Полный текст (10 391 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
عدم الاشتغال بمسائل لا فائدة منها
أيضاً على الداعية ألا يشغل الأمة في مسائل مفتعلة، لا يحسون بها ولا يعيشونها، فإن بعض الدعاة يختلق مسائل ولم يأتِ وقتها، أو الأمة مشغولة بمسائل أعظم منها، مثل: مسألة المهدي المنتظر، فيؤلف فيها كتاباً، ويرد عليه الآخر، مع العلم أن المهدي ما ظهر، وسوف يظهر في آخر الزمان، وعندنا من المشاكل ومن الدواهي، والمصائب ما يشغلنا عن ذلك.
أيضاً مثل مسألة: أين أدنى الأرض في قول : ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم:١ - ٣] قال بعضهم: بحيرة طبرية، وقال بعضهم: غور الأردن، وقال بعضهم: أقرب الأرض من جزيرة العرب، وألف في هذه رسالة، ورد عليه ذاك برسالة! وهذا إشغال للأمة، بمثل هذه المسائل التي مر عليها أهل السنة والجماعة، وقالوا: نمرها كما جاءت من دون تعطيل!
стр. 1647
لين الداعية في خطابه مع الناس
ومنها أيضاً اللين في الخطاب، والشفقة في النصح، كما كان ﵊، كلامه ليِّن ووجهه بشوش، وتواضع ﵊ للكبير والصغير، فتراه يقف مع العجوز ويقضي غرضها، ويأخذ الطفل ويحمله ﵊، ويذهب إلى المريض ويزوره، ويقف مع الفقير، ويتحمل جفاء الأعرابي، ويرحب بالضيف، ويوافق الإنسان، وكان إذا صافح شخصاً لا يخلع يده من يده حتى يكون ذلك هو المنتهي، وكان إذا وقف مع شخص لا يعطيه ظهره حتى ينتهي ذاك، وكان دائم البسمة في وجوه أصحابه ﷺ لا يقابل أحداً بسوء.
فإذا فعل الإنسان ذلك كان أحب إلى الناس ممن يعطيهم الذهب والفضة ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ويرسل الله موسى وهارون ﵉، إلى أطغى طاغية فيقول لهما وهما في الطريق: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] فالقول اللين سحرٌ حلال، قيل لأحد أهل العلم: ما هو السحر الحلال؟ قال: تبسمك في وجوه الرجال، وقال أحدهم يصف الدعاة الأخيار من أمة محمد ﷺ :
هينون لينون أيسار بني يسرٍ صيدٌ بهاليل حفاظون للجار
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري
فأدعو إخواني إلى لين الخطاب، وألا يظهروا للناس التزمت، ولا الغضب، ولا الفضاضة في الأقوال والأفعال، ولا يأخذوا الناس أخذ الجبابرة فإنهم حكماء معلمون، أتوا رحمةً للناس، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] فالرسول ﷺ رحمة، وأتباعه رحمه، وتلاميذه رحمة، والدعاة إلى منهج الله رحمة.
стр. 1648
مشاورة الآخرين وعدم الاستبداد بالرأي
ومنها: أن يقبل على أهل الخير، قبل ذلك يشاور إخوانه، فلا يستبد برأيه والله يقول: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] فيشاور طلابه في الفصل، ويشاور إخوانه، ويشاور أهل الدين وأهل الخير ممن هم أكبر سناً، ولا بأس أن يعرض عليهم حتى المسائل الخاصة التي تخصه هو حتى يثقون به، ويبدون له النصح، ويكونون على قربٍ منه، ويشاور أهل الحي والحارة، فإن الرسول ﷺ جلب الناس بسبب المشاورة، وكان يشاورهم حتى في المسائل العظيمة التي تلم بالأمة، كنزوله في يوم بدر، ومشاورته لأصحابه في الأسرى والغنائم ونحو ذلك وأمثالها من القضايا الكبرى.
فأنا أطلب من الداعية أن يشاور المجتمع، ولا بأس أن يكتب لهم بطاقات، وأن يطلب آراءهم، وإذا وجد مجموعة منهم يقول: ما رأيكم يا إخوتي في كذا وكذا؟ فإن رأي الإثنين أحسن من رأي الواحد، ورأي الثلاثة أحسن من رأي الإثنين.
стр. 1649
الثناء على أهل الخير
ومنها: أن يثني على أهل الخير، ويشكر من قدم صالحاً، فإن المسلم والداعية إذا أثنى على أهل الخير، عرفوا أنه يعرف قدرهم، وأنه لا يترك الجميل بلا جميل وبلا شكر، ولا يترك المخطئ بلا إدانة وبلا تنبيه، فكأنك لم تفعل شيئاً، بل لابد أن تقول للمحسن: أحسنت وللمسيء أسأت، فكبار السن يحبون منك أن تحتفل بهم، وأن تعرف أن لهم حق سن الشيخوخة وأنهم سبقوك في الطاعة، وأنهم أسلموا قبلك، وأنهم دخلوا في الدين قبلك بسنوات، فتعرف لهم قدرهم، وكذلك العلماء والقضاة، وأعيان الناس وشيوخ القبائل، ونحو ذلك من أهل الفضل، وأهل المواهب، كالشعراء والكتبة الإسلاميين، ومن له بلاءٌ حسن، والتجار الذين ينفقون في سبيل الله عليك أن تظهر لهم المنزلة وتشكرهم على ما قدموا، حتى تحيي في قلوبهم هذا الفعل الخير.
وكان ﵊ يقول على المنبر: ﴿غفر الله لـ عثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم﴾ وكان يقول: ﴿ألستم تاركو لي صاحبي﴾ -يعني أبا بكر الصديق - وكان يشكر عمر ويخبر ما رأى عن عمر، وكان يقول: ﴿سمعت دف نعليك يا بلال البارحة في الجنة﴾ ويقول: ﴿دخلت الجنة البارحة فرأيت الرميصاء﴾ ويثني على هذا ويمدح هذا، ويشكر هذا، فإن هذه من أساليب التربية، وليست من التملق في شيء.
стр. 1650
الإسرار والجهر بالدعوة
ومنها: أن يعلن الدعوة للمصلحة ويسر بها للمصلحة، فمرةً يعلن بها، حيث يكون الإعلان مناسباً كالمحاضرة العامة، والموعظة العامة في قرية أو في بلدة، أو في مدينة، ولكن إذا أتى ينصح شخصاً بعينه فليأخذه على حدة، بينه وبينه، ويتلطف له بالعبارة، وينصح له بينه وبينه، قال الشافعي:
تعمدني بنصحك في انفراد وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوعٌ من التوبيخ لا أرضى استماعه
فإن خالفتني وعصيت قولي فلا تجزع إذا لم تعط طاعة
يقول: إذا خالفتني، ونصحت الإنسان أمام الناس، فلا تجزع فسوف يجابهك هذا وينتقم لنفسه، وقد تأخذه العزة بالإثم، وكم شكا لي بعض الشباب -حفظهم الله- أن بعض الناس جابههم في مجمع من الناس، وانتقدهم، فأصابهم من ذلك تذمر وانقباض واشمئزاز، وهذا ليس من المصلحة في شيء.
стр. 1651
الاهتمام بالقضايا العصرية
ومنها أيضاً: أن يطلع على الأطروحات المعاصرة والقضايا الحالية، ويتعرف -كما قلت- على الأفكار الواردة، فيقرأ الكتابات الواردة، ويقرأ للمؤلفين، وليس بصحيحٍ ما قاله بعض الناس حتى من الفضلاء: لا تقرءوا الثقافة الواردة، ولا تقرءوا هذه الكتب البيضاء العصرية التي وردت من وراء البحر، فإن هذا ليس بصحيح، ولو لم نقرأ هذه لما عرفنا أين نعيش وكيف نعيش؟ وكيف نتعامل مع هؤلاء؟ بل أرى أن على الدعاة أن يقرءوا الصحف والمجلات، لكن بحيطة وحذر، حتى لا تصل بعض الثقافة إلى بعض المجلات الخليعة، فتفسد عليهم قلوبهم، فإني أحذر من هذا، لكن إذا أراد أن يطلع هو فليطلع على انفراد، وليطلع بالتأمل وبحذر، ليعرف الداء في الأمة ويداويه ويعالجه.
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه
ومن لا يعرف الشر جدير أن يقع فيه
وقال عمر ﵁ وأرضاه: [[تنقض عرى الإسلام عروة عروة من أناس وُلدوا في الإسلام ما عرفوا الجاهلية]] فالذي لا يعرف الجاهلية، لا يعرف الإسلام، ولا يتصور دين الله ، فحقٌ على الدعاة التنبه لهذا الأمر الخطير.
وأنا أطالب الإخوة الفضلاء، من وجد منهم كلاماً، أو وجد مقالاً فيه شبهة، أو فيه نظر أن يعرضه عليَّ أو على إخوانه من الدعاة، أو غيرنا ممن هو أعلم منا حتى نكون على بصيرة، ونخرج بحلٍ إما بتنبيهٍ أو بنصيحة عامة.
стр. 1652
مخاطبة الناس على قدر عقولهم
ومنها: أن يخاطب الناس على قدر عقولهم، فإن على الداعية أن يكون حاذقاً، يخاطب الناس على قدر عقولهم، فإذا أتى إلى المجتمع القروي تحدث بما يهم أهل القرية من مسائلهم التي يعيشونها، وإذا أتى إلى طلبة العلم في الجامعة حدثهم على قدر عقولهم من الثقافة والوعي، وإذا أتى إلى أهل الابتدائية حدثهم في مسائلهم مع التبسيط، وإذا أتى إلى أهل البادية نازلهم في مسائلهم التي يعيشونها، فإن لكلٍ مسائل، فمسائل البادية مثلاً: الشرك، والسحر، الكهانة، أو الإخلال بالصلاة، أو السفور أو نحو ذلك، ومسائل أهل الجامعة مثلاً: الأفكار الواردة من علمنة وإلحاد وحداثة وشبهات وشهوات، ومن مسائل أهل الابتدائية مثلاً الجليس، بر الوالدين، حقوق الجار، حفظ الوقت، قراءة القرآن، حفظ المتون، ونحو ذلك من المسائل حتى يكون ذلك على بصيرة، فلابد من مخاطبة الناس على قدر عقولهم ومواهبهم، واستعداداتهم، وانظر إلى المصطفى ﷺ يخاطب معاذ بن جبل بخطاب لا يخاطب به أحداً غيره من الأعراب مثلاً، فيخاطبه عن العلم وعن أثر العلم، وعن حفظ الله، وعن حدود الله، ويخاطب الأعراب بالتوحيد، ويقودهم إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض ونحو ذلك.
стр. 1653
الحذر من رفع النفس بانتقاد الآخرين
ومما ينبغي على الداعية أن لا ينتقد الآخرين ليرفع نفسه، وهو ما يسمى في التربية أسلوب الإسقاط، أن تسقط غيرك لتظهر أنت، ويفعله بعض الناس من أهل حب الظهور والشهرة -والعياذ بالله من ذلك- وأهل الرياء والسمعة، فإنه إذا ذكر له عالم قال فيه كيت وكيت، وإذا ذكر له داعية قال: لا أرضى مسيرة في الدعوة، وإذا ذكر له كاتب انتقده كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -سقاه الله من سلسبيل الجنة-: بعض الناس كالذباب لا يقع إلا على الجرح.
الذباب يترك البقعة البيضاء في جسمك، فإذا كنت تلبس ثوباً أبيض فإنه لا يقع عليك، لكن إذا رأى جرحاً في إصبعك، وقع عليه، فهذا خطير وتجد أسلوب الإسقاط عند بعض الناس، يقول: شكر الله للداعية الفلاني، لكن فيه كذا وكذا، فلا يترك لكن ولا يترك الانتقاد، ولا يترك الاستثناء، ولا يترك الاستطراد حتى يظهر هو كأنه هو الذي لا عيب فيه قط، وتجد من الأساليب المدبلجة التي دبلجها الشيطان على بعض الدعاة أنه يأتي مثلاً ويدعو في قالب النصح للداعية، وهو يريد أن ينتقصه، فإذا ذكر له داعية قال: هداه الله، أسأل الله أن يهديه، فتقول له لماذا؟ قال: أسأل الله أن يهديه فقط، فتعرف أن وراء هذا الداعية شيء، وأنه يريد بها شيئاً، وهذا دعاءٌ لا يؤجر عليه، قال ابن المبارك: رب مستغفر أذنب في استغفاره، قالوا: كيف؟ قال: يذكر له بعض الصالحين فيقول: أستغفر الله، ومعناها أنه ينتقد عليهم فلا يكتب له أجر هذا الاستغفار، بل قد يسجل عليه خطيئة.
стр. 1654
الداعية قدوة للآخرين
ومنها: أن يتمثل القدوة في نفسه، وأن يسدد ويقارب ويعلم أن أخطاءه تضخم، وأن الخطأ منه كبير، وأن الناس ينظرون له.
قد هيئوك لأمرٍ لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
وأنه أصبح أمامهم كالمرآة، كلما وقع فيها نقطة صغيرة كبرت وضخمت، فليتق الله في هذه الأمة، ولا يكون سبباً لهلاك كثير من الناس، فإنا رأينا كثيراً من العامة وقعوا في كثير من الخطايا بسبب فتاوى، أو بسبب تصرفات اجتهادية من بعض الفضلاء، ربما أجروا عليها، وأخطئوا خطأً واحداً، ولكن وقع بسببه عالَم، قال بعض الفضلاء: زلت العالِم زلت العالَم، فعليه أن يدرس القرار، أو التصرف أو الفعل أو الخطوة التي يريد أن يخطوها، قبل أن يقدم عليها حتى لا يكون عرضة لتوريط كثير من الناس، وكم جوبه الإنسان بفتاوى من عامة الناس، يستدلون بفعل الفضلاء والأخيار، وهذا خطأٌ عظيم.
стр. 1655
الداعية يتألف الناس
أيضاً مما ينبغي على الداعية أن يتألف الناس بالنفع، فيقدم لهم نفعاً، فليس مهمة الداعية فقط أن يلقي عليهم الخطب والتنبيهات والمواعظ، لكن يفعل كما فعل رسول الله ﷺ فقد كان يتألفهم مرة بالهدية، ومرةً بالزيارة، ولا بأس بالدعوة، فإن الرسول ﷺ دعا الناس وتألفهم وأعطاهم وأهدى لهم، بل كان يعطي الواحد مائة ناقة، وكان يأخذ الثياب الجديدة ويسلمها للناس، ويأخذ الإنسان ويعانقه ويجلسه مكانه، فكان يقدم الخير للناس، فهذا من التألف وهو من المحمدة، حتى إني أرشح أن من عنده رأس مال أن يتألف به الناس، وأن يدعو إلى سبيل الله ، ويا ليت أن هناك صندوقاً لتأليف كثير من الناس وردهم إلى الله ، مثل تأليف كثير من الشباب العصاة، فإذا رأيت الشاب عاصياً، وعلمت أنه لا يستطيع الزواج، ودفعت له المهر، أو شيئاً من المهر وقلت له: بشرط أن تصلي صلاة الجماعة، وأن تعود إلى الله وتتوب، فكم تساوي هذه؟ أو أن تتألف إنساناً تراه مثلاً: مدمناً على المخدرات، بشيءٍ من المال بشرط أن يتركها وأن يجتنبها، أو أن تتألف إنساناً لا يصلي في المسجد، بتقديم شيءٍ من النفع له، وبإهدائه شيئاً من المال، ولو سيارة، فإنا رأينا أن بعض الناس ممن أجادوا بعض الفنون الدنيوية أو بعض الأمور التي هي لهو ولعب، سلمت لهم بعض السيارات والشيكات والهدايا، مع العلم أنها زيادة في الضياع واللهو واللغو، فأين هذه المشاريع لا تطرح للدعاة ولطلبة العلم؟!
ومنها: ألا ييأس من المدعوين بسبب بعض معاصيهم، فتعايش الشاب وتعايش العاصي، أو تعايش المنحرف وتعلم أنه في يومٍ من الأيام إن شاء الله سوف يكون في رصيد الدعوة، وسوف يكون من أولياء الله، ولا تيأس، وعليك أن تتدرج معه، وأن تأخذه رويداً، وألا تجابهه وألا تقاطعه، بل تحلم عليه.
стр. 1656
الداعية يشارك الناس أحزانهم وأفراحهم
كذلك على الداعية: أن يشارك الناس أحزانهم ويحل مشكلاتهم ويزور مرضاهم، فإن الانقطاع عن الناس ليس بصحيح، فإن الناس إذا شعروا أنك معهم، تعيش سرورهم، وأعراسهم، وتعيش أحزانهم، ومشاكلهم أحبوك، ولذلك أقترح على الدعاة أن يحضروا الأعراس، وقد يعتذر الداعية أحياناً، من عدم حضور الزواج لما عنده من الإرهاق، أو الالتزام ولا يعني ذلك أنه لا يحب المشاركة، لكن إذا كان يحضر الزواج فيبارك للعريس، ويبارك لأهل البيت، ويفرح معهم ويقدم الخدمات، ويرونه متكلماً في صدر المجلس، ويرحب بضيوفهم معهم، فإنهم يحبونه كثيراً، وأنا أقترح أن يقدم الدعاة أطروحات لمن أراد أن يتزوج ويقول: عندنا الشباب ونريد أن نساعدك وأن نعينك، فماذا ترى وماذا تقترح علينا لنقدم لك ما يساعدك على ذلك،؟ وكذلك إذا سمع بموت ميت، فعليه أن يذهب إلى أهله وأن يواسيهم ويسليهم، ويلقى عليهم موعظة، إذ كيف يراك الناس تدعوهم يوم الجمعة ثم لا يرونك في أفراحهم ولا في أحزانهم.
وكذلك تشارك في حل مشاكلهم، فالداعية مصلح، يذهب في شفاعة حسنة، وما أحسن الداعية مثلاً أن يذهب مصلحاً! وأن يذهب مستشاراً! وأن يذهب حالاً للمشاكل! حينها يكسب ود الناس كما فعل ﵊، فإنه قد تأخر كما في صحيح البخاري عن صلاة الظهر مرة؛ لأنه ذهب إلى بني عمرو بن عوف يحل مشاكلهم ويصلح بينهم، وكان ﷺ إذا سمع عن مريض -حتى من الأعراب البدو في أطراف المدينة - ذهب بأصحابه يزوره، وهذه من أعظم ما يمكن أن تحبب الداعية إلى نفوس الناس.
стр. 1657
التدرج في الدعوة وتجديد أساليبها
كذلك ينبغي على الداعية أن يتدرج في دعوته، فيبدأ بكبار المسائل قبل صغارها، فلا يقحم المسائل إقحاماً، فإنني أعلم أن بعض الناس من المقصرين من أمثالي، يذهبون إلى نواحٍ في البادية في بعض القرى أو في تهامة، فيريد أن يصب لهم الإسلام في خطبة جمعة واحدة، وما هكذا تعرض المسائل! عليك أن تأخذ مسألة واحدة تعرضها لهم، وتدرسها معهم، كمسألة التوحيد، أو مسألة المحافظة على الصلوات، أو مسألة الحجاب، أما أن تذكر لهم في خطبة أو درسٍ أو موعظة، التوحيد والشرك والسحر، والحجاب والمحافظة على الصلوات وحق الجار، فإنهم لا يمكن أن يحفظوا شيئاً:
أوردها سعدٌ وسعدٌ مشتمل ما هكذا تورد يا سعد الإبل
إنما تورد ناقةً ناقة، وهاهو الرسول ﷺ يرسل معاذاً إلى اليمن فيقول: ﴿ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة﴾ هكذا يعرض الداعية كبار المسائل قبل صغارها، فلا تأتي إلى أناس قد لا يصلون وتطالبهم بتربية اللحى، وماذا ينفعنا في الإسلام أن يربي الناس لحاهم وهم لا يصلون في بيوت الله؟ وماذا ينفعنا أن يربوا لحاهم والواحد منهم لا يسجد لله سجدة؟ فلا تطالبهم بصغار المسائل حتى تخرج أنت وإياهم على مسائل كبرى وتتفقون على قدر مشترك؛ لتعلم هل هم معك أو لا؟
ومنها: أن يجدد الأساليب على الناس، مرةً بالموعظة ومرةً بالخطبة، ومرةً بالرسالة، ومرةً بالندوة ومرةً بالأمسية، حتى يسلك كافة السبل، فإن بعض الناس يتأثر من خطبة الجمعة ما لا يتأثر بالدرس، وبعضهم على العكس من ذلك، فتفنن في أساليب دعوتك للمدعو ونوع فيها فأحياناً يكتب له رسالة، وأحياناً يتصل به بالهاتف، وأحياناً يرسل له بعض الدعاة، فأرى أن تجديد الأسلوب مطلوب وفي عصرٍ جُددت فيه أساليب الباطل، في عصرٍ أخذ الباطل كل الإمكانيات، فالأقمار الصناعية في يد الباطل، والوسائل الهائلة في يد المبطلين، ومعظم الإمكانيات الضخمة، مع العلم أن الدعاة لا يملكون شيئاً من هذه الوسائل، يملكون المنبر، ويملكون الدرس، ويملكون الكتيب، لكن أسأل الواحد الأحد الذي بيده كل شيء أن يتمم الأمور، وأن ينفع بالأسباب، والله يقول عن أهل الباطل ويخبر أنهم أكثر مالاً، وأكثر إنفاقاً، وأكثر وسائل قال: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] وعليه فلا ييأس الداعية من قلة وسائله، فإن الرسول ﷺ كانت ثقافات العالم حوله في جزيرة العرب هائلة، إمبراطورية كسرى، وإمبراطورية قيصر، تملك الميزانيات الضخمة، ومع ذلك كان ﷺ في بيت طين، ولكن بوسائله مع الإخلاص والصدق، بلغه الله ما تمنى، وبلغ الدين مشارق الأرض ومغاربها.
стр. 1658
إنزال الناس منازلهم
كذلك ينبغي أن ينزل الناس منازلهم، فلا يجعل الناس سواسية العالم له منزلة، والشيخ الكبير له منزلة، والشاب له منزلة، ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠] فلا يكون دائماً ميزان الناس عنده واحد، لا يختلف في مسألة اللقاء، وهذا ليس من التفريق أو التمييز العنصري، بل هذا من أدب الإسلام، يختلف لقاء هذا عن ذاك، ويختلف منزل هذا عن ذاك، وبعضهم لا يرضى إلا بصدر المجلس، وبعضهم يرضى أن يكون طارفاً، وبعضهم من الحكمة ألا تركب أمامه في السيارة أو أن تخرج وتفتح له الباب وتجلسه أمامك، وبعضهم إذا لقيته عانقته عناقاً حاراً، وبعضهم عناقاً من نوع آخر، وهذه من الحكمة التي يتحلى بها الداعية في تعامله مع الناس، كما فعل ﵊ مع كثيرٍ من أصحابه، ومع المسلمين، وكان ﷺ ينزل الناس منازلهم، وهذا الحديث في صحيح مسلم ورواه مسنداً وأبو دواد وهو صحيح من كلام عائشة.
стр. 1659
محاسبة الداعية لنفسه
على الداعية أن يحاسب نفسه محاكماً في ذلك قوله، فيستمع قوله إذا قال، ويحاسب عمله، هل هو يعمل بما قال؟ وهل هو يطبق ما اقترح؟ حتى يكون قريباً، ثم يسأل ربه العون والسداد، وعليه أن يبتهل إلى الله في أول كل كلمة، وأول كل درس، ويسأل الله أن يسدده، وأن يفتح عليه، وأن يهديه، ومما يؤثر في ذلك كما ورد في الحديث ﴿اللهم بك أصول، وبك أجول، وبك أحاول﴾ وكان كثير من العلماء إذا أرادوا أن يدرسوا الناس سألوا الله بهذا الدعاء، وبعضهم كان يقول: اللهم اهدني وسددني، وبعضهم يقول: اللهم افتح عليّ من فتوحاتك، وبعضهم يقول: اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين فأهلك، فإن الإنسان لو بقي إلى رشده أو إلى صوته أو إلى ذاكرته وقدراته، لتقطعت به السبل، فليس لنا معين إلا الله، فالداعي إذا أراد أن يصعد المنبر، وأن يمتطي المنبر عليه أن يبتهل إلى الله أن يسدد كلماته، وعباراته وأن يهديه سواء السبيل، وأن ينفع بكلامه وأن يلهمه رشده، فإنه لو شاء الله ما استطاع أن يواصل، ولو شاء الله لخانته العبارة، أو أتى بعبارة ربما تورطه وتورط الناس، أو أتى بعبارة خاطئة تخالف الدين، أو أتى بعبارة لا تصلح أن تعرض، فعليه أن يسأل الله السداد والثبات، فإن من سدده الله سُدد، ومن خذله الله فهو المخذول.
стр. 1660
التقرب إلى الله بالنوافل
ومنها: أن يكون للداعية نوافل من العبادات، وأوراد من الأذكار والأدعية، فلا يكون عادياً كسائر الناس، بل يكون له تميزٌ خاص، فيحافظ على الدعاء بعد الفجر، وقبل الغروب حتى يحفظه الله ، ولو وقع عليه القضاء والقدر فإنه يتلطف به بسبب دعائه، فيكون له جمعية خاصة -أقصد جمعية من الدعاء- ويكون له وقت إشراق مع نفسه، يحاسب نفسه بكلمات مباركة وبدعاء، وله وردٌ يومي بعيداً عن أعين الناس، يقرأ فيه القرآن ويتدبر أموره، ويكون له مطالعة في تراجم السلف بعيداً عن الناس، لأن كثرة الخلطة مع الناس تعمي القلب، وتجعل الإنسان مشوش الذهن، ملولاً، سئوماً، وقد تقسي قلبه، فلابد من العزلة ولو وقتاً من الأوقات، كآخر الليل، أو العزلة يوم الجمعة، أو ساعة من الساعات، أو بعض الأوقات في اليوم والليلة يعتزل وحده، فلا يجلس مع زائغ، ولا يلتقي بأحد ولا يتصل بهاتف، ولا يقرأ إلا فيما ينفعه، ثم يحاسب نفسه على ذلك.
стр. 1661
التفكر في الارتحال من الدنيا والتقلل منها
وعلى الداعية أيضاً أن يتفكر في الارتحال من هذه الدنيا، وأنه سوف يرتحل قريباً، وأن الأجل محتوم سوف يوافيه، فلا يغتر بكثرة الجموع، ولا بكثرة إقبال الناس، فإن الله يقول: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥] فليعلم أنه سوف يموت وحده، ويقبر ويحشر وحده، وأن الله تعالى سوف يسأله عن كل كلمة قالها، فليتأمل لماذا يدعو؟ ولماذا يتكلم؟ وبماذا يقول؟ وبماذا ينطق؟ حتى يكون على بصيرة.
كذلك على الداعية: أن يتقلل من الدنيا تقللاً لا يحرجه، لكن عليه بالوسط، يسكن كما يسكن وسط الناس، ويلبس كما يلبس وسط الناس، مع العلم أن هناك حيثيات أريد أن أذكرها، قد تخفى على كثيرٍ من الناس.
فإن بعض الناس يرى أن على الداعية أن يلبس لباس الفقراء، أو يلبس لباساً من أوضع اللباس، وهذا ليس بصحيح، فإنه على مقصده، والله أحل الطيبات، والرسول ﷺ دعا إلى التجمل ﴿تجملوا كأنكم شامة في عيون الناس﴾ ﴿إن الله جميلٌ يحب الجمال﴾ وقد يكون من الفرضيات المحتومة المطلوبة العظيمة النتائج؛ أن يكون الداعية متجملاً متطيباً، ويكون مجلسه وسيعاً يستقبل فيه الأخيار والبررة، ويكون له مركبٌ طيب، فإن هذا لا يعارض كتاب الله ، ولا يعارض سنة رسوله ﷺ .
بل عليه أن يكون له في كل حالة ما يناسبها، فإن الرسول ﷺ كان يعتني بذلك، ففي صلاة الاستسقاء خرج ﷺ في لباس متبذل -لباس قديم- ليظهر الخشية والخشوع والفقر أمام الله ، ولكنه في الأعياد لبس بردةً تساوي ألف دينار، وخرج بها أمام الناس، بل أهديت له هدية ﷺ قيمتها مائة ناقة.
البس لكل حالة لبوسها إما نعيمها وإما بوسها
وإن من الإجحاف أن يطالب الدعاة أن يعيشوا في بيوت الطين في هذا العصر، الذي لا تبنى فيه البيوت إلا من الفلل، وفيها من الأشياء التي تعرفونها، أو نطالب الدعاة أن يكونوا على الحصير، مع العلم أن الناس يجلسون على الكنب، أو نطالب الداعية أن يلبس لباساً متمزقاً قديماً ويكتفي بثوبٍ على طول السنة، مع أن الله قد وسع عليه، والله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.
لكن مقصودي بكلامي: ألا يتشاغل الداعية بالدنيا تشاغلاً هائلاً يعميه عن طريقته، فإنه من الحسرة أن تجد كثيراً من الدعاة، أو بعض المشايخ، أو بعض طلبة العلم غارقاً في الدنيا إلى أذنه، له من المؤسسات والشركات والدور، ويتشاغل بها عن الدعوة، أنا لا أعارض أن يكون لطلبة العلم تجارة، ولهم عَمَار في الأرض، ولهم دخل، فهذا مطلوب كما فعل عثمان وابن عوف وغيرهم من الصحابة، لكن أن يستغرق طالب العلم والداعية وقته في هذه الأمور، فتجده دائماً في مكاتب العقار، في البيع والشراء، مع الشيكات ويترك الأمة للمهلكات، فهذا ليس بصحيح، وهذا محرج، ومخجل، فإن الله استخدمك في أحسن طاعة وفي أجل قربة، ولا بأس أن يكون لك أسهمٌ وأن يكون لك مشاركات وتجارات، لكن وكلها غيرك من الوكلاء، واهتم أنت بالدعوة وبرفع راية التوحيد، وبتثقيف الناس وتعليمهم.
стр. 1662
اهتمام الداعية بمظهره الشخصي
أيضاً أيها الإخوة! أرى كذلك اهتمام الداعية بمظهره الشخصي، وأن تكون حليته إيمانية، وأن يظهر عليه الوقار والسكينة، وأن يلبس لباس أهل الخير والعلم، فإن لكل قومٍ لباسا، فإن تميز أهل العلم مثلاً بلباس، فيلبس لباسهم ويمشي مشية أهل العلم، ويكون مظهره جميلاً، ويعتني بخصال الفطرة، وقد أكدت على ذلك كثيراً كالسواك وتقليم الأظافر، وإعفاء اللحية، وأخذ الشارب، ومعاهدة أمور الجسم الأخرى من خصال الفطرة، وأن يكون متطيباً، يحافظ على الغسل، ويحافظ على مظهره الجميل حتى يمثل الدعوة تمثيلاً طيباً أمام الناس.
стр. 1663
الداعية لا يتقمص شخصية غيره
كذلك أرى أن على الداعية ألا يتقمص شخصية غيره، وألا يذوب في بعض الشخصيات، فتجد أن بعض الدعاة إذا أحب داعية أو عالماً آخر، قلده في كل شيء حتى في صوته، ومشيته، وحتى في حركاته فذاب في شخصية ذاك، والرسول ﷺ يروى عنه وهذا الحديث في سنن الترمذي، لكن في سنده عبد المهيمن بن عباس فيه نظر يقول: ﴿لا يكن أحدكم إمعة إن أحسن الناس أحسن وإن أساء الناس أساء، لكن إذا أحسن الناس فأحسن، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم﴾ بل في هذا الحديث اضطراب عند أهل العلم.
فذوبان الشخصية ليس بجيد للداعية، بل عليك أن تستقل في شخصيتك، وتعلم أن الله خلقك نسيجاً وحدك، وأن الأرض لا تستطيع إلا بإذن الله أن تخرج واحداً مثلك، فأنت من بين الملايين التي خلقها الله منذ آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وحدك، صوتك وملامح جسمك واستعدادك وما عندك من مواهب لا يشابهك فيها أحد، فأنت تقدم نفسك وتقدم ما عندك، لكن لا تذوب في الآخرين، ويسمي الغرب هذا ذوباناً وينهون عنه ويقولون: لا تتقمص شخصية غيرك.
قالوا عن الطاووس: أراد أن يقلد الغراب في مشيته، فنسي مشيته وما استطاع أن يقلد الغراب، وهذا يدخل يقع فيه بعض القراء، فإن القارئ منهم يريد أن يقلد قارئاً آخر فيتعب، فلا يحسن صوت ذاك، ولا صوته المعهود الذي منحه الله ، ويستثنى من ذلك ما إذا كان يستطيع أن ينطق مثل صوت ذاك بدون كلفة، وصوته جميل فلا بأس إن شاء الله.
وقس على ذلك الخطباء، حتى إنه يوجد من الناس من يتنحنح كما يتنحنح ذاك الشيخ، وليس به نحنحة، ومن يسعل كما يسعل ذاك الشيخ وليس به سعال، وهذا ذوبان مفرط، ويسمى انهزاماً نفسياً لا يقره الإسلام، بل الإنسان يبقى على شخصيته.
وقد كان ﷺ يتعامل مع أصحابه على أن شخصية عمر قوية في الحق، أثنى عليه بقوته وقال: ﴿مثلك يا عمر كمثل نوح وكمثل موسى﴾ وأثنى على أبي بكر برقته وأبقى رقته له وقال: ﴿ومثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم وكمثل عيسى﴾ ﵈، فالقوي قوي، يبقى على قوته، لكن فيما ينصر به الدين، ولذلك نحتاج نحن -عالم الإسلام- إلى من هو قوي، في رأيه وفي إرادته، ونحتاج إلى من هو رقيق رحيم ونحتاج إلى كل طاقات الناس، فإن هذا له باب وهذا له باب، وقد سلف معنا كثيراً أن الرسول ﷺ نوع اختصاص الناس وجعلهم على جبهات بسبب مواهبهم، فسيد القراء أبي بن كعب وحسان للشعر، وزيد بن ثابت للفرائض، وأبو بكر للإدارة وعمر للقوة والصرامة والحزم وقس على ذلك.
стр. 1664
المساهمة في النصيحة للمسلمين
أيضاً أرى: أن الداعية كذلك يساهم في النصيحة لمن جعل الله عليه واجب النصيحة، لكن بالحكمة، بالمكاتبة الغير علنية، فيناصح بالتي أحسن، ولا يحتقر نفسه مهما كبر ذاك المنصوح، فإن عليك أن ترسل له رسالة دافعها الحب، رسالة من يريد الخير للمسلمين، ولا يقول أنا لست معروفاً، أو أنا نكرة، أو أنا مجهول، بل يكتب لعل الله ينفع برسالته، ويتلطف في الكلام ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤].
стр. 1665
الاهتمام بجانب النساء
كذلك على الداعية أن يهتم بجانب النساء، فلا يغفل هذا الجانب في كلامه ولا في محاضراته؛ لأنهن نصف المجتمع.
والكلام الذي سمعتموه من أول المحاضرة إلى الآن موجهٌ أيضاً إلى المرأة المسلمة؛ لأن الداعية المسلمة تأخذ كما يأخذ الداعي المسلم، ولذلك أكون حريصاً -إن شاء الله- في اللقاء مع الشباب على أن أخاطب الرجال والنساء، والشباب والشابات، والذكران والإناث بمشاكلهم الاجتماعية، وما يدور في استفساراتهم وأسئلتهم وأطروحاتهم.
أسأل الله التوفيق والهداية، والرشد والسداد، كما أنه لا يفوتني في آخر هذا الدرس قبل أن أجيب على بعض الأسئلة أن أقول لكم: ينبغي أن يحتسب الإخوة في إخبار إخوانهم من الشباب وطلبة العلم والجيران وحثهم على الحضور، وأن يساهموا في ذلك حتى نتعاون على البر والتقوى، ونكون يداً واحدة ويرضى عنا ؛ لأن الله نهى عن التفرق والتخاذل، فقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥].
نسأل الله أن يرضى عنا وعنكم، وأن يجمعنا بكم في دار الكرامة، وأن يحفظنا وإياكم من كل مكروه، وأن يسدد منا الأقوال والأفعال، وأن يتولانا فيمن تولى، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 1666
الأسئلة
стр. 1667
مهتدون جدد
هذا أخ كتب يخبر أنه حضر لأول مرة مجموعة من الشباب المهتدي وشرفوا هذا المسجد لأول مرة، وأنسنا بهم ولله الحمد، أقولها يميناً يسألني الله عنها ما أريد أن لي بهداية واحد منهم حمر النعم، ولا مبلغاً مفروحاً به أو دنيا طائلة وإن الإنسان يعتبر أن من يهتدي كأنه أخوه من أبيه وأمه، وإنه فرحٌ لنا عظيم يجب أن يكون كعيد أن يأتي عشرات من الشباب جدد مهتدون أنقذهم الله من عذابه وهداهم إلى صراطٍ مستقيم ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١] فليس الفضل في المراتب العالية؛ لأنها منهارة، وليس في المناصب فإنها منتهية، وليس في الأموال، فإنها محسوبة يحاسب عليها العبد، وليس في الكنوز ولا في القناطير المقنطرة، لكن أن يهتدي وأن يقبل إلى الله ، ولله الحمد والشكر.
أسأله تعالى وهو الواحد الأحد أن يثبت هؤلاء، وأن يزيدهم إيماناً وأن يردهم من هذا المكان وقد غفرت ذنوبهم، فإنه في كثير من الآثار أن الله يقول للمجتمعين على طاعته: قوموا مغفوراً لكم، فقد رضيت عنكم.
والشاب الذي حضر هذه الليلة وترك اللهو واللغو، وترك زملاء السوء ورفقة الانحراف أنا أعتبر أنه ولد من جديد، وقد ذكرت لكم أن شيخ الإسلام -سقاه الله من سلسبيل الجنة- كان يقول: لابد للإنسان من ميلادين اثنين: الميلاد الأول: يوم ولدته أمه، والميلاد الثاني: يوم وُلد في هذا الدين.
اليوم ميلادي فرحت لتوه في ليلة الإسراء والمعراج
فليلة الإسراء والمعراج بالنسبة لهذا الشخص، معراج العلوم والفنون والحكم والمعارف هي هذه الليلة، فاشكروا الله على فضله، وكونوا أعضاء خيرين في جمعية محمد ﷺ وعليكم أن تدلّوا الناس على مرضاة الله ، يعني إذا وجد أحد منكم مجموعة من الناس أن يدعوهم لحضور مجالس الخير، وقد لا يستفيد مني شخصياً، لكن يوم يراكم ويرى حرصكم وجلوسكم والإيمان فيكم، ويوم يرى سمتكم تكون عنده هذه كمائة محاضرة.
أيضاً أظن أن غداً أول أيام البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، إن كان غداً أو بعد غدٍ فعلى كل حال أنتم أعلم، ومن صامها فكأنما صام الدهر كله، وهناك لطيفة عند بعض الفضلاء يقول: لماذا خص الشارع أيام البيض؟ بعض الأطباء العصريين قالوا: ربما كانت دورة الجسم تزداد وضخ الدم يزداد في ليالي البيض، والشيطان يجري في الإنسان مجرى الدم فيزداد نشاطه في الأيام البيض، فيحاصر في الصيام، هكذا قالوا، ودعها سماويةً تجري على قدرٍ.
وأنبه على كثير من النساء أن بعض الحجاب ليس حجاباً شرعياً، فكشف الوجه في الأسواق، وفي المجامع العامة قد أصبحت ظاهرة، كذلك العباءة المفتوحة من الأمام والتي تظهر فيها مفاتن المرأة وتكون مغرية، وفاتنة وجالبة للنظر، فلتتقي الله المرأة في طاعة ربها ولا تكون عرضة لعيون السيئين أو لتعريض نفسها لعذاب الله ومقته.
стр. 1668
بعض المحاضرين في الجامعة لهم أفكار منحرفة
السؤال
أنا من طلبة الجامعة الملتزمين الذين يواجهون بعض المحاضرين أصحاب الأفكار المنحرفة، فهل نناقشهم أم لا؟
الجواب
بالمناسبة، اقترح عليَّ كثير من الفضلاء من طلبة الجامعة درسٌ بعنوان رسالة إلى طالبٍ جامعي وسوف أفعل هذا -إن شاء الله- وعدٌ غير مكذوب، وأحضر له بإذن الله مستعيناً بالله ثم بأفكاركم وما تكتبونه إلينا من مسائلكم، لكن أرى أن صاحب الخطأ يرد عليه تواً في خطئه لكن بأدب، فالأستاذ الذي يعرض الكفر عند السبورة لا نسكت عليه، ونقول: سوق نحاوره فيما بعد ولا نزعجه الآن؟ لا.
بل نقوم بأدب ونقول: ما قلته مخالفٌ لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وتورد له الخطأ، على أني أعلم وقد بلغني أن بعض من يتكلم في بعض المحاضرات يسيء في فهمه للإسلام، ويسيء لبعض النصوص وبعض الأحاديث النبوية، ويرد بعض القواعد العامة من الإسلام، ويستهزئ ببعض السنن النبوية، وينتهك حرمة بعض العلماء والدعاة، ويتعرض لهم ولأشخاصهم ولأعراضهم، فهذا لا نحاكمه نحن، فنحن أضعف من ذلك، لكن نحيله للواحد الأحد، ونقول كما قال نوح: رب! ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:١٠] لكنا مع ذلك لا نعلن الاستسلام بأفكارنا؛ لأنا منتصرون أصلاً، والحق حقنا، والأرض أرضنا، وأفكارنا هي الثابتة بإذن الله ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧] على ذلك أرى أن يناقش هؤلاء ويحاوروا لكن من أناس يفهمون ويدركون، وإذا لم تستطع مناقشته، فلا أقل من أن تقدم له شريطاً لداعية أجاد في مناقشته، أو تقدم له كتيباً بأدب، أو مقالة أو تدعوه إلى بيتك، وتستضيف أحد الدعاة أو تذهب بأحد الدعاة إليه ليناقشه في مكتبه، أو في إدارته حتى نوقف هذا الطوفان الجارف، حتى لا يؤثر في غيره، لأن الجرباء تعدي غيرها من الصحاح، أما الصحاح فلا تعدي الجرب، فينتبه لهذا الأمر.
стр. 1669
علاج قسوة القلب
السؤال
أنا أحضر كثيراً وأنا من المواظبين ولكن أشكو إلى الله قسوة قلبي؟
الجواب
يقول الشاعر القديم ابن عثيمين ﵀ في قصيدة يرثي بها الشيخ العجيري أحد المشايخ الكبار من علماء نجد الأبرار يقول:
إلى الله نشكو قسوةً في قلوبنا وفي كل يوم واعظ الموت يندب
هو الموت ما منه ملاذٌ ومهرب متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب
نؤمل آمالاً ونرجوا نتاجها وعلَّ الردى مما نرجيه أقرب
ونبني القصور المشمخرات في الهوا وفي علمنا أنا نموت وتخرب
إلى الله نشكو قسوةً في قلوبنا وفي كل يوم واعظ الموت يندب
وكلنا ذاك الرجل، لكن يا أخي لا نيأس من روح الله، ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد:١٧] أتت هذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦] ثم طمعهم الله في فضله، وفتح لهم أبواب الرجاء وقال ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد:١٧] فسوف يحيا قلبك بإذن الله، وسوف تدمع عينك ولا تيأس وأنت في أول الطريق، والعبرة في كمال النهايات، لا بنقص البدايات، وعليك أن تواظب على الدروس وعلى مجالس الخير والمحاضرات وسوف تجد انشراحاً -بإذن الله- لأن الدعوات التي تلقى هنا ليست بالسهلة، الواحد الأحد يرفعها سبحانه، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠] وأنا أجزم جزماً أنه بإذن الله في هذا الجمع الحاشد، ولو واحد ممن تستجاب دعوته، فكم من صالح، وكم من عابد، وكم من قائم لليل، وكم ولي من أولياء الله، الأولياء لم ينقطعوا، الأولياء كثير، وأنتم إن شاء الله من أولياء الله على ما فينا من المعاصي جميعاً، فإنه لا زال عندنا ولاية مطلقة، ولاية الإيمان، والتوحيد: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣] أما روح الإحباط الذي يذكرها بعض الناس يقول: أنا دعوت فلم يستجب لي، فهذا خطأ، أو كم دعونا فلم يستجب لنا، أو نحضر في جامع كبير وأظن كلنا لا يستجاب لنا، فهذا خطأ -والعياذ بالله- وهذا سوء ظن بالله، فلا يظن بالله السوء، بل الله يستجيب والله تعالى يحمي، ودعاء الصالحين مطلوب ومرغوب ومبذول، والذي أرجوه مني ومنكم أن تكثروا من الدعاء بإلحاح، وأن تسألوا الواحد الأحد في صلاح ونصرة هذا الدين، واستقامة الصالحين، وفي نصرة أولياء الله ، كما أطلب منكم كذلك الدعاء بعضكم لبعض في ظهر الغيب، والتواصي بالمعروف حتى نكون ممن قال الله فيهم: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].
أشكركم شكراً، وأسأل الله أن يجمعنا بكم مراتٍ عديدة، وأعماراً مديدة، وأن يكون آخر اجتماع بكم في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1670
فتية آمنوا بربهم
إنهم أصحاب الكهف، ما هو سبب انعزالهم عن قومهم في الكهف؟
ولماذا بعثهم الله بعد نومتهم؟
ولماذا ذكر الله هذه القصة؟
تصفح وانظر الفوائد الجليلة من هذه القصة العظيمة.
стр. 1671
أسئلة اليهود للرسول ﷺ
اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثلما نقول، لك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بمحمد ﷺ ، عزَّ جاهك، وجلَّ ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت، في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي الجنة رحمتك، وفي النار سطوتك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك، أنت رب الطيبين لا إله إلا أنت، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.
والصلاة والسلام على صاحب الصراط الممدود، واللواء المعقود، والحوض المورود، صلى الله على أفضل من نطق بالضاد، فوعته أذن البشرية، وعلى من تكلم بالدعوة فهَّد بها كيان الوثنية، وعلى من فتح له باب الفتح، فهدى به الله الإنسانية.
كسَّر الله به ظهور الأكاسرة، وقَصَّر الله به آمال القياصرة، وزلزل به عروش الظلمة الذين طغوا وبغوا حتى أرداهم ظلمهم في الحافرة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
стр. 1672
سبب ذكر الله لقصة أصحاب الكهف
أيها الناس: اجتمع كفار قريش -وقد أورد هذه القصة ابن إسحاق - في الحرم يوم بعث رسول الهداية ﷺ ، فقال قائلهم: ما ترون لهذا الرسول الذي يزعم أنه نبي؟
قال النضر بن الحارث: ما نرى إلا أن نذهب إلى اليهود في المدينة، فنسألهم أسئلة نضعها بين يديه، فإن كان صادقاً اتبعناه، وإن كان كاذباً طردناه، قالوا له: اذهب أنت وعقبة بن أبي معيط.
فذهب الرجلان الكاذبان الآثمان الغاشمان الظالمان إلى أحبار اليهود في المدينة، فعرضوا عليهم نبأ رسالة المصطفى ﷺ ، قالوا: اعطونا من كتبكم شيئاً، فأنتم أهل كتاب نسأله عنه، فإن كان صادقاً اتبعناه، وإن كان كاذباً طردناه، قال أحبار اليهود: إذا رجعتم إليه في مكة، فاسألوه عن ثلاث: سلوه عن شباب سلف بهم الدهر، وفتية مشوا في أول الزمان أين ذهبوا؟ وأين اختفوا؟ واسألوه عن ملك من الملوك ملك الدنيا من شرقها إلى غربها -ذهب إلى المشرق وإلى المغرب- واسألوه عن الروح.
فرجعوا واجتمعوا بالرسول ﷺ -بالأمي الذي لا قرأ ولا كتب: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٨ - ٤٩].
واستدعوه من بيته، وأتى الصادق الأمين الواضح المبين الوفي ﵊ فجلس معهم، قالوا: نسألك عن ثلاث، قال: اسألوا ما بدا لكم.
فسألوه عن الفتية، وعن الملك، وعن الروح.
فقال: ﴿أنظروني إلى غد، وفي الغد أخبركم﴾ ولم يقل: إن شاء الله، ولو قال: "إن شاء الله" لنزل جبريل غداً بالوحي من السماء، فتعاليمه طاهرة قدسية.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم:٤ - ٦] كلامه ومنهجه ومبدؤه وعقيدته تأتي من فوق سبع سماوات، لا من التراب والطين؛ والخرافات والخزعبلات؛ والكهنة والشعوذة، وإنما يأتي وحياً صادقاً واضحاً من السماء، لكنه ما قال: "إن شاء الله" وفي الغد اجتمعوا ودعوه وأتىصلى الله عليه وسلم خجولاً مستحياً متحسراً حزيناً، على أنه لم يأته الوحي، لأنه لم يقل: "إن شاء الله" قال: أنظروني، فاستهزءوا به خمسة عشر يوماً، وبعد خمسة عشر يوماً نزل جبريل بقول الحق من السماء، ولنستمع سوياً إلى الله ، وهو يخبرنا ويجيب على هذه الأسئلة الثلاثة.
فالله يفتي فيها من فوق سبع سماوات، ويخبر عن الفتية، وعن الملك، وعن الروح.
أولاً: يبتدئ القصة بأسلوب عجيب، وبنبأ غريب، يقول للرسول ﵊: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً﴾ [الكهف:٩ - ١٢].
قال ابن كثير: هذا مختصر للقصة وسوف يأتي بسطها، أو هذا موجز وسوف يأتي تفصيل الأنباء فيما يأتي.
стр. 1673
تفصيل قصة أصحاب الكهف
يقول الله للرسول ﵊: نحن نخبرك بالحق، فاسمع إلى كلام هؤلاء الفتية، وإلى قصتهم ونبئهم.
стр. 1674
مجتمعهم يعبد الأصنام
فتية عاشوا في زمن من الدهر مع ملك من الملوك، وهو ملك ملحد ظالم سفاك مجرم لا يعرف الله، وهؤلاء الفتية خرجوا معه يوم المهرجان، ورأوا قومهم يعبدون الأصنام، ويسجدون للأوثان، ويتقربون للحجارة التي لا تنفع ولا تضر، وأراد الله أن يحيي قلوب هؤلاء الشباب، وأن يدخل لا إله إلا الله في قلوبهم.
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام:١٢٢] ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] فأتى شاب منهم عمره يقارب الاحتلام، قال: هذا دجل وكذب وافتراء على الله أن تعبد هذه من دونه، من رفع السماء؟ من بسط الأرض؟ من كوكب الكواكب؟ من جعل النجوم بهية إلا الله؟ فانزوى تحت ظل شجرة وأتاه زميله وقد ألقى الله في قلبه الإيمان كما ألقى في قلب خدنه ورفيقه، وأتى الثالث، والرابع حتى أتوا سبعة، فاجتمع رأيهم أن هذا ضلالة: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ [الكهف:١٥] أي: الحجج والبراهين التي تبين أن هؤلاء آلهة من دون الله.
стр. 1675
اعتزال أهل الباطل
فلما اعتزلوهم وما يعبدون من دون الله، وهب الله لهم فتحاً مبيناً.
وهم قد اعتزلوهم بأرواحهم، قال الله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً﴾ [الكهف:١٦].
عجيب! أصبح الغار في الجبل أوسع من القصور، وأوسع من الدور، والبساتين، والساحات والميادين!! فقصور ليس فيها إيمان، وبساتين ليس فيها يقين وتوحيد؛ مظلمة خاوية ملعونة مسخوط ومغضوب عليها من الله.
أما الغار والكهف والخيمة إذا دخله الإيمان فرحب ووسيع.
سم الخياط مع الأحباب ميدان
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
فقلت له لا تبك عينك إنما نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا
وأكبر محاولة وأعظم مطلوب عند أهل العقول من أهل الإسلام: أن تكون عبداً لله.
فذهبوا ودخلوا الغار، ولما جلسوا، تبعهم كلب الملك، فالله يريد أن يعلي بصحبة هؤلاء الأخيار الكلب، فالكلب إذا صاحب الأخيار؛ أصبح شريفاً مذكوراً في القرآن، والشريف إذا صاحب الأشرار؛ أصبح كلباً، فدخل الكلب معهم، لكنه ما دخل الغار، ولكنه يحرسهم عند الباب: ﴿والملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب﴾ كما في الحديث الصحيح.
فجلس من أدبه وسكينته عند الباب يحرس هؤلاء السبعة، أما السبعة فألقى الله عليهم النوم.
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف:١٣] أسانيدنا موثوقة ليست من اليهود، ولا من النصارى، ولا من القوانين الأرضية إنما هي من السماء.
سند كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عمودا
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾ [الكهف:١٣] شباب قلوبهم متفتحة للا إله إلا الله، وأرواحهم متطلعة للا إله إلا الله، ونفوسهم تحب لا إله إلا الله، ومن الذي رفع لا إله إلا الله في الإسلام إلا الشباب، ومن الذين رفعوا منائر الحق في سيبيريا وفي الأندلس والسند وطشقند إلا الشباب.
أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا
كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا
لو كان غير المسلمين لحازها كنزاً وصاغ الحلي والدينارا
فـ أبو بكر شاب وعمر وعلي شاب وعثمان والزبير وطلحة مزقوا في سبيل الله، إما صدِّيق أو شهيد وإما زاهد أو عابد.
فاسألوا التاريخ عنا كيف كنا نحن أسسنا بناءً أحمديا
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾ [الكهف:١٣] ما هي مواصفاتهم؟
﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ [الكهف:١٣] وأنت يوم تقبل على الله، يزيدك هدى، ويوم تدبر عنه؛ يزيدك ردى وبعداً عنه.
стр. 1676
ربط الله على قلوب الفتية
﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف:١٤] لا خوف على من ربط الله على قلبه، فارقوا الأولاد والإخوة والزوجات والأصدقاء والفرش الوفيرة واللحاف الدافئة، والطعام والشراب، لكن إذا ربط الله على القلب، فقد ربط.
يا حافظ الآمال أنتت حميتني ورعيتني
وعدا الظلوم علي كي يجتاحني فمنعتني
فانقاد لي متخشعاً لما رآك نصرتني
فالزم يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان
فربط الله على قلوبهم: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾ [الكهف:١٤].
ثم التفتوا وهم في الغار يديرون حواراً وندوةً عن التوحيد: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ [الكهف:١٥] إنه لا أظلم ممن اتخذ من دون الله إله يعبده.
فلما انتهى حوارهم ألقى الله عليهم النوم: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً * هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ [الكهف:١٤ - ١٥] وضرب الله على آذانهم النوم؛ فناموا.
стр. 1677
نائمون كأنهم أيقاظ
﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف:١٨] عيونهم مفتحة، قال أهل التفسير: لئلا يأكلها الدود.
سبحانك يا رب! ثلاثمائة وتسع سنوات ما أغلقت عيونهم! كانت مفتحة حية تدور، لكن بلا نور: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف:١٨] لئلا تأكلهم الأرضة في الأرض، ولئلا تبلى أجسادهم ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف:١٨] عند الباب، انظر إلى المشهد وإلى الصورة والروعة في الإبداع!!
﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف:١٨] ولم تنم عيونهم كما ينام الذئب:
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع
﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾ [الكهف:١٨] لا يقترب منهم مقترب، فقد أخفى الله خبرهم عن الناس، كلما أتى راعي غنم فقرب من الغار؛ صرفه الله، وكلما أتى رجل من آبائهم أو إخوانهم يبحث عنهم؛ صرفه الله كما فعل برسول البشرية وهادي الإنسانية وهو مع الصديق الأكبر سيد الأولياء أبي بكر في الغار.
قال أهل العلم: قصة غارنا أعظم من قصة غارهم، وأصحابنا الذين في الغار أعظم من الأصحاب أولئك؛ لأن الله حفظهم، فقصة غارنا أعظم وأعجب.
﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٤٠].
стр. 1678
ما حدث بعد الاستيقاظ
ناموا ثلاثمائة وتسع سنوات كما قال ، وانتهت الفترة، وأذن الله أن يقوموا من منامهم، فاستيقظوا وجلسوا: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩].
كان المكثر منهم يقول: لبثنا يوماً كاملاً، والمقل يقول: نصف يوم، لكن سوف يخبرهم ، فجلسوا، قال أهل العلم: لما ناموا في الصباح واستيقظوا بعد هذه الفترة مع العصر، فظنوا أنه يوم واحد
.
قالوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ [الكهف:١٩] أي: بفضتكم يأخذ لنا طعاماً أو إفطاراً من السوق وليتلطف، وقد كانوا أذكياء، فقالوا: ليذهب بخلق حسن، فلا يخاصم الناس، فيأتون بنا مع هذا المجادل للناس، فذهب بالعملة وكانت مضروبة قبل ستة ملوك، فقد أخذ الزمن ستة ملوك وماتوا جميعاً، وتغيرت المدينة والطرقات والميادين والسكك والعملة والناس، فأتى هذا الرجل، فدخل المدينة، وقد تغيرت ملامحها قال أهل السير: كان يقول: أنا نائم أم أنا يقظان؟ فلما ذهب وجد جماعة يبيعون طعاماً، فقال: ائتوني بطعام وخذوا هذه العملة، قالوا: هذه في عهد الملك دقيانوس، وقد مضى عليه ثلاثمائة وتسع سنوات، من أين أتيت؟ قال: أنا في عهد الملك دقيانوس وأنا أعيش معه في مملكته ما مضى علي إلا يوم! قالوا: كذبت! أنت مجنون! فاجتمع الناس عليه حتى رفع إلى الملك، فلما رفعوا أمره، أتى بهم وذهب برعيته إلى الغار، ولما أشرف على الغار، قال صاحب الطعام: انتظروني قليلاً، لأدخل الغار، لأرى أصحابي يتهيئوا لاستقبال الملك، فدخل عليهم، فلما وصل الغار، ألقى الله عليهم الموت فماتوا، ودخل الملك ورعيته، فوجدوهم أمواتاً ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ [الكهف:٢١].
فهؤلاء قوم اهتدوا بهداية الله، ووجدوا الهداية في الغار عندما لم يجدوها في الدور والقصور، ولم يجدوها في المناصب والثروة والأولاد، ووجدوها في الغار يوم أنزلها عليهم، وللحديث بقية.
وأتى ﵊ ليقص هذا النبأ على قريش فمن مؤمن ومن كافر، ومن مصدق ومن مكذب.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين؛ فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.
стр. 1679
الغار وعدد الفتية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
стр. 1680
العلم لا يؤخذ إلا من الأتقياء
كم عدد أهل الكهف؟
سيقولون: ثلاثة، أي: أحبار اليهود، -يا محمد- سوف يتعاطون بين يديك ويكذبون عليك، فاسمع إلى الأسانيد الصحيحة والكلام الظاهر الباهر.
﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف:٢٢] وهذان القولان ضعيفان وليس عليهما حجة: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف:٢٢] وهذا الصحيح.
﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [الكهف:٢٢] قال ابن عباس: [[أنا من القليل الذين يعلمون ذلك، كانوا سبعة وثامنهم كلبهم]].
﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ [الكهف:٢٢] أي: لا تسأل اليهود عن هذه الأخبار، فإن اليهود قوم كذبة مردة فسقة فجرة لا يؤخذ عنهم علم، ولذلك قال أهل العلم: لا يؤخذ العلم إلا عن الأتقياء الأبرار الأخيار، الذين يخافون الواحد القهار، ويريدون عقبى الدار، أما الفجار فلا يؤخذ منهم العلم، فالفسقة لا يترك لهم التربية في المجتمع، ولا يسيرون أجيال المسلمين، ولا يقررون المناهج، ولا يشرفون على المبادئ، ولا يقومون على تربية النسل والجيل؛ لأنهم فسقة.
стр. 1681
تعليق الأمور بمشيئة الله تعالى
قال سبحانه تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً﴾ [الكهف:٢٣] يوم قالوا لك: أخبرنا، قلت: غداً، لماذا لم تقل: إن شاء الله؟
وهل الأمور إلا بيد الله، إذا يسرها تيسرت وإذا عسرها تعسرت؟!
فإذا وعدت الناس، أو أردت أن تقول أو تفعل أو تحدث شيئاً، فعلق أمرك بمشيئة الله، فإن الأمور مقاليدها بيد الله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤] في الصحيحين عنه ﷺ قال: ﴿قال سليمان: لأطوفن الليلة على مائة امرأة كلهن يلدن رجالاً يجاهدون في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن، فما ولدن إلا امرأة ولدت نصف إنسان، والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله لولدن جميعاً رجالاً يجاهدون في سبيل الله﴾.
﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤].
قال بعض أهل العلم: إذا غضبت فقل: "إن شاء الله" واذكره، وقال بعضهم: إذا نسيت شيئاً؛ فتذكره لتذكره.
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً﴾ [الكهف:٢٤] واستمع إلى النهاية: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ [الكهف:٢٥] ثلاثمائة بالشمسية وثلاثمائة وتسع سنوات بالقمرية.
﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ﴾ [الكهف:٢٦] أي: ما أبصره بكل ما يبصر! وما أبصره بكل موجود! وما أعلمه : ﴿أبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ [الكهف:٢٦] جل الله عن الأنداد والأولاد.
стр. 1682
ما يستفاد من قصة أهل الكهف
ومن هذه القصة تؤخذ دروس:
الدرس الأول: أن ضيق الدنيا وسعتها لا تقارن بالدور، والقصور، والأموال، والأولاد، ولكن السعة بالإيمان الذي يجعله الله في صدر من يشاء، فمن رزقه الله الإيمان، فقد وسع عليه، ومن حرمه الإيمان، فقد ضيق عليه وسخط عليه ولعنه وأذله وبكته وخذله وحرمه.
الدرس الثاني: أن الإيمان يطلب، ومن طلبه وجده، وأنه لا يعلق بملك أو تجارة، أو بولد: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] يعطى الإيمان لـ بلال وهو عبد حبشي من أثيوبيا قدم رقيقاً، ويحرم الإيمان أبو طالب وهو سيد قرشي كان بين الركن والحطيم.
ويعطى لـ سلمان وهو من فارس.
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم
الدرس الثالث: أن ضيق الدنيا وسعتها أمر نسبي وإضافي، فمن وجد السعادة في الإيمان، ولو كان في كهف أو في غار، ولو كان على كسرة خبز وينام على الرصيف فهو السعيد.
ولست أرى السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد
يا متعب الجسم كم تسعى لراحته أتعبت جسمك فيما فيه خسران
أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
ومن لم يجد الإيمان، فإن الله يضيق عليه ويحييه حياة ضنكاً، ولو جمع الملاذَّ والمطاعم والمشارب.
الدرس الرابع: أن الفرار بالدين من الفتن سنة، وأمر شرعي مطلوب كما فعل أهل الكهف، ولذلك صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿يوشك أن يكون خير مال المرء المسلم غنم يتتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن﴾ فمن وجد فتنة، فليركب رجله وليفر وليذهب في الأرض الواسعة ولا يبقى في القرى الظالم أهلها الذين ينشرون الجريمة والمعصية، ويعينون على المنكر.
الدرس الخامس: أن الله إذا تولى حفظ، وإذا سدد هدى، ومن استكفى بالله كفاه، ومن احتمى بالله حماه، ومن توقى بالله وقاه، ومن استرعى الله رعاه، ومن ضيع الله ضيعه الله.
الدرس السادس: أن فيها نبأ عجيباً! وهو أن هذا الدين يتلقى بالوحي السماوي فليس بخزعبلات ولا ضلالات، وليس بتقليد وتبعية وإنشاء، إنما هو وحي يوحى، آية أو حديث، كتاب أو سنة، ويرد العلم إلى الله ثم إلى رسوله.
الدرس السابع: أن الرسول ﵊ ما أتى بعلم من لدنه، وإنما أتى بعلمه ورسالته من عند الواحد الأحد.
إلى غير تلك القضايا الكبرى التي من تدبر القرآن وجدها وأبصرها وعرفها واهتدى بهدى الله الذي هدى به رسوله ﷺ .
عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة واحدةً صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ على حبيبك ونبيك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، اللهم وفقنا لاتباع سنته، والسير على هديه، والاستفادة بمنهجه، وتعلم العلم الذي ورّثه، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، اللهم اهدهم سبل السلام، اللهم أخرجهم من الظلمات إلى النور يا رب العالمين!
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفقهم لما تحبه وترضاه، اللهم حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، واجعلهم من الراشدين، اللهم حبب إليهم الكتاب والسنة، واجعلهم خدماً لهما، متشرفين بخدمتهما، رافعين لعلمهما يا رب العالمين.
اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم وفقهم لما تحبه وترضاه، اللهم كفِّر عنهم سيئاتهم، وأصلح بالهم، واهدهم سبل السلام يا رب العالمين.
ربنا إننا ظلمنا أنفسنا ظلماً كثيراً، وإن لم تغفر لنا وترحمنا؛ لنكونن من الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1683
الأحاديث الواهية
ذكر الشيخ -حفظه الله- بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة المكذوبة على النبي ﷺ ، وبين كلام السلف ﵏ فيها وتضعيفهم لها سنداً ومتناً، وذلك لأنه قد انتشر الكذب بين الناس، حتى تجرأ بعضهم، فأصبحوا يكذبون على رسول الله ﷺ ، ولقد سخر الله لهذا الدين علماء ينقون أحاديث النبي ﷺ ، ويبينون الضعيف من الصحيح.
стр. 1684
الكذب من أكبر الذنوب والخطايا
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
أما بعد:
فعنوان هذا الدرس: الأحاديث الواهية.
стр. 1685
خطر الكذب على الله ورسوله
ولما كان لزاماً على كل طالب علم أن يبين للناس ما يخشى أن يقعوا فيه، ومن أعظم ما يخشى على الأمة الكذب على الرسول ﵊ والافتراء عليه، فقد صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار﴾ والله يقول: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً﴾ [النساء:٥٠] فبين أن الكذب من أكبر الذنوب والخطايا؛ خاصة إذا كان على الله وعلى رسوله ﷺ .
الكذب على الناس كبيرة، فكيف إذا كان على رسول الناس؟! فكيف إذا كان على رب الناس ؟! قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر:٦٠] مسودة من الكذب؛ لأن الكاذب دائماً خجول ودائماً حقير وذليل.
والمقصود من هذا الدرس: هو بيان بعض الأحاديث التي انتشرت بين الناس وهي ضعيفة أو موضوعة، وسوف أبين بحول الله الموقف من الأحاديث الضعيفة، هل يستشهد بها، وهل يستدل بها؟ ومتى وما شروط ذلك؟
ويقول : ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] ومعنى (لا تقف): قيل: لا تتبع، وقيل: لا تقف على ذلك، وقيل: لا تورده على الناس وأنت لم تتحقق منه، وقيل: لا تشيعه بين الناس فإن بعض الناس يحدث بكل ما سمع.
وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع﴾ أي: يكفي الإنسان إثماً وخطيئة أنه كلما سمع قصة ومقالة قالها ونشرها بين الناس.
وفي الصحيح عنه ﵊ أنه قال: ﴿إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، وحرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات﴾ ومعنى قيل وقال: أي كثرة الكلام، قال فلان ورد عليه فلان، وقالوا وقلنا، وهذا معناه: ضياع الوقت والعمر والدين.
يقول سبحانه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] وهذا تهديد لمن يتكلم في غير مرضاة الله .
والمقصود هنا من الحديث: أن أبين بعض الأحاديث التي يستدل بها بعض الخطباء وبعض المتحدثين وهي منتشرة بين العوام فيحذر منها؛ لئلا تنتشر، وفي الأحاديث الصحيحة غنية والحمد لله.
следующие страницы →