← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

غزو الطفل المسلم السؤال كما حرص الأعداء على هدم الأسرة المسلمة لم يغفلوا عن الطفل المسلم، وإن في دعاية البسكويت وأفلام الكرتون وغير ذلك في التلفزيون ما يندى له الجبين مما رأيناه ولاحظناه، فنرجوكم أن تتكلموا عن مثل هذه الأمور وتنبهوا عليها، أو تخصصوا لها محاضرة؛ لأنها من الأمور التربوية الخطيرة التي أتتنا من الغرب؟ الجواب الحمد لله، قد تُعرض لهذا قبل فترة بمحاضرة بعنوان (الرسول ﵊ مع الأطفال) وما ذكره الأخ ذكر هناك، وذكر في كثير من المحاضرات، ونبهنا الأخ على بعض المسائل لا بأس أن أعيدها هنا، وهي مسألة (غزو الطفل المسلم) ومن أدواتهم في ذلك فيلم الكرتون، ومنتجته شركة إيطالية يهودية، وهو يربي الأطفال على ناحيتين: الناحية الأول: ناحية عبادة الدولار والدرهم من دون الله ، وتحبيبه إلى المال، حتى تجد في القفز والأخذ والعطاء درهماً أو ديناراً في فمه، ويصعد ويأخذه ويجتذبه من ذاك، ثم يطارد زميله، ثم يقاتله من أجل هذا الدرهم والدينار؛ لأن هذا الفكر ماركسي، وهي تربية الإنسان على عبادة المادة من دون الله. الناحية الثانية: تربية الطفل على الجنس، فهناك طفل وطفلة، تقبلها وتقبله، غرام وعشق وهيام ومطاردة، والطفل لم تكن عنده الغريزة وما نشأت إلا الآن، فيصبح في ذلك متذكراً متلهفاً، وتغرس مع الأيام في هذا، ولو لم يكن فيه إلا تضييع وقت الطفل عن تربيته بالآيات، وبالآداب الشرعية، وبالأشرطة الإسلامية، وبالأناشيد الطيبة، وبتثقيف لسانه باللغة الحية، لكان أعظم خسارة من هذا الضياع. وأما الإعلانات والدعايات فهي سموم كثيرة طمت وعمت، كتشهير أعداء الله بزعيم مجرم كان قد حارب الإسلام يشهر به في بعض الإعلانات، أو رجل معتوه، أو رجل صاحب فن في فن الغرام والطرب، ولا عب كرة مشهور فيجعل دعاية في شركة أو مؤسسة أو منتدى أو على لعبة أو سلعة تباع، وهذا كله هدم لمؤسسات العقيدة وتشويه لمسار الإسلام في قلوب الأمة.

стр. 1857

المؤامرة على المرأة السؤال الرجاء أن تحدثنا عن المؤامرة التي تحيط بالمرأة السعودية في الوقت الحاضر، وقد كان هناك عدد من الأسئلة يسأل عن صحة ما أذاعته بعض الإذاعات الغربية مثل لندن حول مظاهرات في مدينة الرياض؟ الجواب الذي وصلنا من هذا كما وصلكم، أن هناك ما يقارب ثلاثة وأربعين امرأة علمانية خرجن في شوارع الرياض يقدن السيارات وينشرن منشوراً هناك يطالبن فيه أن المرأة تقود السيارة، وأذيعت هذه في الإذاعات الأجنبية، ولكن أسأل الله أن يكف الشر، وقد تكلم كثير من العلماء والدعاة في المسألة، وأرى أن هذه الفترة فترة تمايز بين أهل الحق وأهل الباطل، ولا يكون هناك فريق ثالث إما يمين وإما يسار، إما أهل لا إله إلا الله، وإما أهل الطاغوت والكفر بمبادئ الله التي أنزلها على رسوله ﷺ ، فواجبنا أن نعود بالأمة إلى لا إله إلا الله وإلى مصداقية لا إله إلا الله في القلوب والميدان. وقد سلف كما قلت في محاضرة (الفتاة السعودية والعلمانيون) بعض الحقائق عمّا يراد بالمرأة هنا، يراد بها أن تكون مضيفة في الطائرة، ومغنية ومهرجة وتظهر للناس، يراد أن تكون في المصنع، وجندية تحمل السلاح، وتقود الدبابة، وتغامر مع الجيوش والطوابير إلى غير ذلك، ويراد منها أن تكون عارضة أزياء، وخادمة، ووسيلة للدعاية، ولقمة سائغة لكل مهرج ومروج وفاجر. على كل حال فيما سمعت أن الفتنة انتهت بطريق جيد إن شاء الله، وقد تفاهم ولاة الأمر في هذه المسألة مع هيئة كبار العلماء، وأوقفوا هذا المد، وأخذوا تعهدات على هؤلاء الخاسرات، وأظنها أول نغمة يفعلنها بعد نغمات كثيرة كانت من وراء الستار ليروا أهل الفضل والعلم والصحوة ما هي ردود الفعل هناك؛ وأنا أعرف أن أولئك النساء لسن بحاجة ماسة لقيادة السيارة، ولكن مقاصدهم أعظم وأعظم، وهي أطوار مرت بها المرأة في بعض البلاد الإسلامية. وكما تعرفون قصة الميدان هدى شعراوي وقصة سعد زغلول مع النساء ومصطفى كمال أتاتورك في أنقرة وغيره بدءوا بهذا، ولكن عسى الله أن يوفق القائمين حتى يوقفوا هذا الخطر، وأن يرشد طلبة العلم والدعاة والعلماء أن يقفوا بحكمة أمام هؤلاء الذين يهددون مقدراتنا ومسيرتنا.

стр. 1858

العلمانيون في بلادنا السؤال هل يوجد في بلادنا علمانيون، وهل تنصحنا بعدم قراءة بعض كتبهم؟ الجواب بلادنا لا تسلم بل عدد العلمانيين كثير، وهؤلاء يتميزون بما ذكرت في المحاضرة من صفات تعرفونها، وهم يسمون في علم الكتاب والسنة المنافقون، ولكنهم هنا يتدبلجون لنا، وقد يلمعون أنفسهم بحضور المحاضرات أو مدح الإسلام في العلانية وقتله في الخفاء، ومدح الدعاة أمامهم وقتلهم في الخفاء، والتهوين من شأن الإسلام أو تحجيم الإسلام بأي وسيلة، وهؤلاء هم قوم كثر. ولهم كتب في الساحة، ولكن كتب الغرام والهيام والحب والفن عندهم أكثر من الكتب الفكرية؛ لأنها لا تجد رواجاً في هذه المرحلة؛ لأن المسيرة ما زالت والحمد لله قائمة، وأهل الخير وأهل الفضل لهم مسار صحيح ومقدر بإذنه .

стр. 1859

مقالات العلمانيين في المجلات السؤال ذكرت في المحاضرة السابقة مقالات في مجلات متعددة مثل مجلة سيدتي وغيرها، وهي مقالات غير طيبة للعلمانيين، فلماذا لا تصادر تلك المجلات؟ الجواب لا تسألني أنا، بل السؤال يوجه إلى من بيده الحل والربط، أما أنا فلا يطاع لي أمر (لا يطاع لقصير أمر) فأنت اكتب للمسئولين، وقل: أريد أن تُصَادر هذه المجلة لأنكم حريصون على إقامة التوحيد، وعلى حماية الإسلام، ومما يحارب الإسلام والتوحيد هذه المجلات، وسوف يستجيبون لك إن شاء الله.

стр. 1860

فرق شاسع بين الديمقراطية والشورى السؤال يقول أحد الكتاب في إحدى الجرائد اليومية بعد أن تكلم عن الشورى وأنها من الدين الإسلامي: إن الشورى كما نفهمها الفهم الصحيح الذي نؤمن به أنها ديمقراطية الرأي التي نريدها أن تقوم على مبدأ الإسلام بزعمه، فماذا تقولون؟ الجواب هذا خطأ! وما صدق في هذا؛ بل الديمقراطية تختلف عن الشورى باختلافين اثنين: أولاً: الشورى في الإسلام هي احترام الرأي: أن يكون لك رأي محترم يسمع منك، وتكون لك مكانة في المجتمع ولا يقتل صوتك، فهذا معنى الشورى، فالشورى كما قال : ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] أن تضاف الآراء جميعاً إلى أن تكون رأياً واحداً أو بالأغلبية. أما الديمقراطية فهي تعلن التحرر حتى بين الإنسان وبين الله فيقولون: ليس لله عليك هيمنة، ولا ألوهية، ولا لله عليك حق، وإنما لك حرية حتى مع الله . ولذلك يقول محمد إقبال في بعض رسائله: أرفض الديمقراطية الغربية بوضعها؛ لأنها تخرج الإنسان بهيمة مع الله، أي تجوز الكفر بالله حتى تقول له: صلِّ، يقول: أنا حر مع الله، فهذا معنى الديمقراطية عندهم، فهذا جانب. ثانياً: أن الشورى في الإسلام تختار أهل الرأي وأهل الحل والعقد، فتختار الفضلاء، وطلبة العلم والعلماء، والصالحين الناصحين المثقفين، ومن له دور في المجتمع وله تأثير. أما الديمقراطية فهي على حسب الرءوس، ولذلك يقول محمد إقبال: مخ مائتي حمار يساوي عندهم رأساً، وقال: ولكن رأس مائتي حمار لا ينتج لك رأس إنسان. فهذا ريجن كان ممثلاً -كما تعرفون- من كالفورنيا من روفر سايد أتى حتى أصبح رئيس جمهورية بالأصوات، قد يكون جديراً أو قد لا يكون جديراً فهذه هي الديمقراطية، وهذا كارتر كان يزرع فولاً في جورجيا وأتى حتى صعد، وقد يكون جديراً أو ليس جديراً حتى أصبح رئيساً. لكن في الإسلام لا بد أن يكون هناك أهل حل وعقد وعلماء وفضلاء وأخيار لا يساوون بغيرهم، يقول : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] ولذلك كان الصحابة يختارون صفوة هم الذين يدبرون شئون الأمة، لكن تأتي بمعربد وبمتفلت على شرع الله وأهوج وأحمق ومتزلف ومطرب ضائع، وتجعله مثل هذا، وتقول: هو صوت وأنت صوت، وهو مقعد وأنت مقعد، فهذا ليس بصحيح، وهذا هو اختلاف الشورى في الإسلام عن الديمقراطية.

стр. 1861

الترابي، وعباس مدني، وراشد الغنوشي السؤال ما رأيك في الترابي وعباس مدني وراشد الغنوشي من مبدأ العلمانية؟ الجواب أنا أرجو الله أن يكون هؤلاء الثلاثة بعيدين من العلمانية، عليهم ملاحظات، وقد يكون الحديث عن كل واحد على حده، وأما الترابي فقد قرأت له بعض الكتب، وعتبت عليه كثيراً لقلة ثقافته الحديثية والسنة عن الرسول عليه الصلاة السلام، وقلة اطلاعه على السنة، حتى رأيته يرى أن الغناء لا بأس به، والحجاب متساهل فيه، والموسيقى وأمور كثيرة، فعتبت عليه من هذا الجانب. ومما نعتب عليهم أيضاً موقفهم من العدوان الذي جرى على الكويت فقد أجمعت الأمة على أنه عدوان وبغي، وظالم اعتدى على مظلوم، فالواجب أن يعلنوا أن صدام قد ظلم واعتدى، هذا الذي نريده منهم، وما سمعنا تصريحاً منهم يشير، وقد تكلمت عنهم بعض أجهزة الإعلام وعن بعض كلامهم، وما أدري هل هو ثابت لهم أم لا، لكن ما زلنا نطمح بأن نسمعهم ينددون بالعدوان والطغيان والبغي خاصة أن عباس مدني في الجزائر له كلمة في وسط الناس هناك. وراشد الغنوشي في تونس له كلمة في الصحوة والترابي في السودان له كذلك مكانة فنريد من هذه الجزئية، وما أريد أن أتكلم بتفصيل؛ لأنه -أحياناً- قد ينقل الكلام إلينا وليس بصحيح ونحتاج إلى تثبت ومجالسة معهم.

стр. 1862

مؤلفات مصطفى محمود العقاد السؤال ما رأيك في مؤلفات الدكتور مصطفى محمود، وخاصة كتاب رحلتي من الشك إلى الإيمان؟ الجواب مصطفى محمود رأيت له مما يقارب ستة كتب، وبعضها ما يساوي الحبر الذي كتب به، ورأيت منها مقالات كثيرة ولكنها هراء، وكلها في عالم الخيال، ويتكلم عن مسائل تافهة، وقد أغرق في كتاب اسمه الحب في مسألة الجنس إغراقاً عجيباً، وجعل المرأة كأنها مقصودة، وهذه أظنها في فترة حياته؛ لأنهم يقولون: إنه تحسن وضعه فما ندري، لكن على كل حال: كتبه غالبها: ﴿كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] وهو يقول مثلما يقول عمر لابنه حين مر بابنه ومولاه وهم ينشدون شعراً فلما سمعوه سكتوا قال: من الذي أنشد منكما فقالا: ما أنشدنا، قال: لتنشدان، فأنشد الأول ثم أنشد الثاني ليرى صوتيهما، فقال: أنتما كحماري العبادي له حماران قيل له: أي حماريك أحسن؟ قال: هذا ثم هذا. وأحياناً قد يجيد في عالم المادة، لكنه يخلطها بشكوك وارتياب، وأنا قرأت كتابه هذا فيشكك الإنسان، هو يريد أن يخرج من الشك لكنه يرسب في الشك. لأن طريقة المناطقة التي سلكوها للإيمان بالله ليست بصحيحة عند العلماء وهي تورث الشك والحيرة، وطريقة القرآن هي الطريقة الصحيحة، التفكر في آلاء الله والذكر والتسبيح وكثرة العبادة، والاهتداء بنور محمد ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢].

стр. 1863

تأثير العلمانيين على التعليم السؤال هل ترى أن للعلمانيين دوراً مؤثراً في مؤسساتنا التعليمية؟ وماذا تنصح من يقوم على هذه المؤسسات التعليمية؟ الجواب أنا أرى ذلك وأرى أن لهم كلمة في هذا ولهم تأثير، ومن تأثيراتهم: تقليص حصص الدين، وإضعاف منهج القرآن، بينما تكثف المناهج الأخرى، والاعتناء بها كما ترون، حصة القرآن الخامسة والسادسة بعد أن ينام الطلاب وينعسوا، تخريج دفع من الثانويات والمعاهد لا يجيدون قراءة القرآن، صرف أوقات القرآن في الحصص الرياضية وأشباهها، جعل المادة الفنية (الرسم) حصتين أو ثلاث حصص والقرآن حصة، اختصار التاريخ الإسلامي وسيرة الرسول ﷺ والخلفاء الراشدين في خمس عشرة صفحة، بينما زنوبيا وسليمان إفرنجية في تاريخه ثلاث وعشرون صفحة، وإظهار الإسلام أنه دين طيب للصلاة والصيام والحج والعمرة، لكن ليس بإظهار الإسلام في الثقافة بأنه الدين الحي الذي يفرض هيمنته في العالم، ويسيطر على الوجود، وبإمكانه أن ينقذ الأمة إلى غير ذلك.

стр. 1864

ضرورة الإخلاص في العمل السؤال أنا موظف على بند الساعة، ولكن عملي لم أخلص فيه نظراً لظروفي القاسية، حيث إني طالب، وعندي أسرة أعولها، وقد حاولت مراراً أن أخلص ولم أستطع أبداً، فهل أترك هذا العمل أم ماذا؟ الجواب أدعوك أولاً إلى أن تخلص في عملك عل الله أن يثبتك وأن يكون رزقك حلالاً، ولكن إن لم تستطع فأنت أمام خيارين: إما أن تقدم استقالتك من العمل، وهذا الأسلم والأتقى والأنقى لك عند الله، والله يرزقك ما تستطيع، وإما إن لم تستطع هذا فتفاوض مع المسئول المباشر عليك في هذه المسألة، وتخبره بظروفك ليكون على بصيرة، ويعرف الساعات التي تغيبها، ويعرف كيف يتصرف معك، فإن أذن لك فلا بأس في تلك المرحلة.

стр. 1865

حكم كشف الطبيب على المرأة السؤال امرأة مصابة بمرض ويتطلب هذا المرض الكشف على أعضائها التناسلية، وليس هناك امرأة طبيبة متخصصة في مستشفى أصيل، فما هو رأيكم أن يكشف عليها رجل؟ الجواب لا بد من أن يكون هناك طبيبة مسلمة، ولكن في مرحلة الضرورة القصوى، التي هي مرحلة الضرورة التي ما بعدها إلا الموت فلا تأت بمسألة زكام، وتقول: يكشف عليها الدكتور؛ لأن الزكام ليس ضرورة أو صداعاً في الرأس، أو حرارة أو حموضة، ولا يجوز أصلاً للطبيب أن يكشف على المرأة، فكيف بالأجهزة التناسلية التي هي من أحرج ما يمكن؟! ولكن إذا وصلت قدر الضرورة التي تصل إلى درجة الموت، ولم توجد امرأة وبحث عنها، ولم توجد طبيبة، فإن أهل العلم جوزوا ذلك من باب الضرورات لقوله : ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩] وحد الموت، مرض مهلك، أما غيرها من الأمراض فلا.

стр. 1866

حكم الصور في مادة الأحياء السؤال تكلمتم عن رسم الكائنات الحية، فما حكم رسم الكائنات الحية في كلية العلوم أو في المدارس كمادة الأحياء، مع العلم أنه في الأبحاث يجب أن تستخدم الرسم في الشكل الخارجي والداخلي سواء، كما تحت المجهر والكليات المختلفة؟ الجواب أنتم تعرفون تحريم الرسول ﷺ للصور الحية، ولكن للضرورات هناك بإذن الله بعض الوسائل التي قد تعفينا من التحريم، وهي مثل: قطع الرأس حتى يكون كأنه شجرة، لحديث النسائي، فإذا أردت أن ترسم بطة لك أن تقطع رأسها، ولا يلزمك أن يكون الرأس موجوداً، وبعض العلماء يقول: يكون هناك فاصل حتى لا تستطيع الحياة لو كانت حية، فأرى قطع الرأس أو رسم جزئية من الحيوان أو رسم الحيوان على أجزاء أربعة مثل الرأس وحده والجناح وحده والرجل وحدها وهكذا، فهذا الذي أراه.

стр. 1867

كتب حول الواقع السؤال هلا ذكرتم لنا -جزاكم الله خيراً- أبرز المؤلفات التي تعين الشاب على معرفة ما يدور حوله، ونرجو من السامعين جزاهم الله خيراً هذه المؤلفات وقراءتها؟ الجواب الكتاب الأول بعد كتاب الله : (في ظلال القرآن) لـ سيد قطب. (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) لـ أبي الحسن الندوي. (واقعنا المعاصر) للأستاذ المفكر محمد قطب. (تذكرة الدعاة) لـ أبي الأعلى المودودي. (مبادئ الإسلام) لـ أبي الأعلى المودودي. (حصوننا مهددة من الداخل) لـ محمد محمد حسين. (الغارة على العالم الإسلامي) لمجموعة من الكتبة، وقد ترجمه مجموعة من العرب وهو موجود في الأسواق. (دمروا الإسلام أبيدوا أهله) كتيب لـ جلال العالم لا بد أن تقرءوه. (جند الله ثقافة وأخلاقاً) لـ سعيد حوى. (معالم في الطريق) لـ سيد قطب ﵀. (الإيمان والحياة) للدكتور يوسف القرضاوي، وفي هذه المرحلة أنصحكم بكتاب (عودة الحجاب) لـ محمد إسماعيل وهو من أحسن ما كتب. وهناك (الحجاب) لـ مصطفى العدوي. (معالم الانطلاقة الكبرى عند أهل السنة والجماعة). فهذه تكفي إن شاء الله مع كتب السلف وبالخصوص كتب ابن تيمية وكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ رحمة واسعة. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1868

الاستغفار شهر رمضان شهر التوبة والغفران، ومتى يتوب من لا يتوب في رمضان؟! ويلي رمضان عيد يفرح فيه الطائعون لله، ويسن في العيد التكبير وصلاة العيد ولبس الجديد والمعاودة للأهل والأقارب إلى غير ذلك من الأحكام في العيد.

стр. 1869

شهر رمضان شهر الاستغفار اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، ومثلما ما نقول، وفوق ما نقول، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالصيام، ولك الحمد بالقيام، عز جاهك، وجلَّ ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت، في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي الجنة رحمتك، وفي النار سطوتك، وفي كل شيء حكمتك وآياتك. من تقرب إليك قربته، ومن أحبك أحببته، ومن توسل إليك قَبِلته، ومن عصاك أدبته، ومن حاربك كبته. لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا. والصلاة والسلام على من رفعت به منار الإسلام، وحطمت به دولة الأصنام، وفرضت به الصلاة والصيام، والطواف بالبيت الحرام، خير من أفطر وصام، وخير من سجد وقام، رسول البشرية، ومعلم الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: أيها الناس! فإنكم تعيشون الأيام الأخيرة من هذا الشهر المبارك. شهرٌ رضي الله عمن صامه وقامه. شهرٌ فتح الله به أبواب الجنان، وأوصد فيه معامل الشيطان، شهرٌ أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتقٌ من النار. شهرٌ أنفاس الصائمين فيه خيرٌ عند الله من المسك. شهرٌ يعتق الله في كل ليلةٍ منه مائة ألفٍ ممن استوجبوا دخول النار. شهرٌ جعله الله صلةً بين المذنبين وبينه ﵎. والله عزوجل طلب من المكلفين أن يستغفروه بعد كل عمل صالح، فقال للرسول ﵊ في آخر عمره: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:١ - ٣] وقال للحجيج بعد أن قضوا مناسكهم، وانتهوا من أعمال حجهم: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩]. فواجبك في هذه الأيام والليالي، أن تعود إلى الملك العلام، وأن تختم هذه الساعات القريبة الوجيزة، التي بقيت من هذا الشهر الفضيل، ومن هذا الموسم الجليل، أن تختم هذا الشهر بالاستغفار والتوبة، علَّ الله أن يقبلك في من قبل، وأن يعفو عنك في من عفا عنهم، وأن يردك إليه.

стр. 1870

استغفار الأنبياء إن الأنبياء ﵈ سلفاً وخلفاً استغفروا الله عزوجل على حسناتهم وبرهم وصلاحهم، قال نوح ﵇ لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [نوح:١٠ - ١٢]. وقال آدم وزوجه لما أذنبا: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]. وقال : ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود:٣]. وقال سليمان ﵇ وقد رأى ملكه وجيشه: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [صّ:٣٥]. وقال إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢].

стр. 1871

الله الغفور الرحيم والله عزوجل وعد المستغفرين ألا يأخذهم بنقمة في الدنيا إذا استغفروا الله، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣]. ونادى الله الناس جميعاً، فقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. وقال مادحاً من استغفر يوم يذنب، ومن تاب يوم يسيء, ومن راجع حسابه مع الحي القيوم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٥ - ١٣٦]. ومن صفات الله عزوجل الحسنى أنه تواب رحيم: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى:٢٥]. وقال لبني إسرائيل: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٧٤]. وقال مخبراً أن من اجتنب الكبائر غفر الله له الصغائر، فقال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء:٣١] وقال جلَّ ذكره: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ [النساء:٦٤] وقال : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء:١١٠]. فسبحان من بسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار! وسبحان من بسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها! والله يقول في الحديث القدسي: ﴿يا عبادي! إنكم تذنبون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم﴾.

стр. 1872

رمضان والتوبة متى يتوب من لا يتوب في رمضان؟ ومتى يعود إلى الرحمن من لا يعود في رمضان؟ ومتى يراجع حسابه مع الواحد الديان من لا يراجع حسابه في رمضان؟ ينسلخ الشهر ولا يمحى الذنب. ينسلخ الشهر ولا تسارع في فكاك رقبتك من النار. أليس من الحسرة والندامة أن يعفو الله عن مئات الألوف ثم لا يعفو عن البعيد؟! أليس من العار والخزي والخسار والتبار أن ينسلخ الشهر ثم لا تكون من الذين ﵃ -ونعوذ بالله من ذلك- والأعمال بالخواتيم؟! فسارع في فكاك رقبتك في هذه الليالي، واغتنم كثرة الصلاة على المصطفى ﷺ ، وكثرة التوبة والاستغفار، وبادر بالحسنات؛ فمن يدري لعلك أذنبت ذنباً كبيراً لا يغفر إلا في هذه الليالي، ولعلك أسأت إساءة كبرى لا يمحوها إلا التوبة في هذه الأيام، فبادر في فكاك رقبتك، وارفع يديك إلى الله عزوجل فإنك لا تدري لعل رمضان لا يعود إليك مرة أخرى. فوداعاً يا شهر الصيام والصلاة! ووداعاً أيتها الأيام العطرة التي عشناها في ذكرٍ وتلاوة! لا ندري أتقبل منا فنخرج يوم العيد في فرح وسرور وحبور ونور، أم ردت أعمالنا علينا -والعياذ بالله- فنخرج في ويل وثبور، وفي حسرة وندامة. فإن السعيد من أسعده الله وكتبه في صحائف الخلود والسعادة، والشقي من أخزاه الله وغضب عليه . إذا عُلم ذلك -يا عباد الله- فأوصي نفسي وإياكم بالتوبة النصوح، وكثرة الاستغفار في هذه الليالي، ورفع يدي الضراعة إلى الحي القيوم علَّ الله أن يغفرلنا؛ فوالله! ليس لنا من الأعمال ما نتقدم به إلى الله، كل أعمالنا خطيئة وذنب، كلنا فقرٌ ومسكنة، كلنا عجز وتقصير، نخشى من أعمالنا أن يشوبها الرياء والسمعة فيبطلها الله أولاً وآخراً. ليس منا شيء، إن فعلنا من الحسنات فقد قابلها بنعمٍ مدرارة ٍغزيرة لا نقوم بشكرها أبداً. يظن العبد يوم يصلي ساعة، أو يقرأ، أو يذكر الله؛ أنه فعل شيئاً عظيماً. وأين ساعات النعيم؟! وأين ساعات الأكل والشرب؟! وأين ساعات اللهو واللعب؟! وأين ساعات الترح والمرح والذهاب والمجيء؟!

стр. 1873

الله الله في بقية رمضان فيا أيها المسلمون! يا من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ ﷺ نبياً ورسولاً الله الله في هذه الليالي! بقي ليلتان أو ثلاث وما أدراك ما يكتبك الله فيها، من يدري لعلك أن تكون شقياً فيمحوك الله ويكتبك سعيداً، لعلك أن تكون بعيداً فيقربك الله ويجعلك سعيداً، لعلك أن تكون من المغضوب عليهم -نعوذ بالله من ذلك- فيتولاك الله في من تولى. وإنما الأعمال بالخواتم لا تحتقر شيئاً من المآثم ومن لقاء الله قد أحبا كان له الله أشد حبا وعكسه الكاره فالله اسأل رحمته فضلاً ولا تتكل ولتك بالخوف وبالرجا ولا تيئس وللنفس فجاهد عجلا وإن فعلت سيئاً فاستغفرِ وتب إلى الله بدار يغفرِ وبادرن بالتوبة النصوحِ قبل احتضار وانتزاع الروحِ تالله لو علمت ما وراءكا لما ضحكت ولأكثرت البكا قد حفت الجنة بالمكارهِ والنار بالذي النفوس تشتهي مع كون كل منه ما لدينا أدنى من الشراك في نعلينا فسبحان من بسط ميزان العدل للعادلين! وسبحان من نشر القبول للمقبولين! وسبحان من فتح باب التوبة للتائبين! فمن مقبل ومدبر، ومن سعيد وشقي، ومن تائب وخائب. فنسأل الذي بيده مفاتيح القلوب، أن يفتح على قلوبنا وقلوبكم، وأن يعتق رقابنا ورقابكم من النار، وأن ينقذنا من عذاب جهنم، وأن يجعلنا ممن قبل صيامه وقيامه وذكره وتلاوته. ربنا تقبل منا أحسن ما عملنا، وتجاوز عن سيئاتنا: ﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦]. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين؛ فاستغفروه وتوبوا إليه. إنه هو التواب الرحيم.

стр. 1874

مع قدوم العيد الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً وشاهداً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. عباد الله! في صباح يوم العيد، يوم تطل شمس العيد، ويبزغ نورها، وترسل أشعتها، في ذاك الوقت الباكر السافر الساحر، تتنزل الملائكة من السماء زرافات ووحداناً، تتنزل ملائكة الرحمن في ثوبٍ مهيبٍ، جميلٍ بهيج، تتنزل الملائكة في صباح عيد المسلمين ومعها الصحف، فتقف على السكك والمنحنيات والطرقات ومداخل الشوراع تسجل الذاهبين والآيبين إلى المصلى، وترسل إليهم الهدايا المعنوية، والجوائز الرمزية التي كلفهم الله بإعطائها العباد، فمن آخذٍ جائزته بيمينه فمقبول ومدخول ومستأذن، ومن مطرود خائب خاسر نادم. والملائكة يوم ينصرف الناس من المصلى يشهدون للمقبولين بالقبول، وللمردودين بالرد، فلا إله إلا الله كم من مقبول يوم العيد فرح مسرور! ولا إله إلا الله كم من مطرود يوم العيد خائب مثبور! فمن قضى الشهر في الصيام والقيام والذكر والتلاوة والعبادة والخشوع؛ قبله الله يوم العيد، وألبسه جديد التوبة مع جديد الثياب، وجعله من أهل دار المغفرة والرضوان. ومن خيب أوقاته، وضيع عمره في رمضان، وعصى الله واجترأ على حرمة الشهر، وتعدى حدود الله وانتهك محارم الله، لا ينفعه -والله- لبس الجديد، بل يعود خائباً نادماً حاسراً فاشلاً.

стр. 1875

ماذا في يوم العيد ؟! يوم العيد سرٌ من أسرار هذه الأمة، ففيه تخرج الأمة الإسلامية معلنة تضامنها وخلودها وانسجامها وتكافلها. يوم العيد يكون ترنيمنا ونشيدنا الخالد: الله أكبر كبيراً، والله أكبر من كل قوة، والله أكبر من كل هيئة، والله أكبر من كل كيان، الله أكبر له البقاء والرفعة، الله أكبر له الثناء والمجد، الله أكبر له البقاء أبداً سرمداً. والتكبير يوم العيد سنة سنها ﷺ في المناسبات وغيرها، فكأننا نقول للناس: يا من تكبر وتجبر! الله أكبر منكم، ويا من عتا واستكبر! الله أكبر منكم، ويا من غفل وسها وتمرد على الله! الله أكبر منكم. ويوم العيد نلبس الجديد؛ ومعناه: أن نظهر النعمة التي أنعم الله بها علينا، فنقول بلسان الحال: يا رب! هذه نعمك علينا، يا رب! هذا اللباس الذي ألبستنا، ونقول للناس: انظروا لنعم الله علينا، وانظروا إلى فضله وكرمه فعند البيهقي بسند حسن قال ﷺ : ﴿إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده﴾ وخرج ﷺ يوم العيد ليصلي بالأمة الإسلامية، وليقود الجماهير لخطبة عاطرة رضية؛ فلبس حلة حمراء من أحسن الحلل؛ ليظهر جمال الإسلام. ويوم العيد نتوضأ ولا بد، ويغتسل من أراد منا، وبعض أهل العلم جعل الغسل سنة؛ لنخرج طيبين ونقول: يا رب! طهرنا الأعضاء فطهر المعنويات، طهرنا الظاهر فطهر الباطن، طهرنا ما كشف للناس فطهر ما خفي عنهم. ويوم العيد نخرج من طريق والأحسن أن نأتي مشاة؛ لنقول لكل عدو في الإسلام: ها نحن الأمة المسلمة خرجنا تائبين إلى الله، منيبين إليه، شاكرين نعماءه، ونمشي على الأرض وهو الأفضل؛ لنعلن التواضع لله عزوجل، ولنقول: عليك أيتها الأرض نمشي، وعلى ظهرك نأكل ونشرب، وفي باطنك نقبر، فنحن العباد من تراب. ونعود يوم العيد من طريق ليرانا الذين لم يرونا من الطريق الأولى، فكأننا حشود منظمة، أو كتائب منسجمة، أو أطلال من إطلالات الفجر، أو شعاعات من شعاع النور. وفي يوم العيد أمرنا ﷺ بزكاة الفطر؛ لنغني الفقراء، فلا يصح أبداً أن نلبس الملابس الغالية، ونركب المراكب الضخمة، ونسكن القصور الشاهقة، والفقراء يموتون على الأرصفة جوعاً وعرياً وعطشاً. في أي ملة وأي دين؟! أن يسكن بعض المسلمين بالشقق العامرة الفخمة الفاخرة ويموت بعضهم عرياً وجوعاً وعطشاً. في أي ملة وأي مبدأ نأخذ ما لذ وطاب من الثياب والطعام والشراب، والأكباد تتمزق جوعاً وعرياً وعطشاً وندماً وبكاءً؟! فقال ﵊ للفقراء: ﴿أغنوهم في ذاك اليوم﴾ لنظهر الشعائر.

стр. 1876

من معاني العيد وأسراره يا أمة العيد! يا من لبسوا الجديد لمولاهم وأعلنوا أنه أحق بعبادة العبيد! من أجلَّ سمات ومعاني العيد، وأسرار العيد؛ أن نعود للحي القيوم، فمن لا يعود إلى الله، ولا يعلن العودة إلى الله فليس له عيد. لماذا يفرح وقد ابتعد عن الله؟! لماذا يفرح وقد قطَّع حباله بينه وبين الله؟! لماذا يفرح وقد أوصد أبواب التوبة بينه وبين الله؟! فمعنى العيد: أن تعود إلى الله، وتعلن توبتك كما يأبق العبد فيعود إلى مولاه. ومن معاني العيد: أن نقف صفوفاً في المصلى، وكأننا نقول: يا رب! إن قبلت فزدنا قبولاً، وإن غضبت فأتنا رضاً، وإن أذنبنا فتب علينا. ومن أجلَّ أسرار العيد: أن نتعاود فيما بيننا ونتزاور، يأتي القاطع الذي قطع أرحامه السنوات المديدة، واستوجب اللعنة العتيدة، فيمحو لعنة الله بزيارة أرحامه: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٥] فحينها تأتي يوم العيد فتزور أباك وأمك، وأخاك وأختك، وعمك وعمتك، وخالك وخالتك، وكل قريب يقرب منك ووصلك الله بوصيلة منه: ﴿فإن الله لما خلق الرحم وتعلقت بالعرش قال: تكلمي، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذلك لك﴾ فأنزل الله الرحم، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله. فالذي لا يصل رحمه يوم العيد كأنه ما فعل شيئاً. فإن من أسرار العيد المعاودة؛ أن تدخل السرور على من جعل الله بينك وبينهم وشائج قربى، وأن تريهم نفسك، وأن يسمعوا حديثك وتسمع حديثهم؛ لأن الحياة قصيرة فلا تقطعها بالقطيعة. ومن أسرار العيد: أن تعود إلى صف المسلمين في الجمع والجماعات، والمناسبات، والأعطيات، والتبرعات، وأن تقف صفاً معهم واحداً، فأنت عضو حساسٌ من أعضائهم، وأنت مضغة من جسمهم، وأنت ذرةٌ من هذا الكيان الخالد. فمن أسرار العيد أن تعود مع المسلمين في صلاة الجماعة والجمعة، وأن تتوب إلى الله. بئس قوم لا يعرفون الله إلا في رمضان. بئس عبدٍ أتى رمضان فصام وقام وتلا آيات الواحد العلام، فلما سمع إعلان يوم العيد رجع على ما كان عليه من الفرقة فإنه هو البعيد، لما سمع إعلان يوم العيد تمرد على رب العبيد، أليس رب رمضان رب شعبان وشوال؟! أليس رب رمضان هو الذي يدرك السر وما يدور في الخلدان؟! أليس رب رمضان هو المطلع على ما تخفيه الضمائر في الوجدان؟! فيا عباد الله! من عرف الله في رمضان فليواصل معرفته كل آن، ومن تاب إلى الله في رمضان فليواصل توبته إلى الله في كل زمان ومكان. إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقنا من النار عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين. وارض اللهم عن أصحابه الأطهار؛ من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بكرمك ومنِّك يا أكرم الأكرمين!

стр. 1877

الظلم ظلمات بدأ الشيخ خطبته بتلاوة آيتين عن الظلم، وحديثين منهما حديث أبي ذر الذي فيه أن الله حرم الظلم على نفسه وعلى الناس، ثم تلا آياتٍ أخرى عن الظلم، ثم ذكر أربعة أمثلةٍ من حياة الأولين، رأى أنها مناسبة لموضوع الظلم، ثم أورد أثراً عن محاسبة الله للظالمين، وإنصافه للمظلومين. وفي خطبته الثانية، تكلم عن التوبة، وحث عليها، ثم ختم كلامه بالدعاء.

стр. 1878

ظلمات الظلم الحمد لله القائل: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]. والحمد لله القائل: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩]. والصلاة والسلام على رسول الله القائل: ﴿إن الظلم ظلمات يوم القيامة﴾. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا، أمَّا بَعْد:

стр. 1879

تحريم الظلم فعن أبي ذر ﵁، عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎ أنه قال: ﴿يقول الله : يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، يا عبادي! كلكم ضالٌ إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! إنكم تذنبون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحدٍ منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ منكم؛ ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته؛ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أوفيها لكم ثم أجزيكم بها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه﴾ رواه مسلم وأحمد والترمذي وابن ماجة. وهذا حديث شريف، وهو أشرف حديث لأهل الشام وأهل سوريا، وهذا الحديث قاعدة من قواعد الإسلام وأصل من أصول الدين، وكان التابعون إذا حدثوا به جلسوا على ركبهم من عِظَمِه. وأكبر قضية في هذا الحديث أن الله حرم الظلم على نفسه وجعله بين الناس محرماً، فقال عز من قائل: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:١٠٨] وقال ﵎: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]. فالظلم حرمه سبحانه على نفسه، فلا يظلم ولا يهضم، والظلم أن يزيد في سيئات من لم يسئ، والهضم أن ينقص من حسنات من أحسن، قال عز من قائل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً﴾ [طه:١١٢] والظلم من شيم العبد. والله حذر العباد من الظلم، فأظلم الظالمين هو العبد الذي يشرك بالله، قال الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] قال الصحابة: ﴿يا رسول الله! كلفنا من الأعمال ما نطيق، فأينا لم يظلم نفسه؟! قال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]﴾ وعلم الله لقمان أن يقول لابنه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] ووصف الله العبد بأنه ظالم، فقال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢] فالعبد ظالم مع الله وظالم مع نفسه وظالم مع الناس. أما مع الله فصح من الحديث القدسي أن الله قال: ﴿عجباً لك يا بن آدم ما أنصفتني! -أي ما عدلت بيني وبينك- خلقتك وتعبد غيري، ورزقتك وتشكر سواي، أتحبب إليك بالنعم وأنا غني عنك، وتتبغض إليَّ بالمعاصي وأنت فقير إليَّ، خيري إليك نازل وشرك إليَّ صاعد﴾ وصح في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿يقول الله ﵎: يسبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، ويشتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، أما سبه إياي فيدعي أن لي صاحبة وولدا وما اتخذت صاحبة ولا ولداً، وأما شتمه إياي فإنه يشتم الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار كيف أشاء﴾. وحذر ﷺ كما في الصحيح من الظلم بين الناس فقال ﷺ : ﴿من اغتصب مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان، قالوا: ولو كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ قال: ولو كان قضيباً من أراك﴾ أي ولو كان سواكاً وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿من ظلم من الأرض قيد شبر طوقه يوم القيامة من سبع أرضين﴾.

стр. 1880

أمثلة على الظلم وأحد العشرة المبشرين بالجنة وهو سعيد بن زيد شكته امرأة وتظلمت إلى مروان بن الحكم منه، وقالت: غصبني أرضي، فحاكمه مروان بن الحكم، وقال: لم غصبتها أرضها، فدمعت عيناه ﵁ وهز رأسه وقال: والله ما كان لي أن أظلمها بعد أن سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿من اغتصب شبر أرض طوقه من سبع أرضين﴾ فلتأخذ أرضي إلى أرضها، وبئري إلى آبارها، ونخلي إلى نخلها، فإن كانت كاذبة فأعمى الله بصرها، وقتلها في أرضها، فاستمر بها الحال ثم عميت في آخر حياتها وذهبت إلى بئرها لتستقي الماء فتردت ميتةً على وجهها: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]. قال أحد التابعين: إذا مررت بأرض قد خربت، وبأهلها قد تفرقوا، وبأنس قد تشعب، وببهاء قد ذهب، وبمال قد فني، وبصحة قد سقمت، فاعلم أنها نتيجة الظلم، ولذلك روى ابن كثير في تاريخه أن البرامكة الأسرة الشهيرة الخطيرة التي كانت تتولى الوزارة لـ هارون الرشيد في بغداد، بلغوا من الترف والرقي أن أحدهم كان يصبغ قصره من الداخل والخارج بماء الذهب والفضة، فكانت تلمع قصورهم مع الشمس، فلعبوا بالأموال وسفكوا الدماء وبغوا وطغوا؛ فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، والرسول ﷺ كما صح عنه يقول: ﴿إن الله يمهل للظالم فإذا أخذه لم يفلته ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]﴾. فسلط الله على هذه الأسرة أحب الأحباب إليهم، وأقرب الأقارب إلى قلوبهم، وأصدق الأصدقاء، وهو هارون الرشيد الخليفة، فأخذهم في ليلة واحدة، فجلد كل واحد منهم ألف سوط ثم قطع بعض أياديهم وأرجلهم وقتلهم شر قتلة، واستولى على أموالهم، وهدم قصورهم، وسجن نساءهم، فدخلوا على شيخ منهم من البرامكة وهو يعذب، ويبكي تحت السياط، فقال له بعض العلماء: ما هذه المصيبة التي حلت بكم؟ قال: دعوة مظلوم سرت في الليل نمنا عنها والله ليس عنها بنائم. وقد قال ﵊: ﴿دعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويقول: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين﴾ ويقول ﵊ -وهو يوصي معاذاً لما أرسله إلى اليمن ﴿اتقِ دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب﴾ ولذلك لما أهين الإمام أحمد إمام أهل السنة ﵁، كان الذي سعى في سجنه وظلمه وجلده أحمد بن أبي دؤاد أحد الوزراء المقربين من الخليفة المعتصم؛ فرفع الإمام أحمد يديه إلى الحي القيوم ثم قال: اللهم إنه ظلمني فاحبسه في جسمه، وعذبه وشرده أيما مشرد، قال العلماء: فوالله ما مات حتى أصابه الله بالفالج في نصفه، فنصف مصاب بالفالج قد مات ويبس نصف جسمه، وبقي نصفه حياً، دخلوا عليه وهو يخور كما يخور الثور، فقالوا: مالك؟ قال: دعوة الإمام أحمد أصابتني، أما نصفي الأيمن فوالله لو وقع عليه ذباب لكأن جبال الدنيا سقطت عليه، وأما النصف الآخر -فوالله- لو قرضتُ بالمقاريض ما أحسست ألماً. وهذه سنة الله في الأرض، فإن الله دمر الديار، وأهلك الأمم، وأفنى الشعوب لما ظلموا، وهذه سنة محكمة منه ﵎. قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: دخل أحد المشايخ الصالحين الأولياء العباد على أحد الطغاة المتكبرين فنازعه في بعض الكلام، وأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر، فقام إليه هذا الطاغية فضربه على وجهه، فقال: لطمتني، أسأل الله أن يقطع يدك، قال: اعف عني، قال: لا والله حتى نحتكم عند الله، قال الذهبي: فأثر أنه ما مر عليه أسبوع إلا وقد استولي على ما عنده، وأخذ من قصره، وقطعت يده، وعلقت أمام الناس. إن الظلم ظلمات يا عباد الله! إن الظلم مسخطة ومغضبة ولعنة، ولذلك صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿لعن الله من غير منار الأرض﴾ ومنار الأرض حدودها التي تقتسم في المزارع والأراضي والأملاك، فمن غيره بغيبة شريكه وعدم رضاه فهو ملعون عند الله .

стр. 1881

عاقبة الظلم وفي الأثر أن الله إذا جمع الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه، حفاة عراة غرلاً بهماً، قد وقفوا في صعيد واحد، وتجردوا للحساب، وتجلى الله ﵎ على عرشه يحمله ثمانية، فنادى بصوت يسمعه من قرب كما يسمعه من بعد فيقول عز من قائل: ﴿أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ ثم يقول: لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل؛ فيجيب نفسه بنفسه ﵎ ويقول: لله الواحد القهار، ثم يقول: إني حرمت على نفسي الظلم وجعلته بينكم محرماً، فوعزتي وجلالي لا تنصرفون اليوم ولأحد عند أحد مظلمة، فينصب الموازين، وترفع الصحف، ويحضر الملائكة، ويأتي الظلمة يعض كل ظالم على يده حتى يأكلها؛ فيقتص الله للمظلوم ممن ظلمه، بحكمه العدل كما قد علمه حتى يؤتى بالبهائم فتحشر كالجبال، ما بين الإبل والبقر والغنم والعجماوات والطيور، فيتجلى الله لها فيقتص لبعضها من بعض، حتى يقتص للشاة الجماء من ذات القرن، فإذا انتهى من المحكمة بينها ﵎ قال لها: كوني تراباً، فتكون تراباً، فيقول الكافر عندها: يا ليتني كنت ترابا!﴾. فالله الله! يا عباد الله! فما جف القطر، وما نزعت البركة، وما تباغضت القلوب، وما فسد الأولاد؛ إلا من الظلم. إن الظلم ظلمات في القلب، وفي القبر والحياة والآخرة. إن الظلم لعنة ومسخطة. فالله الله أوصي نفسي وإياكم باتقاء الظلم، في المعاملات والأقوال والأخلاق، فإنكم سوف توقفون عند ربكم في العرض الأكبر: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤]. والظلم يدخل في البيع والشراء، ويجمع الله المتماكسين الغششة ليوم لا ريب فيه؛ فينصف الناس منهم، والظلم يدخل فيه ظلم الولد لوالديه وهو العقوق، وقد حرم الله العقوق، ولا يدخل الجنة قاطع رحم، وقال الله : ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣]. والظلم يدخل على القضاة والمسئولين؛ فيأتي كل قاض ومسئول -كما صح الحديث في ذلك- مغلولة يده اليمنى خلف ظهره، فإن عدل أطلق الله يده، ونور وجهه، وبشره بالنعيم المقيم، وإن ظلم وفجر كبه الله على وجهه مغلولاً في النار، فنعوذ بالله من الظلم. سجن هارون الرشيد أبا العتاهية فأرسل له من السجن رسالة يقول فيها: أما والله إن الظلم شينٌ وما زال المشين هو الظلوم إلى ديان يوم الحشر نمضي وعند الله تجتمع الخصوم فبكى هارون الرشيد حتى فحص برجله، وأمر باسترضائه وأطلقه، ولذلك يقول: أيا رب إن الناس لا ينصفونني فكيف ولو أنصفتهم ظلموني سأمنع قلبي أن يحن إليهمُ وأحجب عنهم ناظري وعيوني ولكن الأسلم لمن ظلم أن يستغفر الله، فما أصابه الظلم إلا بذنوبه، وأن يرجو الثواب والجزاء والأجر عند الله، وأن يتصدق بعرضه على الناس، قال ﵊ للصحابة: ﴿من منكم مثل أبي ضمضم؟ قالوا: وما فعل يا رسول الله؟ قال: قام البارحة فناجى الله وبكى وقال: اللهم إنه ليس عندي مال أتصدق به، ولا دنيا أنفق منها، اللهم إني قد تصدقت بعرضي على المسلمين، اللهم من سبني أو شتمني أو ظلمني، فاغفر له وارحمه، واجعلها لي أجراً ومثوبة﴾. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولجميع المسلمين فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

стр. 1882

فاستغفروني أغفر لكم الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على نبي الرحمة إمام المتقين، وحجة الله على الناس أجمعين، وهداية السالكين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد:

стр. 1883

الكلام عن التوبة ففي الحديث المتقدم يقول الله ﵎: ﴿يا عبادي إنكم تذنبون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم﴾ وهذا دل عليه الكتاب والسنة قال عز من قائل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] وقال ﵎: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] ولذلك أثر عند كثير من أهل العلم أن عابداً من بني إسرائيل عبد الله أربعين سنة، ثم رجع على عقبيه وعصى الله أربعين سنة، ثم نظر إلى المرآة فإذا الشيب قد غطى لحيته ورأسه فبكى، وقال: يا رب! أطعتك أربعين سنة، وعصيتك أربعين سنة فهل لي من توبة؟ فسمع هاتفاً يقول: أطعتنا فقربناك، وعصيتنا فأمهلناك، وإن رجعت إلينا قبلناك. فالله الله في العودة إلى الله دائماً وأبداً؛ فإننا كلنا أهل ذنب وخطيئة، وأهل فحش وفجور، كما قال ﷺ : ﴿كلكم خطاء، وخير الخطائين التوابون﴾ وقال ﵊: ﴿والله لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقومٍ آخرين يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم﴾ فما حلنا من ورطة الذنب والخطايا، إلا بالتوبة النصوح والاستغفار صباح مساء، وأن ندرأ بالحسنة السيئة فإن الله مدح قوماً فقال: ﴿وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد:٢٢] وقال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] قال ابن عباس ﵄: [[أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين فإنكم في الذنب والخطيئة صباح مساء]] وصدق ﵁ فإن عيوننا تذنب وقلوبنا تذنب، وأبصارنا وآذاننا وأرجلنا وأيدينا ولا يغسلها إلا التوبة والاستغفار، ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] واستغفروا الله يغفر لكم وقدموا من الحسنات ما يكفر عنكم السيئات، ومن فعل منكم في سابق العمر ذنباً مهما بلغ من الكبائر، ولو كانت كالجبال، فليعلم أن الله يغفرها بعد التوبة، وأن الله لا يتعاظمه شيء، وأن الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم أضل راحلته في الصحراء، ثم وجدها عليها طعامه وشرابه. فيا فرحة التائبين، ويا قرة عيون المنيبين، ويا سرور المستغفرين لله ﵎! عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا﴾ اللهم صلِّ على حبيبك ونبيك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة، يا رب العالمين، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار، من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم إلى ما تحبه وترضاه، اللهم أخرجهم من الظلمات إلى النور، اللهم أرهم الحق حقاً وارزقهم اتباعه، وأرهم الباطل باطلاً وارزقهم اجتنابه. اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفقهم لما تحبه وترضاه، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة الناصحة، إنك على كل شيء قدير. اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان وفلسطين وفي كل بلد من أرضك يا رب العالمين. اللهم ارفع رايتهم وثبت أقدامهم، وأنزل النصر والسكينة عليهم، اللهم وحد صفوفهم واجمع شملهم، واجعل سهامهم في نحور أعدائهم، يا رب العالمين. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلّم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 1884

الرحمن على العرش استوى بعض الناس اليوم إذا خلا بنفسه في مكان ما، ورأى الجدران من حوله والسقف من فوقه ظن أنه ليس هناك أحد يراه، وينسى الله الذي يعلم السر وأخفى، وقد بعث الله نبيه محمداً ﷺ ليزرع في قلوب الناس مراقبة الله ، حتى يطيعوه في السر كما يطيعونه في العلانية.

стр. 1885

عظمة الله الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً، وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السموات والأرض، ولم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كل شيء فقدره تقديراً، واتخذوا من دون الله آلهةً لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون، ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً؛ بلغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، ﷺ ما هطل المطر، وما غرد البلبل على الشجر، وما اتصلت عينٌ بنظر، وما تألقت أذنٌ لخبر، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى نياط عروقها في نحرها والمخ في تلك العظام النحل اغفر لعبدٍ تاب من زلاته ما كان منه في الزمان الأول ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢] من هو الله؟ وما هي أسماؤه؟ وما هي صفاته؟ وما هي آثاره في الأرض؟ سأل موسى عن ربه فقال: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠]. وسأل إبراهيم عن مولاه، وعن مميته ومحييه، فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨] ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء:٨١] والله يقول لرسولنا ﵊ في سورة بالغة التأثير: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه:١ - ٨]. يعرف الله بنفسه لرسوله ﷺ ، أنه الله الذي لا إله إلا هو ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦] ما هي آياته؟ وما هي بيناته؟ وما هي علاماته؟ الكون كل الكون، السماء، والأرض، والجبال، والزهرة، والغدير، والجدول، والشجرة، والهواء، والضياء، والسناء تشهد أن لا إله إلا الله. ﴿طه﴾ [طه:١] من هو طه؟ حرفان متقطعان وليس اسماً له ﷺ ، ليس من أسمائه ﴿طه﴾ [طه:١] ولكن ﴿طه﴾ [طه:١] كـ ﴿حم﴾ [الأحقاف:١] وكأن المراد من هذه الحروف نسج الله القرآن، ومن هذه الحروف تكلم الله بالقرآن، فتعالي يا أمة الضاد، يا أمة الشعر الرقراق، ويا أمة البيان البراق، تعالي أيتها العرب العرباء! تعالي فانسجي من مثل ﴿طه﴾ [طه:١] كلاماً؛ كما يأتي بعد ﴿طه﴾ [طه:١]. ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ يخرجك بالقرآن من الظلمات إلى النور، ونخرج أمتك بالقرآن؛ من الظلمات إلى النور، ونرفع رءوسكم بالقرآن من أمة كانت تسجد للوثن، وتعبد الصنم، وتقدس الخرافة، وتسجد للوثنية، وتتقلد التقليد، وتركن للأمم، وتقاد بالحبال كما تقاد الشياه، إلى أمة ترفع رءوسها وتسجد لله. ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ لكن والله لتسعد، وليشرح بالك، وليستنير قلبك، وليرتفع رأسك. وكل مخلوق لا يهتدي بهذا القرآن فهو ملعون القلب، خائن الضمير، فاشل الإرادة، مهزوم العقيدة، متخلف الركب، يتردى في نار جهنم. وقلب بلا إيمان كتلة لحمٍ ميتة، وعينٌ بلا إيمان مقلةٌ عمياء، وأذنٌ بلا إيمان إشارةٌ خاطئة، ومجتمع بلا إيمان قطيع من الضأن. كنا أمة عربية ضائعة، لا تعرف شيئاً؛ إنما تعرف الوثن والصنم والزنا والسرقة، والخنا، والغدر، والخيانة، والفحش، والتفلت على أمر الله، فأتى محمد ﵊ بالقرآن فبعثها من جديد: أتطلبون من المختار معجزة يكفيه شعبٌ من الأموات أحياه أتى ليقول: إن الربا حرام، والزنا حرام، والكذب حرام، والغناء حرام، وضياع الوقت حرام، والانهزام حرام، والتخلف والتبعية لأعداء الله حرام، وإعطاء الولاء لغير الله حرام. فماذا فعل؟ في خمسٍ وعشرين سنة ترك أمة رائدة، يأتي علمها ويرفرف على المحيط الأطلنطي بقيادة عقبة بن نافع، وعلمها الآخر يدخل كابول مع قتيبة بن مسلم، والثالث مع محمد بن القاسم في الهند والسند، والرابع مع طارق بن زياد في أسبانيا. من الذي أخرج العرب؛ أمة الشاة والماعز، وأمة البقر والإبل، وأخرجهم الله من الظلمات إلى النور. والمقصود: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه:١ - ٣].

стр. 1886

خشية الله تعالى ولكن من يخشى؟!! الذي يقرأ القرآن، ويعمل بالقرآن، ويعيش مع القرآن، هو الذي يخشى ويسعد، أما من يعرض عن القرآن ويستبدله بالأغنية الماجنة، وبالمجلة الخليعة، وبالتخلف في سمرات اللهو على الشواطئ، وفي الساعات الحمراء، وفي البلوت والزفير والشهيق والتشجيع والتطبيل؛ فهذا مجتمع مدمر، وهذا شباب متخلف، وهذا جيلٌ ما عرف الله ولا عرف مهمته في الحياة. تعال يا من حاله في وبال ونفسه محبوسةٌ في عقال يا راقداً لم يستفق عندما أذن في صبح الليالي بلال روض النبي المصطفى وارفٌ أزهاره فاحت بريا الجمال هذا الجيل الذي بعثه من الظلمات إلى النور هو الذي يهتدي، لكن قل لي بالله، في جيلٍ ما عرف الله؛ لا يعرف القرآن، لا يحفظ من القرآن شيئاً، تلاوته الأغنية الماجنة، ومصحفه مجلةٌ خليعة، وسواكه السيجارة، يتشبه بأعداء الله الكفرة، بأذناب الشعوب، بأقزام المعمورة، بمدمري البشرية، فكيف يسعد؟ ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦]. ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ [طه:٣ - ٤] ألا سألت الأرض من خلقها، والسماء من رفعها، والجبال من أرساها، والزهرة من جملها، والنسيم من أجراه، والليل من كساه، والتل من غطَّاه، والغدير من أجراه ووسعه، والمجتمع من حماه؟ إنه سوف يقول: الله. يقول الله للرسول في أول سورة: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق:١] وهو أميٌ فأين يقرأ قال أهل العلم: يقرأ في الشمس الساطعة، وفي السماء اللامعة، وفي النجوم المتوهجة، وفي التل، وفي الجدول والغدير، وفي الماء النمير؟! وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد فيا عجباً كيف يُعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد

стр. 1887

الإيمان بأن الله مستوٍ على العرش ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] انظر إلى القرآن كيف يصل القلوب بالرحمن، عقيدة لا تعقيد فيها، ولا أحاجي، ولا ألغاز، ولا صعوبات. عقيدة سهلةٌ كالماء، خفيفةٌ كالهواء، أصيلةٌ كالصدق، واضحةٌ كالفجر.

стр. 1888

رقابة الله الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين على العرش، الذي يعلم نيتك وخطراتك وسكناتك، على العرش. الذي يعلم صدقك، ويرى نظرتك، وتحركك، على العرش. الذي يعلم صدق الصادقين، وخيانة الخائنين، وربا المرابين، وزنا الزانين، وكذب الكاذبين، وغش الغشاشين، على العرش. يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليل ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]. جاء عمير بن وهب إلى صفوان بن أمية -جاهليان، مشركان قبل أن يسلما- جلسا عند الكعبة تحت الميزاب، والرسول ﵊ في المدينة المنورة، وهما في مكة، جلسا يدبران جريمة اغتيال المصطفى ﵊؛ أكبر جريمة في تاريخ الإنسانية، جلسا تحت الميزاب عند الكعبة يتشاوران في قتله ﷺ ، لكن الذي على العرش استوى ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] وخطتهم، فكشف مخططاتهم، وأخبر رسوله في المدينة ﷺ . قال صفوان لـ عمير بن وهب: اذهب إلى المدينة فاقتل محمداً، دمك دمي، وهدمك هدمي، وأنا أتولى أطفالك ومالك. فأخذ عمير سيفه، فسمه بالسم الأزرق شهراً كاملاً، ثم ذهب إلى المدينة، ولكن الله يحمي الله رسوله؛ لأنه على العرش، فلما وصل المدينة رآه عمر مقبلاً فيه خيانة وغدر، وحقد دفين، وموت أحمر، فأخذه بتلابيب ثيابه وبسيفه، وأدخله المسجد بالقوة وبالجبروت، وبالصمود والتحدي، وأجلسه عند الرسول ﵊، وقال: يا رسول! الله هذا الشيطان أتى لأمر، فقال ﷺ ، وهو يتبسم: ﴿ما جاء بك يا عمير بن وهب؟ قال: جئت لأسلم على إخواني من أسارى بدر وأفديهم بالمال، فتبسم ﷺ ؛ لأن الذي على العرش استوى أعلمه، قال: بل جلست أنت وصفوان تحت ميزاب الكعبة ليلة كيت وكيت في الليل، وقال لك: كذا وكذا، وقلت له: كذا وكذا، وأتيت لتقتلني وما كان الله يسلطك عليّ قال عمير: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، وأسلم﴾. ذهب فضالة أحد العرب، وأخذ خنجراً ليقتل المصطفى ﵊، فطاف معه في الطواف، وظن أن الذي على العرش لا يعلم رسوله، لكنه أخبره وقال له: انتبه من فضالة، غادرٌ يريد قتلك، فأتى ﵊ إلى فضالة وهو يطوف، قال: ﴿ماذا تقول يا فضالة؟ قال: أستغفر الله وأتوب إليه، أسبح وأهلل، قال: تب إلى الله يا فضالة، بل أتيت بخنجرك لتقتلني، وما كان الله ليسلطك عليّ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله﴾. جاءت امرأة أوس بن الصامت تشكو زوجها، دخلت على المصطفى ﵊ وهو في بيت عائشة، فأخذت تخفض صوتها لئلا تسمع عائشة الصوت، ولكن ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] سمع الصوت، قالت عائشة: [[والله ما سمعت صوتها، ولا أدري ما قالت، وهي بطرف البيت بجانبي]] وأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١]. ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] يراك وأنت وراء الحيطان، والجدران: وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها: إن الذي خلق الظلام يرانِ أتى أحد الأدباء إلى الإمام أحمد، فقال له الإمام أحمد: من أنت؟ قال: أنا أديب أحفظ أشعار العرب، قال: أسمعني بعض الأبيات، الإمام أحمد؛ إمام أهل السنة والجماعة، الذي إذا جلس في الغرفة وحده كفكف جسمه، وتهيأ، وانضبط في جلسته، وخشع لله. فيقول له أبناؤه: إذا جلست مع الناس جلست مستريحاً منبسطاً، وإذا جلست وحدك كفكفت نفسك، قال: أما يقول الله: ﴿أنا جليس من ذكرني فهو معي﴾. قال له الأديب هذا، اسمع يا إمام، يقول الشاعر: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل: عليَّ رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيب فترك كتبه ومحفظته وقلمه وقام، وأغلق غرفته، قال هذا الأديب: والله لقد سمعت بكاءه من وراء الباب، وهو يردد البيت: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل: عليَّ رقيب أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

стр. 1889

مراقبة الله لعباده الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، وحجة الله على الناس أجمعين، خيرة المتقين، وصفوة الأولياء الصادقين، وعلى آله وصحبه والتابعين. أمَّا بَعْد: فكما يقول الناظم: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل: عليَّ رقيب أورد أهل العلم أن رجلاً خلا في غابةٍ بمعصية، وظن أنه لا يراه أحد، رأى الشجر قد غطَّاه فنسي الله، ورأى الليل قد حماه وتكنفه وآواه ونسي الله، فيقول في نفسه وقد أقبل على المعصية: لا يراني أحد، ولا يعلم بي أحد، فسمع هاتفاً يقول: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]. مرَّ عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه براعي غنم في طريق المدينة، راعٍ يرعى ضآن لكنه يحمل عقيدة الإيمان ويخاف الرحمن، قال له عمر: [[بعني شاةً من غنمك؟ قال: الغنم لسيدي، وأنا مولىً عنده، قال: إذا سألك عن الشاة فقل: أكلها الذئب -يريد أن يختبر إيمانه- قال: لا إله إلا الله، كيف أقول: أكلها الذئب، فأين الله؟!! فجلس عمر يبكي ويقول: أين الله]]. فهل سأل كلٌ منا نفسه أين الله؟ هل سأل المسئول نفسه في الدائرة، وفي العمل، وفي المؤسسة أين الله؟ فحاسب نفسه على الساعات، وحاسب نفسه على المعاملات، وحاسب نفسه على الإجراءات، وهل سائل نفسه عن الناس الذين أوقفهم، وعذبهم على معاملاتهم، وقطع أوقاتهم، وأتعب أحوالهم، أتوا من القرى والبوادي فترك معاملاتهم وإجراءاتهم، وأوراقهم، عذبهم؛ لأنه نسي الذي على العرش استوى. وهل سأل الموظف نفسه، يوم يأخذ مالاً حراماً، ومرتباً حراماً، ويكدس معاملات الأمة، فيخون الله، ويخون ولاة الأمور، ويعذب الناس والشعب، هل تذكر أن الرحمن على العرش استوى سوف يسأله عن هذه المعاملات، وعن هذه المسئوليات، وعن هذه المرتبات، وعن هذه الأوقات؟ يخرج من على كرسيه فيهيم في السكك والشوارع، أو يأخذ انتداباً فيزيد في الأيام، ويأكل الحرام، ويأتي وما أدى عمله؛ فيطعم زوجته حراماً، وأطفاله حراماً، ويبني بيته من الحرام، ويشتري سيارته من الحرام، هل تذكر أن الرحمن على العرش استوى؟ ويأتي الأستاذ إلا من رحم ربك فيدخل على طلابه، لا يحمل رسالةً، ولا يحمل إيماناً، ولا يحمل مادةً علمية؛ فيزجي الحصص، ويضيع السنة، ويفسد في المادة، ويضيع القلوب، ويخرج وهو لم يقدم لأبناء المسلمين إيماناً ولا علماً ولا نفعاً ولا فائدة، فلماذا لا يتذكر أن الرحمن على العرش استوى. وقد يوجد من القضاة من يرى الباطل يدندن في محكمته، والزور يُعمل في قضائه، والرشوة تتناول، والظلم والحيف، والاعتداء على الضعفاء والمساكين منتشر، فهل تذكر أن الرحمن على العرش استوى. ويأتي البائع فينسى الرحمن الذي يعلم السر وأخفى فيغش في بيعه، ويدجل في أخذه وعطائه، مرابٍ، مدلسٍ، مزور، ظن أنه فات عن الله، فوالله ما ذهب عن قبضة الله. ومقصود رسالة الرسول ﵊ أن تعلم الأمة بباريها ﵎، وأن تقود القلوب إلى فاطرها، وأن تقيم العدل والحق والسلام في العالم. وإذا تذكر الناس مولاهم، وتذكروا أنه يراهم، وأنه يعلم سرهم ونجواهم؛ صلح الحال، لكن غابت مراقبة الله وخشيته؛ فأكل الحرام والربا، ووجد الزنا، وانتشر الغناء، وغش في البيع والشراء، وخان الموظف -إلا من رحم ربك- في وظيفته، ودجل في عمله، ونقّص الأستاذ من مهمته، وتفلت الطالب على حصته ودراسته، وذهبت العيون إلى المحرمات، وكثر الفساد، وضاع العباد، وقحطت البلاد. سددنا ما بيننا وبين السماء بالمعاصي، ثم قلنا: يا رب! يا رب! يا رب! اسقنا، فما كان لدعائنا رداً، وما كان لدعائنا نجاحاً وفلاحاً؛ لأن معاصينا تغدو وتروح، ولأن ذنوبنا تفوح، فنشكو حالنا إلى الله، إلى الرحمن الذي على العرش استوى. عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم بالصلاة والسلام عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلَّى عليَّ صلاةً واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلَّ على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين. وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسانك إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وما ترضاه. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور، ووفقنا للحق، واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، ولا فاتنين ولا مفتونين، ولا مضيعين ولا مفرطين يا رب العالمين. اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، ولرفع رايتك. اللهم انصر المجاهدين الأفغان؛ اللهم ثبتهم، وانصرهم، وارفع كلمة الحق بهم. اللهم انصر المجاهدين في فلسطين؛ اللهم انصرهم على اليهود، أعدائك وأعداء المرسلين برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم رد شباب المسلمين إليك رداً جميلاً، كفِّر عنهم سيئاتهم، وأصلح بالهم، وتقبل منهم أحسن ما عملوا، وتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون. ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1890

شهيد القسطنطينية إن الأمة الإسلامية يجب عليها أن تتبع سيرة نبيها محمد ﵊ والصحابة الأخيار؛ لأنهم خير قدوة وخير مثال لهذه الأمة في دينها وقيمها وأخلاقها، ولذا فإن في هذه المادة سيرة صحابي جليل، ألا وهو أبو أيوب الأنصاري شهيد القسطنطينية، وقد اشتملت سيرته على بعض المواقف الدالة على محبته للنبي ﷺ وبيان علو همته في الجهاد في سبيل الله مع كبر سنه ﵁.

стр. 1891

هجرة النبي ﷺ إلى المدينة واستقبال الأنصار له الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها المصلون: أيها الساجدون! أيها المؤمنون! عنوان هذه الخطبة (شهيد القسطنطينية) من هو هذا الشهيد؟ إنه رجل مؤمن ولد في الجزيرة، قتل في الثمانين وقد اشتعل رأسه شيباً، قتل في سبيل الله تحت أسوار القسطنطينية والمسلم ليس له أرض واحدة، البلاد كلها بلاده لأنها بلاد الله، كما يقول الأول: أنا الحجاز أنا نجد أنا يمن أن الجنوب بها دمعي وأشجاني بـ الشام أهلي وبغداد الهوى وأنا بـ الرقمتين وبـ الفسطاط جيراني وفي ثرى مكة تاريخ ملحمة على ثراها بنينا العالم الفاني في طيبة المصطفى روحي وا ولهي في روضة المصطفى عمري ورضواني النيل مائي ومن عمَّان تذكرتي وفي الجزائر آمالي وتطوان فأينما ذكر اسم الله في بلد عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني فمن هو هذا الرجل الشهيد؟ إنه الذي استقبل الرسول ﵊ من مكة من الإرهاب فر من السيوف التي تقطر حقداً ودماً، باع أهل مكة أملاكه وحاصروه وآذوه وشتموه ووضعوا الشوك في طريقه وسلى الجزور على ظهره، وضاقت به الدنيا بما رحبت، فخرج يحمل مبادئه معه أبو بكر الصديق.

стр. 1892

خروج الأنصار مع الظهيرة ينتظرون النبي ﷺ استمر ﵊ سائراً إلى المدينة، إلى الأنصار إلى أحباب الله إلى كتيبة الإسلام، أخذ ﵊ عشرة أيام في السفر يقتلع أقدامه من حرارة الصحراء، وقد امتلأ جوعاً، وتعباً، وظمأ، وسهاداً، ومشقة، لكن كلها في سبيل الله، كان الأنصار يخرجون مع الظهيرة جميعاً عن بكرة أبيهم ليستقبلوا أعظم فاتح عرفه التاريخ، وأعظم رجل مشى على الأرض، أما الرجال فيخرجون السيوف والرماح ليحيون الرسول المنتظر، وأما النساء فكن يصعدن على أسطحة المنازل علهن أن يظفرن بنظرة ولو واحدة إلى وجه العظيم، وأما الأطفال فكانوا ينتشرون كالدرر والجواهر على الأرصفة ينشدون ويرددون: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع جئت شرفت المدينة مرحباً يا خير داع وفي ظهيرة من الأيام الخالدة التي لا تنسى أبداً وإذا بالصائح على أسطحة المدينة قدم الرسول ﵊، فخر الأنصار بسيوفهم كأنهم خرجوا من المقابر، بعثوا من جديد وسال الحب في دمائهم من جديد، وعادت لهم الحياة من جديد، يقول أحد الناس في الرسول ﵊: سافرت نفسه الكريمة فيضاً فالليالي محسودة بالليالي وعلى يثرب أهازيج نصر طلع البدر نظمة الأطفال واستفاقت على صباح جديد ملء آذانها أذان بلال وصل ﵊ على ناقته يقول أنس: [[والله الذي لا إله إلا هو ما كنت أظن أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت الأنصار يبكون من الفرح لما قدم الرسول ﵊]]. طفح السرور علي حتى إنني من عظم ما قد سرني أبكاني

стр. 1893

النبي ﷺ يحيي قبائل الأنصار ووقف الرسول ﵊ يحيي القبائل قبيلة قبيلة، يأخذون زمام ناقته ليكون ضيفهم فيقول: ﴿دعوها فإنها مأمورة فإذا هبطت الناقة في مكان فأنا معها، فيمر ببني بياضة فيخرجون بالسيوف والموت يقطر من عيونهم نصرة لله ولرسوله، فيقولون: أنت ضيفنا قال: دعوها فإنها مأمورة، ويشير لهم ويتبسم لهم، ويشكرهم، ويمر ببني عمرو بن عوف وقد اصطفوا على جنبات الطرق يحيونه قالوا: أنت ضيفنا قال: دعوها فإنها مأمورة، وتخترق الصفوف وتمر إلى أن تأتي بني النجار فيخرج أطفال بني النجار يقولون: نحن بني النجار يا مرحباً بالجار أو كما قالوا في نشيدهم، فيتبسم ﷺ ، ويُرفع له الأطفال على ناقته فيقبلهم ويتركهم ﷺ -لكنه أسر قلوبهم فلا تعود لهم أبداً- ثم أناخت الناقة في مكان مسجده الآن، ولما أناخت انتظر قليلاً ولم ينزل من على ظهرها، فقامت ثم مضت قليلاً ثم رجعت إلى مكانها فناخت وبركت ونزل ﵊﴾.

стр. 1894

شهيد القسطنطينية مع النبي ﷺ ولما نزل سارع هذا الشيخ الذي قتل في أرض الروم إلى متاع الرسول ﵊ وإلى ملابسه وما عنده من شيء على الناقة فأخذه، فقال بنو النجار: عندنا يا رسول الله أنت ضيفنا قال: لا. الرجل مع رحله فذهب وراء الشيخ الذي هو أبو أيوب الأنصاري ووصل معه إلى البيت فقال: يا رسول الله! عندي هذا البيت سفلى وعليه، اسكن في الأعلى وأنا هنا في الأسفل قال ﷺ : أريد أن أكون قريباً من الناس وقريباً من المسجد فأريد هذا، يريد الأرضي فأسكنه وصعد أبو أيوب الأنصاري وزوجته الطاهرة النقية الشريفة إلى الدور الأعلى، وأتى وقت النوم فأخذ يتقلب أبو أيوب الأنصاري كأنه يتقلب على الرمضاء لا ينام قالت له زوجته: مالك يا أبا أيوب لا تنام؟ قال: والله ما أتاني النوم كيف أنام في العلو والرسول ﵊ تحتنا، وفي الصباح حاول أبو أيوب أن يقنع الرسول ﵊ فأبى، كان الطعام يقدم لـ أبي أيوب فيرفع يده وترفع زوجته يدها ويقولان: والله لا نأكل حتى يأكل الرسول ﵊ فينزل بالصحفة ويقدم الثريد، ويشوي اللحم، ويضيف النبي ﷺ أحسن ضيافة عرفها التاريخ. وفي ليلة من الليالي يقوم أبو أيوب ليصلي فيقع في جرة الماء فتنكسر فينصب الماء في الأرض وينسكب في الأرض، فيأخذ شملته وينشف بها الأرض لئلا يتصبب الماء على المصطفى ﵊، ثم يقول: يا رسول الله! أسألك بالله أن تصعد في العلو وأنا في السفلى فصعد ﵊، قدم له من الإكرام ما لم يقدمه عربي لعربي، ولا مسلم لإمام عظيم ولا مضيف لضيف، إذا أراد ﷺ أن يخرج قدم أبو أيوب حذاءه وألبسه في رجليه، يقف ليستقبله ويقف ليودعه، حول نفسه إلى طباخ في البيت يقدم جهده وعرقه وكل ما يملك ليفي بالضيافة، وحفظها له ﵊ ولم يضيعها أبداً فكان يدعو له، ويتفقده، وكان يرى أنه الشيخ المبارك الذي أصبح فيه كل شيء أبيض، دينه ولحيته ورأسه ومبادؤه.

стр. 1895

يجوع النبي ﷺ وصاحباه فيأتون إلى أبي أيوب الأنصاري وتستمر الأيام وفي بعض الروايات أنه المقصود بالقصة الآتية: يجوع ﵊ لما انتقل إلى بيته ويحاصره الجوع فلا يجد في بيته ﵊ لقمة ولا تمرة ولا قطعة تُؤكل، فيخرج ﵊ إلى الطريق وإذا بـ أبي بكر وعمر واقفان أمامه ﵊ قال: ماذا أخرجكما الآن؟ قالا: والله يا رسول الله ما أخرجنا إلا الجوع قال: وأنا أخرجني الجوع -الذي حرر الجزيرة العربية وما جاورها وفتح الدنيا يجوع فلا يجد تمرة، ولا لقمة، ولا خبزة في بيته، الذي سلم مفاتيح الدنيا لأتباعه لا يجد كسرة في بيته!! قال: هيا بنا، وذهبوا جميعاً ودخلوا على أبي أيوب في مزرعته وكان غائباً وامرأته حاضرة، قال ﵊ وهو يعرفها: أين أبو أيوب؟ قالت: ذهب يستعذب لنا الماء، فأتى أبو أيوب وإذا الرسول ﵊ وصاحباه على البساط. هل هناك ضيوف في الدنيا أعظم من الثلاثة؟ هل سمعتم أن ثلاثة اجتمعوا منذ أن خلق الله السماوات والأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها أشرف من الثلاثة؟ لا. ماذا فعل أبو أيوب؟ ألقى الماء والقربة وأخذ يبكي من الفرح وقال: مرحباً والله ما أحد أسعد مني ضيوفاً هذا اليوم، ثم ذهب يأخذ عذقاً من النخل ويذبح شاة ويشوي ويطبخ ويقدم فهو مضياف الإسلام، حظه في الضيافة أن يشبع خير بطن خلقها الله، وأن يروي خير كبد خلقها الله؛ كبد وبطن محمد ﵊.
следующие страницы →