Полный текст (10 391 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
قصيدة: صوت الريح
وهذا صوت الريح، يقول:
على كتلة من رمال الهموم رقدت لأسمع صوت الرياح
لأنسى بها كل ما زارني من الحزن حتى يزور الصباح
ففاجأني الليل في غمضة ثقيل الخطى جاثماً في الوشاح
فقلت: أما كان يكفي أسى مآسي حتى نكأت الجراح
فقال يقولون إن اللبيب إذا سَلَّ همته ما استراح
стр. 1332
قصيدة: بلال بن رباح
وأما بلال بن رباح فلنا معه عودة، يقول في بلال، وفي ندائه بـ (لا إله إلا الله) على منائر المسلمين:
ماست على شفتيك نغمة بلبل فانساب ماء الحب في الخد الجلي
وتطايرت ومضات عينك أنجماً تُهْدى لكل مكبر ومهلل
تسقي حُمَيا الموتِ ألف أمية أحدٌ هتفت بها لكل معطل
نازلتهم وقذائف التوحيد من كفيك تهوي للجبان الأنذل
فسحقت طاغوت الضلالة معلناً نصراً على رغم المهين الأعزل
أبلال فاسلم يا سواد محاجر أشبهت إنسان العيون الأجمل
стр. 1333
محمد إقبال يفتخر بالمسلمين
هذه قصيدة تهدى لكل طالب علم، ولكل داعية يترك أهله، ويترك الحواشي، ويترك بيته ساعات من الزمن ليخرج مع شباب الأمة، وليفقه في دين الله، وليعلم، وليبذل من وقته؛ لأن للوقت زكاة، وللعلم زكاة، وللعمر زكاة، وما خيرة الحياة أن يبقى الإنسان مع بنياته، ومع أطفاله، وفي مطبخه، والأمة ضائعة هائمة ما تجد من يوجهها، فلذلك يدعى كل شاب بهذه القصيدة، وكل من عنده ثقة، وكل من عنده عزيمة، وكل من يريد الله والدار الآخرة إلى أن يخرج إلى ساحة المسلمين، إلى أن يخرج مع شباب الإسلام، إلى أن يبذل من وقته، إلى أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، مثلما خرج أصحاب محمد ﷺ حتى يقول إقبال، يصف تلك النهضة التي بعثها محمد ﷺ وبثها في الناس، فخرجوا من المدينة، وبعد خمس وعشرين سنة أصبح بعض الصحابة والتابعين في بلاد السند، وفي طاشقند، وفي الأندلس، وأصبحوا في جنوب أفريقيا، يقول محمد إقبال يمدح الصحابة:
ومن الذي رفع السيوف ليرفع اسـ ـمك فوق هامات النجوم منارا
كنا جبالا في الجبال وربما سرنا على موج البحار بحارا
بمعابد الأفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا
لم تنسَ إفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا
كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا
لو كان غير المسلمين لحازها حلياً وصاغ الكنز والدينارا
أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا
стр. 1334
ربعي في موقف العزة
دخل ربعي بن عامر، وهو شاب في سنٍ كأسنانكم، وثيابه ممزقة، ورمحه مثلم، وفرسه هزيل، دخل على رستم الكافر العاتي الفاجر، في معركة القادسية، قبل أن تبدأ المعركة، مع رستم ثلاثمائة ألف، ومع ربعي وهو مع سعد بن أبي وقاص في جيشه ثلاثون ألفاً، فلما دخل ربعي على رستم ضحك رستم وضحك وزراؤه، وقال رستم: جئتم تفتحون الدنيا بهذا الفرس المعقور، وهذا الرمح المثلم، وهذه الثياب الممزقة؟ فضحك ربعي ضحكة المنتصر الذي يعتز بدينه، والذي خرج من وطنه يرفع اسم الله قال: [[نعم.
جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان، إلى عدل الإسلام]] وبعد ثلاثة أيام أتت هذه الخيول الهزيلة، والرماح المثلمة، والثياب الممزقة، فدكت - بإذن الله - إمبراطورية كسرى، وسوتها بالأرض، فأصبحت قاعاً صفصفاً، لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً.
ودخل سعد فلما رأى قصر كسرى، قصر العمالة، قصر الضلالة، قصر البغي والعدوان والجهالة، دمعت عينا سعد دموع الفرح المبتسم المبتهج بنصر الله وقال: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عليهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٩] وهناك: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥].
إلى حيث ألقت رحلها أم قشعمِِ
стр. 1335
قصيدة عن شمولية الإسلام
هذه القصيدة القيت في الرياض
يا رياض الخير قد جئت وفي جعبتي أبها بلقياك تسامى
حلفت لا تشرب الماء ولا تأكل الزاد ولا تلقى مناما
أو ترى الأحباب في نجد فإن لم تجدهم صار ممساها حراما
أنت يا جارتنا والجار لا يهجر الجار ولو باع الذماما
ما ذكرت الرَّبع إلا زادني ذكره دمعاً على الخد وساما
ومَن التي حلفت؟ هي: أبها، والضمير يعود إلى أقرب مذكور.
إلى أن قلت:
لا تحدثني عن العمران في أرضكم يا صاحِ والأهل يتامى
بعض الناس يتصور أن العمران هو أن تبنى القصور الشاهقة، وناطحات السحاب، وأن تسفلت الطرق، وأن تكهرب، وأن تبنى الحدائق، وهذا كله عمران لكنه دنيوي، وأعظم العمران عمران القلوب والأرواح، وأن نسير إلى الله ، وأن نتحد في المسير إليه .
أنا لا أرغب سكنى القصر ما دام قلبي في جثى الذل مُساما
صل ما شئت وصم فالدين لا يعرف العابد من صلى وصاما
أي: صلى وصاما فحسب، وظن أن هذه كل العبادة.
واجعل السبحة مترين وخذ عُمَّة بيضاء واصبغها رخاما
واترك العالم في غوغائه يتلظى في لياليه اضطراما
أنت قسيس من الرهبان ما أنت من أحمد يكفيك الملاما
تترك الساحة للأوغاد ما بين قزم مقرف يلوي الزماما
للأوغاد: أي: لكل فاجر.
أو دَعِيٍّ فاجر أوقع في أمتي جرحاً أبى ذاك التئاما
لا تخادعني بزي الشيخ ما دامت الدنيا بلاءً وظلاما
أنت تأليفك للأموات ما أنت إلا مترف حب الكلاما
لأن هناك تأليفاً للأحياء، وتأليفاً للأموات، فتأليف الأحياء: أن يخلص الإنسان اتجاهه ومنهجه إلى الله، منتهجاً كتاب الله وسنة الرسول ﷺ ، ثم يأتي بهذا الكلام فيصبه في قلب كل شاب، وفي قلب كل مؤمن، فهذا التأليف للأحياء، والتأليف للأموات: أن يغلق عليه بابه، ثم يأتي بكتب السلف، فيتلقف ما كتبوا فيها، ويعارضه، ويدلل على بطلان مسمياته، فيزيد على الحواشي حواشياً، وعلى المتن متناً، وعلى الغبار غباراً، وهذا ليس بتأليف.
كل يوم تشرح المتن على مذهب التقليد قد زدت قساما
والحواشي السود أشغلت بها حينما خفت من الباغي حساما
لا تقل شيخي كلاماً وانتظر عمر فتوى مثلكم خمسون عاما
والسياسات حِمَىً محظورة لا تدانيها فتلقيك حطاما
فخذ الأجيال في ساح الوغى واسق أعداء الهدى كأساً زؤاما
رتل الحق بصوت الحق في لجة الأمواج لا تخش الزحاما
صوتك المعروف فجر صادق فحنانيك تقدمنا إماما
стр. 1336
مع النبي ﷺ في هجرته
وقلت في وصول النبي ﷺ إلى المدينة:
عد بذكراك على قلب كسير راعه الحزن وأضناه المسير
حزناً من أمة غارقة في الأمالي وهي في نوم نكير
سامها الأعداء خسفاً فجثت تتحامى سطوة الباغي الحقير
خالفت نهج رسول الله بل نَسِيَت سيرته وهو البشير
في ضمير الكون سجلت الهدى وسقيت القلب من وحي نمير
كلما أبصرك القلب هفا حولك البِيْد رغاء وزئير
قاطع الصحراء وثباً للعلا دونما أي جواد أو بعير
والفيافي حالمات بالمنى عجباً من قلبك الفذ الكبير
هل درت أم القرى ماذا جرى لبِِسَتْ بعدك ثوباً من سعير
وبكى الغار على فرقاك لو أسْعَفَتْه الرجل أضحى في مسير
والرمال العُفْر صارت حللا تتلقاك بتصفيق مثير
والبشارات همت في يثرب كهنيء الغيث في اليوم المطير
والمحبون قليل صبرهم قبل لقياك ألا أين البشير
فدموع الحب تروي قصصاً إنما الحب دموع وزفير
شخصت نحوك أبصار الورى طلع البدر فذا ليل منير
ولكم أن تسألوا، ومن ليس عنده سؤال فليتهيأ بسؤال؛ لئلا تبقى الجلسة سرداً؛ لأننا نريد بعض المشاركة.
هذه القصائد فيها جديد وفيها قديم، وما أظنكم اطلعتم على: (مع بلال) أو (بلال ماسِت على شفتيك) ولا (متكبر) ولا (الهمة) ولا بعض المقطوعات، فأريد أن أعتذر؛ لأن الجديد يحتاج شيئاً من الوقت، وأنا وعدتكم بمقطوعة لكم خاصة هدية؛ لأنني فوجئت بتلك المقطوعة، فإن شاء الله تكون سَلَفَاً، وإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم.
стр. 1337
مع ابن المبارك
ابن المبارك: تعرفون أنه من علماء الأمة، كان يحفظ ما لذ وطاب، وكان يقول ما لذ وطاب، وهو صاحب تلك الأبيات التي قالها يوم خرج يبذل مهجته في سبيل الله، خرج من مكة، ومعه الفضيل بن عياض، فأبى الفضيل أن يخرج، وأما ابن المبارك فخرج ﵁ وأرضاه فقال له الناس: ابقَ معنا، فقال:
بغض الحياة وخوف الله أخرجني وبيع نفسي بما ليست له ثمنا
إني وزنت الذي يبقى ليعدله ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا
ولما أصبح ابن المبارك في الجبهة أتته رسالة من الفضيل يلومه على الخروج، فكتب إليه تلك الأبيات الرقيقة التي جُلُّكم يحفظها:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب
فأنا أشكر للأخ/ زيدان هذه المشاركة، وإن دل على شيء فإنما يدل على أنه يريد أن يتحف دعوته ونثره بشيء من الشعر، ويدوِّن منه خُطَبَه؛ ليكون من دعاة الإسلام، هو وأمثاله من شباب هذا الدين.
стр. 1338
رثاء
في سنن الترمذي: قال أحد الرواة: وقفت عائشة ﵂ على قبر أخيها عبد الرحمن فبكت ثم قالت:
وكنا كندماني جذيمة برهة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
وعشنا بخير في الحياة وقبلنا أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا
فلما تفرقنا كأني ومالكاً لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
فهي قد استشهدت بأبيات لـ متمم بن نويرة في أخيه مالك.
وأعتذر لمقالة الشيخ أن هذا قديم، ويريد الجديد، وأعتذر بأني شغلت عن الشعر بما أسأل الله أن يكون خيراً منه، وهو الحديث النبوي.
فقد يأخذ الشعر من وقت المسلم أكثر مما يراد، وإنما كل شيء بقدر: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق:٣] فأنا أبحث في الحديث النبوي، وهذا شرف شرفني الله به، أسأل الله أن يعيذني وإياكم من تبعاته، وأن يجعلنا ممن إذا علم شيئاً عمل به.
стр. 1339
الأسئلة
стр. 1340
إنشاد شعر الغزل في المسجد
السؤال
هل يجوز إنشاد شعر الغزل في المسجد؟
الجواب
أولاً: الشعر في الجملة: يجوز في المسجد إذا خلا من أمور:
ففي صحيح البخاري: ﴿أن حسان كان ينشد في المسجد، فلحظ إليه عمر فقال حسان: كنت أنشد وفيه من هو خير منك، فقال حسان إلى أبي هريرة: فقال: نعم﴾.
وكان ﷺ يقرب منبره لـ حسان، ويقول: ﴿اهجهم وروح القدس يؤيدك﴾.
ومما يروى أن كعب بن زهير أنشد: (بانت سعاد) في المسجد.
ولكن أورد ابن حجر في الإصابة حديثاً، يقول ﷺ : ﴿من سمعتموه ينشد في المسجد فقولوا: فض الله فاك﴾ فيُجمع بينهما: أن الشعر الإسلامي، والمطلوب، والذي يشيد بالدعوة وبالكتاب والسنة، هذا ينشد في المسجد.
أما إن كان شعراً فيه غزل أو مجون أو هجاء لأعراض الناس، فهذا لا ينشد في المسجد، ويُذَم.
أما الغزل العفيف فلا أرى بأساً، أن يفتتح به في قصيدة في المسجد.
مثل:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ متيم إثرها لم يفد مكبولُ
ومثل شعر حسان:
طوبى لمعتَرَك من الآرام قبل الأصيل كعاكف أو رامي
إلى آخر ما قال.
فمثل قصائده، تكون عفيفة، وبقدر الحاجة، وفي استهلال القصيدة، فلا بأس بذلك.
стр. 1341
قصيدة بانت سعاد
السؤال
سمعت أن قصيدة كعب بن زهير: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول، أنه ليس هو القائل، بل قائلها غيره، لما فيها من الغزل؟
الجواب
لا.
بل هو قائلها، وهو الذي اشتهرت عنه، وكتب السيرة تقول ذلك، وما قالها أحد غيره، وأما الغزل: فقد قلت لك: إنه قد قال الغزل من هو خير من كعب، كـ حسان في شعره، ولا بأس به إذا كان عفيفاً، ولم تُشَبَّه فيه النساء.
صل على من شق له طلعة القمر شفيع الملا يوم نبعث من القبور
وانت رفيقي لا تزود من الغرر وخذ لك متاعك واترك الفاني الغرور
أي: خذ متاعك من الدنيا، وهو الزاد: العمل الصالح، واترك الفاني الغرور: الذي هو العمل الذي لا يرضي الله إلى غير ذلك، لكن لا نشجع على النبطي؛ لأنه هدم للغة العربية، ومحاربة لها وللنحو وللغة الضاد، ولكتاب الله وسنة الرسول ﷺ ، بل المرجو إلغاء هذا النبطي، ومحاربته، ومحاصرته، والتضييق عليه، وتشجيع الكلمة الفصيحة، والشعر الفصيح؛ لأن هذا هو المطلوب.
стр. 1342
ذم الشعر الحر
السؤال
ما هو الشعر الحر؟
الجواب
الشعر الحر بارك الله فيك: ﴿ما أسكر كثيره فقليله حرام﴾ هذا الشعر الحر أصبح الناس على هذه الوتيرة كلهم شعراء، فيكفي أن الإنسان إذا أراد أن يقول كلاماً أن يأتي بكلام لا يفهمه الناس، فيقول: أنا شاعر، وأنا قد لا أقبل الحكم؛ لأن توجه بعض الناظمين والأدباء إلى الشعر العربي الفصيح المقفى الموزون.
فهم ما يقبلون حكمنا في هذا، ونحن كذلك ما نقبل قولهم، لكن لم يعرف عند العرب هذا الشعر، وإنما هو حادث، والبحور عند العرب (١٦) بحراً، وجعله بعضهم إلى (١٧) بحراً، ولكن ما عندهم (١٨) بحراً، أن يأتي بقصائد منثورة ومقامات، وخطب ومواعظ ومحاضرات، ويقول: هذه قصائد.
هذا شعر فرنسا، جاء من هناك.
стр. 1343
العرضة
السؤال
ما رأيك في (العرضة)؟
الجواب
نحن خرجنا من الأدب إلى الفتاوى، نقول في العرضة: لا تجوز، وليس هذا مجال بحثنا، وليست جائزة للرجال إذا كان فيها طبل ومزمار، لأنها من آلات العزف التي أخبر ﷺ أن الأمة سوف تستحلها.
стр. 1344
شعر سعد الشيرازي وفكرة وحدة الوجود
السؤال
أبيات الشيرازي سعد أليس فيها شيء من فكرة وحدة الوجود؟
الجواب
قد يكون فيها شيءٌ من فكرة وحدة الوجود، لكن أنا استدللت بها هذه الليلة في أمر، وهو أننا نحن وإياكم شيء واحد من الحب، أي: أننا متساوون في الحب ونتبادل الحب؛ لأننا أصبحنا هيكلاً واحداً كما يدعي أهل وحدة الوجود، ﴿وإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم﴾.
стр. 1345
أبها في أمسية شعرية
السؤال
نرجو أن تعطونا شعراً في مدينتكم؟
الجواب
وهذا موجود، وهذه قصيدة (أبها في أمسية شعرية) سوف تسمعونها بإذن الله:
أيها العاذل لا تعتب علي قد كفاني عذل نفسي يا أُخَي
أرعني سمعك فالقول الذي نمقوه الناس لم ينسب إلي
هاك أشواقاً عِذاباً تُجْتَلى أهدها (أبها) وعانقها وحَي
وامتدحني عندها فالمدح في لغة الأحباب محبوب لدي
فدموع الوجد في وجنتها كالظبا بين كداء وكُدَي
يابنة الأطياف أحسنت القِرى قد كفاني الزاد من شِبْع ورِي
دع بلاد الهند واهجر ذكرها عند (أبها) وتغافلْ عن دبي
واطَّرح روما ومن فضلها وكذا مدريد ما تِيْكُم بِشَيْ
أهلها كل همامٍ ماجد جده سعد وعمرو وعلي
وأنا مَلَّكْت قلبي حبَّه ويكَأن القلب بالتمليك وَيْ
حب من يتقي الله وما كان حبي حبَ غيلان لِـ مَيْ
هذه من قصائدي في (أبها).
стр. 1346
مدح العلماء
السؤال
اعطنا القصيدة التي فيها مدح العلماء؟
الجواب
القصيدة التي فيها مدح العلماء: مدحت الشيخ/ عبد العزيز بن باز، وسمعتم منها قبل أمس، ومنها:
قاسمتك الحب من ينبوعه الصافي فقمت أنشد أشواقي وألطافي
لا أبتغي الأجر إلا من كريم عطا فهو الغفور لزلاتي وإسرافي
عفواً لك الله قد أحببت طلعتكم لأنها ذكرتني سير أسلافي
يا دمع حسبك بخلاً لا تجود لمن أجرى الدموع كمثل الوابل السافي
يا شيخ يكفيك أن الناس قد شغلوا بالمغريات وأنت الثابت الوافي
أغراهم المال والدنيا تجاذبهم ما بين منتعل منهم ومن حافِ
وأنت جالست أهل العلم فانْتَظَمَتْ لك المعالي ولم تولع بإرجافِ
بين (الصحيحين) تغدو في خمائلها كما غدا الطل في إشراقه الضافي
" الصحيحين ": صحيحا البخاري ومسلم، وأوصي كل شاب مسلم بعد كتاب الله بـ (الصحيحين) أن يتبحر فيهما، وأن يكرر قراءتهما، وأن يجيدهما أكثر من تكرار كثير من الكتب التي لا تنفع.
стр. 1347
شرح أبيات شعرية في مدح الرسول ﷺ
السؤال
أرجو شرح البيت الثاني والثالث من القصيدة في مدح الرسول ﷺ ؟
الجواب
يقصد من القصيدة التي مدحت بها الرسول ﷺ :
الأماني على لسانك أحلى فأعد يا حبيب عصراً تولى
لم أُقَضِّ لَبانَة العيش فيه ودعاني المشيب لما أطلا
أعصر الليل في كئوس من الحز ن وأدعو الصباح حتى أملا
الأماني على لسانك أحلى: معروف.
فأعد يا حبيب عصراً تولى: والإنسان يتعلق بحبيبه وهو الرسول ﷺ .
لم أُقََضِّ: في هذا العصر.
لَبانَة العيش: لبانة العمر: أي: أنني دنا مني المشيب قبل أن أنتهي من الشباب.
أعصر الليل: هذا من الوجوه البلاغية.
في كئوس من الحزن، وأدعو الصباح حتى أملا: ولا فرجة للإنسان من ليل همومه، ولا ليل شهواته، ولا ليل معاصيه إلا بمنهج محمد ﷺ ، كما سلف في مناسبة قول ابن تيمية: من اعتقد أنه سوف يهتدي بهدى غير هدى الله الذي أرسل به محمداً ﷺ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، نعوذ بالله من ذلك، فلا بد للإنسان أن يخرج من ليله الذي يعيش فيه، وهو ليل المعصية وليل الغواية إلى صباح الهداية الذي أتى به محمد ﵊.
يا حبيب: لا يُقْصَد به الدعاء، وليس المقصود به هو الرسول ﷺ ، وإنما أي حبيب، وأنا جعلته كل أخ في الله ، وليس كل نداء مذموم، بل إن كان للاستغاثة أو لطلب العون، فهذا هو المذموم، وإلا فنحن نقول: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي والأحسن: ألا ينادى الرسول ﷺ سواء لاستغاثة أو لغيرها، أي: ألا يقول الإنسان: يا رسول الله.
стр. 1348
نونية وميمية ابن القيم
السؤال
هل تحفظ النونية والميمية لـ ابن القيم؟
الجواب
النونية أحفظ منها أبياتاً، منها: في الغناء.
من نونية ابن القيم في الغناء:
قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان
فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الـ إنسان كالنغمات بالأوزان
يا خيبة الآذان لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان
ويقول في وصف الصالحين في آخر الزمان، أن لهم أجر خمسين من الصحابة:
إسناده حسن ومصداق له في الترمذي فافهمه بالبرهان
إلى أخر ما قال.
стр. 1349
قصيدة ابن المبارك
السؤال
قلت لنا قصيدة:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب
من هو عابد الحرمين؟
الجواب
ابن المبارك يخاطب الفضيل بن عياض، سماه عابد الحرمين، أي: الحرم المكي، والحرم المدني.
يقول: يا عابد الحرمين! لو أبصرتنا ونحن في جبهات القتال؛ لأن ابن المبارك عالم زاهد معلم مرب، خرج يجاهد الكفار فيقول: يا عابد الحرمين!
كيف تلومنا، وتقول: أننا خرجنا في الجبهة، وتقول: لو أننا بقينا معك؟
فيقول:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب
لو رأيت كيف تضرب رءوسنا في سبيل الله، ودماؤنا تسيل في سبيل الله، وأنت تظن أن العبادة فقط محصورة في هذه الركعات أو التسبيحات! فكأنك تلعب بالعبادة؛ لأن الدين الإسلامي دين حياة، ودين جهاد، ودين كلمة، ودين دعوة، في المسجد، وفي المحراب، وعلى المنبر، وفي الساحة، ومقابلة العدو في كل مكان.
فـ ابن المبارك يريد أن يعمم الفهم لدى الفضيل بن عياض، فيقول:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
يقول: إذا كنت تبكي في الليل، فنحن دماؤنا تسيل علينا من نحورنا من الضرب في سبيل الله، والدم أغلى من الدمع.
ولا يخطر في الذهن أن قصد ابن المبارك بعابد الحرمين أنه يعبد الحرمين: مكة والمدينة؛ إنما يقول: يا عابد الحرمين، بمعنى: أنها صفة إضافية، مثل أن تقول: إمام الحرمين، أو كذا، لا أنه يعبدهما.
стр. 1350
نظم ونقد
السؤال
ما رأيك في هذين البيتين:
يا أرض أبها في الدنا فلتفخري لما حوت قرعاء كل غضنفر
أحلامهم تزن الجبال رزانةً ولهم من الأعمال فوق المشتري
الجواب
ميزة مخيمكم: كثرة الشعراء فيه، وكثرة النبوغ، والنابهين.
أجاد، ولكنه سرق نصف بيت.
يقول:
يا أرض أبها في الدنا فلتفخري لما حوت قرعاء كل غضنفر
هذا يدل على أنه شاعر، وسوف يكون شاعراً.
,الغضنفر: الأسد
أحلامهم تزن الجبال رزانة: هذا للفرزدق يقول:
أحلامنا تزن الجبال رزانة وتخالنا جناً إذا ما نجهلُ
فهو سرقها جزاه الله خيراً، وهذا تضمين، وليس سرقة؛ وليس اقتباساً؛ لأن الاقتباس: يكون من الآيات والأحاديث، والتضمين: أن يأخذ نصف بيت من شاعر قديم، فيجعله في قصيدته، أو يأخذ بيتاً ويشير إليه.
وبمناسبة القرعاء؛ هنا مقطوعة في القرعاء، لكن صاحب السؤال لا ينساه، حتى نأتيه في القرعاء:
في ربى القرعاء:
لك يا حديث العارفين منازل في كل قلب طيب الأردانِ
كم طهرتك دموع صبٍّ مغرمٍ نزحت به الفرقى عن الإخوانِ
رتلت آيات الحنين بنغمة تبكي القلوب بلوعة الهجرانِ
أحببتكم في الله حتى لم يعد لسواكم في القلب شخص ثانِ
من حبكم أوطانكم أحببتها ونسيت في أوطانكم أوطاني
لَمُخَيَّمٌ أنتم به يا إخوتي فيه القداسة مشرق العرفانِ
غرس البراعة في قلوبكم غداً متأرجاً بالرَّوح والريحانِ
انظر إلى القرعا تجدها مسجداً متجاوب الأرجاء بالقرآنِ
هل تذكرونا مثل ذكرانا لكم هذا الوفاء المحض يا إخواني
وبالمناسبة! أخبرني أحد الإخوة من الذين أتوا هذه المخيمات فقال: تهت في هذا المكان، فسمعت قبل ليلة من المايكرفون وهم يشرحون أبواب الطهارة، فوجدت من الأنس، وأنا في الليل، ومن الراحة والفرحة، واستحيت أن أدخل عليهم وهو يقصد مكانكم هذا.
وهل أعظم من أن تأتوا في هذا المكان فترتلون آيات الله البينات وتتدارسون أحاديث الرسول ﷺ ، وتشرحون أبواب العلم، هذا هو الشرف في الدنيا والآخرة.
стр. 1351
مداخلات ومشاركات
فيارب إن حانت وفاتي فلا تكن على شرجع يعلى بخضر المطارفِ
ولكنَّ قبري بطن نسر مقيله بجو السماء في نسور عواكف
وأمسي شهيداً ثاوياً في عصابة يصابون في فج من الأرض خائف
فوارس من شيبان ألَّف بينهم تقى الله نزالون عند التزاحفِ
إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى وصاروا إلى ميعاد ما في المصاحف
تعليق الشيخ على القصيدة:
الأمر الأول: الأخ/ محمد جزاه الله خيراً ذكرنا بالجهاد في سبيل الله والاستشهاد بهذه المقطوعة، وهذا من خير ما نحفظ، والخوارج يحفظ شعرهم، ولا بأس من الاستشهاد به؛ لأنهم من أجود الناس شعراً؛ ولكن مع ملاحظة ضلالتهم وانحرافهم عن منهج أهل السنة والجماعة.
والذي أريده من الأخ أن يواصل حفظ مثل هذه المقطوعات، التي تنفعه في الدعوة في سبيل الله إن شاء الله.
والأمر الثاني: أن يعتني أكثر؛ لأن بعض الأبيات فيها كسر؛ لأنه أقحم بعض الكلمات، ويعود إلى عيون الأخبار لـ ابن قتيبة؛ لأن المقطوعة موجودة فيها، و (العقد الفريد) لـ ابن عبد ربه.
السؤال
ما رأيكم في هذا البيت:
أحببتكم واللهُ يعلم أنني في القول لم أكذب ولم أتكلفِ
الجواب
هذا بيت مستقيم، وهو على نسق بيت لـ ابن الفارض، ونفس القافية، ونفس البحر، يقول ابن الفارض:
قلبي يحدثني بأنك مُثْلِجِي روحي فداك، عرفتَ أم لم تعرفِ
فيقول:
أحببتكم والله يعلم أنني في القول لم أكذب ولم أتكلفِ
فصدق جزاه الله خيراً، ما تكلف في البيت، ولا تكلف في الحب، ونحن نحبه كذلك، أحبنا الله وإياكم، وجعلنا من المتحابين فيه.
ويقول: فادع لي بالثبات والهداية.
نسأل الله أن يثبتنا وإياك وكل مسلم.
стр. 1352
مشاركة وسؤال
السؤال
يتحفنا هذا الأخ ببعض الأبيات ويقول: من قائل هذه الأبيات؟
رأيتُ الناسَ قد ذهبوا إلى مَن عنده ذهبُ
ومَن لا عنده ذهبُ فعَنْه الناسُ قد ذهبوا
رأيت الناسَ مُنْفَضَّةْ إلى مَن عنده فِضَّةْ
ومَن لا عنده فِضَّةْ فعَنْه الناسُ مُنْفَضَّةْ
رأيتُ الناسَ قد مالوا إلى مَن عنده مالُ
ومَن لا عنده مالُ فعَنْه الناسُ قد مالوا
الجواب
لا أعرف من قالها، وَلَيْتَه سكتَ! وما عليكم إلا أن تسمعوها، وهي مثل أبيات أحد الشعراء حيث يقول:
الليل ليلٌ والنهار نهارُ والأرض فيها الماء والأشجارا
أي: أنه لم يأت بشيء جديد.
ما أحسن الكلمات! ولكن المعنى ليس فيه شيء.
وبعض الشعراء اجتمعوا في مكان، ومعهم رجل لا يحسن الشعر، فقالوا: والله لا تقوم حتى تقول بيتاً، وهم بجانب نهر.
ففكر طويلاً، ثم نكس رأسه، ثم رفع رأسه فقال:
كأننا والماءُ مِن حولِنا قومٌ جلوسٌ حولهم ماءُ
هذا تكلف في الأبيات.
مثل مَن يقول:
كأننا والسقف من فوقنا قوم جلوس فوقهم سقفُ
стр. 1353
توبة الفضيل بن عياض
السؤال
هل كان الفضيل بن عياض فاسقاً في أول حياته؟
الجواب
الله أعلم، إنما نسب إليه أنه كان يعتدي في الطرقات وهو شاب، فأنصت لشيخ وهو يقرأ في الليل: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عليهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦] فبكى، وتاب، وأناب، وأصبح من العباد الكبار الذين نتولاهم ونشهد الله على محبتهم، ونسأل الله أن يحشرنا في زمرتهم.
خاتمة:
في ختام هذه الجلسة: أتوجه إلى الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يتجاوز عنا وعنكم سيئها في أصحاب الجنة، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وشكراً لكم على حسن إصغائكم.
وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 1354
كيف نعلم الناس ؟
رسالة المعلم في المؤسسات التعليمية عظيمة، فهو الذي يرسم للجيل الطريق، وهو قدوة الطلاب وقائدهم، وفي هذه الخطبة يخاطب الشيخ المعلمين، ويرشدهم إلى الطريق الذي ينبغي أن ينتهجوه، ويوضح دورهم في الحياة.
стр. 1355
أهمية العلم النافع
الحمد لله القائل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥].
والصلاة والسلام على رسول الله القائل: ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾ صلى الله وسلم على مؤسس حضارة الأمة, ومعلم الأجيال, وهادي الشعوب, والذي أقام صرح الحضارة, وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً, أمَّا بَعْد:
عباد الله: غداً يبدأ العام الدراسي، وتفتح الجامعات والمعاهد والمدارس أبوابها, وغداً يخرج شبابنا وكريماتنا لتلقي العلم النافع, وغداً تستهل السنة الدراسية يومها الأول.
و
السؤال
ما هو موقفنا من العلم؟
وما هو العلم الذي نريده؟
وما هو واجب العلم علينا؟
وما هي مسئولية الأساتذة الأخيار والمعلمين الأبرار تجاه شباب وكريمات الأمة، وأجيالها؟
غداً يومٌ يرسل الأب فيه فلذة كبده إلى الأساتذة والمعلمين, فماذا يفعلون بهذه الفلذة؟ وبهذه القلوب التي تجلس أمامهم؟
وما هو موقف الإسلام من العلم؟
أولاً: أيها الأبرار: لقد نادى الله بطلب العلم ومدحه، وأثنى على العلماء وبجلهم وذكرهم في كثير من الآيات, وذم صنفاً آخر من العلماء، ومقتهم وندد بهم، وذم مسعاهم.
يقول الله لرسوله في أول طرق الدعوة وخطواتها: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩].
قبل أن تبدأ في الدعوة والحياة والمسيرة عليك بطلب العلم، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] فاملأ قلبك بالإيمان, وجوارحك باليقين, وكن عبداً لله قبل أن تتعلم العلم.
ويقول الله له ممتناً عليه يوم أن أخرجه من بين جبال مكة ووهادها وشعابها -فإنه ما تعلم في مدرسة ولا دخل جامعة، ولا تلقى العلم على شيخ- قال الله له: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء:١١٣] فمن الذي علمك؟ من هم شيوخك؟ من هم أساتذتك؟ الله هو الذي علمك وفقهك ونوّر بصيرتك: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩].
واستشهد الله بالعلماء وطلبة العلم على أكبر شهادة في الدنيا, وأكبر شهادة عرفتها الإنسانية وهي شهادة التوحيد, فقال عز من قائل: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨] فانظر كيف جعلهم شهداء على وحدانيته, وألوهيته؛ وذلك لعظم قدرهم.
ووصف الله طلبة العلم بأنهم يخشونه ﵎, ويقفون عند حدوده, ولا ينتهكون حرماته, وبأنهم يراقبونه في السر والعلن.
فالذي لا يراقب الله ولا يخشاه ولا يتقيه ولا يتقه ليس بطالب علم, قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
ووصف الله طلبة العلم بأن عندهم من الفهم للدعوة، والفقه في الدين، والاستنباط من النصوص شيئاً كبيراً، فقال: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣] فالرسالة الخالدة والمبادئ الأصيلة، والأهداف الجليلة لا يعقلها إلا من يفهم عن الله أمره ونهيه.
ولم يأمر الله رسوله ﷺ بالتزود من شيء إلا من العلم فقال له: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤] لا يكتفي بعلم ولا يقف عند نص, وإنما همته تمر مر السحاب, كل يوم في ازدياد, وكل لحظة في تحصيل, وكل ليلة في مواصلة في هذا الصرح الجميل فهذا العلم هو الذي يغبط عليه صاحبه.
كل وقت في ازدياد العلم إرغام العدا وجمال العلم إصلاح العمل
لا تقل قد ذهبت أربابه كل من سار على الدرب وصل
والله حكم بين طلبة العلم وبين غيرهم فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] وسكت عن الجواب؛ لأنه لا يوجد للسؤال إلا جواب حاصل، ولا ينبغي أن يجاب للعلم به.
وقال : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١].
يا أيها المسلمون: يا أبناء من تعلموا العلم النافع الذي أوصلهم إلى الدرجات العليا في الجنة! أبناؤكم إذا لم يتعلموا العلم النافع، ويطلبوه لمرضاة الواحد الأحد، فأقلل به من علم! ويا لحسرة صاحبه! ويا لندامته وخسارته! علم لا يجعلك تشهد أن لا إله إلا الله، وتعظم الله فليس بعلم, وعلم لا يجعلك تحافظ على الصلوات الخمس في جماعة فليس بعلم, وعلم لا يجعلك باراً بوالديك وصولاً لرحمك صادقاً وفياً، خاشعاً منيباً متقياً سنياً ليس بعلم.
العلم ليس حفظ النصوص، فمن الناس من يحفظ القرآن ولكنه فاجر, يلعنه القرآن وتلعنه السنة, ومن الناس من يدهده بالكلمات ولكن قلبه ما عرف الله.
стр. 1356
التحول الجذري في الجزيرة العربية
العنصر الثاني: كيف حول النبي ﷺ الجزيرة العربية من جزيرة يسكنها بدو رحل, جزيرة لا تفهم ولا تفقه ولا تعي شيئاً, أهلها قتلة نهبة، سلبة سرقة، زناة كذبة، ولو ظن القوميون أن العرب لهم مجد قبل الإسلام, وأيُّ مجد؟ مجد الإبل والبقر والغنم! مجد القتل والنهب والحقد والضغينة؟! لا والذي رفع السماء بلا عمد, ما بدأ مجدنا وتاريخنا وعظمتنا، وما ارتفعت رءوسنا إلا بعد المصطفى ﷺ .
أتى ﵊ إلى الأمة الضائعة المسكينة الضالة، فهداها إلى الله, قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] لكن كيف علمهم؟ أعلمهم بالسوط والسيف؟ أعلمهم بالحبس والسجن؟ أعلمهم بالحديد والنار؟ لا والله، قال الله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] لو كنت سفاكاً ما اجتمعت عليك القلوب, ولو كنت قتالاً نهاباً ما أحبتك القلوب, لكن كما قال الله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٩] وقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
أتيت أيها المصطفى إلى العرب الذين هم كقرون الثوم، يتقاتلون على مورد الشاة ومربط الناقة, فأتيت بالخلق الفاضل، والبسمة, واللين, والرفق والنصيحة, فانقادت لك القلوب, فحررتها من وثنيتها وشركيتها وقدتها إلى الله.
إن الدعاة الذين يحاولون اليوم أن يصلحوا بالتجريح والعنف، وبالتعريض بالناس, وبالنقد لبعض العلماء الذين لهم زلات انغمرت في بحار حسناتهم؛ هؤلاء لا يفقهون ولا يعلمون، ويفسدون أكثر مما يصلحون, وسوف يعلمون أنه ليس بأيديهم نتيجة.
يرسل الله موسى وهارون إلى فرعون السفاك المجرم، وقال لهما: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] قال سفيان الثوري كما في تفسير ابن كثير: القول اللين أن يكنياه أي: نادياه بالكنية وكنية فرعون: أبو مرة، -مرّر الله وجهه في النار- فأخذ موسى يقول: يا أبا مرة، إذا أسلمت أنعم الله عليك بملكك وصحتك وشبابك.
فالرسول ﵊ جاء إلى هؤلاء البدو الرحل، الذين لا يتفاهمون إلا بلغة الهراوات والمشاعيب, فأتى إليهم بالهدوء واللين حتى قاد قلوبهم، يقول الله له من فوق سبع سموات: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٢ - ٦٣] إنها معجزة، كيف استطعت أن تؤلف بين غطفان وبني تميم؛ وتؤلف بين قريش والأوس والخزرج؛ وتؤلف بين هوازن وفزارة، حتى أصبحوا إخواناً متحابين متصافين متقاربين؟
стр. 1357
خطاب الناس على قدر عقولهم
أتى إلى النبي ﵊ بدوي جلف لا يفهم شيئاً، تربى مع التيس والكلب, فدخل على المصطفى ﷺ ، فأخذ جبته وسحبها وقال: يا محمد! أعطني من مال الله الذي عندك، لا من مال أبيك ولا من مال أمك.
فغضب الصحابة، وتبسم ﵊ حتى بدت نواجذه, وأراد الصحابة أن يبطشوا بهذا الأعرابي ويطرحوه أرضاً، فيضربوه ضرباً مبرحاً ينسيه أباه وأمه, فقال ﵊: خلوا بيني وبين الرجل وأخذه وشبك أصابعه بأصابعه، وأخذه يقوده إلى بيته ويمازحه ويلاطفه ويداعبه, ثم أتى به إلى غرفته وقال: خذ ما شئت من تمر وزبيب وحب وثياب, هل أحسنت إليك؟ قال: نعم.
جزاك الله من أهل وعشيرة خيراً قال: اخرج إلى أصحابي فأخبرهم بما فعلت بك، وبما قلت لي ليذهب غيظهم الذي وجدوه في أنفسهم عليك.
وخرج أمام الجماهير فقال له ﷺ : هل أحسنت إليك؟ قال: نعم.
جزاك الله من أهل وعشيرة خيراً, ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله, ما رأيت معلماً قبلك ولا بعدك أحسن منك.
فقال ﵊ للصحابة وهو يتبسم: ﴿أتدرون ما مثلي ومثلكم ومثل هذا الإعرابي؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: مثلنا كمثل رجل كانت له دابة انفلتت منه فأخذ يلاحقها، فلما رآه الناس أخذوا يلاحقونهها معه, فلما رأتهم ما زادها إلا فراراً, فقال: أيها الناس! خلوا بيني وبين دابتي أنا أعلم بها، فأتى بشيء من حشائش الأرض -أي: من خضار الأرض- وأخذ يلوح به أمام الدابة حتى أتت فأمسكها فقيدها, قال: لو تركتكم وهذا الأعرابي فضربتموه لكفر فدخل النار﴾.
وذهب الأعرابي إلى قومه، فكان داعية فيهم حتى أسلموا عن بكرة أبيهم, فسبحان من علمه! سبحان من ثبته! سبحان من سدد خطاه على هذا التعليم!
أفلا يأخذ الأساتذة الأخيار والمعلمون الأبرار درساً من هذا الأسلوب الراقي في تعليم شباب المسلمين؟! لقد أخطأ كثير من الأساتذة والمدرسين يوم استخدموا السوط في جلد البشر، وفي ضرب أبناء المسلمين.
إن العنف لا يولد إلا عنفاً, وإن البغض لا يأتي إلا ببغض.
يقول ﵊: ﴿ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه﴾ فالجمل إذا رأى منك صلفاً وحدة، قطع حباله وغضب عليك وناهش وباهش! فكيف بالأجيال؟ وكيف بأبناء المسلمين؟
والرسول ﵊ كان في تعليمه يخاطب الناس على قدر عقولهم, فأستاذ الابتدائي ليس كأستاذ الجامعة, فهو يريد أن يصل إلى عقول هؤلاء الناشئين وإلى أفهاهم, فلا ينبغي عليه أن يكبر عليهم المعلومات، ولا يحجم عليهم المقتضيات، وعليه أن يخاطبهم بقدر عقولهم.
جاء في صحيح البخاري أن أحد أطفال المسلمين -وهو أبو عمير أخو أنس - كان له نغر (طائر) يلعب به، فمات الطائر, فأراد ﷺ أن يسلي هذا الطفل، فلما ذهب إلى بيتهم سأل أمه عن حاله فأخبرته، فقال له ﷺ : ﴿يا أبا عمير ما فعل النغير؟﴾ قال أهل العلم: فيه درس عظيم على أن الناس يخاطبون على قدر عقولهم, وأن المعلومات تصلهم على قدر العقول.
وكان ﵊ إذا تكلم مع الأعراب خاطبهم بكلام يفهمونه, بكلام على مستواهم وعلى ما تبلغه أفهامهم, فإذا أتى إلى أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وجلة الصحابة، كلمهم في القضايا الكبرى.
стр. 1358
التعليم بالقدوة الحسنة
كان ﵊ في التعليم ينهج طرقاً شتى, منها: التعليم بالقدوة في نفسه, ووالله ما قال كلمة إلا عمل بها, ووالله ما دعا الناس إلى خير إلا كان أسبقهم إليه, كان يتأثر بما يقول, يدعو إلى الصدق وهو صادق, يدعو إلى الصلاة وهو مصلِّ, يدعو إلى الخشية وهو يخشى الله.
أما الذي يدعو وهو كاذب فلن يجعل الله في دعوته خيراً, ولن يكون لها تأثيرٌ, يدعو بعض الناس -ونعوذ بالله أن نكون منهم- إلى بر الوالدين وهو يعق والديه, ويدعو إلى صلة الرحم وهو قاطع لرحمه, فلا يجعل الله لكلامه نوراً ولا لدعوته تأثيراً, قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] أي: أما تستحون؟! تتكلمون كلاماً جميلا ًوتحاضرون وتؤسسون وتؤلفون، ولكن الأفعال تكذب الأقوال! أين الحياء من الله؟! خيبة لمن يفعل ذلك إن لم يتب الله عليه.
فكان ﵊ يربي بالقدوة، يراه أول من يفد عليه ساعة من الزمن فيهتدي بمرآه, لأنه يراه صادقاً أميناً مخلصاً، محباً للخير، قائداً إلى البر والتعاطف.
وكان ﵊ يربي بالتطبيق, فهل يعي الأساتذة هذا المبدأ؟ كان إذا أراد أن يعلم الناس الصلاة قام فصلى أمامهم.
إن كثرة الحصص النظرية والمحاضرات بلا تطبيق معناه: إدخال المعلومات في الأذهان وخروجها من الآذان.
جاء في الصحيحين عن سهل بن سعد الساعدي أن الرسول ﷺ قام على المنبر فقال: ﴿يا أيها الناس صلوا كما رأيتموني أصلي﴾ ثم قام فصلى لهم, فأراهم كيف يركعون ويسجدون، وكيف يخشعون ويسبحون.
فهل فكر أحد من الأساتذة بدلاً من أن يكتب كثيراً على السبورة معلومات لا تنفع أطفال المسلمين، أن يريهم الوضوء أو الصلاة, أو أن يريهم كيف يسبحون الله , أو أن يريهم هيئة صلاة الكسوف والاستسقاء وصلاة الخوف؟! ليكون علم التطبيق نافعاً محفوظاً مجدياً.
وكان ﵊ يضرب الأمثال المذهلة التي تبقى في النفوس فلا تزول, أراد أن يصف لهم فضل الصلوات الخمس, فماذا عسى أن يقول؟
في الجزيرة العربية القاحلة قال: ﴿أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل كل يوم منه خمس مرات, أيبقى من درنه شيء؟ -وتوقف الصحابة عند هذا المثال في الصحراء التي تلتهب، وتصوروا النهر وهو يمر أبوابهم وكأن الماء البارد يتدفق على رءوسهم- فقالوا: لا يا رسول الله! قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا﴾.
وورد مع الصحابة في السوق فرأى جدياً أسك ميتاً -ليس له أذان، ومع ذلك ميت- فرفعه بيده الشريفة وقال لأصحابه: ﴿من يشتري هذا بدرهم؟ قالوا: والله لو كان حياً ما يستحق درهماً لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟! قال: أفرأيتم هوانه على أهله؟ قالوا: من هوانه رموه في السكك قال: والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذا على أهله﴾ هذا هو التعليم ووضوح المنهج.
стр. 1359
أنواع العلم
والعلم علمان:
١ - علم ضار لا ينفع, وهو العلم الذي يسلخ الشاب من مبادئه ودينه، ومن تقوى الله وخشيته، فيخرج حاملاً الشهادة وهو فاجر, ويحمل مؤهلاً علمياً وهو فاسق، لا يعرف من الدين قليلاً ولا كثيراً.
فهذا هو العلم الضار، قال تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة:١٠٢] فعلم لا يصل إلى القلوب, ولا تدمع منه العينان, ولا يشدك إلى كثرة الذكر والتلاوة, والنوافل, ويجعلك داعياً ليس بعلم.
٢ - العلم النافع، وقد سبق تفصيله في بداية الكلام.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
стр. 1360
فضل المعلم ودوره في المجتمع
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً, وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً, وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً.
والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
أيها الأخيار فإنني أدعو كل معلم وأستاذ أن يتقي الله في أجيال المسلمين, وأن يخلص النية، وأن يصدق مع الله في تعليم شباب المسلمين, ولا يظن أنها مجرد وظيفة واستلام راتب وقضاء وقت, لا والله! فالأمر أعظم من ذلك, الأمر رسالة خالدة واتباع للرسول ﵊.
إن المعلم كاد أن يكون نبياً من الأنبياء, فإن أتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام وورثة الأنبياء هم الدعاة إلى الله والأساتذة والمعلمون.
فأدعو كل أستاذ إلى أن يكون مربياً متقياً، وأن يعلم أن هذه البلاد تختلف تماماً عن كل بلاد -أقصد من غير بلاد المسلمين- في التعليم والتوجيه, فنحن لسنا في فرنسا ولا أمريكا ولا الصين بل نحن في مهبط الوحي وقبلة المسلمين، وفي بلد الحرمين، نحن في بلاد انبعثت منها لا إله إلا الله, وانطلقت منها الدعوة الخالدة, وخرجت منها الكتائب التي فتحت بلاد الدنيا, وعلمنا يؤخذ من فوق سبع سموات، كتاب وسنة, ونسأل الله ألا نتعلم لغير الأغراض التي يريدها الله .
فيا أيها الأستاذ مهما كان تخصصك؛ تاريخاً، أو جغرافيا، أو رياضيات، أو تربية، أو علم نفس، فإنك معلم ومن المأجورين المشكورين في الإسلام, اجعل هذه المادة عبادة، وصلة تصل الشباب بربهم , فإنك -والله- مسئول عن هذا الدرس وعن هذه المادة التي تقدمها عند الله.
لقد أزرى الله وندد ببني إسرائيل يوم تعلموا وما استفادوا منه, غضب الله عليهم ولعنهم حيث قال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣] نقول: ما للبركة في أرزاقنا قلَّت؟ ما للشباب -إلا من رحم الله- فسد؟ ما للأجسام أصابها المرض؟ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ، ولو اتقينا الله في تطبيق العلم لرحمنا الله .
ووصف الله بني إسرائيل بأنهم كالحمير, تعلموا علماً لكن ما استفادوا منه, حمار يحمل مجلدات ومصنفات، فهل يستفيد الحمار؟! فدماغه دماغ حمار! تكلمه فلا يفهم, قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥] والآيات والأحاديث تقرأ في الفصل صباحَ مساءَ, ولكن كما قال الله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة:١٨].
стр. 1361
العمل بالعلم
يا شباب الإسلام هذا القرآن وهذه السنة، وهذه الجامعات والمعاهد والمدارس، ما أقيمت إلا لتقودكم إلى جنة عرضها السموات والأرض, فالخواجات يتعلمون للدنيا، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] وينتهي علمهم إلى المادة، ولكن ما وراء عالم الشهادة يخفقون فيه, قال تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦] وقال: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦] هذا مثل لعالِم السوء, ولطالب العلم الفاسق الفاجر.
رجل من بني إسرائيل اسمه " بلعام بن باعوراء " تعلم العلم، فأراد الله أن يرفعه بالعلم لكنه ما ارتفع؛ لأنه خسيس, جعل مكان التلاوة أغنية ماجنة, وجعل مكان المصحف مجلة خليعة, وجعل مكان الدروس وحلقات العلم رفقة السوء في المقاهي والملاهي، والليالي الحمراء، وليالي السوء في تاريخ الإنسان؛ فما اهتدى ولا ارتفع، قال : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف:١٧٥] يريد الله أن يكرم الإنسان فيأبى الإنسان, ويريد أن يلبسه ثوب الستر فيخلع ثوب الستر, ويريد أن يرفعه من الطين والرذيلة والفاحشة فيرفض!! فمثله كمثل الكلب، إذا أدخلته الظل أخرج لسانه ولهث واطرد نَفَسُه, وإن أخرجته في الشمس لهث وأخرج لسانه, فالظل والشمس سيان عند الكلب, ولذلك بعض الناس يتعلم ويسمع المواعظ والخطب والنصائح مما غيرت في حياته ذرة.
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف:١٧٥] فهو أغوى الناس, لأنهم يقولون: هذا خريج كلية الشريعة وأصول الدين، وهو فاسق! فيمكن أن يكون عنده دليل على جواز الفسوق والفجور! فقد أضل الناس، (وزلة العالِم زلة عالَم) والعالِم إذا زل زلّ به فئام كثيرة من الناس, قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ لو علم الله منه صدقاً لرفعه ولكنه ما ارتفع.
فيا أيها الأساتذة أروا الله من أنفسكم الصدق! ويا طلاب المسلمين! أروا الله من أنفسكم النصح، وطلب العلم لوجهه، والقوة في التحصيل.
إن هذه الدعوة تقام على علم, وإن من يهون من شأن العلم، أو يقلل من شأن الحلقات والدروس والتحصيل معناه أنه يضرب في صميم الإسلام، ويهدم بمعوله حصن الإسلام، ويدوس كرامة الإسلام.
الإسلام ما بني إلا على علم, وما نشر إلا بقال الله وقال رسوله؛ فبماذا ندعو الناس؟ أنصفف لهم كلمات؟! أنجعل لهم خطباً إنشائية رنانة طنانة لا علم فيها ولا توجيه ولا نصوص ولا أدلة؟!
غداً أيها المسلمون يبدأ هذا العام، ونسأل الله أن يكون عاماً حافلاً بالخير واليُمن, حافلاً بالصدق والنصح, وأن يتقي أساتذتنا ربهم فيما ولاهم الله جل وعلا, وأن يحملوا الأمانة بصدق، وأن يعلموا أن الله سوف يسألهم: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] وقال: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩].
عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه, فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلّى عليّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم على نبيك وحبيبك محمد، اللهم اعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين, اللهم ارض عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وعنا معهم بمنّك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم اجمع كلمة المسلمين, اللهم وحد صفوفهم, اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه, اللهم أخرجهم من الظلمات إلى النور, اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا, واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا, وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا.
اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة, ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا, ونسألك القصد في الغنى والفقر, ونسألك لذة النظر إلى وجهك, والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار, ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1362
مدرسة الاستهزاء
تحدث الشيخ حفظه الله عن الاستهزاء بالمؤمنين، وأنه قديم قدم الصراع بين الحق والباطل، وأنه لابد من وجوده في كل عصر ومكان، وقد آذى هؤلاء خير البشر، فكيف بنا نحن؟!
ثم تحدث عن الشائعات في الإسلام، وواجب الناس تجاهها، وأهمية سؤال أهل العلم عنها.
وختم حديثه بضرورة التوبة في كل زمان ومكان وعلى كل حال.
стр. 1363
الاستهزاء عبر التاريخ
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أيها المؤمنون! عنوان هذه الخطبة "مدرسة الاستهزاء".
وهي مدرسة قديمة أقامها الأفاكون المارقون ضد الصالحين عبر حقب التاريخ، وقد عاش مرارتها وقسوتها وبأسها رسولنا ﵊.
لقد مرغ الأفاكون عرضه في التراب، وشوهوا مسيرته، ونالوا من مبادئه، وأحرقوا وجدانه، فكان يقوم الليالي السود مجروحاً متأثراً شاكياً إلى ربه يقف في وادي نخلة، بعد أن طرده القريب والبعيد، وشوهت سمعته في مكة والطائف، ويشكو إلى الواحد الأحد، ويقول: ﴿اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس.
ثم يقول: إلى من تكلني، إلى بعيدٍ يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن رحمتك أوسع لي، لك العتبى حتى ترضى﴾.
كل يوم وهو ﵊ يدافع عن عرضه ونفسه ومبادئه بما استطاع، ويكلُّ أحياناً فيأتي الوحي من السماء، يدمغ أنوف المارقين المستهزئين.
стр. 1364
الاستهزاء في عهد الرسول ﷺ
جلس الرسول ﵊ مع أصحابه في المسجد يعلمهم ويربيهم ويزكيهم، وانطلق من الجلوس شاب صغير في السادسة عشرة من عمره، اسمه عمير بن سعد، مُلئ حكمة وإيماناً، ودخل على عمه وهو شيخ كبير في الستين من عمره، ولكن النفاق في قلبه كالجبال، يصلي مع الناس في المسجد، ولكنه مكذب بالرسالة والرسول.
قال له عمير بن سعد: يا عماه! سمعت الرسول ﷺ يخبرنا عن الساعة حتى كأني أراها رأي العين.
فقال الجلاس بن سويد -وهو عمه-: يا عمير! والله إن كان محمد صادقاً فنحن شر من الحمير.
فامتقع وجه عمير بن سعد، واهتز جسمه وانتفض كيانه؛ فقال: يا عم! ووالله إنك كنت عندي من أحب الناس، ووالله لقد أصبحت اليوم من أبغضهم إلى قلبي، يا عم! أنا بين اثنتين: إما أن أخون الله ورسوله فلا أخبر الرسول، وإما أن أقطع علاقتي بك وليكن ما يكن، وأخبر رسول الله ﷺ بما قلت.
ما معنى هذه الكلمة؟ معناها الكفر بلا إله إلا الله، والاعتراض على رسول الله ﵊.
قال الجلاس بن سويد: أنت طفل غرّ لا يصدقك الناس فقل ما شئت.
فذهب عمير وجلس أمام الرسول ﵊، وقال: ﴿يا رسول الله! إن عمي الجلاس بن سويد خان الله ورسوله، وقد تبرأت إلى الله ثم إليك منه، فلا علاقة لي به.
قال: ماذا قال؟ قال: يقول: إن كنت أنت صادقاً فهم شر من الحمير.
فجمع الرسول ﵊ الصحابة واستشارهم في هذا الكلام، فقالوا: يا رسول الله! إن هذا طفل لا تصدقه، وليس بواع، وهو ينقل الكلام وشاية، والجلاس بن سويد يصلي معنا، وهو شيخ كبير وعاقل.
فسكت ﵊ ولم يصدق هذا الشاب.
وسالت دموع الشاب، وانتفض جسمه، والتفت إلى السماء حيث القدرة وعلم الغيب، وحيث الذي يعلم السر وأخفى، وقال: اللهم إن كنت صادقاً فصدقني، وإن كنت كاذباً فكذبني.
فوالله ما غادر مجلسه وما قام من المسجد إلا وجبريل يهبط من فوق سبع سموات بالوحي المقدس ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [التوبة:٧٤]
واستدعى الرسول ﷺ الجلاس، وسأله عن الكلمة فحلف بالله ما قالها، فقال ﵊: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ [التوبة:٧٤] أما أنت يا جلاس فقد كفرت بالله، فاستأنف توبتك؛ لأن الله يقول: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ﴾ [التوبة:٧٤] واستدعى الرسول ﷺ عمير بن سعد وفرك أذنه وقال: مرحباً بالذي صدقه ربه﴾.
ماذا يستفاد من هذا؟ يستفاد أن هناك معسكراً يستمر مع الصالحين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يلغ هذا المعسكر في أعراض الصالحين كما تلغ الكلاب في الماء، ولا بد: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١].
يقول المتنبي:
كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم ويكره الله ما تأتون والكرم
ما أبعد العيب والنقصان عن ملأٍ هم الثريا وذان الشيب والهرم
ومعنى ذلك: أن المستقيمين على أمر الله، والطائعين لله، والخائفين منه من شباب الصحوة ودعاتها وعلماء الأمة وصالحيها، والذين يحملون سنته ﵊ يواجهون بحرب دعائية مفتعلة لا هوادة فيها، فهم يوصفون بالتطرف والتزمُّت، وقلة العقل، والتشديد والتنفير والتحريم، وتكليف الناس بما لا يطاق، إلى غير ذلك من العبارات، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ [الكهف:٥].
إن أتباع محمد ﵊ لم يسرقوا أراضي الناس بالغصب والقوة إن أتباع محمد ﵊ لم يضايقوا الناس في أرزاقهم إن أتباع محمد ﵊ لم يعطلوا مصالح الناس، ولم يستهزئوا بالفقراء، ولم يقفوا حجر عثرة في طريق المستضعفين: إنهم هم الذين يبينون الظلم ويكشفون أوراقه، ويقولون للظالم: اتقِ الله يا ظالم، ويقفون مع الفقراء والمستضعفين والمستذلين حتى يأخذوا حقهم الشرعي الذي أحقه الله لهم.
ولكن مع هذا كله! هناك صنف لا يعجبه هذا، يلحق الوشاية بحملة الشريعة، من القضاة، وأهل التمييز، والعلماء، وديوان المظالم، وكتاب العدل، ونجوم الدعوة، وحملة السنة، وأساتذة الجامعات والمربين كل هؤلاء يريد أولئك أن تسقط عدالتهم في الأمة؛ لأنهم يحمون دين الرسول ﵊، ويبلغونه غضاً طرياً للأمة.
فحذار من أولئك، وحذار من الإنصات إليهم.
وقد كشف الله أوراقهم، فما رأيناهم إلا لاغين، لاهين، طربين، عابثين، مسرفين، أسرفوا في الأموال وضيعوها، ولعبوا بالأوقات وأنفقوها، وتهتكوا في الأعراض ومزقوها، فكلما نصحتهم وصفوك بأنك عنيد جاف غليظ متزمت.
حملة الشريعة يقومون في الثلث الأخير من الليل، ويحفظون كتاب الله في حين تجد أولئك يسهرون على اللعب المحرمة، وعلى الأعراض المشوهة، يمزقون أعراض المسلمين، فدخلهم حرام، وكلامهم حرام، وليلهم حرام، ونهارهم حرام، ومع ذلك لا يحرص أحدهم على أن يتعلم سنة محمد ﵊، فتجده في واد والسنة في واد آخر.
قام نفر في عهده ﵊ في تبوك فاتهموا الرسول ﵊ وأصحابه بأنهم جبناء لا يستطيعون المواجهة، وأنهم يأكلون كثيراً، فاستدعاهم ﵊ في صباح اليوم التالي، فسألهم وحجهم، فقالوا: يا رسول الله! معذرة، إنما كنا نخوض ونلعب.
فأنزل الله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ.
لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] والمعنى: أنهم خرجوا من الملة بكلمة واحدة قالوها في عرض الرسول ﵊ وفي عرض أصحابه.
стр. 1365
الاستهزاء في واقعنا المعاصر
وما أدري ماذا يعجب هؤلاء؟!!
هل يريدون أن تتحول الأمة إلى أمة تشجع الكرة، أو أمة تحمل الفن وتشجع الفنان والأغنية، أو تتحول الأمة إلى أمة لاهية لا تحمل رسالة، ماذا يريدون صراحة؟ ما هو الحل الذي يرضيهم؟
إن تمسك الشباب بالسنة بغّضُوهم إلى المجتمع وحذروا منهم الأمة، وشبابنا وشباب العالم الإسلامي الذي تمسك بالسنة تاج على جبين هذه الأمة، فلا تطرف ولا تمزق ولا عنف ولا خروج عن المعهود.
أهم أفضل أم أولئك الملأ من الشباب الذين خرجوا عن معالم الإسلام، يتزلجون على الثلج في العطل الصيفية، ويسافرون إلى المدن اللواتي تعرفونها بالفساد والخيبة والندامة، فيصرفون الملايين المملينة؟
وإن حضروا ما شهدوا الصلاة، وإن قرءوا ففي غير المصحف، وإن شهدوا فبغير الحق، وإن استمعوا فلغير القرآن، وإن حضروا فإلى غير المساجد والندوات والمحاضرات، وإن غضبوا فلغير انتهاك الحدود والمحرمات.
فأي أولئك أسعد وأحسن وأبرك؟ ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦].
لقد وجدنا الملتزمين أكثر الناس دفاعاً عن المبادئ، وعن البلاد الإسلامية في فلسطين وأفغانستان تحت دبابات الغزو المستعمر، وفي الخفجي تحت نيران البعث، فهل كانت لهم جريرة؟ وهل كان لهم ذنب؟!
لشتان ما بين اليزيدين في الندى يزيد بن عمرو والأغر بن حاتم
هم الفتى الأزدي إتلاف ماله وهم الفتى القيسي جمع الدراهم
ولا يحسب التمتام أني هجوته ولكنني فضلت أهل المكارم
>>
قال الله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩] وقال أيضاً: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ.
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ.
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٦]
أيها المسلمون! يروى عنه ﵊ أنه قال: ﴿يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بلقبه، لا تتبعوا عورات المؤمنين، فإن من تتبع عورة مؤمن تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في عقر داره﴾.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
стр. 1366
الشائعات في الإسلام
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
أمَّا بَعْد:
أيها الناس! إن ضعاف النفوس يتلقون الشائعات ثم يفشونها في الناس وينشرونها في المجالس، وقبل أيام كثر الحديث عن شائعة أن مولوداً ولد لأمه، فلما وضعته في الأرض تكلم، وأخبر أن في الشهر السادس الداخل هذا سوف تقع حوادث ووقائع وكائنات، ويحذر الناس هو من هذا الشهر ثم مات، فماذا كانت ردة الفعل؟
كان الذين حظهم من العلم الشرعي والفقه الشرعي في الدين قليل خائفين وجلين من هذه الشائعة، فمنهم من جدد توبته مصدقاً لهذا الطفل، ومنهم من أعلن أنه سوف يترك المعاصي، ومنهم من سهرت عينه خوفاً من الوقائع والكوارث، وهذه عجائب بعضها أدهى من بعض.
стр. 1367
واجب الأمة تجاه الشائعات
أما أهل العلم فقرروا أموراً:
أولاً: لا يعلم الغيب إلا الله ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥] ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩] فلا يعلم متى تقوم الساعة، ولا متى تأتي القيامة إلا الله، ولا يعلم متى ستنتهي الدنيا إلا الله، فليس لأحد من الناس أن يعلم شيئاً من علم الغيب إلا من أطلعه الله على علم الغيب من رسله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، وليس لأحد أن يصدق هؤلاء الكذبة الأفاكين المارقين.
الأمر الثاني: من هدي الإسلام أنه إذا شاعت شائعة أن يعودوا إلى أهل العلم والدعوة فيسألونهم مباشرة، قال عن المرجفين والمروجين للشائعات، والمحبين لإشاعة الشائعات والفواحش: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] فالواجب الرد إلى أهل العلم وسؤالهم مباشرة عن الكائنة إذا كانت، وعن الشائعة إذا شاعت.
الثالث: عجباً لهذه الأمة! لا تتوب إلا إذا سمعت شائعة، ولا تعود إلى الله إلا إذا هددت ببركان أو زلزال، فكم أصابتنا من السياط؟! وكم لدغتنا من اللوادغ ونحن نراوح في حالنا وفي مكاننا لا نتعداه؟! ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة:١٢٦].
стр. 1368
التوبة واجبة في الشدة والرخاء
الناس في الرخاء يضحكون على أنفسهم، وإذا اشتدت بهم الفتن والكوارث والمحن أعلنوا عهداً جديداً لله أن يفوا معه، ثم يخونون ربهم، يتوبون الآن من شائعة قالها مروج كذاب على لسان طفل ما قال ولا تكلم ولا نطق، فيعلنون أنهم سوف يحضرون صلاة الجماعة، ويحافظون على قراءة القرآن، وينتهون عن الكبائر والمخالفات، فإذا بردت الشائغة رُدوا لما كانوا عليه وعادوا إلى حالهم الأول، وهو فعل الذين خالفوا أمر الله ونسوا موعوده.
أيها الناس! إن الواجب علينا أن نتوب إلى الله توبة نصوحاً، وأن نستعد للقائه ، وأنه قد يموت الواحد منا قبل الوقت المؤجل الذي حُدد في الشائعة المذكورة، ومن يدري؟ ومن يعلم؟ لعله أن يموت اليوم، فليتهيأ وليتجهز.
وبادرن بالتوبة النصوح قبل احتضار وانتزاع الروح
لا تحتقر شيئاً من المآثم وإنما الأعمال بالخواتم
ومن لقاء الله قد أحبا كان له الله أشد حبا
وعكسه الكاره فالله اسأل رحمته فضلاً ولا تتكل
فتوبة نصوحاً أيها الناس، وعودة إلى الله، وتصديقاً بالوحي، وإقراراً مع الفقه في الدين وسؤال أهل العلم.
عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾.
стр. 1369
من أحكام التعزية
وقبل أن أنتهي من هذه الخطبة هنا فتوى عن مسألة انتشرت في المنطقة ولم تنكر، وأصبحت سائدة كأنها من السنة، وهي: حكم الاجتماع في التعزية.
السؤال
يسأل بعض الإخوة عن حكم اجتماع بعض الناس في بيت الميت وقت التعزية، وجلوسهم ثلاثة أيام في هذا البيت، سواء صُنع لهم طعام في بيت الميت أم لا، فهل هذا من السنة؟ وهل ورد فيه شيء عن الرسول ﵊؟
الجواب
الحمد لله، السنة تعزية المصاب من المسلمين بقولك له: (آجرك الله وغفر الله لميتك) ونحو ذلك، والسنة إرسال الطعام لأهل الميت؛ لاشتغالهم بالمصيبة، لقوله ﵊ في حديث عبد الله بن جعفر ﴿اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم﴾ رواه الخمسة، وصححه ابن السكن والترمذي، وأخرجه أحمد وابن ماجة والطبراني من حديث أسماء بنت عميس، وهو حديث صحيح.
ولا يجوز اجتماع الناس في بيت الميت لاستقبال الناس، سواء صُنع لهم طعام أم لا؛ لحديث جرير بن عبد الله البجلي قال: ﴿كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعه الطعام بعد دفنه من النياحة﴾ رواه أحمد وابن ماجة وهو حديث صحيح.
فالسنة تعزية صاحب المصيبة عند القبر، أو في الطريق، أو بالذهاب إلى بيته بدون تجمع، أو بالاتصال به، وليس من السنة ذهاب القبيلة أو غالبها أو جماعة منها إلى قبيلة أخرى من أجل التعزية، فهذا لم يفعله رسولنا ﷺ ، ولا أصحابه ولا التابعون لهم بإحسان، وهذا من البدع المخالفة للشريعة الإسلامية.
وأشد من هذا وأخطر نصب الخيام، وصنع الطعام، واجتماع الناس في بيت الميت، مع مافي ذلك من مفاسد كتعطيل الناس عن أعمالهم، وكثرة الكلام بغير ذكر الله، وحصول المزاح واللغو والضحك.
فالواجب النهي عن هذا من قبل أئمة المساجد وخطباء الجوامع ومشايخ القبائل، والله أعلم.
أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية، وأسأل الله لنا ولكم الحفظ والرعاية، وأن يعصمنا من البدع ومن مضلات الفتن، وأن يجمع قلوبنا على طاعته.
وأسأله أن يرضى عن أصحاب رسوله وعن التابعين لهم بإحسان، وأن يصلح ولاة الأمر وأن يهديهم سبل السلام، وأن يوفق المسلمين لكل خير.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1370
نعم الله
نعم الله علينا عظيمة، من انسلخ منها فمثله كمثل الكلب، كما بين الله ذلك، وفي هذه المادة بيان للشكر وبماذا يكون، وذكر بعض الأمثلة على كفر النعمة وجحودها كقصة بلعام بن باعوراء مع موسى ﵇، ثم قوم سبأ وما فعل الله بهم من تدمير وتشتيت.
следующие страницы →