Полный текст (10 391 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
هجرة النبي ﷺ إلى المدينة واستقبال الأنصار له
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أيها المصلون: أيها الساجدون! أيها المؤمنون! عنوان هذه الخطبة (شهيد القسطنطينية) من هو هذا الشهيد؟ إنه رجل مؤمن ولد في الجزيرة، قتل في الثمانين وقد اشتعل رأسه شيباً، قتل في سبيل الله تحت أسوار القسطنطينية والمسلم ليس له أرض واحدة، البلاد كلها بلاده لأنها بلاد الله، كما يقول الأول:
أنا الحجاز أنا نجد أنا يمن أن الجنوب بها دمعي وأشجاني
بـ الشام أهلي وبغداد الهوى وأنا بـ الرقمتين وبـ الفسطاط جيراني
وفي ثرى مكة تاريخ ملحمة على ثراها بنينا العالم الفاني
في طيبة المصطفى روحي وا ولهي في روضة المصطفى عمري ورضواني
النيل مائي ومن عمَّان تذكرتي وفي الجزائر آمالي وتطوان
فأينما ذكر اسم الله في بلد عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني
فمن هو هذا الرجل الشهيد؟ إنه الذي استقبل الرسول ﵊ من مكة من الإرهاب فر من السيوف التي تقطر حقداً ودماً، باع أهل مكة أملاكه وحاصروه وآذوه وشتموه ووضعوا الشوك في طريقه وسلى الجزور على ظهره، وضاقت به الدنيا بما رحبت، فخرج يحمل مبادئه معه أبو بكر الصديق.
стр. 1892
خروج الأنصار مع الظهيرة ينتظرون النبي ﷺ
استمر ﵊ سائراً إلى المدينة، إلى الأنصار إلى أحباب الله إلى كتيبة الإسلام، أخذ ﵊ عشرة أيام في السفر يقتلع أقدامه من حرارة الصحراء، وقد امتلأ جوعاً، وتعباً، وظمأ، وسهاداً، ومشقة، لكن كلها في سبيل الله، كان الأنصار يخرجون مع الظهيرة جميعاً عن بكرة أبيهم ليستقبلوا أعظم فاتح عرفه التاريخ، وأعظم رجل مشى على الأرض، أما الرجال فيخرجون السيوف والرماح ليحيون الرسول المنتظر، وأما النساء فكن يصعدن على أسطحة المنازل علهن أن يظفرن بنظرة ولو واحدة إلى وجه العظيم، وأما الأطفال فكانوا ينتشرون كالدرر والجواهر على الأرصفة ينشدون ويرددون:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع
جئت شرفت المدينة مرحباً يا خير داع
وفي ظهيرة من الأيام الخالدة التي لا تنسى أبداً وإذا بالصائح على أسطحة المدينة قدم الرسول ﵊، فخر الأنصار بسيوفهم كأنهم خرجوا من المقابر، بعثوا من جديد وسال الحب في دمائهم من جديد، وعادت لهم الحياة من جديد، يقول أحد الناس في الرسول ﵊:
سافرت نفسه الكريمة فيضاً فالليالي محسودة بالليالي
وعلى يثرب أهازيج نصر طلع البدر نظمة الأطفال
واستفاقت على صباح جديد ملء آذانها أذان بلال
وصل ﵊ على ناقته يقول أنس: [[والله الذي لا إله إلا هو ما كنت أظن أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت الأنصار يبكون من الفرح لما قدم الرسول ﵊]].
طفح السرور علي حتى إنني من عظم ما قد سرني أبكاني
стр. 1893
النبي ﷺ يحيي قبائل الأنصار
ووقف الرسول ﵊ يحيي القبائل قبيلة قبيلة، يأخذون زمام ناقته ليكون ضيفهم فيقول: ﴿دعوها فإنها مأمورة فإذا هبطت الناقة في مكان فأنا معها، فيمر ببني بياضة فيخرجون بالسيوف والموت يقطر من عيونهم نصرة لله ولرسوله، فيقولون: أنت ضيفنا قال: دعوها فإنها مأمورة، ويشير لهم ويتبسم لهم، ويشكرهم، ويمر ببني عمرو بن عوف وقد اصطفوا على جنبات الطرق يحيونه قالوا: أنت ضيفنا قال: دعوها فإنها مأمورة، وتخترق الصفوف وتمر إلى أن تأتي بني النجار فيخرج أطفال بني النجار يقولون:
نحن بني النجار يا مرحباً بالجار
أو كما قالوا في نشيدهم، فيتبسم ﷺ ، ويُرفع له الأطفال على ناقته فيقبلهم ويتركهم ﷺ -لكنه أسر قلوبهم فلا تعود لهم أبداً- ثم أناخت الناقة في مكان مسجده الآن، ولما أناخت انتظر قليلاً ولم ينزل من على ظهرها، فقامت ثم مضت قليلاً ثم رجعت إلى مكانها فناخت وبركت ونزل ﵊﴾.
стр. 1894
شهيد القسطنطينية مع النبي ﷺ
ولما نزل سارع هذا الشيخ الذي قتل في أرض الروم إلى متاع الرسول ﵊ وإلى ملابسه وما عنده من شيء على الناقة فأخذه، فقال بنو النجار: عندنا يا رسول الله أنت ضيفنا قال: لا.
الرجل مع رحله فذهب وراء الشيخ الذي هو أبو أيوب الأنصاري ووصل معه إلى البيت فقال: يا رسول الله! عندي هذا البيت سفلى وعليه، اسكن في الأعلى وأنا هنا في الأسفل قال ﷺ : أريد أن أكون قريباً من الناس وقريباً من المسجد فأريد هذا، يريد الأرضي فأسكنه وصعد أبو أيوب الأنصاري وزوجته الطاهرة النقية الشريفة إلى الدور الأعلى، وأتى وقت النوم فأخذ يتقلب أبو أيوب الأنصاري كأنه يتقلب على الرمضاء لا ينام قالت له زوجته: مالك يا أبا أيوب لا تنام؟ قال: والله ما أتاني النوم كيف أنام في العلو والرسول ﵊ تحتنا، وفي الصباح حاول أبو أيوب أن يقنع الرسول ﵊ فأبى، كان الطعام يقدم لـ أبي أيوب فيرفع يده وترفع زوجته يدها ويقولان: والله لا نأكل حتى يأكل الرسول ﵊ فينزل بالصحفة ويقدم الثريد، ويشوي اللحم، ويضيف النبي ﷺ أحسن ضيافة عرفها التاريخ.
وفي ليلة من الليالي يقوم أبو أيوب ليصلي فيقع في جرة الماء فتنكسر فينصب الماء في الأرض وينسكب في الأرض، فيأخذ شملته وينشف بها الأرض لئلا يتصبب الماء على المصطفى ﵊، ثم يقول: يا رسول الله! أسألك بالله أن تصعد في العلو وأنا في السفلى فصعد ﵊، قدم له من الإكرام ما لم يقدمه عربي لعربي، ولا مسلم لإمام عظيم ولا مضيف لضيف، إذا أراد ﷺ أن يخرج قدم أبو أيوب حذاءه وألبسه في رجليه، يقف ليستقبله ويقف ليودعه، حول نفسه إلى طباخ في البيت يقدم جهده وعرقه وكل ما يملك ليفي بالضيافة، وحفظها له ﵊ ولم يضيعها أبداً فكان يدعو له، ويتفقده، وكان يرى أنه الشيخ المبارك الذي أصبح فيه كل شيء أبيض، دينه ولحيته ورأسه ومبادؤه.
стр. 1895
يجوع النبي ﷺ وصاحباه فيأتون إلى أبي أيوب الأنصاري
وتستمر الأيام وفي بعض الروايات أنه المقصود بالقصة الآتية: يجوع ﵊ لما انتقل إلى بيته ويحاصره الجوع فلا يجد في بيته ﵊ لقمة ولا تمرة ولا قطعة تُؤكل، فيخرج ﵊ إلى الطريق وإذا بـ أبي بكر وعمر واقفان أمامه ﵊ قال: ماذا أخرجكما الآن؟ قالا: والله يا رسول الله ما أخرجنا إلا الجوع قال: وأنا أخرجني الجوع -الذي حرر الجزيرة العربية وما جاورها وفتح الدنيا يجوع فلا يجد تمرة، ولا لقمة، ولا خبزة في بيته، الذي سلم مفاتيح الدنيا لأتباعه لا يجد كسرة في بيته!! قال: هيا بنا، وذهبوا جميعاً ودخلوا على أبي أيوب في مزرعته وكان غائباً وامرأته حاضرة، قال ﵊ وهو يعرفها: أين أبو أيوب؟ قالت: ذهب يستعذب لنا الماء، فأتى أبو أيوب وإذا الرسول ﵊ وصاحباه على البساط.
هل هناك ضيوف في الدنيا أعظم من الثلاثة؟ هل سمعتم أن ثلاثة اجتمعوا منذ أن خلق الله السماوات والأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها أشرف من الثلاثة؟ لا.
ماذا فعل أبو أيوب؟ ألقى الماء والقربة وأخذ يبكي من الفرح وقال: مرحباً والله ما أحد أسعد مني ضيوفاً هذا اليوم، ثم ذهب يأخذ عذقاً من النخل ويذبح شاة ويشوي ويطبخ ويقدم فهو مضياف الإسلام، حظه في الضيافة أن يشبع خير بطن خلقها الله، وأن يروي خير كبد خلقها الله؛ كبد وبطن محمد ﵊.
стр. 1896
خروج أبي أيوب لقتال الروم
ولكن الرسول ﷺ يموت كما يموت البشر، ومبادئ أبي أيوب لم تمت أبداً، بقي شاباً وهو في الثمانين، وقد أخبر ﵊ أن أصحابه سوف يركبون البحر غزاة في سبيل الله ﴿دخل ﷺ عند عجوز هي أم حرام بنت ملحان فنام عندها في الظهيرة ثم استفاق ﷺ وهو يضحك قالت: ما لك يا رسول الله! أضحك الله سنك؟ قال: أناس من أمتي عرضوا علي يركبون البحر غزاة في سبيل الله كالملوك على الأَسِّرَةِ قالت: ادع الله أن يجعلني منهم قال: أنتِ منهم﴾ وتستمر الأيام وينادي المسلمون كتائب الإسلام أن تجاهد في سبيل الله لتفتح القسطنطينية لتغزو بلاد الروم ولتوسع دائرة الإسلام، ولما سمع أبو أيوب الجهاد والإعلان لبس سيفه، ورمحه، وركب بغلته.
قال أبناؤه: أنت شيخ كبير في الثمانين.
حملت الثمانين الطوال مجاهداً كأنك في العشرين تقرا وتكتب
قال: لا.
قالوا: عذرك الله أنت شيخ كبير، ومريض، ولا تستطيع القتال قال: لا والله.
إن الله يقول: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٤١] وأنا ثقيل والله لأنفرن، وذهب إلى الجهاد وانظر إلى هذا العمر المبارك، أين كثير من أهل الثمانين الآن الذين حولوا آخر المطاف إلى شهادة الزور أو الاستيلاء على أراضي الفقراء؟
ويقبح بالفتى فعل التصابي وأقبح منه شيخ قد تفتى
إذا مالم يفدك العلم خيراً فليتك ثم ليتك ما علمتا
هب الشبيبة تبدي عذر صاحبها ما بال أشيب يستهويه شيطان
شيوخ كبار وما تابوا، والله يوم القيامة لا ينظر إلى ثلاثة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم منهم ﴿أشيمط زان﴾ شيخ كبير ويزني، وتفاجأ بشيخ كبير ويسرق، وشيخ كبير ويحلف أيمان الغموس، وشيخ كبير يقطع الأرحام، وشيخ كبير يؤذي الجيران، وشيخ كبير يمشي بالنميمة بين الناس.
стр. 1897
استشهاد أبي أيوب ودفنه تحت أسوار القسطنطينية
أما أبو أيوب فجعل الثمانين طاعة لله وركب مع الجيش وصعد على السفينة، وعبرت به البحر وهو ينشد نشيد الخلود: لا إله إلا الله محمد رسول لله، وتبدأ المعركة فيغتسل ويلبس أكفانه ويتطيب ويتحنط ويقول للمسلمين: أسألكم بالله إذا قتلت اليوم فالتمسوا آخر أرض من أراضي المسلمين تجاه الروم فادفنوني تحت أسوار القسطنطينية علَّ الله أن يبعثني يوم القيامة مؤمناً بين كافرين، يبعث يوم القيامة وحيداً مؤمناً بين كافرين، إذا قامت القيامة ﴿بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:٩ - ١٠] خرج أبو أيوب من قبره ينفض التراب عن رأسه وهو يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة لك والملك لا شريك لك.
وبدأت المعركة فقاتل قتالاً مستميتاً وهو في الثمانين حتى قطع رأسه.
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
قتل ودفن هناك، ومن وصل منكم هناك فليسلم عليه، وليبلغه سلام الأمة الإسلامية، وليقف على قبره طويلاً وليشكره على حسن الضيافة والاستقبال، وعلى حسن الحياة، وعلى حسن العطاء والفداء والتضحية، سلام عليك يا أبا أيوب الأنصاري من جزيرة العرب وجزاك الله خير ما جزى ولياً عن أمة محمد ﵊، وأحسن الله إليك أحسن ما أحسن مضيف إلى ضيفه، وجمعنا الله بك في دار الكرامة.
ذلكم هو شهيد القسطنطينية وهو من أجدادنا ومن أراد أن يمشي على منواله فما ذاك بعزيز، وإنه ليسير على من يسره الله عليه.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
стр. 1898
الإسراف في الأعراس وصوره
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
أيها الناس! إنما وضع المنبر في كل جمعة لنتدارس أخطاءنا، ولنعود إلى حساباتنا، ولنرى مشاكلنا أمام العين، نحلها بكتاب الله وبسنة رسوله ﵊، وقد أخطأنا جميعاً خطأً اجتماعياً مرت عليه سنوات، وقليل من ينبه عليه، وقليل من يستنكره، وقليل من يلاحظه، حتى كان سائداً بين الناس، وكأنه من الكتاب والسنة، وقد أضر هذا الخطأ الجم بكثير من الناس ألا وهو الإسراف في الزواج، ومن صور هذا الإسراف الذي لا يرضاه الإسلام الإسراف في صالات الأفراح، وفي الولائم التي يقوم بها الناس في وقت الزواج، وقد علمت من شباب كثير كيف أثقلهم هذا الفعل وكيف جعلهم يستدينون أموال الناس، عندهم قلة ذات يد وحاجة ملحة ولكن يرفض العرف الجاهلي إلا البَطَر والرياء والسمعة والإسراف.
تصوروا إلى شاب مقدم على حياة جديدة وبيت جديد، راتبه زهيد ودخله حقير، يريد زوجة يسكن إليها ويربي بيتاً إسلامياً، فأول ما يواجهه من العقبات صالة الأفراح، عشرون ذبيحة إلى ثلاثين، إلى أربعين، إلى خمسين من أين يدفعها؟ يذهب إلى الناس يستجدي من أجل العرف الجاهلي الذي ما أنزل الله به من سلطان، فأين العقلاء وأهل الرأي، وأهل العلم، وأين القضاة والدعاة، وأين العلماء الذين يقفون أمام هذا الخطأ الفادح؟
стр. 1899
مضار الإسراف
إن هذا يجر أموراً خطيرة في الأمة منها: الإسراف الذي نهى الله عنه، ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [الإسراء:٢٦ - ٢٧] ثلاثون ذبيحة ترمى والفقراء في البادية وفي تهامة لا يجدون كسرة الخبز، ثلاثون ذبيحة ترمى والشعوب الإسلامية بعضها يأكل أوراق الشجر، ثلاثون ذبيحة ترمى للقطط والكلاب وكثير من المساجد لم تعمر من عشر سنوات، أليس هذا هو البطر بعينه قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال:٤٧].
في العطلة الماضية في أبها وقع أكثر من اثنين وستين زواجاً كلها مغالاة، ومفاخرة، ومرءاة في صالة الأفراح، وعلمت من كثير ممن تزوج أنهم اقترضوا ديناً لتلك الوليمة، فهل يرضى الإسلام بهذا؟ وهل يقره المسلمون؟ إن العالم الكافر الآن أصبح يتعامل بالعقل في أموره الاجتماعية والاقتصادية، ويقننوا مساراته، ويعرف دخله وما يخرج ويعرف أموره النافعة من الضارة، ونحن أمة بالكتاب والسنة، فينا العلماء وأهل الرأي والأخيار والأبرار ونسكت بالإجماع عن هذا الخطأ.
ثم إن ذلك يورث -أيضاً- إحجام كثير من الشباب عن الزواج، إذا كانت هذه التكلفات من الشرعة، والوليمة، وإيجار الصالة، وكثرة الذبائح والحلي والمهر، فمن يجمع هذه لهذا الشاب حينها تقع العنوسة ويتوقف الشباب والشابات عن الزواج، وتقع أمور لا تحمد عقباها ولا يرضاها الله.
стр. 1900
الحلول المقترحة تجاه الإسراف
إن الحل الأكبر هو فعل محمد ﵊، أن نفعل كما فعل -بأبي هو أمي- فهو أغلى الناس وأبرهم وأحلمهم أن نقتصد، ولا تساير الناس في أفكارهم ولا آرائهم بل عليك بما يرضي الله ، ففي الحديث ﴿من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أسخط الناس برضى الله ﵁ وأرضى عنه الناس﴾ وأما الرسول ﵊ فتزوج تسعاً من النسوة أو أكثر بعضهن لم يجد ذبيحة واحدة، وإنما قدم زبيباً وشيئاً من شعير، وشيئاً من سويق فأكله الصحابة وتمضمضوا وقاموا يصلون، وزواج آخر وجد ذبيحة واحدةً جمع عليها أكثر من ثمانين من الصحابة، وكذلك أصحابه، لماذا ما تعمل هذه الحفلات في البيوت؟ لماذا لا نكتفي بالقرابة وبالزواج العائلي فقط؟ لماذا نأخذ أموال الناس ديناً في ظهورنا؛ لنباهي الناس ونرائيهم ونفاخرهم؟ أما تكفي الذبيحة والذبيحتان فحسب؟ أليس هذا هو العقل؟ أليس هذا هو الدين؟ وأليس هذا هو الترشيد؟ ومن عنده فائض من المال فمشاريع الخير وأبواب الجنة ثمانية يدخل بماله من أيها شاء من أي باب شاء، أما هذه الأموال التي يصرفها للرياء والسمعة فلا يكفي أن ينجو كفافاً لا له ولا عليه، بل يحاسب بها عند الله يوم القيامة ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦].
أيها المسلمون: لابد على أهل العقل من الناس أن يضعوا حداً معيناً، ويبدأ فيهم الرشيد منهم، فإنه من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.
أسأل الله أن يحفظنا وإياكم من المتالف ومن الأخطاء والمخالفات الشرعية.
عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا﴾ اللهم صل على نبيك وحبيبك واعرض عليه صلاتنا، وسلامنا في هذه الساعة المباركة، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم اجمع كلمة المسلمين ووحد بين صفوفهم وخذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، اللهم أصلح ولاة الأمور، اللهم وفقهم إلى الحق وإلى العمل بكتابك وبسنتك نبيك يارب العالمين، اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك ولرفع رايتك.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1901
أهل الشبهات وأهل الشهوات
القلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد سائر الجسد، وأمراض القلوب ترجع إلى قسمين رئيسيين هما: مرض الشبهة، ومرض الشهوة.
هذا الدرس علاج لهذين المرضين، وقد تخلل هذا ذكر عدة نماذج ممن أصيبوا بمثل هذه الأمراض، ومنهم عبد الله بن أبي ابن سلول، والجد بن قيس.
كما قارن الشيخ بين هؤلاء المصابين بهذين المرضين، وبين نماذج من الأصحاء الذين امتلأت قلوبهم بحب الله وحب رسوله ﷺ ، وذكر من هذه النماذج الصادقة: عبد الله بن جحش، وعمر بن الخطاب، وسعيد بن المسيب، وغيرهم.
стр. 1902
أمراض القلوب
الحمد الله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض، ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله وسلم على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، المؤيد بجبريل، المعلم الجليل، صلى الله وسلم عليه كلما تضوع مسك وفاح، وكلما غرد حمام وصاح، وكلما شدا بلبل وناح، وعلى الطيبين الطاهرين من المؤمنين، والصالحين الصائمين المصلين.
أمَّا بَعْد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
يا أيها الصحب في الزلفى سررت بكم وحبكم في سبيل الله يكفينا
آخيتمونا على حب الإله وما كان الحطام شريكاً في تآخينا
إن السلام وإن أهداه مرسله وزاده رونقاً منه وتحسينا
لم يبلغ العُشر من قول يبلغه أذن الأحبة أفواه المحبينا
نسلم عليكم ثانية وثالثة ورابعة، حتى نلقى الله، ونسأل الله كما جمعنا بكم في هذا المكان، في روضة من رياض الجنة، أن يجمعنا مع المقبولين في الجنة، يوم يتقبل الله منا أحسن ما عملنا، ويتجاوز عن سيئاتنا، في أصحاب الجنة، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.
عنوان هذه المحاضرة أهل الشبهات وأهل الشهوات.
والقلوب تمرض كما تمرض الأجسام، وتصيبها الحمى كما تصيب الأجسام، ويأتيها السقام كما يأتي الأجسام.
ومرض القلب على قسمين:
стр. 1903
مرض الشبهة
القسم الأول: مرض الشبهة:
وهو إما كفر أو نفاق، أو شك وريبة، نسأل الله العافية من ذلك كله.
стр. 1904
مرض الشهوة
القسم الثاني: مرض الشهوة:
وهو حب المعصية والفاحشة.
وقد ذكر الله المرضين في القرآن، فقال عن مرض الشبهة: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:١٠].
وقال في مرض الشهوة: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] فهو مرض حب الفاحشة، وذاك مرض الشبهة والنفاق، والريبة والشك والكفر.
стр. 1905
مرض الشبهة
وقال الله في أهل الكفر بعد أن ذكر أخبارهم كالمنافقين وأمثالهم وأضرابهم وهو يذكر حال المنافقين وأهل الريبة والشك وهم أهل الشبهات قال : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:٨ - ١٠].
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: مبنى النفاق على الكذب.
فذكر الله الكذب لأنهم يكذبون، فكلما ذكر الله النفاق ذكر الكذب، وكلما ذكر الكذب ذكر النفاق، قال : ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] فيقول فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة:٨ - ١١] فكلامهم فساد، وفعلهم فساد، ونظرهم فساد، وحركتهم فساد: ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١١ - ١٣].
قل لهم -مثلاً-: صلوا كما صلى المصلون، وصوموا كما صام الصائمون، وأقبلوا كما أقبل الشباب الملتزمون: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة:١٣] أنفعل كما فعل المتطرفون والمتزمتون؟! ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٣ - ١٦].
стр. 1906
نماذج ممن أصابهم مرض الشبهة
عاش ﷺ مع هذه الفئة التي أصابها المرض في القلوب، ومنهم عبد الله بن أبي بن سلول، سمع لا إله إلا الله، وطرقت سمعه لا إله إلا الله، ورفرفت على رأسه لا إله إلا الله، لكن ما دخلت قلبه لا إله إلا الله، من الذي يهدي إلا الله.
ومن الذي يسدد إلا الله.
ومن الذي يوفق إلا الله؟ ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٣ - ٢٤] ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦] ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
فيا من هدى قلوب الصالحين! نسألك هداية قلوبنا وأن تردها إليك، وألا تورثها شكاً ولا شبهةً ولا نفاقاً يا أرحم الراحمين.
عبد الله بن أبي يجلس مع الرسول ﵊ في مجلسه، ويصلي معه، ويذهب معه في الغزوات، لكن على قلبه ظلمات النفاق: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] ولذلك ألا ترى أن بعض الناس يصلي ويصوم مسلماً مقلداً إسلاماً ساذجاً تقليدياً؟! لكنه يطعن في العلماء، ويستهزئ بالرسول ﵊، ولا تعجبه الصحوة الإسلامية، ويبغض السنن والصالحين، ألا ترى أنه منافق بينه ﷺ ؟!
عبد الله بن أبي صدرت منه كلمات تثبت أن الرجل فيه دسيسة وشبهة ومرض، والله أعلم بمرضه، يقول -وقد تقاتل رجل مهاجري وأنصاري-: صدق الأول إذ يقول: سَمِّن كلبك يأكلك.
وهو يقصد إكرام الأنصار للمهاجرين، ويقول: أكرمناهم فأكلونا، ولو جوعناهم وطردناهم لتبعونا، ساءت كلمة! وساء معتقداً! وساء خبثاً ونفاقاً!
سمع الرسول ﵊ هذه الكلمة فحاكمه إلى الله، قال له الصحابة: يا رسول الله نقتله، قال: ﴿لا.
لا تتحدث العرب أن محمداً يقتل أصحابه﴾ وأتى ابن هذا المنافق، ابنٌ امتلأ قلبه بـ (لا إله إلا الله) وأصبح عبداً لله.
ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا
سمع أن أباه يقسم إذا عاد من الغزوة ليخرجن الأعز منها الأذل، يعني بالأعز هو، وبالأذل رسول الله ﷺ والصحابة، فتصدى له ابنه بالسيف عند مدخل المدينة، وقال: [[والله الذي لا إله إلا هو، لا تدخل حتى يأذن لك رسول الله ﷺ ، فإنك الأذل وهو الأعز]] ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٢٧].
انظر إلى بعض الآباء، رأيناهم واستقرأنا أحوالهم في بعض المجتمعات، فتجده يكره أن يرى ابنه مصلياً، أو ملتحياً أو مستناً بسنة محمد ﷺ ، أو ذاكراً، أب فاسد وابن صالح، يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي.
تجد أباً ناسكاً عابداً باكياً خاشعاً داعياً، وابنه فاجر من الفسدة الكبار فسبحان الله! نوح نبي ﵇ وابنه ضال، وإبراهيم رسول نبي وأبوه ضال فاجر عميل، والرسول محمد ﷺ يدعو إلى لا إله إلا الله، فيسمعها أبو طالب فلا تدخل قلبه، ويسمعها أبو لهب فيتصدى لها ولا يرتاح لها! فيتدهده على وجهه في النار.
ويأتي بلال من أرض الحبشة -من إثيوبيا - ليقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، فيدخل الإسلام، ويقول فيه عمر: [[أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا]] ويقول ﵊ كما في الصحيحين (صحيح البخاري وصحيح مسلم): ﴿دخلت الجنة البارحة، فسمعت دف نعليك يا بلال في الجنة، فماذا كنت تفعل؟ قال: يا رسول الله! والله لست بكثير صيام ولا صلاة ولا صدقة، ولكن ما توضأت وضوءاً في ساعة من ليل أو نهار، إلا صليت بعده ركعتين﴾ ما أحسن الركوع! وما أحسن الوضوء! وهذه أسباب دخول الجنة، ففرق بين هذا وبين ذاك الملحد والوثني الذي رانت الشبهة على قلبه.
أحد الزنادقة أتي به إلى عالم من علماء المسلمين، فقال العالم: تب إلى الله، قال: لا أستطيع أن أتوب، قال: ادع الله لعل الله أن يرزقك توبة، قال: قلبي ظلمات بعضها فوق بعض.
إذا علم هذا -أيها المسلمون- فإن قضية الشبهة مرض خطير، وقد تجدد في عصرنا هذا في مركب الإلحاد والحداثة، وتجدد في صور أذكر بعضها إن شاء الله، لكن لنأخذ نماذج ممن عاش الشك والريبة.
العاص بن وائل -ابنه عمرو بن العاص - أتى إلى الرسول ﵊ وهو ملحد، فأخذ عظماً ففته ونفخه، وقال: يا محمد! أتزعم أن ربك يحيي هذا العظم بعد أن يميته ويفنيه؟ قال: نعم، ويدخلك النار، فقال الله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩] فسبحان من يحي العظام وهي رميم! وسبحان من يحيي الأرض بعد أن تموت! وسبحان من يحيي القلوب بعد أن تقسو وتصيبها الشبهات!
يقول الله في القلوب: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦] ثم قال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد:١٧] فيا من أحيا الأرض بعد موتها بالأمطار! ويا من بث فيها الورود والأزهار! ويا من أخرجها للنظار! نسألك أن تحيي قلوبنا بالإيمان يا واحد يا غفار!
الجد بن قيس منافق، وحديث قصته صحيح: ﴿ضاع جمله في البيعة عند الشجرة، فقالوا: تعال وبايع رسول الله صلى الله وعليه وسلم، قال: والله لئن ألقى جملي الأحمر خير لي من بيعتي لمحمد، فقال ﵊: كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر﴾.
وهذا عبد الله بن أبي قال له: تب وعد إلى الله، وراجع حسابك مع الله، وتعال يستغفر لك رسول الله ﷺ ، فأخذ يلوي رأسه ولا يتكلم، خوفاً أن ينقل الله كلامه للرسول ﵊، فنقل الله صورة حركة رأسه، فقال : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون:٥ - ٦] فلا إله إلا الله! كم هدم النفاق من حصن للإسلام!
ولا إله إلا الله كم دمر من أعلام!
ولا إله إلا الله كم أدخل قلوباً، وملأها بالظلام!
نشكو حالنا وقلوبنا إلى الواحد الأحد؛ فإنه الذي يخلصها ﵎.
هذه مسألة هؤلاء أهل الشبهة.
стр. 1907
علاج مرض الشبهة
ما هو علاج الشبهة؟
قيل لشيخ الإسلام ابن تيمية: بم تنال الإمامة في الدين؟
قال: بالصبر واليقين، قال : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] فعلاج الشبهة اليقين وهو العلم، وعلاج الشهوة الصبر عن محارم الله .
стр. 1908
نماذج من المؤمنين الصادقين
فتعال وقارن بين أهل الشبهة، الذين في قلوبهم شك من اليوم الآخر والرسول ﵊ ومن البعث والنشور وعذاب القبر وبين المؤمنين الصادقين.
في السير بسند جيد أن الرسول ﵊ قام يخطب في الناس، يوم معركة أحد فقال للصحابة: ماذا تريدون؟ أنقاتل الأعداء في المدينة، أم نخرج للقائهم؟ فقال الكبار: نقاتلهم داخل المدينة يا رسول الله.
فقام شاب وهو نعيم بن مالك بن ثعلبة وقال: ﴿يا رسول الله! لا تحرمني دخول الجنة، فوالله الذي لا إله إلا هو لأدخلن الجنة، فتبسم ﵊، وقال: بم؟ قال: بخصلتين اثنتين، أولها: أني أحب الله ورسوله، والثانية: أني لا أفر يوم الزحف﴾.
يقول سعد بن أبي وقاص -والحديث في مسند سعيد بن المسيب من روايته وذكر ذلك الإمام أحمد وأبو يعلى - قال: [[لما حضرنا معركة أحد وقف بجانبي عبد الله بن جحش]] أحد الشباب الذين باعوا أنفسهم من الواحد الأحد.
ومن الذي باع الحياة رخيصة ورأى رضاك أعز شيء فاشترى
أم من رمى نار المجوس فأطفئت وأبان وجه الصبح أبيض نيرا
فيا من باع نفسه بامرأة حسناء أو بسيارة فاخرة، أو بفلة بهية، أو بوظيفة أو بمنصب! والله لقد خسرت الدنيا والآخرة.
ويا من باع نفسه بمجلة خليعة، أو بأغنية ماجنة، أو بكأس أو بحبوب مخدرة، أو بمجلس آثم! والله لقد خسرت الدنيا والآخرة.
يا متعب الجسم كم تسعى لراحته أتعبت جسمك فيما فيه خسران
أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
يا ساعياً لخراب الدهر مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمران
أما القصور فزيناها، وأما المجالس فوسعناها، وأما السيارات فتفاخرنا بها، وبالأموال والمناصب، ولكن نشكو أحوالنا وقلوبنا وأعمالنا إلى الله! والله لا منجى ولا ملتجأ من الله إلا إليه.
فيأتي عبد الله بن جحش أحد الشباب، أتى بثيابه وسيفه لا يملك من الدنيا شيئاً، باع كل شيء لوجه الله، فوقف فقال: [[يا رب! اللهم إنك تعلم أني أحبك، اللهم إني أسألك هذا اليوم أن تلاقي بيني وبين عدوي فيك، فيقتلني فيك، فيبقر بطني، ويجدع أنفي، ويفقأ عيني، ويقطع أذنيّ، فإذا لقيتك يا رب قلت: يا عبد الله لم فعل بك هذا؟ فأقول: فيك يا رب]] قال سعد: [[فوالله الذي لا إله إلا هو! ما انتهت المعركة إلا وقد رأيته مقتولاً مبقور البطن، مجدوع الأنف، مفقوء العينين، مقطوع الأذنين، قلت: فأسأل الله أن يلبي له ما سأل]].
وفي صحيح البخاري وهو أصل الحديث وأورده ابن كثير في تفسيره وغيره، وزيادته حسنة، أن عبد الله بن عمرو الأنصاري، والد جابر بن عبد الله، رأى في المنام قبل معركة أحد بليلة، أنه قتل في المعركة، فقام في الليل وصلى ركعتين، وأيقظ جابراً ابنه وقال له: [[يا بني! إني رأيت أني ممن يقتل غداً، فأوصيك بأخواتك خيراً]] ثم خرج إلى المعركة.
يجود بالنفس إن ضن البخيل بها والجود بالنفس أغلى غاية الجود
فيا من بخل على نفسه بصلاة الجماعة! أصحاب الرسول ﵊ قدموا أنفسهم رخيصة في سبيل الله.
ويا من حرم نفسه صدقة في سبيل الله! أصحاب الرسول عليهم الصلاة والسلام قدموا قلوبهم وأنفسهم في سبيل الله.
من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا
كنا جبالاً في الجبال وربما سرنا على موج البحار بحارا
أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا
فلما قتل عبد الله بن عمرو في المعركة، قال جابر -والرواية في البخاري -: ﴿فأتيت أبكي، والناس ينهوني، ورسول الله ﷺ لا ينهاني﴾.
ثم قال رسول الله ﷺ : ﴿يا جابر! أتدري ما فعل الله بأبيك؟ قال: لا والله يا رسول الله! قال: والذي نفسي بيده لقد كلمه كفاحاً بلا ترجمان، فقال: تمن يا عبدي، قال: أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا، فأقتل فيك ثانية، قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون، فتمن، قال: أتمنى أن ترضى عني فإني قد رضيت عنك، قال: فإني أحللت عليك رضواني لا أسخط عليك أبداً، فجعل الله روحه وأرواح إخوانه في حواصل طير﴾ وهذا الحديث حسن بزيادة: ﴿طير ترد الجنة فتشرب من مائها، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، حتى يرث الله الأرض ومن عليها﴾.
وأنزل الله مصداق ذلك: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧٠] فهؤلاء أهل البطولات، وهؤلاء أهل الصدق مع الله تعالى.
стр. 1909
عمير بن الحمام
عمير بن الحمام يأكل تمرات من الجوع قبل معركة بدر، فيقول ﵊: ﴿لا يقاتل أحد في هذا اليوم، فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر، إلا دخل الجنة﴾ فسمع عمير بن الحمام ذلك فقال: بخ بخ، ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء.
وألقى التمرات من يده، وأخذ السيف وقاتل القوم.
فهؤلاء هم أهل الصدق مع الله.
стр. 1910
آثار الشبهات في حياة المسلمين
لكن انظر ماذا فعلت بنا الشبهات؟!
كيف نأتي متخلفين عن الصلوات؟!
يؤذن في آذاننا صلاة الفجر فيثبطنا الشيطان في الفراش، وداعي الله يتحرك في قلوبنا؛ لكن جذوة الإيمان منطفئة، وحرارة الإيمان ضعيفة، وحبل الإيمان يتقطع كل حين.
في صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من صلى الفجر في جماعة، فهو في ذمة الله﴾ وأورده أحمد بلفظ آخر: ﴿من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فالله الله، لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فإنه من طلبه من ذمته بشيء أدركه ومن أدركه كبه على وجهه في النار﴾.
قال بعض أهل العلم: مما علم بالاستقراء أن من صلى الفجر في جماعة، وحافظ على ذلك، حفظه الله من الكبائر.
لماذا يدخل شبابنا السجون في المخدرات؟
لماذا يرتكب الزنا؟
لماذا يؤكل الربا؟
لماذا يؤتى بالأمور الشاذة والأمور الكبيرة؟
لأنه ترك صلاة الفجر في جماعة! ولأنه ترك الوضوء بالماء البارد، فلما تركوا المساجد، أتى بهم ليؤدبهم بالسجون: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦].
стр. 1911
سماحة الإسلام ويسر تعلمه والعمل به
والإيمان -أيها المسلمون- سهل يسير لا يحتاج إلى كثرة تفكير، بل الإسلام بسيط قريب سهل: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:١ - ٢] فالإسلام سهل كما يقدمه ﷺ ، وليس هو كما يقدمه من في ذهنه شبهات عن صعوبة وتعقيد هذا الدين، وهم يلقون هذه الكلمات في الساحة.
في الصحيحين، عن أنس بن مالك قال: ﴿كنا جلوساً مع رسول الله ﷺ ، فقدم علينا رجل فعقل ناقته في طرف المسجد، ثم أتى يتخطى الصفوف، والرسول ﵊ متكئ بين الصحابة، فأخذ الرجل يقول: أين ابن عبد المطلب؟ -أين رسول الله ﷺ ؟ وهو ابن عبد الله، لكن يسميه بجده لشهرته بين العرب- قال الصحابة: هو ذاك الرجل الأبيض الأمهق المرتفق، فتقدم حتى وقف أمامه، والرسول ﷺ متكئ على يسراه، قال: يا بن عبد المطلب.
قال: قد أجبتك، قال: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، قال: سل ما بدا لك -ظن ﵊ أن السؤال سهل في فرعية أو في جزئية، لكنه يسأل عن النجاة، ويسأل عن الأصول، ويسأل عن الدين- فرفع صوته وقال: يا رسول الله! من رفع السماء؟ قال: الله، قال: من بسط الأرض؟ قال: الله، قال: من نصب الجبال؟ قال: الله، قال: أسألك بمن رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال، آلله أرسلك إلينا رسولاً؟ فتربع ﵊ وقال: اللهم نعم -هذا أعظم سؤال في تاريخ الإنسان، وأعظم أطروحة في تاريخ البشرية- قال: أسألك بمن رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال، آلله أمرك أن تأمرنا بخمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم، قال: أسألك بمن رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال، آلله أمرك أن تأمرنا بزكاة تؤخذ من أغنيائنا وترد على فقرائنا؟ قال: اللهم نعم -فأخذ يسأله حتى انتهى من أركان الإسلام- قال الأعرابي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، والله لا أزيد على ما سمعت ولا أنقص، أنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر، ثم يتولى ويفك عقال ناقته ويركب الناقة، فينظر ﵊ ويقول: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا﴾ ما أسهل طريق الجنة! وما أقرب الجنة! وما أسهل السلوك إلى الجنة! لكن أين الذي يريد الجنة؟
إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار
وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقني من النار
في جامع الترمذي ومسند أحمد عن معاذ قال: ﴿كنت مع الرسول ﵊ في غزوة -وعند أحمد في غزوة تبوك - قال: فاقتربت من رسول الله ﷺ ، قلت: يا رسول الله! دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار، فقال: يا معاذ! لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، يا معاذ! ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ رأس الأمر: الإسلام، وعموده: الصلاة، وذروة سنامه: الجهاد في سبيل الله، يا معاذ! الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا ﵊: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] يا معاذ ألا أدلك على ملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: كف عليك هذا؛ وأخذ بلسان نفسه، فقلت: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم﴾ والحديث صحيح، ولا إله إلا الله ما أسهله وما أيسره! هذا الطريق، فأين السالك؟ ووضحت الجادة فأين المسافر؟ وفتح الباب فأين الداخل؟ فيا من عطاؤه ممنوح! ويا من بابه مفتوح! ويا من خيره يغدو ويروح! نسألك أن تدخلنا مع عبادك الصالحين.
стр. 1912
انتشار مرض الشبهات
هذا مرض الشبهات وهو ينتشر في الكلمات، لماذا يستهزأ بالدين في بعض الأوساط الإسلامية؟ لمرض الشبهة، يستهزأ بالمستقيمين ويسمون متطرفين ومتزمتين، مطاوعة رجعيين ومتخلفين، لأن هذه الكلمات صدرت عن شبهة.
أبو العلاء المعري هذا الشاعر ظريف في شعره وقوي في شعره، لكنه مظلم القلب وما زكاه الله، وإلا فشعره في الذروة، وهو الذي يقول، ويستحسنها ابن القيم وابن تيمية:
يا ساري البرق أيقظ راقد السمر لعل في القوم أعواناً على السهر
يود أن ظلام الليل دام له وزيد فيه سواد السمع والبصر
لكن ليته كف وليته سكت على جودة الشعر، لكن حارب الله بشعره، واستهزأ بالشريعة، يقول:
يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار
تناقض ما لنا إلا السكوت له ونستعيذ بمولانا من النار
يا للخيبة والخسارة!
أوردت نفسك النار!
وتأتي الآن لتستعيذ من النار!!
فأين مذهبك عن النار؟
يقول: لم دية الكف خمسمائة دينار ذهب وإذا سرقت ربع دينار قُطعت؟
فرد عليه أحد علماء السنة عبد الوهاب بن المالكي ﵀ فقال:
قل للمعري عار أيما عار جهل الفتى وهو عن ثوب التقى عاري
لا تقدحن بنود الشرع عن شبه شرائع الدين لا تقدح بأشعار
فأخذه أعني الله نكال الآخرة والأولى، وله قصة عند ابن كثير في البداية والنهاية.
وعندنا في الأوساط، رجل يستهزئ بالحجاب، ويقول: هذه خيمة تركب على النساء، ورجل آخر يقول: هؤلاء الشباب المقصرو ثيابهم، والمطيلو لحاهم لا يفقهون ولا يعلمون شيئاً: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣] والله! إن ذاك هو السفيه والمتخلف ومريض القلب: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:١٠] ورجل آخر يقول: الدين لا يواكب العصر، والقرآن قد ذهب وقته، والسنة مشكوك فيها، ورواة الصحابة يروون المرويات ليتشفوا بها من غيظهم: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩].
ومرض الشبهة أكثر ما يصيب من عنده علم، وليس العلم إذا أطلق، فإنه لا يكفي العلم بلا إيمان، فهذا أتاتورك أتى بعلم لكنه طاغوت عبد علمه من دون الله، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وإنما نعني بالعلم: قال الله قال رسوله ﷺ ، علم القرآن والسنة، وقد ورد في مختصر الفتاوى لـ ابن تيمية أنه قال: "من اعتقد أنه سوف يهتدي بهدى غير هدى الله الذي أرسل به محمداً ﵊؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".
وهذه قد يحملها ويعتقدها بعض الناس، حتى من المثقفين، ومن خريجي الجامعات، والمؤسسات العلمية وحملة الشهادات، ولذلك قد أصبنا ببعض الفسقة من طلبة العلم، طالب علم ربما حمل الماجستير والدكتوراه، ولكنه فاسق أعمى، قلبه ظلمات بعضها فوق بعض، لا يعرف الصلاة في المسجد، ولا يفتح المصحف، ولايعرف بر الوالدين، والذكر، ولا يدعو إلى الله، ولا يعين عباد الله على ما يرضي الله، فهذا مثل عابد بني إسرائيل، ولذلك يقول سفيان بن عيينة: كما ذكر ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: "من فسد من علمائنا ففيه شبه باليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه بالنصارى".
قال الله في فاسق وفاجر بني إسرائيل: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦].
ونحن لا نحتاج إلى كثرة المتعلمين، كحاجتنا إلى كثرة المؤمنين المتعلمين: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ﴾ [الروم:٥٦] فعلم بلا إيمان لعنة، وكتاب بلا إيمان كلام مصفف، وقلب بلا إيمان قطعة لحم، وعين بلا إيمان مقلة عمياء، وكف بلا إيمان إشارة خاطئة، وبيت بلا إيمان ثكنة متهدمة، ومجتمع بلا إيمان قطيع من الضأن الضائع، فالمسألة مسألة لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ .
فأقول: إنه يكثر مرض الشبهة في المثقفين، ولكن الثقافة التي لا تصل إلى القلوب، ثقافة الماجريات، وثفاقة التخلف؛ خير منها الجهل وهي جهل بحد ذاتها.
стр. 1913
مرض الشهوات
وأما الشهوات، فإن الله ذكر في آياته أهل الشهوات وقال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
وقال : ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥].
стр. 1914
عاقبة مرضى الشهوات
ولذلك تجد أهل الشهوات ماذا يفعلون؟ والله! إن أحدهم يريد أن يجلس مع أفسق فاسق ولا يجلس مع عالم من علماء المسلمين أو رجل صالح أو داعية، أحدهم يجلس ويثبطه منصبه وكرسيه وسيارته وطفله وزوجته، عن بيت من بيوت الله وفريضة من فرائض الله، وجزاؤهم من جنس العمل، يموتون على سوء الخاتمة، لأن الله جعل على نفسه أن يثبت من تثبت وأن يضل من ضل: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥].
وقال : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] يقول ابن القيم: من أحسن ما قالت العامة: "من شب على شيء شاب عليه" وهذا مثل معروف: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
стр. 1915
نماذج من مرضى الشهوات
يقول ابن القيم في كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي: أحد الناس أغرم بجارية، ذهبت إلى حمام منجاب فكان يتغنى في حياته: أين الطريق إلى حمام منجاب؟
فأتته سكرات الموت وأتاه الوعد الحق، وأتاه يوم لقاء الله : ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق:١٩ - ٢١] قيل لهذا الرجل المفتون قل: لا إله إلا الله، قال: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ قالوا: قل لا إله إلا الله، قال: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ فمات عليها لأنه عاش عليها.
وفي كتاب المحتضرين لـ ابن أبي الدنيا بسنده قال: كان أحد التجار في الحياة الدنيا شغله المزاودة، وبعض التجار يدخل في تجارته بالصلاة ويدخل بها في الحج والعمرة والصيام، فدكانه وتجارته وخبزه وفواكهه ورزه معه في الصلاة، وفي التحيات والسجود والركوع، قيل في سكرات الموت لهذا التاجر: قل لا إله إلا الله، قال: خمسة في ستة كم تصير؟
تصير إلى سوء الخاتمة والعياذ بالله!!
стр. 1916
نماذج من حسن الخاتمة للطاهرة قلوبهم
حدثنا بعض الدعاة من الجزائر ذلك البلد والشعب المسلم، قال: والله لقد أشرفت بنفسي على حادثة، شاب جزائري عرف الطريق وهداه الله: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣] مصحفه في جيبه، لا يغادر عينه إلا في أوقات لا يستطيع أن يقرأ فيها، والصلوات الخمس لا يؤذن إلا وهو في المسجد؛ لأن بعض الناس حتى من شباب الصحوة، والمقبلين على الله، تجدهم مع حرصهم قد تفوتهم ركعات أو يصلون في الصف الأخير فأين نحن من السلف الصالح.
ترجموا للأعمش سليمان بن مهران راوية الصحيحين، فقالوا: بكى أبناؤه عليه وهو في سكرات الموت، فقال: ابكوا أو لا تبكوا، والله ما فاتتني تكبيرة الإحرام مع الإمام ستين سنة، فهذه مؤهلات الجنة، وهذه مفاتيح الجنة.
وسعيد بن المسيب صح عنه أنه قال وهو في سكرات الموت: الحمد الله، والله! ما أذن منذ أربعين سنة إلا وأنا في مسجد الرسول ﵊، قبل أن يؤذن المؤذن هو على مأدبة الله في روضة من رياض الجنة.
وعامر بن ثابت بن عبد الله بن الزبير كان إذا صلى الفجر رفع يديه وقال: اللهم إني أسألك الميتة الحسنة، قال له أبناؤه: ما هي الميتة الحسنة؟
قال: أن يتوفاني ربي وأنا ساجد، فأعطاه الله ما تمنى، وصدقه الله كما صدق مع الله، صلى المغرب وفي السجدة الأخيرة قبض الله روحه؛ لأنه صدق مع الله.
فهذا الشاب الجزائري عرف طريقه إلى الله، هجر جلساء السوء، وترك المجلات الخليعة، وقاطع الأغنيات الماجنة، حفظ عمره مع الله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦] فأتته سكرات الموت بحادث بين العاصمة الجزائر ووهران، فانقلبت به السيارة، وفقد وعيه أربعة أيام، قال هذا الرجل الذي يروي القصة وهو من الصالحين: والله! لقد أغمي عليه أربعة أيام، ما جفت لسانه من قراءة الفاتحة، كلما أنهاها بدأ من أولها، لماذا؟ لأنه عاش على الفاتحة وسوف يموت على الفاتحة، ويدخل قبره على الفاتحة، ويحشر على الفاتحة، ويدخل الجنة إن شاء الله على الفاتحة.
وعندنا في بعض المناطق شاب وقع في حادث وهو في سكرات الموت، تحت سيارته مسجله يرفع صوته بالأغنية والمغنية تقول: هل رأى الحب سكارى مثلنا؟
وهو يردد وهو في سكرات الموت: هل رأى الحب سكارى مثلنا؟
ما رأى أفشل منك، ولا من صاحبك في الحياة، فمتى نسير إلى الله؟
ومتى نتجه إلى الله؟
ومتى نحاسب أنفسنا مع الله ﵎؟
стр. 1917
مظاهر مرض الشهوات
مرض الشهوات هو الذي نشكوه كثيراً، فإن علائم التوحيد ظاهرة، والعلم منتشر، وعلم الكتاب والسنة مبذول، والدعاة متواجدون، والعلماء متوفرون، فهذا يخفف من مرض الشبهة إن شاء الله، لكن أصبنا بالشهوات.
امرأة سافرة تركت دينها ونسيت ربها، وعصت زوجها، وتطيبت وخرجت من بيتها؛ فأخذت لعنة الله، ففتنت نفسها وفتنت غيرها، والرسول ﵊ صح عنه أنه قال: ﴿ما تركت على أمتي فتنة أشد من النساء﴾ أو كما قال ﵊.
ومجلة خليعة يروج لها، تحمل صورة فتاة فيراها الشاب، فيذهب لبه وعقله وحياته وذكره وتوبته مع الله، وأغنية ماجنة أشرطة متوفرة ومغنون لا يخجلون، وهل سمعتم أن مغنياً خجل واستحى أن يظهر على المسرح؟
المغني الآن يستطيع أن يقف أمام الجماهير ليغني، وما سمعنا بمغنٍ خجل، لكني أعرف رجلاً في قرية من قرانا، تخرج من كلية الشريعة، أتوا به ليصلي بهم صلاة المغرب، قال: لا، أنا لو صليت في صلاة المغرب تورطت في صلاة العشاء، مقيم مع أهل القرية لا يجيدون قراءة الفاتحة، ولا يعرفون الوضوء، ولا التيمم، ولا غسل الميت، ولا تكفين الميت، ولا الصلاة على الميت، ومع ذلك يخجل، أما دعاة الباطل
أما المغنون
أما الفسقة
أما المطربون
أما الراقصون
فما سمعنا بأن أحداً منهم خجل أو استحى، كيف يستحي داعية الإسلام؟!
كيف يخجل طلبة العلم؟!
وأهل الفساد والفسق لا يخجلون! سبحان الله! انقلبت الموازين، فلذلك سرى الغناء، ودمر من القلوب ما لا يعلمه إلا الله، وكما يقول الشيخان ابن تيمية وابن القيم: "الغناء بريد الزنا" فلا يسمعه القلب إلا ويتوله ويضيع في كل الشعاب، ويتفلت على صاحبه.
وصاحب الغناء يصاب بأربع عقوبات:-
العقوبة الأولى: قسوة القلب، فلا يعي ولا يفهم.
العقوبة الثانية: وحشة بينه وبين الخالق .
العقوبة الثالثة: ينسيه الله ذكره.
العقوبة الرابعة: يحرمه الله الغناء الذي في الجنة.
وفي مسند الإمام أحمد بسند جيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن في الجنة جوار، يغنين وينشدن، يقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، نحن الخالدات فلا نبيد، طوبى لمن كنا له وكان لنا﴾.
قال ابن القيم يعلق ويدبج بمقطوعة مليحة ظريفة، يقول:
قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان
فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الـ إنسان كالنغمات بالأوزان
يا خيبة الآذان لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان
يا من أراد الغناء والنعيم في الجنة! حرم على نفسك هذا الغناء الماجن، غناء الفاحشة، غناء الدعارة والمعصية والفجور، والعياذ بالله!
стр. 1918
الصالحون وحياة الزهد والعبادة
ولكن هناك نماذج للذين انتصروا على الشهوات، وهم محمد ﷺ وأصحابه.
стр. 1919
حياة عمر بن الخطاب
يقف عمر بن الخطاب على المنبر يوم الجمعة، وكلكم يسمع ويعرف عمر بن الخطاب، فيقف وهو خليفة المسلمين، تحت يديه ذهب، وفضة الدنيا، وأموال الدنيا، فيقرقر بطنه من الجوع فقال لبطنه: [[قرقر أو لا تقرقر، والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]] وذلك في عام الرمادة، يقول: لماذا تشبع وأطفال المسلمين ما شبعوا؟ ثوبه مرقع، ومع ذلك يهتز كسرى وقيصر من عظمته وذكره.
يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدم له والكوخ مأواه
يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاه
قال البخاري في الصحيح في كتاب الرقاق: باب الرقاق، وقول الله : ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد:٣٦] وقال علي بن أبي طالب، أبو الحسن، أمير المؤمنين الذي ما ملك من الدنيا لا قليلاً ولا كثيراً، عنده ثوب وسيف يقطع به رءوس أعداء الله، ومصحفه في صدره، وعنده طريق إلى الجنة، وعنده ثوب يواري به جسمه، وكسرة خبز، يقول في صحيح البخاري: [[ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل]].
قال معاوية لـ ضرار بن الحارث الصدائي كيف رأيت علي بن أبي طالب؟ -بعد ما مات- قال: [[والله الذي لا إله إلا هو لقد رأيته في ظلام الليل، وهو يبكي بكاء الفطيم، ويتململ تململ السليم، ويمسك لحيته بيديه، ويقول: يا دنيا يا دنية طلقتك ثلاثاً، غري غيري زادك حقير وعمرك قصير، وسفرك طويل، آه من وحشة الزاد وبعد السفر، ولقاء الموت]].
ونسبت إليه مقطوعة يقول فيها، هي مقطوعة لمن يريد الجنة:
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها
أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الموت نبنيها
فا عمل لدار غداً رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها
стр. 1920
ربيعة بن كعب والهمة العالية
في صحيح مسلم والحديث بقصته عند الإمام أحمد في المسند لكن رواية مسلم مختصرة، عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: ﴿قال لي رسول الله ﷺ : سل تعط فقلت: أريد مرافقتك في الجنة، قال: أوَ غير ذلك؟ قال: هو ذاك يا رسول الله، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود﴾.
وعن ثوبان في مسلم: ﴿فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة﴾ كلما سجدت قربت من الله، وكلما ذكرت الله قربك إليه، وفي الصحيحين: ﴿وما تقرب إلي عبدي بأحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل، حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها﴾ إذا علم هذا؛ فإن هذه هي النماذج التي تركت الدنيا لوجه الله.
стр. 1921
ابن أدهم ولذة العبادة
إبراهيم بن أدهم أحد الصالحين ينام على الرصيف، يأكل الخبز اليابس، ولا يجد مشروباً إلا الماء، فيقول له أحد الناس: أترضى بهذا العيش؟ قال: والله الذي لا إله إلا هو! إنا لفي عيش لو علم به الملوك لجالدونا عليه بالسيوف.
стр. 1922
ابن تيمية والزهد في السلطة
مسكين من عاش لغير الله، فقير من لا يعرف السجود لله، فقير من لم يغنه الله بتقواه.
ابن تيمية شيخ الإسلام -رحم الله تلك العظام- دخل على أحد السلاطين، ابن قطلوبغا فقال له ابن قطلوبغا: يا بن تيمية يزعم الناس أنك تريد ملكنا، فتبسم ابن تيمية، وقال: سبحان الله، ملكك؟! قال: نعم، يزعم الناس أنك تريد ملكنا، قال: والله الذي لا إله إلا هو ما ملكك وملك أبيك وجدك يساوي عندي فلساً واحداً.
ابن تيمية يريد جنة عرضها السماوات والأرض، يريد النظر إلى وجه الأحد الواحد، ويريد النعيم المقيم، أما دنيا البطون والسيارات، ودنيا المظاهر الكاذبة، والشهرة الآثمة، فلا يريدها: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
стр. 1923
ندم أهل الغرور
стр. 1924
المعتصم يؤخذ على حين غرة
ولما حضرت الوفاة المعتصم الخليفة العسكري العباسي وهو في الأربعين، قال: أموت اليوم؟! قالوا: تموت اليوم، لأنه تعجب كيف يموت وهو شاب؟ في ذهنه أنه لا يموت إلا الشيوخ الكبار! قالوا: تموت، قال: سبحان الله! والله لو علمت أني أموت في شبابي لتركت ما فعلت من المعاصي، لأنه ظن أن في العمر مهلة.
стр. 1925
الرشيد وضراعته عند الموت
وذكر أن هارون الرشيد لما حضرته الوفاة قال: اعرضوا عليَّ الجيش، فرأى الجيش فقال: يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه.
فلا ملك إلا من ملكه الله التقوى، وأعطاه الله اليقين، وأرشده الله بالعلم النافع، إلى جنة عرضها السماوات والأرض.
فهذه بعض نماذج الصالحين الذين عاشوا لله وانتصروا على الشهوات، غضوا أبصارهم وحفظوا فروجهم وأسماعهم وأياديهم، فقلوبهم طاهرة، وألسنتهم بالذكر عامرة، ووجوههم بأنوار التقوى باهرة، فلا إله إلا الله! كم سافرت قلوبهم إلى الله، ولا إله إلا الله كم غرس في قلوبهم من شجرة: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم:٢٥] وأعظم ما يمنى به أهل الشهوات يصابون بداء المعاصي في حياتهم، فيعاقبون بعقاب أليم في الحياة، قبل أن يأتي يوم الله الموعود.
لذلك ذكر الله بني إسرائيل ومعاصيهم، فقال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣] قال أهل العلم: من عقوبة الذنوب نسيان العلم، فقال الله : ﴿وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣] ومن عقوبة المعاصي أنها تنسي المحفوظ، قال الإمام الشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي
ورأيت في بعض كتب السير، أن أحد الناس نظر إلى منظر لا يحل له، فقال له أحد العلماء: سبحان الله! تنظر إلى منظر لا يحل لك! لتجدن عقوبتها ولو بعد حين، قال: فنسيت القرآن بعد أربعين سنة، فهذه عقوبة المعاصي.
стр. 1926
الدواء من أمراض القلوب
فما المخرج من مرض الشبهة ومرض الشهوة؟
стр. 1927
عودة إلى علاج مرض الشبهة
أما مرض الشبهة فالتفكر في آيات الله الكونية والشرعية: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢٠] فاليقين بالتدبر والتأمل.
تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات بأحداق هي الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك
وأنا أكرر بعض المقالات التي ذكرها ابن كثير في التفسير في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] فذكر عند هذه الآية أن أبا حنيفة سأله الزنادقة عن دليل القدرة وخلق السماوات والأرض قال: سفينة تعبر دجلة من الشاطئ إلى الشاطئ ليس لها ركاب ولا حارس ولا قائد، قالوا: هذا ليس بصحيح، قال: سبحان الله! سماوات ذات أبراج، وأرض ذات فجاج وليل داج! ألا تدل على السميع البصير؟!
وقال ابن كثير: وقال هارون الرشيد لـ مالك بن أنس: ما دليل القدرة؟
قال: سبحان الله! اختلاف النغمات وتعدد الأصوات، وتباين اللهجات.
والشافعي سئل عن دليل قدرة الباري ﵎؟
قال: هذه الورقة -الصنوبر- تأكلها الدودة فتخرج إبريسماً حريراً، وتأكلها الغزالة فتخرج مسكاً، وتأكلها النحلة فتخرج عسلاً، ألا تدل على السميع البصير؟!
والإمام أحمد يذكر عنه أنه قال: دليل القدرة بيضة الدجاجة، أما سطحها ففضة بيضاء، وأما باطنها فذهب إبريز، تفقس فيخرج منه حيوان سميع بصير، ألا يدل على السميع البصير؟!
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد
فياعجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
стр. 1928
علاج مرض الشهوة
أما دواء الشهوة فالصبر والعبادة.
وعن محارم الإله فاصبر واستهد بالله وإياه اشكر
وبادرن بالتوبة النصوح قبل احتضار وانتزاع الروح
لا تحتقر شيئاً من المآثم وإنما الأعمال بالخواتم
ومن لقاء الله قد أحبا كان له الله أشد حبا
وعكسه الكاره فالله اسأل رحمته فضلاً ولا تتكل
والقبر فاذكره وما وراءه فمنه ما لأحد براءه
وإنه للفيصل الذي به ينكشف الحال فلا يشتبه
والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران
إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده
وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ
فأما الشبهة فاليقين والعلم دواؤها وعلاجها، وأما الشهوة فالصبر والعبادة والتوبة دواؤها وعلاجها، نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم، وأن يفقهنا وأن يبصرنا، وأن يردنا إليه رداً جميلاً، نشكو عليه حالنا، ونعرض عليه قلوبنا، ونسأله من رحمته، ومن عطائه أن يغيثنا ، فلا نشكو حالنا إلا إليه.
اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وإن كان لي من شكر فإني أشكر الله ﵎ على أن جمعني بكم وأراني هذه الوجوه، التي سجدت لله، وأبى غيرها أن يسجد، وركعت لله وأبى غيرها أن يركع، فهنيئاً لكم مجلسكم، ثم شكراً لكم على كريم استقبالكم، وجميل إصغائكم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 1929
الأسئلة
стр. 1930
نصيحة حفظ الوقت
السؤال
ناشدتك الله يا شيخ أن تدلني رحمك الله على طريقة أحفظ بها وقتي، فأنا منذ صغري وأنا أحاول، لكن يأتيني ما يشغلني فتضيع أوقاتي، وقد ذهب معظم عمري وأنا بهذه الحال، فكيف أحفظ وقتي فيما يرضي ربي، دلني دلك الله على كل خير.
الجواب
الأخ السائل مادام أنه شعر بهذا المرض، فهو متجه إلى الصحة بإذن الله، ولكن المصيبة هي في المريض الذي لا يشعر بالمرض.
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام
فما دمت قد عرفت أنك فرطت، وأنك أخطأت وأسأت، فأبشر ثم أبشر وعد إلى الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
والوقت أغلى مايسام فهو أغلى من الذهب والفضة، قال : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦].
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس مرفوعاً: ﴿نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ﴾.
فإذا علم هذا فأوصيك ونفسي أن تجتهد بحفظ الوقت، وأحسن ما ينظم لك أوقاتك، الصلوات الخمس: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:١٠٣] يقول بعض أهل العلم عن الصلاة: حتى في تنظيم الأوقات، تنظم أوقاتهم، فليكن بعد الفجر دائماً حفظ كتاب الله أو ما تيسر منه، فإنه وقت طليق، ووقت مبارك بإذن الله، فاحفظ ما تيسر ولو أن تقلل على نفسك، ثلاث آيات أو أربعاً أو خمساً وتستمر على ذلك، وهذا البرنامج يختلف باختلاف الناس، وبحسب أعمالهم وأشخاصهم، لكنه شبه مقرب للجميع.
بعد الظهر للمطالعة إن كنت من طلبة العلم، خاصة في الكتب الجامعة، وبعد العصر مطالعة مسددة وتخريج، وتحقيق مسائل، وبعد المغرب زيارة لإخوانك في الله ، وللدعاة ولأقاربك ممن تستفيد بزيارتهم وتفيد.
وبعد العشاء لك ولأهلك من ذكر واستغفار، وأوراد ووتر ثم نوم، أما ما تحفظ به وقتك فأعظم ما تحفظ به الصلوات الخمس، ثم حفظ الله في الذكر والدعاء، ثم حفظ الله بحفظ جوارحك.
فتحفظ عينك وسمعك وقلبك ويدك وفرجك، لعل الله أن يحفظك.
وتحفظ العلم، وذلك بجمع المختصرات ومجالسة العلماء والمشايخ وطلبة العلم، فيقربون لك ما في هذه المختصرات، ولتحاول حفظها، عل الله أن يعينك عليها، ثم اقرأ الشروح والله معك، ولن يترك من عملك شيئاً، وهذه إجابة مقربة، وإلا فإن هذا السؤال يتكرر كثيراً، ولكن إذا صدقت مع الله صدقك الله، وهنيئاً لك إقبالك على الله، نسأل الله أن يسددنا وإياك لما يحبه ويرضاه.
следующие страницы →