← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

قدوم أبي هريرة المدينة وإسلامه قدم من دوس من أرض زهران من جبال السراة، وليس عنده شيء من مال ولا متاع، وإنما يريد الله والدار الآخرة، فأبدله الله ذكراً جميلاً في الدنيا، وأبدله جنة -نسأل الله أن يجمعنا به في مستقر رحمته- وجعله حافظ الدنيا للحديث النبوي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكان قدومه يوم قدم ومعه مولىً له، فضاع عليه المولى في ظلام الليل، فلما قدم أتى والرسول ﷺ جالس مع أصحابه، فلما رآهم قال: أيا ليلة من طولها وعنائها على أنها من دارة الكفر نجتِ يقول: ما أطول هذه الليلة وما أشد عناءها! لكنها بحمد الله نجتني من دار الكفر. فأسلم وشهد أن لا إله إلا الله وآمن برسول الله ﷺ . ولما رأى الرسول ﷺ ورأى هذا الوحي والنور يخرج من ثنايا الرسول ﷺ ؛ طمع أن يحفظ شيئاً من هذا الوحي العظيم، وأخذه الحرص الشديد على أن يتلقن من فم الطاهر المطهر شيئاً من هذه التركة والميراث. قال: ﴿قلت: يا رسول الله! إني أسمع منك حديثاً كثيراً فلا أعيه. قال: يا أبا هريرة! ابسط رداءك. قال: فخلعت ردائي وبسطته، فحثا لي ﵊ حثوات بيده هكذا ودعا لي وقال: ضم رداءك عليك فضممته، فوالله ما نسيت بعد هذا حرفاً واحداً﴾ فهو يحفظ خمسة آلاف وسبعمائة وستة وعشرين حديثاً، ما بين طوال وقصار لا يفلت منها حرفاًُ واحداً كالفاتحة، ولذلك كان ليله ثلاثة أجزاء: الجزء الأول يتهجد، والجزء الثاني يدارس الحديث، والجزء الثالث ينام. ولما وصل إلى الرسول ﷺ أتت أمه ولحقته من أرض دوس، فدخلت فسلم عليها وحاول أن يدعوها إلى الإسلام فأسمعته كلاماً غليظاً فيه وفي رسول الله ﷺ ، فذهب إلى الرسول ﷺ يبكي ويقول: ﴿يا رسول الله! ادع الله لأمي فإنها أسمعتني فيك وفيَّ كلاماً غليظاً. فرفع ﵊ يديه ودعا لأمه بالهداية، قال: فعدت إليها في البيت وإذا هي قد أغلقت بابها عليها، وسمعت خشخشة الماء، فقلت: يا أماه مالك؟ قالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وهو لم يأتها ولم تر الرسول ﷺ فعاد يبكي من الفرح. طفح السرور علي حتى إنني من عظم ما قد سرني أبكاني فقلت: يا رسول الله! والله لقد أسلمت، فادع الله لي ولأمي، قال: اللهم حبب أبا هريرة وأمه إلى صالح عبادك وحبب صالح عبادك إلى أبي هريرة وأمه، قال أبو هريرة: فوالله ما رآني أحد أو رأى أمي إلا أحبنا في الله ونحن نحب كل صالح في الله﴾.

стр. 1787

حال أبي هريرة بعد النبي ﷺ واستمر أبو هريرة على هذا الحال، وبقي ثابتاً على العهد مع رسول الله ﷺ ، يحفظ ويتلقن ويبلغ وصايا الرسول ﷺ ، ويخرج الأجيال تلو الأجيال من المسجد العامر، مسجد الرسول ﷺ الذي أسس على التقوى. قال شفي الأصبحي: دخلت المدينة المنورة فسمعت لمسجد رسول الله ﷺ دوياً في الحديث، فلما دخلت وجدت أبا هريرة وسط الحلقات يحدث، فشققت الحلقات حتى بلغته فجلست عنده، فقلت: يا أبا هريرة! أسألك بالله أن تحدثني بحديث سمعته أنت من رسول الله ﷺ ما بينك وبينه واسطة. قال: فبكى حتى نشغ -أي: حتى غشي عليه- ثم رفع رأسه وقال: والله لأحدثنك حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ ما بيني وبين رسول الله ﷺ فيه واسطة، ثم نشغ من البكاء ثم رفع رأسه وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة -نعوذ بالله أن نكون منهم- أولهم: عالم علمه الله العلم وأقرأه كتابه، يستحضره الله يوم القيامة ويقول: أما علمتك العلم؟ أما فهمتك؟ فيقول: بلى يا ربي، فيقول: ماذا عملت؟ -والله أعلم وأدرى- قال: علمت الجاهل وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر. فيقول الله: كذبت، إنما تعلمت ليقال: عالم. خذوه إلى النار. فيسحبونه على وجهه حتى يلقى في النار، ويؤتى بالجواد فيفعل به هكذا، ويؤتى بالشجاع المجاهد في سبيل الله في الظاهر فيفعل به هكذا﴾ فذهب هذا الرجل فدخل على معاوية وهو خليفة في دمشق، وحوله الوزراء والأمراء، وعلى رأسه الجنود بالسيوف، فقال: يا معاوية! قال: نعم. قال: أحدثك بحديث. فحدثه بالحديث، فبكى معاوية حتى سقط من على كرسيه، ثم رفع الفراش ومرغ وجهه في التراب وقال: صدق الله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].

стр. 1788

قصة لأبي هريرة ومجمل القصة -كما مر معنا- أنه مر به الجوع حتى كان يعتمد على الأرض من شدة حرارة الجوع، وربما ربط على بطنه الحجر، وفي السيرة أن الرسول ﷺ لما حفر الخندق ربط على بطنه قطعة حجر، ولكن في هذه الرواية ضعف. قال الخطابي: إنما ربط أبو هريرة الحجر على بطنه لئلا يجد حرارة الجوع. وقيل: ليلتصق ظهره ببطنه فيستطيع أن يقوم ويتحامل على أرجله. والجوع تعوذ منه ﷺ حيث يقول: ﴿اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة﴾ والجوع يصيب الإنسان بدهش، وتتساقط أقدامه وعظامه فلا تستطيع أن تحمله، فيقول أبو هريرة: كنت أربط على بطني من شدة الجوع فأقوم. هذا وهم خيرة الله، ولكن لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء، كسرى وقيصر يتمتعون في الديباج ويلعبون بالذهب والفضة، وأصحاب رسول الله ﷺ الذين فتحوا الدنيا وعلموا الإنسانية ورفعوا منائر الإسلام ما يجدون كسرة خبز من شعير. ولذلك يقول عمر كما في صحيح البخاري في الفضائل وفي غيرها، وأورده في الإيلاء وفي أزواجه ﷺ قال: ﴿دخلت على رسول الله ﷺ وهو في مشربة، فسلمت عليه فرد علي السلام وهو مغضب حزين، فقلت: يا رسول الله! أما تسمع من عاتكة بنت زيد -يعني امرأته- قال: ماذا فعلت؟ قال: تسألني النفقة. فضحك رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أضحك الله سنك -فـ عمر يريد أن يضحك الرسول ﷺ ؛ لأنه وجده مغضباً وحزيناً، يقول: انظر إلى امرأتي، ما نجد كسرة خبز الشعير وتسألني أن أحليها بالذهب والفضة، فضحك رسول الله ﷺ قال: فلما استأنس جلست عنده ﵊، فحولت نظري﴾ لأن للرسول ﷺ هيبة، نعم. هو من أسهل الناس وأرق الناس، وأيسر الناس، ومن أشد الناس تبسماً، لكنه مع ذلك من أشدهم هيبةً وحشمةً، فكان الصحابة من أشد الناس له توقيراً، ولذلك يقول شوقي: وإذا سعيت إلى العدا فغضنفرٌ وإذا جريت فإنك النكباء قال: ﴿فحولت نظري في غرفته ﷺ فرأيت شيئاً من شعير معلق، ثم تربع ﵊ وجلس فنظرت فإذا حصير قد أثر في جنبيه﴾ والرسول ﷺ كان رقيق البشرة، يقول أنس: ﴿مسست كفه ﷺ -وهذا في الصحيح- فوالله ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كفه ﷺ حتى إذا صافحه الرجل تبقى أصابع الرجل مؤثرة في يده، وكان وجهه كالبدر ليلة أربعة عشر، قال: فلما جلس رأيت الحصير أثر في جنبه فدمعت عيناي فانتبه لي﴾ وقد كان عمر رقيقاً رغم قوة قلبه وشجاعته في الإسلام كان رقيق الدمعة حتى أثر البكاء في خديه، قال: ﴿فلما رأى الدموع في عيني تهمل على خدي قال: مالك يا عمر؟ قلت: يا رسول الله! كسرى وقيصر في النعيم الذي تعلم وأنت في هذا الحال. فالتفت إلي ﷺ وقال: أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قال: بلى يا رسول الله﴾ فكان عمر دائماً يتذكر هذه الكلمة قبل خلافته وفي خلافته حتى لقي الله . فيقول أبو هريرة: فلما أصابني ما أصابني. وعند أحمد قال: ﴿فوالله لقد كنت أسقط بين المنبر وبين بيت النبي ﷺ من الجوع، فيأتي الناس فيقولون: جُن أبو هريرة وصرع، قال: فيأتي الرجل منهم فيبرك على صدري فيقرأ علي شيئاً من القرآن، والله ما بي شيء من المس وما أصابني إلا الجوع﴾. فلما أصابه ما أصابه ليلة من الليالي صلى المغرب، وخرج قبل الناس يتصدى لهم، لعل الله أن يفتح على رجل منهم فيدعوه إلى بيته، وفتح الله عليهم جميعاً، فخرج أبو بكر ﵁ وهو لا يدري بالسر، وإلا فهو من أكرم الناس، ولن تجد بعد رسول الله ﷺ أكرم من أبي بكر، فإنه كالريح المرسلة، جعل أمواله كلها للإسلام، فلما خرج أبو بكر لقيه أبو هريرة وقال: يا أبا بكر! ما معنى قوله وما هي تكملة هذه الآية؟ فكملها أبو بكر وذهب إلى بيته، وأبو هريرة يحفظ الآية، فذهب والتفت إليه حتى دخل بيته، ثم أتى عمر فسأله عن الآية فأخبره بالآية ثم ذهب ودخل، فأتى الرسول ﷺ ، وقبل أن يتكلم أبو هريرة لمح ﷺ في وجهه، فضحك ﵊ وأخذه بيده، وعلم أنه ليس السؤال مفاده على ظاهره، وإنما هناك حاجة في نفس يعقوب قضاها، فدخل معه، فلما دخل عُرض عليه شيء من لبن، فيقول أبو هريرة: ففرحت علني أصيب من هذا اللبن. قال: اذهب إلى أولئك النفر فتعال بهم إلخ القصة، فلما أتى بهم شربوا فشرب ﵁ بعدهم، ثم شرب رسول الله ﷺ في الأخير.

стр. 1789

فوائد الحديث وفي هذا الحديث مسائل:

стр. 1790

جواز الحلف بدون استحلاف أولها: جواز الحلف بدون استحلاف، فلك أن تحلف إذا تكلمت في قصة أو حديث ولو لم يستحلفك أحد، قال جل ذكره: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧] مع أنهم لم يستحلفوه هنا، ويقول جل ذكره: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي﴾ [يونس:٥٣] وهم أيضاً لم يستحلفوه، ولكن الله أمره أن يحلف في ثلاثة مواطن، وكان ﵊ يقول: لا ومقلب القلوب. وهو لم يستحلف، فلك أن تحلف للحاجة ليتأكد حالك، ولتقوم حجتك ودليلك، ولو لم يطلب منك أحد أن تحلف.

стр. 1791

الإخبار عن حال الضر ليس لأجل التشكي المسألة الثانية: الإخبار عن حال الضر لا على وجه التشكي، فلك أن تخبر عن أيامك السالفة في الجوع والمشقة، ولك أن تخبر عما أصابك من أمراض، لا على أن تشكو الرحمن الرحيم إلى الناس، فإنك إذا شكوت الرحمن الرحيم كأنك تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم. ولا تشيم إلى شخص لتشمته شكوى الجريح إلى الغربان والرخمِ فالذي يشكو إلى العباد كالجريح الذي يشكو إلى الغربان والرخمِ، يقول: أنا جريح فانظروا إلى جرحي. فهذا الأمر جائز إذا لم يكن على وجه التشكي، وفي صحيح البخاري وصحيح مسلم، ﴿أن الرسول ﷺ زار بقيع الغرقد، ثم عصب رأسه ﵊، فقالت عائشة ﵂: وارأساه -كان بها صداع ذلك اليوم- قال: بل أنا وارأساه، والله لقد هممت أن أدعو أباك وأخاك فأكتب لهم كتاباً﴾ لأنه مرض الموت، فشكا عليها لا لأنها شكوى، ولكن أخبرها إخباراً ﵊، لا على وجه التسخط والتذمر لكن على وجه الإباحة. ولا بد من شكوى على ذي قرابة يواسيك أو يسليك أو يتوجع فهذا جائز، ولذلك أخبر الصالحون عن أحوالهم، وللعبد أن يخبر بما مر به من نكد عيش وفقر؛ ليقمعه هذا وليرده عن الكبر والعجب، ولأن بعض الناس إذا ترأس أو اغتنى أو كان له أولاد أو أملاك نسي ما قدم في الأيام؛ فأخذه الجموح والغلو ونسي ما عند الله وما أعد وما كان فيه، ولذلك يقول ابن عمر ﵁: [[جمع أبي الناس -يعني عمر - فنصبنا له منبراً فجلس عليه، فقال: أيها الناس! من أنا؟ قالوا: أنت أمير المؤمنين. قال: أنا عمر بن الخطاب، كنت أدعى في الجاهلية عمير، كنت أرعى الغنم لـ ابن أبي معيط على حفنة من تمر. قال: فلما انتهى المجلس قلت: يا أبتاه! ما حملك على ما صنعت؟ قال: زهتني نفسي وأعجبتني فأردت أن أكسرها أمام الناس]] فهذا هو الأدب، وهذه هي التربية، وهذا هو الوصول والاتصال بالحي القيوم. وسعد ﵁ سوف يتحدث وسوف نسمع كلامه بعد قليل عن نفسه وعن حاله، وعلي كذلك وغيرهم من الصحابة الأخيار، لكن هناك مسألة استثناها أهل العلم وهي: من كان في معاصي وفي سيئات فتاب الله عليه، فليس له أن يتحدث للناس بمعاصيه ولا بماضيه الغابر، بل عليه أن يتوب إلى الله ويستغفر، وأن يستر ما بينه وبين الله ، فإن الله يستر على العبد في الدنيا إذا ستر على نفسه، ويغفر له في الآخرة، وفي الحديث الصحيح عن ابن عمر قال: ﴿حدثنا ﷺ عن النجوى. قيل له: كيف حدثكم عن النجوى؟ قال: يدني الله عبده يوم القيامة حتى يضع كنفه على كنفه، ثم يقول: يا عبدي! أما فعلت كذا وكذا يوم كذا وكذا؟ قال: بلى يا رب. قال: أما فعلت كذا وكذا يوم كذا وكذا؟ قال: بلى يا رب، قال: فإني سترتها عليك في الدنيا وغفرتها لك اليوم﴾ فليس للعبد أن يقوم أمام الناس أو في المجالس ويقول: فعلت كذا وكذا في الجاهلية، وفعلت كذا وكذا في وقت الجهل، وفعلت كذا وكذا في شبابي. بل عليه أن يستتر بستر الله، وإذا ابتلي العبد بشيء من الفضائح فليستتر، فإن الله يغفر الذنب ويتجاوز عن السيئات ويعلم ما تفعلون، والله ستير حيي ، كما قال ﵊ لما سئل عن الغسل والإنسان متكشف قال: ﴿إن الله حيي يحب من عبده أن يتستر﴾ أو كما قال ﵊، وفي حديث سلمان عند الترمذي: ﴿إن الله حيي يستحيي من أحدكم إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً﴾. إذا علم هذا فليس للإنسان أن يتحدث بالأخطاء ولا بالمعاصي ولا بالذنوب، لكن يأتي بوابل من الاستغفار، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: في الدنيا ثلاثة أنهار، فمن لم تطهره ثلاثة أنهار أو واحد منها فسوف يدخل يتطهر في كير جهنم ثم يخرج إلى الجنة. ثلاثة أنهار في الدنيا لابد للعبد أن يحرص أن يتطهر فيها، لأننا كلنا أهل سيئات وخطايا، فمن لم يتطهر بنهر من الأنهار الثلاثة فلا بد له من كير جهنم يتطهر فيها ثم يخرج ويدخل الجنة، النهر الأول: نهر التوبة، وهو أعظم الأنهار، والله ما أغلق باب التوبة ولن يغلقه حتى تطلع الشمس من مغربها، ولا يزال الله يتوب على العبد مهما اقترف من السيئات والخطايا إذا تاب وأناب وصحت التوبة. النهر الثاني: الحسنات الماحية، فإن بعض الناس كثير الإساءة، ثم يأتي بأعمالٍ صالحةٍ من قراءة وذكر وصيام ونوافل ودعوة إلى الله وعمل صالح، فتغمر هذه الأنهار جبال السيئات وتمحوها فلا تبقي لها أثراً ولا عيناً. والنهر الثالث: المصائب المكفرة، فإن بعض الناس يبتلى بالسيئات والخطايا فيسلط الله عليه المصائب والمحق، ويسلط عليه الفتن والمحن والهموم والغموم، حتى يلقى الله وهو طيب مطيَّب، طاهر مطهَّر.

стр. 1792

جواز التعريض بالسؤال المسألة الثالثة: التعريض بالسؤال دون التصريح. فقد استحيا أبو هريرة ﵁ أن يقول لـ أبي بكر: أطعمني هذه الليلة إني جائع، ولم يقل لـ عمر، ولكنه عرض ولم يصرح، ولمح ولم يوجه الخطاب، وهذا من عفته وحيائه، ولذلك كان العرب يستحيون من السؤال، ومن مروءة الرجل ألاَّ يسأل إلا في حاجة ملحة؛ لأن الذين يسألون الناس ولهم ما يغنيهم يأتون يوم القيامة ولا لحم على وجوههم بل عظام فقط، ﴿إن الذي يسأل الناس وله غنى يغنيه يأتي يوم القيامة ووجهه خدوش من المسألة﴾ وفي رواية الزبير ﴿يأتي وليس في وجهه مزعة لحم﴾ فاستحيا أن يسأل وأن يعرض بنفسه فعرض بالكلام، وهذا أسلوب وارد عند العرب. يقول ابن كثير وغيره من أهل العلم والسير: كان قيس بن سعد بن عبادة جالساً في مجلس، وهو من سادات العرب ومن أغنى الأغنياء ومن أجواد الإسلام، فدخلت عليه عجوز فقالت: يا قيس! قال: نعم. قالت: أشكو إليك قلة الفئران في بيتي. ليس في بيتي فئران، قال: والله لأملأن بيتك فئراناً، ثم دخل بيته وأرسل جمالاً محملة من تمر وحبوب وزبيب. ثم عادت بعد وقت فسلمت عليه ودعت له وقالت: لقد امتلأ بيتي فئراناً. فقال الناس لـ قيس بن سعد: ما هذا الخطاب؟ قال: إنها شكت من قلة الفئران والفئران لا تأتي إلا مع الطعام ومع الغنى، ومعناه الفقر، قال: فأعطيناها ما فتح الله علينا، فأتت تخبرنا أن في بيتها فئراناً. وهذا من التعريض. وذكر صاحب العقد وصاحب عيون الأخبار أن علياً ﵁ دخل عليه رجل فاحمر وجه الرجل، فقال علي: مالك أخجلت؟ قال: في نفسي مسألة وأستحي أن أسألك عنها. قال علي: اكتبها على الأرض، فكتبها بأصبعه، فقضاها علي ﵁، فقال الرجل: كسوتني حلة تبلى محاسنها لأكسونك من حسن الثنا حللاً يقول: أنت كسوتني حلة ولكنها سوف تبلى في الدنيا، لكن والله لألبسنك من الثناء العاطر والدعاء المسموع ما لا يبلو أبداً. ولذلك يقول إبراهيم لما كان كريماً مضيافاً للناس: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء:٨٤] قالوا: هو الذكر الحسن. وإنما المرء حديث بعده فكن حديثاً حسناً لمن وعى

стр. 1793

دقة فهمه ﷺ المسألة الرابعة: دقة فهمه ﷺ . فإن أبا بكر وعمر لم يفهما مراد أبي هريرة، والرسول ﷺ علم أن أبا هريرة يريد طعاماً، وإلا فإن الإشارات: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠] وسيماء الحديث، ومقارنة القصة تبدي هذه الأمور أنه يريد شيئاً، وإلا فكيف يخرج سريعاً من المسجد ويقف في طريق الناس يسألهم عن الآية؟ هل ضاقت به الدنيا بما رحبت وضاقت به الأوقات إلا بعد صلاة المغرب يسأل عن هذه الآية؟ ثم هو رجل فقيه وعالم بإمكانه أن يسأل في أحد الأوقات، فعرف ﷺ وأدخله بيته.

стр. 1794

الاستدلال بالعلامات المسألة الخامسة: الاستدلال بالعلامات. فإن بعض الناس لما رزقهم الله من الفطنة والفهم يعرفون بالعلامات والإشارات، فإن إبراهيم ﵇ قرب الأكل للملائكة فما اقتربوا للأكل ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود:٧٠] يقول: لماذا لا يأكلون طعامي؟ لابد أن فيهم شيئاً، ثم خاف منهم؛ لأنهم إما أعداء فالعدو لا يأكل طعامك، وإما أنهم ملأ آخر خلقهم الله ليس من حقهم الطعام. فعلم أنهم ملائكة، فأخبروه في الأخير أنا لا نأكل الطعام؛ لأنهم جسم نوراني، لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب. وهكذا خلق الله خلقه وتصرف فيهم، فنحن خلقنا من الطين، نمشي على الطين، ثم ندس في الطين، وقوم خلقهم من النار، فهم دائماً في نار أحرقوا العالم ودمروا المعمورة وهم الشياطين، وقوم خلقهم من نور، فكلامهم نور، ويأتون بالنور، ويذهبون بالنور، ويسجلون النور، ويشهدون على أهل النور، وهم الملائكة، فلله في خلقه شئون.

стр. 1795

استحباب الشرب جالساً المسألة السادسة: استحباب الشرب جالساً، قاله ابن حجر، فإن الرسول ﷺ لما أتى أبو هريرة بالإناء وانتهى وفرغ من سقي الناس؛ أخذ الإناء وقال: اقعد، فقعد فقال: اشرب، فشرب، ومن أدب أبي هريرة أنه ما قال للرسول ﷺ : اشرب أنت يا رسول الله! لأن أمامه رسول البشرية ﷺ ، ولأن أمره واجب أن ينفذ فالسنة الشرب من قعود إلا لحاجة ملحة، كأن تكون في زحام ما تستطيع أن تجلس فلك ذلك، كما فعل ﷺ يوم شرب من زمزم وهو واقف، أو تكون على عجلة ما يتسنى لك أن تشرب جالساً، أو يكون المكان مرتفعاً وليس عندك إناء فلك أن تشرب قائماً، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

стр. 1796

خادم القوم يتولى المناولة المسألة السابعة: خادم القوم يتولى المناولة. فمن كرم ضيافته ﷺ أن جعل أبا هريرة يدور بالإناء، ما قال للضيوف من أهل الصفة: قوموا أنتم وخذوا اللبن، بل جعله هو يدور عليهم، ويأخذ الإناء ويسلمه للآخر تلو الآخر، وإلا كان بإمكانه أن يسلم الإناء ثم يقول: أنت سلم للذي بجانبك، لكن من كرمه أن يأخذ لئلا يمتهن الضيف كما قال ابن حجر، قالوا: ومن لؤم الرجل أن يستخدم ضيفه، أن يدخل عليك ضيفك في المنزل فتقول: بارك الله فيك ناولني هذا الصحن، قرب لي هذا الإدام. فقد أصبح طباخاً ولم يصبح ضيفاً، وهذه الضيافة ليست في الكتاب ولا في السنة ولا في أخلاق العرب، أما الضيف فلابد أن يحترم، وبعض الناس إذا دخل عليه الضيف جلس في صدر المجلس واتكأ وجعل الضيف في آخر المنزل، فكلما أتوا بالفنجان بدأ ويبدأ بكل شيء، ويجعل الضيف في خبر كان وربما ينساه، فهذا ليس من الضيافة، فإن الرسول ﷺ قدم أهل الصفة، وهم تلاميذ له وأعراب، وجلس عند الباب وأخذ يقول لـ أبي هريرة: ناول الناس، فأخذ يناولهم حتى انتهى إليه ﷺ .

стр. 1797

معجزة النبي ﷺ المسألة الثامنة: معجزة الرسول ﷺ في بركة اللبن. لبن قليل يسير في إناء يكفي أكثر من مائة رجل كلهم بحاجة إلى هذا اللبن، وفضل منه فضلة وبقي لأهله ﷺ ، وما ذلك إلا من بركته ﷺ ، فإنه مبارك أين ما كان، فكلامه وفعله ولحظاته كلها مباركة، وكلما جلس في مكان أثر فيه البركة ﵊.

стр. 1798

جواز الشبع في الأكل المسألة التاسعة: جواز الشبع ولو بلغ أقصى غاية. قاله ابن حجر وأيده ابن القيم على هذا؛ لأن بعض الناس من المغالين في التصوف يقول: إنه لا يجوز الشبع، وإن الإنسان حرام أن يشبع، ويلقون محاضرات في الشبع، هذا غير صحيح فـ أبو هريرة شبع حتى حلف بالله العظيم أنه لا يجد له مسلكاً. دخل أبو دلامة على هارون الرشيد الخليفة العباسي، فقال هارون الرشيد: يا أبا دلامة! سمعت أنك تطلب الحديث في هذه الأيام -وأبو دلامة رجل مزاح فكاهي، يرافق الخلفاء في الجهاد والغزو والسمر- قال هارون الرشيد: سمعت أنك تطلب الحديث في هذه الأيام. قال: نعم. تعلمت الأحاديث فنسيتها كلها إلا ثلاثة أحاديث. قال: وما هي؟ قال: قوله ﷺ : ﴿إذا حضر العِشاء والعَشاء فابدءوا بالعَشاء قبل العِشاء﴾ وقوله ﵊: ﴿اشرب يا أبا هريرة! قال: والله لا أجد له مسلكاً﴾ وقول الصحابي: ﴿كان ﷺ يحب الحلوى والعسل﴾ فضحك هارون الرشيد حتى ترح برجله. فهذه الأحاديث تحفظ والحمد لله، ولذلك سوف ننسى كل هذه القصة ونحفظ قوله: فشبعت حتى ما وجدت له مسلكاً. قال ابن القيم: شبع أصحاب الرسول ﷺ مرة من المرات. لماذا؟ لأنهم ما يجدون الطعام دائماً كما نجده نحن، وإلا فنحن والحمد لله الوجبات تلو الوجبات بالساعة والدقيقة ما تختلف، والصحابة قد تمر بهم وجبة اللحم في الشهر أو الشهرين أو الثلاثة، وبعضهم أكثر من ذلك، فإذا حصلت هذه المكرمة أكثر منها؛ لأنه لا يدري ماذا سيحدث له فيما بعد، فهذا وارد. لكن يقول ابن حجر: ورد عند الترمذي بسند حسن: ﴿إن أكثر الناس في الدنيا شبعاً أكثرهم جوعاً يوم القيامة﴾ وهذا يقصد به أهل الشهوات الذين لا يستخدمونها في طاعة الله ، ولا يستعينون بها على مرضاته ﵎، وإلا فالله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ [المؤمنون:٥١] وأمر الله المؤمنين بما أمر به المرسلين، فلو أن الإنسان إذا أكل طيباً وعمل صالحاً؛ لكان صالحاً عند الله، كلامه وأكله طيبٌ وفعله، لكن أن يأكل طيباً ويفعل القبيح، يأكل نعم الله ثم يعصيه ويتمرد عليه، هذا ليس بلائق. وهل من المروءة أن يضيفك رجل في بيته فكلما أكلت طعامه قمت تضاربه في البيت؟ ولله المثل الأعلى. فمن يأكل طيباً ويعمل صالحاً فهو مأجور ومشكور، ولو احتسب أكله عند الله لآجره الله في الدنيا والآخرة.

стр. 1799

كتمان الحاجة أولى من إظهارها المسألة العاشرة: أن كتمان الحاجة أولى من إظهارها، يقول تعالى: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ [البقرة:٢٧٣] فتكتم حاجتك بينك وبين الله، تفتقر فلا يشعر الناس أنك افتقرت، وتمرض فلا يشعر الناس أنك مرضت. ذكر أهل القصص أن أبا بكر ﵁ أصابه وجع في ضرسه حتى اسود جانبه، ما كان هناك مستشفيات ولا أطباء ولاخدمات، وإنما عاشوا في تلك الفترة يوجهون البشرية حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وأراد الله من حكمته أن يعيشوا في تلك الفترة، لئلا يشتغلوا بهذه المشغلات والملهيات، والأمور التي جدت؛ ليتفرغوا لإبلاغ الوحي إلى الناس، فلما مرض زاره الصحابة وقد أسند ظهره على الفراش، فقالوا: يا خليفة رسول الله! نراك وجع. قال: الحمد لله. قالوا: ألا ندعوا لك طبيباً؟ قال: الطبيب قد رآني. قالوا: ماذا قال لك؟ قال: إني فعال لما أريد. كيف أشكو إلى طبيبي ما بيا والذي قد أصابني من طبيبيا قال أحد الصالحين -لما حضرته الوفاة- لابنه: يا بني! لا تشكو على أحد مصابك إلا على الله، فوالله لقد فقدت عيني هذه منذ أربعين سنة ما أبصر بها وما أخبرت بها أحداً إلا الآن. ذكر صاحب طبقات الحنابلة وغيره من أهل العلم عن الوزير ابن هبيرة الحنبلي الكبير، صاحب كتاب الإفصاح، وهو قد تولى الوزارة في عهد الخلافة العباسية وكان من الصلحاء الأخيار عند الله ، وعظ وهو جالس على منبره فسقط على وجهه من كثرة البكاء وحج بالناس هو وجعل نفقات الحجاج من بغداد على حسابه وتركته، فلما وصل إلى منى عطش الحجيج وأصابهم من الظمأ ما لا يعلمه إلا الله، فتوضأ وصلى ركعتين وقال: اللهم ارحمنا، اللهم اسقنا. قالوا: فوالله ما نزع من مكانه حتى تساقط الثلج والماء على الناس، فبكى، فقالوا: مالك؟ قال: يا ليتني دعوت الله بالمغفرة. قال أحد أهل العلم: كنت جالساً مع ابن هبيرة في ديوانه، وبينما أنا جالس إذا برجل فقير دخل عليه، فقام ابن هبيرة فاستقبل الفقير هذا، وهو وزير، دولة الإسلام كلها في وزارته، بل هو من أعظم الناس، كان يملي الحديث وهو وزير، يملي صحيح البخاري وصحيح مسلم. قال: فلما دخل هذا الفقير عليه قام له وحياه وأجلسه ثم أعطاه حلةً، وأعطاه شيئاً من المال وقام ومسح على رأسه، ثم خرج الفقير، فقال له الناس وهم في ديوانه جالسين: مالك -أطال الله بقاءك- مسحت على رأسه؟ قال: أتدرون ما قصتي وهذا الرجل؟ لقد عرفته وما عرفني. قالوا: كيف؟ قال: كنت أنا وإياه شباب فضربني على رأسي فأبطل عيني هذه، فما أرى بها منذ ثلاثين سنة، فلما دخل عليَّ الآن تذكرته وعرفته فمسحت على رأسه وعفوت عنه؛ ليعفي الله عني يوم يجمع الله الأولين والآخرين، فتباكى الناس، وهذا من كتمان المصائب والبلايا. كيف أشكو إلى طبيبي ما بيا والذي قد أصابني من طبيبيا ودخلوا على شيخ الإسلام وهو مريض فقالوا: ماذا أصابك؟ قال: تموت النفوس بأوصابها ولم يدر عوادها مابها وما أنصفت مهجة تشتكي أذاها إلى غير أحبابها فالشكوى إلى الله . ولذلك كان الأنبياء والرسل إذا بلغ الحزام الضبيين، والسيل منتهاه، وانتهى الأمر إليه، فوضوا الأمر إلى الله، قال إبراهيم: حسبنا الله ونعم الوكيل. وقال الرسول ﷺ وهو في حالة -يوم أحد - لا يعلمها إلا الله، وقد قتل سبعون من أقاربه وأعمامه وأصحابه، وبعدها يأتي يهودي استؤجر بشعير فيقول: إن الناس قد جمعوا لكم، فرد الرسول ﷺ رشده ودعواه والتجاءه إلى الله وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. فكان ماذا؟ ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران:١٧٤]. وقال يعقوب وقد بكى حتى -كما في بعض التفاسير- كان يوصيه جبريل بالصبر على يوسف فما يستطيع أن يصبر، فيجعل كفه على فمه ويقول: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٨٦] ولذلك قالوا في ترجمة أبي بكر ﵁ أنه كان إذا وصل إلى هذا المقطع في صلاة الفجر خار من البكاء: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦] ويقول قبلها: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] فمن أصابه شيء أو ضر فليلتجئ إلى الحي القيوم، فإنه هو الرزاق، والنافع والضار، وإن مقاليد الأمور بيده ، لا يتصرف في ذرة متصرف إلا بأمره وقدرته ﵎.

стр. 1800

كرم النبي ﷺ المسألة الحادية عشرة: وفيها كرم النبي ﷺ ، وإيثاره على نفسه وأهله وخادمه. فلن تجد في الأمة أكرم من الرسول ﷺ ، وقد جاء في مسند أحمد عن جابر بسند جيد قال: ﴿ما قال رسول الله ﷺ لا إلا مرة، سأله أعرابي شيئاً فقال: لا. وأستغفر الله﴾ أي: أستغفر الله من كلمة (لا) فالمؤمن إذا كان في موجوده شيء فلا يقل: لا؛ لأن الله ذم الذين يمنعون الماعون، وهم الذين يمنعون القدْر عاريةً، أو الإبرة أو الخيل أو الخيط أو الخدمة، حتى ذكر أهل العلم أن من يمنع البسمة عن الناس فهو من أبخل الناس. والناس عيال لله أحبهم إلى الله أنفعهم لعياله، والله جعل أسباب بعض الناس ببعض، فإنه هو الغني، والله قادر أن يغني كل أحد عن أحد، لكنه جعل هذا ليبتلي به هذا ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ [الفرقان:٢٠] قيل: (جعلنا بعضهم لبعض فتنة) ابتلى الغني بالفقير، وابتلى الصحيح بالسقيم، وابتلى هذا بهذا؛ ليرى الله من الذي يؤدي حقوقه تعالى. وفي حديث ابن عباس الصحيح: ﴿يقول الله يوم القيامة للعبد: يابن آدم! مرضت فلم تعدني. قال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته وجدت ذلك عندي. يابن آدم! جعت فلم تطعمني. قال: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً جاع فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته وجدت ذلك عندي﴾ الحديث. فالرسول ﵊ كان من أكرم الناس، يجود بكل ما ملك، ولو استغنى عن قميصه لجاد به، بل حدث -كما في صحيح البخاري - أنه جاد بقميصه الذي عليه، يقول سهل بن سعد في الصحيح: ﴿أتت امرأة النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! خذ هذا الكساء، فقد نسجته لك بيدي بأبي أنت وأمي، فأخذه ﵊ ولبسه محتاجاً إليه، فلما لبسه تعرض له رجل من الناس، فقال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي أعطني هذا الكساء. قال: انتظر قليلاً، فدخل بيته ﵊ وتأزر بأزرة وخلع له الكساء وأعطاه إياه. فقال الصحابة: بئس ما صنعت، لبسه ﷺ محتاجاً إليه ثم سألته وتعلم أنه لا يرد أحداً. قال: والله! ما أخذته إلا ليكون كفناً لي بعد أن لامس جسم رسول الله ﷺ . قال سهل بن سعد: فوالذي نفسي بيده لقد كان كفنه ودفن فيه﴾. ولذلك قال ابن المبارك: أرى أن يكفن المسلم في ثيابه التي كان يكثر فيها الصلاة وقيام الليل؛ لأن الله يقول: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:١٢] أي: الآثار التي كانت عليهم، وممشاهم وقعودهم، والله يقول في محكم كتابه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٩] قالوا لـ ابن عباس: [[أتبكي السماء على الصالح؟ قال: نعم. والذي نفسي بيده إنه ليبكي ما يماثله من السماء، ويبكي عليه مصلاه ويبكي ممشاه إلى المسجد]] والله أعلم كيف الحالة، فهو الذي خلق وتصرف، فنحيلها على علمه . فالرسول ﷺ من أجود الناس. وفي صحيح البخاري أنه ﷺ كان أجود بالخير من الريح المرسلة، ما يمسك شيئاً، فإذا دخل رمضان دارسه جبريل القرآن فيكون ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة، ولذلك ذكر أبو نعيم وابن كثير والذهبي في ترجمة زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. نسب كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عموداً قال تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٣٤] علي بن الحسين سمي زين العابدين؛ لأنه كان يصلي حتى أخذ السجودُ في أنفه وجبهته وسمة، فإذا خرج إلى الناس ورأوا وجهه تذكروا الله ، فقالوا: لا إله إلا الله. ولما حضرته الوفاة أتوا يغسلونه -كما يقول أبو نعيم الأصفهاني والذهبي وابن كثير -فوجدوا في كتفه أثر الحبل، كأنه حبل أثر في كتفه، فسألوا أهله فقالوا: والله إن هذا وسم ما كان يحمل للفقراء، كان يصلي فإذا أظلم الليل قام فأخذ حمول التمر والزبيب والحب وحمله إلى فقراء المدينة حتى يأتي الفجر. فهذا هو علي بن الحسين الذي يقول فيه الفرزدق: ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعمُ لما رآه داخلاً الحرم وقد ازدحم الناس، وما استطاع هشام بن عبد الملك أن يطوف، فتأخر إلى زمزم وجلس على كرسي وهو خليفة، فلما رأوا علي بن الحسين وأقبل بوجهه كأنه فلقة قمر وبيده خيزران وعليه ثيابه، فلما رأوه انقشعوا عن وجهه وأخذوا يفسحون له الطريق ويدعون له ويسلمون عليه، فأخذ يطوف فقال أهل الشام لـ هشام بن عبد الملك: من هذا ما عرفناه؟ قال: ما عرفته. مع أنه يعرفه، لكنه حدسه وغمط حقه، فقام الفرزدق، فقال: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله بجده أنبياء الله قد ختموا إلى أن قال: ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم يقول: أنه ما يعرف (لا) إلا في لا إله إلا الله، أما في غيرها فلا يعرفها.

стр. 1801

ضيق الحال عند الصحابة المسألة الثانية عشرة: ما كان عليه بعض الصحابة في زمن النبي ﷺ من ضيق الحال. فقد كان الصحابة في أول الإسلام في ضيق حالٍ حتى آخر خلافة عمر ﵁، فكانوا لا يشبعون في غالب الأوقات من التمر، حتى وقف عمر ﵁ في آخر خلافته فجلس على المنبر وبكى ثم رفع رأسه وقال: أيها الناس! أما يُغدى على أحدكم بجفنة مكللة بالثريد، ويراح بجفنة مكللة بالثريد؟ قالوا: بلى. قال: والله الذي لا إله إلا هو لقد كنا نتلوى في عهد رسول الله ﷺ ما يجد أحدنا ما يملأ بطنه من رديء التمر. وكان يمتنع عن الملاذ ﵁؛ لأنه عاش في شظف عيش. فلما أطل عصر عثمان أقبلت الدنيا والموائد والمطاعم والمشارب، وتوسع الناس، وبقي أهل العهد على عهدهم، ومنهم من توسع وأراد بتوسعه وجه الله ، ولذلك ذكروا في سيرة عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه: أنه ذهب يعتمر، فلما أصبح في عسفان قدم له إفطاره، وكان إفطاره طير مشوي وشيء من اللحم، فلما قدموه قال: يا سبحان الله! يقتل حمزة ولا يلقى ما يكفن به، ويقتل مصعب ولا يلقى ما يكفن به، وأفطر على هذا! ثم بكى حتى رفع إفطاره ولم يفطر. ويقول سعد ﵁ وأرضاه، وهذا في صحيح البخاري في كتاب الرقاق، باب (كيف كان عيش رسول الله ﷺ وأصحابه وتخليهم عن الدنيا) قال سعد: [[والله الذي لا إله إلا هو لقد مر بي زمن يوم أسلمت ما كان لي من طعام إلا ورق الشجر، وإن أحدنا ليأكل ثم يضع كما تضع الشاة ماله خلط، ثم أصبح بنو أسد يعزرونني على الإسلام، خبت إذن وخسرت]]. يقول: أسلمت وأكلت أوراق الشجر، وأنا صابر محتسب على الإسلام، وأدخلت الناس من هذه القبيلة في الإسلام بهذا السيف، ثم يأتي أهل هذه القبيلة الذين أدخلتهم في الإسلام ويقولون: أني لا أحسن أصلي. والسبب في ذلك: أن أهل الكوفة -بني أسد- ذهبوا إلى عمر فقالوا: نشكو إليك سعداً. كلما ولى عليهم عمر والياً شكوه، ما يبقى فيهم إلاّ أسبوعاً ويقدمون فيه شكوى. فقال عمر: ماذا حدث؟ قالوا: ما يحسن يصلي. قال عمر: سبحان الله! أبو إسحاق ما يحسن يصلي! قالوا: نعم. لا يحسن يصلي. فـ عمر ﵁ ما استخدم ظنه، وإنما أراد أن يتبين بالدلائل والحقائق والعلم، فأتى بـ سعد وأجلسهم أمامه وقال: إنهم شكوك في كل شيء حتى في الصلاة، فكيف تصلي؟ قال سعد: يا سبحان الله! والله لقد مر بي زمن ما كان لي من طعام إلا ورق الشجر، والله لقد كنت ربع الإسلام -أي: رابع أربعة في الإسلام- والله لقد أدخلتهم -بني أسد- في الإسلام بسيفي هذا، ثم يعيرونني أني لا أحسن أصلي، أما أنا فأركد في الأوليين -أي: في الركعة الأولى والثانية- وأحذف في الأخريين. فقال عمر: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق! ثم قام أهل العراق فقالوا: أرسل معنا من تسأله عنا وعن سعد -والقصة لا بأس بإيرادها- فأرسل معهم محمد بن مسلمة، فلما وصل ما ترك مسجداً من مساجدهم إلا ويسألهم عن سعد، فيثنون عليه خيراً ويدعون له، حتى وصل إلى رجل معثر شقي في مسجد من مساجد بني عبس في طرف الكوفة فسألوه، فقال: إن سألتمونا فوالله! إن سعداً لا يمشي مع السرية، ولا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية. فرفع سعد يديه واستقبل القبلة وقال: اللهم إن كان قام رياءً وسمعةً كاذباً علي فأطل عمره وعرضه للفتن. وفي روايةٍ عند عبد الملك -أحد الرواة- وأكثر ماله وولده وعرضه للفتن. فطال عمر هذا الرجل حتى سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وأخذ يتعرض للجواري في سكك الكوفة يغمزهن بيديه، ويقول: شيخ مفتون أصابتني دعوة سعد. لأن الله علم أن سعداً صادق وأنه يريده، وأن دعوته مستجابة، فكان سعد على هذه الحالة، وغيره من الصحابة كثير يتحدثون عن هذا. يقول أبو موسى ﵁: [[والله لقد رافقت رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرقاع فكنت ألف القماش على قدمي حتى تساقطت أظفاري في الأرض]] ثم ترك هذا الحديث في آخر عمره فما أصبح يحدث به، وخاف أن يكشف للناس عملاً يريد أن يكون بينه وبين الله . إذن فالصحابة إلى آخر عهد عمر ﵁ كان غالب وقتهم الشظف في العيش والخشونة والفقر، ولكن يغنيهم الله من خزائنه لما أعد لهم من ثواب وأجر عميم عنده .

стр. 1802

فضل أبي هريرة وفي هذا الحديث، فضل أبي هريرة ﵁ وتعففه، فإنه ما أظهر حاجته، ولكنه تعفف وصبر وتحمل، وذلك من حسن أدبه الذي أدبه الله به.

стр. 1803

فضل أهل الصفة وفي هذا الحديث: فضل أهل الصفة، وأهل الصفة -كما قلنا- قوم من الصحابة فقراء مساكين، لا أهل لهم ولا مال ولا ولد، جلسوا في المسجد يتعلمون ويتفقهون في الدين، وسوف يأتي معنا مسألة بهذا الخصوص. والصوفية يقولون: إنهم نسبة إلى الصفة، وهذا خطأ، فإن النسبة إلى الصفة (صفي) لا (صوفي) وقد رد هذه النسبة شيخ الإسلام في المجلد العاشر والحادي عشر من فتاويه، وأهل الصفة وصلوا إلى أربعمائة رجل، ثم نزلوا إلى ثلاث مائة يجتمعون ويفترقون. ومن أهل الصفة عمرو بن تغلب، وقف ﵊ والمسجد مكتظ بالناس فقال: ﴿يا أيها الناس! إني أعطي بعض الناس من الدنيا لما جعل الله في قلبه من الجشع والطمع، وأترك أناساً لما جعل الله في قلوبهم من الإيمان والخير، منهم عمرو بن تغلب، قال عمرو بن تغلب: والذي نفسي بيده! ما أحب أن لي الدنيا بما فيها﴾ أي: في هذه الكلمة. فهو من أهل الصفة، الذين كانوا يحتطبون في النهار ويبيعون ويكتسبون ويقعدون في المسجد يتفقهون، وسوف يأتي حكم هذا الفعل عند المسلمين.

стр. 1804

ضرورة استئذان المدعو المسألة الخامسة عشرة: أن المدعو إذا وصل إلى دار الداعي فلا يدخل بغير استئذان، فـ أبو هريرة لما ذهب مع الرسول ﷺ استأذن ودخل. وهناك حديث في السنن: ﴿إذا أرسل الرجل رسوله فهو إذنه﴾ والمعنى: أنك إذا أرسلت إلى أحد الناس ابنك أن يأتي، فإنه يدخل مع ابنك ولا يستأذن مرة ثانية، والجمع بينه وبين هذا الكلام أنه يختلف باختلاف الحال، فإذا علمت أن هذا الرجل دعاك وليس قبله أحد يهيئ المكان ولا يصلح الشأن، فلا يحق لك أن تدخل مباشرة، بل تقف بعيداً عن الباب، وهذا من أدب الإسلام، وتدعه يدخل ويأخذ راحته ويهيئ المكان، وينظم المجلس، فربما يكون البيت في حالة لا يحسن أن تدخل عليها، فإذا علمت أنه تهيأ وقال: ادخل، وأذن لك أن تدخل فادخل، أما أن تدخل معه مباشرة فإنه قد يستحي منك ولا يقول لك: انتظر. فهذا من أدب الإسلام، فـ أبو هريرة انتظر حتى قال له ﷺ : ادخل، وهذا أمر واجب. وقد مر معنا باب الاستئذان، ومن فقهه الله في دينه تفقه.

стр. 1805

جلوس الضيف في مكانه اللائق به المسألة السادسة عشرة: جلوس كل واحد في المكان اللائق به؛ فإن الرسول ﷺ لأنه المضيف جلس في آخر المجلس، وقدم ضيوفه ﵊، فلا ينبغي للإنسان أن يدخل ضيوفه، ثم يتربع وسط المجلس ويجلسهم في أطراف المجلس، ويستخدمهم، فليس هذا هو اللائق به، بل يجلس في مكانه. وكذلك إذا دخل العالم الكبير له أن يجلس وسط المجلس وكذلك السلطان فلا يأتي ويقول: أظهر التواضع وأجلس على الأحذية. فهذا غير صحيح فإن الله قد جعل لكل شيء قدراً ﴿أنزلوا الناس منازلهم﴾ فإن الذي يجلس في مكان غير لائق به سخيف، والذي يجلس في مكان أكبر من قدره متكبر، فالإنسان يعرف قدره ويعرف أين يجلس.

стр. 1806

ملازمة أبي بكر وعمر للنبي ﷺ المسألة السابعة عشرة: ملازمة أبي بكر وعمر ﵄ لرسول الله ﷺ . فالرسول ﷺ دائماً يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وذهبت أنا وأبو بكر وعمر، فأكثر القصص يذكر فيها أبا بكر وعمر؛ لأنهما شيخا الإسلام، وفي سنن الترمذي يقول ﵊: ﴿اقتدوا بالذَين من بعدي أبي بكر وعمر وتمسكوا بعهد ابن أم عبد﴾ أي: ابن مسعود. فالشيخان الجليلان عينا الإسلام ويداه، اللذان امتهنهم الرافضة نسأل الله أن يفعل بهم فعائله بالقوم الفجرة، فإنهم أساءوا إلى الشيخين، وقد دافع عنهم ابن تيمية بأكثر من مائتي صفحة في كتاب منهاج السنة، فهم أجلة الإسلام، وهم أهل المواقف المشهودة، وأهل الحالات المعروفة الظاهرة التي لا ينكرها إلا كل كافر زنديق.

стр. 1807

مناداة الخادم بالكنية المسألة الثامنة عشرة: دعاء الكبير خادمه بالكنية. فالرسول ﷺ تلطف مع صاحبه أبي هريرة وقال: ﴿يا أبا هر!﴾ ومن الأدب عند المسلمين أن يدعى بالكنى ولا يتنابز بالألقاب، فالواجب أن تختار أحسن اسم لأخيك المسلم فتقول: يا فلان! أو يا أبا فلان! والرسول ﷺ كان يقول: يا أبا بكر! يا أبا حفص! يا أبا هريرة! فهذا من الإكرام والتبجيل، وهو يورث لك المحبة في صدر أخيك. فالرسول ﷺ قال: يا أبا هر! وهذا الأسلوب يسمى (ترخيم) والترخيم هو: حذف آخر المنادى، أن تنادي ثم تحذف آخر الاسم، قال ابن مالك في الألفية: ترخيماً احذف آخر المنادى كقولهم في يا سعا سعاد وقد قيل لأحد الصالحين من التابعين: ما معنى قوله تعالى: (وقالوا يا مال ليقض علينا ربك)؟ والقراءة المشهورة (يا مالك) وهو خازن النار، يناديه أهل النار أن يقضي عليهم، يقولون: قل لربك يقضي علينا فقد سئمنا الحياة. نعوذ بالله من النار ونستجير به منها. وقد قرأ بعض الناس بقراءة (يا مال) بحذف الكاف للترخيم، فسئل ابن عباس فقال: أهل النار في مشغلة عن الترخيم. أي: هم في عذاب ونكال، لا يستطيعون أن يرخموا في تلك المنزلة، فهذا هو الترخيم.

стр. 1808

قبول النبي ﷺ للهدية ورده الصدقة المسألة التاسعة عشرة: قبوله ﷺ الهدية ورده للصدقة. وهذا من خصائصه؛ فإنه لا يأخذ الصدقة؛ لأنها أوساخ الناس، ولكنه ﷺ يقبل الهدية، فقد أهدي إليه خميصة أبي جهم فصلى بها فرأى أعلامها -كما في البخاري - فشغلته في الصلاة، فخلعها وقال: ﴿اذهبوا بها إلى أبي جهم وائتوني بإنبجانية أبي جهم﴾ لماذا يقول: ائتوني بها؟ لئلا يجد في نفسه، فالإنسان المسلم لا يرد الهدية؛ لأن المسلم يجد في نفسه، إلا إذا كانت الهدية هذه ثمناً لدينه أو رشوة عمل فإنها لا تقبل، أو غرضاً ليدخل به في حرام فلا تقبل، والمسلم على بصيرة. والرسول ﷺ قبل جبةً من ديباج أهداها له وفد بني تميم، فلما صلَّى بها ﷺ أخذ الصحابة يتعجبون منها ويمسكونها ويتمسحون بها، قال: ﴿أتعجبون منها؟ والله لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها﴾ وقد قرئ هذا الحديث على محمود بن سبكتكين فبكى حتى أغمي عليه، وهو سلطان المشرق الذي هدم ألف صنم في أرض داهر والهند والسند، وهذا السلطان العظيم ترحم عليه علماء الإسلام لما توفي، وقد وقف أملاكه كلها في خدمة الإسلام والمسلمين، وأتى إلى صنم فإذا هو من أوله إلى آخره من ذهب وياقوت وزبرجد، فقال له الملك داهر: خذ هذا الصنم واشتره مني واترك لي هذه الرعية. فقال: والله لا أفعل، أتريد مني أن أدعى على رءوس الأشهاد يوم القيامة يا بائع الأصنام؟ بل أريد أن أدعى يوم القيامة يا مكسر الأصنام. فقال محمد إقبال: كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا لو كان غير المسلمين لحازها كنزاً وصاغ الحلي والدينارا يقول: نحن نكسر الأصنام ونهدم فوقها الكفار، أما غيرنا فيبيع ويشتري الأصنام.

стр. 1809

جواز السكنى في المسجد للحاجة المسألة العشرون: جواز السكنى في المسجد للحاجة، فلك أن تسكن في المسجد لحاجة، إما لطلب علم، أو تفقه في الدين، أو لأن الله ما فتح عليك فلم تلق بيتاً لا شراءً ولا بيعاً ولا بالإيجار، فعليك أن تنتقل بما معك وتسكن في المسجد ولا عليك، وإذا اعترض عليك معترض فأخبره بهذا الحديث من صحيح البخاري بسنده وقدمه له، فلا يعترض معترض، بل المساجد تسكن للمسلمين وينام فيها، وهناك عشرات الأحاديث تبين هذا الأمر للمصلحة، لكن إذا وجد الإنسان غنية عن المسجد فله أن ينزح عن المسجد.

стр. 1810

جواز التخلي عن الأهل والولد إذا كانوا مشغلة المسألة الحادية والعشرون: جواز التخلي عن الأهل والولد إذا كانوا مشغله. فإن بعض الناس لا يستطيع أن يجمع بين الإيمان والعمل الصالح وكثرة الطاعات مع كثرة العيال، وهم المشغلة، فهؤلاء تخلوا عن الدنيا وجلسوا في المسجد، ولكن غيرهم ممن قام بشئون العيال والمال كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي خير منهم وأفضل عند الله. قيل للإمام أحمد: يا أبا عبد الله! لو تركت الزواج كان خيراً لك. قال: ولم؟ قالوا: لأن إبراهيم بن أدهم ترك الزواج. قال: أوه! يقول الله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨] أبمحمد نقتدي ﷺ أو بـ إبراهيم بن أدهم؟ فلذلك كان فعله ﷺ أجمل من كل فعل، فإنه ﷺ لم يتخلَّ بل جمع بين العمل الصالح وبين هذا. وقال الإمام أحمد لما قيل له في الزواج والأهل والأطفال، قال: والله! لبكاء الطفل عند رأسي يطلب مني كسرة خبز خير من قيام ليلة. لأنه يهديهم للإسلام ويربيهم، ومن أصلح جاريتين كن له حجاباً من النار. فالأهل بركة ونور، وما يأتي من مشقة وهموم وغموم فهو تكفير للخطايا والذنوب، ورفعة في الدرجات، وثواب عند الله ، فليحتسب العبد ذلك عند الله.

стр. 1811

التقلل من الدنيا المسألة الثانية والعشرون: فيه ما كان ﵊ من التقلل، فإنه تقلل حتى لقي الله وليس عنده من الدنيا لا قليل ولا كثير، وترك ما تركه صدقة وما ورث أهله شيئاً.

стр. 1812

أيهما أفضل: الغني الشاكر أم الفقير الصابر المسألة الثالثة والعشرون: مسألة أوردها ابن تيمية في الفتاوى، وهي هل الغني الشاكر أفضل أم الفقير الصابر؟ قال ابن تيمية: ألف بعض أهل العلم كتباً في هذا، والمسألة يسيرة والحمد لله، فبعضهم قال: الغني الشاكر أفضل؛ لأنه ينفق ويضيف ويعطي ويمنح. وقال بعضهم: الفقير الصابر أفضل لأنه صبر وأخذ وجاهد وتحمل. قال ابن تيمية: وليس بصحيح هذا الجواب. و الجواب أن أتقاهم لله هو أفضلهم، إن كان غنياً شاكراً وهو أتقى من الفقير الصابر فهو أتقى وأفضل، وإن كان الفقير صابراً وأتقى من الغني الشاكر فهو أتقى عند الله وأفضل. ولذلك تجد أن بعض الناس عنده ملايين، وهو أتقى لله من الفقير الذي لا يجد عشاء ليلة، وتجد بعض الفقراء تقياً لله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] فلا تسأل عن مال الإنسان ولا عن أولاده ولا عما عنده من تراث، ولكن اسأل عن تقواه لله ، فقيراً كان أو غيناً.

стр. 1813

انبساط الدنيا لا يكون على حساب الآخرة المسألة الرابعة والعشرون: من بسط له في دنياه لا يكون ذلك على حساب ثوابه. فإن المطاعم والمشارب والملابس التي نأخذها في الدنيا تنقص من أجرنا عند الله، ولا يزال العبد يهدب من ثمرته حتى ينهيها أو يبقيها. ولذلك دخلوا على خباب بن الأرت وهو يبني مزرعة له بالطين في المدينة، وهذا في الصحيح وقد اكتوى على بطنه سبع كيات، فقالوا: مالك؟ قال: كل شيء يؤجر فيه العبد إلا ما وضع في هذا التراب. أي: في البناء، ثم قال: والله لقد صحبنا رسول الله ﷺ وما كنا نجد شيئاً، ثم مات مصعب فما وجد كفناً، ومات حمزة فما وجد كفناً، ثم بكى كثيراً حتى نشغ، ثم قال: أما نحن فتدلت ثمرتنا فنحن نهدبها من ذاك اليوم. أي: أجرنا تدلى لنا فنهدب منه. فالأولى بالإنسان أن يأخذ الشيء الطيب ولكن لا يسرف فيه، يقول سبحانه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١] ولا يعتدي، ولكن يبحث عن مسترة حاله ويكون وسطاً في الناس، ليس بالملح ولا الذي يظهر التفقر والتمسكن وهو غني، وليس من الذي يظهر الترف والتعالي على الناس، وخير الأمور أوسطها، وليستتر بستر الله .

стр. 1814

أفضل الطعام المسألة الخامسة والعشرون: اللبن أفضل الطعام، ولذلك كرره البخاري في أبواب، والرسول ﷺ رأى في المنام أنه سلم إليه إناء من لبن فشرب منه حتى قال: ﴿رأيت الري يخرج من تحت أظفاري، ثم سلمت فضلي عمر بن الخطاب. قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم﴾. ﴿ولما عرج به ﷺ إلى السماء قدم له إناءان، إناء من خمر وإناء من لبن، فقالوا: اختر واحداً واشربه، فشرب الذي فيه اللبن، فقال جبريل: أصبت الفطرة، لو شربت الخمر غوت أمتك، ولكن شربت اللبن فصلحت أمتك بإذن الله﴾. فالحمد لله الذي أصلح هذه الأمة، وجعلها خاتمة الأمم، كما جعل محمداً ﷺ خاتم الأنبياء. نسأله كما جمعنا على ذكره وحديث رسوله ﷺ أن يجمعنا هناك مع الرسول ﷺ ، وأن يسقينا من حوضه، وأن يتقبل منا أعمالنا، وأن يتجاوز عن سيئاتنا، وأن يصلح سرائرنا وعلانيتنا وظاهرنا وباطننا، إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1815

شطر الإيمان إن الوضوء معلم من معالم الدين, فقد وردت فيه أحاديث كثيرة بعضها يبين فضائله، وبعضها يبين كيفيته، وأخرى تذكر ما يقال بعده من الأذكار. وفي هذه المادة الحديث عن هذه المسائل والأحكام.

стр. 1816

فضل الوضوء الحمد لله رب العالمين, الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء، إن الله على كل شيء قدير، ما يفتح الله لناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم. والحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور، والصلاة والسلام على رسول الإسلام, مكسر الأصنام, علم الأعلام، خير من صلى وصام، وحج البيت الحرام، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم, ما غرد على الأيك الحمام، وما تدفق بالودق الغمام، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: أيها المسلمون! فيا لسعادة أصحاب رسول الله ﷺ وهو يحدثهم عن الجنة ونعيمها وراحتها، لأن من أخذ هذه الدنيا داراً ومستقراً فقد أصابه الله بالحرمان، وكتب عليه الخذلان. يا متعب الجسم كم تسعى لراحته أتعبت نفسك فيما فيه خسران أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان يا عامراً لخراب الدار مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمران خرج عليهم ﷺ وهو يتحدث لهم عن نعيم الجنة, ثم قال: ﴿دخلت الجنة البارحة فسمعت دفّ نعليك يا بلال! فما كنت تصنع أو تفعل؟ قال: يا رسول الله! والله ما كنت كثير صيام ولا صلاة ولا صدقة، ولكن ما توضأت في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بعد الوضوء هذا ركعتين﴾.

стр. 1817

الوضوء معلم من معالم الدين إن الوضوء معلم من معالم هذا الدين، وليس في الدين قضايا سهلة ولا بسيطة، وليس فيه ورق ولا قشور، بل هو كله أصل ووحي من عند الله . أعظم قضايا الإسلام هي: لا إله إلا الله، وأيسرها إن كان فيه يسير: إماطة الأذى عن الطريق، لكن من قصد بكل قضية وجه الله أدخله الله الجنة، والعجيب أن لهذه الجنة أبواباً ثمانية. يقول عقبة بن عامر ﵁ وأرضاه: ﴿روحت إبلي عند المساء -وهذه رواية أحمد في المسند - قال: ثم أتيت رسول الله ﷺ فصليت معه العشاء فتأخر عن العشاء حتى ابهارّ الليل -أي: انتصف- ثم خرج ﵊ فصلى بنا، ثم تلبثت ليلة أخرى وقال لنا في تلك الليلة: أما ترون البدر؟ قلنا نعم يا رسول الله! قال: أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، قال: ثم جئت ليلة أخرى فروحت إبلي وأتيت فإذا الناس سكوت وإذا رسول الله ﷺ على المنبر يتحدث للناس، قال فسمعته يقول: من قال: رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً كان حقاً على الله أن يرضيه -أن يرضي قلبه وأن يشرح صدره ويرفع ذكره ويتولاه فيمن تولى- قال: فضربت بكفي اليمنى على اليسرى وقلت: ما أحسن هذا! فسمعني عمر ﵁ وكان جالساً بجانبي، فقال: التي قبلها أحسن منها، قلت: ما هي يا أبا حفص؟ قال: أما كنت معنا من أول هذه الليلة، قلت: لا. ما أتيت إلا متأخراً، قال: حدثنا رسول الله ﷺ فقال: من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء﴾ زاد الترمذي بعد الشهادة: ﴿اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين﴾ فهنيئاً لكم أيها المتوضئون! وهنيئاً لكم أيها المتطهرون! أبشروا وأمّلوا في ربكم ما يسركم، هنيئاً لكم, تتوضئون وغيركم من الملايين تمر عليهم السنوات لا يعرفون الوضوء، وهنيئاً لكم الطهارة وغيركم من الملايين يعيشون كعيشة الكلاب والخنازير لا يتطهرون، وهنيئاً لكم يعرفكم رسولكم ﷺ يوم القيامة بوضوئكم متطهرين متجملين يوم العرض الأكبر على الله. يقول أبو هريرة ﵁ وأرضاه: ﴿مر رسول الله ﷺ بـ بقيع الغرقد -بالمقبرة- فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ثم التفت إلى الصحابة ﷺ فقال: وددنا أننا رأينا إخواننا، قالوا: أولسنا نحن إخوانك يا رسول الله؟ قال: لا. أنتم أصحابي، ولكن إخواني قوم يقتدون بسنتي وما رأوني، قالوا: يا رسول الله! كيف تعرفهم بين الأمم يوم القيامة -يقصدون بين الملايين، بين أمم يحشرهم الله كالتراب في عدد الذر, أمة إبراهيم، ونوح، وموسى، وعيسى، والألوف من الرسل عليهم الصلاة والسلام- قالوا: كيف تعرف أمتك يا رسول الله! بين الأمم يوم القيامة؟ قال: أرأيتم لو كان لرجل خيل غر محجلة -أي: فيها بياض في وجوهها وأرجلها ويديها- بين خيل دهم ألا يعرف خيله؟ قلنا: بلى يا رسول الله! قال: فإن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء﴾ فيعرفك ﷺ وما قد رآك، لكن يعرف أنك من أمته، وأنك من أهل حزبه وملته، وأنك من الذين يَردون حوضه ويشربون من كوثره بعلامة الوضوء، وجهك يبرق كالقمر، وتبرق يداك ورجلاك كأسارير النور لأنك توضأت في الحياة الدنيا. فقل لـ بلال العزم من قلب صادق أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً به ترق أبواب الجنان الثمانيا

стр. 1818

الوضوء سبب للمغفرة في الأثر ﴿أن الله ينظر لعبده المؤمن إذا قام من فراشه في صلاة الفجر ينتفض, ويقوم خائفاً وجلاً من فراشه, فيعمد إلى الماء البارد فيتوضأ به في شدة البرودة، ثم يأتي إلى الصلاة فيقول الله لملائكته: يا ملائكتي! انظروا لعبدي المؤمن ترك فراشه الدافئ، ولحافه الوثير، وقام إلى الماء البارد يتوضأ, وقام إلي يناجيني ويتملقني أشهدكم أني غفرت له وأدخلته الجنة﴾. فيا لعظمة المسلم يوم يقوم من فراشه مع صلاة الفجر، وأهل النفاق والفجور والإعراض عن الله والغفلة في فرشهم متغمصون بنفاقهم وفجورهم! فيقوم إلى الماء البارد فيتوضأ ثم يرفع سبابته ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. وفي حديث حسن عنه ﷺ أنه قال: ﴿عجب ربك من ثلاثة - ولله أن يعجب من عبده يوم خلقه، وسواه في أحسن صورة وعدله، ويوم حفاه وكفاه وهداه، فإذا منحه الهداية عجب منه عجباً يليق بجلاله -قال: يعجب ربك من ثلاثة: أحدهم كان في قافلة, سافر مسافة طويلة حتى أتى آخر الليل، فأتى أهل القافلة إلى الأرض فقالوا: ما رأيكم لو نمنا، فألقوا أنفسهم على الأرض في نومة ما أحسن على المسافر منها, إلا أحدهم رفض النوم, وعمد إلى الماء البارد, فتوضأ منه فقام يصلي حتى الصباح فيقول الله لملائكته: يا ملائكتي! أشهدكم أني غفرت له وأدخلته الجنة، ترك النوم وقام يناجيني ويتملقني، ورجل ثانٍ: كان في سرية قاتلت الأعداء الكفار فانهزمت السرية عن بكرة أبيها إلا هذا الرجل لما رأى أصحابه انهزموا دعاهم إلى الله -ودعاهم إلى القتال, وإلى الرجوع- فأبوا عليه، فخلع درعه وسل سيفه ثم أقبل إلى العدو حاسراً فقاتل حتى قتل فيقول الله: أشهدكم أني غفرت له وأدخلته الجنة، ورجل ثالث: كان مع قوم فمروا بفقير مسكين -ليس معه إلا ما عند الله من الصبر واليقين- فمد يده إليهم يسألهم فتخلف أحدهم عنهم ومشى ذاك الركب، فلما تخلف -هذا الرجل الثالث- أخرج من جيبه ما يسر الله، فأعطاه هذا الفقير ومسح على رأسه, قال الله: أشهدكم أني غفرت له وأدخلته الجنة﴾.

стр. 1819

فضل الوضوء وعن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿الطهور شطر الإيمان, وسبحان الله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض, والصلاة نور والصبر ضياء, والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها﴾ رواه مسلم، وإنما جعل ﷺ الطهور شطر الإيمان؛ لأنه طهارة للظاهر، والباطن أمره عند صاحبه إذا طهره فقد استكمل الطهارة، فجعل ﷺ الطهارة أو الوضوء نصف الإيمان لأنه علامة اليقين، والله ثم والله، ثم والله، لا يحافظ على الوضوء إلا المؤمن، فإنه سر بين العبد وبين ربه الحي القيوم، ولا يعلم السر وأخفى إلا الله، ولا يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور إلا الله، ولا يعلم ما بينك وما تضمر, وما تسر إلا الله، بإمكان الرجل أن يصلي وعليه جنابة فلا يعرف الناس أن عليه جنابة، وبإمكانه أن يدخل المسجد وهو منتقض وضوؤه ولكن الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور هو الله، فإذا توضأت علم الله أنك مؤمن, وإذا حافظت على الوضوء علم الله أنك مسلم. عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال ﷺ : ﴿ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قلنا: بلى. يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط﴾ رواه مسلم، ومعنى إسباغ الوضوء على المكاره أن تسبغ وضوءك في شدة البرد، يوم ألا يمس المنافقون الماء البارد, ويتأذون به, فتقوم فتشرشر بالماء البارد على أعضائك الدافئة طلباً للفضل والأجر من الله، فيحت الله عنك الخطايا كما تحات الشجرة ورقها في شدة البرد, أو في الرياح الهائجة. وقال أبو هريرة: حدثنا رسول الله ﷺ ، وهو الصادق المصدوق -واستمعوا لطلاوة الحديث وحسنه- قال ﵊: ﴿إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت خطاياه من عينيه حتى تخرج مع آخر قطر الماء﴾ وفي رواية عند مسلم ﴿خرجت خطاياه التي نظر بها -أي: نظر بعينيه في خطأ أو في حرام خرجت من الوضوء مع آخر قطر الماء- فإذا تمضمض خرجت خطاياه مع آخر قطر الماء، فإذا غسل وجهه خرجت خطاياه مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرجت خطاياه مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت خطاياه مع آخر قطر الماء، ثم إذا أتى المسجد ما مشى خطوة إلا رفع له بها درجة, وحط عنه بها خطيئة, فإذا جلس ينتظر الصلاة جلست الملائكة تدعو له وتقول: اللهم اغفر له، اللهم اغفر له، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث﴾. فهل يطلب المسلم أجراً بعد هذا، أو يريد نشاطاً بعد هذا الترغيب لينشطه على عبادة الله. فيا من أراد أبواب الجنة! دونك أبوابها ثمانية فتحت لك، فتوضأ وادخل على الله من أقرب الأبواب وأيسرها، وتعال إلى المسجد طاهراً مطهراًَ من الذنوب والخطايا, فما أعظمك أيها المسلم! وهنيئاً مريئاً لك يوم تتوضأ كل يوم خمس مرات، وهنيئاً لك يوم تتطهر بالماء البارد فتخرج خطاياك من أعضائك، هنيئاً لك يوم تطلب رضوان الله، وجنته. فاعمل لدار غداً رضوان خازنها الجار أحمد والرحمن بانيها قصورها ذهب والمسك تربتها والزعفران حشيشٌ نابت فيها أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

стр. 1820

الوضوء سبب في تكفير الخطايا الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة السلام على سيد المرسلين وإمام المتقين وحجة الله على الناس أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: فإن من السعادة التي نحمد الله عليها : أن رزقنا الإسلام، فنسأله كما رزقنا وإياكم الإسلام أن يسترنا، وألا يفضحنا، وأن يصلح بواطننا وظواهرنا، وإن من النعيم كل النعيم أن تتلذذ بطاعة الله وبذكره بالوضوء لأداء فرائضه بتلاوة كلامه بالصيام له بمناجاته في غلس الليل بالصدقة بطلب مرضاته بحسن الخلق لرفع الدرجات عنده ولقد كان العلم عند السلف الصالح سهلاً يسيراً، عند أصحاب محمد ﷺ ، كان علمهم مسهلاً لم يعرفوا هذا التنظير العلمي الذي شغل أوقاتنا، وهذا الجدل العقيم الذي ضيع ساعاتنا، علمهم سهل يعلمون المسألة فيعملون بها؛ فيرزقهم الله علماً إلى علمهم؛ ولذلك أثر عنه ﷺ وقد حسن هذا الحديث: ﴿أن من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم﴾.

стр. 1821

كيفية الوضوء ولذلك دعا عثمان ﵁ أصحاب محمد ﷺ فاجتمعوا جميعاً فجلسوا عنده وهو خليفة، خارج المسجد، أتدرون لماذا دعاهم؟ هل يلقي عليهم محاضرات تستغرق الساعات الطويلة فيحدثهم عن مسائل غامضة لا يمكن أن يعملوا بها؟ لا. حدثهم في مسألة سهلة -فلما اجتمعوا قام فدعا بماء وضوء فلما أحضروه عنده توضأ فقال: ﴿باسم الله -في بعض الروايات، وفي بعضها- غسل يديه ثلاثاً، ثم تمضمض، واستنشق ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه: اليمنى ثلاثاً واليسرى ثلاثاً، ثم مسح رأسه فذهب بيديه إلى قفاه، ثم أعادهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثاً ثم اليسرى كذلك، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وضوئي هذا، وسمعته ﷺ يقول: من توضأ مثل وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه إلا غفر الله له خطاياه﴾ هذا هو الإسلام، وهذه هي المسائل العلمية وهذا هو عرض الصحابة للعلم وللإسلام، لا تكلف, توضؤ وتطبيق عملي, ثم استشهدهم على هذا الوضوء فشهدوا له، ثم أخبرهم أنه سمع الرسول ﷺ يقول: ﴿من توضأ كوضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه إلا غفر الله له﴾. ويقول أخوه وزميله وقرينه سيف الله المنتضى أبو الحسن أمير المؤمنين علي ﵁ وأرضاه: ﴿كان الصحابي من أصحاب محمد ﷺ إذا حدثني بالحديث عنه ﷺ استحلفته فإذا حلف صدقته فنفعني الله بذاك الحديث ما شاء، وحدثني أبو بكر الصديق وصدق أبو بكر -أي: لا يستحلف أبو بكر لأنه صادق مصدق من عند الله- قال: حدثني أن رسول الله ﷺ قال: من ألمَّ بذنب أو من ارتكب فاحشة أو من ظلم نفسه فتوضأ وصلى ركعتين ثم استغفر الله من ذاك الذنب غفر الله ذاك الذنب﴾. وهذا الحديث صحيح فاستبشروا به، فإذا ألمَّ أحد منكم بخطأ أو فاحشة, أو بظلم كبير فليذهب إلى الماء البارد وليتوضأ به وليطفئ نار الذنب, والخطيئة, وغضب الله, وليصل ركعتين ثم ليستغفر الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] ومن يغفر الذنوب، ويستر العيوب، ويتجاوز عن السيئات إلا الله، ومن يغفر للعبد ويرحمه، ويمجده، ويهديه إلا الله، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر٥٣] فاستبشروا بسنة الوضوء واستصحبوا السواك، وإذا توضأتم فارفعوا سباباتكم إلى الله، وأصابعكم إلى الحي القيوم, وأعلنوا الوحدانية قوية رائعة، وأعلنوها حية طلقة، قولوا: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله, يفتح الله لكم أبواب الجنة الثمانية, وتسلم عليكم الملائكة, ويدعو لكم المقربون, ويشهد لكم الأنبياء والرسل. فسلام على كل من توضأ, وأتى إلى بيت من بيوت الله منيباً، وسلام على من تطهر لله ظاهراً وباطناً. اللهم اجعلنا من التوابين والمتطهرين، اللهم كما طهرت أعضاءنا بالماء البارد فطهر قلوبنا من النفاق، والكفر، والغش، والكبر، والحقد, والرياء والحسد, والغل, يا رب العالمين. اللهم كما سترت ظواهرنا من العيوب، والجروح، والأمراض فاستر بواطننا. اللهم كما أغفيت عنا لباس الستر في الدنيا, فلا تفضحنا على رءوس الأشهاد يوم نأتيك حفاة عراة غرلاً بهماً تسمعنا بالداعي وينفذنا بالبصر. عباد الله! وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه, فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى عليّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد, واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين! اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم إلى ما تحبه وترضاه يا رب العالمين، اللهم اهدهم سبل السلام، اللهم تب عليهم وكفّر عنهم سيئاتهم وخطاياهم. اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، ولرفع رايتك، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان وفي فلسطين، وفي كل أرض من بلادك يا رب العالمين، اللهم ثبت أقدام المجاهدين، اللهم أنزل السكينة عليهم، اللهم اجعل لهم مدداً من توفيقك ونصرك، اللهم اجعل كلمتك مرفوعة على بنادقهم، اللهم سدد سهامهم في نحور أعدائهم، اللهم من أراد بالإسلام مكيدة فالعنه كل لعنة، واشغله بنفسه، ودمره تدميراً، ومزقه كل ممزق إنك على كل شيء قدير. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون, وسلام على المرسلين, والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 1822

المعتدون على حرم الله إن الله أنزل كتاباً مباركاً متضمناً للأحكام والعبر والعظات، فتارة يأتي عن طريق الترغيب، وتارة عن طريق الزجر والوعيد وذِكر أخبار الأمم الماضية وما حل بها من عذاب الله. واليوم أخي الحبيب هلم بنا لنعش مع القرآن ونتدبر بعض هذه الأخبار والقصص في سورة الفيل وما فعل الله بأصحابه.

стр. 1823

وقفات مع سورة الفيل الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون. الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير. الحمد لله الذي كسَّر برسالة محمد ﷺ ظهور الأكاسرة، وقصّر بمبعثه آمال القياصرة، الذين طغوا وبغوا حتى أرداهم ظلمهم في الحافرة. والصلاة والسلام على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، المبعوث بالخُلق الجميل، وبالدين الجليل، الذي كان مولده يوم رد الله أصحاب الفيل، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: نقف اليوم وقفةً مع سورة عظيمة، وهذه السورة تروي قصة تاريخية وحدثاً عظيماً يمتن الله بها على أهل الجزيرة العربية، وكأن لسان الحال يقول:" يا أهل الجزيرة! أما رددنا عنكم المعتدي وحميناكم من الظالم؟ يا أهل الجزيرة! أما منعناكم من المستعمر الأجنبي فكيف تقابلون نعم الله، ودينه ورسالتة؟! وملخص القصة: أن أبرهة الأشرم -الملك الحبشي الذي تولى الملك في اليمن، وكانت عاصمته صنعاء - غضب من وجود بيت الله الحرام، فبنى في صنعاء كعبة عظيمة هائلة طويلة شاهقة، زخرفها وبناها وليته اكتفى -هذا العميل الضال المجرم- بهذا الفعل فقط، بل دعا الناس لحج هذا البيت الذي بناه، وصرف وجوه الناس إلى كعبته التي أسست على الظلم والفجور وعلى المكر والعناد، وكانت تسمى: القُلَّيس، إذا نظر إليها الناظر، سقطت قلنسوته من على رأسه، فلما دعا الناس لحجها؛ غضبت العرب قحطانية وعدنانية، وأرسلت قريش شباباً في ظلام الليل، فدخلوا كعبة أبرهة وأضرموا فيها النيران، فغضب وأرسل جواسيسه لأخذ الخبر، فأخبروه أن قريشاً هي التي أججت بيته وأحرقته، فأعلن الحرب على بيت الله، سبحان الله! يحارب الله! أيها المعتدي رويداً رويداً إن بطش الإله كان شديدا إن بطش الإله أهلك فرعون وعاداً من قبلكم وثمودا وتهيأ لهدم الكعبة، وسمعت العرب أنه سيخترق الجزيرة العربية من جنوبها إلى شمالها ليصل إلى مكة، وقامت قيامة العرب، لكن ماذا يستطيعون أن يقدموا؟ خرج بجيش قوامه ستون ألفاً معهم اثنا عشر فيلاً أكبرها وبطلها وشجاعها: محمود، ومهمته أن يتقدم الجيش وعلى متنه أبرهة الأشرم الظالم الضال، وسمعت قبائل اليمن بذلك، فغاضهم هذا، وإلا فهم وثنيون مشركون لكن العرف العربي سرى في أجسادهم، فاستنفروا قبائلهم واعترضوه، ولكنه سحقهم وقطع دابرهم، وأخذ يخترق جبال السروات والصحيح أنه أتى من الجبال المطلة على تهامة، وسمعت خثعم بقدومه، فأعلنت الحرب عليه، وقاد قائدهم نفيل بن حبيب الخثعمي - كما قال أهل السير -ونازلوه في جبال خثعم وبالخصوص قبيلة شهدان وناهس، فسحقهم لأمر أراده الله، ليري الله أهل الجزيرة كيف حماهم ووقاهم ورعاهم، وأخذ يخترق الجبال حتى وصل إلى الطائف فاستقبله أهل الطائف وقدموا له الخدمات - وهذا شأن العميل الذنب، الذي يحب المستعمر الأجنبي ويقدم له الخدمات على دماء قومه وعلى شرفه وعرضه وملكه وملك أجداده- وما اكتفوا بذلك؛ بل قام أبو رغال أحدهم، فدل أبرهة على طريق مكة من الهدى، ولذلك لما مات أبو رغال كان العرب يرجمون قبره غضباً لبيتهم ولدين آبائهم، ونزل أبرهة الأشرم وأتى موعود الله ونصره فأخذه. وتمركز أبرهة في المغمّس قريباً من الحرم، وقريباً من وادي محسر وأخذ جيشه الظالم يغير على سوارح مكة وعلى إبلها وغنمها فيسبيها. ولما سمع عبد المطلب جد المصطفى ﷺ وكان رجلاً شهماً سيد مكة وابن سادتها، وكان له مائتان من الجمال أخذها أبرهة وجيشه، لبس لباسه وتوجه إلى أبرهة، وسمع بقدومه أبرهة، فلما رأى عبد المطلب وجلالته وسمته ووسامته نزل من على كرسيه وعانقه وأجلسه معه على البساط، فقال يا عبد المطلب! - بواسطة الترجمان-: ماذا تريد؟ قال: أريد جمالي التي أخذها جيشك، فقهقه أبرهة وضحك مستعلياً مستهزئاً، قال: لما أتيت ظننت أن فيك عقلاً، فأنا أتيت لآخذ بيتك وبيت أجدادك وآبائك، فلما كلمتني في الجمال احتقرتك واستصغرتك. قال عبد المطلب: أنا رب الجمال، وللبيت رب يحميه. أنا رب الجمال آخذها وأمنعها ولو أن ربها هو الله، لكن البيت لا نحميه، وإنما يحميه الذي أمر ببنائه، والذي أمر خليله أن يدعو الناس لحجه يحميه الذي سوّى سمكه ورفع بنيانه، فأخذ جماله وولى وترك المشهد هكذا. وفي الصباح أراد عدو الله أن يتقدم ليهدم الكعبة -أول بيتٍ أسس على التقوى على لا إله إلا الله، وبعثت منه الرسالة الخالدة، وانطلقت منه الأجيال، لترد أهل الطاغوت إلى الحق، وأهل الظلام إلى النور، وأهل الغي إلى الرشد- وأراد أبرهة أن يذهب بجيشه وفيلته فإذا أصبح عند الكعبة، ربط الجدران بالفيلة، ثم زجرها ليهوي البيت مرة واحدة، لكن الذي في السماء يرى ويبصر، والذي فوق سبع سماوات لا يغلبه غالب، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥١ - ٥٢]. أما عبد المطلب جد الرسول ﵊ وكان مشركاً، وكانوا إذا اشتدت بهم الأزمات، هربوا إلى الله، وإذا حلقت بهم فزعوا إلى الله، وإذا أدركهم الخسف والموت والهلاك دعوا الله، قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥]. أتى عبد المطلب في الصباح، فأخذ بحلق الكعبة وأخذ يهزها، ويقول: لاهم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك لا يغلبن صليبهم ومحالهم أبداً محالك ثم ولَّى ودعا القرشيين إلى أن يخرجوا إلى الجبال، فأخذوا أطفالهم وقد اختلط صوت بكاء الرجال والنساء والأطفال، وأخذت المواشي تهرب من مكة، والحمام يهاجر ويفر خوفاً وهرباً من اعتداء الظالم، وأخذوا يستعصمون بالجبال، ولا عاصم من أمر الله إلا الله.

стр. 1824

حماية الله لبيته أعلن أبرهة القدوم إلى الكعبة، فلما أصبح في وادي محسر قال للجيش: وجهوا الفيل "محمود" إلى الكعبة، فكلما وجهوه رد رأسه إلى غير الكعبة، فيضربونه فيلزم مكانه، فيوجهونة يمنة ويسرة وخلفاً فيعود ويمشي، فإذا وجهوه إلى البيت العتيق برك مكانه، ضربوه ووخزوه بالسيوف والرماح فأبى، لأن الله أنزل في خَلَده أن هذا البيت بيته، وأن هذه كعبته لا يمكن أن يتجرأ عليها معتدٍ أو يهجم عليها غاشم، سبحان الله! وبينما هم يحاولون مع الفيل في وادي محسر في المغمس وإذا بالله من فوق سبع سماوات لم يقاتل أبرهة بجنودٍ ولا بملائكة؛ فـ أبرهة أقل وأذل وأضل من أن يقاتل بجنود، ولم يرسل عليه طوفاناً فهو ذليل خسيس حقير، ولم يأمر الجبال أن تصطدم عليه فهو حقيرٌ وصغيرٌ، ولم يزلزل عليه الأرض لأن سنة الله في الجبابرة والكفار أن يحاربهم بأصغر الحشرات، فقد حارب فرعون بالجراد والقمل والضفادع، وحارب النمرود بالبعوض، وأما أبرهة فأمر الله طيراً أتت من البحر كالخطاطيف واحدها أبيل، وهي طيور كثيرة خرجت من صباح ذاك اليوم الذي أعلن فيه أبرهة الهجوم على بيت الله، وأخذت ترسم طلعات على سماء مكة لترى مواقع العدو الفاجر وأعداء الله الخاسرين، وعادت لتقصف مواقع الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر. قال ابن عباس: [[كانت طيراً خضراً يحمل كل طائر ثلاثة من الحجارة: حجرين في أرجلها وحجر في منقارها، فإذا أصبح فوق الجيش أطلق وصاح بصوت له أزيز في السماء فتقع الحجارة وعليها أسماء جنود أبرهة لئلا يأخذ أحد غير نصيبه]] كل بقسطه وحظه وجائزته التي ألحقت به العار والشنار واللعنة والمقت، وأخذت الطير من البحر تقف كالخطاطيف، وأهل مكة يصيحون مذهولين مما رأوا من العجب العجاب! وأخذت الطيور تغطي الشمس عن الناس حتى أصبحت كالسحب المتكاثفة أو كالغمام، وأما الحجارة فأخذت تنزل بعمق. يقول مجاهد: [[لا تنزل في رأس الكافر إلا نزلت من دبره، ولا تأتي من جنبه إلا نزلت من الجنب الآخر]]. سبحان الله! ما أعظم الله وما أجله يا أهل الجزيرة! كيف منعكم وحماكم؟ كيف أعلى بيتكم ورد المعتدي على الكعبة فلماذا لا تشكرونه؟ أبعد هذه المنة من منة؟! لاوالله. وقتل الجيش وأصبح بعضه على بعض كالعصيف -وهو الزرع إذا عصف وأكل وديس بالأرجل- أما أبرهة الأشرم فعاد وأصبح يتقطع في الطريق إصبعاً إصبعاً وقطعةً قطعةً حتى ما وصل اليمن إلا وهو كفرخ الطائر، ولما وصل صنعاء أخذ المرض ينخر قلبه حتى مات وهو كالعصفور. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١] ألم تر قوة الله وعظمته؟ ألم تر يا محمد! ويا كل مكلف مسلم! ماذا فعل الله بالأعداء؟ كيف دمرهم وقطع دابرهم؟ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١] ولم يقل: أصحاب أبرهة، فـ أبرهة حقير لا يذكر في مثل هذه المواطن، إنما جعلوا رئيسهم الفيل فهو صاحبهم وقائدهم، وقد ضل من كان قائده فيله وحماره وثوره؟ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل:١ - ٢] في تباب وضلال وخسار ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:٤ - ٥]. هذه قصة من قصص التاريخ التي أثبتها القرآن وذكر الله بها المسلمين وأهل الجزيرة، وكأن الله يقول لهم:" الله هو الذي بنى لكم البيت، ورد عنكم المستعمر، وقتل الأجنبي الكافر، فلماذا لا تعبدونه؟! ولماذا لا توحدونه؟! ولماذا لا تشكرونه؟! فيا أهل البيت العتيق! ويا خدمة بيوت الله! ويا من عاش في مهبط الوحي! ويا جيرة بيت الله! اتقوا الله في أنفسكم، واذكروا نعم الله عليكم ولا تخافوا على هذه المقدسات فالله يحميها، لكن احموا أنفسكم بالطاعة، ووحدوا الله واشكروه فلا خوف على بيوت الله، فإنه يحميها، لكن الخوف عليكم أنتم من معاصيكم وتعديكم لحدود الله، واقترافكم لمحرمات الله. أسأل الله لي ولكم الهداية والثبات، والرشد والسداد، والتوفيق والعون. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

стр. 1825

وقفة مع سورة قريش الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذِّكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسلمياً كثيراً. أمَّا بَعْد: فإلحاقاً لهذه السورة يقول الله ﵎: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:١ - ٤]. يقول الله من أجل اجتماع قريش وائتلافهم واستيطانهم وأمنهم وعيشهم: جعلنا لهم رحلة الشتاء والصيف، وأمنَّاهم من العدو، وأشبعناهم من المجاعة، فلماذا يشركون بالله قاتلهم الله؟! ولماذا يريدون إلهاً غير الله أنى يؤفكون؟! كيف ينعم الله عليهم ويؤمنهم ويعبدون غيره؟! عجباً للإنسان ولعقله يوم ينعم الله عليه ويرزقه الأمن في الأوطان، والصحة في الأبدان، والعافية والشباب، والمكانة والرغد والسعادة، ثم يعبد غير الله! وقد ورد في كتاب الزهد للإمام أحمد: أن رسول الله ﷺ قال: ﴿يقول الله ﵎: عجباً لك يابن آدم! خلقتك وتعبد غيري، ورزقتك وتشكر سواي، أتحبب إليك بالنعم وأنا غني عنك، وتتبغض إلي بالمعاصي وأنت فقير إليَّ، خيري إليك نازل وشرك إلي صاعد﴾ عجباً للإنسان الذي لا يذكر نعم الله عليه! ولذلك يقرر الله العباد بنعمه ، فيقول: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ﴾ [قريش:١ - ٢] لاجتماعهم وأمنهم ورغدهم جعلنا لهم رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٣ - ٤] ومكة خالية من الثمار والزروع، قاحلة جافة، لا بساتين ولا حدائق ولا أعناب ولا نخل، ولكن إبراهيم ﵇ أخذ من الله عهداً أن يشبع جائعهم، ويطعم فقيرهم، ويكسو عاريهم: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧]. أما رأيتم يا أهل الجزيرة! نعم الله عليكم وبلادكم قاحلة جافة صحراوية؟! ولكن لدعوة إبراهيم أتت كل الثمار من أنحاء الدنيا، وكل الخضروات والفواكه تأتي طازجة تحملها الطائرات من مدن العالم لتغذيكم في جزيرتكم علَّكم تعرفون نعم الله وتشكرونه، وعلَّكم تعودون إلى أمر الله ﵎. والحجيج ملايين مملينة ما شكى أحدهم قلة الخبز أو الفاكهة أو الماء، وهذا لدعوة إبراهيم، لكن يوم أن نترك أمر الله، ونتعدَّى حدوده، وننتهك حرماته، يسلب الله عنَّا النعم، ويزيل عنَّا الأمن، فليس عندنا عهد من الله ألا يأخذنا أخذ عزيز مقتدر. قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢]. إن معنى بقاء الأمن والعيش ورغد الحياة والستر والعافية هو أن نبقى مع الله ، وأن نقوم بأوامره، وأن نعرف بيوت الله ونتلو كتابه، ونكون على سنة رسوله ﷺ . عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة واحدةً، صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ على حبيبك ونبيك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم اجمع كلمة المسلمين، ووحد صفوفهم، وخذ بأيديهم لما تحبه وترضاه. اللهم أخرجهم من الظلمات إلى النور، وأرهم الحق حقاً وارزقهم اتباعه، وأرهم الباطل باطلاً وارزقهم اجتنابه يا رب العالمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم ردهم إليك رداً جميلاً، اللهم كفِّر عنهم سيئاتهم، وأصلح بالهم، واهدهم سبل السلام يا رب العالمين. ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
следующие страницы →