Полный текст (10 391 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
اعتقاد أن شريعة غير الله أفضل
ومن نواقض لا إله إلا الله أن يعتقد الشخص أن شريعة غير الله أحسن من شريعة الله ، وأن شريعة الله لا تليق بالزمن ولا تناسبه ولا تواكب الدهر، ولا تستطيع أن تكفل حاجة الإنسان، وهؤلاء في قلوبهم مرض، مثل ما يقول بعض الناس -الآن- ولو سألته: هل تصلى في المسجد الصلوات الخمس الآن؟ يقول: لا.
بمعنى: أن الشريعة كانت في عهد الرسول ﷺ ، ولكن تطورت الأزمنة الآن، وتطورت المنتجات والتكنولوجيا والصناعات؛ إذا اعتقد هذا الكلام الذي قاله فقد كفر، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥] ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧].
стр. 1612
المساواة بين شريعة الله وغيرها
من نواقض لا إله إلا الله أن يرى أن غير شريعة الله مثل شريعة الله ، كأن: يساوى بين القرآن وبين قانون نابليون الفرنسي أو قواعده وشريعته التي تُحكم بلاد المسلمين الآن، ويا للأسف! ويا للخيبة! ويا للضياع! أن يأخذوا قوانين نابليون، ويتركون قوانين: إياك نعبد وإياك نستعين.
فهذه بعض النواقض وتركت بعضها لمتابعة العناصر؛ لكي يكون الموضوع في قضية ومسار واحد.
стр. 1613
الفهم الخاطئ لكلمة لا إله إلا الله
العنصر السادس: مسألة الفهم الخاطئ الذي يفهمه بعض الناس عن لا إله إلا الله، بمعنى أنهم يفهمون أن هذه الكلمات تنجيهم من النار، ولو تركت الأعمال أو ناقضتها، ولو كان كما قالوا لكان الكافر الذي يقول: لا إله إلا الله داخل في الإسلام، والوثنيون يقولون: لا إله إلا الله ولكن لا يعتقدونها، فلا بد -أولاً- من اعتقادها، ولا بد -أيضاً- من النطق بها للمستطيع، ولا بد من العمل بمقتضاها.
стр. 1614
مقتضى لا إله إلا الله
يعرف أهل السنة الإيمان: بأنه اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالأركان.
والاعتقاد بالجنان -بالقلب-: أن تعتقد أن لا إله إلا الله ؛ ولا رسول إلا رسوله ﷺ .
والنطق باللسان: أن تشهد بلسانك أن لا إله إلا الله، وتشهد برسالة الرسول ﷺ .
وتعمل بالأركان؛ أي: تزاول بجوارحك الأعمال التي تقتضيها لا إله إلا الله محمد رسول الله.
стр. 1615
لا إله إلا الله والمرجئة
стр. 1616
بطلان شبهة المرجئة في الإيمان
المرجئة قوم يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، ويقولون: إن إيمان الفاجر مثل إيمان أبي بكر الصديق!! والسبب في ذلك: لأن أبا بكر يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، والفاجر الذي يشرب الخمر ويسرق يقول: لا إله إلا الله -إذاً- فحصل الإيمان عند الجميع.
وقالوا: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وكذبوا وعارضوا الكتاب والسنة؛ بل الإيمان يزيد وينقص، قال سبحانه: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً﴾ [الفتح:٤] وقال : ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:١٧] وروي عن الإمام مالك في روايةٍ أنه قال: "الإيمان يزيد، أما النقص فما أدري"، والسبب أن الإمام مالك لم يجد نصاً فيه نقصان الإيمان، لا في الكتاب ولا في السنة، والصحيح أن الإيمان يزيد وينقص، وقال البخاري وغيره: "إن يقبل الزيادة يقبل النقصان بمفهوم المخالفة، وهذا أمر معلوم، أن كل شيء يزيد فهو يقبل النقصان.
ونعلم ونشهد بالله العظيم أن إيمان أبي بكر أعظم من إيماننا، وجهاده أعظم من جهادنا، وإخلاصه أعظم من إخلاصنا، وأن إيمان عمر أعظم من إيماننا.
سبحان الله! نحن الذين نترك صلاة الفجر في الجماعة، نحن الذين أكلنا نعم الله وما شكرناه، نحن الذين نرى المنكر وما غيرناه، وأبو بكر قد دفع دمه ووقته ودموعه وكل ما يملك من أجل لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم نتساوى مع إيمان أبي بكر، فكيف بالفجرة والفساق؟!
فهذا مذهب خطير وقد ألفت فيه رسائل.
стр. 1617
خطر الإرجاء على الأمة الإسلامية
والمرجئة فرقة خطيرة وهم موجودون في هذا العصر، ولو لم يتسموا بـ المرجئة، بل بعض الناس يقول: لا تحكموا على الناس بالمعاصي، فما دام أني أحب الله ، وشهدت أن لا إله إلا الله، ولو صليت في بيتي، فما الداعي أن أصلي في المسجد، ويقول: أيجب أن أصلي في المسجد؟ وهو يرتكب المعاصي، ويقول: والله أني أحب الله ورسوله، محبة ماذا؟!
يقول ابن المبارك:
تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا لعمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
وهذا هو الصحيح؛ فإن من علامات المحبة موافقة المحبوب، يقول على لسان اليهود: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾] المائدة:١٨] أي: لو كنتم صادقين فلم يعذبكم وأنتم مذنبون.
﴿أتى اليهود إلى النبي ﷺ ، فقالوا: يا محمد! أما الله فنشهد أنه موجود وأما أنت فلا نتبعك، فأنزل الله قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]﴾ فليعُلم أن إيمان المرجئة خطير، وهو الذي جعل كثيراً من الناس لا يصلون في المسجد، فتجد بعض الناس -الآن- ربما تمر به أشهر لا يعرف صلاة الفجر في المسجد؛ بينما لو كان دوامه في العمل قبل صلاة الفجر لحضر إلى دوامه، ولو دعاه مسئول قبل صلاة الفجر لحضر، وهذا مشاهد ومعروف، ففي بعض المناسبات بعض الناس طُلب منهم الحضور في بعض الأمور عند صلاة الفجر فقام الذين لم يكونوا يصلون إلا متأخرين وحضروا.
فهذا إيمان المرجئة -والعياذ بالله- ولو كان هناك إيمان والله لما قر للإنسان قرار حتى يقوم ليصلى صلاة الفجر في المسجد.
ومنها: أنك تجد كثيراً من الناس يمر به كتاب الله ولا يقرؤه ولا يتدبره؛ بل يهجره، بينما يقرأ من الصحف والمجلات في الأسبوع ويتدبرها ويبحث عنها أكثر بكثير من قراءته للقرآن، وهذه المجلات والصحف هي كلام فارغ وأكثره زبد: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧].
стр. 1618
قوة دين الإسلام ومتانته
أسلم أحد الغربيين، فقالوا له: ما سبب إسلامك؟ قال: أنظر إلى كل كتابٍ يؤلفه البشر، فأجد المؤلف في أول صفحة يقول: سامحوني على التقصير إن أتى خلل في مؤلفي، ومعذرة إذا أخطأت، والقرآن أتى مخالفاً لذلك، بل تحدَّى الله في أول كتابه فقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢].
انظر إلى كتب السنة، وكتب الفقه، والتفسير، والتاريخ، وافتح كلام المؤلف، تجده يقول: فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، والله منه ورسوله، ومعذرةً إن حصل من هذا بيان أو تلعثم لفظ، ومن وجد خطأً فلينبهنا مشكوراً مأجوراً، إلا الله فقال سبحانه: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١ - ٢] وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] أي: أن كتبكم هذه التي بين أيديكم فيها اختلاف، فسبحان الذي تفرد بالكمال، وتفرد رسوله ﷺ بالعصمة، والآن ما هو أصح كتاب بعد كتاب الله هو كتاب البخاري؟ وقد وجد فيه خطأ ليبقى الكمال لكتاب الله، ففيه بعض الأوهام وقد نبه عليها كثير من الحفاظ، وهي مجموعة في بعض المجاميع؛ ليبقى الكمال لله : ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢].
قالوا: فأسلم هذا الرجل الغربي، ودخل في دين الله ؛ لأنه بهذه القوة والمتانة أن يتحدى الله الناس أن يخرجوا خطأً من كتابه، وتحداهم أن يأتوا بسورة، بل بعشر السورة، بل بالقرآن، قال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣] وقال سبحانه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨].
وأُحذِّر -إخواني- من أن يغتروا بأعمالهم، إذا سمعوا مثل حديث معاذ.
ترك معاذ التحديث به حتى حضرته سكرات الموت، فقال: [[خشيت أن أكتم علماً، ثم أخبر به عند موته تأثماً]].
فبعض الناس إذا سمع حديث (لا إله إلا الله وأنها تدخل صاحبها الجنة) ترك الأعمال الصالحة، وارتكب المحرمات، وقال: أدخل بلا إله إلا الله الجنة، ولو صدق لعمل المأمور، واجتنب المحذور، وصدّق الخبر.
стр. 1619
لوازم لا إله إلا الله
من لوازم لا إله إلا الله: شهادة أن محمداً رسول الله ﷺ ؛ لأن كلمة لا إله إلا الله لا تنفع بمفردها إلا أن تقرنها بمحمد رسول الله ﷺ ؛ بالشهادة له بالرسالة، فمن شهد أنه لا إله إلا الله قادراً قاهراً محيياً مميتاً ولم يشهد بالرسول ﷺ ، دخل النار، ومن شهد بمحمد رسول الله وآمن بها ولكنه كفر بلا إله إلا الله؛ دخل النار.
فهما كلمتان مقترنتان لا بد للأولى من الثانية، ولابد للثانية من الأولى، ولا يسعد العبد إلا بهذه الكلمة، وبالعمل بمقتضاها -لا إله إلا الله محمد رسول الله- ولا تصح لا إله إلا الله وحدها إلا بهذه الكلمة؛ لأن من عارض محمد رسول الله فما آمن بالله وحده، ولا صدَّق بألوهية الله ؛ لأن معرفة ألوهيته إنما أتت عن طريق الرسول ﵊.
стр. 1620
أول ما يجب على المكلف
أول واجبات المكلف -أيها الإخوة الكرام-: الشهادة -شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله- فأول ما ينزل الطفل من بطن أمة ينزل على كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، سبحان الخالق! حتى أبناء الخواجات والوثنيين والشيوعيين والبعثيين والناصريين والقوميين أول ما ينزل الطفل من بطن أمة ينزل على التوحيد، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠].
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢].
هذا هو الميثاق، يقول أحد النبلاء:
ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سروراً
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً
وصح عنه ﵊، أنه قال: ﴿كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه﴾ أو كما قال ﵊.
فتجد أول ما المولود يأتي على لا إله إلا الله إلا الله محمد رسول الله، ثم تبدأ الأم والأب بتعليمه الكفر والانحراف، والزندقة -والعياذ بالله- أو الإسلام والتوحيد والهدى والنور.
стр. 1621
أول واجب على المكلف عند أهل الكلام
أول واجب على المكلف هو أن يشهد أن لا إله إلا الله؛ لأن المناطقة وعلماء الكلام قالوا: يجب على العبد قبل أن يقول: لا إله إلا الله أن يفكر وينظر في السماء والأرض وبتأمل، وهذا خطأ، وتجدون تعليقاً في فتح الباري، لسماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز على كلام الجويني حين ذكره الحافظ ابن حجر يقول: "لا بد من النظر والاستدلال"، فقال الشيخ ابن باز -رحمة الله-: لا.
بل أول واجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإن الرسول ﵊ قال: ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن: لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله تعالى﴾ فانظر! كيف بين ﵊ أنه لا بد للمكلف أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
стр. 1622
النطق بالشهادتين أول واجب على المكلف
وعند مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان: ﴿أن أسامة بن زيد خرج إلى الحرقات من جهينة تجاه ساحل البحر، فتقاتل هو والصحابة مع المشركين، فأتى مشرك فطارده أسامة، فلما أراد أن يقتله قال المشرك: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فقتله أسامة، فعادوا إلى الرسول ﵊ فدخلوا عليه، فسبق بعض الصحابة إلى الرسول ﷺ ، وقالوا له: يا رسول الله! إن أسامة قتل رجل يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فتغير وجه النبي ﷺ وغضب، فأتى أسامة! فقال: السلام عليك يا رسول الله! قال ﷺ : أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله! إنما قالها تعوذاً، قال: أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله! إنما قالها تعوذاً، قال: أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله! إنما قالها تعوذاً، قال: يا أسامة! من لك بلا إله إلا الله إذا أتته يوم القيامة تحاج عنه، قال أسامة: فوالذي نفسي بيده! لقد وددت أني ما أسلمت إلا تلك اللحظة﴾ أي: كأن إسلامه الأول ذهب.
فالمقصود هنا أنه يجب على المكلف أن ينطقها قبل النظر والاستدلال!!
стр. 1623
عوامل الثبات على لا إله إلا الله
عوامل الثبات على لا إله إلا الله محمد رسول الله، كيف نكون صادقين بلا إله إلا الله محمد رسول الله؟ كيف تبقى معنا لا إله إلا الله؟ وكيف نقيم لا إله إلا الله إلا الله بلا ضعف؟! وهناك عدة عوامل للثبات على لا إله إلا الله منها:
стр. 1624
أولاً: العبادة
في الصحيح أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: ﴿ما تقرب إلي عبدي بأحب مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به﴾ ومما يُقوي لا إله إلا الله في القلب النوافل مع الفرائض والسنن، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، والصدقة، وبر الوالدين، وحسن الخلق، وحسن الجوار فهذه تقوي لا إله إلا الله محمد رسول الله.
انظر كيف فترت لا إله إلا الله محمد رسول الله في قلوب المسلمين؟! فالآن تجد الجيران عندهم من المشاكل إلا ما رحم ربك، ترى الجار مع جاره إلى القاضي والمحكمة في خصومة ما، فأين لا إله إلا الله؟
بعض المسنين بلغ من العمر سبعين سنة وهو يشهد شهادة الزور؛ وقد أخبرنا بعض القضاة أن بعض الناس في السبعين من عمره وهو لا يزال يشهد شهادة الزور ليختم بها حياته، فأين لا إله إلا الله محمد رسول الله؟
وتجد بعض الناس ممن يشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله ولكنه يعق والديه سنوات مديدة؛ لا يسلم على أبويه، ولا يتلطف معهما، لا يلين ولا يرحم ولا يجيب طلب، ومع ذلك يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فأين مقتضى لا إله إلا الله محمد رسول الله؟
تجد الغش في البيع والشراء، والمخادعة، وأكل الربا، والتهتك في الحدود، وكلها من مخالفة لا إله إلا الله محمد رسول الله.
стр. 1625
ثانياً: التفكر في آيات الله الكونية
كل شيء في الكون يدلك على لا إله إلا الله محمد رسول الله:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
فوا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
ترى الزهرة، والشجرة، والنهر، والسماء، والأرض، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١].
стр. 1626
ثالثاً: التفكر في آيات الله الشرعية
ومن لوازم ما يقوي لا إله إلا الله التفكر في الآيات الشرعية، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] وأعظم ما أوصي به نفسي والمؤمنين بالله ؛ وخاصة المهتدين بهداية الالتزام: أن يكثروا من التأمل في كتاب الله ، والنظر إليه، وتدبر آياته، ويحرصوا على الخشوع عند تلاوته، ليزدادوا إيماناً، فإن الإيمان الشرعي لا يأتي إلا من السماع الإيماني، والسماع الرحماني، والمحمدي، لا السماع الشيطاني الغنائي، الذي هو من رجس وكلام المغنيين والمغنيات، أعاذنا الله وإياكم منه.
стр. 1627
متابعة النبي ﷺ
متابعة الرسول ﵊ من عوامل الثبات على لا إله إلا الله، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١].
فمتابعة الرسول ﷺ في السنن الظاهرة والباطنة تقوي لا إله إلا الله محمد رسول الله، لأنك تجد بعض الناس يخالف السنة، في لبسه، وجلوسه، وأكله، فتقول له: لماذا؟ قال: يكفي لا إله إلا الله.
وأقول: من لوازم لا إله إلا الله أن تتبع الرسول ﵊، ومما يصدِّق هذه الكلمة أن تقتفي أثره ﷺ ، فهذا مما يثبت لا إله إلا الله محمد رسول الله في قلوبنا.
стр. 1628
كيفية الثبات على لا إله إلا الله
هناك مسألة: وهي أن بعض الناس يظن أنه قد يُسدد عند الموت من قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله ويقولها ويموت، فيسعد ويدخل الجنة، مع العلم أنه ليس كل أحد يستطيع أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله في سكرات الموت، ولو كان يحمل الدكتوراه في العلم، ولو كان من أعلم أهل الدنيا وهو منحرف فلا يكفي، بل لا بد من دافع ومن قول: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) في سكرات الموت؛ لأن الله يقول: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] وقد ذكر ابن القيم -رحمة الله- في الجواب الكافي: أن رجلاً حضرته سكرات الموت، وكان عاشقاً مغنياً شارداً عن الله منحرفاً، فقالوا له: قل: لا إله إلا الله محمد رسول الله، قال: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ قالوا: قل: لا إله إلا الله محمد رسول الله، قال: أين الطريق إلى حمام منجاب، فمات عليها.
والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
وذكر ابن أبي الدنيا: أن رجلاً حضرته الوفاة، فقالوا: قل: لا إله إلا الله كان تاجراً منحرفاً عن أمر الله فقال: خمسة في ستة كم تصير؟ قالوا: قل: لا إله إلا الله محمد رسول الله؟ قال: خمسة في ستة كم تصير؟ لا يثبت بها إلا من اعتقدها وعمل بمقتضاها، أما المخادعة فالله يقول: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] فنعوذ بالله من المخادعة، ونعوذ بالله من خاتمة سيئة تختم للعبد على غير لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وأسأل الله أن يحيينا وإياكم على لا إله إلا الله، وأن يتوفانا وإياكم على لا إله إلا الله، وأن يدخلنا وإياكم الجنة بلا إله إلا الله، وأن يجعلنا من أنصار لا إله إلا الله، وأن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويوم يقوم الأشهاد، وأن يلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا، وأن يتولانا وإياكم، وصلى الله على محمد وعلى آل محمد وسلم تسليماً كثيراً
стр. 1629
الأسئلة
стр. 1630
الدين الإسلامي دين الثبات والمرونة
السؤال
ما رأي فضيلتكم فيمن قال: إن الدين الإسلامي يتصف بالثبات والمرونة، فالثبات في الأصول والمرونة في الفروع، والقياس على ما يستجد؟ ثم أرجو من فضيلتكم أن تبين كيف يكون الدين الإسلامي مواكباً للحضارة ومستجدات الحياة؟
الجواب
هذا السؤال يحتاج إلى محاضرة، وإلى كلام طويل، وتفريعات، ولكن أذكر بعض الأمور:
أما قضية الثبات والمرونة، فكلمة لا غبار عليها، فالإسلام ثابت في أصوله، مرن في مسألة مستجدات العصر، أما الصور التي وقعت وفقه النوازل التي نزلت على المسلمين، فإن الإسلام أوجد لها حلاً بالقياس، وغيره من صور التشريع، وعلى كل حال كلامك وارد أيضاً، وأما مواكبة الإسلام للزمن فهذا وارد، والشاهد أننا نعيش -الآن- في القرن الثامن عشر والحمد لله، فإن أحسن الناس اجتماعاً وأمناً من حكم شريعة الله ، وما وجدنا مسألة وجدت إلا وفي الإسلام جواباً لها ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] لكن من يأتي بهذا
الجواب
﴿ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] فما وجدت مسألة إلا واجتمع العلماء وقالوا: قولهم في المسألة وأفتوا بذلك؛ إلا أن الأصول ثابتة، والشريعة ثرية، والكتاب والسنة موجودان، يقول شوقي:
شعوبك في شرق البلاد وغربها كأصحاب كهف في عميق سبات
بأيمانهم نوران ذكر وسنة فما بالهم في حالك الظلمات
فعندنا القرآن والسنة، ولكن كثيراً من الناس في حالك الظلمات؛ لأنه ما عرف كيف يهتدي إلى الكتاب والسنة، ومن قال: إن الكتاب والسنة والإسلام لا يواكب الزمن، فقد افترى على الله ؛ بل -والله- إن من أسعد الأمم الآن هي الأمم الإسلامية.
كم عمر الشيوعية؟
اثنتان وسبعون سنة، ولكنها انهارت ولعنت وتمزقت، والبعث كُسر ظهره الآن، واحترقت أوراق الشرائع الدنيوية الأرضية، وما بقى إلا الإسلام والمستقبل له، وسوف يطوق الدنيا بإذن الله، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] فعلى كل حال هذا يحتاج إلى محاضرة حتى نبين هذه المسألة، وهي: مواكبة الشريعة للزمن، ومرونة وثبات وشمول الشريعة.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبة وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 1631
فن الدعوة
للدعوة إلى الله آداب لا بد أن يلتزم بها الداعية؛ ولأن الداعية المسلم يمثل في شخصيته أمام الناس دين الله.
فلا بد أن يتقن فن التعامل مع المدعوين، فيجتنب ما ينبغي اجتنابه، ويأتي ما ينبغي الإتيان به.
وفي هذا الدرس عرضٌ لهذه الآداب والأخلاق.
стр. 1632
الإخلاص في الدعوة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
إخوة الإيمان! إخوة الإسلام! إخوة العقيدة! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أشكركم شكراً جزيلاً على حضوركم، وأعلن أمامكم أني أحبكم في الله، وأسأل الله أن ينفعني وإياكم بهذه المحبة، فإن الله يقول في محكم التنزيل: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] اللهم إنا نسألك صدق النية، وصلاح الذرية، والعيشة الرضية، اللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، وحب أوليائك وكره أعدائك، اللهم أصلح منا القلوب، واستر منا العيوب، واغفر لنا الذنوب.
وفي الحقيقة أنني مدين بالشكر لكم، إذ إن هذا الدرس وهو بعنوان (فن الدعوة) هو نتاج أفكاركم، ومن الفتوحات التي فتحها الله عليكم في اقتراحاتكم ورسائلكم، ومشاركاتكم، ومثلي ومثلكم هذه الليلة كما قال الشاعر:
كالبحر يمطره السحاب وما له فضلٌ عليه لأنه من مائه
الدعوة -يا معاشر أهل الإيمان، ويا حملة لا إله إلا الله- فنٌ يجيده الدعاة الصادقون، كفن البناء للبناة المهرة، وفن الصناعة للصناع الحذاق، وكان لزاماً على الدعاة أن يحملوا هموم الدعوة، ويجيدوا إيصالها للناس؛ لأنهم ورثة محمد ﷺ ، ولابد على الدعاة أن يدرسوا الدعوة، ولوازمها ونتائجها، وأساليبها، وما يجدُّ في الدعوة، وكان لزاماً عليهم أن يتقوا الله في الميثاق الذي حملوه من معلم الخير ﵊، فإنهم ورثة الأنبياء والرسل، وهم أهل الأمانة الملقاة على عواتقهم، إذا علم ذلك فإن أي خطأ يرتكبه داعية؛ يؤثر في الأمة، ويكون الدعاة هم المسئولون بالدرجة الأولى عما يرتكب من خطأ، أو ما يحدث من فشل؛ بسبب أنهم هم رواد السفينة التي إذا قادوها إلى بر الأمان نجت بإذن الله.
واعلموا -حفظكم الله- أنه ينبغي على الدعاة ويجب عليهم آداب لابد أن يتحلوا بها حتى يكونوا رسل هداية ومشاعل حقٍ وخيرٍ يؤدون الرسالة كما أرادها الله.
وإن مما ينبغي على الدعاة -أيها الكرام- أولاً: الإخلاص في دعوتهم، وأن يقصدوا ربهم في عملهم، وألا يتطلعوا إلى مكاسب دنيوية زائلة، وإلى حطامٍ فانٍ، ولسان الواحد منهم يقول: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعراء:١٢٧] ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ:٤٧] فلا يطلب الداعية منصباً، ولا مكانةً ولا منزلةً، ولا شهرةً، بل يريد بعمله وجه الواحد الأحد إنك تعلم ما نريد.
خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريباً
فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليبا
وكذلك يكون مقصود الداعية: إقامة الدين وهيمنة الصلاح، وتقليص الفساد في العالم ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨] والداعية -أيها الإخوة- كالمجاهد في سبيل الله، فكما أن ذاك على ثغرٍ من الثغور، فهذا أيضاً على ثغرٍ من الثغور، وكما أن المجاهد يقاتل أعداء الله، فهذا يقاتل أعداء الله من الذين يريدون تسيير الشبهات والشهوات، وإغواء الجيل، وانحطاط الأمة، وإيقاعها في حمأة الرذيلة
﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [النساء:٢٧] فوجب على الداعية أن يتحلى بما يتحلى به المجاهد، وأن يصابر الأعداء ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد:٤].
стр. 1633
طلب العلم النافع
ويلزم الداعية أن يطلب العلم النافع الموروث عن معلم الخير ﷺ ؛ ليدعو على بصيرة، لأن الله قال في محكم التنزيل: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] قال مجاهد: البصيرة: العلم، وقال غيره: البصيرة: الحكمة، وقال آخر: البصيرة: التوحيد، والحقيقة أن المعاني الثلاثة متداخلة، ولابد للداعية أن يكون موحداً للواحد الأحد، لا يخاف إلا من الله، ولا يرجو ولا يرهب إلا الله، ولا يكون أشد حباً إلا لله ، ولابد له أن يكون ذا علم نافع، وهو علم (قال الله، قال رسوله ﷺ ليدعو إلى الله على بصيرة، فيحفظ ما تيسر من كتاب الله، ويعنى بالأحاديث عناية فائقة، فيخرجها، ويصحح الصحيح منها، ويضعف الضعيف حتى يثق الناس بعلمه، ويعلم الناس أنه يحترم أفكارهم، وأنه يحترم تواجدهم، فإنني أعتبر مثل هذا الجمع أولاً: أنه حبٌ لله ، الثاني: أنه احترام لي، فلولا الحب بيني وبينكم ما حضرتم، فلم تجمعكم رغبة ولا رهبة، فكان لزاماً عليّ وأمثالي من المقصرين من طلبة العلم أن نحترم الجمهور في أن نقدم علماً نافعاً جديداً بناءً، مرسوماً على منهج أهل السنة والجماعة.
كذلك ينبغي على الداعية أن يكون حريصاً على أوقاته في حله وترحاله، في إقامته وفي سفره، وفي مجالسه، فيناقش المسائل، ويبحث مع طلبة العلم، ويحترم الكبير، ويستفيد من ذي العلم والتجربة والعقل، وإذا فعل ذلك سدد الله سهامه ونفع بكلامه، وأقام حجته ورفع برهانه.
стр. 1634
البعد عن المثاليات
ومما ينبغي على الداعية: ألا يعيش المثاليات، وليعلم أن الناس مقصرون وأنه مقصر، قال : ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٢١] فهو الكامل وحده، والنقص لنا.
ذهب الله بالكمال وأبقى كل نقصٍ لذلك الإنسان
فما دام أن الإنسان خلق من نقص؛ فعلى الداعية أن يتعامل مع المجتمع، ومع الشبيبة، ومع النساء، ومع العامة على أنهم من مصدر نقص، قال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [النجم:٣٢] فما دام نشأتم من الطين والتراب، فأنتم ناقصون لا محالة، ولذلك كان ﷺ يتعامل مع الناس على أنهم ناقصون ومقصرون، يرى المقصر منهم فيعينه ويساعده ويشجعه، ويأخذ به إلى الطريق، والداعية الذي يعيش المثاليات لا يصلح للناس، فإنه يتصور في الخيال أن الناس ملائكة إلا أنهم يأكلون ويشربون، والخلاف بينهم وبين الملائكة الأكل والشرب، وهذا خطأ، خاصةً في مثل القرن الخامس عشر -الهجري- الذي لا يوجد بيننا فيه محمد ﵊، ولا الصحابة الأخيار وقلّ أهل العلم، وكثرت الشبهات، وانحدرت علينا البدع من كل مكان، وأغرقنا بالشهوات، وحاربتنا وسائل مدروسة درست في مجالس عالمية، وراءها الصهيونية العالمية وأذنابها، فحق على العالم والداعية أن يتعامل مع هذا الجيل وهو يتصور أنه سوف يخطئ، وأن الإنسان سوف يحيد عن الطريق، فلا يعيش المثاليات، ولا يغضب إذا سمع شاباً طرح عليه مشكلة، أو أنه وقع في معصية.
فقد ﴿أُتي إلى الرسول ﷺ برجلٍ شرب الخمر -وهو من الصحابة- أكثر من مرة، فلما أتي به أقيم عليه الحد، قال بعض الصحابة: أخزاه الله ما أكثر ما يؤتى به في الخمر، فغضب ﵊ وقال للرجل: لا تقل ذلك، لا تعين الشيطان عليه، والذي نفسي بيده، ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله﴾ فلا إله إلا الله ما أحسن الحكمة! ولا إله إلا الله ما أعظم التوجيه! خمسون مرة وهو يشرب الخمر وبعدها يحب الله ورسوله.
ولذلك ينبغي ألا نيأس من الناس، مهما بدرت منهم المعاصي والمخالفات والأخطاء، بل لا بد أن نعتبر أنهم رصيد محمد ﷺ ، وأنهم أمل هذه الأمة، وأنهم في يومٍ من الأيام سوف تفتح لهم أبواب التوبة، وسوف تراهم صادقين، مخلصين، تائبين، متوضئين.
стр. 1635
عدم اليأس والقنوط من إعراض الناس
ينبغي على الداعية ألا ييأس من الناس، بل عليه أن يصبر ويصابر ويسأل لهم في السجود، وفإنه سوف يفرح بهم غداً، ولا يستعجل عليهم، فإن رسولنا ﵊ مكث في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى لا إله إلا الله، فلم ييأس على كثرة الإيذاء والسب والشتم، وعلى كثرة ما تعرض له من الصعوبات، التي -والله العظيم- لو جمعت المصائب التي يتعرض لها الدعاة والعلماء، فإنها لا تعادل ذرة أمام المصاعب التي تعرَّض لها النبي ﷺ ، ومع ذلك صبر وحاسب نفسه، وحبس أعصابه ﵊ ولم يغضب حتى يأتيه ملك الجبال، فيقول: أطبق عليهم الأخشبين؟ قال: لا، إني أسأل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً، فأخرج الله من أصلاب الكفرة القادة: خالد بن الوليد من صلب الوليد بن المغيرة، ومن صلب أبي جهل عكرمة بن أبي جهل.
فما أحسن الطريقة! وما أحسن ألاَّ ييأس الداعية! وأن يعلم أن العاصي قد يتحول بعد المعاصي إلى إمام مسجد أو خطيبٍ أو عالمٍ.
من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
تريد مهذباً لا عيب فيه وهل عود يفوح بلا دخان
هذا لا يصلح على منهج الكتاب ولا على منهج السنة.
ومما ينبغي على الداعية ألا يقنط الناس من رحمة الله تعالى، فإن رحمة الله وسعت كل شيء، وهو الرحمن الرحيم، الذي يقول في الحديث القدسي الذي رواه أحمد والترمذي بسندٍ صحيح: ﴿يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة﴾ فلا تقنط شارب الخمر من توبته إلى الله، ولا تقنط الزاني ولا القاتل ولا السارق، بل حببهم إلى الهداية، وقل: هناك ربٌ رحيم، يقول في محكم التنزيل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] قال علي ﵁ وأرضاه: [[الحكيم من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يورطهم في معصية الله]].
стр. 1636
الداعية ومشكلة تهوين المعاصي على الناس
ومن آداب الداعية ألا يهون على الناس المعاصي، بل يخوفهم من الواحد الأحد، فيكون وسطاً بين الخوف والرجاء، فإن بعض الناس قد يتساهل مع الناس في المعاصي، فكلما فعل عاصٍ معصية قال: ما عليك، وكلما ارتكب كبيرة، قال: سهلة، وكلما أتى بأخطاء، قال: أمرها سهل بسيط يسير، لا.
بل علِّمه أن هناك رباً يغضب إذا انتهكت حدوده، وأن هناك سلطاناً عظيماً على العرش استوى، لا يرضى أن تنتهك محارمه، وقد صح في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ قال: ﴿تعجبون من غيرة سعد، فوالذي نفسي بيده، إني أغير من سعد وإن الله أغير مني﴾ وقد ورد من صفاته ، كما في الصحيح من حديث ابن مسعود: ﴿أن الله غيور، ومن غيرته أنه يغار على عبده المؤمن أن يزني، وعلى أمته المؤمنة أن تزني﴾.
стр. 1637
الداعية ومهاجمة أشخاص معينين
ومن صفات الداعية ألا يهاجم أشخاصاً بأسمائهم، فلا يلمزهم على المنابر بأسمائهم أمام الناس، بل يفعل كما فعل الرسول ﷺ ، ويقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا، فيعرف صاحب الخطأ خطأه، ولكن لا نشهر به، وأحب أن أفسر لكم مسألة قد تخفى أو لا تظهر وهي مثلاً: رجلٌ جاهر الله بكتاباته، أو بانحرافاته أو بأدبه أو ببدعته أو بدعوته إلى المجون، فهذا لا بأس أن يشهر به عند أهل العلم حتى يبين خطره، فقد شهَّر أهل العلم بـ الجهم بن صفوان، وقال ابن المبارك في الجهم هذا المجرم الذي قاد الأمة إلى الهاوية، وابتدع بدعة في الدين، قال:
عجبت لدجالٍ دعا الناس جهرة إلى النار واشتق اسمه من جهنم
فشهروا به وشهروا بـ الجعد بن درهم وكتبوا أسماءهم في كتب الحديث، وحذروا الناس في المجالس العامة والخاصة منهم، فمثل هؤلاء يشهر بهم، لكن الذين يتكتم على أسمائهم أناسٌ أرادوا الخير فأخطئوا، وأناسٌ زلت بهم أقدامهم، وأناس أساءوا في مرحلة من المراحل، فهؤلاء لا تحاول أن تظهر أسماءهم في القائمة السوداء، فإن ذلك قد يغريهم على أن تأخذهم العزة بالإثم.
стр. 1638
الداعية وتزكية النفس
وعلى الداعية أن لا يزكي نفسه عند الناس، بل يعرف أنه مقصر مهما فعل، ويحمد ربه سبحانه أن جعله متحدثاً إلى الناس، ومبلغاً عن رسوله ﷺ ، فيشكر الله على هذه النعمة، فإن الله قال لرسوله ﷺ : ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ [النور:٢١] وقال له في آخر المطاف وهو يؤدي الرسالة كاملة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:١ - ٣].
قال أهل العلم: أمره أن يستغفر، والمعنى قد تكون مقصراً فيما فعلت فاستغفر ربك، وما تدري فإن المنة لله الواحد الأحد، وهو المعطي .
فلا يأتي الداعية فيزكي نفسه ويقول: أنا آمركم دائماً وتعصونني، وأنهاكم ولا تمتثلون نهيي، وأنا دائماً ألاحظ عليكم، وأنا دائماً أرى، وأنا دائماً أقول في نفسي، وأنا دائماً أحدث نفسي إلى متى تعصي هذه الأمة ربها، فيخرج نفسه من اللوم والعتاب وكأنه بريء، وهذا خطأ، بل يجعل الذنب واحداً، والتقصير واحداً، ويقول لهم: وقعنا كلنا في هذه المسألة، وأخطأنا كلنا، والواجب علينا حتى لا يخرج نفسه من اللوم والعتاب، فما نحن إلا أسرة واحدة، وربما يكون -بل هذا حاصل- في المجموع الجالس من هو أزكى عند الله من الداعية، ومن هو أحق وأقرب إليه، وعلم الله أنني لا ألتمس بعد التوحيد الذي أدين الله به، مثل حب الصالحين ودعائهم فإنه من أعظم ما يقربنا إلى الله.
стр. 1639
خطر الإصابة بالإحباط عند الداعية
ومنها: أن يعلم الداعية أن الانحراف في الناس أكثر، وأن المفسدين في الناس كثير، فلا تصاب نفسه بإحباط، ولا يصاب بخيبة أمل، ولا يرى الألوف المؤلفة تتجه إلى اللهو واللغو والقليلة تتجه إلى الدروس والمحاضرات، ويقول: ما هذا؟! أقول: سنة وقضاء، سنة الله ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الفتح:٢٣]؛ لأن الله سبحانه ذكر في محكم التنزيل أن أهل المعصية والضلال أكثر، وأن المفسدين أكثر، وقال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣] ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٩٩] ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢] لست عليهم بوكيل ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٨] فنحن لا نملك سوطاً، ولا عصى، ولا عذاباً، ولا حبساً، إنما نملك حباً ودعوةً وبسمة، نقود الناس بها إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض، فإن استجابوا حمدنا الله، وإن لم يستجيبوا ورفضوا أوكلنا أمرهم إلى الله الذي يحاسبهم.
قال بعض العلماء: الكفار في الأرض أكثر من المسلمين، وأهل البدعة أكثر من أهل السنة، والمخلصون من أهل السنة أقل من غير المخلصين.
стр. 1640
ضرورة فقه الواقع للداعية
ومن مواصفات الداعية أن يعيش واقع الناس، ويقرأ حياتهم، ويتعرف على أخبارهم، قال لرسوله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥] ومن حكمة الله تعالى إحياء رسوله أربعين سنة في مكة، فعاش في شعاب مكة، وفي أودية مكة، عرف مساربها ومداخلها، عرف الأطروحات التي وقعت في مكة، وعرف بيوت أهل مكة، واعترض الكفار وقالوا: لولا نزل عليه ملك، وقالوا: لو كان هو ملك، والله ذكر أنه لابد أن يكون بشراً يعيش آمال الناس وهمومهم ومشكلاتهم، واحتياجاتهم، فحقٌ على الداعية أن يقرأ واقعه، وأن يستفيد من مجتمعه، وأن يعرف ماذا يدور في البلد وماذا يقال؟ وما هي مصادر المعلومات، ومن أين تأتي؟ وما هي القضايا المطروحة؟ ويتعرف حتى على الباعة، وعلى أصناف التجار، وعلى الفلاحين، وعلى طبقات الناس، وعلى أن يلوح في طرحه على مجامع الناس، وفي الأسواق والمحلات، وفي الجامعات والأندية، حتى يكون صاحب خلفية قوية يتكلم من واقع يعرفه.
وجعل أهل العلم من لوازم الداعية إذا أتى إلى بلد أن يقرأ هذا البلد، وقد كان بعض العلماء إذا سافر إلى الخارج يأخذ مذكرات عن البلد، عن تاريخه، وجغرافيته، ودراسة علم النفس فيه، وأمزجة أهل البلد، وتربية البلد، حتى يتكلم على بصيرة.
стр. 1641
أهمية تقديم الصورة الصحيحة للقضية وعدم تهويلها
ومنها: ألا يهول عليهم الوعظ، وألا يبالغ في النقل، ولا يجازف في العبارات، بل يأتي بكتاب الله ، وسنة الرسول ﷺ ، ولا يزيد على ذلك، فإن بعض الوعاظ يحملهم الإشفاق والغيرة على أن يزيدوا على الكتاب، فتجده إذا تكلم على معصية جعل عقابها أكثر مما جعله الله ، حتى إن من يريد أن ينهى عن الدخان وشربه، يقول مثلاً: يا عباد الله! إن من شرب الدخان حرم الله عليه الجنة، وكان جزاؤه جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً، وهذا خطأ؛ لأن هناك موازين في الشريعة، هناك شركٌ يخرج من الملة، وهناك كبائر وصغائر، وهناك مباحات ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق:٣].
فوضع الندى في موضع السيف بالعلى مضرٌ كوضع السيف في موضع الندى
فعلى الداعية: أن لا يهول على الناس، كذلك لا يهول جانب الحسنات كالحديث -وهو ضعيف- الذي يقول: ﴿صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاةٍ بلا سواك﴾ وحديث آخر باطل: ﴿من قال: لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، بنى الله له سبعين قصراً في الجنة في كل قصر سبعون حورية على كل حورية سبعون وصيفة﴾ ويبقى في سبعين من صلاة العصر إلى صلاة المغرب، مع العلم أن الأجر الذي عليه محدد من الشارع الحكيم رسول الله ﷺ ، فالتهويل ليس بصحيح، بل يكون الإنسان متزناً في عباراته، يعرف أنه يوقع عن رب العالمين، وينقل عن معلم الخير ﷺ .
стр. 1642
حكم الاستدلال بالحديث الموضوع
ومما ينبغي على الداعية ألا يستدل بحديثٍ موضوع، إلا على سبيل البيان، فإنه يعلم أن السنة -والحمد لله- ممحصة ومنقاة، وأنها معروضة، وأن أهل العلم نقوها، ولذلك لما أُتي بالمصلوب الذي وضع أربعة آلاف حديث على أمة محمد ﷺ كذباً وزوراً أُتي به إلى هارون الرشيد ليقتله، فسل هارون الرشيد السيف، قال: اقتلني أو لا تقتلني فوالله، لقد وضعت على أمة محمد أربعة آلاف حديث، قال هارون الرشيد: ما عليك يا عدو الله ينبري لها الجهابذة يزيفونها ويخرجونها كـ ابن المبارك وأبي إسحاق المروزي، فما مر ثلاثة أيام إلا وقد نقاها عبد الله بن المبارك وأخرجها وبين أنها موضوعة، فلله الحمد على منته.
فالأحاديث الموضوعة مبينة، وأنا أحذر إخواني الدعاة ألا يذكروا الناس بحديثٍ موضوع، ولو قال: إن فيه مصلحة ردهم إلى الله، فالمصلحة كل المصلحة فيما ثبت عن الرسول ﷺ ، والأحاديث الموضوعة كأحاديث علقمة وما واجه مع أمه، وكأحاديث ثعلبة والزكاة، وكأحاديث أخر بواطل، لا يصح الاستشهاد بها؛ لأن ضررها على الأمة عظيم، وأثرها على الأمة سقيم، لكن يجوز للداعية أن يبين للناس في مثل محاضرة أو درس أو خطبة الأحاديث الموضوعة وينبه الناس عليها.
كذلك الأحاديث الضعيفة لها شروطٌ في الاستدلال، فيستدل بالحديث الضعيف عند بعض أهل العلم بثلاثة شروط:
أولاً: ألا يكون شديد الضعف.
ثانيا: أن تكون القواعد الكلية في الشريعة تسانده وتؤيده.
ثالثاً: ألا يكون في الأحكام، بل يكون في فضائل الأعمال.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وأسقاه من سلسبيل الجنة- عن الإمام أحمد في المجلد الثامن عشر من الفتاوى أنه قال: إذا أتى الحلال والحرام شددنا، وإذا أتت الفضائل تساهلنا.
وهذا كلامٌ جيد، ولو أنه غير مجمع عليه.
стр. 1643
عدم القدح في الهيئات والمؤسسات مع تبيين الحق والباطل
ومما ينبغي على الداعية ألا يقدح في الهيئات ولا في المؤسسات بذكر أسمائها، ولا الجمعيات، ولا الجماعات، لكن يبين منهج الحق، ويبين الباطل، فيعرف صاحب الحق أنه محق، ويعرف صاحب الباطل أنه مبطل؛ لأنه إذا تعرض للشعوب جملة، أو للقبائل بأسمائها، أو للجمعيات، أو للمؤسسات، أو للشركات أتى الآلاف من هؤلاء فنفروا منه، ولم يستجيبوا له، وتركوا دعوته، وهذا خطأ.
وفي الأدب المفرد مما يروى عنه ﷺ أنه قال: ﴿إن من أفرى الفرى أن يهجو الشاعر القبيلة بأسرها﴾ وهذا خطأ، فإن من يقول: قبيلة كذا كلهم فسدة وفسقة، مخطئ لأنه لم يصدق في ذلك، والتعميم عرضة للخطأ، فالوصية أن يكون الداعية لبقاً في اختيار العبارة حتى يدخل للقلوب، ولا يثير عليه الشغب؛ لأن الناس يغضبون لقبائلهم ولشعوبهم ولشركاتهم، ويغضبون لمؤسساتهم ولجمعياتهم، فليتنبه لهذا.
стр. 1644
عدم التكبر على الناس
ومنها: ألا يظهر الداعية بهالة المستعلي على جمهوره وأحبابه وإخوانه، وعلى المدعوين كأن يقول مثلاً: قلت وفعلت، وكتبت، وراسلت، وألفتُ، فإن (أنا) من الكلمات التي استخدمها إبليس، قال ابن القيم في كلامٍ ما معناه: اجتنب ثلاث كلمات (أنا) و (لي) و (عندي) فإن إبليس قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] وقال فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف:٥١] وقال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص:٧٨] فاجتنب (أنا) واجتنب (لي) واجتنب (عندي) ولكن قد تستخدم (أنا) في مثل: أنا مقصر، كما قال شيخ الإسلام -سقاه الله من سلسبيل الجنة-:
أنا الفقير إلى رب البريات أنا المسيكين في مجموع حالاتي
أحد الناس مدح الداعية الكبير ابن تيمية الجهبذ، فغضب ابن تيمية وقال:
أنا المكدي وابن المكدي وهكذا كان أبي وجدي
يقول: أنا مذنب وأبي مذنب، وجدي مذنب إلى آدم ﵇.
هذا واجب الداعية أن يظهر دائماً بالتواضع وأن يلتمس العذر من إخوانه، وأن يبادلهم الشعور، وأن يطلب منهم المشورة والاقتراح، وأن يعلم أن فيهم من هو أعلم منه وأفصح وأصلح، لكن الله رشحه وكلفه، وكان أكثرهم حملاً، قال بعض السلف: الساكت ينتظر الأجر من الله، والمتكلم ينتظر المقت، فإن المتكلم خطير، فنسأل الله أن يسلمنا وإياكم.
стр. 1645
الداعية لا يعطي المسألة أكبر من حجمها
ومنها ألا يعطي المسألة أكبر من حجمها، فالدين مؤسس، ومفروغٌ منه ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] فلا يعطي المسائل أكبر من حجمها، ولا يصغر المسائل الكبرى أو يهونها عند الناس.
ومن الأمثلة على ذلك أن بعض الدعاة يعطي مسألة تربية اللحية أكبر من حجمها، حتى كأنها التوحيد الذي يدخل به الناس الجنة، ويخلد الناس بتركه في النار، مع العلم أنها من السنن الواجبات، وأن من حلقها فقد ارتكب محرماًً، لكن لا تأخذ حجماً أكبر من حجمها، وكذلك إسبال الثياب، وكذلك الأكل باليد اليسرى، وغيرها من المسائل، لا يتركها الداعية أو يقول: إنها قشور فيخطئ، ولكن لا يعطيها أكبر من حجمها، ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق:٣] فعليه أن يفعل كما فعل ﵊، تكلم عن التوحيد في جل أحاديثه ومجالسه، وأعطى المسائل حجمها حتى لا يصاب الناس بإحباط، فإن التربية المعوجة أن تصف له المسألة السهلة فتكبرها عنده، وتصغر المسألة الكبرى.
فأحياناً: بعض الناس يصغر من مسألة السحر واستخدام السحر ويقول: إنه ذنب، مع العلم أنه عند كثير من أهل العلم مخرجٌ من الملة، وحد الساحر ضربةٌ بالسيف، ومع ذلك تجد بعض الدعاة يصغر من شأن السحر.
وأحياناً: بعض الدعاة أيضاً يصغر من شأن الحداثة أو الهجوم على الإسلام في بعض المقالات والصحف والمجلات والجرائد، ويقول: هذا أمرٌ محتمل، والمسألة سهلة ويسيرة.
стр. 1646
عدم الاشتغال بمسائل لا فائدة منها
أيضاً على الداعية ألا يشغل الأمة في مسائل مفتعلة، لا يحسون بها ولا يعيشونها، فإن بعض الدعاة يختلق مسائل ولم يأتِ وقتها، أو الأمة مشغولة بمسائل أعظم منها، مثل: مسألة المهدي المنتظر، فيؤلف فيها كتاباً، ويرد عليه الآخر، مع العلم أن المهدي ما ظهر، وسوف يظهر في آخر الزمان، وعندنا من المشاكل ومن الدواهي، والمصائب ما يشغلنا عن ذلك.
أيضاً مثل مسألة: أين أدنى الأرض في قول : ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم:١ - ٣] قال بعضهم: بحيرة طبرية، وقال بعضهم: غور الأردن، وقال بعضهم: أقرب الأرض من جزيرة العرب، وألف في هذه رسالة، ورد عليه ذاك برسالة! وهذا إشغال للأمة، بمثل هذه المسائل التي مر عليها أهل السنة والجماعة، وقالوا: نمرها كما جاءت من دون تعطيل!
стр. 1647
لين الداعية في خطابه مع الناس
ومنها أيضاً اللين في الخطاب، والشفقة في النصح، كما كان ﵊، كلامه ليِّن ووجهه بشوش، وتواضع ﵊ للكبير والصغير، فتراه يقف مع العجوز ويقضي غرضها، ويأخذ الطفل ويحمله ﵊، ويذهب إلى المريض ويزوره، ويقف مع الفقير، ويتحمل جفاء الأعرابي، ويرحب بالضيف، ويوافق الإنسان، وكان إذا صافح شخصاً لا يخلع يده من يده حتى يكون ذلك هو المنتهي، وكان إذا وقف مع شخص لا يعطيه ظهره حتى ينتهي ذاك، وكان دائم البسمة في وجوه أصحابه ﷺ لا يقابل أحداً بسوء.
فإذا فعل الإنسان ذلك كان أحب إلى الناس ممن يعطيهم الذهب والفضة ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ويرسل الله موسى وهارون ﵉، إلى أطغى طاغية فيقول لهما وهما في الطريق: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] فالقول اللين سحرٌ حلال، قيل لأحد أهل العلم: ما هو السحر الحلال؟ قال: تبسمك في وجوه الرجال، وقال أحدهم يصف الدعاة الأخيار من أمة محمد ﷺ :
هينون لينون أيسار بني يسرٍ صيدٌ بهاليل حفاظون للجار
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري
فأدعو إخواني إلى لين الخطاب، وألا يظهروا للناس التزمت، ولا الغضب، ولا الفضاضة في الأقوال والأفعال، ولا يأخذوا الناس أخذ الجبابرة فإنهم حكماء معلمون، أتوا رحمةً للناس، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] فالرسول ﷺ رحمة، وأتباعه رحمه، وتلاميذه رحمة، والدعاة إلى منهج الله رحمة.
стр. 1648
مشاورة الآخرين وعدم الاستبداد بالرأي
ومنها: أن يقبل على أهل الخير، قبل ذلك يشاور إخوانه، فلا يستبد برأيه والله يقول: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] فيشاور طلابه في الفصل، ويشاور إخوانه، ويشاور أهل الدين وأهل الخير ممن هم أكبر سناً، ولا بأس أن يعرض عليهم حتى المسائل الخاصة التي تخصه هو حتى يثقون به، ويبدون له النصح، ويكونون على قربٍ منه، ويشاور أهل الحي والحارة، فإن الرسول ﷺ جلب الناس بسبب المشاورة، وكان يشاورهم حتى في المسائل العظيمة التي تلم بالأمة، كنزوله في يوم بدر، ومشاورته لأصحابه في الأسرى والغنائم ونحو ذلك وأمثالها من القضايا الكبرى.
فأنا أطلب من الداعية أن يشاور المجتمع، ولا بأس أن يكتب لهم بطاقات، وأن يطلب آراءهم، وإذا وجد مجموعة منهم يقول: ما رأيكم يا إخوتي في كذا وكذا؟ فإن رأي الإثنين أحسن من رأي الواحد، ورأي الثلاثة أحسن من رأي الإثنين.
стр. 1649
الثناء على أهل الخير
ومنها: أن يثني على أهل الخير، ويشكر من قدم صالحاً، فإن المسلم والداعية إذا أثنى على أهل الخير، عرفوا أنه يعرف قدرهم، وأنه لا يترك الجميل بلا جميل وبلا شكر، ولا يترك المخطئ بلا إدانة وبلا تنبيه، فكأنك لم تفعل شيئاً، بل لابد أن تقول للمحسن: أحسنت وللمسيء أسأت، فكبار السن يحبون منك أن تحتفل بهم، وأن تعرف أن لهم حق سن الشيخوخة وأنهم سبقوك في الطاعة، وأنهم أسلموا قبلك، وأنهم دخلوا في الدين قبلك بسنوات، فتعرف لهم قدرهم، وكذلك العلماء والقضاة، وأعيان الناس وشيوخ القبائل، ونحو ذلك من أهل الفضل، وأهل المواهب، كالشعراء والكتبة الإسلاميين، ومن له بلاءٌ حسن، والتجار الذين ينفقون في سبيل الله عليك أن تظهر لهم المنزلة وتشكرهم على ما قدموا، حتى تحيي في قلوبهم هذا الفعل الخير.
وكان ﵊ يقول على المنبر: ﴿غفر الله لـ عثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم﴾ وكان يقول: ﴿ألستم تاركو لي صاحبي﴾ -يعني أبا بكر الصديق - وكان يشكر عمر ويخبر ما رأى عن عمر، وكان يقول: ﴿سمعت دف نعليك يا بلال البارحة في الجنة﴾ ويقول: ﴿دخلت الجنة البارحة فرأيت الرميصاء﴾ ويثني على هذا ويمدح هذا، ويشكر هذا، فإن هذه من أساليب التربية، وليست من التملق في شيء.
стр. 1650
الإسرار والجهر بالدعوة
ومنها: أن يعلن الدعوة للمصلحة ويسر بها للمصلحة، فمرةً يعلن بها، حيث يكون الإعلان مناسباً كالمحاضرة العامة، والموعظة العامة في قرية أو في بلدة، أو في مدينة، ولكن إذا أتى ينصح شخصاً بعينه فليأخذه على حدة، بينه وبينه، ويتلطف له بالعبارة، وينصح له بينه وبينه، قال الشافعي:
تعمدني بنصحك في انفراد وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوعٌ من التوبيخ لا أرضى استماعه
فإن خالفتني وعصيت قولي فلا تجزع إذا لم تعط طاعة
يقول: إذا خالفتني، ونصحت الإنسان أمام الناس، فلا تجزع فسوف يجابهك هذا وينتقم لنفسه، وقد تأخذه العزة بالإثم، وكم شكا لي بعض الشباب -حفظهم الله- أن بعض الناس جابههم في مجمع من الناس، وانتقدهم، فأصابهم من ذلك تذمر وانقباض واشمئزاز، وهذا ليس من المصلحة في شيء.
следующие страницы →