← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

الشائعات في الإسلام الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين. أمَّا بَعْد: أيها الناس! إن ضعاف النفوس يتلقون الشائعات ثم يفشونها في الناس وينشرونها في المجالس، وقبل أيام كثر الحديث عن شائعة أن مولوداً ولد لأمه، فلما وضعته في الأرض تكلم، وأخبر أن في الشهر السادس الداخل هذا سوف تقع حوادث ووقائع وكائنات، ويحذر الناس هو من هذا الشهر ثم مات، فماذا كانت ردة الفعل؟ كان الذين حظهم من العلم الشرعي والفقه الشرعي في الدين قليل خائفين وجلين من هذه الشائعة، فمنهم من جدد توبته مصدقاً لهذا الطفل، ومنهم من أعلن أنه سوف يترك المعاصي، ومنهم من سهرت عينه خوفاً من الوقائع والكوارث، وهذه عجائب بعضها أدهى من بعض.

стр. 1367

واجب الأمة تجاه الشائعات أما أهل العلم فقرروا أموراً: أولاً: لا يعلم الغيب إلا الله ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥] ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩] فلا يعلم متى تقوم الساعة، ولا متى تأتي القيامة إلا الله، ولا يعلم متى ستنتهي الدنيا إلا الله، فليس لأحد من الناس أن يعلم شيئاً من علم الغيب إلا من أطلعه الله على علم الغيب من رسله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، وليس لأحد أن يصدق هؤلاء الكذبة الأفاكين المارقين. الأمر الثاني: من هدي الإسلام أنه إذا شاعت شائعة أن يعودوا إلى أهل العلم والدعوة فيسألونهم مباشرة، قال عن المرجفين والمروجين للشائعات، والمحبين لإشاعة الشائعات والفواحش: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] فالواجب الرد إلى أهل العلم وسؤالهم مباشرة عن الكائنة إذا كانت، وعن الشائعة إذا شاعت. الثالث: عجباً لهذه الأمة! لا تتوب إلا إذا سمعت شائعة، ولا تعود إلى الله إلا إذا هددت ببركان أو زلزال، فكم أصابتنا من السياط؟! وكم لدغتنا من اللوادغ ونحن نراوح في حالنا وفي مكاننا لا نتعداه؟! ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة:١٢٦].

стр. 1368

التوبة واجبة في الشدة والرخاء الناس في الرخاء يضحكون على أنفسهم، وإذا اشتدت بهم الفتن والكوارث والمحن أعلنوا عهداً جديداً لله أن يفوا معه، ثم يخونون ربهم، يتوبون الآن من شائعة قالها مروج كذاب على لسان طفل ما قال ولا تكلم ولا نطق، فيعلنون أنهم سوف يحضرون صلاة الجماعة، ويحافظون على قراءة القرآن، وينتهون عن الكبائر والمخالفات، فإذا بردت الشائغة رُدوا لما كانوا عليه وعادوا إلى حالهم الأول، وهو فعل الذين خالفوا أمر الله ونسوا موعوده. أيها الناس! إن الواجب علينا أن نتوب إلى الله توبة نصوحاً، وأن نستعد للقائه ، وأنه قد يموت الواحد منا قبل الوقت المؤجل الذي حُدد في الشائعة المذكورة، ومن يدري؟ ومن يعلم؟ لعله أن يموت اليوم، فليتهيأ وليتجهز. وبادرن بالتوبة النصوح قبل احتضار وانتزاع الروح لا تحتقر شيئاً من المآثم وإنما الأعمال بالخواتم ومن لقاء الله قد أحبا كان له الله أشد حبا وعكسه الكاره فالله اسأل رحمته فضلاً ولا تتكل فتوبة نصوحاً أيها الناس، وعودة إلى الله، وتصديقاً بالوحي، وإقراراً مع الفقه في الدين وسؤال أهل العلم. عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾.

стр. 1369

من أحكام التعزية وقبل أن أنتهي من هذه الخطبة هنا فتوى عن مسألة انتشرت في المنطقة ولم تنكر، وأصبحت سائدة كأنها من السنة، وهي: حكم الاجتماع في التعزية. السؤال يسأل بعض الإخوة عن حكم اجتماع بعض الناس في بيت الميت وقت التعزية، وجلوسهم ثلاثة أيام في هذا البيت، سواء صُنع لهم طعام في بيت الميت أم لا، فهل هذا من السنة؟ وهل ورد فيه شيء عن الرسول ﵊؟ الجواب الحمد لله، السنة تعزية المصاب من المسلمين بقولك له: (آجرك الله وغفر الله لميتك) ونحو ذلك، والسنة إرسال الطعام لأهل الميت؛ لاشتغالهم بالمصيبة، لقوله ﵊ في حديث عبد الله بن جعفر ﴿اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم﴾ رواه الخمسة، وصححه ابن السكن والترمذي، وأخرجه أحمد وابن ماجة والطبراني من حديث أسماء بنت عميس، وهو حديث صحيح. ولا يجوز اجتماع الناس في بيت الميت لاستقبال الناس، سواء صُنع لهم طعام أم لا؛ لحديث جرير بن عبد الله البجلي قال: ﴿كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعه الطعام بعد دفنه من النياحة﴾ رواه أحمد وابن ماجة وهو حديث صحيح. فالسنة تعزية صاحب المصيبة عند القبر، أو في الطريق، أو بالذهاب إلى بيته بدون تجمع، أو بالاتصال به، وليس من السنة ذهاب القبيلة أو غالبها أو جماعة منها إلى قبيلة أخرى من أجل التعزية، فهذا لم يفعله رسولنا ﷺ ، ولا أصحابه ولا التابعون لهم بإحسان، وهذا من البدع المخالفة للشريعة الإسلامية. وأشد من هذا وأخطر نصب الخيام، وصنع الطعام، واجتماع الناس في بيت الميت، مع مافي ذلك من مفاسد كتعطيل الناس عن أعمالهم، وكثرة الكلام بغير ذكر الله، وحصول المزاح واللغو والضحك. فالواجب النهي عن هذا من قبل أئمة المساجد وخطباء الجوامع ومشايخ القبائل، والله أعلم. أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية، وأسأل الله لنا ولكم الحفظ والرعاية، وأن يعصمنا من البدع ومن مضلات الفتن، وأن يجمع قلوبنا على طاعته. وأسأله أن يرضى عن أصحاب رسوله وعن التابعين لهم بإحسان، وأن يصلح ولاة الأمر وأن يهديهم سبل السلام، وأن يوفق المسلمين لكل خير. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1370

نعم الله نعم الله علينا عظيمة، من انسلخ منها فمثله كمثل الكلب، كما بين الله ذلك، وفي هذه المادة بيان للشكر وبماذا يكون، وذكر بعض الأمثلة على كفر النعمة وجحودها كقصة بلعام بن باعوراء مع موسى ﵇، ثم قوم سبأ وما فعل الله بهم من تدمير وتشتيت.

стр. 1371

المنسلخ عن آيات الله الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: فيقول الله في محكم كتابه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * ولَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦] ضرب الله هذا المثل لكل من جحد نعمته، ورد معروفه ، فإن كثيراً من الناس ينعم الله عليهم بنعم ظاهرة وباطنة فيكفرونها ويجحدونها؛ فيسلبها منهم، ثم ينكل بهم جزاء ما جحدوا من المعروف وأنكروا من الجميل. وكثيرٌ من الناس يمنحهم الله الشباب، فيفسدون به، ويستغلونه فيما يبعدهم عنه فيسلب الله نعمة الشباب منهم. وكثيرٌ منهم يرزقهم الله الصحة في الأجسام، فلا يُرونَ الله ثمرة هذه الصحة ولا العافية، فيأخذهم الله بهذا. وكثيرٌ يمنحهم الله الأموال فلا يؤدون حق الله فيها، بل يجعلونها سلماً إلى المعاصي، وسبباً في المنكرات والفواحش، فيأخذهم الله ، ويحاسبهم بأموالهم. فالله يقول: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ [الأعراف:١٧٥] وهذا الرجل اسمه بلعام بن باعوراء من بني إسرائيل، منحه الله نعمة العلم والفهم والفقه، ولكنه لم يستغلها فيما يقربه من الله ، بل نسي حق الله وموعوده، ونسي أمره ثم عصاه، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف:١٧٥]. هذا الرجل كما قال أهل التفسير: كان مع موسى ﵇، وعلمه الله التوراة فلما تعلمها ذهب إلى قوم كفار ليفاوضهم على الصلح مع موسى ﵇، فلما رأى دنياهم، وكنوزهم، وذهبهم، وفضتهم، استهواه هذا؛ فكفر بالله العظيم، وقدم الدنيا على الآخرة، وقدم موعود أهل الدنيا على موعود رب الدنيا والآخرة؛ فسلب الله نعمة الفقه والفهم منه، وتركه بليداً كالحمار، ومؤخراً كالخنزير، ونجساً كالكلب، نعوذ بالله من ذلك. حتى قال : ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٧٦] لو شئنا أن يرتفع بلا إله إلا الله وبمعناها؛ لرفعناه بها. وهذا جزاء العبد الذي يرتفع بالطاعة، والذي يحب أن يتقرب إلى الله بطاعته فيرفعه الله، وأما العبد الذي يتأخر إلى المعصية، ويتأخر عن كل ما يقربه من الله، فلا يزال يتأخر حتى يؤخره الله، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٧٦] أي: قدم الدنيا على الآخرة. قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٦]. يقول عز من قائل: مثل هذا الرجل مثل الكلب، والكلب من طبيعته أنه يلهث، فهو يمد لسانه ويلهث سواء في الظل أو في الشمس، فهذا مثل رجل يلهث في الجهل والمعصية، سواء تعلم أو لم يتعلم؛ لأن قلبه خبيث؛ ولأن فيه مكراً؛ ولأنه صادٌ عن الله ، وإلا فلو كان فيه خير يوم أن قربه الله إليه لعرف النعمة والجميل، ولعرف عطاء الله فانقاد إليه.

стр. 1372

كفران النعم سبب لعذاب الله وضرب الله مثلاً في القرآن للأمم والشعوب، يوم تنحرف عن منهج الله ، وتترك طرق المساجد، وتميل إلى الخمارات. يوم تترك سماع كتاب الله ، وتميل إلى سماع الغناء. يوم تنحرف عن منهجه ﷺ وسنته المطهرة، وتميل إلى كتب الشياطين؛ شياطين الإنس والجن، ويوم تعكف وتسهر على الأفلام، والأغاني الماجنة، ويوم ترخص قيمها ومبادؤها ودينها وأخلاقها، وسنة نبيها ﷺ ، ماذا يصنع الله بها؟ يدمر شبابها، ويبعد علماءها، ويبتلي إناثها ونساءها، فتبقى أمة مظلومة مهضومة متأخرة، يبتليها الله بالخوف والجوع. يقول عز من قائل: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢]. قال أهل العلم: لا تزال كل قرية في أمن الله ما أقامت فروضه، وما نهت عن المعاصي التي تغضبه، فإذا انحرفت أخذها الله كما يأخذ الظالم ثم لا يفلتها أبداً، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾ [الطلاق:٨ - ٩]. أعد الله لهم عذاباً شديداً في الآخرة، ما كفاها عذاب الدنيا، بل أعد الله لها الخزي والعار والدمار والنار؛ لأنها انحرفت عن منهج الله. فتشوا واسألوا كل مدينة وكل قرية أخذها الله في هذا العصر، أو قبل هذا العصر، واسألوا جيراننا، ومن حولنا ومن دوننا: مالهم ابتلوا بالحروب والمنكرات والفواحش والبعد عن الله؟! إنما ابتلوا بذلك لأنهم عصوا أمر الله، وخرجوا عن طاعته ، ويوم أن يعود الشخص إلى الله ولو ببصيص من نور؛ ينصره ويؤيده، ويسدده ويهديه. وقد جربنا وجرب غيرنا، وسمعنا وسمع غيرنا، أن أناساً كثيرين وقفوا في وجه الطغيان، في وجه اليهود، فما استطاعوا أن يقفوا أمامه؛ لأنهم أهل معاصٍ؛ ولأنهم خرجوا عن لا إله إلا الله، حتى أتى في هذا العصر حفنة قليلة من الناس في أفغانستان، تسجد لله، وتعترف به، وتتحاكم إلى شرعه، فوقفت في وجه أكبر قوة من قوى الأرض. فلما رجعوا إلى الله أراهم نصره، ورفع لهم كلمة لا إله إلا الله، وثبت أقدامهم. فكيف لو رجعت الأمة كلها إلى الله ؟! والله لو رجعنا إلى الله لما كان في الدنيا يهود يسيطرون على بلاد الله، وعلى عباده، ويمتهنون شرائعه. والله لو رجعنا إلى الله لما كان هناك جوع ولا خوف، ولا دمار ولا نار، ولا عار ولا شنار، لكننا لما تخاذلنا عن أن نجتمع في بيوت الله، وأن نتناصح بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصبنا بهذا. قال عز من قائل: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ * وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ:١٥ - ١٩]. قرية كانت منفلتة في اليمن، كانت غائصة في الحدائق والبساتين وأنواع الثمرات من بين يديها ومن خلفها، لهم سد عظيم يختزن آلاف آلاف البراميل من المياه، أغدق الله عليهم النعم، فسماؤهم مليئة بالغيوم، لا شمس لديهم تحرقهم، وثمارهم يانعة يقطفونها، حتى قال الأئمة من أمثال ابن كثير: تمر المرأة بزنبيلها فيمتلئ مما يتساقط من الأشجار. يشربون ماءً بارداً، ويتظللون في ظل وارف، ويتعاونون في معيشة هادئة ساكنة. فأرسل الله إليهم الرسل ليقولوا: لا إله إلا الله، وليؤدوا شكر نعمة الله، وليسجدوا له، وليتناهوا عما يغضبه، فماذا فعلوا؟ كفروا، وجحدوا، وأنكروا، وتمردوا على الله، شأن الشاب الذي لا يعرف بيوت الله، جسمه كجسم البغل، يتنهد على الأرض من كثرة النعم، ومن كثرة المشروبات والمطعومات والملبوسات، فإذا سمع الأذان كأن في أذنيه وقراً، لا يعرف طريق المسجد، إنما يعرف طريق المعصية والانحراف، فهذا مثل هذه القرية. فأتتهم رسلهم وفاوضتهم على لا إله إلا الله، وفاوضتهم إلى الرجوع إلى الله ، وأخذتهم بالتي هي أحسن ليعودوا إلى الحي القيوم، فكفروا وقالوا: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ:١٩] معنى ذلك: أنهم رفضوا حتى أداء الزكاة من هذه الأموال والصدقة، وقالوا: اجعل بيننا وبين هذه القرى مسافات؛ حتى لا يأتينا فقير ولا مسكين، ولا يأتينا طالب حاجة. فماذا فعل الله بهم؟ هل حاربهم بطائرات أو بجيوش جرارة، أو بدبابات مصفحة؟ لا -والله- أتي بفأر صغير فنحت في هذا السد، وهو سد مأرب العظيم، ثم دخل الماء وسقط السد، وذهبت دنياهم وآخرتهم، لقد اجتاحهم ماء السد، فدمر قراهم بعضها على بعض، وبيوتهم بعضها على بعض، واجتاح أشجارهم وأعنابهم ونخيلهم ومزارعهم، فصاروا حدثاً بعد عين لكل معتبر. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً﴾ [الفرقان:٤٠] فأوقع الله بهم ما هم له أهل، فذهبوا وتفرقوا حتى صاروا مثلاً، فتقول العرب: تفرقوا أيدي سبأ. وخرجوا من بلادهم على وجوههم وهم يتباكون، الحبيب فقد حبيبه، والوالد فقد ولده، والأخ فقد أخاه، والزوجة فقدت زوجها؛ لأنهم عصوا الله . ولذلك قيل لرجل من البرامكة الوزراء لما سجنوا في عهد هارون الرشيد: لم سجنتم وذهبت دنياكم؟ لم أخذت قصوركم؟ ولم جلدت ظهوركم؟ فدمعت عينا خالد البرمكي وقال: بغينا، وطغينا، ونسينا الله، وسرت دعوة مظلوم في جنح الليل فسمعها الله والناس عنها هجوع. ولذلك يقول ﵊: ﴿دعوة المظلوم يرفعها الله على الغمام، ويقول: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين﴾. ومروا برجل مقعد -كما في السير- قد نهشته الأمراض، وأصابته الأوصاب، وهو في حالة مزرية، لا يستطيع حراكاً ولا قواماً، ولا يستطيع أن يمد يده، فقالوا: مالك؟ قال: كنت في صحة وعافية، وفي قوة لا يعلمها إلا الله، وكنت إذا سمعت نداء الله أتباطأ، فيقال لي: اتق الله ، وتعال إلى بيوته، وأقم فرائضه، فكنت أقول لهؤلاء: وماذا يصيبني إذا لم أفعل؟ فابتلاني الله بهذا المرض.

стр. 1373

شكر الله على نعمه إخوتي في الله! إن شكر الجسم أن تؤدي حقه مع الله ، فتستخدمه فيما يقربك من الله. وشكر اللسان الثناء، وشكر اليد الوفاء، وشكر العين الإغضاء، وشكر الوجه الحياء منه . وقد كان ﵊، وهو يعظ أصحابه، ويردهم إلى الله وينصحهم، وهم من أحيا الناس مع الله، ومن أقربهم إليه، يقول ﷺ : ﴿استحيوا من الله حق الحياء -فيقولون له ﵊، وهم يظنون أن الاستحياء دخول الإسلام، وهذا من الحياء، لكن مرتبة الحياء الكبرى أن تجعل بينك وبين المعاصي حجاباً- قالوا: يا رسول الله! والله إنا لنستحيي من الله حق الحياء. قال ﵊: ليس ذلك بحق الحياء، حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ومن تذكر البلى ترك زينة الحياة الدنيا﴾. قال أهل العلم: الحياء في العين: ألاَّ تنظر بها إلى ما يغضب الله ، وحياء الأذن: ألا تسمع بها ما يغضبه ﵎، وحياء اليد: أن تكون محبوسة تحت طاعة الله ، وحياء الرجل: ألاَّ تمشي بها إلا في مرضاته ، ولذلك كان من معالم المحاسبة عند أهل السنة والجماعة: أن الله يجمع الأولين والآخرين يوم القيامة، فيحاسبهم كما خلقهم وكما بدأهم أول مرة، يحاسبهم على الأعضاء، ولن تجد عضواً أشد خطورة ولا ضراوة على الإنسان من لسانه. ويحق لـ أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه، ومن مثل أبي بكر في إيمانه وزهده وعبادته؟ أبو بكر الذي أنفق ماله كله في سبيل الله، وأتعب جسمه لرفع لا إله إلا الله، وبقي ساهراً حريصاً على الأمة يقودهم إلى الله ، وهو مع هذا يقف في مزرعة رجل من الأنصار، ويمد لسانه ويبكي ويقول: [[هذا الذي أوردني الموارد]] أي: المهالك، فإذا كان الصديق خائفاً، فما بالنا نحن لا نخاف؟! وما بالنا لا نعود ونحاسب أنفسنا؟! وقل لي بالله عليك كم نذكر الله في اليوم؟ وكم نتكلم بكلام ليس بذكر؟ وإذا عادلنا كلامنا مع الناس، وهذاءنا، وهراءنا، وتسويفنا، كم نعادله؟ هل هو بمعشار العشير مع سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؟ ومقصود هذا الكلام حفظ النعم التي أنعم الله بها علينا، فإن الله إذا أنعم على العبد انتظر حتى يرى ماذا يفعل العبد هذا، فإن حفظ النعمة بالطاعة زاده ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] وإن ضيعها أخذه الله أخذ عزيز مقتدر. فيا من أنعم الله عليه بنعمة الشباب، إن كنت تريد حفظ هذا الشباب فليس حفظه إلا بحفظ الله. ويا من أنعم الله عليه بالمال، حفظ المال بحفظ الله. ويا من أنعم الله عليه بجاه، أو بمنصب، أو بولد، إذا أردت المحافظة على ذلك فاحفظ الله ، وإلا فانتظر الزوال والنكبة إن عاجلاً أو آجلاً. قال أبو سليمان الداراني ﵀: والله إني لأعصي الله في الليل فأجد جزاءها في النهار. فقال له بعض أهل العلم: نحن لا نجد الجزاء في النهار، جربنا أنا نعصي الله في الليل كثيراً فلا نجده في النهار. قال: إنكم أكثرتم من الذنوب فما تعلمون من أين تؤتون. أي: لا تعلمون من كثرة جزاءاته من أين تؤتون. ولا يظن ظان أن الجزاء والعقاب أن تنزل عليه صاعقة أو قذيفة، أو يعذب بمرض، لا. إن أشد العقاب أن يقسي الله قلب هذا المجرم، وأن يطبع على فؤاده، وأن يبتليه بالصد عن سبيله، ويزيده ضلالاً؛ لأنه هو الذي زاد ضلالاً وحياداً عن الله، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥]. وحكي عن بعض الصالحين وقد ذهب إلى صلاة الجمعة، فانقطعت حذاؤه، فقالوا له: مالك؟ قال: تذكرت أني لم أغتسل للجمعة؛ فانقطعت حذائي. قال ابن تيمية: قللوا الذنوب فعرفوا من أين يؤتون. فلما أكثرنا الذنوب والخطايا أصبحنا لا ندري من أين نصاب، أبالهموم والغموم والأحزان؟ أم بفساد الأبناء؟! وليست النعمة في مفهومها عند عقلاء المسلمين أن تكثر الأرزاق، هذه نعمة، ولكن النعمة أن نستقيم مع الله، وأن نتجه إليه، وأن نحسن معاملتنا معه، وإلا لو كانت النعمة بهذا المعنى لكان الكفار وهم أكثر منا قصوراً ودوراً، وذهباً وفضة، وجاهاً ومنصباً، وأموالاً وأولاداً، أصحاب نعمة. لكن الله يقول: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٤].

стр. 1374

كيفية الشكر والشكر يكون بثلاثة أمور؛ فما أتاك من نعمة فواجبك أن تشكرها بثلاثة أشياء، أو بثلاثة مقاصد: أولها: أن تردد على لسانك: "الحمد لله"، فإنها تملأ الميزان، وإن سبحان الله والحمد لله تملأ ما بين السماوات والأرض، ويعجب ربك إلى العبد إذا قال: الحمد لله. وأول من يدخل الجنة الحامدون الذين يحمدون الله في السراء والضراء، فقد ضاع فرسٌ لـ جعفر الصادق، فقال: والله لئن ظفرت بفرسي لأحمدنه بمحامد ما حمدها به إلا أولياؤه وأحباؤه، فلما وجد الفرس، قال: الحمد لله، فقال له أبناؤه: أين المحامد؟ قال: وهل أبقت الحمد لله محامد بعدها؟! ولذلك قال عز من قائل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]. فواجبك أن تردد دائماً الحمد على لسانك؛ ليبقي الله عليك النعمة، البس ثوبك إن كنت مسلماً وقل: الحمد لله، وكل طعامك وقل: الحمد لله، واشرب شرابك وقل: الحمد لله، وقم من نومك وقل: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور. وكلما لمع لك لامع من النعمة، أو لمح لك لامح من الجميل فقل: الحمد لله، ليبقي الله عليك النعمة. ثانيها: أن تعقدها بقلبك، وأن تتصور أن ما أتاك من النعيم إنما هو من الله لا من الناس، وما صرف عنك من العذاب ومن المصائب، إنما صُرف عنك من الله . يقول ابن مسعود ﵁ وأرضاه، في كلام ما معناه: [[إن من النكران أن ينعم الله عليك بنعيم فتقول: هذا بسبب فلان، أو يصرف الله عنك سوءاً، فتقول: هذا بسبب فلان، والله ما أتى من نعيم، ولا صُرف من عذاب إلا بتقدير الله ورحمته ]]. أوحى الله إلى داود ﵇ فقال له داود في أثناء الكلام: يا رب! بأي لسان أشكرك؟ أنعمت علينا بنعم ظاهرة وباطنة فبأي لسان أشكرك؟ قال الله : يا داود! أتدري أن هذه النعم مني؟ قال: نعم يا رب! قال: إن علمت ذلك فقد شكرتني. قال: يا رب! إني أريد أن أشكرك بالعمل، قال: يا داود! تقرب إلي بما استطعت من عمل. وفي كتب التفسير أن داود ﵇ جمع آل داود، وكان عددهم ما يقارب ثلاثين ألفاً، وهم الملوك في بني إسرائيل، فيهم المملكة كابراً عن كابر، ومنهم سليمان بن داود، فجمعهم أعماماً وأخوالاً وأبناءً وأقارب، حتى ملئوا الشرفات في بيت المقدس، فقال داود ﵇ وهو يبكي: يا آل داود! إن الله أنعم علينا نعماً ظاهرة وباطنة، فعليكم بطاعته، فوالله إن لم تطيعوه ليسلبنها الله منكم. قالوا: ماذا نفعل؟ قال: قسموا ساعات الليل والنهار، فليكن منكم في كل ساعة من ليل أو نهار مصلون وصائمون وذاكرون ومستغفرون، فقسم عليهم الساعات في الليل والنهار، فكان قوم منهم يسبحون، وقوم يستغفرون، وقوم يصلون، وقوم يصومون، فقال الله في كتابه: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] وقليل من الناس من يشكر الله. فالأمر الثاني: أن تعتقد أنها من عند الله، وأن ما ساق الله لك من نعيم، إنما هو بقضائه وقدره، ولم يسقه لك أحد من الناس، فو الله ﴿لو اجتمع الناس على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾ فالقضاء والقدر من عنده . ثالثها: أن تظهر آثار النعمة عليك، بالعمل وبالتجمل، فإذا أنعم الله عليك بنعمة، فإنه يحب أن يرى أثرها عليك، فإذا أنعم عليك بمال فالبس من الجمال ما يري الناس أن الله قد أنعم عليك بنعيم، ولا تزري بربك ، ولا تشكوه بثيابك، أو بملبسك، أو بمسكنك، أو بمركبك، فكأنك تقول: لم يعطني الله شيئاً. والله يقول: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١] أي: بلسانك وبفعلك. ولذلك صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿إن الله إذا أنعم على عبد أحب أن يرى أثر نعمته عليه﴾ والواجب عليك أن تستغل هذه النعمة في مرضاته . نسأل الله لنا ولكم التوفيق والهداية والرشد والسداد، وأن يستغلنا بنعمته في طاعته، وأن يجعلنا ممن إذا أنعم عليه شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1375

أحكام الموت وما بعده الموت حقيقة ماثلة أمام كل مخلوق، وكل يوم والناس يودعون أحدهم إلى القبر، وفي هذا دافع للإنسان المسلم أن يعرف الأحكام المتعلقة بالموت وما بعده. وفي هذا الدرس بيان لهذه الأحكام لمن لم يطلع على كتب الفقه أو عسر عليه فهمها.

стр. 1376

حقيقة الموت الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين. أيها الفضلاء الأخيار! عنوان هذه المحاضرة (أحكام الموت وما بعده) ورقمها (٣٠٥) وأسأل الله أن ينفع بها، وأن يجعلها في ميزان الحسنات. أيها الكرام! الموت مخلوق من مخلوقات الله عزوجل، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:١ - ٢] ولكن إلى الآن ما اكتشف ما هو الموت، وصل العالم المادي إلى الذروة لكن ما اكتشف حقيقة الموت، لا يدرون ما هو، ولا كيف يموت الإنسان، ومتى يموت، لأن الله اختص بعلمه. وقد توعد الله أعداءه بالموت فقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨]. يقول الحسن البصري ﵀: [[فضح الموت الدنيا، فلم يدع لذي لبٍّ فرحاً]] والمعنى: أن كل من انبسط وارتاح وسر بما عنده من مال وولد، وما عنده من منصبٍ ووظيفة، إذا ذكر الموت تكدر، إلا الحمقى والبلداء، فالله عزوجل جعل هذا الموت منغصاً. دخل أحد الفضلاء على خليفة من الخلفاء العباسيين فقال له الخليفة: "أما ترى القصر؟ قال: رأيته. قال: أما تراني؟ قال: رأيتك. قال: أرأيت جيشي؟ قال: رأيته. قال: ماذا تقول؟ قال: أنت نعم الخليل لو كنت تبقى غير أن لا بقاء للإنسانِ والله عزوجل لام الذين غُرُّوا، ولهوا بمتاعهم ولعبهم، فقال: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم:٤٥ - ٤٦]. يقول عدي بن زيد؛ وهو شاعر جاهلي، خرج مع النعمان بن المنذر قبل الإسلام، وكان عدي بن زيد رجلاً عاقلاً، أقسم ألا يشرب الخمر أبداً وهو في الجاهلية، فلما جلس مع السلطان الملك النعمان، أخذ السلطان يشرب الخمر، فقال له عدي بن زيد: "أبيت اللعنة -هذه كلمة تقال للملوك، ومعناها: أستأذنك في الكلام لا تغضب عليَّ- قال: قل، قال: أتدري ماذا تقول هذا الشجرة؟ وهي لا تتكلم، لكن أراد هذا الشاعر أن يدخل بموعظة إلى السلطان قال: لا أدري ماذا تقول. قال: تقول الشجرة: رب ركبٍ قد أناخوا حولنا يخلطون الخمر بالعذب الزلال قد مضوا حيناً وساروا زمناً ثم صاروا جثثاً تحت الرمال يقول: ألا تعتبر بأجدادك وقد أصبحوا جثثاً وأنت تشرب الخمر!! ألا تتفكر وتتأمل!!. ويا أيها الإخوة: موضوع الموت، وما بعد الموت، والاستعداد للموت هو حديث الساعة؛ لأن كثيراً من الناس بعد الأحداث أصبح في هلعٍ ورعبٍ من الموت، ولا يخاف من الموت إلا اليهود، قال الله عنهم: ﴿يَوَدُّ أحد هُمْ لَوْ يُعمر أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة:٩٦] لأنهم ليس لهم آخرة ولا جنة عند الله، أما المسلم فالآخرة خيرٌ له من الدنيا، وأبقى وأحسن، يوم يكون مؤمناً بالله. يقول ، وقد أخبر رسوله ﵊ بالموت وأنه كتبه على جميع الكائنات: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤] والخلد في الدنيا من المستحيلات ولا يخلد من البشر أحد، وهو قول واحد بإجماع العقلاء من الناس قاطبة، قال : ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤] ولكن ما هو أعظم زادٍ نتقدم به إلى الله؟ إنه الإيمان. والبشرية الآن تبحث عن الإيمان، والإلحاد أصبح لا حقيقة له، أصبح كذباً ولعنةً، لا قرار له، حتى رؤساء الإلحاد والشيوعية في العالم تبرءوا من الإلحاد والشيوعية في العالم. فهذا جرباتشوف -رئيس الشيوعيين في العالم، رئيس الاتحاد السوفيتي - يقول: في البروستريكا: "إن الإلحاد خرافة " ولذلك اعتنق النصرانية، وأثبت بعد الصفحة الخمسين من البروستريكا، يعني: إعادة البناء أنه مسيحي؛ لأنه وجد أن كفر الإنسان بالله كذب ولو وفق بداعية مسلم، وبإمام يقوده إلى الله، لكان مسلماً، ولكن الحكمة لله. والشاهد أيها الإخوة: أريد أن أصل إلى الموضوع الذي أريد أن أتحدث عنه، وهو أحكام فصلها أهل السنة والجماعة في كتبهم، أريد أن نتدارسها اليوم؛ لأن الوعظ كثُر، ونحن بحاجة إلى فقه الأحكام، وما يقربنا من الله .

стр. 1377

أحكام ما قبل الموت يقول سبحانه: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] ومعنى الآية عند كثير من المفسرين: من رخاءٍ إلى شدة، ومن نعيم إلى بؤس، ومن حياة إلى موت. فالله يداول الأيام، حتى يقول عدي بن زيد: أيها الشامت المعير بالدهر أأنت المبرأ الموفور هل رأيت المنايا خلفن أمناً من ذا لا يُضام عليه مجيرُ أين كسرى، كسرى الملوك أنوشروان أم أين قبله سابور؟ معنى الأبيات؛ يقول: يا من يشمتنا بالموت، ويعيرنا بالفناء، أأنت تبقى؛ ولذلك تجد بعض الحمقى يعيرون بعض الناس، ويشمتون إذا ماتوا، وليس في الموت شماتة، لأنه يموت الشريف والدنيء، ويموت الكريم والبخيل، ويموت المؤمن والكافر، لكن الشماتة فيمن أعرض عن منهج الله، وصدف عن آيات الله.

стр. 1378

تذكر الموت السؤال الأول: يقول ﵊: ﴿أكثروا ذكر هاذم اللذات فما ذكر في قليل إلا كثره﴾ فما هو هاذم اللذات؟ وكيف نذكره؟ وما الفائدة من ذكره؟ و الجواب روى الترمذي والنسائي وابن حبان عنه ﵊ أنه قال: ﴿أكثروا ذكر هاذم اللذات فما ذكر في قليل إلا كثره﴾ والحديث من رواية أبي هريرة. وهاذم اللذات بالذال: هو الموت، وهو الذي يهدم اللذة على العبد، ويعكرها، ويقطعها؛ واللذة: كل ما تلذذ به من مال، أو حسب، أو نسب، أو جاه، أو منصب؛ أرأيت إنساناً أحمق في منصب، أو مال يذكر الموت ثم لا يتنغص!! فقوله ﷺ : ﴿أكثروا ذكر هاذم اللذات﴾ أي: الموت. زاد بعض الناس: ﴿أكثروا ذكر هاذم اللذات، ومفرق الجماعات، وآخذ البنين والبنات﴾ والجملتان الأُخريان ليستا من كلامه ﵊. وأما قوله: ﴿فما ذكر في قليل إلا كثره﴾ يعني أن من يتذكر الموت دائماً يصبح القليل عنده كثيراً، القليل من المال، والمنصب أو الجاه يكفي، ما دام أنها عبور، ويقول الأول: طول الحياة إذا مضى كقصيرها واليسر للإنسان كالإعسار فسيان كثرة المال وقلته؛ بل القلة قد تكون أنفع. قال: "وما ذكر في كثير إلا قلله " أي: أن، أهل الأموال الكثيرة تقل في عيونهم أموالهم يوم يذكرون الموت. دخل أبو العتاهية على هارون الرشيد، وكان هارون الرشيد في قصره، والشعراء يهنئونه بقصر افتتحه، فقال لـ أبي العتاهية: "كيف رأيت القصر؟ قال: اسمع مني أبياتاً، قال: ما هي؟ قال: >> قال: هيه، يعني: زد. قال: يسعى عليك بما اشتهيت مع الرواح أو البكور قال: زد. قال: فإذا النفوس تغرغرت بزفير حشرجة الصدور فهناك تعلم موقناً ما كنت إلا في غرور هذا غرور أهل الدنيا، وهو غرور يشبه غرور البهائم، يوم يصدفون عن ذكر الله .

стр. 1379

تمني الموت السؤال الثاني: هل يجوز للمسلم أن يتمنى الموت؟ ومتى يجوز له أن يتمناه؟ و الجواب منع ﵊ المسلم من أن يتمنى الموت، هذا من حيث الأصل، وهو أصل متفق عليه. ففي الصحيحين عنه ﵊ أنه قال من حديث أنس: ﴿لا يتمنيَّن أحدكم الموت لضرٍ نزل به، إن كان محسناً فلعله أن يزداد إحساناً، وإن كان مسيئاً فلعله أن يتوب﴾ فالأصل أن لا تتمنى الموت، واعلم أن عمر المؤمن لا يزيده إلا خيراً عند الله. لحديث جابر عند مسلم ﴿المسلم لا يزيده عمره إلا خيراً﴾ وعند أحمد في المسند من حديث طلحة: ﴿أن رجلين أسلما عند الرسول ﵊ -دخلا الإسلام سواء، في يوم واحد، وفي ساعة واحدة، مسلم وأخوه أسلما عند الرسول ﵊ فقتل الأول شهيداً في سبيل الله، ومكث الآخر بعده أربعين يوماً ثم مات -هذه رواية أحمد - فرأى طلحة الرجلين بينهما في الجنة أربعون درجة، فسأل الرسول ﵊، قال: كم تخلف ذاك بعده؟ قالوا: أربعون يوماً يا رسول الله، قال: كم صلى فيهن من صلوات؟ فحسبوها. قال: فإن الله رفعه بصلواته التي صلاها بعد أخيه، هذه الدرجات﴾ أو كما قال ﵊، والحديث حسن، والمقصد أنه إذا أصابك ضرٌ، أو مرض فلا تتمنى على الله الموت، أو أن يتوفاك؛ لأنك لا تدري ما الخير، والخيرة فيما اختار الله. تنبيه: ذكر أهل السنة كـ الطحاوي وابن كثير والذهبي: أن عمر ﵁ وأرضاه لما حج آخر حجة حجها، رفع يديه عند الجمرات، وقال: [[اللهم إنها كثرت رعيتي، ورق عظمي، ودنا أجلي، فاقبضني إليك غير مفرط ولا مفتون. اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وفي بلد رسولك]]. و السؤال لماذا يتمنى عمر الموت، والرسول ﵊ لم يتمناه؟ و الجواب عند أهل السنة بجوابين: الجواب الأول: لم يتمن عمر الموت، ولم يحدد وقته، وإنما تمنى الشهادة في سبيل الله؛ وتمني الشهادة مطلوب، وهي من أفضل الأعمال، وقد قال ﵊: ﴿من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه﴾ رواه مسلم. بينما تجد الرياء والسمعة إذا دخل في العمل لا ينفع، حتى لو قتل الإنسان في الجبهة، وهو مراء فلا ينفع، بينما إذا صدق ومات على فراشه فهو شهيد وعند أحمد في المسند بسند حسن: ﴿ربَّ قتيلٍ بين الصفين الله أعلم به، -وفي لفظ- الله أعلم بنيته﴾ فقد يكون مرائياً، وصح عنه ﵊: ﴿أن أول من تسعر بهم النار ثلاثة، منهم: المجاهد الشهيد -فيما يظهر للناس- الذي قتل في المعركة، وقاتل رياءً وسمعةً ليقال: جريء، وقد قيل، فيقال: خذوه إلى النار﴾. والجواب الثاني: أن المرء إذا تحقق أنه وقع في فتنة، وأن الناس قد فتنوا فله أن يطلب من الله أن يتوفاه، وقد دل على ذلك نصوص كإخباره ﵊، أن المؤمن في آخر الزمن من كثرة الفتن يمر على القبر فيقول: ﴿يا ليتني مكان صاحب هذا القبر من كثرة الفتن﴾ من قلة من يقول: لا إله إلا الله، ومن قلة من يعترف بأوامر الله، أو يكف عن محارمه.

стр. 1380

المؤمن يموت بعرق الجبين السؤال الثالث: ما معنى ﴿المؤمن يموت بعرق الجبين﴾؟ وهل عرق الجبين علامة عند أهل السنة أم لا؟ الجواب صح عنه ﵊ عند ابن حبان والثلاثة؛ أبي داود والنسائي والترمذي أنه قال ﵊: ﴿المؤمن يموت بعرق الجبين﴾ فما معنى الحديث؟ قيل: أنه إذا حضرته سكرات الموت أصابه عرق، وأتاه رشح، وهذا معنىً موجه، وهو صحيح. وقيل: أنه يموت كداً وكدحاً في العمل الصالح؛ وهي كناية عن اجتهاده في العمل الصالح، وعن بذله، وعن تقواه لله عزوجل حتى يلقاه الله عزوجل وقد بلغ من نفسه مبلغاً من العبادة، والمجاهدة ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] على ذكر هذه الآية، فإن ابن أبي الحديد وهو معتزلي؛ شاعر عملاق، من أكبر شعراء المعتزلة، ذكره ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل، يقول في هذه الآية، لما أتته سكرات الموت قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] ثم قال أبياتاً، يخاطب الله، يقول: وحقك لو أدخلتني النار قلت للـ ـذين بها قد كنت ممن أحبه وأفنيت جسمي في علوم كثيرة وما منيتي إلا رضاه وقربه أما قلتمُ من كان فينا مجاهداً سيكرم مثواه ويعذب شربه وهي أبيات لطيفة، أعجبت ابن تيمية شيخ الإسلام، لكن من الذي يجاهد في الله؟ هو الذي يصدق مع الله عزوجل، ويفعل المأمور، ويجتنب المحذور، ويتبع الكتاب والسنة باختصار. هذا معنى (المؤمن يموت بعرق الجبين). وبعض العلماء يقولون: "من علامة المؤمن أنه قد يتبسم في سكرات الموت، ويعرق جبينه، وتأتيه مبشرات" وقد حدث هذا لـ ابن المبارك، فيما نقلوا عنه أنه تبسم، وقال: " ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١] " وقد ترى له رؤيا حسنة في الحياة الدنيا؛ والرؤيا من المبشرات يراها المؤمن، أو تُرى له كما قال ﵊.

стр. 1381

ما يلزم من حضر المحتضَر السؤال الرابع: ماذا يلزم من حضر المحتضر، الذي حضرته الوفاة؟ الجواب يلزمه تلقينه (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فكلمة التوحيد، لا إله إلا الله ندخل بها في الدين، ونختم بها حياتنا، وقامت من أجلها السماوات والأرض، ونزلت من أجلها الكتب، وأرسلت من أجلها الرسل، وأقيمت من أجلها النار والجنة، ونصب الصراط، ونزلت الصحف، ونصب الميزان، لا إله إلا الله وثيقة أتت بها الرسل عليهم الصلاة والسلام من لدن نوح إلى محمد ﵊، وجرت من أجلها بدر وأحد وحطين والقادسية وعين جالوت ومعارك الإسلام، وهي فيصل بين أهل التوحيد وأهل الكفر وهي الميثاق الذي أخذه الله بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٢ - ١٧٣] فعليك إذا حضرت محتضراً أن تلقنه لا إله إلا الله. إما شهيداً في المعركة، أو مريضاً، أو مصاباً بحادث، ورأيت أنه في الرمق الأخير، فالله الله أن تجري هذه اللفظة على لسانه، فإنها أعظم اللفظات، وأحسن الكلمات، وهي أكبر الحسنات. قال أبو ذر للرسول ﷺ : ﴿يا رسول الله! لا إله إلا الله من الحسنات؟ قال: أعظم الحسنات﴾ هل بعد لا إله إلا الله حسنة؟ هي أعظم الحسنات. يقول ﵊ في صحيح مسلم وعند الأربعة: ﴿لقنوا موتاكم لا إله إلا الله﴾ من حديث أبي سعيد وأبي هريرة؛ ومعنى: لقنوه أي: قولوا له لا إله إلا الله، فإذا قالها فلا تعدها ولا تكررها عليه حتى يتكلم بكلام غير لا إله إلا الله؛ لأن هذا من الأدب. ويذكر الذهبي في تذكرة الحفاظ قصة عن أبي زرعة الحافظ الكبير، وأبو زرعة هذا عملاق، مجرح ومعدل يقولون: كتب بيده ألف ألف حديث -مليون- حضرته الوفاة فأراد تلاميذه أن يلقنوه لا إله إلا الله لكن استحيوا منه، فهو عالم الدنيا، ومحدث المعمورة، فاستحوا أن يقولوا قل: لا إله إلا الله -ولا حياء في هذا- فأرادوا أن يذكروه بسند الحديث، وأغمي عليه، فأرادوا فقط أن يقولوا: حدثنا فلان لأنه يعرف بضاعته، فإذا قالوا حدثنا فلان قال: حدثنا فلان تذكر بـ السند المتن فقال: لا إله إلا الله، فتلعثموا لا يدرون من السند أهو شعبة أو الأعمش سليمان بن مهران، فاستفاق وسمعهم يتضاربون بالكلام بينهم في الحديث فقال: حدثنا فلان عن فلان عن فلان عن فلان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لقنوا موتاكم لا إله إلا الله﴾ وحدثنا فلان عن فلان عن معاذ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة﴾ لا إله إلا الله محمداً رسول الله ثم مات. وهذه من علامات حسن الختام والثبات قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]. وهذا هو التلقين الذي على المسلم أن يلقن العبد به. وأهل السنة يقولون: يدخل العبد في الإسلام بلا إله إلا الله. ليس كما قال أهل الفلسفة وأهل المنطق بالنظر والاستدلال، بل قالوا: بلا إله إلا الله، وهي التي طلبها رسول الهدى ﵊. فقال في الصحيحين: ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، -وفي رواية- أو أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله﴾ الحديث.

стр. 1382

قراءة سورة (يس) على الميت السؤال الخامس: هل يصح في قراءة يس على الميت حديث أم لا؟ الجواب تعلمون أن بعض المذاهب يرون أن على المسلم إذا حضر المحتضر، أن يقرأ على الميت سورة (يس) ويقولون: إنها تخفف من النزع ومن السكرات. والصحيح عند أهل السنة من المحدثين أنه لا يثبت في ذلك حديث، وليس من السنة أن يقرأ على الميت سورة يس. وما رواه أبو داود والنسائي وابن حبان من حديث معقل بن يسار عنه ﵊ أنه قال: ﴿اقرءوا على موتاكم يس﴾ لا يصح، قال الدارقطني: "حديث مضطرب لا يثبت، وفي سنده أبو عثمان، وليس بـ النهدي لا نعرفه ولا أباه " واختلف سنده على كثير من الحفاظ فردوه، والسنن العقدية لا تثبت بمثل هذا الحديث الضعيف الذي ضعفه العلماء ولم يثبتوه، والمسلم يقف عند المأثور ولا يبتدع في دين الله قال رسول الله ﷺ : ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ ومن نظر في سند ذلك الحديث وجد أنه لا يصح أبداً ﴿ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه﴾ ورحم الله امرءاً وقف مع الأثر ومع الكتاب والسنة. إذاً، لا يقرأ على المحتضَر سورة يس.

стр. 1383

أحكام ما بعد الموت

стр. 1384

تسجية الميت السؤال السادس: هل للتسجية قبل التكفين أصل وارد؟ يعني: تسجية الميت بثوب، أو ببرد، أو بشيء، هل ورد في ذلك شيء؟ الجواب نعم. ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ وأرضاها- ﴿أن الرسول ﵊ لما توفي سجي ببردة حبرة من برود اليمن﴾. وهذا من السنة لكي يكون الميت مستوراً، حتى تجهيزه في الغسل والتكفين والدفن والصلاة عليه؛ فالمقصد من هذا أن يستر الميت، سترنا الله وإياكم، وهي سنته ﵊.

стр. 1385

دين الميت السؤال السابع: ورد عنه ﵊ التغليظ في الدين على الميت، فما هو الأثر في ذلك؟ الجواب جاء عنه ﵊ من حديث أبي هريرة عند أحمد والترمذي بسند حسن أنه قال: ﴿نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه﴾ فعلى العبد أن يجتهد في أن يقضي دينه، لأن حقوق العباد مبنية على المشاحة، والحق الذي بينك وبين الله مبنيٌ على المسامحة، فعليك أن تجتهد في أن تقضي دينك، وأن ترد حقوق الناس قبل أن تلقى الله عزوجل. وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿يغفر للشهيد كل ذنبه إلا الدين﴾ أي: شهيد المعركة إذا قتل في سبيل الله غفر الله ذنبه إلا الدين، قال: ﴿أخبرني بذلك جبريل﴾ لأنه لا مبرر أن تترك حقوق الناس ومظالمهم، ثم يموت العبد ويتركها ضائعة، ليس هذا بوارد. لكن على العبد أن يترك وصيته، فإذا لقي الله عزوجل كان عند ورثته خبر ونبأ ووصية مكتوبة بهذا، لما صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿ما حق امرئ مسلم يبيت ثلاث ليالٍ إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه﴾ من حديث ابن عمر، فكان ابن عمر يكتب وصيته، ويضعها عند رأسه ﵁ وأرضاه.

стр. 1386

الماء الذي يغسل به الميت السؤال الثامن: ما صفة الماء الذي يغسل به الميت؟ أعاننا الله على هذه المواقف فسوف تمر بنا جميعاً: هو الموت ما منه ملاذٌ ومهربُ متى حط ذا عن نعشه ذاك يركبُ نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها وعلَّ الردى مما نرجيه أقرب ونبني القصور المشمخرات في الهوا وفي علمنا أنا نموت وتخرب ورد عنه ﵊ في الرجل الذي وقصته ناقته، وهو محرم في عرفات، قال: ﴿اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه -وفي لفظ: وجهه-﴾ وابن القيم متردد في إثبات لفظة وجهه. هذا حاج من المسلمين، وقف مع الرسول ﵊ في عرفة، فسقط من على ناقته فوقصته برجلها فمات، وهو محرم، فأتي به إلى الرسول ﵊ فأخبروه الخبر قال: ﴿اغسلوه بماء وسدر﴾ لأن الماء والسدر أنقى ﴿وكفنوه في ثوبيه﴾ أي: ثوبي الإحرام ﴿فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً﴾ وقد أتى في ذلك خبر، أنه: يخرج من قبره يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، ولذلك لم يغط رأسه ولا وجهه لأنه محرم، والمحرم لا يغطي رأسه على الصحيح، وفي تغطية وجه المحرم خلاف، والصحيح أنه لا يغطيه. فالمقصود أنه لا بأس بأن يمزج الماء الذي يغسل به الميت بسدر، أو كافور، كما في حديث زينب، أو صابون؛ لأن المقصود الإنقاء. وهذا الشيء الطاهر الذي يضاف إلى الماء لا ينجسه، بل يزيده -إن شاء الله- طهارة، وسوف يأتي معنا تفصيل في ذلك إن شاء الله.

стр. 1387

غسل النبي ﷺ السؤال التاسع: كيف غُسل الرسول ﵊؟ الجواب روى أحمد وأبو داود عن عائشة ﴿أن الرسول ﵊ لما أتى علي بن أبي طالب والعباس والفضل وأسامة يغسلونه، كان في ثيابه المطهرة ﷺ فلا يدرون هل ينزعون ثيابه ويباشرون جسمه الطاهر الطيب -بأبي هو وأمي- أم يغسلونه من فوق الثياب، فاختلفوا﴾ وفي رواية أبي داود: ﴿فألقى الله عليهم النعاس فناموا الأربعة في الغرفة فسمعوا هاتفاً يقول: اتركوا ثياب رسول الله ﷺ عليه، واغسلوه من فوق الثياب﴾ فغسلوه بالماء ودلكوه والثياب عليه، ﵊ وما نزعوا ثيابه لأنه مستور حياً وميتاً، وطيبٌ ﷺ في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وقد كان وهو طفل في السنة الثانية من عمره ﷺ كما قال أهل السير: إذا تعرى بكى حتى يلبس ثوباً، ويوم أخذته حليمة السعدية كانت تقول: [[كان إذا عري يبكي، ويحاول أن يضم نفسه حتى يستتر ﵊]] فالله الذي حفظه. فهذه صفة غسله ﵊، أنه غسل من على ثيابه ودلك ﷺ ، فهو الطيب المطيب حياً وميتاً، ولذلك لما أتاه أبو بكر قال: [[فداك أبي وأمي ما أطيبك حياً وميتاً]].

стр. 1388

تقبيل الميت وصفة غسله وهذا فيه سؤال في تقبيل الميت، هل يقبل الميت من القريب والصاحب؟ نعم. فقد أتى أبو بكر والرسول ﵊ مسجى قد مات، فكشف الغطاء عن وجهه وبكى وقبله وقال: [[فداك أبي وأمي ما أطيبك حياً! وما أطيبك ميتاً! أما الميتة التي كتبت عليك فقد ذقتها، ولكن لا تموت بعدها أبداً]] وهذا وارد. السؤال الحادي عشر: صفة غسل الميت، وحديث غسل زينب. روت أم عطية في الصحيحين أن زينب بنت الرسول ﵊ توفيت- وقد توفيت بناته ﵊ في حياته إلا فاطمة، وهذا من الستر لهن- فلما توفيت زينب، أتى الرسول ﵊ فوقف على النساء في الباب، وقال لـ أم عطية: ﴿اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك -وفي لفظ: تسعاً (وبعض الحفاظ لا يثبتها) - واجعلن في الأخيرة كافوراً أو شيئاً من كافور، فإذا فرغتن فآذنني، فلما انتهين من غسلها أُخبر رسول الهدى ﵊، فأعطاهن حقوه -والحقو: إزاره الذي يلي جسده ﷺ وقال: أشعرنها﴾ هذا من الرحمة، واللطف ببنته ﷺ ، إزاره الذي يلي جسمه، أمر أن يجعل شعاراً لها مما يلي جسمها، لأنها حبيبته وقرة عينه ﷺ . وفي هذا الحديث قضايا: منها: أن المرأة تغسل المرأة ولو كانت أجنبية. ومنها: أن السنة في الغسل أن يكون ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً على الوتر. ومنها: أنه لا بأس أن يخلط شيئاً من كافور، أو من أطياب؛ حتى تكون رائحة الميت طيبة. ومنها: التبرك بآثار الصالحين؛ وهذا له خاصة ﵊ ليس لأحد غيره، فيما نعلم، وهو أصل عند أهل السنة، ولو أن البعض تجوز لكن آثارة ﷺ فقط، ثيابه، وشعره، وأظفاره؛ هي التي فيها البركة ﷺ ، وليست لغيره.

стр. 1389

صفة الكفن السؤال الثاني عشر: ما هي صفة الكفن؟ الجواب ورد في الصحيحين من حديث عائشة: ﴿أن الرسول ﵊ كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية -نسبة إلى سحول قرية في اليمن - من كرسف﴾ يعني: من قطن- كفن فيها رسول الهدى ﵊، فثلاث قطع بيض تلف على الميت، هذه صفة الكفن. ومن كفن في قميصه فوارد عند أهل السنة، وجائز أن يكفن في ثوبه إذا كان نظيفاً جميلاً طيباً، والسنة أن يكون أبيض كما سيأتي معنا.

стр. 1390

التكفين بالقميص السؤال الثالث عشر: التكفين في القميص. أتى عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول لما مات أبوه المنافق؛ عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين، وحربة الحاسدين الناقمين على الإسلام، فقال: ﴿يا رسول الله، أعطني قميصك حتى أكفن أبي فيه﴾ وأبوه عدو للإسلام، لكن الرسول ﵊ تقديراً لابنه المسلم المؤمن، أعطاه قميصه، فكفن هذا المنافق فيه، جزاءً لابنه وإكراماً له. فاستدل به البخاري وأمثاله على أن القميص لا بأس به على أن يكون كفناً، وحمل هذا المجرم إلى القبر، وقام ﵊ يصلي عليه، فأتى عمر أمامه قال: ﴿يا رسول الله، تصلي على عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين؟!! قال: دعنا يا عمر. قال: يا رسول الله كيف تصلي عليه، أما فعل كذا، أما فعل كذا، أما فعل كذا، كيف تصلي عليه، وقد قال : ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠]!! قال ﵊: دعنا يا عمر والذي نفسي بيده لو أعلم أن الله يغفر لهم بعد السبعين لاستغفرت لهم بعد السبعين﴾ فلما صلى أتى العتاب من الله عزوجل إليه ﵊، وقال: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤] فجعلها ﷺ خاتمة عمله في هذه المسألة أن لا يُصلي على من علم نفاقه، وكفره، وضرره على الإسلام والمسلمين. والشاهد في هذا التكفين بالقميص. ويقولون ابن المبارك ﵁ وأرضاه المحدث الزاهد العابد كان له ثوب يصلي فيه دائماً، وكان يصلي فيه صلاة الليل، فلما حضرته الوفاة قال: كفنوني في ثوبي هذا؛ فإني قد صليت فيه لله كثيراً، وكنت أقوم فيه الليل. وابن القيم له كلام في مدارج السالكين، يقول: " إن آثار الصالحين لها أثر على الصالحين؛ كثياب الصالحين، وعمائم الصالحين، وأحذية الصالحين، قال: حتى ترى وسام الصلاح عليها. وكذلك الفسقة؛ تعرف ثيابهم، وتعرف عمائمهم مما عليها من الفجور والفسق، وهذا أمر يعلمه أهل التقوى، وأهل الفراسة الإيمانية ".

стр. 1391

لون الكفن السؤال الرابع عشر: هل هناك سنة في لون الكفن؟ الجواب روى ابن عباس عند الخمسة إلا النسائي أن الرسول ﵊ قال: ﴿البسوا من ثيابكم البياض؛ فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم﴾. والبياض لون جميل، وهو من أحسن ما يلبسه العبد المؤمن، والبياض مذكورٌ في كثير من الأحاديث، يقول ﵊ في دعاء الاستفتاح: ﴿ونقني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس﴾. وقال عمر ﵁ كما ذكر مالك في الموطأ، في آخر الباب: [[يعجبني أن يكون ثوب القارئ أبيض]] فقوله ﷺ : ﴿البسوا البياض؛ فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم﴾ دليل على أن السنة في الكفن أن يكون أبيض، تفاؤلاً أن يبيض الله وجه هذا الميت، وأن يكون هذا الثوب منقى من الأوضار والأوساخ والأدران. والله المستعان، وقد قيل: خذ القناعة من دنياك وارضَ بها لو لم يكن لك إلا راحة البدن فانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير اللحد والكفن أو كما قيل. ولذلك لم يذهب أحد من الناس من القرون الأولى والأخيرة إلا بالطين والكفن، وهذه عبرة للمعتبرين، وعظة للمتعظين؛ أنه لا يذهب الإنسان من هذه الدنيا إلا بالطين والكفن أبداً قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤]. يقولون: لما حضرت أبا بكر ﵁ وأرضاه- الوفاة أتوا بثيابٍ جديدة، فقال: [[ما هذه الثياب؟ -وهو في سكرات الموت- قالوا: نكفنك فيها. قال: لا. الحي أولى بالجديد من الميت، وأنا ميت فإذا مت فاغسلوا ثوبي هذا -ثوب قديم كان يصلي فيه ويجاهد ويتصدق ويقرأ القرآن ويسبح؛ أبو بكر الإسلام، وأبو بكر الدين، وأبو بكر الإيمان، وأبو بكر المجاهد صاحب المواقف الخالدة- قال: إذا مت فاغسلوا ثوبي هذا، وكفنوني فيه وقال: اذهبوا بثوبي الآخر إلى عمر، وبالبغلة، وبهذا الجمل، وقولوا: يا عمر اتق الله، ليصرعنك الله مصرعاً كمصرعي. فلما ذهبوا بهذا إلى عمر، بكى حتى جلس وقال: أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر]] لأنه أوصاه وقال: هذا الميراث، وهذا بقية الميزانية، فهل أكلت أموال الأمة؟، وكان أبو بكر الصديق يحكم الشام والعراق والجزيرة واليمن، يحكم ما يقارب ست دول الآن، فلما حضرته الوفاة ترك في بيت المال بغلةً له وجملاً وثوباً وقال: ردوه إلى بيت المال، إلى عمر الخليفة الذي بعدي، وقولوا: يا عمر انتبه، ما تركت أنا إلا هذه، فلا تلعب بالأموال، ولا تبدد الثروات، ولا تحاول أن تلغي العدل في مملكتك فيأخذك الله، فبكى عمر وقال: [[أتعبت الخلفاء بعدك]]. واستطراداً أنا أذكر قصة ذكرها ابن القيم، يقول: كان أبو بكر يخرج بعد صلاة الفجر كل يوم -كان إذا صلى الفجر في المسجد يخرج إلى البادية، إلى ضاحية من ضواحي المدينة قريبة- فيجلس في خيمة هناك حتى طلوع الشمس ثم يعود فافتقد عمر أبا بكر ﵃ جميعاً- وسأل أين يذهب هذا الخليفة؟ -خليفة المؤمنين، خليفة رسول الله ﷺ فذهب وراءه، فلما خرج أبو بكر من الخيمة اختفى عمر ودخل بعده فوجد عجوزاً عمياء جالسة معها أطفال. قال: يا أمة الله من أنت؟ قالت: عجوزٌ عمياء. قال: أين أبوكم؟ قالت: مات منذ زمن، وأنا وأطفالي ليس لنا عائلٌُ إلا الله، ثم الشيخ الذي يدخل علينا هذا. قال: أعرفتيه؟ قالت: ما عرفته -وهو أبو بكر، لأن أبا بكر ما قال: أنا أبو بكر، ولم يعلم بنفسه، ولم يخبر باسمه- قال عمر: فماذا يفعل إذا دخل عليكم؟ قالت: يقُّمُّ بيتنا -يكنس البيت أولاً- ويحلب شياهنا، ويغسل ثيابنا، ويصنع لنا طعامنا. فجلس عمر وكان واقفاً وبكى وقال: أتعبت الخلفاء بعدك]]. فهذه سيرة حميدة، وهذا سجل التاريخ، وهكذا تساس الأمة، ويقاد الأجيال، ويعلم وينشر الدين بهذه الأخلاق النيرة، حتى الغرب، وحتى أعداء الله عزوجل يعترفون بهذه السيرة. وقد قرأت أن أحدهم يسمى كرس مرسن أمريكي يقول: "أعطوني إسلاماً كالإسلام الذي يعيشه عمر وأدخل في الدين". ولذلك جعل مايكل هارف وهو أمريكي؛ صاحب العظماء المائة، عمر رقمه (٥٦) وقال: إنه عظيم، وإنه أثبت عظمته بسيرته التي طوقت الدنيا. هل تدرون من الأول عند مايكل هارف؟ هو الرسول ﵊، جعله الأول في الكتاب وقال: " إني أعلم أن الشعب الأمريكي سوف يغضب يوم جعلت محمداً الأول "، قلنا: أرغم الله أنفك وأنف الأمريكان، وهل كان ﵊ إلا عظيماً، سواء رضيت أم أبيت، وهذا هو المقصود.

стр. 1392

إحسان الكفن السؤال الخامس عشر: هل ورد في إحسان الكفن حديث؟ الجواب نعم. روى مسلم عن جابر عنه ﵊ أنه قال: ﴿إذا ولي أحد كم أخاه فليحسن كفنه﴾ أي: إذا توليت أنت كفن المؤمن، قريباً، أو حبيباً، أو صديقاً فأحسن كفنه وحسناً لا يدخل في المغالاة؛ لأن المغالاة قد ورد فيها النهي، ومهما غاليت فلا ينفع الميت إلا عمله، وتسبيحه، وذكره، وصلواته، ووالله لو نسجت له كفناً من ذهب، وألبسته تاجاً في القبر، وحكت له بردة من ديباج، وصنعت له كساءً من فضة؛ فإنه لا ينفعه إلا أن يكون من أولياء الله؛ وإذا كان من أولياء الله فلو كان بغير كفن، فـ حمزة ما وجدوا له كفناً، وجدوا له أذخراً وحشيشاً غطوه به، وكان سيد الشهداء عند الله. وكذلك مصعب ﵁ وأرضاه- لكن الحسن معناه أن تختار ثياباً جميلة نسبياً بيضاء طيبة نقية؛ هذا هو الإحسان. أما المغالاة في الكفن، فقد نهى عنه ﵊ في حديث صحيح فقال: ﴿لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سريعاً﴾ أي يصبح هباءً منثوراً، تأكله الدود في ثلاثة أيام. وقد كان عمر بن عبد العزيز؛ الخليفة، الزاهد، الراشد، الذي جدد أمر الأمة في المائة سنة، وتولى الخلافة وعمره تسعاً وثلاثين سنة، وقاد الأمة بالزهد، ما كان عنده إلا ثوب واحد، وهو خليفة يملك اثنين وعشرين دولة، إلى حدود أسبانيا وسيحون وجيحون والسند والهند يملكها كلها، ومع ذلك ليس عنده إلا ثوب يغسله يوم الجمعة، ويبقى في ثيابه الداخلية حتى يجف ثوبه، ثم يصلي فيه، يقول له الناس: [[ألا تتزين، وتتجمل؟ قال: كيف لو رأيتموني بعد ثلاث ليالٍ في القبر، إذا تولى عني الأحباب والأصحاب ووسدت التراب]]. فقوله ﷺ : ﴿لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سريعاً﴾؛ معنى ذلك: لا تأتوا به غالياً فإنه ثلاثة أيام فينتهي، ولا يبقى إلا العمل الصالح: يا عامراً لخراب الدار مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمرانُ؟! ويا حريصاً على الأموال تجمعها أقصر فإن سرور المال أحزانُ يا متعب الجسم كم تسعى لراحته أتعبت جسمك فيما فيه خسرانُ أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسانُ

стр. 1393

جمع الموتى في قبر واحد السؤال السادس عشر: هل يجوز أن تجمع بين ميتين، أو ثلاثة، أو أربعة، أو خمسة، أو أكثر في قبر؟ وهل هذا وارد إذا أتت حروب -نسأل الله أن يستر، وأن يلطف بنا، وأن لا يرينا فتنة، وأن يقبضنا غير مفتونين، ولا مضيعين- إذا أتت حروب مدلهمة، أو موت كاسح في الناس، هل يجمع بين اثنين فأكثر؟ الجواب الأصل أن يدفن كل ميت وحده، لكن إذا اضطر إلى ذلك من كثرة القتلى، أو كثرة الأموات، فيجوز أن يدفن اثنان أو أكثر في قبر واحد، لما روى جابر في البخاري عن رسول الله ﷺ ﴿أنه جمع قتلى أحد الاثنين والثلاثة في قبر وقال: أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فيقدمه﴾ ليكون إماماً لهم وقريباً لهم، وشفيعاً لهم. وكان صاحب القرآن عند الرسول ﵊ سيداً من السادات. يقول أنس: [[كان الرجل إذا حفظ سورة البقرة وآل عمران جدَّ فينا]] يعني: نبل وفضل وأصبح سيداً. وعندما أتى كوكبة من الصحابة يريدون الغزو قال ﵊: ﴿أفيكم أحد يحفظ سورة البقرة؟. قال أحدهم: أنا يا رسول الله! قال: اذهب فأنت أميرهم﴾. فالإمارة في الإسلام بالفضل، والقرآن وبتقوى الله، والقرب منه، بالمؤهلات التي أتى بها رسول الهدى ﵊، وليس بغيرها. فالشاهد هنا: أنه يجوز أن يجمع بين الثلاثة، والأربعة، ويستحب عند أهل العلم أن يجمع الأحباب في الدنيا في القبر؛ يعني: المتوافقين، والزملاء، والأحبة، والجيران المتآخين أن يكونوا هم في قبر واحد. ولا يجمع بين غير المحارم؛ كأن يجمع بين الأجنبية والأجنبي، لا، والأصل المنع من ذلك.

стр. 1394

غسل أحد الزوجين الآخر السؤال السابع عشر: هل لأحد الزوجين أن يغسل الآخر؟ الجواب نعم، فقد روت عائشة في مسند الإمام أحمد وابن حبان أن الرسول ﵊ قال لها قبل أن يموت بأيام: ﴿لو متِ قبلي لغسلتك﴾. وزار بقيع الغرقد فسلم عليهم في ظلام الليل، ثم عاد وهو معصوب الرأس ﵊ من الصداع، وقال: ﴿وارأساه﴾. بل في الصحيح أن عائشة قالت: ﴿وارأساه! قال ﵊: بل أنا وارأساه! -وهذا على الندبة- ثم تفكهت عائشة مع النبي ﷺ قالت: لو مت أنا -لا تدري أن أجله قد دنا ﵊ لو مت أظن أنك تتزوج بعدي؟ -انظر إلى غيرة المرأة، حتى بعد الموت- قال ﵊: بل أنا لو مُتِ لغسلتك﴾ ترك المزح ﵊، وكأنه يتخيل أنه قريب الميعاد من لقاء الله عزوجل: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:١ - ٣]. أخذ من هذا أهل العلم، أن الرجل يغسل زوجته، وأن المرأة تغسل زوجها، فإن علياً غسل فاطمة، لما رواه الدارقطني بسند صحيح عن أسماء بنت عميس قالت: [[لما توفيت فاطمة بنت رسول الله ﵊، غسلها علي]]. فلأحد الزوجين أن يغسل الآخر.

стр. 1395

حكم الصلاة على من قتل حداً السؤال الثامن عشر: هل لنا أن نصلي على من مات في حد؟؛ كرجل مسلم زنى وهو محصن فرجم بالحجارة حتى مات، فهل نصلي عليه؟ أو رجل قتل نفساً ثم قتل فهل نصلي عليه أم لا؟ الجواب روى بريدة بن الحصيب في صحيح مسلم أن الرسول ﵊: ﴿صلى على الغامدية التي رجمت من الزنا﴾ فما أرحمه، وما أحسنه، وما أحسن هذا الدين!. ونحن أهل السنة والجماعة لا نكفر بالكبائر، وأهل الكبائر الذين لم يستحلوها لا زالوا مسلمين لكنهم فسقة، يقول حافظ الحكمي: لكن عصاة من أولى التوحيد قد يدخلونها بلا تخليدِ وإنما كفر بالكبائر الخوارج -عليهم غضب الله- وهم مخالفون مبتدعة. فالمقصود من هذا أن من ارتكب حداً أقيم عليه فإنه يصلى عليه ولا زال مسلماً؛ كالمحدود من الزنا إذا تاب، وعلمت توبته، وندم، وأتى يطلب الحد، فإنه يقام عليه الحد، ثم يصلى عليه كما فعل ﷺ كما في صحيح مسلم.

стр. 1396

الصلاة على قاتل نفسه السؤال التاسع عشر: الصلاة على من قتل نفسه، رجل انتحر، والانتحار حرام، واحتساء السم حرام، ومن فعل ذلك فهو خالد مخلد في النار، يحتسي سمه كما صح عنه ﵊، ومن قتل نفسه بالسكين فسكينه معه يطعن نفسه ويجأ بها صدره في نار جهنم، أي يجعله في النار يفعل بنفسه هذا الفعل. روى جابر بن سمرة في صحيح مسلم أن رجلاً قتل نفسه بمشاقص؛ قيل المشاقص: شيء من السكاكين الطوال، وقيل: هي الأسهم التي يرمى بها، أي: نحر نفسه فمات، فلم يصل عليه النبي ﵊، ترك الصلاة عليه ﵊ ولم يصل عليه. قال أهل العلم: تعزيراً من الإمام ألا يصلي على هذا. نسأل الله العافية والسلامة.

стр. 1397

الصلاة على القبر السؤال العشرون: هل يصلى على الميت في قبره إذا فاتت الصلاة عليه في الحياة؟ أي: أتيت وصاحبك قد توفي، ولم تدرك الصلاة عليه مع الناس، وأتيت وقد نقلوه وقبروه، ودفنوه، فماذا تفعل؟ الجواب السنة لك في ذلك أن تذهب وتصلي عليه صلاة الجنازة، وهو في القبر. لكن يقول أهل العلم: إذا كان العهد قريباً، قدر بعضهم ذلك بشهر، أو ما يقاربه. لما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: ﴿كانت امرأة تقم المسجد -وفي لفظ: رجل- فماتت -فكأنهم سهلوا شأنها، وما أرادوا أن يخبروا الرسول ﵊ بشأنها -فصلوا عليها ودفنوها، فسأل عنها ﵊، فأخبروه أنهم دفنوها أو دفنوه، فقام على قبرها أو قبره فصلى ﵊ صلاة الجنازة﴾. وعند البخاري من حديث ابن عباس موقوفاً عليه، وهو من قبيل المرفوع الفعلي الحكمي، قال: ﴿مر بنا النبي ﷺ فصلى على قبر دفن لشهر﴾ فبعض أهل السنة يحددها بشهر. وأما من طالت مدته فلا، ويكفي الدعاء له والاستغفار.

стр. 1398

حكم النعي السؤال الحادي والعشرون: ما حكم النعي في الإسلام؟ الجواب روى الإمام أحمد والترمذي عن حذيفة قال: ﴿نهى الرسول ﵊ عن النعي، وقال: لا نعي في الإسلام﴾. والنعي المنهي عنه يا أيها الإخوة! هو الإخبار على وجه التشهير؛ أن تشهر بهذا، وتجعل له منزلة كما يفعل الناس الآن في الصحف والمجلات، فيقولون: ننعى إليكم فلان بن فلان الذي توفي يوم كذا وكذا، وينشرون إعلانات في الصحف؛ فهذا من النعي المحرم؛ لأنهم يريدون به الشهرة. ثم يكتبون بعد ذلك إعلانات شكر لمن شاركهم في العزاء، أو اتصل بهم في الهاتف، وإعلانات شكر لمن زارهم، وواساهم، ولمن بكى من بكاهم أو غير ذلك، وهذه ليست واردة في الإسلام، وهذا خلاف السنة، لأنه لا نعي في الإسلام، لأنه تشهير بالميت. ولكن روى البخاري عن أبي هريرة قال: ﴿نعى إلينا الرسول ﷺ النجاشي في اليوم الذي مات فيه﴾ فكيف نجمع بين الحديثين؟ يقول هنا: ﴿نعى إلينا﴾ وهناك نهى رسول الله صلى الله عن النعي، وقال: ﴿لا نعي في الإسلام﴾. أما حديث النجاشي ﴿أنه نعى﴾ أي: أخبرنا؛ فالخبر لا بأس به، ولك أن تخبر بموت الميت ليحضر الناس ليصلوا عليه، أما أن تشهر به في الناس، وتندبه، وتخبر به؛ فهذا ليس وارداً، وليس من السنة، وإنما النعي هنا بمعنى: أخبرنا ﷺ بموت النجاشي في اليوم الذي مات فيه، فصلى عليه الصحابة كما سيأتي.

стр. 1399

الصلاة على الغائب السؤال الثاني والعشرون: هل يصلى على الغائب؟ فلو أن رجلاً مات في مدينة الرياض ونحن هنا في الخميس فهل نصلي عليه هنا؟ الجواب قد كثر الحديث في هذه القضية، وكثر القيل والقال، والعجيب أن للعلماء أربعة أقوال في المسألة. بعضهم يقول: -كـ الروياني من الشافعية- إذا كان الميت تجاه القبلة فنصلي عليه؛ وهذا لا دليل عليه أبداً. وبعضهم يقول: يصلى عليه مطلقاً؛ واستدلوا بحديث معاوية بن معاوية الليثي ﴿أنه مات في المدينة، والرسول ﵊ في تبوك فصلى عليه ﷺ من هناك﴾ والحديث ضعيف لا يصح، بل يصل إلى درجة الوضع. ولكن ما هو الصحيح، والراجح في المسألة؟ الراجح -إن شاء الله- أن المسلم إذا مات في بلد لم يصل عليه فيها فيصلى عليه؛ أي: مسلم مات في بلد ولكن ما سمعنا أن أحداً صلى عليه، فنصلي عليه صلاة الغائب. لأن بعض العلماء قالوا: النجاشي لما توفي؛ توفي بأرض الحبشة وكانوا نصارى وما صلوا عليه، فصلى عليه ﷺ في المدينة، صلاة الغائب، فالمسلم إذا مات وتيقنا أنه لم يصل عليه مسلم صلينا عليه. الحالة الثانية قالوا: إذا كان للمسلم بلاء حسن؛ كإنسان مشهور، كعالم من العلماء الكبار، كما يفتي علماؤنا الآن بالصلاة على عالم من العلماء، أو مجاهد من المجاهدين الكبار، أو رجل؛ كان له عدل، وكان يحكم بالكتاب والسنة، فهذا يصلى عليه. فهي حالتان: إذا لم يصل على الميت في بلده الذي مات فيه. والحالة الثانية: إذا كان له أثر وبلاء حسن. أما أنه كلما سمعنا بميت مات قمنا صلينا، كلما مات في الطائف ميت، أو في الرياض، أو في جدة، أو في تبوك قمنا وقلنا للناس مات فلان بن فلان، وليس له أثر وقدم صدق يعرف بين الناس، فليس هذا بوارد في السنة فيما أعلم، هذا في صلاة الغائب.

стр. 1400

المرغوب في عدد المصلين السؤال الثالث والعشرون: هل ورد عنه ﵊ عدد مرغوب فيه في الصلاة؟ الجواب ورد عند مسلم عن ابن عباس، قال ﵊: ﴿ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه﴾. وكلما كثر العدد كان أحسن، والسنة أن يكونوا ثلاثة صفوف، وكان ابن عباس يوزع الناس ثلاثة صفوف، لأنه من أحسن ما يكون، وفعل ذلك جابر وكثير من الصحابة. فالأربعون وما فوق أحسن، وورد عن ابن عباس في رواية (١٢٠) لكن الأكثر كأنه على زيادة الأجر. والله أعلم. فهنيئاً لمن صلى عليه أربعون أو أكثر لا يشركون بالله شيئاً، وأخلصوا له الدعاء، فعسى الله أن يشفعهم فيه.

стр. 1401

الصلاة على الجنازة في المسجد السؤال الخامس والعشرون: هل يجوز لنا أن نصلي على الجنازة في المسجد؟ الجواب الأصل في ذلك أن تكون في الجبانة -في الصحراء- هذا الأحسن والأحوط، وكان الصحابة يفعلونه، وهو الأغلب في فعلهم مع الجنازة. لكن روت عائشة كما في الصحيح قالت: ﴿والله ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل وسهل ابني بيضاء إلا في المسجد﴾ احتاجت ﵂ أن تدفع حجة من يقول لا يجوز، لأن المشهور عند الصحابة أنه صلى هناك. وسبب الحديث أن سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه- توفي، فأتوا به من البادية، فأدخلوه في المسجد؛ مسجد الرسول ﵊ يصلون عليه، فأنكر بعض الصحابة. فقالت عائشة ﴿ما أسرع ما نسي الناس! والله ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل وسهل ابني بيضاء إلا في المسجد﴾. فعلم أنه جائز ووارد أن يصلى على الميت في المسجد إذا كان الجمع أكثر، أو كانت الجبانة أو الصحراء بعيدة، ولا يمكن أن يذهب الناس إلى هناك، فالأمر وارد، وهو وارد في السنة وله أصل ولكن الأولى والأحوط إذا كانت المقبرة قريبة، والناس يتواجدون هناك أن يصلى عليه في الصحراء، (في الجبانة).

стр. 1402

صفة الصلاة على المرأة والدعاء لها السؤال الرابع والعشرون: صفة الصلاة على المرأة؟ الجواب ورد عن جابر بن سمرة: ﴿أن امرأة ماتت في عهده ﷺ -قيل: ماتت بسبب الولادة، أو ولدها مات في بطنها فماتت بهذا- فقام ﷺ وسطها فصلى بالناس﴾. فالسنة أن يقوم الإمام وسط المرأة، وعند رأس الرجل هذه سنته ﵊ في الصلاة، والدعاء للمرأة يتغير بلفظ المؤنث، وعلى الرجل بلفظ المذكر، وسوف تأتي الأدعية التي كان يدعو بها ﷺ .

стр. 1403

الصلاة على الميت والدعاء السادس والعشرون: وصف الصلاة على الميت والدعاء؟ ورد أربع تكبيرات، وورد خمس، والراجح الأربع كما يقوله الحنابلة وغيرهم من المحدثين: وكان ﵊ يكبر التكبيرة الأولى فيقرأ سورة الفاتحة، وكان ابن عباس يجهر بها أحياناً يعلمها الناس، قال: [[ليعلموا أنها سنة]]. وورد أن ابن عباس كان يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد﴾ [الإخلاص:١] مع الفاتحة، ويكبر الثانية ويصلي على الرسول ﵊ -الصلاة الإبراهيمية-: ﴿اللهم صل على محمد وعلى آل محمد﴾ الحديث، ويكبر الثالثة ويدعو للميت كما في حديث عوف بن مالك قال: ﴿توفي على عهد رسول الله ﷺ رجل، فاقتربت من الرسول ﷺ حتى لامست ثيابي ثيابه، فسمعته يقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم عافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه قال عوف بن مالك: فوددت والله أني أنا الميت﴾ يعني: من حسن الدعاء. وكان ﵊، ربما قال: ﴿اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تفتنا بعده واغفر لنا وله﴾ أو كما قال ﵊. ثم يسلم تسليمة واحدة على اليمين، كما هو المعروف، وإن سلم تسليمتين فوارد، وفي حديث معقل بن يسار وهو صحيح، وحديث ابن مغفل وهو صحيح ﴿أن الرسول ﷺ سلم تسليمتين﴾ فللإمام أحياناً أن يسلم تسليمتين إذا أراد، ولكن الغالب والراجح تسليمة واحدة.

стр. 1404

أجر من شهد الجنازة وما يتعلق بذلك السؤال السابع والعشرون: أجر من شهد الجنازة: صح عنه ﵊ من حديث أبي هريرة أنه قال: ﴿من شهد الجنازة حتى يصلى عليها وتدفن عاد من الأجر بقدر قيراطين، كل قيراط كجبل أحد﴾.

стр. 1405

موقع المشيع من الجنازة السؤال الثامن والعشرون: أين يكون المشيع للجنازة؟ الجواب المشيع الذي يمشي السنة أن يكون أمام الجنازة، لما روى الخمسة وابن حبان ﴿أن الرسول ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة﴾ أما الراكب؛ الذي يشيعها وهو راكب سيارة أو دابة فالسنة أن يكون خلف الجنازة، وأما الماشي فيمشي أمام الجنازة وإن مشى بجانبيها فحسن ولا بأس، ولكن الأفضل أن يكون خلفها.
следующие страницы →