← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

كيفية الوضوء ولذلك دعا عثمان ﵁ أصحاب محمد ﷺ فاجتمعوا جميعاً فجلسوا عنده وهو خليفة، خارج المسجد، أتدرون لماذا دعاهم؟ هل يلقي عليهم محاضرات تستغرق الساعات الطويلة فيحدثهم عن مسائل غامضة لا يمكن أن يعملوا بها؟ لا. حدثهم في مسألة سهلة -فلما اجتمعوا قام فدعا بماء وضوء فلما أحضروه عنده توضأ فقال: ﴿باسم الله -في بعض الروايات، وفي بعضها- غسل يديه ثلاثاً، ثم تمضمض، واستنشق ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه: اليمنى ثلاثاً واليسرى ثلاثاً، ثم مسح رأسه فذهب بيديه إلى قفاه، ثم أعادهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثاً ثم اليسرى كذلك، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وضوئي هذا، وسمعته ﷺ يقول: من توضأ مثل وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه إلا غفر الله له خطاياه﴾ هذا هو الإسلام، وهذه هي المسائل العلمية وهذا هو عرض الصحابة للعلم وللإسلام، لا تكلف, توضؤ وتطبيق عملي, ثم استشهدهم على هذا الوضوء فشهدوا له، ثم أخبرهم أنه سمع الرسول ﷺ يقول: ﴿من توضأ كوضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه إلا غفر الله له﴾. ويقول أخوه وزميله وقرينه سيف الله المنتضى أبو الحسن أمير المؤمنين علي ﵁ وأرضاه: ﴿كان الصحابي من أصحاب محمد ﷺ إذا حدثني بالحديث عنه ﷺ استحلفته فإذا حلف صدقته فنفعني الله بذاك الحديث ما شاء، وحدثني أبو بكر الصديق وصدق أبو بكر -أي: لا يستحلف أبو بكر لأنه صادق مصدق من عند الله- قال: حدثني أن رسول الله ﷺ قال: من ألمَّ بذنب أو من ارتكب فاحشة أو من ظلم نفسه فتوضأ وصلى ركعتين ثم استغفر الله من ذاك الذنب غفر الله ذاك الذنب﴾. وهذا الحديث صحيح فاستبشروا به، فإذا ألمَّ أحد منكم بخطأ أو فاحشة, أو بظلم كبير فليذهب إلى الماء البارد وليتوضأ به وليطفئ نار الذنب, والخطيئة, وغضب الله, وليصل ركعتين ثم ليستغفر الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] ومن يغفر الذنوب، ويستر العيوب، ويتجاوز عن السيئات إلا الله، ومن يغفر للعبد ويرحمه، ويمجده، ويهديه إلا الله، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر٥٣] فاستبشروا بسنة الوضوء واستصحبوا السواك، وإذا توضأتم فارفعوا سباباتكم إلى الله، وأصابعكم إلى الحي القيوم, وأعلنوا الوحدانية قوية رائعة، وأعلنوها حية طلقة، قولوا: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله, يفتح الله لكم أبواب الجنة الثمانية, وتسلم عليكم الملائكة, ويدعو لكم المقربون, ويشهد لكم الأنبياء والرسل. فسلام على كل من توضأ, وأتى إلى بيت من بيوت الله منيباً، وسلام على من تطهر لله ظاهراً وباطناً. اللهم اجعلنا من التوابين والمتطهرين، اللهم كما طهرت أعضاءنا بالماء البارد فطهر قلوبنا من النفاق، والكفر، والغش، والكبر، والحقد, والرياء والحسد, والغل, يا رب العالمين. اللهم كما سترت ظواهرنا من العيوب، والجروح، والأمراض فاستر بواطننا. اللهم كما أغفيت عنا لباس الستر في الدنيا, فلا تفضحنا على رءوس الأشهاد يوم نأتيك حفاة عراة غرلاً بهماً تسمعنا بالداعي وينفذنا بالبصر. عباد الله! وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه, فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى عليّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد, واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين! اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم إلى ما تحبه وترضاه يا رب العالمين، اللهم اهدهم سبل السلام، اللهم تب عليهم وكفّر عنهم سيئاتهم وخطاياهم. اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، ولرفع رايتك، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان وفي فلسطين، وفي كل أرض من بلادك يا رب العالمين، اللهم ثبت أقدام المجاهدين، اللهم أنزل السكينة عليهم، اللهم اجعل لهم مدداً من توفيقك ونصرك، اللهم اجعل كلمتك مرفوعة على بنادقهم، اللهم سدد سهامهم في نحور أعدائهم، اللهم من أراد بالإسلام مكيدة فالعنه كل لعنة، واشغله بنفسه، ودمره تدميراً، ومزقه كل ممزق إنك على كل شيء قدير. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون, وسلام على المرسلين, والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 1822

المعتدون على حرم الله إن الله أنزل كتاباً مباركاً متضمناً للأحكام والعبر والعظات، فتارة يأتي عن طريق الترغيب، وتارة عن طريق الزجر والوعيد وذِكر أخبار الأمم الماضية وما حل بها من عذاب الله. واليوم أخي الحبيب هلم بنا لنعش مع القرآن ونتدبر بعض هذه الأخبار والقصص في سورة الفيل وما فعل الله بأصحابه.

стр. 1823

وقفات مع سورة الفيل الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون. الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير. الحمد لله الذي كسَّر برسالة محمد ﷺ ظهور الأكاسرة، وقصّر بمبعثه آمال القياصرة، الذين طغوا وبغوا حتى أرداهم ظلمهم في الحافرة. والصلاة والسلام على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، المبعوث بالخُلق الجميل، وبالدين الجليل، الذي كان مولده يوم رد الله أصحاب الفيل، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: نقف اليوم وقفةً مع سورة عظيمة، وهذه السورة تروي قصة تاريخية وحدثاً عظيماً يمتن الله بها على أهل الجزيرة العربية، وكأن لسان الحال يقول:" يا أهل الجزيرة! أما رددنا عنكم المعتدي وحميناكم من الظالم؟ يا أهل الجزيرة! أما منعناكم من المستعمر الأجنبي فكيف تقابلون نعم الله، ودينه ورسالتة؟! وملخص القصة: أن أبرهة الأشرم -الملك الحبشي الذي تولى الملك في اليمن، وكانت عاصمته صنعاء - غضب من وجود بيت الله الحرام، فبنى في صنعاء كعبة عظيمة هائلة طويلة شاهقة، زخرفها وبناها وليته اكتفى -هذا العميل الضال المجرم- بهذا الفعل فقط، بل دعا الناس لحج هذا البيت الذي بناه، وصرف وجوه الناس إلى كعبته التي أسست على الظلم والفجور وعلى المكر والعناد، وكانت تسمى: القُلَّيس، إذا نظر إليها الناظر، سقطت قلنسوته من على رأسه، فلما دعا الناس لحجها؛ غضبت العرب قحطانية وعدنانية، وأرسلت قريش شباباً في ظلام الليل، فدخلوا كعبة أبرهة وأضرموا فيها النيران، فغضب وأرسل جواسيسه لأخذ الخبر، فأخبروه أن قريشاً هي التي أججت بيته وأحرقته، فأعلن الحرب على بيت الله، سبحان الله! يحارب الله! أيها المعتدي رويداً رويداً إن بطش الإله كان شديدا إن بطش الإله أهلك فرعون وعاداً من قبلكم وثمودا وتهيأ لهدم الكعبة، وسمعت العرب أنه سيخترق الجزيرة العربية من جنوبها إلى شمالها ليصل إلى مكة، وقامت قيامة العرب، لكن ماذا يستطيعون أن يقدموا؟ خرج بجيش قوامه ستون ألفاً معهم اثنا عشر فيلاً أكبرها وبطلها وشجاعها: محمود، ومهمته أن يتقدم الجيش وعلى متنه أبرهة الأشرم الظالم الضال، وسمعت قبائل اليمن بذلك، فغاضهم هذا، وإلا فهم وثنيون مشركون لكن العرف العربي سرى في أجسادهم، فاستنفروا قبائلهم واعترضوه، ولكنه سحقهم وقطع دابرهم، وأخذ يخترق جبال السروات والصحيح أنه أتى من الجبال المطلة على تهامة، وسمعت خثعم بقدومه، فأعلنت الحرب عليه، وقاد قائدهم نفيل بن حبيب الخثعمي - كما قال أهل السير -ونازلوه في جبال خثعم وبالخصوص قبيلة شهدان وناهس، فسحقهم لأمر أراده الله، ليري الله أهل الجزيرة كيف حماهم ووقاهم ورعاهم، وأخذ يخترق الجبال حتى وصل إلى الطائف فاستقبله أهل الطائف وقدموا له الخدمات - وهذا شأن العميل الذنب، الذي يحب المستعمر الأجنبي ويقدم له الخدمات على دماء قومه وعلى شرفه وعرضه وملكه وملك أجداده- وما اكتفوا بذلك؛ بل قام أبو رغال أحدهم، فدل أبرهة على طريق مكة من الهدى، ولذلك لما مات أبو رغال كان العرب يرجمون قبره غضباً لبيتهم ولدين آبائهم، ونزل أبرهة الأشرم وأتى موعود الله ونصره فأخذه. وتمركز أبرهة في المغمّس قريباً من الحرم، وقريباً من وادي محسر وأخذ جيشه الظالم يغير على سوارح مكة وعلى إبلها وغنمها فيسبيها. ولما سمع عبد المطلب جد المصطفى ﷺ وكان رجلاً شهماً سيد مكة وابن سادتها، وكان له مائتان من الجمال أخذها أبرهة وجيشه، لبس لباسه وتوجه إلى أبرهة، وسمع بقدومه أبرهة، فلما رأى عبد المطلب وجلالته وسمته ووسامته نزل من على كرسيه وعانقه وأجلسه معه على البساط، فقال يا عبد المطلب! - بواسطة الترجمان-: ماذا تريد؟ قال: أريد جمالي التي أخذها جيشك، فقهقه أبرهة وضحك مستعلياً مستهزئاً، قال: لما أتيت ظننت أن فيك عقلاً، فأنا أتيت لآخذ بيتك وبيت أجدادك وآبائك، فلما كلمتني في الجمال احتقرتك واستصغرتك. قال عبد المطلب: أنا رب الجمال، وللبيت رب يحميه. أنا رب الجمال آخذها وأمنعها ولو أن ربها هو الله، لكن البيت لا نحميه، وإنما يحميه الذي أمر ببنائه، والذي أمر خليله أن يدعو الناس لحجه يحميه الذي سوّى سمكه ورفع بنيانه، فأخذ جماله وولى وترك المشهد هكذا. وفي الصباح أراد عدو الله أن يتقدم ليهدم الكعبة -أول بيتٍ أسس على التقوى على لا إله إلا الله، وبعثت منه الرسالة الخالدة، وانطلقت منه الأجيال، لترد أهل الطاغوت إلى الحق، وأهل الظلام إلى النور، وأهل الغي إلى الرشد- وأراد أبرهة أن يذهب بجيشه وفيلته فإذا أصبح عند الكعبة، ربط الجدران بالفيلة، ثم زجرها ليهوي البيت مرة واحدة، لكن الذي في السماء يرى ويبصر، والذي فوق سبع سماوات لا يغلبه غالب، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥١ - ٥٢]. أما عبد المطلب جد الرسول ﵊ وكان مشركاً، وكانوا إذا اشتدت بهم الأزمات، هربوا إلى الله، وإذا حلقت بهم فزعوا إلى الله، وإذا أدركهم الخسف والموت والهلاك دعوا الله، قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥]. أتى عبد المطلب في الصباح، فأخذ بحلق الكعبة وأخذ يهزها، ويقول: لاهم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك لا يغلبن صليبهم ومحالهم أبداً محالك ثم ولَّى ودعا القرشيين إلى أن يخرجوا إلى الجبال، فأخذوا أطفالهم وقد اختلط صوت بكاء الرجال والنساء والأطفال، وأخذت المواشي تهرب من مكة، والحمام يهاجر ويفر خوفاً وهرباً من اعتداء الظالم، وأخذوا يستعصمون بالجبال، ولا عاصم من أمر الله إلا الله.

стр. 1824

حماية الله لبيته أعلن أبرهة القدوم إلى الكعبة، فلما أصبح في وادي محسر قال للجيش: وجهوا الفيل "محمود" إلى الكعبة، فكلما وجهوه رد رأسه إلى غير الكعبة، فيضربونه فيلزم مكانه، فيوجهونة يمنة ويسرة وخلفاً فيعود ويمشي، فإذا وجهوه إلى البيت العتيق برك مكانه، ضربوه ووخزوه بالسيوف والرماح فأبى، لأن الله أنزل في خَلَده أن هذا البيت بيته، وأن هذه كعبته لا يمكن أن يتجرأ عليها معتدٍ أو يهجم عليها غاشم، سبحان الله! وبينما هم يحاولون مع الفيل في وادي محسر في المغمس وإذا بالله من فوق سبع سماوات لم يقاتل أبرهة بجنودٍ ولا بملائكة؛ فـ أبرهة أقل وأذل وأضل من أن يقاتل بجنود، ولم يرسل عليه طوفاناً فهو ذليل خسيس حقير، ولم يأمر الجبال أن تصطدم عليه فهو حقيرٌ وصغيرٌ، ولم يزلزل عليه الأرض لأن سنة الله في الجبابرة والكفار أن يحاربهم بأصغر الحشرات، فقد حارب فرعون بالجراد والقمل والضفادع، وحارب النمرود بالبعوض، وأما أبرهة فأمر الله طيراً أتت من البحر كالخطاطيف واحدها أبيل، وهي طيور كثيرة خرجت من صباح ذاك اليوم الذي أعلن فيه أبرهة الهجوم على بيت الله، وأخذت ترسم طلعات على سماء مكة لترى مواقع العدو الفاجر وأعداء الله الخاسرين، وعادت لتقصف مواقع الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر. قال ابن عباس: [[كانت طيراً خضراً يحمل كل طائر ثلاثة من الحجارة: حجرين في أرجلها وحجر في منقارها، فإذا أصبح فوق الجيش أطلق وصاح بصوت له أزيز في السماء فتقع الحجارة وعليها أسماء جنود أبرهة لئلا يأخذ أحد غير نصيبه]] كل بقسطه وحظه وجائزته التي ألحقت به العار والشنار واللعنة والمقت، وأخذت الطير من البحر تقف كالخطاطيف، وأهل مكة يصيحون مذهولين مما رأوا من العجب العجاب! وأخذت الطيور تغطي الشمس عن الناس حتى أصبحت كالسحب المتكاثفة أو كالغمام، وأما الحجارة فأخذت تنزل بعمق. يقول مجاهد: [[لا تنزل في رأس الكافر إلا نزلت من دبره، ولا تأتي من جنبه إلا نزلت من الجنب الآخر]]. سبحان الله! ما أعظم الله وما أجله يا أهل الجزيرة! كيف منعكم وحماكم؟ كيف أعلى بيتكم ورد المعتدي على الكعبة فلماذا لا تشكرونه؟ أبعد هذه المنة من منة؟! لاوالله. وقتل الجيش وأصبح بعضه على بعض كالعصيف -وهو الزرع إذا عصف وأكل وديس بالأرجل- أما أبرهة الأشرم فعاد وأصبح يتقطع في الطريق إصبعاً إصبعاً وقطعةً قطعةً حتى ما وصل اليمن إلا وهو كفرخ الطائر، ولما وصل صنعاء أخذ المرض ينخر قلبه حتى مات وهو كالعصفور. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١] ألم تر قوة الله وعظمته؟ ألم تر يا محمد! ويا كل مكلف مسلم! ماذا فعل الله بالأعداء؟ كيف دمرهم وقطع دابرهم؟ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١] ولم يقل: أصحاب أبرهة، فـ أبرهة حقير لا يذكر في مثل هذه المواطن، إنما جعلوا رئيسهم الفيل فهو صاحبهم وقائدهم، وقد ضل من كان قائده فيله وحماره وثوره؟ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل:١ - ٢] في تباب وضلال وخسار ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:٤ - ٥]. هذه قصة من قصص التاريخ التي أثبتها القرآن وذكر الله بها المسلمين وأهل الجزيرة، وكأن الله يقول لهم:" الله هو الذي بنى لكم البيت، ورد عنكم المستعمر، وقتل الأجنبي الكافر، فلماذا لا تعبدونه؟! ولماذا لا توحدونه؟! ولماذا لا تشكرونه؟! فيا أهل البيت العتيق! ويا خدمة بيوت الله! ويا من عاش في مهبط الوحي! ويا جيرة بيت الله! اتقوا الله في أنفسكم، واذكروا نعم الله عليكم ولا تخافوا على هذه المقدسات فالله يحميها، لكن احموا أنفسكم بالطاعة، ووحدوا الله واشكروه فلا خوف على بيوت الله، فإنه يحميها، لكن الخوف عليكم أنتم من معاصيكم وتعديكم لحدود الله، واقترافكم لمحرمات الله. أسأل الله لي ولكم الهداية والثبات، والرشد والسداد، والتوفيق والعون. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

стр. 1825

وقفة مع سورة قريش الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذِّكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسلمياً كثيراً. أمَّا بَعْد: فإلحاقاً لهذه السورة يقول الله ﵎: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:١ - ٤]. يقول الله من أجل اجتماع قريش وائتلافهم واستيطانهم وأمنهم وعيشهم: جعلنا لهم رحلة الشتاء والصيف، وأمنَّاهم من العدو، وأشبعناهم من المجاعة، فلماذا يشركون بالله قاتلهم الله؟! ولماذا يريدون إلهاً غير الله أنى يؤفكون؟! كيف ينعم الله عليهم ويؤمنهم ويعبدون غيره؟! عجباً للإنسان ولعقله يوم ينعم الله عليه ويرزقه الأمن في الأوطان، والصحة في الأبدان، والعافية والشباب، والمكانة والرغد والسعادة، ثم يعبد غير الله! وقد ورد في كتاب الزهد للإمام أحمد: أن رسول الله ﷺ قال: ﴿يقول الله ﵎: عجباً لك يابن آدم! خلقتك وتعبد غيري، ورزقتك وتشكر سواي، أتحبب إليك بالنعم وأنا غني عنك، وتتبغض إلي بالمعاصي وأنت فقير إليَّ، خيري إليك نازل وشرك إلي صاعد﴾ عجباً للإنسان الذي لا يذكر نعم الله عليه! ولذلك يقرر الله العباد بنعمه ، فيقول: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ﴾ [قريش:١ - ٢] لاجتماعهم وأمنهم ورغدهم جعلنا لهم رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٣ - ٤] ومكة خالية من الثمار والزروع، قاحلة جافة، لا بساتين ولا حدائق ولا أعناب ولا نخل، ولكن إبراهيم ﵇ أخذ من الله عهداً أن يشبع جائعهم، ويطعم فقيرهم، ويكسو عاريهم: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧]. أما رأيتم يا أهل الجزيرة! نعم الله عليكم وبلادكم قاحلة جافة صحراوية؟! ولكن لدعوة إبراهيم أتت كل الثمار من أنحاء الدنيا، وكل الخضروات والفواكه تأتي طازجة تحملها الطائرات من مدن العالم لتغذيكم في جزيرتكم علَّكم تعرفون نعم الله وتشكرونه، وعلَّكم تعودون إلى أمر الله ﵎. والحجيج ملايين مملينة ما شكى أحدهم قلة الخبز أو الفاكهة أو الماء، وهذا لدعوة إبراهيم، لكن يوم أن نترك أمر الله، ونتعدَّى حدوده، وننتهك حرماته، يسلب الله عنَّا النعم، ويزيل عنَّا الأمن، فليس عندنا عهد من الله ألا يأخذنا أخذ عزيز مقتدر. قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢]. إن معنى بقاء الأمن والعيش ورغد الحياة والستر والعافية هو أن نبقى مع الله ، وأن نقوم بأوامره، وأن نعرف بيوت الله ونتلو كتابه، ونكون على سنة رسوله ﷺ . عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة واحدةً، صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ على حبيبك ونبيك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم اجمع كلمة المسلمين، ووحد صفوفهم، وخذ بأيديهم لما تحبه وترضاه. اللهم أخرجهم من الظلمات إلى النور، وأرهم الحق حقاً وارزقهم اتباعه، وأرهم الباطل باطلاً وارزقهم اجتنابه يا رب العالمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم ردهم إليك رداً جميلاً، اللهم كفِّر عنهم سيئاتهم، وأصلح بالهم، واهدهم سبل السلام يا رب العالمين. ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1826

العلمانيون في كتاب الله العلمانيون هم منافقو هذا العصر، ولهم علامات ذكرها الله عنهم في كتابه، ولهم أفكار يطرحونه في الساحة، ولهم معتقدات يريدون بها هدم الدين، وهم من أخطر أعداء الإسلام في هذا العصر.

стр. 1827

العلمانيون في مجتمعاتنا الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين. السَّلامُ عَلَيكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ: وشكر الله لمن كان سبباً في هذه الدعوة، وأشكر عميد الكلية وهيئة التدريس. عنوان هذه المحاضرة (العلمانيون في كتاب الله وهي المحاضرة الثالثة عشرة بعد المائة الثالثة. وقد اختير هذا الموضوع لاعتبارات كثيرة: من هذه الاعتبارات: أننا نعيش مأساة العلمانيين الذين تربوا على موائد الغرب، وتلقوا علومهم هناك، وأتوا ينفثون سمومهم هنا. ومن هذه الاعتبارات: أنه بدأ يلوح لنا في الأفق سيف العلمنة يريد أن يقصم ظهر الإسلام، وأن ينهي المسجد والمصحف والصلاة والتسبيح. ومن هذه الاعتبارات: أن من الحكمة أن نتكلم عن المقام الذي يتحدث فيه، ولعل الله أن يهيئ من الوقت والطاقة ما نتحدث بإذنه عن موضوع (المفكرون في القرن الحالي من المسلمين) ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥٧] ويقول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة:١٦١ - ١٦٢]. أيها الأبرار: العلمانيون قوم يمثلون المنافقين في عهده ﵊، ولو كان عدونا يهودياً لكنا حذرناه وعرفناه، ولو كان نصرانياً لكنا أبصرناه، ولو كان شيوعياً لكنا أدركناه، لكن هذا العدو الذي أتكلم عنه هذه الليلة يلبس عقالاً ومشلحاً، وقد يصلي يوم الجمعة، وقد يصلي صلاة العيد، ويحضر صلاة الاستسقاء، ولكنه في داخله وفي نفسه يحمل ناراً تلظى على لا إله إلا الله، ويكره عباد الله، ويريد أن تهدم الكعبة، وفي زعمه أن القديم من الدين الإسلامي هو سبب تأخر المسلمين وتخلفهم ورجعيتهم. هذا الصنف سافر إلى الخارج، ولكنه ما أتانا ليصنع طيارة، ولا سيارة، ولا بنى عمارة، ولا هندس لنا قاطرة؛ وإنما أتانا وقد حلق لحيته وفي زعمه أن هذه اللحية تخلف، وأنها تمثل وجه أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وصلاح الدين وابن تيمية. وأتانا وقال: إن الثوب القصير رمز الرجعية التي ما زال يعيش عليها الناس في الجزيرة العربية، وأتانا يضحك على جده الذي يقوم الليل ويصوم الإثنين والخميس والثلاثة البيض من كل شهر. وأتى يضحك على الناس يوم يجتمعون في صلاة الاستسقاء، ويقولون: اللهم اسقنا اللهم أغثنا. درس هناك في دنفر أو لوس أنجلوس أو باريس أو لندن، ولكنه ما أتانا بتلك الحضارة التي قدموها للإنسان. نعم قدموا لنا كهرباء، ومكبر صوت، وطاولة وكرسياً، وأسباب المادة، وليته أتانا وقدم لنا ما قدم أولئك للعالم من أسباب مادية، ولكنه أخذ القشور وترك اللباب. منهم أخذنا العود والسيجاره وما عرفنا نصنع السياره استيقظوا بالجد يوم نمنا وبلغوا الفضاء يوم قمنا

стр. 1828

نشأة العلمانية والعلمنة مذهب ونزعة فكرية نشأت في فرنسا مع الثورة الفرنسية عام (ألف وسبعمائة وتسعة وثمانين ميلادياً) وهذه الثورة استهدفت أول ما استهدفت الكنيسة. وكانت الكنيسة آنذاك ظالمة آثمة عقيمة متخلفة تعادي العلم، فثاروا عليها، وقد اكتشفوا بعض الكشوفات، فقررت الكنيسة إحراق المكتشفين وشنقهم، وبدأت العلمنة تبني أصولها على فصل الدين عن الدولة حتى تصبح لا دينية؛ والعلم هو السيد، والإله الذي يعبد من دون الله. وقالوا: إن الدين سبب التخلف؛ لأن الكنيسة منعتنا من الاكتشاف والعلم، وهي كلمة حق أريد بها باطل، لأنهم أجروا هذا القياس على كل دين حتى الإسلام، وقد أخطئوا في ذلك. ومن أساتذة العلمنة في العالم دوركايم وفرويد ودارون -صاحب النظرية- وماركس صاحب المذكرة في المبدأ الاشتراكي الإلحادي الذي بنيت عليه سبع دول من الحلف الشرقي، وسار على منهجه سوهارتو ووسوكارنو وأبو رقيبة ومصطفى كمال أتاتورك وثلة كثيرة من العالم الإسلامي، فقد تبنوا الفكرة وأدخلوها إلى البلاد، ودخلت العلمنة في الجزائر بعد الثورة الجزائرية على المحتلين، وكان عبد الحميد بن باديس يريد أن تكون لا إله إلا الله و: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] هي التي تسيس الأمة، ولكن أبى أحمد بن بلا المنافق الذي يدعي الآن أنه يعود إلى الإسلام ويتشبث بلا إله إلا الله، وقالوا عنه: إنه يحفظ القرآن في السجن، وكذب عدو الله! لو كان يحفظ القرآن لكان عرف نور القرآن. ودخلت العلمنة في مصر على يد الخديوي إسماعيل وقد أساء كل الإساءة للمسلمين في مصر. ودخلت في تركيا على يد الرجل الصنم أتاتورك، ثم قس على ذلك بقية البلاد، وعندنا الآن طابور سادس في بلادنا لهم مكانات، وهم يحملون الفكر الإلحادي، ومنهم من يحمل الفكر البعثي، ويجتمعون في أن الدين لا يصلح أن يقود الحياة.

стр. 1829

أهم مبادئ العلمانية وللعلمانيين علامات سوف أتعرض لها وأمور، ولكن أفكار العلمنة تبنى على مسائل:

стр. 1830

إنكار وجود الله أولاً: بعض العلمانيين ينكرون وجود الله أصلاً، ولم يسبقهم أحد في هذا حتى فرعون، فهو يثبت وجود الصانع ﵎، أما بعض العلمانيين فيرى أن الله ليس موجوداً وأن الحياة مادة على مذهب الإلحاد. وأخبرتكم أن ماركس اليهودي هو الذي تزعم هذا الفكر المنشطر، بعضهم يؤمنون بوجود الله لكنهم يعتقدون عدم وجود أي علاقة بين الله وبين حياة الإنسان، وهذه المسألة يتبناها جرباتشوف الآن، وقد نص عليها في البروسترويكا بعد الصفحة الخمسين، فهو يرى أنه يعتنق المسيحية، ولكن لا دخل لله في نظام، ولا في قوانين، ولا في قواعد الدنيا. وأبو رقيبة كان يخرج على الناس بالكأس في رمضان في التلفزيون التونسي ويشرب أما الناس ويقول: وما علاقة الله في الشعب التونسي أن يصوم؟! نعم كان الصيام يصلح للأعراب في عهد محمد عليه الصلاة السلام، ولكن الآن لم يعد صالحاً.

стр. 1831

قيام الحياة على أساس العلم المطلق ومن مبادئهم أن الحياة تقوم على أساس العلم المطلق وتحت سلطان العقل والتجريب، يقولون: العلم إله يعبد من دون الله، وسبب تقدم الشعوب العلم وسبب تأخُرِنا نحن المسلمين تَرْكنا للعلم، وقد أنذر بعضهم أنه سوف تكون دولته دولة علمانية في الساحة وهو كفر بالله وإلحاد وزندقة. وسوف أخبركم وأنتم تعرفون ذلك أن الإسلام أتى بالعلم، وأن محمداً ﷺ هو الذي فجر كما أمره الله بقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤] وقال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] وأن خلفاء الإسلام كانوا يعطون جوائز لمن يكتشف أمراً أو يجيد فناً أو يؤلف كتاباً. هل العلم في الإسلام إلا فضيلة وهل أمة سادت بغير التعلم فكان روتينياً عند أهل الإسلام أن يكون العلماء هم المنتجون والمكتشفون والمخترعون وقد قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨] وحق على المسلمين أن من اكتشف عندهم اختراعاً أن يبجلوه، ويكرموه، ويحترموه ويعطوه من الجوائز ما يليق به، لكن ضلت العقول.

стр. 1832

فصل الروح عن الجسد ومن مبادئهم: إقامة حاجز سميك بين عالم الروح والمادة، والقيم الروحية لديهم قيم سلبية، المادة شيء، والروح شيء، فعندهم فصل المسجد عن الكلية، والمعمل عن حلقة التدريس، والكتاب والسنة عن السوق والشارع والمصنع والمعمل؛ حتى يكون الإنسان إذا أراد أن يصلي يأتي يسبح وحده، فإذا خرج إلى المصنع فلا بأس أن يخرج ملحداً مرتزقاً. يقول أبو الأعلى المودودي -جمعنا الله به في دار الكرامة- ذاك الأستاذ الخطير الذي سجن وعذب في سبيل الله: نفسي فدتك أبا الأعلى وهل بقيت نفسي لأفديك من أهل ومن صحب أما استحى السجن من شيخ ومفرقه نور لغير طلاب الحق لم يشب يقول: إن الدين الذي أتى به محمد عليه الصلاة السلام يدخل مع الإنسان في المسجد والمعمل والسوق، إنه يلاحق الإنسان ما دام حياً، ويلاحقه ما دام ميتاً؛ حتى يدخله جنة عرضها السماوات والأرض، هذا هو دين محمد ﵊ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢].

стр. 1833

فصل الدين عن الدولة ومن مبادئهم: فصل الدين عن السياسة وإقامة الحياة على أساس مادي، يقول أحدهم وهو أحد حكام العرب الهالكين: (لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة) وللبرلمان يقول إذا اجتمع مجلس الشعب ومجلس الشورى ومجلس الوزراء لا تأتوا بلفظ الإسلام، وكان يمزق الأوراق إذا رأى عليها بسم الله الرحمن الرحيم. وكان يقول لأحد وزرائه لما أتى يقرأ وقال: الحمد لله قال: اخسأ، وهذه حرب وطعنة نجلاء في ظهر كل مسلم على وجه الأرض، فنسأل الله أن ينصفنا من هؤلاء المرتزقة الزنادقة. فعندهم فصل الدين عن السياسة، وسير أمور السياسة بكل شيء لكن لا يجوز لك أن تتكلم في السياسة إذا كنت دَيِّناً، ولا يجوز للسياسي أن يتدخل في الدين إذا كان سياسياً، ما لله لله وما لقيصر لقيصر.

стр. 1834

نشر الإباحية ومن مبادئهم: نشر الإباحية والفوضى الأخلاقية وتهديم كيان الأسرة باعتبارها النواة الأولى في البنية الاجتماعية، وقد سلف يوم السبت أن ذكرت في محاضرة (الفتاة السعودية والعلمانيون) بعض ما ينشره في صحافتنا المحلية والعالمية بعض أبنائنا الذين كتبوا عن المرأة، وكان أحدهم يقول: أبشركم أن أفنان أصبحت مضيفة الطيران في الخطوط الجوية العربية السعودية، وهذه أفنان سعودية، ويبشرنا أن هناك دوراً للأزياء فيها اختلاط في جدة، ويخبرنا أن المرأة السعودية أصبحت تتكلم مع الرجل، وأصبحت تريد الحرية -الحرية المزعومة في ذهنه- حرية أن تكون عارضة أزياء وأن تكون خادمة، وأن تكون متعرضة في الليالي الحمراء والسكر وفي الدكاكين والمحلات، وأن يكون لها ألف عاشق وألف حبيب. رضينا بك اللهم رباً وخالقاً وبالمصطفى المختار شهماً وهاديا فإما حياة نظم الوحي سيرها وإلا فموت لا يسر الأعاديا ومن معتقداتهم تكثير الإباحية، ولذلك الدول العلمانية في الدول العربية أنشأت دوراً للدعارة، وجعلت على ميمنة المسجد وميسرته دارين للدعارة، وسمح للزنا ببطاقات وبإذن رسمي من تلك الدول التي يحكمها دين العلمنة، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 1835

معتقدات العلمانية في العالم العربي والإسلامي أما معتقدات العلمانية في العالم الإسلامي والعربي التي انتشرت بفضل الاستعمار والتبشير فهي:

стр. 1836

الطعن في حقيقة الإسلام الأول: الطعن في حقيقة الإسلام والقرآن والنبوة، طعناً مباشراً أو غير مباشر، وكم جلسنا معهم، وسمعنا أفكارهم في الغرب، وكانوا يرون أن القرآن للعبادة وللصلاة وللتراويح، لكن لا يجوز للقرآن أن تطوره إلى المادة، ويضحكون على الشيخ عبد المجيد الزنداني حين يتكلم في الإعجاز العلمي للقرآن، ويضحكون على بعض العلماء عندما يستنبطون من القرآن أحكام الحياة وأحكام الحاكمية، وكانوا يستهزئون بـ سيد قطب يوم أخرج الظلال تلك القنبلة الذرية التي حركت الآلاف من الناس لتردهم إلى منهج الله ، وتخبرهم أن الإسلام هو المعهود. لقد بلينا بعلمانيين يقولون: الإسلام لا يتدخل في شئون الحياة أو النظام أو المعمل أو المدرسة، وإنما الإسلام في التمائم، وزيارة القبور والغسل للجنابة والحيض والمسبحة، أي: أن الإسلام للدراويش فقط وللمتطرفين المتزمتين، أما أن تطور الإسلام حتى تخاطب الدكاترة في الجامعات والمعامل والمصانع والكليات، فقد أخطأت نصيبك: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧].

стр. 1837

شبهة أن الإسلام قد استنفد أغراضه الثاني: الزعم بأن الإسلام استنفد أغراضه، وهو عبارة عن طقوس وشعائر روحية، وسمعت زعيماً يتكلم مرة في الراديو بعد صلاة العشاء وهو يقول: الإسلام أخذ حقبة من التاريخ وأدى دوره الكامل، وهو مشكور في تلك الحقبة، فكانوا يصفقون له، ومعنى كلامه أنه قد انتهى دور الإسلام وأن محمداً ﷺ هو والصحابة قد أدوا دور الإسلام وانتهى، فهل تريد أن تأتي بالإسلام من عند محمد ﷺ حتى تضعه في عصر الذرة والاكتشاف والتكنولوجيا؟! وهل تريد أن تحدثنا بالإسلام حتى اليوم؟!

стр. 1838

شبهة أن الفقه الإسلامي من القانون الروماني الثالث: الزعم بأن الفقه الإسلامي مأخوذ من القانون الروماني، بل بعضهم يقول: كثير من زاد المستقنع من قواعد حمورابي ومن شريعة حمورابي، سبحان الله! الله يأخذ أحكام كتابه وسنة رسوله ﷺ من الرومان؟! ومن الذي خلق الرومان؟! ومن الذي بدأ صناعتهم وثقافتهم إلا الواحد الديان؟!

стр. 1839

شبهة أن الإسلام لا يتلاءم مع الحضارة الرابع: الزعم بأن الإسلام لا يتلاءم مع الحضارة، ويدعو إلى الخلف ويمثلون التخلف في مظهر المسلم، ويرون أنه لا يستطيع أن يؤدي دوره في الحياة، وأنه لا يستطيع أن يكتشف ويتعجبون إذا اكتشف مكتشف وعنده لحية، قالوا: سبحان الله! يكتشف وعنده لحية؟! كيف يستطيع وعنده مسواك أن يكتشف؟!

стр. 1840

رمي الزي الإسلامي بالتخلف الخامس: يزعمون أن الزي الإسلامي يمثل التخلف، أي: أنه زي الدول النامية، بحيث يلبس غترة وثوباً، ويكون قصيراً وعنده سواك ومسبحة، وهذا لا يستطيع إلا أن يصلي، أو يصلي الاستسقاء، ويصوم رمضان، أما أن يكتشف فلا يستطيع، وبالفعل نحن الملامون وليس الإسلام، فإننا الذين تركنا للعالم بأن يسمونا دولاً نامية، وأهل رجعية وتخلف، وجلسنا في هيئة الأمم ومجلس الأمن في المجالس الأخيرة، ومندوبونا كانوا ينامون في وقت انعقاد القمة وانعقاد مجلس الأمن، وكانوا يوافقون برءوسهم فقط، وإذا اعترضوا لا يقبل اعتراضهم ولا نقدهم. ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستشهدون وهم شهود وأصبحت الدول التي تملك حق النقض (الفيتو) خمس كافرة كلها بالله، وليس فيها دولة إسلامية: أمريكا وفرنسا وبريطانيا والصين والاتحاد السوفيتي، وكانوا يضحكون ويقولون: بعض ممثلي الدول العربية كان نائماً في آخر الجلسة في مجلس الأمن، فقد كان ساهراً في السباحة، وفي المرقص، وأتى وحضر فنام، فقام من الجلسة فقال: موافق موافق، ولم يصوت على القرار الآن، لكن أخذها عادة أنه يوافق سواء سمع له أو لم يسمع، لذلك تسمع في الأخبار قالوا وأجمع مجلس الأمن على كذا وكذا، وخالفت دولتان ولكن هذه المخالفة ليس لها أثر، ولكن حينما يأتي الرد على إسرائيل يجمع مجلس الأمن وتخالف دولة ممن يملك حق النقض الفيتو فلا يسري القرار ويعتبر لاغياً. ومليار مسلم في الهند وباكستان وأفغانستان وتركيا والعرب والأكراد والمصلون والصائمون ليس لهم نقض ولا فيتو إنما جزاهم الله خيراً الذين أدخلونا مجلس الأمن! ودعونا نرى المباني وناطحات السحاب، وأجلسونا هنا، فهذا: ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٤]!! أما الجذور الفكرية فتعرفون أنه العداء المطلق للكنيسة، تلك الكنيسة المتخلفة التي لا نقرها، وكان لليهود دور بارز في جعل العداء بين الدين والدنيا، حتى ينفصل الدين بما فيه الإسلام عن مسيرة الناس، حتى يأتي الإنسان كافراً ملحداً يكتشف الذرة ويصور الضوء وهو لا يؤمن بالله تعالى. متعجب مني بأن خالفته وأنا على أخلاقه متعجب أخشى أراه لأن جلدي ناعم يسبى إذا والاه جلد أجرب

стр. 1841

أوصاف العلمانيين أيها الأحباب: جمعت لأهل العلمنة وللعلمانيين عشرة أوصاف أو اثني عشر وصفاً في كتاب الله ، وأنتم تأخذون هذه الأوصاف وتفصلون هذه الثياب على أجسامهم، وسوف تجدونهم في الساحة، وإذا رأيت آيات المنافقين في القرآن، فهم أهل العلمنة، فهم أناس لا يستطيعون مجاهرتك بسب الدين. قد يحضر المجلس، ويأخذ معه مسبحة، ويسبح أمامك إذا نظرت إليه، ويمدح أبا بكر وعمر وعثمان، ويقول: إن الصلاة طيبة، والمسجد فيه خير وهناك صحوة والحمد لله، ولكن في باطنه نار تغلي على الإسلام، وهو يريد أن يهدم المسجد ويمزق المصحف.

стр. 1842

اللمز والسخرية ﴿يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ [التوبة:٧٩] يلمزون الشباب، وهيئة الإذاعة البريطانية بين الفينة والأخرى ترشق علينا بالمتطرفين، وأستاذها مايكل هو من أصل أمريكي يهودي من دنفر من كلورادو وأظنه أزيل الآن، ولكن أتى بعده يهودي -إن مات عير فعير في الرباط- وهو الذي يتولى نشرة الأخبار. ولذلك إذا قام شباب الصحوة يطالبون بحقوق في بعض الشعوب الإسلامية يقول: وقام بعض المتطرفين وضربوا بغازات مسيلة للدموع وبهراوات، شباب في تونس ما توا جوعاً وأرادوا الخبز فطردوا فقال: وقام بعض المتطرفين، حتى الذين يلاحقون الخبز وحتى من يطلب بيع الخيار، والسُكَّر متطرف! وهذه مسئولية الصهيونية العالمية. وأتى السذج في بلاد المسلمين فنقلوها، حتى إن كبير السن الذي عمره سبعون سنة كان يصلي ويصوم ولا زال يصلي ويصوم لكن من تموج الإعلام ومخلطات الإعلام أصبح بعضهم يعادي ابنه إذا تطوع، وقال: سوف تصبح متطرفاً! لا تقصر ثوبك كن وسطاً كذا لا تأخذ الدين بعروقه؛ لأن الدين هو أن تمشي حالك وتكون مناسباً، لا تجرح مشاعر الناس، أما أن تشدد في الدين، فلا أريد أن تتشدد في الدين صل مثل الناس واخرج مثل الناس واستمع الغناء والله غفور رحيم (ومع الخيل يا شقرا) (وحط رأسك مع الرءوس) وقد دخل هذا في أذهان العامة ممن يسمع إذاعة لندن، حتى العجائز عندنا، وذلك من عدم مصداقية الإعلام، وأصبحت العجوز تأخذ حبر قلم وتحطه على الإذاعة -إذاعة لندن- وهذا أمر معروف، والعجائز لا يسمعون الآن إلا إذاعة لندن، لم يعودوا يثقون إلا في هذه الإذاعات، فيسمعون ويثقون، ويقولون: هذا هو الخبر الصحيح، وتأتي العجوز في الصباح مع العجوز وكالة يونايتد برس، وتنشر عليها أخبار احتلال العراق والكويت، وتحلل تحليلاً سياسياً، وتقوم هي وإياها عن المشكلة وقد أنهتها والحمد لله. فهؤلاء يلمزون ويسخرون، يقول : ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩] يقول أهل السنة: لا يسمى الله ساخراً، لكننا نطلق هذه الصفة بقيد، الله يسخر ممن يسخر منه ، فماداموا يسخرون فالله يسخر منهم، يقول أبو الطيب المتنبي في رجل كان أبكم وأبو الطيب هذا فصيح وشاعر عجيب يملك الكلمة ويسير الحرف، وهو صاحب الأبيات التي يحفظها رعاة الغنم عندنا التي يقول: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم وهو القائل في قصائده المشهورة: تحملوا حملتكم كل ناجية فكل بين علي اليوم مؤتمن إلى آخر ما قال لهذا الأبكم: تعيرنا لأنا غير بكم وتهجونا لأنا غير عور يقول: تعيرني وتسبني لأني غير أبكم، تريد أن أكون مثلك، وتسبني لأني غير أعور، تريد أن أكون أعور، وهذه مشهورة عند الناس وعند العرب، والله ذكر أن هؤلاء فيهم صيغة اللمز، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١] وهو الذي يهمز ويلمز، والهمز: تكسير الحاجب، وكم رأينا في مجلس من مجالس هؤلاء العلمانيين إذا دخل شاب عليه سيما الخير والصلاح والصدق مع الله ؛ غمز لأخيه في المجلس، انظر تفرج انظر للشكل رقم سبعة عشر، وهذا موجود، ونقول لهم: ولو أني بليت بهاشمي خئولته بنو عبد المدان لهان علي ما ألقى ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني وأقول: إن الشكل سبعة عشر هو الذي يفتح الدنيا إن شاء الله، وهم الذين كان منهم صلاح الدين الذي دمر الصليبيين، وفتح بيت المقدس، ومنهم قطز الذي دمر رءوس التتار، ومنهم أبو بكر الذي قاتل المرتدة، ومنهم طارق. ولكن هؤلاء العلمانيين لما وقفوا أمام جولدا مائير فروا وتركوا أحذيتهم في سيناء، وكانت تضحك عليهم، وأرجوكم راجعوا مذكرات جولدا مائير وهي موجودة اسمها الحقد، وانظروا من صفحة مائة وثمانية وستين، تضحك علينا وتضحك على العرب؛ لأنها كانت تقود مليونين والعرب كانوا مائة مليون. واليوم تسعون مليوناً وما بلغوا نضجاً وقد عصر الزيتون والعنب

стр. 1843

الاستهزاء بالإسلام وأهله فهم يستهزءون بالثياب، والشكل، والديكور، والصلاة، والحركة والمشية، والدين حتى الذكر، ووجدت أحدهم -عليه من الله ما يستحق- يستهزئ بعلماء الحديث، وهو حداثي مشهور يقول: حدثتني عمتي أن خالتها حدثتها عن جدتها قالت: يعني: الحديث النبوي، عندما يقول: البخاري: حدثنا فليح، فهذا السند، هو السنة والقوة والعمق والأصالة ويقول البخاري حدثنا علي بن المديني، قال: حدثنا سفيان، أو كما قال، فيستهزئ من هذا الطريق ومن هذه الأحاديث. وكان هناك فاسق في المدينة المنورة من العلمانيين جلس في الفسحة مع الطلاب -درس في أمريكا - فقال: حدثنا صنيهيت، قال: حدثنا شليميح أن الرسول ﷺ -هذه من الفكاهات التي يتزندق بها- جلس مع أصحابه فقال: أتدرون ما البيبسي؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أتدرون ما السيكل؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: قوموا غربت وجوهكم لا تعرفون السيكل والبيبسي، وهذه يستباح بها دمه في الإسلام، ولا يصلى عليه ولا يكفن ولا يدفن في مقابر المسلمين. ويقول الله في العلمانيين عن هذه المسألة: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٤ - ١٥] إذا جلسوا مع المؤمنين والمشايخ وكبار السن في القرية قالوا: نحن مؤمنون، والحمد لله، والله يغيثنا ويرزقنا وإياكم الصلاح والتوفيق، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ويهز رأسه عند الموعظة وتدمع عيناه ويعصرهما، ولكن ليس فيهما دمع، وإذا أتى إلى زملائه في المقهى ومع البلوت والكيرم، قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤] بهذه الشلل المتخلفة: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٥ - ١٦]. وهذا هو الغبن، فأكبر غبن في الحياة هو غبن هؤلاء؛ لأنهم فقدوا أكبر شيء في الحياة -الدين- وأكبر شيء يعتز به الإنسان. يا أيها الإخوة: شباب البلاشفة الحمر الروس يسحقون تحت الدبابات والمجنزرات في أفغانستان، وتشدخ رءوسهم على جبال أفغانستان من أجل مبادئ لينين واستالين، واليهود يقتلون في سيناء، والصليبيون شذر مذر في العالم من أجل مبادئهم، وأنتم يا حملة الرسالة ألستم أولى أن تتحملوا الاستهزاء والسخرية في سبيل إقامة لا إله إلا الله؟! يقول أبو الطيب: إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكم ألم وعاد هؤلاء من الغرب ناقمين على الأجداد والجدات وعلى الأخوال والخالات، وسبب نقمتهم عليهم أنهم متمسكون بالقديم الذي تركه هؤلاء. من دنفر قد أتى في دينه قد عتا إلى متى ذي الصلاة إلى متى هل أتى ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان:١]؟! وبعضهم له مقولة كفرية يقول إلى متى: تبت يدا أبي لهب وتب، يعني متى تنتهي. مازال هذا السجود من عهد تلك الجدود متى يزول القديم فقد سئمنا السكوت

стр. 1844

الإعجاب بحضارة الكفر اجلس مع المسمومين فكرياً المنهزمين روحياً، وقل حدثني عن أمريكا أو بريطانيا أو فرنسا، أتريد أن يحدثك عن الانفصام الأسري الذي يعيشه الغرب؟! الانفصام الأسري الذي تحدث عنه سيد قطب وأبو الأعلى المودودي وأبو الحسن الندوي في ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ أتظن أنه سوف يتحدث لك عن قيمة رخص الإنسان هناك وعن ارتفاع قيمة الكلب؟ أصبح الكلب يغسل ويطيب وتعلق السلاسل في عنقه ويجلس مع السائق في السيارة! أيحدثك عن المسارح التي أصبحت المرأة فيها أقل من الحذاء، وأرخص من الصفر، وأصبحت زانية عاهرة في كل مكان؟ أيحدثك عن الانتحار؟ قرأت وما أزال أقرأ، وأنا معجب بذلك الكتاب، وعسى الله أن يعينني أو بعض طلبة العلم على أن أنسج على منواله، مذكرة وهو كتاب دع القلق وابدأ الحياة الذي ألفه دايل كارنيجي اللماح الذكي، فهو كتاب أعجب من العجب، بيع منه ثمانية ملايين نسخة، وطبع ست عشرة طبعة، ويتحدث عن المأساة التي يعيشها الغرب هناك وعن حالات الانتحار، أظنه يقول: في كم ثانية تحصل حالة انتحار في أمريكا، وعد في ولاية تكساس كم عدد الذين ينتحرون، وبإمكانكم أن تراجعوا هذا الكتاب، وهو يدعو إلى الإيمان، لكن على طريقة المسيحيين. ومحمد الغزالي المفكر العصري له كتاب اسمه جدد حياتك حاول أن ينسج على منواله وللشيخ عبد الرحمن السعدي العلامة الكبير ﵀ كتاب اسمه الوسائل المفيدة للحياة السعيدة. وفي نظري أن كتاب دع القلق، يحتاج هذا إلى أن تؤخذ الأحكام التي فيه والقواعد والتجارب التي أتى بها علماء الغرب مثل وليم جيمس وألكسس كارل، وغيرهم وتوضع مع الأحاديث النبوية والقصص والآيات ثم تقدم في كتاب، وإن شاء الله يحصل هذا. ومقصودي من هذا: أن هؤلاء لا يتحدثون عن الانتحار، أو الزنا، أو الفحش، أو التدمير الذي بلغه أولئك، لكن يحدثونك عن ناطحات السحاب. يقول: في تكساس عمارة ارتفاعها مائة وستة وخمسون دوراً، وهناك في الأرض ممرات أرضية، وضغطنا لأحد الأزرار فنقلنا مرة واحدة أربعين دوراً، وننزل في عربية وتحملنا إلى القطار، وهناك الطائرة لا تحجز من قبل، تأخذ أنت كأنك في سيارة تذكرة وتركب. وحضاراتهم من أكثر من مائتي سنة، ويذيع أنهم تطوروا تطوراً عجيباً. لكن لماذا يعجب بحضارة الكافر المادية، ولا يخبرنا بما بلغوا إليه من التردي في الروح؟ يقول الله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] والله يقول عنهم: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦] ويقول سبحانه عن حضارتهم: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥]. خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريبا فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليبا يعجبون بحضارة الكافر، والله يقول: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ﴾ [التوبة:٥٥]؟! أتعجب من إنسان ما عرف مصيره؟! يعملون هم لستين سنة فقط لكن عالم الغيب لا يعرفونه، فهم محجوبون عنه تماماً، فأي حضارة تنبني على كفر وإلحاد لا خير فيهما. ومن أحسن الكتب التي ألفت في هذا الباب كتاب أبي الحسن الندوي، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين فهو من أروع ما كتب! على يد رجل جرب الثقافة الغربية وعرفها، ومن أحسن من يتحدث عنها رجلان؛ أديب شاعر ومفكر كاتب؛ أما المفكر الكاتب فـ سيد قطب في الظلال، وأما الأديب الشاعر فـ محمد إقبال، وكلا الرجلين توافقا حتى يقول سيد قطب: ربما توافقنا حتى في الألفاظ، وكلا الرجلين سافر إلى الغرب ودرس هناك وحضّر شهادته من هناك، ولكنه عاد بقضية أن الإسلام هو دين الله الحق في الأرض، وأنه لا سعادة للإنسان إلا بالإسلام. أخبرنا بعض الأساتذة الدعاة الكبار أن رجلاً إنجليزياً من بريطانيا كلف بأن يبحث بحثاً للدكتوراة في كتب التفسير، وأخذوا عليه موثقاً ألا يقرأ الظلال لـ سيد قطب، يقولون اقرأ التفاسير كلها: تفسير الخازن وفتح القدير لـ الشوكاني وتفسير ابن كثير وتفسير ابن جرير وتفسير الطبري، لكن احذر الظلال فهو ليس من مهمتك، وأحب شيء إلى الإنسان ما منع منه، فأنت إذا منعت الطالب أن ينظر إلى النافذة في وسط الحصة جلس دائماً ينظر إلى النافذة كلما غفلت عنه، اترك طفلك في الغرفة، ولا تقل له: لا تخرج فسوف يبقى، لكن قل له: لا تخرج، ولئن خرجت لأضربنك فسوف يخرج. يقول علي بن أبي طالب: [[لو منع الناس من فت البعر لفتوه]] يعني: لو أتيت الناس تخطب يوم الجمعة تقول: لا تفتوا البعر فهذا حرام؛ لخرجوا من المسجد وفتوه، وقالوا: ماذا فيه؟ أي أن الإنسان مغرم بالمخالفة فأتى هذا الرجل، فقال: لماذا منعوني من سيد قطب في الظلال وذهب إلى القاهرة، وأتى أول ما أتى المكتبة قال: أين الظلال لـ سيد قطب؟ قالوا: هذا هو، وكان يجيد اللغة العربية فقرأ لرجل يستفيض إلهامات، فقد درس سيد قطب ثقافة موسكو بل جلس فيها فترة، وفي دنفر فترة، وفي أوروبا فترة، فتكلم معه وحاوره في الكتاب -وسيد قطب قتل كما تعرفون- وبعد ما وصل سورة الأنفال أعلن هذا الرجل إسلامه، وألغى رسالته، وأنا أدلكم أن تقرءوا هذا الكتاب كثيراً.

стр. 1845

فرحهم بالدنيا العلمانيون يفرحون بمقدراتهم الدنيوية ومعطياتهم الأرضية: الشهادات، التخصصات، السيارات، القاطرات، لكن لا يفرح أحدهم بركعتين في الليل، ولا بقراءة القرآن، ولا بالتأمل في آيات الله، ولا بالصدقة، يقول : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨] ويحبون الدنيا حباً جماً أكثر من الدين قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة:٥٨] لا يحبون إلا المادة فقط، ويموتون للريال، ويعبدون الدينار من دون الله، لكن مسألة العبادة ليس لها ذكر، ولذلك لا تسمع في مجالسهم فضل قيام الليل، أو فضل السواك، أو الذكر، أو التسبيح، يقول: حدث بهذا في المسجد، حدثنا الآن عن الحياة، وهذا لأن الإسلام مفصول عندهم عن الحياة.

стр. 1846

الاهتمام بالمظهر دون المخبر الاهتمام بالمظهر على حساب المخبر، أي: أنك ترى الإنسان منهم في أحسن الثياب في الليل والنهار، حتى ربما إذا نام نام وهو كذلك، لكنه من الداخل مهدم لا يحمل عقيدةً ولا مبدأً ولا نوراً، فهو كالبيت المطرز من الخارج، ولكنه من الداخل خرابة، قال تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣]. قال سبحانه في العلمانيين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤]. وتجد أن أهل الجهاد والتضحية، والبذل، وقيام الليل فيهم ضمور، وربما يظهر عليهم الجهد والإعياء، لكن هؤلاء الفرد منهم، كالبغل يهد الجدار، لكن قلبه ممسوخ، تموت طفلته فينهار مثل الصبي، وينقل إلى المستشفى مباشرة، ليس عنده رصيد من الإيمان، لا يعرف كلمة إنا لله وإنا إليه راجعون. يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:٤] يخافون من الحروب؛ لأن الحرب لو قامت عنده في الخليج لا تتركه يأكل بطاطس، ولا يشتري خياراً من السوق، ولو وقع بركان في الفلبين فإنه ينتفض ويتابع الأخبار: يا الله سترك، يا الله حوالينا ولا علينا، ومن أجل ماذا؟ لأن عنده عشرين عمارة وعشرين سيارة وعشرين مرتباً، وعشرين دخلاً، أما المؤمن فقد باعها بجنة عرضها السماوات والأرض، ومعنى ذلك يقول : ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة:٥٢] أحد المفكرين وصل إلى الصحراء المغربية ووجد جماعة من المسلمين البربر يرعون الغنم هناك، وهو يريد أن يدفع القلق، وقد ذكره دايل كارنيجي في آخر كتابه دع القلق، قال: فعشت معهم سنة طعمت الإيمان، وطعمت الاستقرار، وذهب عني القلق، قالوا: كيف؟ قال: رأيت بعضهم تمر عليه الريح فتأخذ نصف الغنم، وتموت نصف الغنم، يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ويواصل يرعى البقية، تموت طفلته فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون حسبنا الله ونعم الوكيل، ويدفنها، ويعود وهو سعيد يتبسم. فأقول: إن هؤلاء يخافون: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون:٤] الأحداث تزعجهم، ولذلك لا يريدون أن يفادوا بأرواحهم، ولا بمقدارتهم، وهم خائفون من كل ما يسمعون، ويريدون أن تبقى الأمور هكذا بدون تحرك، على خلاف المؤمنين، فالمؤمنون أمرهم سهل. وليس على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما

стр. 1847

موالاة أعداء الله ومعاداة أولياء الله ومن صفاتهم: تولي أعداء الله ومعاداة أولياء الله ﵎، وقد ذكر هذا عنهم في القرآن، يقول : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ [النساء:٥١ - ٥٢] فالعلماني يتولى الكافر ويقول: هو أحسن من المؤمن سبيلاً، وكم نسمع من التعليقات، ينظر إلى الشارع فيقول: الشارع في واشنطن أحسن من شارعنا هذا المكروه، وشبكة الكهرباء هناك أحسن من هنا، والناس مشيهم هناك أحسن، وهؤلاء لا يعرفون المشي ولا يعرفون الجلوس، الناس والعالم يتطورون وهؤلاء مازالوا على حالتهم القديمة، كلما تكلمنا له بشيء نقلنا إلى الغرب، ويرى أن منهج الغرب أسد وأحسن، حتى تجدوا الآن أنهم يدعون إلى أن تقود المرأة السيارة، ولعلكم سمعتم بالأخبار الأخيرة التي وقعت، وأخذوا لا فتات، وكان من الكلمات المؤسفة التي أصبحت منهجاً لبعض المتخلفين كلمات نزار قباني -حاسبه الله- يقول للمرأة: يجوز أن تثوري يجوز أن تعربدي يجوز أن تخرجي إلى السكة كسلة السيف عريانة وتولي أعداء الله هزيمة نفسية أصبنا بها في العموم الغالب، والآن انظر وأنت في المطار، تريد أن تركب -مثلاً- ومعك في السير خواجة أو أي غربي أو أي كافر تجد حتى الجندي من الهزيمة النفسية التي يحملها قد يقدم عليك الخواجة: هلو مستر خواجة، بينما إذا أتى إليك أنت -وأنت ابن لا إله إلا الله وأنت معه وحبيبه وأخوه- يتقطب جبينه في وجهك، ولا يتعامل معك بالتي هي أحسن، ورأينا بعض الناس قدم علينا نساء غربيات في الطابور، فقلت له: على الأقل هم نساء، إذا كنت لا تعاملنا بلا إله إلا الله وتعاملنا بلا إله والحياة مادة، على الأقل نحن رجال فأدخلنا، قال: هؤلاء الأجانب لهم علينا حق الاحترام والتقدير، فنحن ننظر إلى المستعمر أنه الذي لا يغلب، وكأن هذا الأشقر ملك نزل من السماء، ويقول سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ [النساء:١٣٩] ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨] لا يدرون بهذا، ولا يدري بها إلا أهل المسجد من أمثالكم يا طلعات الخير ويا سيما الفضيلة ويا منائر الحق.

стр. 1848

الكذب في الأقوال ومن صفاتهم: الكذب، فتجده يحلف لك خمسين يميناً وهو كاذب ولا يكفر ولا يستغفر؛ لأنه نقض عهده مع الله، والله يقول للرسول عليه الصلاة السلام وقد كذب بين يديه ثلة من الناس: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣] وقال سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] فالكذب وحلف الأيمان عندهم سجية، وعجباً تسمع بعض الناس يطلق طلاقاً، ثم لا يسأل عالماً ولا يستفتيه، وتبقى زوجته معه في البيت، أي: أن بعضهم أصبحت معاشرته لزوجته زنا ولا يسأل، وهذا من اندثار الإيمان ومن الغزو الفكري المرسوم في ذهنه الذي أحبط مسعاه، وأغطش نوره.

стр. 1849

الكسل عند أداء الصلوات ومن صفاتهم: عدم التحمس في النوافل والعبادات وعدم وجود محبة لما افترض الله ، يقول الله عنهم في القرآن: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢] فربما صلى ولكنه كسول وبه إعياء وتذمر، وغضب حتى من الصلاة، ومن المسجد، ودائماً يتخذ أعذاراً، مرة يتكلم عن المؤذن أنه أخر الأذان أو الإمام أنه طول أو قصر، أو المسجد ليس على القبلة، فيأتي بمشكلة في المسجد، لأنه متضايق من المسجد، وقد يصلي أحياناً للمناسبات وللظروف ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢] فالمؤمن قوي وله إرادة. عندنا شاب سافر إلى بريطانيا يحمل لا إله إلا الله، ويحمل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] له تخصص يدرس هناك، لكن أسكنوه مع عائلة، وفي هذه العائلة عجوز بريطانية، فكان هذا الشاب مع صلاة الفجر يأتي إلى الصنبور في الثلج والجليد ويصلي الفجر، فتقول العجوز: لو تأخرت قليلاً قال: لو تأخرت ما قبل الله صلاتي، لا بد أن أصلي في هذا الوقت، قالت: هذه إرادة تكسر الحديد. دعها سماوية تجري على قدر لا تفسدنها برأي منك منكوس فهكذا تكون الهمم، وهذا هو انتصار الإرادات، وهذا هو الاكتساح العارم الذي يخشاه الغرب والشرق من الإسلام، فهم يسمونه المارد، ويسمونه العملاق، لأن هذا الإسلام لا يرضى فقط أن يكون في الزاوية. إسلامنا لا يستقيم عموده بدعاء شيخ في زوايا المسجد إسلامنا نور يضيء طريقنا إسلامنا نار على من يعتدي فهذا الإسلام أراهم النجوم وسط النهار، دخل الفرنسيون الجزائر وحاولت الثورات: ثورة علمنة، وثورة شيوعية أن تخرج الفرنسيين فما استطاعت، فأتى عبد الحميد بن باديس -العالم الكبير السلفي- وأقام دعوة على لا إله إلا الله، والمصحف، وأخرج شباب الجزائر من المساجد، وقامت المعركة وقدم الجزائريون مليون شهيد، وأخرجوا فرنسا. ولذلك الآن الصحوة في الجزائر لما سمع بها ميتران هذا رئيس فرنسا قال: سوف نوقفها عند حدها، فقال له: قائد الصحوة الجزائرية هناك: إن كنت شجاعاً فأت إلينا، فسوف نريك أياماً مثل أيامك الأولى، فقال لسان حاله: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. والإسلام رأوه في أفغانستان ماذا فعل بالروس؟ وكيف ردهم خائبين؟ ونحن نحتاج الإسلام أن يأتي إلى فلسطين مرة ثانية ليخرج اليهود خارج المرمى.

стр. 1850

الرياء ومن صفاتهم: أنهم يراءون الناس بأعمالهم حتى إن بعضهم ما تراه يصلي -والعياذ بالله- إلا ليراه إمام المسجد والجيران. وقد ذكروا في بعض الأماكن أن بعض الناس كانوا متحمسين للصلاة، وكانوا يحضرون عند صلاة الفجر في سجل عند الإمام، فإذا سلم قال: فلان، قال: حاضر، فلان قال: حاضر، فأتى في صباح جمعة فحضر هذا الإمام، وغاب أحد المصلين، فلقيه مع صلاة الجمعة في الظهر، قال له: أين أنت يا فلان لم تصل معنا؟ قال: والله قال لي فلان جاري: إنك لن تحضر صباح الجمعة، أي لك لو كنت تحضر لكنت حضرت. أي: أن ذكر الله عليهم ثقيل، ولذلك إذا أتى إلى المسجد يقول: سبحان الله! ثم يجلس ربع ساعة، ويقول: الحمد لله يلتفت إلى الناس، فلا يعجبه الوضع في المساجد ولا في المجالس أو الطريق أو السيارة أو الطائرة، ولذلك تشاهد كثيراً من الناس -وهذا من الغزو الفكري- إذا استقل الطائرة أخرج الجرائد فيقرأها ظهراً لبطن من أولها إلى آخرها حتى إعلانات الأسمنت، ومن ضيع تابعية، ومن غير اسمه، وإعلانات العطور، والأزياء، ودرجات الحرارة، والصيدليات المناوبة، والسهرة هذه الليلة، ثم يطويها ويأخذ الثانية، وهكذا حتى تصل الطائرة، وما فتح مصحفه، وما تأمل كتاب الحديث، أو استغفر أو كان له ورد من الأذكار، وأنا لا أقول: لا تقرءوا الصحف والجرائد بل لابد من قراءتها، حتى نعرف الواقع، لكن أين الإيمان؟ أين الرصيد؟ أين القرآن؟ أين دستور الحياة؟ محمد إقبال شاعر الباكستان دخل على نادر شاه حاكم أفغانستان وقال: والله يا نادر! لن تجد طعم السعادة والحياة حتى تقود أفغانستان بهذا المصحف، فهو وثيقة سماوية. فتحنا بك الدنيا فأشرق نورها وسرنا على الأفلاك نملؤها أجراً سمعتك يا قرآن والليل واجم سريت تهز الكون سبحان من أسرى

стр. 1851

قلة الفقه في دين الله تعالى ومن صفاتهم في القرآن قلة الفقه في دين الله، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٧] لا يفقهون دين الله، وليسوا مستعدين أن يفقهوا، فهم تعلموا كل جزئيات الحياة وكل تخصصات الدنيا، ولذلك بعضهم عنده موهبة في أمور الدنيا، ولكن لا يعرف من الدين شيئاً، حتى المسح على الخفين والتيمم، فلا يعرفها ولا يجيدها، وليس له استعداد أن يستفتي أو يسأل؛ لأن من علامة الإيمان الفقه في دين الله ، ومن علامة الإقبال على الله أن تسترشد في أمور دينك وأن تسأل أهل العلم والفضل والخير، يقول عليه الصلاة السلام كما في الصحيحين من حديث معاوية: ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾ ومفهوم المخالفة في الحديث أن الذي لا يريد الله به خيراً لا يفقهه في الدين. فإذا رأيت الإنسان لا يتفقه في الدين فاعلم أن الله لا يريد به خيراً، ولا يريد هو خيراً لنفسه. فهؤلاء العلمانيون ليسوا مستعدين للتفقه في الدين، أما علوم الدنيا فقد امتلئوا منها وقد توسعوا فيها، وقد أجادوها كل الإجادة، لكن علم الفقه في الدين علم الصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة لا يعرف أحدهم في ذلك شيئاً لا قليلاً ولا كثيراً، بل بعضهم الآن يحمل شهادة دكتوراة، وهي معلقة في بيته، ولكنه لا يعرف مدة المسح على الخفين -وهذا موجود- وبعضهم لا يعرف سنية التيمم ولا أقل جزئية في الإسلام، فهذا قاسم مشترك بين العلمانيين أنهم قليلو الفقه في كتاب الله ودينه وسنة رسوله ﷺ .

стр. 1852

السرور بمصائب أولياء الله والتنغص بمسراتهم ومن صفاتهم السرور بمصائب أولياء الله والتنغص بمسراتهم، فهم يُسَرُّون إذا أصيب أهل الفضل والتقوى والدين والعلم والدعوة، ويضحكون ملء أفواههم، ولكنهم يتنغصون إذا سمعوا بخير ومسرة لهم: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ * قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة:٥٠ - ٥٢] فنحن على منهج رباني، إن عشنا فسعداء، وإن متنا فشهداء، وإن أصابتنا بلية فأجر ومثوبة ورفعة وحسن وحط من الخطايا، ولكن أنتم إن متم فكالميتة التي ما ذكيت، وإن عشتم فكقطيع من البهائم. ولذلك يسر هؤلاء لمصائب المؤمنين والموحدين والمصلين الصادقين أيما سرور، ولكنهم يتنغصون بما يسرّهم. فإما أن تكون أخي بصدق فأعرف منك غثي من سميني وإلا فاطرحني واتخذني عدواً أتقيك وتتقيني فإني لو تخالفني شمالي ببغض ما وصلت بها يميني إذاً لقطعتها ولقلت بيني كذلك أجتوي من يجتويني

стр. 1853

الاعتراض على أقدار الله ومن أوصفاهم: الاعتراض على القدر والتسخط منه، فلا قضاء ولا قدر عندهم، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ﴿وما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك﴾ ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢] لكن هؤلاء يتسخطون. ويقول الله في القرآن عن هؤلاء العلمانيين: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:١٦٨] يقولون في معركة أحد لبعض المؤمنين: اجلسوا هنا فسوف تقتلون إذا ذهبتم، فتركهم المؤمنون وخالفوهم وعصوهم وذهبوا، فقتلوا شهداء في سبيل الله، فقال المنافقون: نصحناهم، ولكن رفضوا النصيحة، حذرناهم من القتل ولكن رفضوا أمرنا، يستحقون ما أتاهم، فيقول سبحانه: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾ [آل عمران:١٦٨] أي: في المدينة: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾ [آل عمران:١٦٨] أي: في الجلوس: ﴿مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٦٨] هناك، فقال الله متحدياً لهم: ﴿قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:١٦٨] فأنتم سوف تموتون لكن وأنتم أذلاء على الفرش، تموتون وروائحكم منتنة، وأما أنس بن النضر وعبد الله بن عمرو ومصعب بن عمير والشهداء، فماتوا ولكنهم أخيار مرفوعون عند الله ، فكلمهم الله بلا ترجمان. يقول أحد المسلمين من المهتدين في الشهادة: أيا رب لا تجعل وفاتي إذا أتت على شرجع يعلى بخضر المطارف ولكن شهيداً ثاوياً في عصابة يصابون في فج من الأرض خائف إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى وصاروا إلى موعود ما في المصاحف وإقبال شاعر الباكستان يقول: نحن أمة رفعنا أرواحنا بين أكفنا لنسلمها لك شهداء: أرواحنا يارب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا لم نخش طاغوتاً يحاربنا ولو نصب المنايا حولنا أسوارا وكأن ظل السيف ظل حديقة خضراء تنبت حولنا الأزهارا أليس هذا هو الإيمان؟ أليست هذه هي الأصالة التي تركها محمد ﷺ في نفوس محبيه وأتباعه؟!

стр. 1854

إقصاء الإسلام عن الحياة ومن مبادئهم: إقصاء الإسلام عن الحياة. يريدون أن يبقى الإسلام في المسجد، وأن يبقى الإسلام مسألة شخصية تتعلق بالإنسان فقط، أما إدخال الإسلام في الحياة فهذا لا يجوز عندهم، ويفصلون الإسلام كما ذكرت عن المصنع والمعمل والمدرسة والسوق والشارع، وهذا هو الكفر بالله . فالإسلام دين ودولة، والإسلام مدرسة ومسجد، ومصنع ومعمل، وصلاة واستشهاد: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] ويسميها سيد قطب ولله درّه: (جاهلية الفن) وجاهلية الفن هي مخالفة أمر الله في الرسم، لأن: رسم الأرواح محرم عندنا، فلنا في الإسلام أن نرسم الشجر والمدر والحجر والزهر والليل إذا أقبل، وأن نرسم النجوم والقمر والنهر، إذا تدله بالماء، والأغصان، والروضة الفيحاء، ولكن لا يجوز لنا أن نرسم ذوات الأرواح، لكن جاهلية الفن تقول: يجوز هذا. وهناك جاهلية الأدب ولنا أن ننشد الشعر، وأن نسمع جميل القول، وأن نتأثر بالكلمة الطيبة المؤثرة، وهناك شريط اسمه (دور الأدب في معايشة النكبات) على من وجد فرصة أن يستمع إليه لمواصفات الأدب المسلم، وهناك محاضرة بعنوان (الأدب الذي نريده) ومحاضرة بعنوان إقبال شاعر الحب والطموح؛ وقصدي بهذا أن نعرف مسارات الأدب الملتزم لئلا نعيش جاهلية الأدب. ما هي جاهلية الأدب؟ جاهلية الأدب أن يأتينا أديب كافر مثل نزار قباني أو أدونيس قطع الله دابره، فكثير منهم سب الله ، وأحفظ نماذج من ذلك، أو رجل يدعو إلى الفاحشة والجريمة، فهذا أدب جاهلي، وهذا أدب محرم، فالأمة لابد أن تعيش الإسلام في الأدب والفن والصناعة والهندسة والاقتصاد والسياسية؛ لأن الإسلام يحكم مسار الأمة، فليس إسلام المسجد فقط، وليس إسلام الخطيب يوم الجمعة فحسب، بل إسلام الحياة وإسلام كل شيء، يقول سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٤ - ٤٥] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧] والله يقول مُقْسِماً سبحانه جل قَسمه وجل اسمه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] فوالله لا يهتدون ولا يجدون طعم السعادة حتى يتبعوك أنت أيها العظيم. وأنا كررت في محاضرات أن مايكل هارف الأمريكي صاحب العظماء المائة جعل الأول محمداً عليه الصلاة السلام، وهذا حق رغم أنفه. من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً وتجي في الأول فهذا المصطفى ﷺ يريد منك أن تعيش الحياة، والله يقسم أنك لا تجد طعم السعادة والإيمان حتى تتبعه وتحكمه في كل شيء، فتحكمه في لا إله إلا الله، وتحكمه في الصلاة، واللحية، والثوب، وتقليم الأظافر والاقتصاد، والإعلام والأدب والحياة كل الحياة، إن كنت تريد أن تكون متبعاً للرسول ﵊. ولكن العلمانيين قالوا: الإسلام في المسجد، وليس في المصنع، وقالوا: الإسلام عند صلاة الجنازة، وقالوا: ليس له حكم في الإعلام، وقالوا له: نعم. عند الرقية على المصروع، وقالوا له: لا. عند الاقتصاد، وقالوا للإسلام: نعم. عند المسبحة، وقالوا للإسلام: لا. عند الحاكمية، فبتروا الإسلام من مصدره وصلته وطريقه وعمقه؛ فحسبنا الله ونعم الوكيل. أيها الفضلاء: أقول لهذا المرتدي لهذا الثوب والذي نحت فكره من أفكار الآخرين وتنكر لعقيدة المسلمين: أحاكم عقلك المنهوب جهدي إلى قاضي الهداية والمعالي أشرع محمد فيه التباس ومنزله عظيم ذو جلال أو كما قال الآخر: تركت الردى خلفي لمن قل دينه ويممت قلبي في حماك فيمما وخالفت من قد خالف الله جهرة وفارقت من قد لابس الحق مسلما وعسى الله أن يرينا وإياكم الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه. والمقصود من هذه المحاضرة أمور ثلاثة: الأمر الأول: إظهار الجاهلية وتعرية أهل الجاهلية كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥]. الأمر الثاني: أن نغرس اعتقاداً جازماً عند الناس أن القرآن يلبي حاجة الناس، وأنه يعايش المشكلات العصرية التي يعيشها الناس والتي دائماً تعيش ظروفهم ودائماً تلابسهم. الأمر الثالث: أن نكون على بصيرة ممن يعايشنا، وممن نعيش معه، حتى نعرف عدونا من صديقنا. عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ومن لا يعرف الشر جدير أن يقع فيه وما بقي من وقت فللأسئلة، وشكر الله لكم اجتماعكم وإنصاتكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1855

الأسئلة

стр. 1856

غزو الطفل المسلم السؤال كما حرص الأعداء على هدم الأسرة المسلمة لم يغفلوا عن الطفل المسلم، وإن في دعاية البسكويت وأفلام الكرتون وغير ذلك في التلفزيون ما يندى له الجبين مما رأيناه ولاحظناه، فنرجوكم أن تتكلموا عن مثل هذه الأمور وتنبهوا عليها، أو تخصصوا لها محاضرة؛ لأنها من الأمور التربوية الخطيرة التي أتتنا من الغرب؟ الجواب الحمد لله، قد تُعرض لهذا قبل فترة بمحاضرة بعنوان (الرسول ﵊ مع الأطفال) وما ذكره الأخ ذكر هناك، وذكر في كثير من المحاضرات، ونبهنا الأخ على بعض المسائل لا بأس أن أعيدها هنا، وهي مسألة (غزو الطفل المسلم) ومن أدواتهم في ذلك فيلم الكرتون، ومنتجته شركة إيطالية يهودية، وهو يربي الأطفال على ناحيتين: الناحية الأول: ناحية عبادة الدولار والدرهم من دون الله ، وتحبيبه إلى المال، حتى تجد في القفز والأخذ والعطاء درهماً أو ديناراً في فمه، ويصعد ويأخذه ويجتذبه من ذاك، ثم يطارد زميله، ثم يقاتله من أجل هذا الدرهم والدينار؛ لأن هذا الفكر ماركسي، وهي تربية الإنسان على عبادة المادة من دون الله. الناحية الثانية: تربية الطفل على الجنس، فهناك طفل وطفلة، تقبلها وتقبله، غرام وعشق وهيام ومطاردة، والطفل لم تكن عنده الغريزة وما نشأت إلا الآن، فيصبح في ذلك متذكراً متلهفاً، وتغرس مع الأيام في هذا، ولو لم يكن فيه إلا تضييع وقت الطفل عن تربيته بالآيات، وبالآداب الشرعية، وبالأشرطة الإسلامية، وبالأناشيد الطيبة، وبتثقيف لسانه باللغة الحية، لكان أعظم خسارة من هذا الضياع. وأما الإعلانات والدعايات فهي سموم كثيرة طمت وعمت، كتشهير أعداء الله بزعيم مجرم كان قد حارب الإسلام يشهر به في بعض الإعلانات، أو رجل معتوه، أو رجل صاحب فن في فن الغرام والطرب، ولا عب كرة مشهور فيجعل دعاية في شركة أو مؤسسة أو منتدى أو على لعبة أو سلعة تباع، وهذا كله هدم لمؤسسات العقيدة وتشويه لمسار الإسلام في قلوب الأمة.

стр. 1857

المؤامرة على المرأة السؤال الرجاء أن تحدثنا عن المؤامرة التي تحيط بالمرأة السعودية في الوقت الحاضر، وقد كان هناك عدد من الأسئلة يسأل عن صحة ما أذاعته بعض الإذاعات الغربية مثل لندن حول مظاهرات في مدينة الرياض؟ الجواب الذي وصلنا من هذا كما وصلكم، أن هناك ما يقارب ثلاثة وأربعين امرأة علمانية خرجن في شوارع الرياض يقدن السيارات وينشرن منشوراً هناك يطالبن فيه أن المرأة تقود السيارة، وأذيعت هذه في الإذاعات الأجنبية، ولكن أسأل الله أن يكف الشر، وقد تكلم كثير من العلماء والدعاة في المسألة، وأرى أن هذه الفترة فترة تمايز بين أهل الحق وأهل الباطل، ولا يكون هناك فريق ثالث إما يمين وإما يسار، إما أهل لا إله إلا الله، وإما أهل الطاغوت والكفر بمبادئ الله التي أنزلها على رسوله ﷺ ، فواجبنا أن نعود بالأمة إلى لا إله إلا الله وإلى مصداقية لا إله إلا الله في القلوب والميدان. وقد سلف كما قلت في محاضرة (الفتاة السعودية والعلمانيون) بعض الحقائق عمّا يراد بالمرأة هنا، يراد بها أن تكون مضيفة في الطائرة، ومغنية ومهرجة وتظهر للناس، يراد أن تكون في المصنع، وجندية تحمل السلاح، وتقود الدبابة، وتغامر مع الجيوش والطوابير إلى غير ذلك، ويراد منها أن تكون عارضة أزياء، وخادمة، ووسيلة للدعاية، ولقمة سائغة لكل مهرج ومروج وفاجر. على كل حال فيما سمعت أن الفتنة انتهت بطريق جيد إن شاء الله، وقد تفاهم ولاة الأمر في هذه المسألة مع هيئة كبار العلماء، وأوقفوا هذا المد، وأخذوا تعهدات على هؤلاء الخاسرات، وأظنها أول نغمة يفعلنها بعد نغمات كثيرة كانت من وراء الستار ليروا أهل الفضل والعلم والصحوة ما هي ردود الفعل هناك؛ وأنا أعرف أن أولئك النساء لسن بحاجة ماسة لقيادة السيارة، ولكن مقاصدهم أعظم وأعظم، وهي أطوار مرت بها المرأة في بعض البلاد الإسلامية. وكما تعرفون قصة الميدان هدى شعراوي وقصة سعد زغلول مع النساء ومصطفى كمال أتاتورك في أنقرة وغيره بدءوا بهذا، ولكن عسى الله أن يوفق القائمين حتى يوقفوا هذا الخطر، وأن يرشد طلبة العلم والدعاة والعلماء أن يقفوا بحكمة أمام هؤلاء الذين يهددون مقدراتنا ومسيرتنا.

стр. 1858

العلمانيون في بلادنا السؤال هل يوجد في بلادنا علمانيون، وهل تنصحنا بعدم قراءة بعض كتبهم؟ الجواب بلادنا لا تسلم بل عدد العلمانيين كثير، وهؤلاء يتميزون بما ذكرت في المحاضرة من صفات تعرفونها، وهم يسمون في علم الكتاب والسنة المنافقون، ولكنهم هنا يتدبلجون لنا، وقد يلمعون أنفسهم بحضور المحاضرات أو مدح الإسلام في العلانية وقتله في الخفاء، ومدح الدعاة أمامهم وقتلهم في الخفاء، والتهوين من شأن الإسلام أو تحجيم الإسلام بأي وسيلة، وهؤلاء هم قوم كثر. ولهم كتب في الساحة، ولكن كتب الغرام والهيام والحب والفن عندهم أكثر من الكتب الفكرية؛ لأنها لا تجد رواجاً في هذه المرحلة؛ لأن المسيرة ما زالت والحمد لله قائمة، وأهل الخير وأهل الفضل لهم مسار صحيح ومقدر بإذنه .

стр. 1859

مقالات العلمانيين في المجلات السؤال ذكرت في المحاضرة السابقة مقالات في مجلات متعددة مثل مجلة سيدتي وغيرها، وهي مقالات غير طيبة للعلمانيين، فلماذا لا تصادر تلك المجلات؟ الجواب لا تسألني أنا، بل السؤال يوجه إلى من بيده الحل والربط، أما أنا فلا يطاع لي أمر (لا يطاع لقصير أمر) فأنت اكتب للمسئولين، وقل: أريد أن تُصَادر هذه المجلة لأنكم حريصون على إقامة التوحيد، وعلى حماية الإسلام، ومما يحارب الإسلام والتوحيد هذه المجلات، وسوف يستجيبون لك إن شاء الله.

стр. 1860

فرق شاسع بين الديمقراطية والشورى السؤال يقول أحد الكتاب في إحدى الجرائد اليومية بعد أن تكلم عن الشورى وأنها من الدين الإسلامي: إن الشورى كما نفهمها الفهم الصحيح الذي نؤمن به أنها ديمقراطية الرأي التي نريدها أن تقوم على مبدأ الإسلام بزعمه، فماذا تقولون؟ الجواب هذا خطأ! وما صدق في هذا؛ بل الديمقراطية تختلف عن الشورى باختلافين اثنين: أولاً: الشورى في الإسلام هي احترام الرأي: أن يكون لك رأي محترم يسمع منك، وتكون لك مكانة في المجتمع ولا يقتل صوتك، فهذا معنى الشورى، فالشورى كما قال : ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] أن تضاف الآراء جميعاً إلى أن تكون رأياً واحداً أو بالأغلبية. أما الديمقراطية فهي تعلن التحرر حتى بين الإنسان وبين الله فيقولون: ليس لله عليك هيمنة، ولا ألوهية، ولا لله عليك حق، وإنما لك حرية حتى مع الله . ولذلك يقول محمد إقبال في بعض رسائله: أرفض الديمقراطية الغربية بوضعها؛ لأنها تخرج الإنسان بهيمة مع الله، أي تجوز الكفر بالله حتى تقول له: صلِّ، يقول: أنا حر مع الله، فهذا معنى الديمقراطية عندهم، فهذا جانب. ثانياً: أن الشورى في الإسلام تختار أهل الرأي وأهل الحل والعقد، فتختار الفضلاء، وطلبة العلم والعلماء، والصالحين الناصحين المثقفين، ومن له دور في المجتمع وله تأثير. أما الديمقراطية فهي على حسب الرءوس، ولذلك يقول محمد إقبال: مخ مائتي حمار يساوي عندهم رأساً، وقال: ولكن رأس مائتي حمار لا ينتج لك رأس إنسان. فهذا ريجن كان ممثلاً -كما تعرفون- من كالفورنيا من روفر سايد أتى حتى أصبح رئيس جمهورية بالأصوات، قد يكون جديراً أو قد لا يكون جديراً فهذه هي الديمقراطية، وهذا كارتر كان يزرع فولاً في جورجيا وأتى حتى صعد، وقد يكون جديراً أو ليس جديراً حتى أصبح رئيساً. لكن في الإسلام لا بد أن يكون هناك أهل حل وعقد وعلماء وفضلاء وأخيار لا يساوون بغيرهم، يقول : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] ولذلك كان الصحابة يختارون صفوة هم الذين يدبرون شئون الأمة، لكن تأتي بمعربد وبمتفلت على شرع الله وأهوج وأحمق ومتزلف ومطرب ضائع، وتجعله مثل هذا، وتقول: هو صوت وأنت صوت، وهو مقعد وأنت مقعد، فهذا ليس بصحيح، وهذا هو اختلاف الشورى في الإسلام عن الديمقراطية.
следующие страницы →