← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

الدواء من أمراض القلوب فما المخرج من مرض الشبهة ومرض الشهوة؟

стр. 1927

عودة إلى علاج مرض الشبهة أما مرض الشبهة فالتفكر في آيات الله الكونية والشرعية: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢٠] فاليقين بالتدبر والتأمل. تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين شاخصات بأحداق هي الذهب السبيك على قضب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك وأنا أكرر بعض المقالات التي ذكرها ابن كثير في التفسير في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] فذكر عند هذه الآية أن أبا حنيفة سأله الزنادقة عن دليل القدرة وخلق السماوات والأرض قال: سفينة تعبر دجلة من الشاطئ إلى الشاطئ ليس لها ركاب ولا حارس ولا قائد، قالوا: هذا ليس بصحيح، قال: سبحان الله! سماوات ذات أبراج، وأرض ذات فجاج وليل داج! ألا تدل على السميع البصير؟! وقال ابن كثير: وقال هارون الرشيد لـ مالك بن أنس: ما دليل القدرة؟ قال: سبحان الله! اختلاف النغمات وتعدد الأصوات، وتباين اللهجات. والشافعي سئل عن دليل قدرة الباري ﵎؟ قال: هذه الورقة -الصنوبر- تأكلها الدودة فتخرج إبريسماً حريراً، وتأكلها الغزالة فتخرج مسكاً، وتأكلها النحلة فتخرج عسلاً، ألا تدل على السميع البصير؟! والإمام أحمد يذكر عنه أنه قال: دليل القدرة بيضة الدجاجة، أما سطحها ففضة بيضاء، وأما باطنها فذهب إبريز، تفقس فيخرج منه حيوان سميع بصير، ألا يدل على السميع البصير؟! وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فياعجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد

стр. 1928

علاج مرض الشهوة أما دواء الشهوة فالصبر والعبادة. وعن محارم الإله فاصبر واستهد بالله وإياه اشكر وبادرن بالتوبة النصوح قبل احتضار وانتزاع الروح لا تحتقر شيئاً من المآثم وإنما الأعمال بالخواتم ومن لقاء الله قد أحبا كان له الله أشد حبا وعكسه الكاره فالله اسأل رحمته فضلاً ولا تتكل والقبر فاذكره وما وراءه فمنه ما لأحد براءه وإنه للفيصل الذي به ينكشف الحال فلا يشتبه والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ فأما الشبهة فاليقين والعلم دواؤها وعلاجها، وأما الشهوة فالصبر والعبادة والتوبة دواؤها وعلاجها، نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم، وأن يفقهنا وأن يبصرنا، وأن يردنا إليه رداً جميلاً، نشكو عليه حالنا، ونعرض عليه قلوبنا، ونسأله من رحمته، ومن عطائه أن يغيثنا ، فلا نشكو حالنا إلا إليه. اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وإن كان لي من شكر فإني أشكر الله ﵎ على أن جمعني بكم وأراني هذه الوجوه، التي سجدت لله، وأبى غيرها أن يسجد، وركعت لله وأبى غيرها أن يركع، فهنيئاً لكم مجلسكم، ثم شكراً لكم على كريم استقبالكم، وجميل إصغائكم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 1929

الأسئلة

стр. 1930

نصيحة حفظ الوقت السؤال ناشدتك الله يا شيخ أن تدلني رحمك الله على طريقة أحفظ بها وقتي، فأنا منذ صغري وأنا أحاول، لكن يأتيني ما يشغلني فتضيع أوقاتي، وقد ذهب معظم عمري وأنا بهذه الحال، فكيف أحفظ وقتي فيما يرضي ربي، دلني دلك الله على كل خير. الجواب الأخ السائل مادام أنه شعر بهذا المرض، فهو متجه إلى الصحة بإذن الله، ولكن المصيبة هي في المريض الذي لا يشعر بالمرض. من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام فما دمت قد عرفت أنك فرطت، وأنك أخطأت وأسأت، فأبشر ثم أبشر وعد إلى الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]. والوقت أغلى مايسام فهو أغلى من الذهب والفضة، قال : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦]. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس مرفوعاً: ﴿نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ﴾. فإذا علم هذا فأوصيك ونفسي أن تجتهد بحفظ الوقت، وأحسن ما ينظم لك أوقاتك، الصلوات الخمس: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:١٠٣] يقول بعض أهل العلم عن الصلاة: حتى في تنظيم الأوقات، تنظم أوقاتهم، فليكن بعد الفجر دائماً حفظ كتاب الله أو ما تيسر منه، فإنه وقت طليق، ووقت مبارك بإذن الله، فاحفظ ما تيسر ولو أن تقلل على نفسك، ثلاث آيات أو أربعاً أو خمساً وتستمر على ذلك، وهذا البرنامج يختلف باختلاف الناس، وبحسب أعمالهم وأشخاصهم، لكنه شبه مقرب للجميع. بعد الظهر للمطالعة إن كنت من طلبة العلم، خاصة في الكتب الجامعة، وبعد العصر مطالعة مسددة وتخريج، وتحقيق مسائل، وبعد المغرب زيارة لإخوانك في الله ، وللدعاة ولأقاربك ممن تستفيد بزيارتهم وتفيد. وبعد العشاء لك ولأهلك من ذكر واستغفار، وأوراد ووتر ثم نوم، أما ما تحفظ به وقتك فأعظم ما تحفظ به الصلوات الخمس، ثم حفظ الله في الذكر والدعاء، ثم حفظ الله بحفظ جوارحك. فتحفظ عينك وسمعك وقلبك ويدك وفرجك، لعل الله أن يحفظك. وتحفظ العلم، وذلك بجمع المختصرات ومجالسة العلماء والمشايخ وطلبة العلم، فيقربون لك ما في هذه المختصرات، ولتحاول حفظها، عل الله أن يعينك عليها، ثم اقرأ الشروح والله معك، ولن يترك من عملك شيئاً، وهذه إجابة مقربة، وإلا فإن هذا السؤال يتكرر كثيراً، ولكن إذا صدقت مع الله صدقك الله، وهنيئاً لك إقبالك على الله، نسأل الله أن يسددنا وإياك لما يحبه ويرضاه.

стр. 1931

أسباب المصائب والعقوبات التي تحل بنا السؤال في هذا العام، كما يعلم الجميع مع قلة الأمطار، جاء برد شديد توفي على إثره أناس، وماتت بسببه كثير من المواشي والنخيل وسائر الأشجار، وتفجرت كثير من صنابير المياه ومضخاتها، وحدث كثير من الأمراض، فما رأيك بمن لا يعتبر بذلك، وينسبه إلى الطبيعة دون ربطه بأسبابه، وأنه عقوبة من عقوبات الذنوب والمعاصي المتتابعة؟ الجواب بل هذا أعظم شاهد وأعظم دليل على ما فعلناه من الذنوب والخطايا، فإن ما وقع هو من ذنوبنا: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] فقلة الأمطار، وجفاف الآبار، وموت الأشجار، وذبول الأزهار، كلها مما أغضبنا به الواحد الجبار، فنشكو أحوالنا إلى الله ، وقد سلف في أثناء الكلمة قوله في بني إسرائيل: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣] ونوح ﵇ يقول لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [نوح:١٠ - ١٢]. وفي بعض الآثار التي في أسانيدها نظر أن الرسول ﵊، كما يروى عنه أنه قال: ﴿إن العجماوات والبهائم تشكو فسقة وفجرة بني آدم إلى الله، وتقول: يا ربنا منعنا القطر بسببهم﴾ وأورد السيوطي حديثاً وقد أثر عن بعض السلف أنه نسب إلى أحد الأنبياء أن الله يقول: وعزتي وجلالي لولا الشيوخ الركع، والأطفال الرضع، والبهائم الرتع، لخسفت بكم الأرض خسفاً. وصح في حديث: ﴿أن سليمان ﵇ خرج يستسقي ببني إسرائيل، فوجد نملة وهي في القحط والجدب رفعت رجليها تدعو، فتبسم ﵇ وقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعاء غيركم﴾. فمن معاصينا ومخالفاتنا: التخلف عن الصلوات، ومقاطعة الجماعات، وتزايد الربا, وأكل الربا ولبسه، وركوب سيارات الربا، وبناء منازل الربا، وإطلاق النظر في المحرمات، وتبرج المرأة إلا من رحم الله، وكلها من المعاصي، فكيف لا يذهب الجمال؟! وكيف لا تقصى الديار؟! وكيف لا تيبس الأزهار؟! وتنقطع الأنهار؟! وتجف الأمطار؟! هي المعاصي يا عباد الله! فلنعد إلى الله، ولنكثر الاستغفار والتوبة، ولنعتبر إن كنا من المعتبرين، ولنتعظ إن كنا من المتعظين، رزقنا الله وإياكم توبة نصوحاً.

стр. 1932

أبو العلاء المعري في الميزان السؤال أبو العلاء المعري يروى أنه في آخر حياته تاب ورجع وأناب كما ذكر صاحب كتاب رهين المحبسين عبد الكريم الخطيب، فهل هذا صحيح؟ الجواب أولاً: الذين يكتبون عن توبته، مشكوك في توبتهم، فلا بد أن يصححوا الأسانيد قبل أن نصل إلى أبي العلاء، لأنهم أحالونا على مجاهيل، وهم نصبوا أنفسهم وليسوا بثقات، فإنهم قالوا هذا الكلام، لكن نحن نعود إلى أناس، وإلى أسانيد قوية. سند كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عموداً وأنا أنقل عن الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة أبي العلاء المعري وابن كثير في البداية، وذكروه وحطوا عليه، وهو يستحق الحط، والنكاية لنبين شره، أما الأمور الاحتمالية بعد أن تثبت الأمور اليقينية، فهذه من أوهى الأدلة ومن أضعف الاحتجاجات، ولو أخذ بهذا، لأسلم فرعون، ولأسلم إبليس، وأدخل أبو لهب الجنة بمثل هذه الحجج ولكن هيهات!

стр. 1933

كيفية التخلص من ضغط الشهوة السؤال لقد كنت قبل سنة تقريباً أمارس عادة محرمة نتيجة الشهوة وبالعزم والإصرار تركتها وعدت لها بعد أشهر، فتركتها قبل أشهر عديدة، فماذا أفعل لكيلا أعود إليها مرة أخرى جزاك الله خيراً؟ الجواب الأمر الأول: لعل السائل يقصد العادة السرية، وهذه محرمة عند كثير من أهل العلم، وهو الصحيح، واستدل مالك من القرآن على تحريمها بقوله : ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٧] وابن تيمية ينص على أنها محرمة، وهي من الفاحشة والعياذ بالله. فعلى المسلم أن يتوب ويستغفر الله من هذا العمل وأن يراجع حسابه مع الله وله أمور يستطيع أن يظهر بها على نفسه وأن ينتصر على نفسه. منها: الصدق مع الله واللجؤ إلى الله بالدعاء. الأمر الثاني: الصيام إذا لم يستطع الزواج، والحديث في الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصيام فإنه له وجاء﴾. ومنها: أن يشغل نفسه بقراءة القرآن، والذكر، ومجالسة الصالحين وطلبة العلم والدعاة، وأن يكثر من النوافل، وأن يشتغل بالدعوة والتحصيل.

стр. 1934

حث طلبة العلم على الدعوة السؤال ما أكثر طلبة العلم وأهل الخير في هذا البلد ولله الحمد والمنة، ولكن ليس لهم نشاط في الدعوة إلى الله وإقامة حلق العلم في المساجد، فنرجو من فضيلتكم حث أهل الخير وطلبة العلم على تعليم الناس والدعوة إلى الله، أثابكم الله. الجواب بلدكم وما جاوره من البلدان فيها علماء، ونحن تلامذة لهم، ونأتي لنستفيد من أمثالهم، وهم مشايخ لنا، ولم يقصروا في الدعوة، لكن ليس كل عالم له أن يتكلم، أو عنده وقت ليتكلم، قد علم كل أناس مشربهم، فالبعض عليه أن يكون واعظاً، والبعض محققاً، والبعض مفتياً، والبعض خطيباً، لتتوزع المهمات على الأمة. فالعلماء منهم من يحقق كتباً ويخرجها للأمة فتكون أنفع وأفيد، ومنهم من يحقق مسائل، ومنهم من يصحح أحاديث، ومنهم من يفتي الأمة، ومنهم من يوجه باستلام منصب وبإدارة، فينفع الله به في ذاك السبيل. فنسأل الله أن يأخذ بيد الجميع، وما مثل علمائكم نوصي بأن يستفاد منهم في مثل هذا المكان.

стр. 1935

أدعية تحجز الإنسان عن الشهوات والشبهات السؤال فضيلة الشيخ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: ففي الله أحببناك والله شاهد وإنا غداً عما نقول سنسأل وبعد: فالإنسان محفوف بالشهوات، فهل هناك أدعية تكون حاجزاً بين الإنسان والشهوات؟ الجواب حفظ في السنة أدعية كثيرة عنه ﷺ ، لكن تحديد الشهوات، أمر قد يكون غير منضبط، فهي أدعية خاصة لا تحضرني الآن، لكن حفظ كما في صحيح مسلم عن ابن مسعود أن الرسول ﵊ كان يقول: ﴿اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى﴾ وهي تشمل الرد على الشبهات والشهوات. حفظ عنه ﷺ ، كما في صحيح مسلم ﴿يا علي! قل: اللهم اهدني وسددني، واذكر بهدايتك هدايتك الطريق، وبتسديدك تسديد السهم﴾ وعند أبي داود بسند حسن أنه ﷺ قال لـ الحصين بن عبيد والد عمران: ﴿يا حصين! قل: اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي﴾ وصح من حديث أم سلمة أن الرسول عليه الصلاة السلام: ﴿كان إذا خرج من بيته قال: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله﴾ وهذه الزيادة صحت في بعض الروايات، وفي رواية: اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل عليّ﴾ زاد السيوطي عن بعض النقلة: ﴿أو أبغي أو يبغى عليّ﴾ فبمثل هذه الأدعية وبأمثالها يحفظك الله ويسددك الله، مع النية أن تكف عن المعاصي وأن تنتصر على الهوى، والله معك.

стр. 1936

نصيحة في تربية الأبناء السؤال لي ابن غير صالح وغير مستقيم وحاولت تعديله فلم أفلح، فما هي إرشاداتكم جزاكم الله خيراً حتى تبرأ ذمتي، وينجو ابني من العقاب؟ الجواب المسألة الأولى: أنصحك أولاً بكثرة الدعاء لابنك، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دعوا لأبنائهم، والصالحون كان دأبهم الدعاء للأبناء، والدعوة الصادقة تنفذ إلى عرش الرحمن، ويجيبها ﵎، وعند أبي داود: ﴿ثلاثة لا ترد دعواتهم، منهم: دعوة الوالد لولده﴾ فالله الله في الاجتهاد بالدعاء لولدك! والنصح والصدق مع الله والتقوى والطاعة. المسألة الثانية: اللين، فإن كثيراً من الآباء فيهم فظاظة وغلظة وشدة، تنفر أبناءهم عنهم، والله يقول في محمد ﵊: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] وقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] وقال تبارك اسمه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] فالله الله في اللين! ويرسل الله موسى ﵇ مع هارون إلى طاغية الدنيا، وليس هو ابنه ويقول: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]. المسألة الثالثة: التدرج في دعوته فلا تحاول أن يهتدي في يوم أو يومين أو ثلاثة، بل طول له الحبل ومد له في الوقت، واصبر وصابر لعل الله أن يهديه. المسألة الرابعة: أن تبدأ معه في الأولويات والمهمات، فتبدأ بالصلاة، ثم بما كبر ثم بما بعدها وما يليها، حتى تصل إلى السنن والمستحبات، وإذا صدقت مع الله هدى لك الله ذريتك، لأن الله يقول في زكريا: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤].

стр. 1937

أهمية الصلاة السؤال ينشغل بعض شبابنا هدانا الله وإياهم ببعض شهواتهم عن الصلاة، وربما بعضهم يتركها بسبب انشغاله باللعب أو النوم، فنأمل التنبيه لأهمية الصلاة وعقوبة تاركها، جزاك الله خير الجزاء. الجواب ما ورد من كلامي في المحاضرة فهو حول قضية الاشتغال بالشهوات عن الفرائض، والطاعات، وما على المسلم إلا أن يتقي الله ويجيب داعي الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] وعليه أن يسمع لنداء الرسول ﵊ ولوصيته، فعند الترمذي وأحمد بسندين حسنين، قال ﵊ لـ ابن عباس ﵄: ﴿يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾ فأوصيك بحفظ الله والكف عن الاعتداء على محارمه والتجاوز في حدوده، وأما عقوبة تارك الصلاة، فأنت تعرف ويعرف الإخوة أن تارك الصلاة كافر بأحاديث كثيرة، كقوله ﷺ : ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة﴾ والحديث في الصحيحين. ومفهوم المخالفة أن من لم يؤد الصلاة، فلا عصمة لدمه، وحديث آخر صحيح قوله ﷺ : ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر﴾ وحديث ثالث عنه ﷺ قال: ﴿بين المسلم والكفر ترك الصلاة﴾ فيا خيبة من ترك الصلاة! ويا خسارة من فرط في الصلاة! لقد أعلن كفره وتمرده وزندقته وإلحاده والله المستعان.

стр. 1938

طرق الأعداء في إضلال الشباب السؤال أعداء الله لهم طرق كثيرة في صد الشباب عن الإقبال على الإسلام واتباع أهل الحق، أريد من فضيلتكم كلمة ضافية تنبه فيها الشباب والدعاة إلى الله بهذا الكيد الذي يراد. الجواب في العالم معسكران: المعسكر الشرقي معسكر حلف وارسو، وهؤلاء أهل الشبهات وهم أهل الإلحاد والزندقة، استالين ولينين وماركس وهرتزل، وهم الذين بثوا الإلحاد، وبثوه قبل أربعين سنة على مركب الاقتصاد، وأتوا اليوم يبثونه على مركب الحداثة، ليخرجوا من أبناء الجزيرة رجلاً متخلفاً متحلقاً متلقفاً ملقوفاً، يقول في قصيدته: ما معناه: الجزيرة ما رأت النور منذ أن ألقى عليها الهاشمي رداءه. من هو الهاشمي؟ إنه محمد ﷺ . ومن هو الهاشمي الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور؟ ومن هو الهاشمي الذي سارت كتائبه مهللة ومكبرة حتى فتحت بلاد الأندلس؟ من هو الهاشمي الذي أقام العدل ورفع لا إله إلا الله محمد رسول الله في الأرض؟ فهذا سرت فيه الشبه والإلحاد من موسكو إلى الجزيرة الخالدة، التي سجد أبناؤها لله، وهذا مرض الشبهات والإلحاد، وعلاجه العلم النافع، قال الله وقال رسوله ﷺ ، والتدبر في الكون، في آيات الله الكونية، وآيات الله الشرعية. وحلف الأطلسي الرأسمالي أمريكا وأوروبا ومن سار مسارها، هم أهل الشهوات، ما استطاعوا بالطائرات ولا الصواريخ حتى قالوا في مؤتمر بلغراد: إنما ينجح فيهم المرأة والكأس. فأتوا بالمرأة الفاتنة، والمجلة الخليعة، والأغنية الماجنة، وأتوا بالحبوب المخدرة، وأتوا بالسفور، وأتوا بالشهوات، فضل كثير من شبابنا، وعلاجهم الصبر والعبادة والتوبة النصوح إلى الواحد الأحد. فالشباب على هذين القسمين، ولكن لله الحمد، نزل الآن كثير من العلماء بـ (قال الله وقال رسوله ﷺ في الساحة، وأقبل كثير من الشباب مستقيمين تائبين منيبين إلى الله الواحد الأحد، فله الحمد والشكر، ونسأله أن يزيد من الخير.

стр. 1939

كيفية التخلص من الشرود في الصلاة السؤال إنني أعاني من الشرود والتفكير أثناء تأدية الصلاة، فما هي نصيحتكم لي ولأمثالي أثابك الله؟ الجواب الشرود في الصلاة، كلنا ذاك الرجل، وكلنا الذي يشكو حاله، قد أتت أحاديث عنه ﷺ ، منها حديث في مسلم: ﴿أن عثمان بن أبي العاص الثقفي شكا إليه ﷺ شيطاناً لبس عليه صلاته﴾ يقول بعض أهل العلم: لبس عليه حتى لا يدري هل قرأ الفاتحة أم لا، قال: ﴿ذلك شيطان يدعى خنزب، فإذا أحسست به فانفث وأنت في صلاتك عن يسارك ثلاث مرات، واستعذ بالله منه﴾ قال بعض أهل العلم: هذا إذا لبس عليه فلا يدري أقرأ الفاتحة أم لم يقرأ، فإذا وصل إلى هذه الدرجة، فله هذا الحكم، أما من شرد وسها، فعليه أن يتقي الله وأن يحاول بأمور ليستحضر قلبه، وليكون من الخاشعين في الصلاة. الأمر الأول: أن يعلم أنه لا أكبر من الله، وإذا قال الله أكبر، فالله أكبر من كل شيء، وليتفكر في الصلاة. الأمر الثاني: أن يصلي صلاة مودع. الأمر الثالث: أن يتأمل ويتدبر الآيات التي يقرأ. الأمر الرابع: أن يفرغ نفسه للصلاة. وهناك كلام للفقهاء في كراهية أن يصلي وهو يدافعه الأخبثان، وصلاة الحاقن، والصلاة في شدة البرد، أو في شدة الحر، وإنما قالوا هذا ليصلوا إلى نتيجة وهي الخشوع في الصلاة، رزقني الله وإياكم وكل مسلم الخشوع في الصلاة.

стр. 1940

ضرورة الاتعاظ بآيات الله الكونية السؤال قرأنا في الصحف أن القمر سوف يحصل له كسوف ليلة الرابع عشر والخامس عشر، فما توجيهك لمن يتهاون بالصلاة ويلهو ويبيع ويشتري وليس لهذه الآية الكونية أي وزن ولا أهمية عنده؟ الجواب ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف:١٠٥] كثير من الآيات، كخسوف القمر، وكسوف الشمس، وموت الأحبة، ودفن الآباء والأولاد والأجداد، ومفارقة الأصحاب وما نصاب به من مصائب وكوارث وحروب في الدول، وفتن في الشعوب كلها آيات، لكن من يعتبر؟! ومن يتذكر؟ والقبور الماثلة فيها الآباء والأجداد والإخوان والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات. أتيت القبور فناديتها فأين المعظم والمحتقر تفانوا جميعاً فما مخبر وماتوا جميعاً ومات الخبر فيا سائلي عن أناس مضوا أما لك فيما مضى معتبر فأين من يعتبر؟! وهذه الآيات يخوف الله بها من يشاء من عباده، كما في الصحيحين من حديث المغيرة وأبي موسى: ﴿إنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، وإنما هما آيتان من آيات الله يخوف الله بهما من يشاء من عباده﴾ يخوف تارك الصلاة ليصلي، ويخوف متعاطي الربا ليترك الربا، ويخوف الزاني ليترك الزنا، والمغني والمطبل وسامع الغناء ليتوبوا من الغناء والزنا والربا، فنسأل الله أن يجعلنا من المتعظين المعتبرين أولي الألباب.

стр. 1941

الحث على التبرع للمجاهدين الأفغان السؤال لا يفهم ما يعانيه إخواننا الأفغان من مكايد وضغوط عالمية تريد الإجهاض على قيام دولة التوحيد هناك، لا سيما وأنهم على وشك قطف الثمار، أرجو توجيه كلمات تحث بها الحاضرين على دعم إخوانهم والدعاء لهم، وبيان فضل الإنفاق في هذا السبيل، لا سيما وأنه سيجمع تبرعات من الحضور لهم أثابكم الله، ونرجو ذكر الأبيات التي قلتها فيهم؟ الجواب الحمد لله على ما تم وعلى ما أشرف وما قرب من نصر على أعداء الله، وعلى الوثنيين والملحدين، في أفغانستان، والمجاهدون شكر الله لهم، أعني المجاهدين المسلمين الذين أشرفوا على فتح كابل وقدموا بتوفيق الله نصراً عجيباً للمسلمين، وهذا ما قدموه إلا لما وثقوا بالله وتوكلوا على الله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] قال لهم الناس: تعالوا إلى هيئة الأمم المتحدة، قالوا: آمنا بالله وحده وكفرنا بـ هيئة الأمم المتحدة، قالوا: تعالوا إلى جنيف، قالوا: آمنا بالله وحده وكفرنا بـ جنيف، قالوا: تعالوا إلى مجلس الأمن، قالوا: آمنا بالله وحده وكفرنا بـ مجلس الأمن. يا أمة في عمرها لم تحي إلا بالجهاد كفرت بمجلس أمن من نصب المنايا للعباد القاتلي الإنسان خابوا ما لهم إلا الرماد جثث البرايا منهم في كل رابية وواد فأتى المجاهدون وخرجوا من بيوتهم متوضئين ساجدين مصلين، وأخذوا بأيديهم الكلاشنكوف لغة النار، فأخرجوا المستعمر، وذبحوه على الطريقة الإسلامية، ولي فيهم قصيدة منها: مروا بقلبي فقد أصغى له البان لي في حمى الحب أصحاب وجيران نعم لك الله ما قد تبت من وله أما لكم صاحبي صبر وسلوان أنا يراعاتك اللاتي كتبت بها رسالة الحب ما في ذاك نكران دع ذا وهات قوافٍ منك صادقة لأمة مجدها بالأمس فينان والله لو أنصف التاريخ أمتنا لسجل المدح عذباً وهو سهران مجالس العلم تروي كل قصتنا إن قلت حدثنا يحيى وسفيان الصانعو الزهد والدنيا بحوزتهم يروي علاها أبو ذر وسلمان والساكبو العلم من مشكاة دوحتهم علم ابن عباس ياقوت ومرجان وإن طلبت مثالاً من أرومتنا يكفيك عن مضرب الأمثال أفغان يا أمة النصر والأرواح أثمان في شدة الرعب ما هانوا وما لانوا هم الرعود ولكن لا خفوت لهم خسف ونسف وتدمير وبركان كم ملحد ماجن ظن الحقوق له زفوا له الموت مراً وهو مجان وبلشفي أتى كالعير منتخياً رأى المنايا فأضحى وهو جعلان ردوه كالقرد لو بيعت سلامته بشعبه لشراها وهو جذلان فروا على نغم البازوك في غسق فقهقهت بالكلاشنكوف نيرانُ يسعى فيعثر في سروال خيبته في أذنه من رصاص الحق خرسان سياف في حكمة شاه بمملكة لها من الدهر طول الحق برهان وأنا أتضامن مع فضيلة الشيخ في دعوته للتبرع، فكأنك بدراهمك تقتل شيوعياً أو تجزر ملحداً، والله يتقبل منا ومنكم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 1942

الدقائق الغالية قال تعالى: (وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) [فاطر:٣٧] ما المقصود بالنذير؟ أهو محمد؟! أم الشيب؟ أم الموت؟! لكي تعرف الإجابة تصفح هذه المادة، وأيضاً ستجد لطائف من سيرة السلف الصالح.

стр. 1943

وجاءكم النذير الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وإمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وحجة الله على الهالكين، وعلى آله وصحبه والتابعين. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. عنوان هذا الدرس: الدقائق الغالية. الدقائق الغالية هي حياة المسلم، فكل دقيقة تمر من حياة المسلم وعمره فسوف تحسب عليه عند الله ، ولذلك قال : ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧].

стр. 1944

من هو النذير قال أهل العلم في النذير، هو: الموت. وقيل: محمد ﷺ . وقيل: القرآن. وقيل: الإسلام. وقيل: الشيب. وذكر عن بعض السلف أنه قال: "من بلغه الله ثماني عشرة سنة فقد أعذر إليه وأنذر"، وفي صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: ﴿من بلغه الله ستين سنة فقد أعذر الله إليه﴾ أو كما قال ﵊. فإذا تفكر المسلم أنه قد جاءته من الله نذارة وإعذار وجب عليه أن يستغل هذه الدقائق في مرضاة الله الواحد الأحد: دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثاني أما معنى قوله : ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر:٣٧] فالمعنى: أولم نمهلكم؟ ألم نمد لكم في الأجل؟! أما تركناكم تعيشون حتى جاءتكم النذارة؟! أما تركنا لكم مهلة بإمكانكم أن تتذكروا فيها القدوم علينا فهل تذكرتم؟ وهذا بإيجاز. ولذلك قال بعض أهل العلم: الشيب هو النذير، فمن شابت لحيته ورأسه فقد أتاه من الله النذير. قال سفيان بن سعيد الثوري: " من شابت لحيته أو رأسه فليعد للقبر عدته وليشتر كفناً ". ولقد بكى العلماء والصالحون الشيب، وعلموا أنه داعي القبر، وأنه بريد الموت، وأنه سائق إلى الله . قال الإمام أحمد: " والله ما مثلت الشباب -يعني: أول العمر- إلا بشيء كان في يدي ثم سقط من يدي " وقال أبو العتاهية: بكيت على الشباب بدمع عيني فلم يغن البكاء ولا النحيب ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب يقول: يا ليت الشباب -أول العمر- يعود إليَّ فأخبره ماذا فعل بي المشيب؟ غيَّر لوني، وغير بهجتي، وحطم قوتي، وأذاب سخونة شِعْري، ودنف ظهري، وأسهرني، وأبكاني. ولذلك نام شباب مع شيخ كبير في بيت، وكان هذا الشيخ قد بلغ الثمانين من عمره، ومن المعروف أن الشباب ينامون من أول ما يضع أحدهم رأسه، وهكذا غالب الشباب، أما هذا الشيخ فما نام طول الليل؛ دائماً في أنين في شهيق وزفير حتى صلاة الفجر، فقال له الشباب لما صلوا الفجر: لم تتركنا ننام البارحة، فقال قصيدة يقول فيها: قالوا أنينك طول الليل يزعجنا فما الذي تشتكي قلت الثمانينا قالوا: أنينك طول الليل يزعجنا؛ سهرنا سئمنا لم يتركنا ننام فما الذي تشتكي؟ أظلمك ظالم؟ هل اعتدى عليك معتد؟ هل سلب حقك سالب؟: قالوا أنينك طول الليل يزعجنا فما الذي تشتكي قلت الثمانينا أشتكي إليكم سن الثمانين.

стр. 1945

احفظ الله في الشباب يحفظك الله في المشيب قال ابن قتيبة: مر شيخ كبير من بني غفار عليه لحية بيضاء على صدره -والعرب كان فاجرهم ومؤمنهم، قويهم وضعيفهم لا يعتدون على لحاهم، مر هذا الشيخ وإذا شباب يلعبون في الطريق، فقال أحد الأطفال: يا عم! من الذي باعك هذا القوس؟ -يعني: هذه اللحية كالقوس على صدرك ممن اشتريتها؟ - فدمعت عينا الشيخ، وقال: يا بني! هذه اللحية أعطانيها الدهر بلا ثمن، وسوف يعطيك شيباً مثلها. أي: اصبر وسوف تجد مثلها، ولذلك قال الصالحون: "من حفظ الله في الشباب حفظه في الهرم". وقد قال ﵊ فيما صح عنه: ﴿احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرَّف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾.

стр. 1946

أبو الطيب الطبري حفظ الله؛ فحفظه الله وفي حديث عند الترمذي بسند حسن: ﴿اغتنم خمساً قبل خمس: -ثم ذكر منها ﷺ شبابك قبل هرمك﴾. قال ابن كثير وهو يترجم للمحب الطبري؛ -وهو إمام شافعي كبير، من أجل الأئمة الشافعية، كان مزاحاً دعوباً، وكان متقياً لله يقول: ركب معه شباب في سفينة، فلما اقترب من الشاطئ قفز من السفينة إلى الشاطئ، وحاول الشباب أن يقفزوا فما استطاعوا، فقالوا: كيف استطعت أن تقفز وأنت في الثمانين، ونحن شباب لم نستطع؟ قال: هذه أعضاءٌ حفظناها في الصغر فحفظها الله لنا في الكبر. ومعنى الكلام: هذه أعضاءٌ حفظناها من المعاصي فحفظها الله علينا لما كبرنا، فما أصابها وهن، وهذا معنى قوله ﵊: ﴿احفظ الله يحفظك﴾. أبو الطيب الطبري أعطى حذاءه للخراز وأخذ حذاء، فأخذها الخراز وكان مشغولاً -عنده أحذية- فأخذ الطابور عنده، فمر به في اليوم الثاني، قال: أعطني حذائي، قال: إن شاء الله غداً، فمر به غداً. فقال: إن شاء الله غداً، فمر به بعد غد. فكلما رآه الخراز وضع حذاءه في الماء ليظهر أنه سوف يصلحها، قال أبو الطيب الطبري: يا عم! أنا أعطيتك الحذاء لتصلحها، لا لتعلمها السباحة. فهذا هو الرجل الذي يقول: هذه أعضاءٌ حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر. وذكر أهل العلم في كتب الحديث وغيرها أبواب الشيب وعدوه من الإنذارات للمؤمن قبل أن يأتيه نذير الموت. ولذلك قال أهل السير: قام عابد من بني إسرائيل عمره ثمانون سنة، فوقف أمام المرآة فرأى شيبة -وكان هذا الرجل قد أطاع الله أربعين سنة، ثم عصاه أربعين سنة، نعوذ بالله من الخذلان! بعض الناس يصيبه الخذلان بعد أن يستمر في طريق الهداية، ولا يثبِّت ولا يهدي إلا الله ﵎ قال: فنظر إلى المرآة، فقال: يا رب! أطعتك أربعين سنة وعصيتك أربعين سنة فهل تقبلني إذا عدت إليك؟ فسمع هاتفاً يقول: أطعتنا فقربناك، وعصيتنا فأمهلناك، فإذا عدت إلينا قبلناك. وقد يلحق الإنسان الخذلان في آخر عمره -نعوذ بالله من الخذلان- لأسباب سوف أذكرها.

стр. 1947

عبد الملك بن مروان عند الموت ذكر الذهبي في ترجمة عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي، أنه لما تولى الخلافة، وكان عبد الملك عالماً من العلماء، بل كانوا يعدونه من الفقهاء السبعة في بعض الروايات، فكان فقهياً، عالماً، عابداً، فلما تولى الخلافة سل السيف وسفك دماء الأمة، يقولون: أول ما بويع بالخلافة أخذ كتاب الله ثم نشره، ثم قرأ فيه قليلاً ثم طبقه، وقال: هذا آخر العهد بك، قال الذهبي معلقاً: اللهم لا تمكر بنا، ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، فأدركه الخذلان -والعياذ بالله- لما مكنه الله في الأرض. ولذلك لما أتته سكرات الموت بكى طويلاً ونزل من على سرير الملك، ونزل إلى الأرض، فمرغ وجهه في التراب، وبكى وقال: يا ليت أمي لم تلدني! يا ليتني ما عرفت الحياة! يا ليتني ما توليت الخلافة! فسمع وهو في سكرات الموت؛ غسالاً يغسل الملابس، لا يحمل هم الأمة، ولا أي هم، ولا خاف من الظلم ولا الإجحاف، فكان يغني؛ لأن أسعد الناس أهل المهن الحرفية، تجد أحدهم كأنه يملك الدنيا بين يديه، فأنت إذا رأيت الخباز وهو على الفرن يترنم كأنه المتنبي: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم فهو يتغنى لأنه ليس على ظهره هموم، مشغلته في يده، فسمع الغسال يترنم، فقال عبد الملك: يا ليتني ما عرفت الحياة! يا ليتني كنت غسالاً! قال سعيد بن المسيب -أحد علماء التابعين- لما سمع هذا الكلام: [[الحمد لله الذي جعلهم يفرون إلينا وقت الممات، ولا نفر إليهم]]. وإنما يتذكر قوله : ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧] لمن عقل وفهم عن الله ، أما الذي غلبه هواه فهذا لا يسمع الآيات، ولا يستفيد من المواعظ، ولو أسمعته خطب ومواعظ ومحاضرات الدنيا لا يستفيق أبداً. وبالمناسبة للاستطراد وللطرفة، النساء أغضب ما يغضبهن الشيب، فالمرأة تصاحبك حتى ترى الشيب، فكأنها رأت ثعباناً عليك، يقول حسان: رأين الغواني الشيب لاح بعارضي فأعرضن عني بالخدود النواضر فالشيب عدو النساء، ولذلك أخذ بعض الناس السواد وصبغوا به لحاهم، وهذا على الصحيح من أقوال أهل العلم أنه محرم، لقوله ﷺ فيما صح عنه: ﴿وجنبوه السواد﴾ والسر في ذلك -كما قال بعض الفقهاء-: أنه يوهم وأن فيه تدليساً، حيث يأتي الرجل عمره ثمانون سنة -شيبة عجوز- ما بقي بينه وبين القبر إلا شبرين أو ثلاثة، فيخطب شابة فتية فتتزوجه فيموت بعد شهرين، قالوا: فيه تدليس، ولأن التدليس أمر محرم فلا يجوز التدليس بالشيب، ويجوز بالورس وبالحناء وبالكتم، وهذا على سبيل الاستطراد.

стр. 1948

من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم ينبغي على الناس أن يوقروا الشيخ الكبير فيهم، ولذلك قال بعض الصالحين لما حضرته الوفاة: اللهم ارحم شيبتي! فإني سمعت في الحديث أن الرسول ﵊ يقول: ﴿إن الله يستحي أن يعذب شيخاً في الإسلام﴾. وذكر الذهبي في ترجمة يحيى بن أكثم؛ وهو أحد العلماء القضاة، وقد تولى القضاء للمأمون، لكن سياسته في القضاء كانت غير محمودة، إنما كان محدثاً صالحاً فيه خير، فلما توفي رؤي في المنام: قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: والذي نفسي بيده! لقد أوقفني بين يديه ﵎، ثم قال: وعزتي وجلالي لولا شيبتك لعذبتك بالنار، ثم أدخلني الجنة. وهذا لا يعني أن الشيخ الكبير له أن يفعل ما يشاء؛ لأن الله يستحي من شيبته، بل معناه: أن الله يستحي منه إذا استحى من الله، وإلا ففي الحديث الصحيح عنه ﷺ أنه قال: ﴿ثلاثة لا ينظر الله إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم -وفي لفظ: ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم- منهم: أشيمطٌ زانٍ﴾ شيخ كبير في السن زانٍ، هذا ليس له عند الله قبول، ولا يكلمه الله يوم العرض الأكبر، ولا ينظر إليه، ولا يزكيه، وله عذاب أليم، فشيخ أخذ في عمره ما أخذ، ثم أتى إلى الله فختم صحيفته بالزنا، لا قبول له عند الله: ﴿وملك كذاب﴾ ملك ويكذب لأنه لا داعي له، لأن إنما الإنسان إنما يكذب؛ خوفاً أو رغبة أو رهبة، والملك ليس عنده لا رغبة ولا رهبة، والثالث: ﴿عائل مستكبر﴾ رجل يلصق بطنه بالثرى، وينام على الرصيف، وليس عنده درهم ولا دينار ويتكبر على عباد الله. يقول شيخ الإسلام في كلام ما معناه: ملوم الغني إذا تكبر، وغير الملك إذا كذب، والشاب إذا زنى؛ لكن هؤلاء لقلة دواعي هذه الأمور فيهم كان عذابهم أشد وأنكى عند الله . نظر إبراهيم ﵇ في المرآة فرأى شيبة بيضاء، وكان أول مرة يرى إبراهيم الشيب، فقال: يا رب! ما هذا البياض؟ قال: هذا وقار يا إبراهيم! قال: "اللهم زدني وقاراً". قالوا عن الإمام أحمد: كان الإمام أحمد لا يقوم لأحد، لا لملك أو وزير أو سلطان ولا لغني أو وجيه، إلا إذا رأى شيخاً كبيراً شابت لحيته، فإن الإمام أحمد يقوم ويقبله ويعانقه ويجلسه بجانبه. وإن من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم، وثلاثة يوقرون: السلطان المقسط -أي العادل- وحامل القرآن -أي: طالب العلم العامل بعلمه- والشيخ الكبير، فهؤلاء يوقرون لما أعطاهم الله عزوجل. ومقصودي من هذا أيها الأحبة: أن نصل إلى مسألة، وهي مسألة حفظ العمر مع الله عزوجل، فإن كثيراً من الناس ذهبت لياليهم من بين أيديهم سدى، وما استغلوها في طاعة؛ فبكوا وندموا غير ساعة مندم، يقول عن المفرطين: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧] ويقول عنهم: ﴿يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام:٣١] قال أهل العلم في هذه الآية: يقولون: يا ويلتنا على ما ضيعنا في حياتنا من الأوقات الثمينة.

стр. 1949

نماذج من أحوال السلف في حفظ الوقت دخل عمر ﵁ وأرضاه المسجد، فوجد رجلاً حزيناً من الصحابة جالساً في المسجد، فقال: مالك؟ قال: فاتتني صلاة الليل البارحة. أي: قيام الليل، أما نحن فالكثير منا تفوته صلاة الفجر ولكن قلبه بارد لا يجد حزناً فيه ولا قلقاً ولا هماً ولا خوفاً، كما قال المتنبي: من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام أي: من يصبح بالهوان بمنزلة يسهل أن تهون عليه الأمور، كالميت إذا أتيت تنحره وتقطعه بالسكين لا يتأثر، ما لجرح بميت إيلام. قال هذا الرجل: نمت عن ورد البارحة من قيام الليل فحزنت، قال عمر: سبحان الله! قم فصل، أما سمعت الله يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان:٦٢] يعني: جعل الليل خلفة عن النهار، والنهار خلفة عن الليل، فمن فاته ورده في النهار، وقراءة القرآن، والذكر في النهار، فليعوضه في الليل، ومن فاته في الليل فليعوضه بالنهار، فهي منة من الله عزوجل. هذا أحد الصالحين اسمه: الجنيد بن محمد كان يسبح في اليوم ثلاثين ألف تسبيحه، ذكر هذا أهل العلم في ترجمته، فلما حضرته الوفاة أخذ يقرأ القرآن وهو في سكرات الموت، فقال له أبناؤه: تقرأ القرآن وأنت مشغول بالموت! قال: وهل هناك في الدنيا أحوج مني إلى العمل الصالح؟ فقد أصبح في ورطة الآن. فيا أخوتي في الله! إن الدقائق الغالية في حياة المسلم لا تُقدَّر بثمن، والساعة الواحدة يأخذها فلان فيستقل بها إلى رضوان الله الواحد الأحد من قرآن، أو تسبيح، أو مطالعة، أو ذكر، أو دعوة، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، ويأخذها هذا فيصل بها إلى غضب الله ولعنته وسخطه، من ترك صلاة، أو زنا، أو فعل فاحشة، أو جريمة، أو غيبة، أو نميمة، أو معصية تغضب المولى ﵎. يقول النووي -والعهدة على النووي - في التبيان في آداب حملة القرآن؛ وهي رسالة طيبة وجيزة، يقول فيها: كان كرز بن وبرة يختم القرآن في الليل أربع مرات، وفي النهار أربع مرات. لكن ليس هذا هو السنة، فلا يفقه القرآن في أقل من ثلاثة أيام، لكن أذكره من باب الجد والمثابرة، وكان أصحاب كرز بن وبرة يقولون له: اجلس معنا نتحدث معك، قال: احبسوا لي الشمس وأتحدث معكم، معنى ذلك: أن الشمس تذهب في أعمارنا وتقرضها، فمن يضمن لي يوماً كهذا اليوم. قال الحسن البصري: [[والذي نفسي بيده! ما أصبح صباح إلا نادى اليوم في صباحه: يا بن آدم! اغتنمني فوالله إني لا أعود لك إلى يوم القيامة]] قال الجاحظ في كتابه الحيوان؛ وأحسن ما أنشد العرب في حفظ الوقت أبيات الصلتان السعدي، يقول فيها: أشاب الصغير وأفنى الكبير كرُّ الغداة ومر العشي إذا ليلة حرمت يومها أتى بعد ذلك يوم فتي نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجة من عاش لا تنقضي تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجة ما بقي هذا من أحسن ما قيل! وأنا أذكر -وهذا يجوز بالإجماع- بعض الأبيات النبطية لأحد الشعراء، يذكرها في العمر وفي الشيب، ابتدأها بحمد الله، يقول: لك الحمد يا من صور الشمس والقمر وسوى السما سبعاً وقوى عقودها وصلى على المختار من صفوة البشر مع أنصار دينه يوم كانوا جنودها أبى أوصيك يا مسلم دليل من افتكر ودرب السعادة عزكم من يرودها؟ إذا ما ذكرت القبر يا عبرة العبر مع الحفرة الظلما دهتنا بدودها لحى الله دنيا تتعب القلب والبصر إذا قلت طابت تخدش العين عودها صحبنا بها الإخوان في الحضر والسفر فلما تصافينا بكتنا عهودها بنينا بها بيتاً من الطين والحجر فدكت مبانيها وهزت سنودها تعبنا بها والله من كثرة الخطر كرهنا مغانيها وعفنا بنودها ويصدِّق هذا الكلام قوله ﵊ كما في صحيح البخاري: ﴿يؤتى يوم القيامة بأنعم أهل الأرض -أي: أنعم أهل الأرض من الفجرة الذي ما عاش إلا في الحرير والقصور وفي الورود الرائجة، والحدائق الناعمة، وفي الحلي والحلل، والدنيا والزلل وفي كل شيء- فيغمسه الله في النار غمسة، ثم يقول الله: هل رأيت نعيماً قط؟ قال: لا -والله- يا رب! ما مر بي نعيمٌ قط، فذهبت الفلل، والقصور، وذهب النعيم، وبقيت المعصية تلاحقه حتى أدخلته النار- ويؤتى بأتعس أهل الدنيا -هذا الرجل الطائع الذي ينام في الخيمة، ولا يجد إلا كسرة الخبز، ولا يجد إلا جرعة الماء، دائماً جائع، مطرود بالأبواب، كسيف البال، مغير الخلقة، عليه ثياب بالية، عليه وضر الضر والفاقة والفقر- فيغمسه الله غمسة في الجنة، ثم يقول الله له: هل مر بك بؤس قط؟ قال: لا -والله- يا رب! ما مر بي بؤس قط﴾ وهذه هي الحياة. ولذلك سل من تنعم، وهو في الحياة الآن، كم مر في النعيم، هل تتذكر النعيم؟ يقول: لا. الذي تغدى اليوم لا يذكر الغداء لأنه جاع الآن، والذي جاع في الأمس لا يذكر الجوع؛ لأنه شبع اليوم، ولا تبقى إلا طاعة الله الواحد الأحد. ولذلك تواصى بها الصالحون قديماً وحديثاً.

стр. 1950

قصة سلميان ﵇ والفلاح ذكر ابن القيم في كتاب الفوائد أن سليمان ﵇، قال: "تعلمنا مما تعلم الناس ومما لم يتعلموا فما وجدنا كتقوى الله". وقال عون بن عبد الله لزملائه وهو يودعهم: أوصيكم بوصية: عليكم بتقوى الله فإن المتقي لا وحشة عليه. ولذلك فإن القليل من العمل الصالح يعادل جبالاً من جبال ونعيم الدنيا لو كانت في ميزان الحسنات. ونذكر هنا قصة سليمان ﵇ مع الفلاح: كان سليمان ﵇ كان عنده مُلْك الدنيا خيولها، ووحوشها، وطيورها فسخرها الله له، عمل مهرجاناً ذات يوم فاستعرض الدنيا، وخيولها، ووحوشها، وطيورها، ثم مرت به الخيل فأشغلته عن صلاة العصر، قال بعض العلماء: فأخذ السيف فقتل الخيل جميعاً، وتصدق بلحومها؛ لأن لحوم الخيل يجوز أكلها. وقالوا: بل مسح مسحاً -مر بيده- على أكتافها وأذنابها وأعتقها أو تصدق بها في سبيل الله، فعوضه الله عزوجل -لما علم حرصه على صلاة العصر- بالريح بدل الخيل، فسخرها له، فكان إذا أراد أن ينتقل من مكان إلى مكان قال للريح: يا ريح! أريد تلك الأرض فانقليني إليها، ومهما بلغت الصناعات أو التقدم العلمي فإنه لا يصل إلى هذا المستوى، فكان يقول للريح: تعالي. قال : ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ:١٢] أي: أن مسيرها في الصباح تقطع مسافة شهر، وإذا عادت فإنها تعود مسيرة شهر. ومرة من المرات أراد بلاد الهند وكان مقيماً في فلسطين، فقال للريح: أريد الهند، فأتت: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص:٣٦] معنى رخاءً حيث أصاب، أي: أنه إذا أراد أرضاً فلا تنزله بسرعة فتحطمه، بل تقلل من سرعتها (رخاء) رويداً رويداً (حيث أصاب) حيث أراد. وقال أهل العلم في قوله: (حيث أصاب) حيث أراد، فهو إذا أراد هذه البقعة فلا تنزله في البقعة الأخرى، فإذا أراد الطائف فلا تنزله في جدة، وإذا أراد الرياض فلا تنزله في الدمام. (حيث أصاب) أي: حيث أراد بنيته، فهي ريح بكماء صماء، لكن الله سخرها له. فقال: أريد الهند، فنقلته ومعه حاشيته وأمراؤه ووزراؤه، فلما أصبح بين الأرض والسماء، قالوا: لاح له ثوبه، وكان عليه ثوبٌ جميل فالتفت إليه، فأرادت نفسه أن تعجبه، فأوحى الله إليه: يا سليمان! وعزتي وجلالي لو أعجبتك نفسك لأمرت الريح أن تحطمك في الأرض. والأنبياء معصومون لكن هذا إنذار من الله عزوجل. فلما مر حجب الشمس عن فلاح، وهو فلاح في الأرض معه مسحاة يزرع بها، ولا يعلم عن هذا الملك العظيم ولا عن الريح، فهو فلاح في الأرض لكنه موصول القلب بالله عزوجل، ويعرف الله عزوجل. وتقدم الحياة والقلب هو بمعرفتك بالله الواحد الأحد، وانطماس وظلمة القلب هو ألَّا تعرف الله ولو كنت في ناطحات السحاب: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] ويقول عن الكفار الذين ملكوا الدنيا: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩] وقال عن قوة الكافر، وجماله ودنياه: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥] مر سليمان ﵇ فحجب الشمس عن الفلاح، فنظر الفلاح فرأى سليمان على بساط الريح، وكانت الريح تعمل بنفسها بساطاً، فقال الفلاح: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً، فذهبت الكلمة؛ لأن هذه الكلمة -سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر- لا تنزل في الأرض بل تصعد في السماء، والدليل على أنها تصعد هو قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]. الكلمات الطيبة تتجه إلى الله الواحد الأحد، أما الكلمات الخبيثة: اللعن الشتم البذاء الغيبة النميمة الزور، فإلى سجين وهي محسوبة على العبد، أما الكلمات الطيبة، فقال : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]. ولذلك يقول ﵊: ﴿إن لتسبيح العبد المسلم دويٌ كدوي النحل حول العرش﴾ وهذا الحديث في سنده نظر، وورد في حديث آخر يورده أهل العلم في فضل القرآن: ﴿أن القرآن في آخر الزمان يعود من قلوب الناس فيكون له دويٌ كدوي النحل، فيقول الله: عد إلى صدور الناس، قال: يا رب! كيف أعود إلى أناس هجروني بالنهار بالعمل، وهجروني في الليل، وتوسدوني عند رءوسهم، فيقبضه الله من قلوب العباد﴾ وهو من علامات الساعة، وهذا الحديث ولو أن سنده لا يقوم، لكن دلائل وقواعد الإسلام تؤيده فهو من علامات الساعة. قال الفلاح: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً، فسمع سليمان الكلمة فقال للفلاح -وقد هبط عند الفلاح-: ماذا قلت؟ قال: مررت بي فرأيت ملكك فأعجبني ملكك، فقلت: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً. فقال سليمان: والذي نفسي بيده! لقولك: سبحان الله خير مما أوتي آل داود. ويؤيد ذلك ما ثبت في صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: ﴿لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس﴾. فلذلك رفع الله إدريس ﵇ مكاناً علياً. وقد كان إدريس ﵇ خياطاً يخيط بالإبرة ويبيع على الناس وهو نبي مرسل، وزكريا ﵇ كان نجاراً، وداود ﵇ كان حداداً، فلما علم الله تواضعهم رفعهم سبحانه، أما إدريس فقال الله : ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم:٥٧] يقولون: كان عندما يدخل الإبرة ويخرجها يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ثم يخرج الإبرة، فأوحى الله إليه: يا إدريس! وعزتي وجلالي لأرفعنك مكاناً علياً، قال: يا رب! بماذا وأنا مذنب؟! -أي: معترف بالتقصير- قال: إنه يُرفع عملك مع عمل أهل الدنيا، فيعادل عملك نصف عمل أهل الدنيا بالتسبيح والتهليل. وهذا تسديد من الله أن تجد العبد دائماً يسبح ويهلل. قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: "كان خالد بن معدان يسبح في اليوم مائة ألف تسبيحة". وهذا توفيق من الله .

стр. 1951

ضرورة استغلال الأوقات في الذكر تجد بعض الناس دائماً يتمتم بالتسبيح حتى يقول عنه المنافقون: هؤلاء موسوسون، وفي حديث ضعيف ضعفه الشوكاني وغيره من الأئمة: [[اذكر الله حتى يقول الناس: إنك مجنون]] ولو أن بعض العلماء صححه لكنه لا يصح بل هو ضعيف، ومعنى الحديث: أي: كأن الإنسان موسوس. حتى إن أحد الصالحين وقد كان يسبح كثيراً، قال عنه أحد الشباب: عمنا موسوس، فقال في قصيدة: ومن هيامي بكم قالوا: به مرض فقلت: لا زال عني ذلك المرض يقول: من ذكري لك -يا رب- يقول الناس: إن بي مرضاً، فقلت: لا زال هذا المرض. وقال ابن القيم في بيت جميل: إذا مرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذكر أحياناً فننتكس ولذلك تجد الصالحين دائماً يتمتمون، وقد مرَّ معنا في أحد الدروس: أن أحد المسلمين ذهب إلى المدينة النبوية فرأى أناساً من نيجيريا معهم مسابح طويلة يسبحون لكنه لا يدري ماذا يقولون، إنما يسمعهم يتمتمون بالتسبيح -وهذه المسابح فيها كلام سوف يأتي إن شاء الله فالبعض معه مسبحة لا يحملها الحمار، وكل حبة مثل التفاحة!! وهؤلاء هم غلاة الصوفية - فوجدهم يسبحون ويتمتمون لكنه لا يسمعهم وهو لا يعرف المسابح إلا ذاك اليوم، فاشترى مسبحة ورجع إلى قريته فكان يجلس في المجلس فيتمتم ويشتغل في المسبحة، فيقول له الناس: ماذا تقول يا فلان؟ قال: أقول: الحقي أخواتك الحقي أخواتك، فهو لا يعرف التسبيح فتمتم بباطل أو بمباح من القول. وهذا ضياع للعمر فالسنة أن تعلق قلبك بذكر الله سواء لامك الناس أو لم يلوموك. قال النووي في كتاب الأذكار في مسألة: هل يترك الإنسان التسبيح والتحميد من أجل الناس؛ لأن بعضهم إذا جلس في المجلس يقول: لو هللت، قالوا: ماذا في هذا الإنسان؟ وهذا صحيح أنه ملفت للنظر، وينبغي للإنسان ألا يلفت الأنظار إليه لكن هل يترك الذكر فلا يسبح؟ لأنه يقول: لو سبحت لقالوا: ماذا حدث لي هل أنا موسوس أو مراء، قال النووي: "ومن راقب الناس في هذه الأمور فاته أجر كثير". وهذا صحيح؛ فمن راقب الناس: قالوا وفعلوا ولاحظوا راقبوا، فاته أجر كثير، كما قال الفضيل بن عياض فيما صح عنه: "العمل من أجل الناس رياء، وترك العمل من أجلهم شرك، والسلامة أن يعافيك الله منهما، وأخلص العمل من أخلص العمل لله ". فهذه مسألة حفظ الوقت مع الله ، وكيف يستغل هذه الدقائق الغالية. والله ولي التوفيق والقادر عليه، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 1952

الأسئلة

стр. 1953

حكم بعض العبارات التي يطلقها بعض الناس السؤال يقول السائل ما صحة هذه العبارات: فلان غني عن التعريف، العصمة لله ولرسوله، المرحوم فلان بن فلان إذا توفي، انتقل إلى مثواه الأخير، قول القائل: الله ورسوله أعلم؟ الجواب أما قولهم: فلان غني عن التعريف فالعبارة خطأ، يعني: يأتي محاضر أو شيخ أو عالم أو داعية أو مسئول فيقدمون له، ويقولون: فلان غني عن التعريف. قال بعض العلماء: الغني عن التعريف هو الله، والعبد لا بد أن يُعرَّف به وليس بغني عن التعريف. وفي سنن الترمذي بسند ضعيف أن الرسول ﵊ قال: ﴿إذا لقي أحدكم أخاه فليسأله عن اسمه ونسبه فإنه واصل المودة﴾. وعند مسلم في الصحيح من حديث وفد عبد القيس الذي رواه ابن عباس: ﴿إن الوفد قدموا على الرسول ﷺ ، فقال لهم: من الوفد؟ -أو من القوم؟ - فقالوا: من مضر، قال: مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى﴾ فسألهم عن أسمائهم ﵊ وهو من باب التعريف. ودليلهم من القرآن قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣]. فلا تقل: فلان غني عن التعريف، ولا تسل عن قبيلته وعن نسبه، فالغني عن التعريف هو الله، ولذلك صاحب أعظم كتاب من كتب النحو سيبويه، وقد كان ذكياً من أذكياء الدنيا مات وعمره (٣٢) سنة، فلما مات رئي في المنام -وأهل الحديث يقولون: سيبوْيَه، وأهل النحو يقولون: راهوَيْه، وأهل الحديث يقولون: راهوْيَه، وسيبويه أعجمي وهو لا يستطيع أن يتكلم، فإذا قام يتكلم في الخطب تلكأ، لكن إذا كتب تجده حافظ الدنيا. قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأدخلني الجنة، قالوا: بماذا؟ قال: لأني عندما أتيت إلى لفظ الجلالة قلت: الله لفظ الجلالة أعرف المعارف غني عن التعريف فما عرفته. فالغني عن التعريف هو الله ؛ لأنه تعرف إلينا بآياته في كل مكان؛ فلا تلمح ولا تنظر ولا تتأمل إلا ويدلك ما تنظر إليه إلى قدرة الله، نظري إليكم ونظركم إلي، ونظركم في أجسامكم ونظركم في السماء، ونظركم في الأرض والشجر والمدر والحجر والماء والضياء والسماء تدل على رب الأرض والسماء: وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد فكلمة غني عن التعريف هي لله ، والإنسان يُعرَّف، ولو كان معروفاً عند الناس فإنه يقال: فلان بن فلان، يشتغل في كذا، من قبيلة كذا، وهذا ليس من باب العنصرية؛ لأن القبائل التي جعلها الله ليس لفضل قبيلة على قبيلة؛ بل المقصود التعارف: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣]. - العبارة الثانية: العصمة لله ورسوله: صحيح أن العصمة للرسول ﵊، ولا يجوز أن نقول: العصمة لله؛ لأن المعصوم لا بد له من عاصم، والله لا عاصم له، وجلَّ الله أن يكون له عاصم. فالله هو الذي يعصم غيره ولا يعصمه غيره . فتجد بعض الناس يقولون: نحن أخطأنا، العصمة لله ورسوله، فالعصمة للرسول ﷺ ، لأن الله تعالى زكى الرسول ﵊ فقال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم:١ - ٦]. فالله غني قادر يحتاج إليه غيره ولا يحتاج إلى غيره أبداً. فالذي يقول: العصمة لله فكأن الله معصوم من غيره، وهذا ليس بصحيح. - العبارة الثالثة: المرحوم فلان بن فلان، والذي انتشر في الصحف والجرائد والمجلات -الآن- أنه إذا توفي رجل قالوا: المرحوم فلان بن فلان، وهذه تعتبر شهادة ولا يعلم الغيب إلا الله، بل يقال له من باب الإنشاء: ﵀ وغفر الله له، وأسكنه فسيح جناته، ولا يقال له: المرحوم من باب الخبر، ولا يقال: المغفور له، ولا المرحوم، ولا الشهيد، فإن هذا من باب الخبر. والخبر فيه تقوُّل على الله؛ لأن الخبر لا يأتي إلا عن طريق الكتاب أو من المعصوم ﵊، ونحن ليس عندنا خبر، لكن يجوز من باب الإنشاء أن تقول: غفر الله له ﵀. وفي صحيح البخاري: ﴿أن امرأةً لما توفي عثمان بن مظعون قالت: طوبى له من أهل الجنة، فغضب ﵊ وقال: وما يدريك وأنا رسول الله ينزل عليَّ الوحي صباح مساء، والله ما أدري ما يُفعل بي﴾ يقول: أنا رسول الله يأتيني الوحي من الله ولا أدري ماذا يفعل بي، وأنتِ تشهدين لرجل أنه من أهل الجنة، ما يدريك؟ فالعلم عند الله ، وفي أحد قاتل قزمان وكان من أشجع الناس، وقد سمع بالمعركة بين الرسول ﷺ وبين المشركين، فأخذ سيفه وقاتل قتالاً شديداً، فأصابته ضربة سيف في رأسه حتى أثخنته الجراح، فحمل إلى دار بني ظفر، ثم لم يصبر على قضاء الله، فسلَّ السيف واتكأ عليه حتى خرج من ظهره وكان إذا ذكر عند الرسول ﷺ قال: ﴿إنه من أهل النار﴾. فلا يشهد لأحد أنه من أهل الجنة إلا من شهد له رسول الله ﷺ ، ولا لأحد من أهل النار خصوصاً من المسلمين إلا من شهد عليه رسول الله ﷺ . مسألة: يشهد للشهداء على الأجناس ولا يشهد لهم على الأشخاص، مثلاً: من يقتل في أفغانستان فنقول على الأجناس: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، أما أن نقول: فلان بن فلان المولود عند دار فلان شهيد، فهذا تقوُّل على الله، فنحن لا ندري، لكن نتمنى أن يكون شهيداً، ونسأل الله له الشهادة، فالله يقول عن أجناس الشهداء: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] فقوله: قتلوا أي -أجناس القتلى- لكن الأشخاص علمهم عند الله . - العبارة الرابعة: انتقل إلى مثواه الأخير، وهذه العبارة اشتهرت -أيضاً- في الصحف وفي بعض الأندية وفي المجامع العامة والمجالس، قال كثير من أهل العلم: إن كلمة (مثواه الأخير) توهم معنىً إلحادياً، فإن أهل الإلحاد -عليهم لعنة الله- يقولون: إن القبر هو المثوى الأخير، أي: لا جنة بعده ولا نار، ولا حساب ولا صراط، ولا ميزان، ولذلك فإن عمر الخيام صاحب الرباعيات الذي يقول: فما أطال النوم عمراً وما قصر في الأعمار طول السهر يقول: أعطني الخمر اليوم لأنني إذا وصلت القبر لم يعد هناك لذائذ، وليس في القبر حساب ولا عقاب ولا جنة ولا نار، يقول: أعطني اللذائذ اليوم، وقدم لي المعاصي: فما أطال النوم عمراً وما قصر في الأعمار طول السهر لبست ثوب العمر لم أستشر وتهت فيه بين شتى الفكر يقول: أنا لم أستشر عند خلقي، ولو استُشرت لقلت: لا أريد أن أخلق، سبحان الله! ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١] ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ [الكهف:٥]. فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فهو عبد مخلوق، ويقول: لبست ثوب العمر لم أستشر وتهت فيه بين شتى الفكر ثم أتى يقول لصاحبه: اعمل فإن مثواك الأخير القبر. وهذا رأي للملاحدة، ولا نريد من أهل الإسلام أن يشابهوهم فيه، فليس المثوى الأخير هو القبر، وليست النهاية الأخيرة هي القبر، بل بعد القبر جنة أو نار، وحساب، وموقف، وصراط وميزان، وتطاير الصحف: مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور إن قيل: نور الدين جاء مسلماً فاحذر بأن تأتي ومالك نور حرمت كاسات المدام تعففاً وعليك كاسات الحرام تدور لا بد من الوقوف، والله! لنبعثن ولنقفن عند الواحد الأحد. فلا يقال: إلى مثواه الأخير، بل يقال: إلى القبر، أو مات، أو انتقل. هذا هو الصحيح، لأن هذه الكلمة يستغلها الملاحدة كثيراً. ولذلك يقول إيليا أبو ماضي وهو أعمى القلب، وهو شاعر لبناني عليه غضب الله: جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت يقول: لا أدري لماذا أتيت؟ ولماذا خلقت؟ ولماذا أكلت؟ ولماذا شربت؟ فهو دابة بهيمة: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤]. >جئت لا أعلم من أين! ولكني أتيت!! ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت!! وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت!! كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري!! ولماذا لست أدري؟!! لست أدري!! لكنه سوف يدري: ﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:٩ - ١٠]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام:٩٤]. فهذه الأسماء اللامعة -يا شباب الإسلام- موجودة كتبهم ودواوينهم في الساحة، مثل: بشارة الخوري هذا المجرم النصراني الخبيث، والشاعر اللبناني الكافر، الذي كفر بالله، ويوم نزل في دمشق حملوه على الأكتاف حتى أوصلوه من المطار إلى الفندق. يقول هذا المجرم: هبوا لي ديناً يجعل العرب أمة وسيروا بجثماني على دين برهم يقول: أعطوني أي دين يؤلف العرب. ثم يقول: بلادك قدمها على كل ملة ومن أجلها أفطر ومن أجلها صم يقول: قدم بلادك ووطنك وتراب أرضك على كل دين، ثم يقول: فيا حبذا كفراً يؤلف بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم نسأل الله أن يصليه بعدله جهنم. ونزار قباني المجرم الآخر عابد الجنس والمرأة؛ استهزأ بالرسول ﷺ أعظم وأصلح من خلق الله وأشرف من رفع الله، هذا المجرم له أبيات من الإلحاد، وأشرِّف هذا المكان أن أذكرها على لساني ولكن يجازيه ربه ، وإنما نبين هذا من باب البيان: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥]. - أما العبارة الخامسة فقولهم: الله ورسوله أعلم. أما في حياته ﷺ فتطلق، فهو يعلم بعلم الله له في حياته، أمَّا بَعْد موته فلا يصح أن نقول: الله ورسوله أعلم، وإنما نقول: الله أعلم، لأن الرسول ﵊ مات وهو في قبره لا يعلم ولا يشافي ولا يعافي ولا يرزق، وهذا على خلاف معتقد غلاة الصوفية الذي يقول شاعرهم القبوري المشرك البرعي شاعر اليمن لما أتى إلى قبره ﵊ وأخذ الحديد وبكى وهو يقول: شافي مريضي، لأن عنده بنت مريضة في اليمن، ويقول: أنا مذنب يا رسول الله، والرسول ﷺ في قبره! يقول في قصيدته: يا رسول الله يا ذا الفضل يا بهجة المحشر جاهاً ومقاما فأقل لي عثرتي يا سيدي في اكتساب الذنب في خمسين عاماً وهذه كلمة شركية تخرجه من الملة. والبوصيري صوفي غالٍ من أصحاب المسابح الذين لا يعرفون من الإسلام شيئاً، وليس عندهم من نور الإسلام ولا من الهداية إلا الخرافة والخزعبلات، فهؤلاء مشركون، وقف البوصيري فقال: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم ولذلك ألَّف ابن تيمية مجلدات في الرد عليهم، من قرأها فهي الدواء والعلاج والشفاء، وهي نور على نور. فبعد وفاته ﷺ ، يقال: الله أعلم، فالرسول ﷺ بعد وفاته لا يعلم.

стр. 1954

اسم ملك الموت السؤال هل اسم ملك الموت عزرائيل أم لا؟ الجواب اشتهر هذا ولكنه ليس بصحيح، ولا يوجد في الكتاب ولا في السنة ولا نُقِلَ عن سلف الأمة أن اسمه عزرائيل، بل سماه الله: ملك الموت، ولم يسمه عزرائيل، وقد صح من أسماء الملائكة: جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، أما عزرائيل فليس بصحيح.

стр. 1955

سبب نزول قوله تعالى: (ومنهم من عاهد الله) السؤال ما سبب نزول: ﴿* فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ [التوبة:٧٥ - ٧٦]؟ الجواب قال أهل العلم: نزلت هذه الآية في ابن جميل، وكان من الفقراء، فقال: ﴿يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني مالاً، فوالذي نفسي بيده! لأن رزقني الله مالاً لأتصدقن في سبيل الله﴾ وأصل الحديث عند البخاري، فرزقه الله مالاً، فأرسل رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب لجمع الزكاة، فمر بـ ابن جميل فقال: أعطني الزكاة؟ فقال ابن جميل: الحقوق كثيرة وهذه أشبه بالجباية، وليس لكم حق في مالي وأنا سأدفع الأمانة، ومر على خالد بن الوليد فلم يدفع الزكاة، ومرَّ على العباس عم الرسول ﷺ فامتنع أيضاً. فأتى إلى الرسول ﷺ فقال: ﴿أعطاني الناس كلهم زكاتهم وصدقاتهم إلا ثلاثة: عمك العباس، وخالد بن الوليد، وابن جميل -فقام ﷺ يفصل لـ عمر - فقال: أما العباس فهو عمي، لقد قدَّم زكاة عامين إليَّ، هي له عليَّ ومثلها﴾ أو كما قال ﵊. ومعنى ذلك: أن العباس قدم زكاته لسنتين، فاستحيا العباس أن يقول لـ عمر: إنه قد أعطى لرسول الله ﷺ ، فقال: لا أعطيكم؛ لأن الرسول ﷺ سوف يعلم أنها عنده، وقد قدمها لأن الرسول ﷺ احتاج في غزوةٍ من الغزوات إلى الزكاة، فقال للعباس: قدِّم لي زكاة سنتين فقدمها له، فلما أتى عمر لم يخبره ﷺ أنه أخذ زكاة العباس، فقال العباس: لا. فقال: هي علي ومثلها، أي: زكاة العباس. ﴿وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً، لقد احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله﴾ كان خالد عنده مائة فرس أوقفها كلها في سبيل الله، والمخرج في سبيل الله ليس فيه الزكاة. يقولون معن لا زكاة لماله وكيف يزكي المال من هو باذله يقولون: كان معن بن زائدة من أغنى الناس ولم تجب عليه الزكاة؛ لأنه كلما حال الحول على ماله، أنفقه في سبيل الله، فما وجدوا عليه زكاة ولا سنة، فلامه بعض الناس: أين زكاتك يا معن؟! فقام مروان بن حفصة أحد الشعراء يعتذر له، ويقول: يقولون معن لا زكاة لماله وكيف يزكي المال من هو باذله هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائله يقول: أتطلب منه الزكاة وقد أنفق أمواله في سبيل الله؟! ثم قال ﵊: وأما ابن جميل: ﴿فما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه الله﴾ يقول: ما ينقم ابن جميل حتى ينكث عهده مع الله، فقد كان فقيراً ثم أغناه الله فمنع الزكاة. فهذا سبب نزول هذه الآية.

стр. 1956

قصيدة نبطية في اللحى السؤال أتلمس من الشيخ إعادة القصيدة النبطية في اللحى؟ الجواب هذه القصيدة قد مرت وأظنها كثرت ومُلَّت، وهي مختصرة قليلاً، وهي لشاعر مجيد في الشعر النبطي مثل امرؤ القيس، يقول: إنه حضر في مجمع ومحفل فرأى بعضهم يحلقون اللحى ويخالفون السنة، فقال هذه الأبيات: يا ربعنا ياللي حلقتم لحاكم وايش علمكم ترمونها في القمامه هي سنة ما سنها مصطفاكم علامة يا شينها من علامه شابهتم الشيطان شغلة عداكم من شابه الشيطان يلقى الملامه ثم يقول: ما احد جبركم فعلكم من رضاكم من شابه الشيطان يلقى الندامه ترى اللحى يوصي بها يصيبها مصطفاكم صفوة قريش اللي رفيع مقامه عفوا لعل الله يغفر خطاكم وتفوزوا يوم اللقا في القيامه هذه وصية إن كان ربي هداكم أقولها يا الربع مع السلامة

стр. 1957

صحه حديث: لو خشع قلب هذا السؤال حديث اشتهر على الألسنة: ﴿لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه﴾ ما صحته؟ الجواب هذا الحديث موضوع، وهو من كلام عمر بن الخطاب، وقد ذكره الأثرم وغيره من الأئمة، ولا يصح رفعه إلى الرسول ﵊، وقد أوردوا قصة له فقالوا: ﴿إن الرسول ﷺ رأى رجلاً يُصلي وهو يتحرك ويعبث بلحيته، فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه﴾ فهذا لا يصح إلى الرسول ﷺ ، بل هو من كلام عمر بن الخطاب، ويصح إلى عمر، أما إلى غيره فلا يصح، وقد أورده سعيد بن منصور في سننه إلى عمر بن الخطاب.

стр. 1958

بعض خصائص الرسول ﷺ السؤال هل للرسول ﷺ خصائص يختص بها عن الأمة؟ الجواب نعم له ﷺ خصائص، وأحسن من ألف في ذلك الشيخ ملا خاطر في كتاب: خصائص الرسول ﵊ وذكر له ما يقارب عشر ومائة خصيصة. ومن خصائصه ﷺ : أنه لا يتثاءب؛ لأن التثاؤب من الشيطان؛ وما تثاءب في حياته ﷺ أبداً؛ لأن الشيطان لا يتلاعب به، وفي صحيح مسلم: ﴿ما منكم من أحد إلا ومعه شيطان قرين، قالوا: حتى أنت يا رسول الله؟ قال: حتى أنا، ولكن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير﴾ وهذا بعد أن أسلم، وبعضهم يضبط كلمة (أسلم) أي: فأسلمَ من الإسلام، وبعضهم يقول: أسلم يعني أسلمُ من شره، ولكن الصحيح أنه من الإسلام، أي: أسلم وهداه الله ودخل في الدين. ومن خصائصه ﷺ : أنه لا يحتلم في المنام، فالاحتلام الذي يأتي الإنسان لا يأتي الرسول ﷺ ؛ لأن الاحتلام تلاعب من الشيطان. أحد الأعراب تلاعب به الشيطان، فاحتلم في المنام، وكانت الليلة باردة، فقام يغتسل بالماء وكان الماء بارداً مثل الثلج، فأخذ الماء يرميه وراء ظهره، ولا يصله إليه شيئاً فقالوا: مالك؟ فقال: ما دواء الكذاب إلا الكذاب، فالاحتلام كذب عنده. فهذا الاحتلام من الكذب، ولكن الغسل منه واجب والرسول ﷺ لم يحتلم في حياته ولا مرة؛ لأنه معصوم، والشيطان لا يتلاعب به ﵊. ومن خصائصه ﷺ : أنه تزوج بأكثر من أربع من النساء، فقد جمع بين تسع وتزوج إحدى عشرة ﷺ ، لكنه جمع تسعاً، وليس لأحد من الناس أن يجمع أكثر من أربع. وبعض النساء يرين التعدد بأكثر من واحدة محرم وقد خالفن الإجماع، ولذلك سمعت -ولا بأس بنقل هذه القصة لأنها قد ذكرت في أكثر من مناسبة-: أن رجلاً من أهل شقرة المدينة الفاضلة، قال لزوجته: أريد أن أتزوج بثانية؟ قالت: لا يجوز، قال: بل يجوز، يقول سبحانه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣]. قالت: هذه الآية نزلت في أهل بريدة أما أهل شقرة فما نزلت فيهم هذه الآية. فهذه الآية نزلت في المسلمين جميعاً، فعلى النساء أن يعرفن أن التعدد مباح. الشاهد: أنه ﷺ أوتي قوة ثلاثين في الجماع، وكان ﷺ يدور على نسائه التسع. ومن خصائصه ﷺ أنه كان يُواصل الليل بالنهار في الصيام إلى ثلاثة أيام إلى أربعة، فقد كان من أقوى الناس، حتى يقول بعض المفكرين مثل سيد قطب: أنه كان مهيأ لقيادة العالم -يعني: في جسمه- فكان قوي الإحساس قوي الجسم، تصوروا أنه كان إذا ضرب بالسيف تكسر السيف ويسمع له شظايا على رءوس الناس، وإذا خطب سمعه من في السوق، وإذا تحرك كان عرقه يتحدر كالدر والجوهر ويوجد منه رائحة المسك، فهو قوي مهيأ لقيادة العالم، فأعطاه الله قوة في جسمه وفي هيكله. حتى يقول أحد الأنصار: دهدهنا صخرة في الخندق فما استطعنا لها، واجتمع لها نفر من الصحابة من المهاجرين والأنصار، كـ خالد وسعد وعمر وأمثالهم، فأرادوا الصخرة فما استطاعوا، فأتى ﷺ فرآهم فتبسم، قال: فكأني به يوم شمر عن ساعديه ﷺ ثم أخذها، قال الأنصاري: والله لقد حملها من على الأرض، ثم وضعها خارج الخندق. أتاه ركانة -والحديث في السير- وكان مصارعاً لا يغلبه أحد وهو بطل المصارعة، فأتى إلى الرسول ﷺ فقال: من أنت؟ قال: أنا رسول الله، قال: من أرسلك؟ قال: الله. ثم قال رسول الله ﷺ : أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، قال: لا. حتى تريني آية، قال: ما هي الآية؟ قال: تصارعني فإن صرعتني أسلمت وإلا فلا أسلم، قال ﷺ : قم، وكان الصحابة جلوساً، فأخذه ﷺ فحمله كالريشة من على الأرض ثم لطمه في الأرض.

стр. 1959

تفسير قوله تعالى: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) السؤال ما معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥]؟ الجواب أي: الصلاة بخشوع وخضوع تمنع صاحبها من الفحشاء والمنكر، أما حديث: ﴿من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً﴾. فلا يصح وهو حديث باطل، قال ابن تيمية: الذي يأتي الفاحشة ويصلي أجدر أن يقترب من الله فيقترب ويقترب حتى يتوب. فلا تزيده الصلاة بعداً بل تزيده قرباً. ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥]. ما معنى أكبر؟ قال بعض المفسرين: أكبر من كل شيء، وهذا صحيح، لكن المعنى الصحيح: يقول ابن تيمية في الصلاة فائدتان: الفائدة الأولى: أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر. والفائدة الثانية: أن الصلاة يقام فيها ذكر الله، وإقامة ذكر الله في الصلاة أكثر إفادة لك من نهي الصلاة لك عن الفحشاء والمنكر. ولا فض فوك يا أبا العباس! لا يأتي إلا بالجواهر، ولذلك أنصح من يريد الله والدار الآخرة أن يتبحر في كتب ابن تيمية، فإنها تربي طالب العلم وتنمي ثقافته وإيمانه وصدقه وإخلاصه وتقوده إلى الله، وهي تكفي أن تكون مكتبة، فتكوِّن لنفسك مكتبة فيها المصحف، وكتب السنة، وكتب ابن تيمية، وهذا الرجل من قبل سبعمائة عام أو أكثر ما طرق العالم مثله، يقول ابن دقيق العيد لما رأى ابن تيمية: والله! ما كنت أظن أن الله يخلق مثلك. (لكن الله قدير) تصور هذا الإمام عمره ثلاث وستون سنة، حفظ علوم الدنيا، وكان كالبحر يقول: أقرأ المجلد الواحد فينتقش في ذهني، قام مجاهداً ومفتياً وخطيباً ومقاتلاً وزاهداً ومعلماً حتى أمضى دقائقه وأوقاته في خدمة هذا الدين، فرحمه الله رحمة واسعة.

стр. 1960

حكم الإسبال السؤال ما حكم تطويل الثوب علماً أنني لا أقصد بذلك التبختر أو الكبر ولكن أقصد بذلك مجرد المنظر فقط، أفيدونا في ذلك؟ الجواب إسبال الثوب أو ما يلحقه، من بشت أو سروال أو مئزر أو غير ذلك إلى أسفل من الكعب محرم على لسان محمد ﵊، ولا يجوز سواء كان ذلك للبطر والكبر أو لغير ذلك من المقاصد. قال بعض العلماء في تفصيل المسألة: - من جره بغير كبر فما أسفل الكعبين ففي النار. - ومن جره بكبر استحق جزاءين: الأول: أنه في النار، أي: ما تحت الكعبين. الثاني: لا ينظر الله إليه. فإن في الحديث الصحيح -حديث أبي ذر في مسلم -: ﴿لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء﴾ قال أهل العلم: هذا فيمن جره خيلاء. وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿ما تحت الكعبين في النار﴾ أو كما قال ﷺ . قال أهل العلم: هذا سواء جره خيلاء أو بغير خيلاء. إذاً: فلا يجوز للمسلم أن يسبل ثوبه تحت الكعبين أبداً، وليس فيه رخصة. وأما حديث أبي بكر لما جاء إلى النبي ﷺ فقال له: ﴿يا رسول الله! إن إزاري يرتخي لولا أن أتعاهده؟ قال: إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء﴾ قال أهل العلم: لا بد أن يفهم بمفهومين: الأول: أنه قال: (يرتخي لولا أن أتعاهده) فالإزار يرتخي عليه بدون قصد وليس بعمد. والثاني يقال: (أتعاهده) أي: أرده، فهذا ليس فيه إسبال، ولم يداوم عليه ﵁. وأما قول السائل: إنه يريد الجمال أو المنظر؟ فما أظن أن في مخالفة الرسول ﷺ منظراً جميلاً، ويكفي مخالفة السنة قبحاً، بل ما أتى به ﷺ فهو الجميل والطيب والمبارك، وما عارض سنته فهو الخبيث، المحقر، المشوه، ومن رضي بالرسول ﷺ أرضى الله قلبه، ولذلك قال : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥].

стр. 1961

نصيحة لمن يضيق صدره في مجالس الذكر السؤال إذا حضرت مجالس الذكر وجدت وساوس، ويضيق خاطري، حتى أخرج من الدرس، فما توصيني به؟ الجواب نوصيك -أولاً- أن تجاهد شيطانك، فهذا الذي يطردك من مجالس الخير والمحاضرات والندوات هو شيطان، والرحمن يدعوك إلى دار السلام، قال : ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٨] وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٠٨ - ٢٠٩] وذكر الشيطان فقال: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر:١٦]. فوصيتي لك المجاهدة، ولذلك ذكر بعض العلماء أن الشيطان يأتي في أوقات العبادة؛ كأن تقوم تصلي فيأتيك الشيطان وفي الحديث الصحيح: ﴿حتى يخطر بينك وبين نفسك يقول لك: اذكر كذا، اذكر كذا، اذكر كذا﴾ لشيء ما كنت تذكره، ويأتيك وقت الذكر، ووقت العبادة. فوصيتي لك أن تجاهد الشيطان وسينصرك الله عزوجل إذا جاهدت. ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩] ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].

стр. 1962

حكم المني والاحتلام السؤال هل المني الذي يخرج من الإنسان عند الاحتلام طاهر أم نجس؟ وإذا وقع في ثوبي وصليت فهل صلاتي صحيحة؟ وإن كانت صحيحة والمني طاهر فما الهدف من الاغتسال؟ الجواب من خرج منه مني باحتلام أو جماع أو غير ذلك فعليه الاغتسال، والاحتلام إذا وجد منه بلل فإنه يوجب الاغتسال والمني طاهر، بخلاف المذي. فالمني طاهر أما المذي فنجس؛ لحديث علي في المذي عن المقداد عند البخاري ومسلم: ﴿أنه سأل الرسول ﷺ عن المذي؟ قال: فيه الوضوء﴾. أما المني فهو طاهر لكن يغتسل منه. أما سؤالك: لماذا أغتسل وهو طاهر؟ فهذا أمر الله الذي أتانا به محمد ﷺ وما كنا نفقه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢].

стр. 1963

الانصات عند قراءة القرآن السؤال قوله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤] هل يجب الإنصات حتى في غير الصلاة؟ الجواب قال الزهري: نزلت هذه الآية في الصلاة، وقد ذكرها ابن تيمية في كتابه، لما تكلم عن قراءة الفاتحة في مجموع الفتاوى قال: إنها نزلت في الصلاة؛ فيجب في الصلاة الإنصات، أما في غيرها فهو مندوب وهو الأحسن والأولى.

стр. 1964

حكم الذكر بقلب غافل السؤال بعض الناس يسبح وقلبه غير حاضر، ويتمتم بشفتيه وقلبه شارد، فهل يؤجر أم لا؟ الجواب الذكر على ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: ما توافق فيه اللسان والقلب، فهذا مأجور أجراً كاملاً. المرتبة الثانية: ما انفرد فيه القلب فهذه المرتبة الثانية ويؤجر عليها. المرتبة الثالثة: ما انفرد فيه اللسان بلا قلب، فهو مأجور لكن ليس كالقلب واللسان، ولا كالقلب وحده؛ لأنه ثبت عند الترمذي من حديث سلمان بسند حسن، قال ﷺ : ﴿قال الله : أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه﴾ فدل الحديث على أنه إذا تحركت الشفتان ففيه أجر ومثوبة من الله عزوجل، وعند الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن بسر قال: ﴿جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به؟ قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾ فدل على أن ترطيب اللسان بذكر الله ولو كان القلب شارداً فيه أجر كثير. ووالله! لا يجعل الله المغني والمزمر والمغتاب وشاهد الزور كالذاكر المتمتم بذكر الله ولو شرد قلبه: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦].

стр. 1965

حكم قول القائل: الكمال لله والعصمة لرسوله السؤال إذا قيل: الكمال لله والعصمة للرسول ﷺ ، فهل هذه العبارة صحيحة؟ الجواب هذه العبارة صحيحة، فلو قال: الكمال لله فهذا صحيح، والكمال المطلق إنما هو لله، ويوجد بعض الناس فيه كمال نسبي مقيد على مستوى البشر، أما الكمال المطلق فهو لله ﵎.
следующие страницы →