← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

اختيار الزوج المناسب السؤال أنا فتاة أبلغ من العمر عشرين سنة، وقد حال أبي ﵀ دون زواجي، ثم استلم المهمة بعده إخوتي، وقد أمضيت العمر وأنا أرغب في الزواج، ولكن أبى أهلي من تزويجي؛ حيث يرغبون تزويجي من شاب صاحب دين وخلق حسن، وأنا أرغب الزواج من الشاب الأول؛ لأني أحببته حباً عظيماً دخل في قلبي وعظمي ولحمي، وفي النهاية خسرته وزوجوني أهلي من شاب دين وأخلاقه عالية، ولكن ما زلت متعلقة بالحبيب الأول: كم منزل في الأرض يعشقه الفتى وحنينه أبداً لأول منزل الجواب أولاً: نسأل الله أن يتوب علينا وعليك، وفي هذا السؤال قضايا: أولها: غفر الله لوالدك فقد أساء لما أخر زواجك وأنت أصبحت في سن الزواج، فهو بذاك أساء إساءة عظيمة نسأل الله أن يغفر له؛ لأن تأخير البنت والقريبة والأخت إذا حان زواجها؛ وتقدم لها الكفء يعتبر من الذنوب العظام والخطايا الجسام، والآثام العظيمة الوخيمة؛ التي يتسبب فيها هؤلاء السفهاء في تضليل المجتمع وإيراث الفاحشة والجريمة وقتل المبادئ. صدق أو لا تصدق! أن فتاة أصيبت بهستريا لما منعت من الزواج حتى بلغت الثامنة والعشرين، وهذه بأسانيد صحيحه مثل الشمس، أتاها مرض؛ لأن الله فطر الناس على أن يتزوج الرجل من المرأة: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات:٤٩]. القضية الثانية: الخطأ الوارد عندنا وهو كثير في المجتمع أن الأب يريد أن يزوج ابنته بمن يريد هو لا ما تريد هي، كأنه هو الذي سيتزوج! بعض الآباء كأنه هو الخطيب، إذا أعجبه رجل ذهب وقال لابنته: تزوجيه؟ فتقول البنت: لا أريده. قال: لا، والمشعاب جاهز والهراوة في يده! أي أنه دكتاتوري، وهذا خطأ عظيم. بل تتزوج هي بمن ترغب؛ لأنها هي التي ستعايشه في البيت وفي الفراش، أتعطيها رجلاً مثل الصخرة عليها، لأنه قدم ماله أو أعجبتك زيارته ووظيفته! أنت الذي سيتزوج أم هي؟! أنت ما عليك إلا أن تسحب المال والمهر والسيارة وأول ليلة، ثم تدخلها جحيم ستين سنة! ولذلك فشلت الزواجات التي تسير على هذا الأمر؛ لأن الأب والأخ يريدان أن يكيفا البنت على ما يريدان هما وهذا خطأ، بل لابد أن تعرض عليها وتسألها: هل تريدين فلاناً؟ فلو أرادته فوافق على زواجها ولو كان من أفقر الناس، ولو رفضته فارفضه أنت ولو كان ملك الدنيا. وهذه الأخطاء تكررت في المجتمع كثيراً، وسببت في الطلاق بعد شهر أو شهرين من الزواج، بمعنى أن الحياة تحولت إلى جحيم! أتى شاب أخبرني وهو يقول: أبي طلق بالثلاث ألاَّ أتزوج إلا من فلانة، وأنا أريد بنت عمي، فتزوج من فلانة التي أراد أبوه، وبعد ثلاثة أشهر طلقها وكان هذا جزاء والده. هذا الزواج ليس شراءً ولا بيع سيارات ولا عقارات. الزواج حياة، والزواج إذا لم يأتِ من الحب لا يستقيم ولا يصلح، ولا يستقيم المجتمع عليه. وقد سن الرسول ﷺ رؤية الخاطب للخاطبة قبل العقد، فيراها رؤية أي: يكون أقاربها موجودون في البيت وتدخل هي ويراها الرجل، وتراه حتى يؤدم بينهما، لأنه قد لا يتألف عليها بعد أن يعقد عليها، فتوصف بأنها حوارء شقراء جميلة زرقاء، إذا جلست قرت وإذا قامت استقرت، لا طويلة ولا عريضة، سحراوية العين في الليل، بيضاء في النهار، طويلة الشعر؛ أما إذا دخل بها وإذا بها عكس الأوصاف تماماً فيطلقها! هذا ليس بصحيح. ويوصف لها الزوج بأنه عنترة في الشجاعة، وحاتم في الكرم وابن تيمية في العلم، وعلي بن أبي طالب في الخطابة، فإذا دخلت وجدته كالصخرة؛ فتبغضه وهذا لا يصح، فلا بد من الرؤية. إذاً: هؤلاء أخطئوا خطأً بيناً، أما وقد تزوجت من رجل دين ومستقيم فاحمدي الله على ذلك، واسأليه أن يؤلف بينك وبينه. واعلمي أن تعلقك بالأول ليس له أصل وارضي بما قدره الله لك، والله يدري أي الخير لك، وقد كتب لك هذا، فأسأل الله أن يرضيك بهذا، وأن يرضيه عنك، وأن يحييك معه حياة سعيدة فإنه على ذلك قدير، ونسأل الله أن يصرف قلبك عن الأول فقد انتهى وذهب، وكل ميسر لما خلق له. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

стр. 1752

المسجد المحزون إن الإسلام هو دين الجهاد والكرامة، فإذا تخلى المسلمون عن هذا الدين وتهاونوا فيه، وتركوا الجهاد؛ سلط الله عليهم الأعداء حتى يراجعوا دينهم. ويوم أن تمسك المسلمون بالدين، ورفعوا راية الجهاد؛ فتح عمر بن الخطاب القدس، ويوم أن تخاذل المسلمون عن الجهاد أخذها الصليبيون، حتى ظهر صلاح الدين وحررها منهم. واليوم تخاذل المسلمون وتقاعسوا عن الجهاد فاغتصبها اليهود وهي الآن أسيرة تنادي: هل من صلاح الدين؟! هل من عمر؟! ولكن لا مجيب لها إلا أطفال الحجارة، فإلى الله المشتكى.

стр. 1753

المسجد الأقصى عبر التاريخ الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. القدس السليب دمعة في عين كل مسلم، وطعنة في قلب كل مسلم، وقضية كل مسلم، فالعرب والمسلمون قضيتهم القدس، والأفغان المسلمون قضيتهم القدس، والهنود المسلمون مصيبتهم القدس، والباكستان والأتراك يعيشون آلام القدس. القدس قضية إسلامية وليست عربية، القدس مصيبة يحتسبها كل مسلم، ويعيش آلامها وآمالها وجراحها ودموعها كل من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً. مررت بالمسجد المحزون أسأله هل في المصلى أو المحراب مروان أجابني المسجد المحزون واختلفت على المنابر أحرار وعبدان فلا الأذان أذان في منائره من حيث يتلى ولا الآذان آذان مسجد استقبل محمداً ﵊، وصلى فيه إماماً بالأنبياء، وأمهم في ليلة الإسراء، مسجد فتحه وصلى فيه وبكى فيه، وأخذ مفاتيحه عمر، مسجد وصله صلاح الدين ورفع سيف العدل فيه، وأذن فيه وصلى، فبيد من هو اليوم؟ ومن يصلي فيه؟ ومن يؤم الناس في محرابه؟ ومن يخطب على منبره؟ يا ألله شامير وبيريز وموشي ديان أعداء الله، وأعداء الإنسانية يلطخون المسجد الأقصى. مررت بالمسجد المحزون أسأله هل في المصلى أو المحراب مروان أين عمر؟ أين طارق؟ أين صلاح الدين؟ أين معاذ وبلال؟ أين من فتحوك وطهروك، وسبحوا لله فيك؟ لا أحد، تغير على المسجد الأقصى أحرار وعبدان. فلا الأذان أذان في منائره من حيث يتلى ولا الآذان آذان ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَولَهُ﴾ [الإسراء:١] أسري بالنبي ﵊ في ظلام الليل، ليصلي بالأنبياء هناك في مسجدنا، في أول قبلة لنا، وفي أرضنا، في مكانٍ سكبنا فيه دموعنا ودماءنا، أين هو اليوم؟ أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدم كنت الإمام لهم والجمع محتفل أعظم بمثلك من هاد ومؤتمم أين ضاع؟ أين صار المسجد؟ ضيعناه يوم ضيعنا لا إله إلا الله، الأمة أمة جهاد، ولكنها نكلت عن الجهاد. وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿إذا تبايعتم بالعينة، واتبعتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى تراجعوا دينكم﴾ وبالفعل تبايعنا بالعينة، وأكلنا الربا، وسمعنا الغناء، وعشنا على المعازف، وأصبحت سهراتنا على البلوت، ونظرنا إلى الصور الخليعة، وتلهينا في النزوات والشهوات، فسلب منا المجد والكرامة والمسجد الأقصى. أُبطل الجهاد، فلا جهاد، إسرائيل تعد وتسكت، والعرب لا يعدون ولا يتكلمون. إسرائيل تبني كل يوم قوة، وتجهز كل شهر جيشاً، وتصنع وتدرب، وتغطي شعاع الشمس عن الأرض بطائراتها؛ لأنها تعلم أنه لا قرار لها إلا بالقوة، ولكن علم الجهاد لم يرتفع! وذهبت القدس، وأصبحت لعبة بين يدي العالم، فطعن كل مسلم في الأرض، وبكى كل مسلم يؤمن بالله في الأرض، من أجل ضياع القدس.

стр. 1754

عمر يفتح القدس خرج عمر من المدينة -ورضي الله عن عمر، عمر العدل، والجهاد، والصدق- خرج ليأخذ مفاتيح بيت المقدس، كان بإمكانه أن يرسل نائباً، أو مستشاراً، أو مندوباً، لكن المهمة خطيرة إنه بيت المقدس أولى القبلتين، وخرج بنفسه، فهل خرج بسلاح؟ لا. وهل خرج بعتاد؟ لا. وهل خرج بحرس؟ لا. أخذ ناقة وأخذ مولاه وذهب معه في ثيابه القديمة وعصاه، وقال لمولاه: تركب مرة وأنا مرة، فكان المولى يقود الجمل وعمر يركب، فإذا انتهت مدة عمر، نزل عمر فقاد الناقة وركب مولاه، واقترب عمر من بيت المقدس ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء:٩٧] خرج النصارى وخرج الأطفال وخرجت النساء ينظرون إلى عمر، هذا الذي ملأ سمع الدنيا، والذي دوخ رأس المعمورة، وداس الأكاسرة والقياصرة وذبحهم ذبح الشياه، والذي بلغت جيوشه جورجان وأذربيجان والسند وطشقند والهند، يريدون أن يروا عمر أمن لحم ودم أم من حديد؟ ما هو لباسه؟ كيف تاجه؟ كيف جيشه؟ كيف حرسه؟ كيفت كتائبه؟ وكانت جيوشه هناك على مشارف بيت المقدس، لأن الجيوش لما فتحت جاء القائد الأعلى ليأخذ المفاتيح، فأتى عمرو بن العاص واقترب من عمر وقال: فضحتنا يا أمير المؤمنين! قال: ولم؟، قال: أتيت في ثيابك هذه وناقتك ومولاك! أما أخذت قوة ترهب الأعداء؟ فلقد خرج الناس، فانظر إلى الألوف قد جاءوا لاستقبالك، فدمعت عينا عمر، وقال: [[نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله]]. واقترب عمر من بيت المقدس داخلاً المدينة، وقد امتلأت السكك بالرجال والنساء والأطفال ينظرون إلى هذا العلم البارز، فكان عادياً، ثيابه مرقعة، لكن إيمانه كالجبال الراسية، صنع الله الذي أتقن كل شيء، فلما اقترب وإذا الطين وبلل الطين في سكك بيت المقدس، فأتت نوبة المولى ليركب على الجمل، قال: يا أمير المؤمنين! وصلنا والعقبة عقبتي لكن أتنازل بها لك لتركب، لأننا أصبحنا أمام النصارى، قال عمر: لا. والله لا يركب إلا أنت، فركب المولى، وأتى عمر يقود الجمل ويرفع ثيابه عن الطين. فماذا فعل النصارى؟ بكوا وارتفع البكاء على أسطح المنازل، وفي السكك منظر غريب، أهذا عمر في الطين؟! أعمر يقود الجمل ومولاه على الجمل! أعمر بهذه العصا وهذه الثياب الممزقة، وقد خفناه شهراً كاملاً! نصرت بالرعب شهراً قبل موقعة كأن خصمك قبل القتل في حلم إذا رأوا طَفَلاً في الجو أذهلهم ظنوك بين جنود الجيش والحشم فبكى النصارى، وقالوا: بهذا الفعل فتحتم الدنيا، وتقدم وسلم على الصحابة، وقبل أن يجلس في بيت المقدس أخذ المفاتيح، فكانت مراسيم هائلة وبكى الصحابة بنصر الله وبمثل نصر الله يبكي فرحاً المؤمنون. طفح السرور علي حتى إنني من عظم ما قد سرني أبكاني وحانت صلاة الظهر، وقال عمر: [[يا بلال! قم فأذن، قال بلال: يا أمير المؤمنين! قد حلفت ألا أؤذن لأحد بعد الرسول ﵊ -لأن بلالاً لما مات ﵊ اعتزل الأذان وأقسم بالله لا يؤذن لأحد بعد المصطفى ﷺ فقال عمر: عزمت عليك أن تكفِّر، وأن تؤذن، فقام وأذن]] ليرفع صوت الحق لأول مرة: الله أكبر، الله أكبر. الله أكبر، الله أكبر. فكان عمر أول من بكى من الناس، ثم ارتفع البكاء لمسألتين عظيمتين: الأولى: ذكرهم بالحبيب ﵊، وذكرهم بالأيام الخالدة وبالعهد الأول. وداعٍ دعا إذ نحن بـ الخيف من منى فهيج أشواق الفؤاد وما يدري دعا باسم ليلى غيرها فكأنما أطار بـ ليلى طائراً كان في صدري والثانية: فتحٌ من الله، ونصر عظيم لهذه الأمة، أن تسترد بيت المقدس، وأن تصلي فيه، وأن تعيش فيه. ومات عمر واستمر بيت المقدس مع المسلمين، فلما تخاذل المسلمون عن لا إله إلا الله وقاطعوا المساجد، وهجروا المصحف، واشتغلوا بالأغنية، وبالعود وبالكوبة، وبالورقة وبجمع الطوابع، وبالمراسلة وبالنزهات؛ ضاع بيت المقدس من المسلمين، وانهار العالم الإسلامي، ولكن أراد الله أن يعيد لنا بيت المقدس في القرن السادس على يد من؟ أعلى يد العرب؟ لا يشترط أن يكون العرب هم الذين يؤيدون هذا الدين ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام:٨٩]. إذا كفر العرب، ففي الترك مسلمون. وإذا أعرض العرب، ففي الهنود مؤمنون. وإذا نكس العرب، ففي الأفغان مجاهدون. الدين هذا ليس حجراً للعرب، الدين هذا ليس لـ صنعاء، أو بغداد، أو الرياض، أو جدة، أو مكة، أو تونس، أو الجزائر، الدين هذا للعالم، للكرة الأرضية، من اتقى الله فهو حبيب الله ولو كان مولى، ومن عادى الله فهو عدو لله، ولو كان سيداً قرشياً.

стр. 1755

صلاح الدين يحرر القدس أتى الله بـ صلاح الدين وصلاح الدين كردي من الأكراد، وليس بعربي، لكنه مؤمن يصوم النهار ويقوم الليل. صلاح الدين ولي من أولياء الله، تعلم في مدرسة محمد ﵊، كان شاباً لا يضحك ولا يتبسم، قال له الناس: لا نراك تضحك ولا تتبسم!، قال: سبحان الله! أضحك والمسجد الأقصى مأسور، أتبسم والمسجد الأقصى بيد الأعداء، لا والله. وعاش صلاح الدين، فلما اكتمل نموه واشتد ساعده، حمل السيف، وقال: لا إله إلا الله، والعرب والعجم إذا سمعوا لا إله إلا الله تحركت الفطرة في قلوبهم، وتحرك الإيمان في أرواحهم, كما قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم:٣٠] فقال: لا إله إلا الله وكبر في المعمورة، فأتى المسلمون وعادوا إليه مهللين ومكبرين، وتابوا من المعاصي، وتركوا الخمارات والبارات، وهجروا الغناء؛ كسروا الأعواد وسبحوا وتوضئوا، وحملوا السيوف. رفيق صلاح الدين هل لك عودة فإن جيوش الروم تنهى وتأمر رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم وجيشك في حطين صلوا وكبروا نساء فلسطين تكحلن بالأسى وفي بيت لحم قاصرات وقصر وليمون يافا يابس في أصوله وهل شجر في قبضة الظلم يثمر؟! يبس ليمون يافا، وبكت نساء فلسطين يوم أصبح الجهاد قرارات لـ هيئة الأمم الظالمة الملحدة التي عليها كل صهيوني وعميل. والأفغان كفروا بـ هيئة الأمم، فنصرهم الله، وما قدموا عريضة ولا شكوى، إنما أخذوا الرشاش، وأخذوا السلاح، وذبحوا الروس كذبح الدجاج وداسوهم في الأرض على التراب، وقالوا: لا نعرف هيئة الأمم ولا جنيف ولا مجلس الأمن، وهل هو من عند الله؟!! ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٠] أربعون سنة والعرب يشكون على مجلس الأمن، فإذا قتل قتيل مجرم في ناحية قامت الدنيا وقعدت بأسرها، وشعب فلسطين يذبحون بالآلاف، وأطفال فلسطين يكدسون مع القمامات، وشيوخ فلسطين يجرجرون على وجوههم في التراب، ثم لا شكوى ولا اعتراض ولا استنفار، إلى متى؟ فخرج صلاح الدين يوم الجمعة، يوم وقف الخطباء على منابر العالم الإسلامي وأرسل لهم أن ادعوا لنا. فاليوم يوم التصفية، والملحمة والفرقان، اليوم يشفي الله قلوب المؤمنين وأرواح المضطهدين، ووقف صلاح الدين وصنف الكتائب، وأعد الجيوش، والتقى بالنصارى الصليبيين أعداء الله، وبدأت المعركة مع أذان الجمعة الثاني، وصدق صلاح الدين مع الله، وطلب النصر من الله، وكان صلاح الدين في المعركة يجول ويذبح ويقتل، ثم يعود ويستقبل القبلة ويسجد ويبكي ويمرغ وجهه في التراب، ويقول: نصرك اللهم، نصرك اللهم، ومع الغروب وإذا بأعداء الله يزحفون على الرمال، وإذا بسيوف الله تأخذ في أكتاف أعداء الله وتسحقهم سحقاً، وتفنيهم فناءً، وتبيدهم إبادة، وفي اليوم الثاني يدخل صلاح الدين بيت المقدس، ويؤذن المؤذن مرة ثانية بأذان الظهر، وترتفع الخطبة التي يلقيها أحد العلماء، خطبة ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية ما سمع الدهر بمثلها، وما بقي أحد إلا بكى، ولو كانت الشجر لها مقلتان لبكت من فرح النصر ومن عظمة الدين. ومات صلاح الدين وعادت الأمة إلى ما كانت عليه، أمة لاهية، أموالها في البنوك الربوية، وشبابها في المنتزهات، وسهراتها مع الورقة والباصرة، وتلاوتها الأغنية الماجنة، ومصحفها المجلة الخليعة، وهوايتها جمع الطوابع والمراسلة، تصفيق وزفير، وشهيق وضياع، وسفر وأغنية ومجون، فضاعت القدس. مليون يهودي جاءوا من فرسنك وبولندا وهولندا. ومن أطراف الأرض، فأرغموا مليار مسلم على التخلي عن القدس وأخذوا فلسطين، بل هددوا العالم الإسلامي، وأصبح يسميهم بعض العرب إرهابيين فخفنا منهم وتصورنا خوفهم في الماء، والله يقول: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة:٦١] لعنهم الله ونحن نقول: شجعان إرهابيون، خفنا وتبددنا، ولكن هل من عودة إلى الله؟ هل من رجوع إلى الله؟ فقضية القدس قضية المسلمين، ولا بد أن تجعلها من أول اهتماماتك في الحياة، دعاءً وبذلاً، وجهاداً وتضحيةً وتوعيةً في الناس. أقول هذا، وأستغفر الله الجليل لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1756

العزة في الجهاد في سبيل الله الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على قدوة الناس أجمعين وبعد: أخي جاوز الظالمون المدى فحق الجهاد وحق الفدا أنتركهم يغصبون العروبة أرض الأبوة والسؤددا فجرد حسامك من غمده فليس له بعد أن يغمدا - إلى متى نشكو؟ - إلى متى نصمت؟ - إلى متى نفكر؟ والقدس الحزينة في أيدي أعداء الله، أنجاس العالم أهل الدعارة والزنا والربا في المعمورة يملكون القدس، اليوم يأخذون الشيخ فيسحبونه على الأرض، ويفجرون بطن الحامل بالخنجر، ويقسمون الأطفال بالسكاكين، كسروا عظام الحوامل، وأجاعوا الأرامل، وهدموا البيوت، وداسو المصاحف، نجسوا المساجد، فإلى متى؟

стр. 1757

مثل للجهاد في فلسطين ومن أشهرٍ قامت انتفاضة مباركة، يوم عق الآباء وتركوا الجهاد؛ خرج الأطفال يكبرون، خرجوا بالحجارة لا يملكون قنابل ولا طائرات ولا صواريخ. خرجوا على الأعداء يلقون الحجر ويكبرون وفي حناجرهم عمر كتبوا على الأرض السليبة بالدما إسلامنا يعلو ويهلك من كفر فإذا الحجارة كالقنابل في الردى والطفل ليث في المعارك والخطر أعلامهم رفعت وفي هالاتها الله أكبر كل أمر مستقر وترى صلاح الدين بين صفوفهم حيَّت معاليه الحدائق والشجر انتفاضة مباركة بدأت بالإسلام ولها نصر مؤزر بإذن الله، وقودها أطفال متوضئون خرجوا من المساجد فلم يجدوا إلا الحجارة، فقاتلوا بها، شهد العالم باستبسالهم، وحيا الإسلام شجاعتهم، وقال لهم الإيمان: حيا الله بكم أبطالاً، أنتم أبناء عمر وصلاح الدين، آباؤكم تركوا المسجد، وعقوا الرسالة، واشتغلوا بالدنيا، وتبايعوا بالعينة، تبعوا أذناب البقر، فهزمهم اليهود، فحيا الله بكم يا أطفال، أعيدوا ملحمة خالدة من ملاحم عمر، أو صلاح الدين. اللهم فنصرك وتوفيقك وهدايتك لهذه الأمة، اللهم رد إلينا بيت المقدس والمسجد الأقصى، اللهم رد إلينا بلادنا فلسطين، اللهم إنا لما سلبنا إرادتنا، وظلمنا في العالم ولا ناصر لنا إلا أنت، اللهم فاملأ قلوبنا إيماناً، وبيوتنا يقيناً، وأفئدتنا نوراً، اللهم رد لنا مجدنا الخالد، اللهم إنا نسألك صلاة في ذاك المسجد تشفي بها عليلنا، وتروي بها غليلنا، وتوسع بها أرزاقنا، وتسهل بها همومنا، وتمسح بها على جراحنا. اللهم انصرنا، اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، اللهم ارفع علم الجهاد، واقمع أهل الكفر والزندقة والبغي والإلحاد، الذين يفسدون في البلاد، ويخربون بين العباد، يا رب الدنيا ويا رب الآخرة.

стр. 1758

الدجالون في الأرض تكلم الشيخ عن الشرك وبين أن التعلق بالتمائم والحروز وأمثالها خروج عن منهج الرسل، وأن من يروج هذه الخزعبلات دجال من الدجاجلة، وذلك لا يليق أن يكون في بلاد النبوة ومهبط الوحي.

стр. 1759

التحذير من الباطل الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون. الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء، إن الله على كل شيء قدير. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، ونصح الأمة، ودعا إلى الله، وأقام الملة، وجاهد في سبيل الله، ورفع راية الحق، ونشر العدل، وصدح بالمعروف ﷺ تسليماً كثيراً. عباد الله! أتم الله لنا الشريعة، وأتم لنا برسالة محمد ﵊ الملة، فقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك﴾.

стр. 1760

الإسلام دين كامل ذهب عمر ﵁ وأرضاه إلى قرية من قرى اليهود، فوجد فيها التوراة، فأخذ نسخة من التوراة المحرفة المبدلة، وأتى بها إلى رسول الهدى ﵊، فلما رآها ﵊ بيد عمر تمعر وجهه وغضب واشتد غضبه واحمر وجهه، وقال: ﴿أمتهوكون فيها يـ ابن الخطاب؟! والذي نفسي بيده لو كان موسى حياً، لما وسعه إلا اتباعي، يا عمر! أما أتيت بها بيضاء نقية﴾ أما أتى ﵊ بالقرآن والسنة التي لا يحتاج عبدٌ إلى عقيدة، أو عبادة، أو معاملة، أو أخلاق، أو سلوك إلا وجدها في الكتاب والسنة، أما علمنا لا إله إلا الله أكبر الأمور، وإماطة الأذى عن الطريق من أدنى الأمور، أما علمنا أن كيف نأكل وكيف نشرب وكيف ننام، فما لنا نصد عن منهج الله؟ ولهذا الكلام سبب سوف أذكره الآن. شعوبك في شرق البلاد وغربها كأصحاب كهفٍ في عميق سبات بأيمانهم نوران ذكرٌ وسنةٌ فما بالهم في حالك الظلمات

стр. 1761

المشعوذون والسحرة أعداء الرسل عندي الآن دفتر صغير منتشر بين كثير من الناس اسمه" حجاب الحصن الحصين " خزعبلات ظلمات بعضها فوق بعض ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] فيه كلام باطل ألفه أحد الكهنة، أو المشعوذين، أو السحرة، عليهم لعائن الله صباحاً ومساءً، فهم أعداء الرسل. وهو منتشر في كثير من القرى والمدن والبوادي يقول هذا السفيه الأحمق المعتوه الذي ألفه: إنه ينفع من أمور كثيرة إذا وضعته المرأة في حرير ووضعته في رأسها وكانت شابة جاءها الخطاب من كل مكان، وإذا وضعه صاحب الدكان وعلَّقه لا يحترق دكانه، وأتى عليه الزبائن -زبائن الجن- من كل مكان، وإذا وضعه الإنسان في البيت لا يحترق. نبئوني عن علم إن كنتم صادقين، أفي بلاد الوحي؟! أفي بلاد الرسالات؟ أهنا تأتي الخزعبلات؟! أتحولت الأمة إلى بوذية، أو هندوسية؟! أتحولت الأمة إلى غلاة صوفية لا يعرفون شيئا؟ ماذا سوف يقول النصارى إذا قرأوا هذه الكتب؟ أرسالة محمد ﵊ هذه الدفاتر، أم أتى بها بيضاء نقية؟!! أتى بها كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ * بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦] أتى ليقول وليتلو قوله : ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣] فلماذا هذه الضلالات؟ ولماذا هذه البدع؟ ولماذا هذا التشويه لوجه الإسلام؟ الإسلام جميل، الإسلام حق وصدق، وسوف أعرض لكم بعد قليل دور الإسلام في اكتساح الشيوعية في العالم، لكن يوم يأتي الغريب ويجد أن في مقدسات البلاد الإسلامية، وفي الأرض التي بعث منها محمد ﵊، وفي أرض أبي بكر وعمر وعثمان وعلي في منطقة من هذه الأرض، في أبها، أو حولها وبجانبها من ينشر هذه السخافات على الأطفال والعجائز والجهلة ليردهم عن منهج الله. صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿من أتى عرافاً لم تقبل له صلاة أربعين يوماً﴾ وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿من أتى كاهناً، أو عرافاً فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد﴾ خيوط وختم ودبل وأسلاك وتمائم وقطع من القماش وأناس من المشعوذين السحرة الكهنة أعداء الرسل، عليهم لعنة الله، يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن منهج الله. رأى ﵊ رجلاً في يده حلقة -حلقة من صفر من نحاس- قال: ﴿ما هذه؟ انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهنا، وإنك لو مت وهي عليك، لما أفلحت أبداً﴾ وفي الصحيح: ﴿أنه جاء ﷺ إلى رجل في يده خيط علقه من المرض فقطعه ونهاه وزجره﴾ وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿من تعلق تميمة فلا أتم الله له﴾ التميمة: إما ورقة يكتب فيها غير القرآن وحتى القرآن على الصحيح لا تعلق آيات القرآن على صدر الطفل، ولا الطفلة، ولا المريض، فكيف إذا كان المعلق طلاسم كما يفعل هذا المعتوه المجنون السفيه؟! كلمات أعجمية ليلبس على الناس، ومثله وأمثاله يأكلون أموال الناس بالباطل. وقبل أيام ذهب رجل إلى كاهن في اليمن ليستشفي لمرض ابنته ودفع أموالاً طائلة، قلنا له: قد خسرت دينك ودنياك وآخرتك إن لم تتب إلى الله، لقد كفر برسالة الرسول ﵊ تماماً بذهابه إلى هؤلاء الكهان. صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿من تعلق تميمةً فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعةً فلا ودع الله له﴾ لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا أنجح الله مطلوبه، ولا شفى مريضه، ولا نجح راسبه، ولا رزقه، ولا سد دينه، لأنه عادى الله. والودعة: صدف يخرج من البحر تعلق في بعض البيوت. فلا ودع الله له أي: لا ودعه ولا حفظه ولا رعاه ولا تولاه لا في الدنيا ولا في الآخرة. يا أمة محمد ﵊! يا أبناء من نشر التوحيد في العالم! أمثل هذه السخافات والخرافات والخزعبلات تنتشر بين أيديكم؟! من ينشر الإسلام في العالم؟ من يخبر الناس بصفاء هذا الدين وصدقه ووضوحه وأنه دين كالشمس؟ لكن يأتي المشعوذون الكهنة السحرة المتفلسفون أعداء الله، فيشوهونه، ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨].

стр. 1762

الله قريب من عباده سبحان الله! ما أجل الله! إذا مرضت شفاك، وإذا طلبت أعطاك، وإذا دعوت أجابك، ليس بينك وبين الله حجاب أبداً فاتصل به مباشرة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦] وإذا سألك المريض أين الطبيب؟ فهو قريب، وإذا سألك المديون أين الذي يسد الرمق والحاجة؟ فهو قريب، وإذا سألك المنهزم المنهار أين العضد والنصير؟ فهو قريب، وإذا سألك الفقير البائس أين المغني؟ فهو قريب، وإذا سألك الضعيف أين القوي؟ فهو قريب، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]. سبحانك ما أعظمك! لقد أساءت الأمة، يوم لطخت وجه التوحيد وأساءت إلى هذا الوجه الجميل، يوم عرضت الإسلام للعالم مشوهاً حتى يقول عبدة الكأس والمرأة الداعرة وعبدة الأصنام وأهل الكنائس التي تحولت إلى دور دعارة: الإسلام خزعبلات، والإسلام إرهاب، وهمجية، وبربرية والإسلام براء من ذلك، والإسلام جميل، لكن شوهه بعض أبنائه الذين ما فهموه وما عرفوه حق المعرفة. أيها المسلمون! حذار حذار من هذه الأمور، فإنها نقضٌ لعقيدة أهل السنة، وضرب للتوحيد وتشويه للإسلام، ومعناها: أن نفقد ديننا وأخلاقنا وسيرتنا. أيها المسلمون! أنكروا هذا المنكر وانهوا عنه، ومن وجد منكم مثل هذه الأمور، فليرفعها إلى السلطان وإلى القضاة وإلى ولاة الأمر، وليأخذ على يد هؤلاء السفهاء وليعزرهم وليفضحهم أمام الناس، فإن هؤلاء أعداء الرسل عليهم الصلاة والسلام، هؤلاء كهنة، وهم حرب على الإسلام، يوم أتى هؤلاء أتى الجفاف في الأرض والنهب والسلب والقطيعة وقسوة القلوب وفساد الأبناء نسأل الله أن يطهر البلاد منهم. لقد كان عمر ﵁ وأرضاه إذا سمع بساحر، استدعاه ثم قطع رأسه، ففصل الرأس عن الجسد، ليبقي منار التوحيد ونور الإسلام. اللهم احفظ علينا إسلامنا وتوحيدنا وإيماننا، اللهم إنا نعوذ بك أن نلقاك مشركين، أو مرتدين، أو ناكصين، أو خونة مارقين، نسألك الثبات حتى نلقاك. أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

стр. 1763

الإسلام قادم الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.

стр. 1764

الإسلام يدحر الشيوعية وفلسطين تبرق بالأمل أيها المسلمون! اليوم بل كل يوم والأخبار تتوالى ووكالات الأنباء تتناقل ما حل بـ الشيوعية الملعونة الغبراء القبيحة، فقد دهست في الأرض، وطئت في التراب، ورغم أنفها في الطين. الشيوعية عمرها اثنان وستون سنة وانهارت ولعنت وسحقت، والإسلام عمره ألفٌ وخمسمائة سنة وهو يزداد علواً ورفعة، والمستقبل له، الإسلام اليوم يطوي روسيا طي الليل للنهار، يدخل في كل بيت، دخل أوزبكستان بعد ولاية تركستان، ودخل إرمينيا بل دخل في قلب موسكو العاصمة، فهناك مركز إسلامي والخطب بدأت تلقى من على المنابر؛ لأن الإسلام حق؛ ولأنه يصل إلى القلوب. وقد أتى هذا المجرم" جرباتشوف " فلعن الذين من قبله، ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف:٣٨] فأخرى هذه الأمم تلعن أولاها، يلعن استالين ولينين ويرمي باللائمة عليهم، وما معنى ذلك إلا شيء واحد: أن المستقبل لهذا الإسلام، مسلمون من أستراليا أتوا يحجون ويعتمرون، حجاجهم أكثر من ستة آلاف، وأناس من روسيا -رأيناهم والله يبكون يريدون الإسلام. وانهارت ألمانيا الشرقية وتشوكوسلوفاكيا وأمثالها وأضرابها؛ لأنها ما وجدت في هذه الشيوعية اللعينة حلاً لها، فهل للعرب أن يتنبهوا؟ هل لليساريين العرب أعداء الله الذين فشلوا أربعين سنة في الانتصار لهذه الشيوعية في الأرض أن يتنبهوا؟ هل لهم أن يعلموا أنهم لن ينتصروا أبداً وأن القلوب لا ترغب في أطروحاتهم، وأن الشعوب قد انتهت من هذه الخزعبلات والكذبات ولا تريد إلا الإسلام؟ هل لليساريين أن يعرفوا تجربتهم في فلسطين يوم دخلوا بأعلام المطرقة والمنجل، بأعلام برجنيف فهزموا وسحقوا؟ والآن الإسلام يدخل فلسطين تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، الفلسطينيون يرفعون لا إله إلا الله ولسان حالهم يقول: نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا أمتي هل لك بين الأمم منبرٌ للسيف أو للقلم أتلقاك وطرفي حاسرٌ أسفاً من أمسك المنصرم ألإسرائيل تعلو رايةٌ في حمى المهد وظل الحرم أو ما كنتِ إذا البغي اعتدى موجةً من لهبٍ أو من دم الآن أهل فلسطين يفعلون كما فعل الأفغان؛ لأن نسبتهم إلى خالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي وطارق بن زياد، وعمر وسلمان وبلال، أما نسبتهم الخاطئة التي أتى بها جورج بوش وأمثاله من الملاعين إلى جرباتشوف وبرجنيف ولينين واستالين وكارل ماركس فهي لعينة طريدة لن تنجح، وارتقبوا سنوات، ماذا سوف يحل بالعالم من النور؟! وماذا سوف يعيش فيه من الأمن؟! لأن الناس جربوا الرأسمالية فإذا هي ملعونة سحيقة، وجربوا العلمانية فإذا هي بغيضة، وجربوا الشيوعية فإذا هي قبيحة، فعادوا إلى الإسلام ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١] ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧]. ذهب بعض الناس ملحداً من بلاد الإسلام، فلما وصل إلى روسيا وجد دعاة الإسلام فعلموه الإسلام فرجع داعية. سبحانك ما أجلك! وما أعظمك! نسألك أن تشرق بنور هذا الدين على الأرض، وأن تبلغه مبلغ الليل والنهار، فإنك حق، ودينك حق، ورسولك حق، والجنة حق، والنار حق، كل شيء أتى به القرآن والسنة حق، والشيوعية باطل والرأسمالية باطل، والعلمانية باطل، وكل من عارض الدين باطل. ألا كل شيء ما خلا الله باطل أيها المسلمون! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صل على نبيك وحبيبك محمد، اللهم اعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم انصر المسلمين في أفغانستان وفي فلسطين، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم أنزل السكينة على قلوبهم، اللهم أيدهم بروح منك، اللهم اكتب لهم النصر يا رب العالمين. اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور، اللهم ثبتنا على الحق حتى نلقاك. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1765

اليوم الخالد يوم أحد يوم عظيم، استشهد فيه سبعون من أصحاب النبي ﷺ ، وقد رأى النبي ﷺ قبل المعركة رؤيا فسرها بقتل رجل من أهل بيته ونفر من أصحابه. وذكر بعض المواقف البطولية، فقد عرض النبي ﷺ سيفه على الناس ليأخذوه بحقه فأحجموا إلا أبا دجانة فأخذه وفلق به هام المشركين. وذكر قصص بعض الذين استشهدوا في هذه المعركة: كمصعب بن عمير وعبد الله بن جحش وعبد الله بن عمرو الأنصاري.

стр. 1766

يوم أحد الخالد إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها الناس: يا أتباع محمد ﷺ ! يا حملة لا إله إلا الله! نعيش هذا اليوم مع رسولنا محمد ﷺ في يوم أحد الخالد؛ ذاك اليوم الذي دفع ﷺ إلى الجنة سبعين من أصحابه، ذبح سبعون من أقرب الأقرباء وأتقى الأتقياء إلى قلب سيد الأنبياء ﷺ ، قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:١٦٥]. قبل المعركة بليلة رأى ﷺ أن سيفه قد ثُلِمَ ثلمة، وكان تعبير الرؤيا موت سيد الشهداء، ومضى ﷺ بأصحابه إلى جبل أحد ولما اقترب منه، جلس هناك يستعرض الصحابة ويتكلم إليهم، ثم سل سيفاً في يمينه وقال: ﴿من يأخذ مني هذا السيف يقاتل به هذا اليوم؟ فمد الناس أيديهم؛ كلهم يريد أن يأخذوا سيف الرسول ﷺ ، قال: من يأخذ مني هذا السيف بحقه؟ -وكلمة بحقه صعبة وضريبة باهظة، من يدري ما هو حق هذا السيف؟ - قالوا: ما حقه يا رسول الله؟ قال: حقه أن يضرب به في الأعداء حتى ينحني -ويعوج في رءوس الكفرة والملاحدة- فنزلت الأيدي وبقيت يدا أبي دجانة مرفوعة، يقول: أنا آخذ السيف بحقه يا رسول الله! فأخذ السيف ووقف ينشد أمام الرسول ﷺ وهو يقول: أنا الذي عاهدني خليلي ونحن بالسفح لدى النخيل ألا أقوم الدهر في الكيول أضرب بسيف الله والرسول ﴾. ومضى إلى المعركة، وابتدأت معركة الإيمان والكفر، معركة بين لا إله إلا الله وبين لا إله والحياة مادة؛ لأن الشهادة في الإسلام لمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، لتكون كلمة لا إله إلا الله خفاقة منصورة وباقية ثابتة.

стр. 1767

استشهاد حمزة بن عبد المطلب واستعد الرسول ﷺ بألف ولكن انخزل المنافقون بثلاثمائة مقاتل، ووقف ﵊ يقاتل وقتل حمزة، ووقف ﷺ على عمه سيد الشهداء عند الله وقال: ﴿والذي نفسي بيده ما وقفت موقفاً أغيظ ولا أبغض إلى قلبي من هذا الموقف، والذي نفسي بيده لئن ظفرت بهم لأمثلن منهم بسبعين، فقال الله له: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]﴾ لا تتدخل في هذا هو شهيد عندنا ونحن نتولاه والله يصلح من يشاء، ويرجئ من يشاء، ويقبل من يشاء، ويرد من يشاء.

стр. 1768

استشهاد مصعب بن عمير وأتى مصعب بن عمير البطل المجاهد الشاب، الذي ترك الدنيا وذهبها وفضتها، وخرج مهاجراً إلى الله تعالى، فأتى يدور بسيفه كالأسد في جبل أحد يقول: [[أين رسول الله؟ قالوا: قتل، ظنوا أنه قتل، فقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]]] فأنزلها الله آية بكلام مصعب، ثم قتل، ﴿فأتى ﵊ فوجده مقتولاً فبكى، وأتى ليكفنه فما وجد إلا نمرة إذا غطى بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطى بها رجليه بدا رأسه، وقال: أنت شهيد وأنا عليك شهيد﴾ أي: أنت شهيد عند الله وأنا أشهد أنك شهيد، وذلك يوم يستشهد الله رسوله ﷺ . إنها التضحيات والبذل ودفع الروح رخيصة في سبيل الله، أما ترى الاشتراكيين والوطنيين والصليبيين والشيوعيين يوم يدفعون أرواحهم من أجل الدنيا، ويقولون: "نصنع التاريخ؟! أما أصحاب الرسول عليهم الصلاة والسلام فيدفعون أرواحهم لتبقى لا إله إلا الله".

стр. 1769

استشهاد عبد الله بن جحش قال سعد بن أبي وقاص خال الرسول ﵊ لما التقينا يوم أحد قبل المعركة، والقتال آنذاك ليس كالقتال في هذا العصر، إنه قتال سيف ورمح وخناجر إنها الشجاعة تظهر نفسها، قال: فلما التقينا أخذني عبد الله بن جحش؛ وهو أحد أصحاب الرسول ﵊، فذهبت معه وراء الجبل وقال: يا سعد دعنا ندعو الله هذا اليوم بما شئنا، قال سعد: فدعوت الله بالنصر والتأييد، قال: فلما انتهيت، رفع كفيه وقال: اللهم إنك تعلم أني أحبك! اللهم إذا بدأت المعركة والقتال فلاق بيني وبين كافر من الكفار؛ شديد حرده، قوي بأسه يقتلني فيك -ولم يقل: أقتله- فيبقر بطني ويجدع أنفي، ويفقع عيني، ويقطع أذني، فإذا لقيتك يوم القيامة! وقلت لي: لم فعل فيك هذا؟! أقول: فيك يا رب! قال سعد: والله ما انتهت المعركة إلا ورأيته مقتولاً مبقوراً بطنه مجدوعة أنفه مقطوعة أذناه، فسألت الله أن يكمل له ما سأل، وكلها رخيصة في سبيل الله. والله يقول: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧٠]: أرى كلنا يبغي الحياة بعيشه حريصاً عليها مستهاماً بها حبا فحب الجبان النفس أورده البقا وحب الشجاع الحق أورده الحربا أتى قتادة بن النعمان إلى الرسول ﷺ يوم أحد وسط المعركة، وقد ضربت عينه، فنزلت حتى أصبحت على خده -نزلت عينه بعروقها من مكانها، حتى سالت على خده- وقال: ﴿يا رسول الله! أنظر لعيني! فقال ﵊: ادن مني، فدنا منه فأخذ براحته الشريفة ورد عينه مكانها وقال: باسم الله تبارك الله فعادت أحسن من العين الأخرى﴾. يقول ابنه: أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أحسن الرد وهذه من الأيام المشهودة في تاريخ الإسلام، التي دفع أصحاب الرسول ﵊ فيها أرواحهم رخيصة في سبيل الله، لتكون كلمة الله هي العليا. ولينتصر الإسلام، ولتبقى شعائر الله، ويبقى القرآن، وأنا وأنت حسنات من حسنات جهدهم عبر التاريخ.

стр. 1770

الصحابي الذي كلم الله وفي ذلك اليوم المشهود تجلت فيه بطولات الصحابة، وأعظم قصة في معركة أحد هي القصة التي تسمعونها دائماً وأبداً، ولكننا سوف نذكرها ما بقي في الأرض إسلام، وما بقي في الأرض مسلمون. إنها قصة الشهيد الذي كلم الله! إنها قصة المؤمن الذي تحدث مع الله مباشرة! عجباً لهذه الأمة؛ أمة الصحراء، لما حملت لا إله إلا الله؛ تكلمت مع الله كفاحاً بلا ترجمان، فمن هو؟ إنه عبد الله بن عمرو الأنصاري الفقير الزاهد لكنه غني بالإيمان، قوي بالتقوى، خرج من بيته وقد رأى قبل ليلة: أنه يقتل في معركة أحد فاستودع أهله، واستودع بناته واستودع ماله الله الذي لا تضيع ودائعه: بغض الحياة وخوف الله أخرجني وبيع نفسي بما ليست له ثمنا إني وزنت الذي يبقى ليعدله ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا وذهب إلى المعركة؛ فقتل بعد أن ضُرب بأكثر من ثمانين ضربة، وسجي بثوب، وقال ﵊ لابنه جابر وهو يبكي على أبيه: ﴿يا جابر ابك أو لا تبكِ، والذي نفسي بيده ما زالت الملائكة تظل أباك بأجنحتها حتى رفعته، والذي نفسي بيده لقد كلم الله كفاحاً بلا ترجمان﴾. يعني: لم يجعل بينه وبينه مترجم، بل لما قتل في سبيل الله كلمه الله مباشرة، قال: ﴿تمن يا عبدي، قال: أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون، فتمن، قال: أتمنى أن ترضى عني فإني قد رضيت عنك، قال: فإني قد أحللت عليك رضواني لا أسخط عليك أبداً﴾. فجعل الله روحه وأرواح إخوانه في حواصل طير، ترد الجنة فتأكل من ثمارها، وتشرب من أنهارها، وتأوي إلى قناديل معلقة في العرش، حتى يرث الله الأرض ومن عليها. ومن قاتل لسمعة فلا قبل الله قتاله ولا تضحيته! ولا نفعه جهاده! ومن قاتل لوطنية، أو رياء، أو حمية، أو ليقال: قاتل، أو لمذهب هدام؛ فقد خسر مستقبله وروحه ودمه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]. أقول: ما تسمعون وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

стр. 1771

القتال من أجل ماذا ؟! الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين. أيها الناس! يقول رسولنا ﷺ : ﴿أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة: رجل آتاه الله شجاعة وجرأة وقاتل في المعركة حتى قتل، فاستدعاه الله على رءوس الأشهاد يوم العرض الأكبر، فقال له: لم قتلت؟ قال: فيك يا رب! -يعني: قاتلت من أجلك- قال الله: كذبت، وقالت الملائكة: كذبت، وقال الله: إنما قاتلت ليقال جريء وقد قيل خذوه إلى النار، فيؤخذ فيلقى في النار﴾. هذا صنف خرج رياء وسمعة وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: ﴿جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله﴾ من قاتل لبقاء لا إله إلا الله، ولينتصر الإسلام، وليبقى الدين فهو في سبيل الله.

стр. 1772

قصة قزمان وفي معركة أحد خرج قزمان؛ وكان من الشجعان، من أهل المدينة خرج يقاتل معه سيف لا يترك فاذة ولا شاذة للكفار إلا عقرها، ثم انتهت المعركة وقد قتل، فقالوا: ﴿هنيئاً له الشهادة يا رسول الله! فقال: كلا! والذي نفسي بيده إنه في النار، قالوا: يا رسول الله! ما ترك شاذة ولا فاذة للكفار إلا عقرها، قال: والذي نفسي بيده إنه في النار، فاسألوا أهله ماذا فعل؟ فذهبوا إلى أهله فسألوهم، قالوا: ماذا فعل قزمان؟ قالوا: أصابته جراحة في المعركة، في رأسه، حتى وصلت عظم رأسه فاشتد عليه الألم، فما صبر؛ فاتكأ على سيفه حتى خرج من ظهره﴾.

стр. 1773

قصة البردة المغلولة وفي غزوة من الغزوات قالوا: ﴿يا رسول الله فلان شهيد، قال: كلا، والذي نفسي بيده؛ إن البردة التي غلها في المعركة لتشتعل عليه ناراً﴾. فبحثوا فوجدوه قد سرق من الغنيمة بردة، لا تساوي أربعة دراهم، وقاتل فقتل، وفي الظاهر أنه شهيد، وفي الباطن أنه ليس شهيداً لأنه خرج لمقصد آخر فانتهى.

стр. 1774

النصر على أعداء الإسلام ضوالأمة تعيش الآن أزمة، وهي حادثة ما تكررت حتى في تاريخ اليهود، إنها دماء تسيل وأموال تنهب، وإنا نعرف أن الطغاة يجب تأديبهم ويجب الأخذ على أيديهم، ولكنها أزمة وفتنة وقى الله المسلمين شرها، وإن الأنظمة الكفرية التي أعلنت الإلحاد، وأعلنت الكفر بالله، تحتاج إلى تأديب من الله، لطالما عتت ولطالما بغت، ولطالما أعرضت عن منهج الله، والآن أتى وقت تأديبها، ونسأل الله أن يرينا يوماً أسوداً في أعداء الإسلام؛ من اليهود والصليبيين، الذين كان لهم تاريخهم الأسود في حرب لا إله إلا الله، وفي أخذ المسجد الأقصى، وفي تمزيق وحدة المسلمين وضربهم. ونسأل الله أن يزيل كل طاغية، وأن يمحي أثر كل عاتٍ ومتمرد، وأن ينصرنا بلا إله إلا الله. عباد الله: صلوا وسلموا على الرسول المجاهد الصادق المخلص، وعلى آله وصحبه والتابعين. اللهم انصرنا وثبت أقدامنا، اللهم احفظنا واحفظ إيماننا، اللهم من أرادنا بسوء فاشغله بنفسه، اللهم من سل على المسلمين سيفاً فاقتله به، اللهم اهد ولاة الأمر لما تحبه وترضاه، وأصلحهم واجمع كلمة المسلمين وأزِلْ عنا هذه الفتنة وهذه الأزمة، وأخرجنا منها سالمين، واهلك واضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا سالمين غانمين يا رب العالمين. عباد الله: سلوا الله الثبات، وسلوا الله العصمة، وسلوه النور، يوم يهدي الله الذين آمنوا بنورهم في الظلمات وفي المهلكات. اللهم إنا نسألك إن أردت بقوم فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين، ولا مضيعين، ولا مفرطين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1775

زلزال في أمريكا لله في خلقه شئون، وله سنن كونية لا تتبدل ولا تتغير في هذا الكون، فإنه ما كفرت القرى إلا وأصابها سنة الله في الأولين، كأمثال قوم سبأ، وعاد وثمود. ونحن اليوم نرى أمريكا وعلى ما فيها من جبروت وطغيان ومحاربة لله وكفر بأنعمه، أصابها تلك السنة ففي خلال اثنتي عشرة دقيقة يسلط الله على واحدة من مدنها زلزالاً يقلب عاليها سافلها بإذن الله: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) [هود:١٠٢].

стр. 1776

قصة الزلزال الحمد لله رب العالمين ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر:١]. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها الناس: إن في وقائع الله عبراً، وفي أيام الله عظات، وإن الذي لا يتدبر في الحوادث، ولا في الأيام، ولا في تصريف الأمور؛ لهو أحمق بليد.

стр. 1777

عقاب الله يحل بالأمريكان وقبل أيام ضرب زلزال عنيف أمريكا، ضربها على أنفها، من الله الواحد الأحد، زارها في الليل، أمست في ليلة هادئة، معها قوادها، وجيوشها، ومصانعها، وطائراتها، ولكن لم يخبرهم الله أنه سوف يدمرهم. أتاهم العذاب بغتة: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [الأعراف:٩٧] أتاهم فيما يقارب الساعة الثامنة، وهذا موعدٌ (لمن يعرف ذاك التوقيت) بعد أن انتهوا من أعمالهم بساعة ونصف، فلما باتوا بيّتهم الله، لم يخبرهم جهاز الإنذار، ولا الرادار أن هناك جزاءً لهم موعوداً عند الواحد الأحد، بل وصل الموعود من الله بأمةٍ تهتكت في حدود الله، أتاهم في أكبر مدنهم؛ في سان فرانسيسكو، ومن يعرفها يعلم أنها من أكبر المدن، اكتظت بالسكان، وهدرت بالمصانع، فأرسل الله عليها زلزالاً، كم أخذ من مدة؟ اثنتي عشرة ثانية. ما بين غمضةِ عينٍ وانتباهتها يقلب الله من حالٍ إلى حال أين القصور التي كانت مشيدة أين العمارات من رئلٍ ورئبالِ صاروا هباءً منثوراً. مدته اثنتي عشرة ثانية، فتحولت الجسور إلى الأرض، والقصور إلى الساحات، وارتفعت أصوات النساء العاهرات في الفنادق، وكبكبت الخمور على رءوس المجرمين، وتحطمت السيارات، وتعطلت الطائرات، وفرقعت القطارات، وتوقف الناس يقولون: مالنا؟ مالكم! ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٧ - ٩٩]. ماذا فعلت أمريكا، أتدرون ماذا فعلت؟ صنعت الطائرة، قدمت الثلاجة، أنتجت البرادة، صنفت الصواريخ، لكنها أفسدت في عالم الروح: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] ما استعدوا للقاء الله، حياتهم نجاسة، وعهرٌ، وزناً، ورباً، وفحشٌ، ونهبٌ، وسلب. هذه أمريكا فسدت في عالم الروح: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦]. أمريكا، يقول عالمهم كريسي موريسون مؤلف كتاب الإنسان لا يقوم وحده: إن أمريكا تسعى إلى الهاوية مائة في المائة؛ لأنها لم تعرف الله. وفي كتاب: الله يتجلى في عصر العلم؛ الذي معنا بين أيدينا، وقد ألفه نخبة من الأمريكان؛ الذين أسلموا يحذرون شعبهم العار، والدمار، والنار، ولكن من يعي؟!

стр. 1778

أمريكا في الحضيض أخبرنا مسلمٌ أمريكيٌ من ولاية أكلاهوما أنه ثبت في التقارير أن جامعة أكلاهوما فيها عشرون ألف فتاة كلهن حبلى من الزنا، عشرون ألف فتاة يدرسن في جامعة واحدة كلهن حبلن من الزنا، أي حضارة هذه!! في بلدٍ أفكاره منكوسه تثقله بصائر مطموسه يقدسون الكلب والخنزير ويبصرون غيرهم حقيرا ما عرفوا الله بطرف ساعه وما أعدوا لقيام الساعه فهم قطيع كشويهات الغنم جدٌ وهزلٌ وضياعٌ ونغم من دمر العمال في بولندا ومن أتى بالرقِّ في أوغندا من الذي ناصر إسرائيلا حتى تصب عنفها الوبيلا استيقظوا بالجد يوم نمنا وبلغوا الفضاء يوم قمنا منهم أخذنا العود والسجاره وما عرفنا نصنع السياره إننا مخطئون؛ لأننا لم نصنع كما صنعوا، وإنهم آثمون؛ لأنهم لم يسلموا كما أسلمنا، نقصوا في الإسلام ونقصنا في العمل، ولا يعفينا نقصنا، فأما هم فكفارٌ ملاحدةٌ زنادقة. في أمريكا تقدم قبل سنتين رجلٌ يشتكي رجلاً اعتدى على كلبه في كلورادو في المطار فضربه، والكلب عندهم آية من الآيات؛ يغسلونه في الصباح، ويقبلونه في المساء، ينام على السرير، ويستيقظ مبكراً على الإفطار، ويركب السيارة مع أكبر أمير أو مسئول منهم. ضُرب كلب، فقدمت عريضة فيه، قال العالَم: وأين شعب فلسطين؟! ضُربوا بالهراوات، كُسرت رءوس الأباء والأمهات، أُسقط الشيوخ على الأرصفة، هدمت المساجد، سحقت الدور، دمرت القصور؛ ولا احتجاج، تنصفون كلباً -يا أعداء الله- من أنفسكم، ولا تنصفون شعباً كاملاً؛ إن هذا درسٌ للمسلمين عام، ودرسٌ للفلسطينيين خاص، أنَّ هيئة الأمم لن تُصنع لهم، ولن تنتج لهم نصراً ولن تقدم لهم طائلاً. ولقد ظن الروس أن أفغانستان سوف يتقدمون إلى هيئة الأمم، لكن كفروا بهيئة الأمم، لم يقدموا شكوى، قدموا الصواريخ، لم يقدموا عريضة، حملوا الكلاشنكوف: يا مجلس الأمن هدَّ الله ركنك ما تزل للظلم دوماً غلت مغتصبا أنت الذي حرم المسلوب دمعته وأنت أرضيت أهل الفحش والغربا هذا لمن يحكم بالطاغوت.

стр. 1779

أخذ العبر من زلزال أمريكا درسنا اليوم كيف نأخذ عبراً من ذلك الزلزال الذي ضرب أمريكا على أنفها، قام جهاز ريختر فسجل سبعة وواحد من عشرة، ولو كان عشرة من عشرة لدمرت أمريكا، قوةٌ عظمى ولكن الله أعظم، صواريخ ولكن ﴿أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] قدرة الواحد الأحد! فمن الذي يعترض على الله؟! ومن الذي يريد أن يحارب الله؟! وكيف حاربوا الله؟ حاربوا الله يوم كفروا. حاربوا الله يوم أخرجوا الفتاة عاهرةً، زانيةً، سافرةً في الجيش، في المصانع، في الوظائف. حاربوا الله يوم سيروا الدعارة، والخمر، والزنا، والربا في العالم. حاربوا الله يوم قاموا مع الأقوياء، فسلبوا حقوق الشعوب، وتراث الشعوب، وجاه الشعوب، قال سبحانه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢]. يقول أحد التقارير من هناك: خرج كبار الموظفين في المدينة، وأخبروا أهاليهم بالهاتف أنهم يصلون بعد دقائق، لكن الله لم يمكنهم، وكتب ألا يصلوا، وضربهم بالزلزال فدمر الآتي، ودمر المستقبل، فأصبحوا شذر مذر. وقف رئيسهم قبل أيام بوش، فنظر إلى العمارات وهي منكسة، وقال: لقد أخطأ علماء الهيئة يوم لم يقرءوا تقارير التربة والقشرة الأرضية، قلنا: يا ويلك من الله! الأمر أعظم من ذلك، القدرة من السماء ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢] أنتم الذين تسببتم في هذا، وهذا قليلٌ من عقاب الله ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٦]. وقال سبحانه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾ [الطلاق:٨ - ٩] والله يقول وهو يصنف الأقوام على مسرح الحياة كما يقول بعض المفكرين: كلما كشفت ووقفت على المسرح أهلكها، ثم يرفع الستار عن أمة أخرى فيهلكها، ثم يقول الله في الأخير، استمعوا يا أمة محمد! يا أمة الإسلام! يا أيتها الأمة الخالدة! اسمعوا إلى العقوبات: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم:٤٥ - ٤٦]. ﴿وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ [العنكبوت:٣٨] انظروا إلى الأحقاف، انظروا إلى سواحل اليمن، انظروا إلى قرى قوم ثمود، انظروا إلى أراضي المؤتفكات ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ * وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت:٣٨ - ٣٩]. هذا موجز، وإليكم التفصيل: ﴿فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠]. يا مسلمون من ينجينا من الزلازل والفتن؟! من ينجينا من البراكين والمدلهمات؟! من ينجينا من عذاب الله، ومن لعنة الله؟! ومن عقاب الله؟! وأخذه، ومن ينجينا من نار تلظى؟! لا ينجينا إلا الإيمان، والمساجد، والصلوات الخمس، والقرآن، وسنة محمدٍ ﵊، والتواصي بالمعروف والنهي عن المنكر، فعل الخير؛ هذا النجاح، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف:٣٠]. ولكن نسأل الذين ينهارون، وينهمرون، وينسحقون، ويسرعون إلى حضارة الغرب في أرواحهم، نقول لهم: أتريدون أن يتحول المجتمع المسلم إلى مجتمعٍ كمجتمع أمريكا؟! أو فرنسا؟! أو إسرائيل؟! أتريدون أن يبقى الإنسان نهباً، وسلباً، وخوفاً، وتمزقاً، والله لقد عاشوا الويلات في قلوبهم؛ فاضطربوا، ومرضوا، واهتّموا، واغتّموا، ومن أراد الوثائق فليراجع كتاب الأمريكي (دع القلق وابدأ الحياة) فوالله لقد عاشوا التوتر في أعصابهم، وعاشوا الانهيار الخلقي العجيب. امرأةٌ تستقبل رجلاً مع زوجها يفعل فيها الفاحشة في بيت زوجها، وهو يعلم ولا ينكر! فتاةٌ تسافر من عند أبيها، وتعود حبلى إلى أبيها بلا زواج! وخمرٌ يشرب كما يشرب الماء! وزناً يعلن، والفحش، والعهر في الصحف، والمجلات والمسلسلات! وأشرطة الفيديو، وأفلام الجنس تعرض على العالم! وبعض الناس طمس الله على قلبه: وقل للعيون الرمد للشمس أعينٌ تراها بحقٍ في مغيبٍ ومطلع وسامح عيوناً أطفأ الله نورها بأبصارها لا تستفيق ولا تعي ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦]. يا من طالع الصحف وسمع الأحداث! يا من استمع إلى الأخبار! اعلم أن كل ما تم في العالم فبقضاءٍ وبقدرٍ من الواحد الأحد، وفيه عظاتٌ ودروس، ولكن (مِن الناس) كما قال الله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩]. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه وتوبوا إليه ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:٣٧].

стр. 1780

من أخبار الأمم الماضية الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين. أمَّا بَعْد:

стр. 1781

قصة قوم سبأ في القرآن الكريم عباد الله: إن الله يذكر لنا ما فعل بالقرى يوم كفرت بأنعم الله، ويوم عطلت حدوده، وتنكرت لشرعه! اسمع إلى قول الله ﵎: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ * وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ:١٥ - ١٩] سبأ: قبيلة تسكن في اليمن، معهم سدٌ عظيم، يملؤه الله كل سنة بالماء، أنبت لهم أنواع الثمرات؛ مثل ما أنبت لنا اليوم أنواع الخيرات. سلْ العالم كيف نعيش من رغد، سلوا الدنيا أي بلدٍ أسعد من بلادنا؛ أمنٌ ورخاء، سهولةٌ ويسر، فواكه الدنيا، وثمراتها، وملابسها، وأدواتها: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧]. عاشوا في سبأ كما عشنا ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ [سبأ:١٥] لكل رجلٍ من أهل سبأ بستانان عظيمان عن اليمين وعن الشمال، ذكر المفسرون أن عذق النخلة في سبأ كان لا يحمله إلا فرسان اثنان، النخلة تثمر في السنة مرتين، وكان الماء ينهمر كالسلسال تحت أرجلهم، وظلل الله عليهم الغمام، فلا يرون الشمس إلا نزهة، والمرأة تأخذ المكتل، وتضعه على رأسها، وتذهب من تحت الشجر فيمتلئ المكتل من كثرة ما يتساقط فيه، والطيور التي ترفرف على الرءوس، والعليل مع النسيم، والرخاء مع السعد. لكن ماذا فعلوا؟ عطلوا أمر الله، الله يقول: آمنوا بالله، فيقولون: كفرنا، يقول: واسمعوا، قالوا: سمعنا وعصينا؛ كما يفعل بعض الناس، له بيت فخم، وسيارة فاخرة، ومنصب مرتفع، ومالٌ وشيكات، وأولاد، جار للمسجد لا يصلي في المسجد، طبع الله على قلبه، مجرم، بل يعين على فساد قلبه بقلبه: يقال له: استمع القرآن، فيقول: لا، بل أستمع إلى شريط غنائي. يقال له: انظر إلى آيات الله في الكون، يقول: لا، بل انظر إلى الأفلام الماجنة. يقال له: استمع التلاوة؟ يقول: بل أستمع إلى أغنية ماجنة. يقال له: اقرأ في كتب الإسلام، يقول: بل أقرأ في مجلة هابطة. سبحان الله! لأنه لا يرى إلا بعينه التي يرى بها الحيوان، ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] قال الله: آمنوا، قالوا: كفرنا، فماذا أرسل الله عليهم؟ أأرسل عليهم جيشاً من السماء؟ لا، هم أقل وأذل من ذلك، ماذا فعل الله بهم؟ أرسل عليهم فأرة. يقول المفسرون: أراد الله أن يخوف قوم فرعون؛ فأرسل عليهم قملاً وضفادع وجراداً. وأراد أن يهلك نمرود بن كنعان فأرسل عليه بعوضة فدخلت في دماغه فقتلته. وأراد أن يهلك سبأ فأرسل عليهم فأرة، ثم قال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الحج:٧٣ - ٧٤] نخرت الفأرة سدهم، وفي الصباح تدكدك السد، واجتاح الماء الهائل بأمواج كالجبال مزارعهم وبيوتهم، ومطارحهم وأشجارهم، وأصبحوا يولولون ويبكون في رءوس الجبال، لماذا؟ ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ:١٦] ويقول سبحانه: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ:١٩]. معظم القبائل من اليمن وأجدادكم الأزد كانوا في سبأ فتفرقوا أربعة أقسام؛ لأنهم عصوا الله، فلا نريد نحن أن نعصي ربنا، فمنهم أزدٌ في عمان، ومنهم الغساسنة في الشام، ومنهم أزد شنوءة وهم نحن في الجنوب، ومنهم الأوس والخزرج أنصار محمد ﷺ . أنا ابن أنصارك الغرِّ الألى سحقوا جيش الطغاة بجيشٍ منك جرار نحن اليمانيين يا طه تطير بنا إلى روابي العلا أرواح أنصار نريد أن ننتسب إلى الأنصار، لا إلى جدنا الظالم الأول الكافر الذي كفر بنعم الله. نريد أن نكون مؤمنين مصلين، وصائمين صادقين؛ ليحشرنا الله مع أبناء عمومتنا؛ سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وحسان بن ثابت؛ لا أن يحشرنا الله مع الظلمة الذين حاربوا شريعة الله. فصلتنا بالله الواحد الأحد أيها المسلمون! ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢]. اللهم صلِ على عبدك ورسولك محمد، وارض عن أصحابه الأطهار، وعنا معهم بمنك ورحمتك يا أكرم الأكرمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أصلح الملك، وولي العهد، والأمراء، والمسئولين، والقضاة! اللهم أصلح الطلبة والأساتذة! اللهم أصلح البيوت! اللهم أصلح القلوب، اللهم أصلح الشعوب، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم لا تعم أبصارنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك، واتقاك، واتبع رضاك، برحمتك يا أرحم الراحمين! سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1782

عيش النبي وأصحابه وتخليهم عن الدنيا إن هذه الحياة الدنيا قد ذكر الله حقارتها في كتابه الكريم، وذمها النبي ﷺ واستصغر من شأنها كما ورد في سنته، لذلك لابد أن نزهد فيها، ونعلم أننا راحلون منها وملاقو الله ، ونقتدي في ذلك بالنبي ﷺ وأصحابه فهم خير مثال. وقد تعرض الشيخ حفظه الله في هذا الدرس لحديث أبي هريرة مبيناً حال النبي ﷺ وزهده في هذه الحياة، ومبيناً اقتداء الصحابة بالرسول ﷺ وتخليهم عن الدنيا، ثم أورد فوائد مستنبطة من حديث أبي هريرة ﵁ وختم بها هذا الدرس.

стр. 1783

نص حديث أبي هريرة في زهد النبي ﷺ وأصحابه إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. اعلموا بارك الله فيكم أنه لا بد للعبد المسلم كل يوم من نقلة يعيشها مع رسول الهدى ﷺ ، وكل ما أتانا عن رسول الله ﷺ فهو سنة، لابد أن نعيش معه في حاله ﷺ وفي أعماله، وفي جهاده وهجرته، وفي طعامه وشرابه، وفي قيامه وقعوده، وفي يقظته ونومه؛ لأن الله جعله أسوة لنا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا تفتح أبواب الجنة إلا من بابه، ومن أتى من غير طريقه فحرام عليه الجنة. إذا علم ذلك فإن الله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١]. ومعنا هذه الليلة حديث طويل نعيش فيه مع رسول الهدى ﷺ ، والذي يروي هذا الحديث هو حافظ الأمة وحامل لواء السنة أبو هريرة ﵁، يقول الإمام البخاري ﵀ في صحيحه، الذي هو أصح كتاب بعد كتاب الله : (باب: كيف كان عيش النبي ﷺ وأصحابه وتخليهم من الدنيا) ثم قال ﵀: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عمر بن ذر، قال حدثنا مجاهد أن أبا هريرة ﵁ وأرضاه كان يقول: ﴿آلله الذي لا إله إلا هو لقد كنت أعتمد ببطني على الأرض من الجوع، آلله الذي لا إله إلا هو لقد كنت أربط على بطني الحجر من الجوع، وإني صليت صلاة المغرب في ذات ليلة في عهده ﷺ ، فلما صليت خرجت في طريق الناس وهم يمرون علي -وسوف يمر عليه من هذا الطريق الصحابة من المهاجرين والأنصار- قال: فوقفت وبي من الجوع ما لا يعلمه إلا الله، والله ما أوقفني إلا الجوع، قال: فمر بي أبو بكر الصديق ﵁، فسألته عن آية من كتاب الله، والله الذي لا إله إلا هو ما سألته إلا ليطعمني ويشبعني في بيته، قال: فأخبرني ثم مر ولم يدعني إلى بيته، ثم مر عمر ﵁ فسألته عن آية من كتاب الله، والله الذي لا إله إلا هو ما سألته إلا ليطعمني فما فعل، ثم مر رسول الله ﷺ -وعند البخاري من طريق مجاهد - ثم مر أبو القاسم بأبي هو وأمي، فلما رآني واقفاً قبل أن أتكلم تبسم في وجهي، وقال: يا أبا هر! حيهلاً بك. قال: فأخذ بيدي فتبعته، فدخل بيته ﵊، فلما دخل استأذنت فأذن لي فدخلت، فقال ﵊ لأهله بعد صلاة المغرب: أعندكم شيء؟ قالوا: لا. إلا شيء من لبن. قال لي رسول الله ﷺ : يا أبا هر! قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله! وظننت أنه سوف يدفع لي هذا اللبن لأسد به رمقي من الجوع. قال: يا أبا هر! قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله! قال: انطلق إلى أهل الصفة في المسجد -وأهل الصفة قوم فقراء من الصحابة الأخيار من خيرة الصحابة، اجتمعوا في المسجد وتخلوا عن الدنيا، لا أهل معهم ولا مال ولا ولد، في النهار يحتطبون من الجبال ويبيعون، وفي الليل يتعبدون الله في مسجدهم ويستمعون ما أنزل على رسول الهدى ﷺ قال: فقلت في نفسي -هكذا في رواية البخاري - قلت: يا سبحان الله! إذا دعوت أهل الصفة ثم أتوا وشربوه ماذا سوف يبلغني منه؟ أفما كان بدأ بي فأسقاني ثم أرسلني؟ قال: فما كان من طاعة الرسول ﷺ بد، قال: وأهل الصفة كانوا قوماً فقراء لا أهل لهم ولا مال ولا ولد يسكنون في المسجد، فإذا أتى رسول الله ﷺ صدقة دفعها إليهم، وإذا أتاه هدية أشركهم معه في الهدية -لأنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة- قال: انطلق إلى أهل الصفة ادعهم لي، قال: فذهبت إليهم وقلت: إن رسول الله ﷺ يدعوكم. فقاموا وذهبوا معي، فاستأذنت لهم فأذن لهم رسول الله ﷺ ، فأخذوا مقاعدهم في البيت، فلما جلسوا سلمني ﷺ القدح في يدي، وقال: اسقهم يا أبا هر! هو أبو هريرة، لكن الرسول ﷺ يتلطف معه. أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه والسوءة اللقب كذاك أدبت حتى صار من أدبي أني وجدت ملاك الشيمة الأدب قال: فأخذت القدح وأخذت أسقيهم واحداً واحداً، كلما شرب أحدهم دفعت القدح إلى الآخر، فإذا شرب عدت إلى الآخر، وهكذا حتى انتهيت إلى رسول الله ﷺ -الرسول ﷺ هو صاحب الضيافة، وهو صاحب المنزل، وهو في آخر الضيوف- قال: فلما وصلت نظر إلي وتبسم في وجهي، وقال: يا أبا هر! بقيت أنا وأنت. قال: قلت: صدقت يا رسول الله! قال: اقعد، فقعدت، قال: اشرب. فشربت، ثم قال: اشرب. فشربت، ثم قال: اشرب. فشربت، ثم قال: اشرب في الرابعة، قلت: والله يا رسول الله! ما أجد له مسلكاً. قال: فأخذ الإناء من يدي وفيه فضلة ثم قال: الحمد لله، ثم سمى وشرب، عليه أفضل الصلاة والسلام﴾.

стр. 1784

وقفات مع حديث أبي هريرة في زهد النبي وأصحابه في هذا الحديث قضايا تعرض لها ابن حجر وغيره من الشراح ومن المحدثين الجهابذة.

стр. 1785

سند الحديث وتفنن البخاري في التبويب أولها: سند هذا الحديث. البخاري رحمه الله تعالى تفنن في كتابه، مرة يعيش معك في الأحكام، وهذا هو أسلوب الكتاب الكريم، فإن الله تعرض للأحكام والأخبار، وللقصص والآداب والسلوك، يتحدث القرآن معك في الطلاق، وأنت في موضوعات الطلاق وإذا به ينتقل بك إلى اليوم الآخر، ويوم أن يعيش بك في اليوم الآخر والعرض والحساب والحوض والصراط والميزان، والناس يهرعون، أعمالهم شتى، فريق في الجنة وفريق في السعير، وإذا بالقرآن يعود بك إلى الحدائق الغناء في الدنيا، ويتحدث لك عن البساتين ومن خلقها، وعن النجوم ومن أبدعها، وعن السماء ومن رفعها، وعن الصور ومن صورها. وأنت معه في هذه الصور والملامح وإذا به ينتقل بك إلى ساح الجهاد، وعن المجاهدين والشهداء وماذا أعد الله لهم، وبعد أن ينتهي يتحدث عن أهل العلم وماذا ينبغي لهم، وعن الصلحاء والأخيار. وأتى البخاري فتناول كتابه على أسلوب القرآن، فعندما بدأ بدأ بالإيمان، ثم العلم، ثم الأحكام، ثم أتى بالرقائق والزهد والسلوك والفتن والملاحم واليوم الآخر، فكان بحق أعجب كتاب بعد كتاب الله ، حتى أن ابن تيمية سأله سائل: دلني على كتاب قال: لا أعلم كتاباً ينفعك بعد كتاب الله كـ صحيح البخاري. فيقول البخاري: (باب كيف كان عيش النبي ﷺ وأصحابه وتخليهم من الدنيا) ثم يقول: حدثنا أبو نعيم وأبو نعيم شيخ البخاري، اسمه: الفضل بن دكين وأبو نعيم إذا ذكر في السيرة وفي السنة فهما رجلان: أبو نعيم الفضل بن دكين صاحبنا هذه الليلة، وأحمد بن عدي صاحب الحلية، وهو في القرن الرابع، أما هذا الرجل فهو ثبت خير زاهد عابد، سرد الصيام ما يقارب أربعين سنة، وعمي في آخر عمره من كثرة ما بكى من خشية الله في الليل، ومع حفظه للحديث وزهده وعبادته كانت فيه دعابة ومزح، وكان خفيف الروح؛ ولذلك يقول ابن كثير: إن المحدثين فيهم خفة روح. يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء: طرق على أبي نعيم طارق ذات يوم، فقال أبو نعيم: من؟ قال: أنا رجل. قال أبو نعيم: ممن؟ قال: من ذرية آدم، ففتح أبو نعيم الباب وقال: ما ظننت أنه بقي لآدم ذرية، فحياك الله يا ذرية آدم. وعمر بن ذر هو الزاهد، شيخ أبي نعيم، ومجاهد بن جبر أكبر من فسر كتاب الله بعد ابن عباس، ولذلك يقول: عرضت القرآن ثلاث مرات في الحرم على ابن عباس من أوله إلى آخره، أوقفه عند كل كلمة أسأله عن معناها. قال سفيان الثوري: إذا أتاك التفسير عن مجاهد فحسبك به. أي: إذا سمعت أن مجاهداً فسر آيةً فلا تتجاوز تفسيره إلى غيره في الجملة. يقول أحد أهل العلم: رأيته فرأيت في وجهه كأنه يريد الله والدار الآخرة، وتذكرت بوجهه خوف الله . أو كما قال. كان مغرماً بالأسفار، ما سمع ببلد ولا بأعجوبة في الأقطار إلا سافر لها، ولذلك طاف أكثر البلاد الإسلامية، ووصل إلى عدن وإلى آبار هناك، ووصل إلى بابل وإلى البئر التي فيها هاروت وماروت، فإنهم في بابل كما ذكر الله في كتابه ﴿بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة:١٠٢] قال: فلما دخلت وجدت خازنها عند الباب فقلت: ائذن لي أن أدخل. قال: أدخلك بشرط ألاَّ تتكلم. قال: فدخلت وأطللت على بئر -وهذا في ترجمته- فوجدت اثنين معلقين بقدميهما ومنكسة رءوسهما في قعر البئر. قال: فلما رأيت هذا المنظر قلت: سبحان الله! فأغمي عليَّ وعلى صاحبي، ثم استفقت بعد برهة فقال الخازن: أما قلت لك لا تتكلم؟ قال: نسيت. هذا مجاهد يروي الحديث عن أبي هريرة وساق لنا الحديث، وأبو هريرة يتحدث عن تلك الحال التي عاشها في عهد رسول الله ﷺ . وأورد الحديث هذا لأنه تولى الإمارة في عهد معاوية، أو في عهد مروان بن الحكم، فلما تولى الإمارة كان يأتي في ثياب القطن، وكان يقول: أفطر الخمير، وألبس ثياب القطن، وأنا كنت أهوي بين المنبر وبين المسجد من كثرة الجوع. فكأنه كان يتذكر تلك الأيام ليقمع عجبه ونفسه أمام الناس. إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا من كان يألفهم في الموطن الخشن وإن أولى الموالي أن تواليه عند السرور الذي واساك في الحزن ولذلك يقولون: من عادة الكرماء أن الله إذا أنعم عليهم ذكروا أيامهم الخالية في الفقر وفي الخشونة والمشقة. فهو يتحدث للناس عن هذه الأيام التي مرت به ﵁، وبعض المهاجرين والأنصار على فقرهم كانوا يجدون ما يسدون به رمقهم، لكنه حتى الأكلة الواحدة ما كان يستطيع لها، حتى يقول: [[والله لقد كنت أؤجر ظهري -يحمل الحطب- على الأكلة الواحدة]] وقد مرت هذه بكثير من الصحابة، مرت بـ أبي الحسن أمير المؤمنين، الذكي النابه التقي الزاهد علي بن أبي طالب، يقول وهو يتحدث عن نفسه تواضعاً لله على منبر الكوفة وهو خليفة للمسلمين: [[لقد مر بي يوم من الأيام جعت أنا وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، والله ما وجدنا ولو دقل التمر -رديء التمر- قال: فقالت: اذهب فالتمس لنا أكلاً وطعاماً. فلبست في البرد جبة معي من صوف، وذهبت أسأل الله وأستغفره أن يرزقنا -لأن الاستغفار يأتي بعده الرزق- رزقاً حلالاً في ذلك اليوم، فذهبت فتذكرت رجلاً تاجراً من اليهود، له مزرعة في خيبر، فانطلقت فإذا هو يسوق على سانية له، فجمعت نفسي فدخلت مع قائد الماء -المجرى الذي يجري منه الماء- قال: فلما دخلت رآني اليهودي وقال: من أدخلك؟ قلت: أتيت أعمل. فقال: انزح كل غرب بتمرة. قال: فقمت أنزح على الجمل كل غرب واحد بتمرة، فلما نزحت ما علم الله من الغروب دعاني فملأ كفيه لي وأعطاني إياه على عدد الغروب. قال: فذهبت فلقيت رسول الله ﷺ فأخبرته الخبر فتبسم ودعا لي، ثم أكل منه بعض التمر، وذهبت إلى ابنته ﵊ ورضي الله عنها، فبارك الله في ذلك التمر فكفانا ردحاً من الزمن]] أو كما قال.

стр. 1786

قدوم أبي هريرة المدينة وإسلامه قدم من دوس من أرض زهران من جبال السراة، وليس عنده شيء من مال ولا متاع، وإنما يريد الله والدار الآخرة، فأبدله الله ذكراً جميلاً في الدنيا، وأبدله جنة -نسأل الله أن يجمعنا به في مستقر رحمته- وجعله حافظ الدنيا للحديث النبوي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكان قدومه يوم قدم ومعه مولىً له، فضاع عليه المولى في ظلام الليل، فلما قدم أتى والرسول ﷺ جالس مع أصحابه، فلما رآهم قال: أيا ليلة من طولها وعنائها على أنها من دارة الكفر نجتِ يقول: ما أطول هذه الليلة وما أشد عناءها! لكنها بحمد الله نجتني من دار الكفر. فأسلم وشهد أن لا إله إلا الله وآمن برسول الله ﷺ . ولما رأى الرسول ﷺ ورأى هذا الوحي والنور يخرج من ثنايا الرسول ﷺ ؛ طمع أن يحفظ شيئاً من هذا الوحي العظيم، وأخذه الحرص الشديد على أن يتلقن من فم الطاهر المطهر شيئاً من هذه التركة والميراث. قال: ﴿قلت: يا رسول الله! إني أسمع منك حديثاً كثيراً فلا أعيه. قال: يا أبا هريرة! ابسط رداءك. قال: فخلعت ردائي وبسطته، فحثا لي ﵊ حثوات بيده هكذا ودعا لي وقال: ضم رداءك عليك فضممته، فوالله ما نسيت بعد هذا حرفاً واحداً﴾ فهو يحفظ خمسة آلاف وسبعمائة وستة وعشرين حديثاً، ما بين طوال وقصار لا يفلت منها حرفاًُ واحداً كالفاتحة، ولذلك كان ليله ثلاثة أجزاء: الجزء الأول يتهجد، والجزء الثاني يدارس الحديث، والجزء الثالث ينام. ولما وصل إلى الرسول ﷺ أتت أمه ولحقته من أرض دوس، فدخلت فسلم عليها وحاول أن يدعوها إلى الإسلام فأسمعته كلاماً غليظاً فيه وفي رسول الله ﷺ ، فذهب إلى الرسول ﷺ يبكي ويقول: ﴿يا رسول الله! ادع الله لأمي فإنها أسمعتني فيك وفيَّ كلاماً غليظاً. فرفع ﵊ يديه ودعا لأمه بالهداية، قال: فعدت إليها في البيت وإذا هي قد أغلقت بابها عليها، وسمعت خشخشة الماء، فقلت: يا أماه مالك؟ قالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وهو لم يأتها ولم تر الرسول ﷺ فعاد يبكي من الفرح. طفح السرور علي حتى إنني من عظم ما قد سرني أبكاني فقلت: يا رسول الله! والله لقد أسلمت، فادع الله لي ولأمي، قال: اللهم حبب أبا هريرة وأمه إلى صالح عبادك وحبب صالح عبادك إلى أبي هريرة وأمه، قال أبو هريرة: فوالله ما رآني أحد أو رأى أمي إلا أحبنا في الله ونحن نحب كل صالح في الله﴾.

стр. 1787

حال أبي هريرة بعد النبي ﷺ واستمر أبو هريرة على هذا الحال، وبقي ثابتاً على العهد مع رسول الله ﷺ ، يحفظ ويتلقن ويبلغ وصايا الرسول ﷺ ، ويخرج الأجيال تلو الأجيال من المسجد العامر، مسجد الرسول ﷺ الذي أسس على التقوى. قال شفي الأصبحي: دخلت المدينة المنورة فسمعت لمسجد رسول الله ﷺ دوياً في الحديث، فلما دخلت وجدت أبا هريرة وسط الحلقات يحدث، فشققت الحلقات حتى بلغته فجلست عنده، فقلت: يا أبا هريرة! أسألك بالله أن تحدثني بحديث سمعته أنت من رسول الله ﷺ ما بينك وبينه واسطة. قال: فبكى حتى نشغ -أي: حتى غشي عليه- ثم رفع رأسه وقال: والله لأحدثنك حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ ما بيني وبين رسول الله ﷺ فيه واسطة، ثم نشغ من البكاء ثم رفع رأسه وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة -نعوذ بالله أن نكون منهم- أولهم: عالم علمه الله العلم وأقرأه كتابه، يستحضره الله يوم القيامة ويقول: أما علمتك العلم؟ أما فهمتك؟ فيقول: بلى يا ربي، فيقول: ماذا عملت؟ -والله أعلم وأدرى- قال: علمت الجاهل وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر. فيقول الله: كذبت، إنما تعلمت ليقال: عالم. خذوه إلى النار. فيسحبونه على وجهه حتى يلقى في النار، ويؤتى بالجواد فيفعل به هكذا، ويؤتى بالشجاع المجاهد في سبيل الله في الظاهر فيفعل به هكذا﴾ فذهب هذا الرجل فدخل على معاوية وهو خليفة في دمشق، وحوله الوزراء والأمراء، وعلى رأسه الجنود بالسيوف، فقال: يا معاوية! قال: نعم. قال: أحدثك بحديث. فحدثه بالحديث، فبكى معاوية حتى سقط من على كرسيه، ثم رفع الفراش ومرغ وجهه في التراب وقال: صدق الله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].

стр. 1788

قصة لأبي هريرة ومجمل القصة -كما مر معنا- أنه مر به الجوع حتى كان يعتمد على الأرض من شدة حرارة الجوع، وربما ربط على بطنه الحجر، وفي السيرة أن الرسول ﷺ لما حفر الخندق ربط على بطنه قطعة حجر، ولكن في هذه الرواية ضعف. قال الخطابي: إنما ربط أبو هريرة الحجر على بطنه لئلا يجد حرارة الجوع. وقيل: ليلتصق ظهره ببطنه فيستطيع أن يقوم ويتحامل على أرجله. والجوع تعوذ منه ﷺ حيث يقول: ﴿اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة﴾ والجوع يصيب الإنسان بدهش، وتتساقط أقدامه وعظامه فلا تستطيع أن تحمله، فيقول أبو هريرة: كنت أربط على بطني من شدة الجوع فأقوم. هذا وهم خيرة الله، ولكن لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء، كسرى وقيصر يتمتعون في الديباج ويلعبون بالذهب والفضة، وأصحاب رسول الله ﷺ الذين فتحوا الدنيا وعلموا الإنسانية ورفعوا منائر الإسلام ما يجدون كسرة خبز من شعير. ولذلك يقول عمر كما في صحيح البخاري في الفضائل وفي غيرها، وأورده في الإيلاء وفي أزواجه ﷺ قال: ﴿دخلت على رسول الله ﷺ وهو في مشربة، فسلمت عليه فرد علي السلام وهو مغضب حزين، فقلت: يا رسول الله! أما تسمع من عاتكة بنت زيد -يعني امرأته- قال: ماذا فعلت؟ قال: تسألني النفقة. فضحك رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أضحك الله سنك -فـ عمر يريد أن يضحك الرسول ﷺ ؛ لأنه وجده مغضباً وحزيناً، يقول: انظر إلى امرأتي، ما نجد كسرة خبز الشعير وتسألني أن أحليها بالذهب والفضة، فضحك رسول الله ﷺ قال: فلما استأنس جلست عنده ﵊، فحولت نظري﴾ لأن للرسول ﷺ هيبة، نعم. هو من أسهل الناس وأرق الناس، وأيسر الناس، ومن أشد الناس تبسماً، لكنه مع ذلك من أشدهم هيبةً وحشمةً، فكان الصحابة من أشد الناس له توقيراً، ولذلك يقول شوقي: وإذا سعيت إلى العدا فغضنفرٌ وإذا جريت فإنك النكباء قال: ﴿فحولت نظري في غرفته ﷺ فرأيت شيئاً من شعير معلق، ثم تربع ﵊ وجلس فنظرت فإذا حصير قد أثر في جنبيه﴾ والرسول ﷺ كان رقيق البشرة، يقول أنس: ﴿مسست كفه ﷺ -وهذا في الصحيح- فوالله ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كفه ﷺ حتى إذا صافحه الرجل تبقى أصابع الرجل مؤثرة في يده، وكان وجهه كالبدر ليلة أربعة عشر، قال: فلما جلس رأيت الحصير أثر في جنبه فدمعت عيناي فانتبه لي﴾ وقد كان عمر رقيقاً رغم قوة قلبه وشجاعته في الإسلام كان رقيق الدمعة حتى أثر البكاء في خديه، قال: ﴿فلما رأى الدموع في عيني تهمل على خدي قال: مالك يا عمر؟ قلت: يا رسول الله! كسرى وقيصر في النعيم الذي تعلم وأنت في هذا الحال. فالتفت إلي ﷺ وقال: أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قال: بلى يا رسول الله﴾ فكان عمر دائماً يتذكر هذه الكلمة قبل خلافته وفي خلافته حتى لقي الله . فيقول أبو هريرة: فلما أصابني ما أصابني. وعند أحمد قال: ﴿فوالله لقد كنت أسقط بين المنبر وبين بيت النبي ﷺ من الجوع، فيأتي الناس فيقولون: جُن أبو هريرة وصرع، قال: فيأتي الرجل منهم فيبرك على صدري فيقرأ علي شيئاً من القرآن، والله ما بي شيء من المس وما أصابني إلا الجوع﴾. فلما أصابه ما أصابه ليلة من الليالي صلى المغرب، وخرج قبل الناس يتصدى لهم، لعل الله أن يفتح على رجل منهم فيدعوه إلى بيته، وفتح الله عليهم جميعاً، فخرج أبو بكر ﵁ وهو لا يدري بالسر، وإلا فهو من أكرم الناس، ولن تجد بعد رسول الله ﷺ أكرم من أبي بكر، فإنه كالريح المرسلة، جعل أمواله كلها للإسلام، فلما خرج أبو بكر لقيه أبو هريرة وقال: يا أبا بكر! ما معنى قوله وما هي تكملة هذه الآية؟ فكملها أبو بكر وذهب إلى بيته، وأبو هريرة يحفظ الآية، فذهب والتفت إليه حتى دخل بيته، ثم أتى عمر فسأله عن الآية فأخبره بالآية ثم ذهب ودخل، فأتى الرسول ﷺ ، وقبل أن يتكلم أبو هريرة لمح ﷺ في وجهه، فضحك ﵊ وأخذه بيده، وعلم أنه ليس السؤال مفاده على ظاهره، وإنما هناك حاجة في نفس يعقوب قضاها، فدخل معه، فلما دخل عُرض عليه شيء من لبن، فيقول أبو هريرة: ففرحت علني أصيب من هذا اللبن. قال: اذهب إلى أولئك النفر فتعال بهم إلخ القصة، فلما أتى بهم شربوا فشرب ﵁ بعدهم، ثم شرب رسول الله ﷺ في الأخير.

стр. 1789

فوائد الحديث وفي هذا الحديث مسائل:

стр. 1790

جواز الحلف بدون استحلاف أولها: جواز الحلف بدون استحلاف، فلك أن تحلف إذا تكلمت في قصة أو حديث ولو لم يستحلفك أحد، قال جل ذكره: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧] مع أنهم لم يستحلفوه هنا، ويقول جل ذكره: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي﴾ [يونس:٥٣] وهم أيضاً لم يستحلفوه، ولكن الله أمره أن يحلف في ثلاثة مواطن، وكان ﵊ يقول: لا ومقلب القلوب. وهو لم يستحلف، فلك أن تحلف للحاجة ليتأكد حالك، ولتقوم حجتك ودليلك، ولو لم يطلب منك أحد أن تحلف.
следующие страницы →