عبد الله البجلي: ﴿ما رآني ﷺ إلا تبسم في وجهي﴾ وسئل أحد العلماء: ما هو السحر الحلال؟ قال: تبسمك في وجوه الرجال، ويقول زهير بن أبي سلمى، يمدح هرم بن سنان: تراه إذا ما جئته متهللاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله فقلت: وجوههم من سواد الكبر كالحة كأنما أوردوا غضبى إلى النارِ هانوا على الله فاستاءت مناظرهم يا ويحهم من مناكيد وفجار ليسوا كقوم إذا لاقيتهم عرضاً أهدوك من نورهم ما يتحف الساري أي: المتواضعين من طلبة العلم والدعاة من أمثالكم واشباهكم. تروى وتشبع من سيماء طلعتهم بوصفهم ذكروك الواحد الباري بدون أن تأكل أو تشرب إذا رأيتهم تروى وتشبع. من تلقَ منهم تقل: لاقيتُ سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري وفي المتكبر يقول: أنت من أنت يا شبيه الزرافه يا عظيماً في كِبْرِهِ والسخافة من هو هذا المتكبر؟ كيف أتى؟ وإلى أين يذهب؟ خفف الوطء ما رأيناك شيئاً كلما زدت كبرةً زدت آفه هل توهمت أن جدتك الكبرى تولت على الأنام الخلافه جدتك الكبرى: أي: الثالثة. أم لأن العلوم صيغت جميعاً في دماغ ما فيه إلا الخرافه

стр. 1330

أهلاً رمضان وفي رمضان رباعية ترحب بشهر رمضان: مرحباً أهلاً وسهلاً بالصيام يا حبيباً زارنا في كل عام قد لقيناك بحب مفعم كل حب في سوى المولى حرام فاغفر اللهم ربي ذنبنا ثم زدنا من عطاياك الجسام لا تعاقبنا فقد عاقبنا قلق أسهرنا جنح الظلام

стр. 1331

قصيدة: صوت الريح وهذا صوت الريح، يقول: على كتلة من رمال الهموم رقدت لأسمع صوت الرياح لأنسى بها كل ما زارني من الحزن حتى يزور الصباح ففاجأني الليل في غمضة ثقيل الخطى جاثماً في الوشاح فقلت: أما كان يكفي أسى مآسي حتى نكأت الجراح فقال يقولون إن اللبيب إذا سَلَّ همته ما استراح

стр. 1332

قصيدة: بلال بن رباح وأما بلال بن رباح فلنا معه عودة، يقول في بلال، وفي ندائه بـ (لا إله إلا الله) على منائر المسلمين: ماست على شفتيك نغمة بلبل فانساب ماء الحب في الخد الجلي وتطايرت ومضات عينك أنجماً تُهْدى لكل مكبر ومهلل تسقي حُمَيا الموتِ ألف أمية أحدٌ هتفت بها لكل معطل نازلتهم وقذائف التوحيد من كفيك تهوي للجبان الأنذل فسحقت طاغوت الضلالة معلناً نصراً على رغم المهين الأعزل أبلال فاسلم يا سواد محاجر أشبهت إنسان العيون الأجمل

стр. 1333

محمد إقبال يفتخر بالمسلمين هذه قصيدة تهدى لكل طالب علم، ولكل داعية يترك أهله، ويترك الحواشي، ويترك بيته ساعات من الزمن ليخرج مع شباب الأمة، وليفقه في دين الله، وليعلم، وليبذل من وقته؛ لأن للوقت زكاة، وللعلم زكاة، وللعمر زكاة، وما خيرة الحياة أن يبقى الإنسان مع بنياته، ومع أطفاله، وفي مطبخه، والأمة ضائعة هائمة ما تجد من يوجهها، فلذلك يدعى كل شاب بهذه القصيدة، وكل من عنده ثقة، وكل من عنده عزيمة، وكل من يريد الله والدار الآخرة إلى أن يخرج إلى ساحة المسلمين، إلى أن يخرج مع شباب الإسلام، إلى أن يبذل من وقته، إلى أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، مثلما خرج أصحاب محمد ﷺ حتى يقول إقبال، يصف تلك النهضة التي بعثها محمد ﷺ وبثها في الناس، فخرجوا من المدينة، وبعد خمس وعشرين سنة أصبح بعض الصحابة والتابعين في بلاد السند، وفي طاشقند، وفي الأندلس، وأصبحوا في جنوب أفريقيا، يقول محمد إقبال يمدح الصحابة: ومن الذي رفع السيوف ليرفع اسـ ـمك فوق هامات النجوم منارا كنا جبالا في الجبال وربما سرنا على موج البحار بحارا بمعابد الأفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا لم تنسَ إفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا لو كان غير المسلمين لحازها حلياً وصاغ الكنز والدينارا أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا

стр. 1334

ربعي في موقف العزة دخل ربعي بن عامر، وهو شاب في سنٍ كأسنانكم، وثيابه ممزقة، ورمحه مثلم، وفرسه هزيل، دخل على رستم الكافر العاتي الفاجر، في معركة القادسية، قبل أن تبدأ المعركة، مع رستم ثلاثمائة ألف، ومع ربعي وهو مع سعد بن أبي وقاص في جيشه ثلاثون ألفاً، فلما دخل ربعي على رستم ضحك رستم وضحك وزراؤه، وقال رستم: جئتم تفتحون الدنيا بهذا الفرس المعقور، وهذا الرمح المثلم، وهذه الثياب الممزقة؟ فضحك ربعي ضحكة المنتصر الذي يعتز بدينه، والذي خرج من وطنه يرفع اسم الله قال: [[نعم. جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان، إلى عدل الإسلام]] وبعد ثلاثة أيام أتت هذه الخيول الهزيلة، والرماح المثلمة، والثياب الممزقة، فدكت - بإذن الله - إمبراطورية كسرى، وسوتها بالأرض، فأصبحت قاعاً صفصفاً، لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً. ودخل سعد فلما رأى قصر كسرى، قصر العمالة، قصر الضلالة، قصر البغي والعدوان والجهالة، دمعت عينا سعد دموع الفرح المبتسم المبتهج بنصر الله وقال: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عليهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٩] وهناك: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥]. إلى حيث ألقت رحلها أم قشعمِِ

стр. 1335

قصيدة عن شمولية الإسلام هذه القصيدة القيت في الرياض يا رياض الخير قد جئت وفي جعبتي أبها بلقياك تسامى حلفت لا تشرب الماء ولا تأكل الزاد ولا تلقى مناما أو ترى الأحباب في نجد فإن لم تجدهم صار ممساها حراما أنت يا جارتنا والجار لا يهجر الجار ولو باع الذماما ما ذكرت الرَّبع إلا زادني ذكره دمعاً على الخد وساما ومَن التي حلفت؟ هي: أبها، والضمير يعود إلى أقرب مذكور. إلى أن قلت: لا تحدثني عن العمران في أرضكم يا صاحِ والأهل يتامى بعض الناس يتصور أن العمران هو أن تبنى القصور الشاهقة، وناطحات السحاب، وأن تسفلت الطرق، وأن تكهرب، وأن تبنى الحدائق، وهذا كله عمران لكنه دنيوي، وأعظم العمران عمران القلوب والأرواح، وأن نسير إلى الله ، وأن نتحد في المسير إليه . أنا لا أرغب سكنى القصر ما دام قلبي في جثى الذل مُساما صل ما شئت وصم فالدين لا يعرف العابد من صلى وصاما أي: صلى وصاما فحسب، وظن أن هذه كل العبادة. واجعل السبحة مترين وخذ عُمَّة بيضاء واصبغها رخاما واترك العالم في غوغائه يتلظى في لياليه اضطراما أنت قسيس من الرهبان ما أنت من أحمد يكفيك الملاما تترك الساحة للأوغاد ما بين قزم مقرف يلوي الزماما للأوغاد: أي: لكل فاجر. أو دَعِيٍّ فاجر أوقع في أمتي جرحاً أبى ذاك التئاما لا تخادعني بزي الشيخ ما دامت الدنيا بلاءً وظلاما أنت تأليفك للأموات ما أنت إلا مترف حب الكلاما لأن هناك تأليفاً للأحياء، وتأليفاً للأموات، فتأليف الأحياء: أن يخلص الإنسان اتجاهه ومنهجه إلى الله، منتهجاً كتاب الله وسنة الرسول ﷺ ، ثم يأتي بهذا الكلام فيصبه في قلب كل شاب، وفي قلب كل مؤمن، فهذا التأليف للأحياء، والتأليف للأموات: أن يغلق عليه بابه، ثم يأتي بكتب السلف، فيتلقف ما كتبوا فيها، ويعارضه، ويدلل على بطلان مسمياته، فيزيد على الحواشي حواشياً، وعلى المتن متناً، وعلى الغبار غباراً، وهذا ليس بتأليف. كل يوم تشرح المتن على مذهب التقليد قد زدت قساما والحواشي السود أشغلت بها حينما خفت من الباغي حساما لا تقل شيخي كلاماً وانتظر عمر فتوى مثلكم خمسون عاما والسياسات حِمَىً محظورة لا تدانيها فتلقيك حطاما فخذ الأجيال في ساح الوغى واسق أعداء الهدى كأساً زؤاما رتل الحق بصوت الحق في لجة الأمواج لا تخش الزحاما صوتك المعروف فجر صادق فحنانيك تقدمنا إماما
следующие страницы →